Полный текст (2 260 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الجحفة). قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلا. تعني ماء آجنا.
الإذخر: شجر معروف. والجليل: نبت يقال: إنه الثمام، ومجنة: سوق متجر (ة) كانت بقرب مكة. وشامة وطفيل: عينان هناك، وكنت مرة أحسب أنهما جبلان حتى أثبت لي أنهما عينان.
وقوله: (بارك لنا في صاعنا ومدنا) يريد في طعامنا المكيل بالصاع والمد.
والنجل: ماء البئر، والآجن: المتغير الريح. ويقال: إن الجحفة كانت إذ ذاك دار اليهود، فلذلك دعا بنقل الحمى إليها.
стр. 842
ومن كتاب الصيام
(٢) (باب فضل الصوم)
٤٠٤/ ١٨٩٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (الصيام جنة، فإذا كان (يوم صوم أحدكم)، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصوم لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها).
قوله: (الصيام جنة) يحتمل أن يكون أراد به جنة من النار، ووقاية للصائم دونها.
ويحتمل أن يكون أراد أنه جنة من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة ويضعف القوة، فيمتنع به الصائم عن مواقعة المعاصي، فصار كأنه جنة وستر دونها.
стр. 843
وقوله: (فلا يرفث). الرفث: الخنا والفحش، نهاه عن قول الرفث والفحش، لئلا يفسد صومه فيحرم أجره.
ويقال: إن الرفث اسم لكل ما يريد الرجل من النساء.
وقوله: (فليقل إني صائم) يحتممل وجهين:
أحدهما: أن يقول ذلك فيما بينه وبين نفسه، لئلا تحمله النفس على مجازاة الشاتم، فيفسد بذلك صومه.
والآخر: أن يقول ذلك بلسانه، ليمتنع الشاتم من شتمه إذا علم أنه معتصم بالصوم، فلا يؤذيه ولا يجهل عليه.
والخلوف: تغير ريح الفم، يقال: خلف فمه خلوفا، ومثله: خلف اللحم: إذا أروح وتغير، والمعنى في كونه عند الله أطيب من ريح المسك: الثناء على الصائم، والرضا بفعله، لئلا يمنعه ذلك من المواظبة على الصوم الجالب لخلوف فمه، ولأجل ذلك كره من كره السواك للصائم آخر نهاره، وبيان المعنى كأنه قال: إن خلوف فم الصائم أبلغ في القبول عند الله من ريح المسك عندكم.
قوله: (الصوم لي وأنا أجزي به)
فيه: تفضيل الصوم لما فيه من الإخلاص، وقد علمنا أن الطاعات كلها لله، وإنما المعنى أن الصوم عبادة خالصة، لا يستولي عليه الرياء والسمعة، لأنه عمل سر، ليس كسائر
стр. 844
الأعمال التي يطلع عليها الخلق، فلا يؤمن معه الشرك، وهذا كما روي أنه قال: (نية المؤمن خير من عمله)، وذلك لأن النية محلها القلب، فلا يطلع عليها غير الله ، وتقدير هذا الكلام: أن نية المؤمن منفردة عن العمل خير من عمل خال من النية، كما قال : ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر؛ لأن الشيء لا يكون خيرا من نفسه، ومن عدة أمثاله معه.
وقوله: (وأنا أجزي به)، ومعلوم أن الله تعالى هو الذي يجزي بالأعمال الصالحة دون غيره، والمعنى: مضاعفة الجزاء من غير عدد ولا حساب، كقوله : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾، وقد سمى رسول
стр. 845
الله ﷺ الصوم صبرا، وسمى رمضان شهر الصبر.
وقوله على أثره: (والحسنة بعشر أمثالها)، وإنما عقبه به إعلاما أن الصوم مستثنى من هذا الحكم، وإنما هو في سائر الطاعات عموما، دون الصوم المخصوص بهذا الحكم.
стр. 846
(٥) (باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا)
٤٠٥/ ١٩٠٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم أن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له).
قوله: (إذا رأيتموه) جعل ﷺ العلة في وجوب الصوم رؤية الهلال، وأوجب على كل قوم أن يعتبروه بوقت الرؤية في بلادهم دون بلاد غيرهم، فإن البلاد تختلف أقاليمها في الارتفاع والانخفاض، فربما روي الهلال في بعضها ولم ير في بعض، فحكم أهل كل إقليم معتبر بأرضهم وبلادهم دون بلاد غيرهم.
وقوله: (فإن غم عليكم) أي ستر دونكم بسحاب ونحوها.
стр. 847
يقال: غممت الشيء إذا غطيته فهو مغموم.
