← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16946

أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)

الخطابي

Полный текст (2 260 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(٦٢) (باب الصوم من آخر الشهر) ٤٢٢/ ١٩٨٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرف، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ أنه سأل رجلا فقال: يا فلان، أما صمت سَرَرَ هذا الشهر؟ قال: أظنه قال: يعني رمضان. قال الرجل: لا يا رسول الله. قال: (فإذا أفطرت فصم يومين). هكذا جاء في الحديث (أظنه يعني رمضان)، وجاءت الأحاديث كلها بخلافه، وإنما هو شعبان، إذ لا معنى لأمره إياه بصيام سرر رمضان، إذ كان ذلك مستحقا عليه نحو الفرض في جملة الشهر، وكذلك رواه حماد عن ثابت عن مطرف

стр. 877

والجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، قال: هل صمت من سرر شعبان؟ هكذا قالا، وذكر رمضان وهم. والله أعلم. والسرر والسرار: آخر الشهر، وسمي سررا لاستسرار القمر فيه، وقد يتأول معنى ذلك على أن هذا الرجل قد كان أوجبه على نفسه بنذر فأمره بالوفاء به، أو كان ذلك عادة له قد اعتادها، فأمره أن يحافظ عليها، وإنما تأولناه على هذا المعنى لنهي النبي ﷺ أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين.

стр. 878

(١٤) (باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين) ٤٢٣/ ١٩١٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسلم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم).

стр. 879

(٥٩) (باب صوم داود ﵇ ٤٢٤/ ١٩٧٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس المكي -وكان شاعرا، وكان لا يتهم في حديثه- قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل). فقلت: نعم، قال: (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله). قال: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: (فصم صوم داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى). قوله: (هجمت له العين) معناه سقطت وغارت. وقوله: (نفهت) معناه أعيت وكلت.

стр. 880

والمعنى أن المؤمن لم يتعبد بالصوم فقط حتى إذا أمعن فيه واجتهد كان قد قضى حق التعبد كله، وإنما تعبد بأنواع من العمل كالجهاد والحج ونحوهما، فإذا استفرغ جهده في الصوم، فبلغ به حد غور العين، وكلال البدن، انقطعت قوته، وبطلت سائر أبواب العبادة، فأمره بالاقتصاد في الصوم ليستبقي بعض القوة لسائر الأعمال. وقوله: (لا صام من صام الدهر) يكون بمعنى الدعاء عليه، وقد تكون أيضا (لا) بمعنى (لم) كقوله ﴿فلا صدق ولا صلى﴾، وكقول أمية: إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما وقوله عند ذكر داود (وكان لا يفر إذا لاقى) يؤيد ما قلناه، يريد أنه كان لا يستنفد وسعه الصوم، وإنما كان يصوم يوما ويفطر يوما، استبقاء لقوته من أجل الجهاد لئلا يضعف، فإنه كان لا يفر إذا لاقى.

стр. 881

(٦٤) (باب هل يخص شيئا من الأيام ؟) ٤٢٥/ ١٩٨٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم عن علقمة قال: قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئا؟ قالت: لا. كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟ قولها: (ديمة) أي دائما، لا ينقطع، ولذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا يقلع أياماً: ديمة.

стр. 882

(٦٧) (باب صوم [يوم] النحر) ٤٢٦/ ١٩٩٤ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا معاذ، قال: أخبرنا ابن عون، عن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: رجل نذر أن يصوم يوما -أظنه قال الاثنين- فوافق يوم عيد. فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم. قلت: قد استعمل ابن عمر في هذا حكم الورع، فتوقف عن الفتيا فيه. فأما فقهاء الأمصار، فإنهم قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: قالوا في الرجل إذا نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم يوم العيد، قال بعضهم: إنه لا يصومه، ولا قضاء عليه. وقال آخرون: لا يصومه وعليه القضاء. وكلا

стр. 883

القولين قد حكي عن الشافعي، ﵀، وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر والنهي إذا التقيا في محل قدم النهي. وقد ذهب بعضهم إلى أن النذر في قدوم (فلان) لا يصح؛ لأنه لا يجد محلا من وقت الصوم؛ لأنه إن قدم ليلا فلا يكون عليه صوم؛ لأنه لم يصادف النهار الذي هو محل للصوم، وإن قدم نهارا، فإنه لا يمكن قدومه إلا وقد مضى بعضه، وإنشاء صوم يوم واجب قد مضى بعضه غير ممكن.