وقوله: (فاقدروا له) أي قدروا عدده. يقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد، وقد اختلف الناس في معنى هذا التقدير، فذهب بعضهم إلى أن يقدر له بحساب سير القمر، فيعتبر بإسباع الشهر، وينزل أمره عليها، ويستدل في ذلك بالسرار أيضا. وذهب عامة العلماء إلى أن معنى التقدير فيه استيفاء عدد الثلاثين، وقد روي عن رسول الله ﷺ من طريق أبي هريرة وابن عمر، وهذا القول هو المرضي الذي عليه الجمهور من الناس والجماعة منهم.
стр. 848
(باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية)
٤٠٦/ ١٩٠١ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
معنى الإيمان به: التصديق بوجوبه، والتعظيم لحقه، ومعنى الاحتساب فيه أن يتلقى الشهر بطيبة نفس، فلا يتجهم لمورده، وأن لا يستطيل زمانه، لكن يغتنم طول أيامه وامتداد ساعاتها لما يرجوه من الأجر والثواب فيها.
стр. 849
(٩) (باب هل يقول: إني صائم إذا شتم)
٤٠٧/ ١٩٠٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن أبي صالح الزيات، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه.
قوله: (كل عمل ابن آدم له) معناه أن لنفسه منه حظا، وفيه مدخلا، وذلك لاطلاع الناس عليه، فهو يتعجل بمكانه ثوابا من الناس، ويحوز حظا من الدنيا، وجاها وتعظيما ونحو ذلك من الأمور.
وقوله: (الصوم لي)، أي خالص لي، لا يطلع عليه أحد، فيكون لنفس صاحبه منه حظ فيه.
стр. 850
وقد قيل معناه: أن الاستغناء عن الطعام صفة لله ﵎، فإنه يطعم ولا يطعم، كأنه قال: إن الصائم إنما يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي، وهذا على معنى تشبيه الشيء في بعض معانيه، وإن كان لا يجوز أن يكون لله شريك في كنه صفاته، كما لا شريك له في ذاته، .
وقوله: (للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح) يحتمل أن يكون فرحه عند الإفطار سرورا بما وفق له من تمام الصوم الموعود عليه الثواب الجزيل، ويحتمل أن يكون فرحه بالطعام إذا بلغ منه الجوع، لتأخذ منه النفس حاجتها، والله أعلم.
стр. 851
(١٢) (باب شهرًا عيد لا ينقصان)
٤٠٨/ ١٩١٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت إسحاق بن سويد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ .
قال مسدد: وحدثنا معتمر، عن خالد الحذاء، حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: (شهرا عيد لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة).
стр. 852
قلت: إنما كان سبب هذا القول من النبي ﷺ أن الناس إنما يكثر كلامهم واختلافهم من السنة في هذين الشهرين، وهما شهرا عيد: فطرهم عند رمضان، وحجهم في ذي الحجة، فأعلمهم ﷺ أن هذين الشهرين وإن نقص أعدادهما في مبلغ الحساب فحكمهما على التمام والكمال في حكم العبادة، لئلا تحرج أمته، ولا يقدح في صدروهم شك إذا صاموا تسعة وعشرين يوما، وكذلك إن وقع الخطأ في يوم الحج لم يكن عليهم فيه حرج، ولم يقع في نسكهم منه نقص.
وقد قيل: معناه أنه لا يكاد يتفق نقصانهما في سنة واحدة، فإن كان أحدهما ناقصا كان الآخر تام العدد. قال الأثرم: وكان أحمد يذهب إلى هذا، قلت: وفي هذا نظر، والأول هو وجه الحديث، والله أعلم.
стр. 853
(١٠) (باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة)
٤٠٩/ ١٩٠٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان، عن أبي حمزة عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: (بينا أنا أمشي مع عبد الله، فقال: كنا مع النبي ﷺ فقال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه (أغض) للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).
الباءة: يريد بها النكاح.
والوجاء: أن تدق خصية التيس، أو الثور بين حجرين، فهو موجوء، يريد أن الصوم يقطع الشهوة فيصير بمنزلة الوجاء للفحولة من البهائم، وقد يستدل به على جواز التعالج لقطع الشهوة كتناول الكافور ونحوه من الأشياء.
стр. 854
(١١) (باب قول النبي ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ")
٤١٠/ ١٩٠٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن جبلة بن سحيم، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال النبي ﷺ : (الشهر هكذا وهكذا)، وخنس الإبهام في الثالثة.
خنس معناها قبض، والانخناس: الانقباض، وقد يكون الخنوس أيضا لازما؛ يقال للرجل إذا كان مع قوم فتخلف عنهم قد خنس. وقال لي بعض شيوخنا: كنت مع نفر من أعراب بني عقيل، فتخلفت عنهم، فلحقني آخر منهم فقال لي: ما لي أراك خانساً.
стр. 855
حدثني ابن مالك قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا صالح بن صالح، عن الشعبي، قال: وصف رجل آخر فقال: إذا قيل له: هاك انتهس، وإذا قيل له: هات خنس.
стр. 856
(١٦) (باب قول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾)
٤١١/ ١٩١٧ - قال أبو عبد الله: حدثني سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا أبو غسان -محمد بن مطرف- قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعيد [سعد] قال: نزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنما يعني الليل والنهار.
стр. 857
قلت: خيط الفجر: بياض الصبح، أول ما يبدو ويمتد، كالخيط ثم ينتشر. قال النابغة:
ولاح من الصبح خيط أنارا
стр. 858
(٢٠) (باب بركة السحور من غير إيجاب)
٤١٢/ ١٩٢٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله، أن النبي ﷺ واصل، فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم، قالوا: فإنك تواصل، قال: (لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى).
قوله: (أطعم وأسقى) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد أني أعان على الصوم وأقوى عليه، فيكون ذلك بمنزلة الطعام والشراب لكم.
والآخر: أن يكون أراد الطعام الذي يؤكل والشراب الذي يشرب كرامة من الله واختصاصاً، والله أعلم.
стр. 859
(٢١) (باب إذا نوى بالنهار صوما)
٤١٣/ ١٩٢٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: (أن من أكل فليتم، أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل).
قلت: صوم بعض النهار لا يصح ولا يكون صوما، وإنما هو استحباب، ومعناه مراعاة حق الوقت الذي لو أدرك أوله لصامه، وقد يقدم المسافر في نصف نهار الصوم فيمسك عن الطعام بقية النهار في رأي جماعة من العلماء، احتراما للوقت، واحترازا من الفتنة، لئلا يظن به ظن السوء، وقد يحبس المحبوس في الحش والمكان القذر وبحيث لا يجد ماء ولا ترابا، فيمر به وقت الصلاة فيصلي وصلاته غير محسوبة عن فرضه، وكذلك المربوط على الخشبة يصلي إيماء ولا
стр. 860
تحتسب له عن فرضه. والحائض تحرم فتغتسل ولا تطهر به، والمعنى في هذا كله: مراعاة أذمة الأوقات والأمكنة، والتشبه بأهل الطاعة، ومما يدخل في هذا الباب حج الصبي والعبد من غير وجوب، وإذا أدرك الصبي وعتق العبد، وكانا ممن يجب عليهما الحج، لم يكن ما مضى من ذلك محتسبا عن فرضهما.
وفيه الحض والترغيب في صيام يوم عاشوراء.
стр. 861
(٢٢) (باب الصائم يصبح جنبا)
٤١٤/ ١٩٢٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سمي -مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة- أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن، قال: كنت أنا وأبي حين دخلنا على عائشة وأم سلمة ح
قال: وحدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن رسول الله، ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن أبا هريرة، ومروان يومئذ على المدينة، فقال أبو بكر: وكره ذلك عبد الرحمن، ثم قدر لنا
стр. 862
أن نجتمع بذي الحليفة وكانت لأبي هريرة هناك أرض فقال له عبد الرحمن: إني ذاكر لك أمرا، ولولا مروان أقسم علي فيه لما ذكرت ذلك، فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال: حدثني الفضل بن عباس، وهو أعلم، يريد قوله: من أصبح جنبا فلا يصوم.
قلت: سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت ابن المنذر يقول: أحسن ما سمعت في هذا أن يكون ذلك محمولا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرما على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه، وقد روي عن ابن المسيب أنه قال: رجع أبو هريرة عن فتياه فيمن أصبح جنبا أنه لا يصوم.
стр. 863
(٢٦) (باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا)
٤١٥/ ١٩٣٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا نسي الصائم فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه).
قوله: (أطعمه وسقاه) معناه أن النسيان ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، وهو غير مؤاخذ بها، وكذلك هذا في الجماع إذا كان منه في الصوم ناسيا، والكلام ناسيا لا يبطل صلاته، وقد تكلم النبي ﷺ في صلاته ناسيا فبنى عليها، والكلام في هذا مطرد إلا أن يكثر النسيان ويتتابع الكلام في الصلاة، فإنهم لا يعذرونه احتياطا للعبادة؛ لئلا يتبتر [ينبتر] نظم الصلاة
стр. 864
وذلك أن العادة إنما جرت في النسيان أن يكون نادرا في وقت دون وقت، فإذا تتابع خرج عن حد العرف، فرد إلى حكم العمد.
وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا عتبة بن عبد الله اليحمدي قال: شهدت مالك بن أنس وسأله رجل عن رجل شرب في صلاته، فقال: ولم لا أكل؟!
ويروى عن أبي هريرة أنه سئل عن رجل أكل ناسيا فقال: صومه صحيح، فقيل: فأكل ثانية وثالثة. فقال: هذا رجل لم يتعود الصوم.
стр. 865
(٢٩) (باب إذا جامع في رمضان)
٤١٦/ ١٩٣٥ - قال أبو عبد الله: حدثني عبد الله بن منير، سمع يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد- أن عبد الرحمن بن القاسم أخبره عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله، أنه سمع عائشة تقول: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق، قال: (ما لك؟) قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتى النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: أين المحترق؟ قال: أنا. قال: (تصدق بهذا).
العرق: جمع العرقة، وهي سفيفة الخصو، يتخذ منها
стр. 866
المكاتل والزبل، وكان ابن المنذر يستدل بقوله: أين المحترق؟ على أن هذه الكفارة صارت عنه خاصة دون أن تكون عنه وعن زوجته، إذ كانت هذه الصفة تتعلق به وحده، والكفارة على زوجته باقية تلزمها كما لزمت الزوج.
стр. 867
(٣٠) (باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر)
٤١٧/ ١٩٣٦ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة، قال: بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله هلكت. قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا. قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟) قال: لا. فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، والعرق: المكتل. قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها، يريد الحرتين، أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ ، حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك.
стр. 868
قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أن هذا إنما (كان) خاصا لذلك الرجل، وذهب آخرون إلى أنه منسوخ، إذ كان قول عامة أهل العلم بخلافه.
وقال أبو بكر الأثرم: سألت البويطي عن ذلك، فقال: هذا رجل وجبت عليه الرقبة فلم تكن عنده. وقيل له: صم شهرين فلم يطق. فقيل له: أطعم ستين مسكينا، فلم يكن عنده، فأمر له النبي ﷺ بما يتصدق به، فأخبره أنه ليس بالمدينة أحد أحوج إلى الصدقة منه. وقد قال ﷺ : (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) فلم ير لهذا أن يتصدق على غيره ويترك نفسه، ولم يكن له أن يترك عياله ويطعم غيرهم، فلما نقص عن ذلك الطعام قدر ما أطعم عياله صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة في ذلك، وكانت باقية عليه إلى أن يجدها.
стр. 869
(٣٣) (باب الصوم في السفر والإفطار)
٤١٨/ ١٩٤١ - قال أبو عبد الله: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق الشيباني، سمع ابن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: (انزل فاجدح لي) قال: يا رسول الله! الشمس. قال: (انزل فاجدح). قال: يا رسول الله! الشمس. قال: (انزل فاجدح)، فنزل فجدح له فشرب ثم رمى بيده ههنا ثم قال: (إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم).
الجحد: أن يخاض السويق بعود أو نحوه، ويسمى ذلك العود المجدح وهو المِخْوَض.
وفيه استحباب تعجيل الإفطار، وإنما أشار بيده إلى ناحية المشرق، فإن الليل وهو أويِّل الظلمة لا يقبل من ذلك الشق إلا وقد سقط الفرض.
ومعنى (أفطر الصائم) دخل في وقت الفطر، كقولك: أصبح الرجل وأمسى ونظائرهما، وقد يكون معناه أنه مفطر في الحكم وإن لم يطعم شيئاً.
стр. 870
(٤٠) (باب متى يقضى قضاء رمضان ؟)
٤١٩/ ١٩٥٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، قال: سمعت عائشة تقول: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان.
فيه دليل على أن تأخير القضاء جائز، موسع عليه في الأشهر العشرة، وأنه ينحصر في شعبان، وتصير أيامه متعينة لقضاء الصوم، ولذلك صار من صار من الفقهاء إلى أنه إن لم يقض الفائت حتى انسلخ شعبان، كان عليه الكفارة، لكل يوم من الفائت مدا من الطعام، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد روي ذلك عن ابن عباس، وإنما كانت تؤخره
стр. 871
عائشة ﵂ لاشتغالها بقضاء حقوق رسول الله ﷺ ، في العشرة والخدمة.
وفيه دلالة على أن حق الزوج مقدم على سائر الحقوق، ما لم يكن فرضا محصورا بوقت.