стр. 884

كتاب فضل ليلة القدر (٥) (باب العمل في العشر الأواخر من رمضان) ٤٢٧/ ٢٠٢٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، عن أبي يعفور، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله. قولها: (شد مئزره) معناه هجران النساء، ويحتمل أن تكون قد أرادت أيضا الجد والانكماش في العبادة.

стр. 885

كتاب الصوم (٦٥) (باب صوم يوم عرفة) ٤٢٨/ ١٩٨٩ - قال أبو عبد الله: حدثني يحيى بن سليمان، قالك حدثني ابن وهب -أو قرئ عليه- أخبرنا عمرو، عن بكير، عن كريب، عن ميمونة أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب، وهو واقف بالموقف، فشرب منه والناس ينظرون. الحلاب ههنا اللبن المحلوب، وقد يكون الحلاب أيضا الإناء الذي يحلب فيه اللبن وفيه الاستحباب للإفطار بعرفة لمن شهدها، وإنما جاء (الترغيب) لمن غاب عنها.

стр. 886

كتاب صلاة التراويح (١) (باب فضل من قام رمضان) ٤٢٩/ ٢٠٠٩ - ٤٣٠/ ٢٠١٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، وذكر حديثا ثم قال: وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعم البدعة هذه. الأوزاع: الجماعات المتفرقة، ولا واحد لها من لفظها. والرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة.

стр. 887

وقوله: (نعم البدعة هذه) إنما دعاها بدعة لأن رسول الله ﷺ لم يسنها لهم، ولا كانت في زمان أبي بكر، وإنما أثنى عليها ورغب فيها بقوله: (نعم) ليدل على فضلها، ولئلا يمنع بهذا اللقب من فعلها. ويقال: نعم كلمة تجمع المحاسن كلها، وبئس كلمة تجمع المساوئ كلها. قلت: وقيام رمضان جماعة سنة في حق التسمية، غير بدعة، لأن النبي ﷺ قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).

стр. 888

كتاب الاعتكاف (٢) (باب الحائض ترجل رأس المعتكف) ٤٣١/ ٢٠٢٨ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني (أبي)، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض). المجاور: المعتكف. وفيه بيان أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان. وفيه دليل على أن من حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه لم يحنث. وفيه دليل على أن بدن الحائض طاهر غير نجس، وأن لا يجتنب منها إلا موضع الدم.

стр. 889

(٧) (باب الأخبية في المسجد) ٤٣٢/ ٢٠٣٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن (عن عائشة) أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف إذا أخبيةٌ: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: (آلبر تقولون بهن؟) ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال. قوله: (آلبر تقولون) يريد: آلبر تظنون بهن في صنيعهن هذا؟ والقول في هذا المعنى: الظن كقول الشاعر:

стр. 890

متى تقول القلص الرواسما يلحقن أم عاصم وعاصما أي متى تظن، ولذلك أعمله فيما بعده.

стр. 891

(٨) (باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد ؟) ٤٣٣/ ٢٠٣٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين، أن صفية -زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت إلى باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : (على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي) فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! وكبر عليهما، فقال النبي ﷺ : (إن الشيطان ليبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً).

стр. 892

بلغني عن الشافعي ﵀ أنه قال في معنى هذا الحديث: إن النبي ﷺ خاف عليهما الكفر، (لو) ظنا به ظن التهمة، فبادر إلى إعلامهما بمكانها، نصيحة لهما في حق الدين، قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما أمرا يهلكان فيه، هذا أو معناه.

стр. 893

(١٥) (باب من لم ير عليه إذا اعتكف صوما) ٤٣٤/ ٢٠٤٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، عن أخيه، عن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : (أوف بنذرك)، فاعتكف ليلة. فيه دليل على أن الاعتكاف جائز لغير الصوم. وفيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام كان معمولا به. وفيه دلالة على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث أن الكفارة واجبة عليه، وإليه ذهب الشافعي. وقد يستدل به من يرى على الكافر يسلم وقد أجنب في حال كفره الاغتسال واجباً.

стр. 894

ومن كتاب البيع (١) (باب ما جاء في قول الله : ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾) ٢٣٥/ ٢٠٤٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة أن أبا هريرة قال: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم سفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم.