وفيه دليل على أن للزوج منعها من الخروج إلى الحج.
стр. 872
(٤٢) (باب من مات وعليه صوم)
٤٢٠/ ١٩٥٢ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن (خالد)، قال محمد بن موسى بن أعين، قال: حدثنا أبي، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد بن جعفر حدثه عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).
стр. 873
هذا في الصوم الواجب، مثل قضاء رمضان أو صوم النذر، وقد قال بظاهر هذا الحديث أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقال: يصوم عنه وليه.
وقال أصحاب الرأي والشافعي في أكثر الفقهاء: لا يصوم أحد عن أحد، وشبهوه بالصلاة، إذ كل واحد منهما عمل على البدن، وتأولوا الحديث على أنه يكفر عنه بالإطعام فيقوم ذلك مقام الصيام عليه.
стр. 874
(٥٥) (باب حق الجسم في الصوم)
٤٢١/ ١٩٧٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا ابن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى بن [أبي] كثير، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص، قال (لي) رسول الله ﷺ : (ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟) فقلت: بلى يا رسول الله. قال: (فلا تفعل، صم وأفطر، [وقم] ونم، إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقاً).
стр. 875
الزور: الزائر، والمصادر كثيرا ما توضع موضع الأسماء والصفات، كقولهم: رجل صوم أي صائم، ونوم، أي نائم، ومنه حديث أبي رافع أنه وقف على لاحسن بن علي وهو نائم، فقال: أيها النوم، يريد النائم.
وفيه أن لرب المنزل إذا نزل به الضيف أن يفطر لأجله إيناسا له وبسطا منه. وقد قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وذلك من إكرامه إياه.
والزور أيضا جمع الزائر، كقولهم: راكب وركب، وتاجر وتجر.
стр. 876
(٦٢) (باب الصوم من آخر الشهر)
٤٢٢/ ١٩٨٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرف، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ أنه سأل رجلا فقال: يا فلان، أما صمت سَرَرَ هذا الشهر؟ قال: أظنه قال: يعني رمضان. قال الرجل: لا يا رسول الله. قال: (فإذا أفطرت فصم يومين).
هكذا جاء في الحديث (أظنه يعني رمضان)، وجاءت الأحاديث كلها بخلافه، وإنما هو شعبان، إذ لا معنى لأمره إياه بصيام سرر رمضان، إذ كان ذلك مستحقا عليه نحو الفرض في جملة الشهر، وكذلك رواه حماد عن ثابت عن مطرف
стр. 877
والجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، قال: هل صمت من سرر شعبان؟ هكذا قالا، وذكر رمضان وهم. والله أعلم.
والسرر والسرار: آخر الشهر، وسمي سررا لاستسرار القمر فيه، وقد يتأول معنى ذلك على أن هذا الرجل قد كان أوجبه على نفسه بنذر فأمره بالوفاء به، أو كان ذلك عادة له قد اعتادها، فأمره أن يحافظ عليها، وإنما تأولناه على هذا المعنى لنهي النبي ﷺ أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين.
стр. 878
(١٤) (باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين)
٤٢٣/ ١٩١٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسلم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم).
стр. 879
(٥٩) (باب صوم داود ﵇
٤٢٤/ ١٩٧٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس المكي -وكان شاعرا، وكان لا يتهم في حديثه- قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل). فقلت: نعم، قال: (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله). قال: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: (فصم صوم داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى).
قوله: (هجمت له العين) معناه سقطت وغارت.
وقوله: (نفهت) معناه أعيت وكلت.
стр. 880
والمعنى أن المؤمن لم يتعبد بالصوم فقط حتى إذا أمعن فيه واجتهد كان قد قضى حق التعبد كله، وإنما تعبد بأنواع من العمل كالجهاد والحج ونحوهما، فإذا استفرغ جهده في الصوم، فبلغ به حد غور العين، وكلال البدن، انقطعت قوته، وبطلت سائر أبواب العبادة، فأمره بالاقتصاد في الصوم ليستبقي بعض القوة لسائر الأعمال.
وقوله: (لا صام من صام الدهر) يكون بمعنى الدعاء عليه، وقد تكون أيضا (لا) بمعنى (لم) كقوله ﴿فلا صدق ولا صلى﴾، وكقول أمية:
إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما
وقوله عند ذكر داود (وكان لا يفر إذا لاقى) يؤيد ما قلناه، يريد أنه كان لا يستنفد وسعه الصوم، وإنما كان يصوم يوما ويفطر يوما، استبقاء لقوته من أجل الجهاد لئلا يضعف، فإنه كان لا يفر إذا لاقى.
следующие страницы →