стр. 895

قوله: سفق بالأسواق، يريد: صفق الأكف عند البيع، والسين قد تبدل مكان الصاد مع القاف، وأحرف معدودة. قال الخليل: كل صاد تجيء قبل القاف وكل سين تجيء بعد القاف فلللعرب فيها لغتان: منهم من يجعلهما سينا. ومنهم من يجعلهما صادا. لا يبالون متصلة كانت بالقاف أم منفصلة، بعد أن يكونا في كلمة واحدة، إلا أن الصاد في بعض أحسن والسين في بعض أحسن. وكانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف، فيكون ذلك أمارة انتقال الملك وانبرام البيع من المتبايعين، ويشبه أن يكونوا إنما يفعلون ذلك من أجل أن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي، والقبوض تقع بها، فإذا تصافقت الأكف فقد انتقلت الأملاك، واستقرت كل يد منها على ما صار إلى كل واحد من ملك صاحبه، وكان المهاجرون قوما تجارا، لم يكن لهم في ديارهم زرع ولا نخل، وكان معاشهم بالمدينة البيع والشراء في الأسواق، وكان الأنصار أصحاب نخل وزرع، فكانوا يعملون في أموالهم أكثر النهار، فيغيبون عن حضرة

стр. 896

رسول الله ﷺ ، كما يغيب المهاجرون، فلا يسمعون من حديثه إلا ما كان يحدث به في أوقات شهودهم عنده، وأبو هريرة حاضر دهره فلا يفوته شيء منه، إلا ما شاء الله، ولا يستولي عليه النسيان لصدق عنايته بضبطه وقلة اشتغاله بغيره، ثم قد لحقته الدعوة من رسول الله ﷺ فتمت له البغية، وقامت له به الحجة على من أنكر أمره واستغرب في ذلك شأنه.

стр. 897

(١) (الباب نفسه) ٤٣٦/ ٢٠٤٩ - قال أبو عبد الله: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا حميد، عن أنس، أن عبد الرحمن بن عوف جاء النبي ﷺ وعليه وضر من صفرة، فقال له النبي ﷺ : (مهيم). قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ما سقت إليها؟ قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة. قوله: (مهيم) يقال إنها كلمة يمانية تقع بها المسألة عن حال الإنسان وشأنه، كأنه يقول حين استنكر الصفرة التي رآها عليه: ما شأنك؟ والنواة ههنا زنة خمسة دراهم ذهب، اسم خاص لما يتقدر (منه) بهذا الوزن. كما قالوا في النش: إنه وزن عشرين درهما من الفضة.

стр. 898

قال أبو عبيد: كان بعض الناس يحمل معنى هذا على أنه قدر نواة من ذهب، كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثم ذهب، إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى الأربعون أوقية، وكما تسمى العشرون نشا. قلت: أحسب أبا عبيد لم يقع في روايته وزن نواة من ذهب، وإنما سمعه: وزن نواة فقط، ويشبه أن يكون الصحيح أن النواة إنما هي ما يزن خمسة دراهم ذهبا كان أو فضة. وفي قوله: (أولم ولو بشاة) ما يدل على أن الوليمة وهي طعام العرس واجبة، كما أوجب الإجابة على من دُعي إليها، ويبه أن يكون إنما قدرها بالشاة لمن كان يقدر عليها، فأما من عجز فلا يَحْرَج إن اقتصر على ما هو أقل منها، فقد ثبت أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه بالسويق والتمر.

стр. 899

(٢) (باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات) ٤٣٧/ ٢٠٥١ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي فروة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: قال النبي ﷺ : (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه). قلت: هذا الحديث أصل في الورع، وفيما يجتنب من الشبه، وكل شيء أشبه الحلال من وجه والحرام من وجه فهو

стр. 900

شبهة، والورع أن يجتنب فلا يقرب، وهو معنى ما روي عن النبي ﷺ من قوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). وتأويل قوله: الحلال بين والحرام بين على معنيين: أحدهما: أن يكون ذلك في شيء من المأكول والمشروب والملبوس، وغيرها مما يملكه الآدميون إذا تيقن أن ذلك كان ملكا له، فإنه على يقين ملكه في ذلك لا يزول عن أصله إلا بيقين زوال الملك، والحرام بين: هو مال غيره وامرأة غيره وخادم غيره، لا يستحل شيئا من ذلك إلا بشرطه من نكاح أو ملك يمين أو هبة أو صدقة أو غير ذلك، وما بين ذلك فهو ما لم يتقدم له أصل من هذين الوجهين تحليل ولا تحريم بتقينه [يتيقنه]، كالشيء يجده في بيته وفي حيزه فلا يدري هو ملكه أو مال غيره، فالورع أن يجتنبه، ولا يحرم عليه أن يتناوله؛ لأن يده عليه قائمة، ومن هذا النحو قوله ﷺ : (إني لأمر بالتمرة

стр. 901

الساقطة فلا آخذها خوفا أن تكون صدقة)، ورأى تمرة فقال: (لولا أني أخاف أن تكوني من الصدقة لأكلتك)، وقد يشتبه على الرجل في الليلة المظلمة فيطأ جارية غيره على أنها جاريته، فيكون ذلك شبهة في حكم الحلال، ويلزمه في ذلك المهر، ولا يجوز أن يقال: إنه زان، ولا يحد فيه، ولو لم يقدم على ذلك حتى يتثبت في ذلك ويستبرئ الشك فيه لكان قد استعمل الورع واحتاط باليقين في أمره. والمعنى الآخر: أن يكون الشيء الأصل (فيه) الإباحة أو الحظر، فما كان الأصل منه الإباحة، كالماء الذي

стр. 902

يتوضأ به والأرض التي يصلى عليها، ونحو ذلك من الأمور التي وجدت في أصل الفطرة على حكم الإباحة، حتى يطرأ عليها ما يغيرها عن حكمها الأول، فإنه لا يضيق في مذهب الورع استعماله على وجهه ولا يستحب اجتنابه، وإدخال الريب والشك على نفسه فيه، وما كان من ذلك في الأصل ممنوعا لا يستباح إلا بشرائط وأسباب قد أخذ علينا مراعاتها فيه، وفي الاستمتاع به، كالبهيمة لا يحل أكلها إلا بالذكاة، وشرائطها معلومة، والمرأة لا يحل نكاحها إلا بالعقد، وصفة ما يصح في العقد خصال معدودة، فإنه لا يجوز استعمال هذا النوع منه، ولا الاستباحة له ما لم يوجد تلك الأسباب مستوفاة بكمالها، والورع في مثل هذا فرض واجب. فأما الورع المستحب المندوب إليه، فهو ما يقع بين هذين الأصلين، مثل اجتنابم عاملة من يجتمع في ماله الحلال والحرام، كمن عرف بالربا في تجارته، وكمن صناعته صناعة محرمة، كاتخاذ آلات اللهو، ونقش التماثيل الصورة، وكاليهود والنصارى الذين يبيعون الخمور، وإن كانت لهم من غير هذه

стр. 903

الوجوه أملاك وأموال، فإن قضية الورع أن لا يعامل هؤلاء، ويجتنب أكل مالهم، وإن كانت في ظاهر الحكم غير محرمة، ما لم يتيقن أن الذي يأخذه منها ثمن العين المحرمة. وأما الورع المكروه فهو أن لا يقبل رخص الله تعالى التي رخص لعباده فيها، وخفف عنهم العبادة فيها كالإفطار في السفر وقصر الصلاة فيه، وترك إجابة الداعي، ورد الهدية، والتشدد والتشكك بحكم الخواطر، التي جماعها العنت والضيق والحرج. وحمله [وجملة] أمر الورع أنه إنما يقع في غالب الإمكان، لا في نادره، فإن رجلا من خراسان لو دخل بغداد فأراد أن يتزوج امرأة من عرض النساء، لم يكن عليه حظر في مذهب أحد من العلماء، وقد يمكن ولا يستحيل أن يكون أبوه أو جده قد كان دخلها في متقدم الأيام من حيث لم يعلم هذا الرجل ولا بلغه خبره فتزوج بها امرأة ودخل بها وولدت منه ابنة، فتكون هذه

стр. 904

المنكوحة أختاً له أو عمة له، إلا أن مثل هذا الإمكان من حيث لم يكن غالبا، بل كان شيئا نادرا، لم يعتبر في أبواب الورع، ولم يدخل فيها، لكنه من باب التعنت والحرج الموضوعين عن المسلمين نحو الدين. فهذه أقسام الورع وأبوابه. والحديث أصل في رياضة النفوس، وإصلاح الأولاد [؟] من الأخلاق، وكف النفس عن الشهوات، والانقطاع عن مساويء العادات.

стр. 905

(بابُ تَفْسيرِ المُشَبَّهاتِ) ٤٣٨/ ٢٠٥٣ - قال أبو عبدِ الله: حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ , قال: حدَّثنا مالكٌ , عن ابن شهاب , عن عُروة بنِ الزُّبير , عن عائشةَ , قالت: كان عُتبةُ بن أبي وَقاص , عَهِدَ إلى أخيه سعَد بن أبي وَقاص أن ابن وَليدَة زَمْعَة , مِنِّي فاقبضه إليك. قال: فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي كان قد عَهِدَ إلي فيه. فقال: عَبْدُ بن زَمْعَة: أخي , وابن وَلِيدة أبي , ولَدَه على فِراشه. فقال النبي , ﷺ : " هو لك يا عبد بن زمعة " , ثم قال النبي , ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحَجَر". ثم قال النبي , ﷺ , لسَودة بنت زَمْعَة - زوج النبي , ﷺ " احتجبي منه " , لما رأى من شبهه بعُتبة , فما رآها حتى لَقِيَ الله.

стр. 906

قلت: كان من عادات أهل الجاهلية مخارجة الولائد وإلزامهن ضرائب معلومة في كل يوم، ثم يسيبونهن يكسبن بأنواع الخدمة من دبغ وغزل وطبخ وكن إلى ذلك يبغين فيؤدين الضرائب، وكان سادتهن لا يمتنعون مع ذلك من الإلمام بهن، فإذا حملت الجارية ووضعت استلحق سيدها ولدها إذا ظن الولد منه، فإذا اشتبه أمر الولد دعى له القافة وكانت قصة وليدة زمعة من هذا النوع، وكان حكم الإسلام أن الولد للفراش , أي: لصاحب الفراش , فحكم النبي , ﷺ , فيه بظاهر حُكم الدين , وألحَقَ الولد بِزَمْعَة , ثم نظر إلى شَبَه المولود بُعتبة , والشَّبّه مع عدم الفراش نوع من الدلالة , وبه تحكم القافة , فأشار النبي , ﷺ , إلى سَودة بنت زَمعة أن تحتجب منه , ولا يدخل إليها دخول الإخوة إلى الأخوات , وذلك من باب الوَرَع الباطن , وإن كان في حكم الظاهر قد حكم له بأُخُوَّته , فلو مات كانت تَرِثه , إن لم يكن هناك من يَحجُبها من الإرث.

стр. 907

وفيه من الفِقه: أن الأَمَة فِراش كالحرة إذا كان السيد أقَرَّ بوطئها. وقوله: " وللعاهر الحجر" , معناه: الخيبة , والحرمان , أي: لا يَلحق به الولد , ولم يُرَد به حجارة الرجم , إذ ليس يجِب الرجم على كل زان , إنما يجب على المُحْصَن من الزُّناة.

стр. 908

(الباب نفسه) ٤٣٩/ ٢٠٥٤ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو الوليد , قال: حدثنا شُعبة , قال: أخبرني عبد الله بن أبي السَّفَر , عن الشَّعْبي , عن عَدِي بن حاتم , قال: سألت النبي , ﷺ , عن المِعْراض , فقال: " إذا أصاب بِحَدِّه فَكُل , وإذا أصاب بعَرْضِه , فقتل , فلا تأكل منه , فإنه وَقِيذ ". قلت: يا رسول الله , أُرسِلُ كلبي , وأُسَمِّي , فأجد معه كلبا آخر , لم أُسَمِّ عليه , ولا أدري أيهما أخذ. قال: "لا تأكل , إنما سَمّيت على كلبك ولم تسمِّ على الآخر ". المِعراض: نَصْل عريض , له ثِقْل ورزانة , فإذا أصاب بِحَدِّه فقطع , فصارت الرَّمِيَّة مُذَكّاة , وإذا أصاب بعرضه وقَذَ , فصارت مِيتة.

стр. 909

وأما قوله: فأجدُ معه على الصيد كلب آخر , لم أسمِّ عليه. فالمعنى: أنه لم يرسلْه على الطريدة , فيُسمي عليه. فإذا شاركه مالم يرسلْه فيها فلم يَدْرِ أيهما عَقَرَ الصيد , وكان في الأصل على الحظر, لم يَزُل الحظر منه إلى الإباحة , إذ لا يقين فيه , وهذا من واجب الورع , ولازِمِه ليس من قِسْم غيره.

стр. 910

(باب ما يُتَنَزّه من الشبهات) ٤٤٠/ ٢٠٥٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا قَبيصَة , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن طلحة , عن أنس , قال: مرَّ النبي , ﷺ , بتمرة مسقوطة فقال: لولا أن تكون من الصدقة , لأكلتُها ". فيه من العِلم: أن التمرة ونحوها من اللَّقَط , لا يُستأسى بها الحول للتعريف , وإن لواجِدِها أكلَها على المكان. وفيه: دلالة على أنه لا يجب في اللُّقطة على واجدها أن يتصدق بها , ولو كان سبيلها أن يتصدق بها لم يَقُل لأكلتُها. وقوله: مَسْقوطة , يريد: ساقطة , والسُّقوط , لازم , لا يَتَعَدّى , إلا أنه أخرجها مُخْرَج مفعول , كما قيل: مِن أحب محبوب , وقد يجيء مفعول بمعنى فاعل , كقوله : [إنه كان وعده مأتيا] , والمعنى آتيا , والله أعلم.

стр. 911

(١٣) (باب مَن أحبَّ البَسط في الرزق) ٤٤١/ ٢٠٦٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الكرماني قال: حدثنا حسان , قال حدثنا يونس , قال: محمد , عن أنس بن مالك , قال: سمعت رسول الله , ﷺ , يقول: " مَن سَرَّه أن يُبسط له , رِزقُه , ويُنسأ في أَثَره , فليَصِل رَحِمَه ". قلتُ: معنى " الأَثر " في هذا باقي العُمْر. قال كعب بن

стр. 912

زهير: والمرءُ ما عاش ممدودٌ له أمل ٌ لا تنتهي العينُ حتى ينتهي الأثرُ ويقال: نَسَأَ الله في عُمُرك , وأنْسَأَ الله عُمرك. وأصل النسأ: التأخير. ومنه قوله : [إنما النّسيء زيادة في الكفر] وهو تأخير المحَرَّم إلى صَفَر.

стр. 913

(١٤) (باب شراء النبيّ ﷺ بالنسيئَة) ٤٤٢/ ٢٠٦٩ - قال أبو عبد الله: حدّثنا مُسلم بنُ إبراهيم , قال: حدّثنا هشام , قال: حدثنا قتادة , عن أنس قال: وحدثني محمد بن عبد الله بن حَوشَب , قال: حدثنا أسْباط - أبو اليَسع البصري , - قال: حدثنا هشام الدَّستُوائي , عن قتادة , عن أنس أنه مشى إلى النبي , ﷺ , بخبز شعير , وإهالة سَنِخَة , ولقد رَهَنَ النبي , ﷺ , دِرْعا له بالمدينة عند يهودي , وأخذ منه شعيرا لأهله. الإهالة: الوَدَك. والسَنِخَة: المتغيرة الريح من طول الزمان.

стр. 914

وفيهِ: جواز الرهن في الحَضَر , وإنما جاء ذكره في الكتاب بشرط السَّفَر , وهو قوله عزّوجلّ: [وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهانٌ مقبوضة]. وفيه: معاملة من يُظنّ في ماله الحرام , مالم يُتيقن أن المأخوذ منه عينُ الحرام , وذلك أن اليهود يستبيحون الربا , وبيع الخمور , ونحوها من الأشياء التي هي محرمة علينا.

стр. 915

(١٥) (باب كسبِ الرّجل وعملِه بيدِه) ٤٤٣/ ٢٠٧٠ - قال أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل بن عبد الله , قال: حدثني ابن وَهْب , عن يونس , عن ابن شهاب , أخبرني عروة بن الزُّبير أن عائشة , قالت: لما استُخْلِف أبو بكر الصديق , قال: لقد عَلم قومي أن حِرفتي لم تكن تَعْجِز عن مُؤنة أهلي , وشُغِلْتُ بأمر المسلمين , فيَأكل آل أبي بكر من هذا المال , ويَحْترف , للمسلمين , بإزاء ما يَأكل منه. حرف معنى الحِرفَة في هذا: الكَسْبُ. وقوله: يَحْتَرِف , يريد: أن يكتسب للمسلمين بإزاء ما يأكل من أموالهم.
следующие страницы →