← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 16952

المنور في راجح المحرر

تقي الدين الأدمي

Полный текст (467 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

نسبة الكتاب إلى مؤلفه لا يختلف اثنان على أن "المنوَّر" صار علمًا على "الأدمي" كما مرّ بنا عند الإِشارة إلى أمهات كتب المذهب التي أحالت إلى كتابه واختياراته وترجيحاته. ومرّ بنا كذلك تاكيد ذلك في قول العليمي صاحب "الدر المنضد" عنه: "الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي، له المنوَّر في راجح المحرّر والمنتخب" (١). * * *

стр. 72

الباب الثاني أصول كتاب المنوَّر بالإِشارة إلى المحرّر الفصل الأول: المصادر التي استقى منها مؤلف المحرّر كتابه. الفصل الثاني: المنهجية والمصطلحات التي استعملها صاحب المحرّر، وصاحب المنوَّر في عرض الروايات والراجح منها.

стр. 73

الفصل الأول المصادر التي استقى منها مؤلف المحرّر كتابه لمَّا كان المنوَّر مقتصرًا على الراجح، عريًّا من الآيات والأحاديث والروايات والأقوال لأجل أنه ملخص للمحرّر، فكان من المناسب أن نتعرف على المصادر التي استقى منها صاحب المحرَّر مادة كتابه بالرجوع إليه وتمحيصه ليقرب لنا فهم المنوَّر. وبتأمل المحرّر يلاحظ أنه قد أخذ عن علماء ومؤلفات وكتب بعضها ممن نقل مباشرة عن الإمام أحمد وبعضهم ممن ينتمي إلى الطبقة الأولى أو طبقة المتقدمين من أصحابه، وبعضهم ينتمي إلى أوائل الطبقة الثانية أو طبقة المتوسطين. * فممن استقى منهم المجد مادة كتابه من بعض رواة الإِمام أحمد والناقلين عنه، وقد أشار إليهم في مواضع قليلة بقوله: نقلها حرب، أو نقلها الميموني ونحو ذلك، مما يدل على أن المجد قد اطلع على مسائل أحمد ورواته وهم أقرب طبقة من الإِمام، وقد ذكر في المحرَّر أربعة هم: (١) أبو طالب (ت ٢٤٤ ه ـ): هو أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني (١)، المتخصص بصحبة الإمام أحمد. روى عنه مسائل كثيرة وكان أحمد يكرمه ويعظمه، وصحب أحمد

стр. 74

إلى أن مات وهو من الجماعة القريبة من الإِمام أحمد، نقل عنه المجد في المحرّر في مواضع قليلة بقوله: "نقلها أبو طالب". (٢) إسحاق بن منصور (ت ٢٥١ ه ـ): هو إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المروزي (١)، كان عالمًا فقيهًا، وهو الذي دون عن الإمام أحمد المسائل في الفقه، قال عنه الإِمام مسلم صاحب الصحيح: ثقة مأمون، وقال عنه النسائي: ثقة، وقد ذكره المجد في المحرّر في مواضع منها في حكم الشروط والعيوب في النكاح. . .، بقوله: نقل عنه ابن منصور (٢/ ٢٣) من المحرّر. (٣) الميموني (ت ٢٧٤ ه ـ): هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني (٢)، يقول عن نفسه: صحبت أبا عبد اللَّه من سنة خمس ومائتين إلى سنة سبع وعشرين، وعنده عن الإِمام أحمد مسائل كثيرة في ١٦ جزءًا. وكان الإِمام أحمد يعتني به ويكرمه. (٤) الحربي (ت ٢٨٥ ه ـ): هو إبراهيم بن إسحاق بن بشر أبو إسحاق الحربي (٣)، من الناقلين لمذهب الإِمام أحمد بن حنبل، وهو من الطبقة أو الجماعة التي قال فيها الأصحاب: "وإذا أُطلق الجماعة فالمراد بهم عبد اللَّه ابن الإِمام وأخوه صالح

стр. 75

وحنبل ابن عم الإِمام وأبو بكر المروذي وإبراهيم الحربي وأبو طالب والميموني" (١). * وبالمثل فإنه نقل أيضًا عن علماء جاؤوا بعد طبقة المتقدمين حيث يلاحظ أنه يكثر النقل عن أبي بكر المعروف باسم "غلام الخلال" لملازمته للخلال، كما يستقي من الخلال كثيرًا والخرقي، ويكثر من الاستفادة من البعض كابن حامد (٢)، لهذا لا بد أن نشير إلى هؤلاء بشيء من الترتيب مع الإِشارة إلى شيء من مؤلفاتهم وحياتهم (٣)، وهم اثنا عشر: (١) الخلال (ت ٣١١ ه ـ): هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، صاحب "الجامع"، و"العلل"، و"السنة"، و"الطبقات"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، وهو الذي جمع في كتابه الروايات عن الإِمام. وقد أشار إليه المجد في كتابه مرات عديدة (٤).

стр. 76

(٢) الخرقي (ت ٣٣٤ ه ـ): هو عمر بن الحسين بن عبد اللَّه بن أحمد الخرقي، وهو صاحب أشهر "مختصر" الذي يعرف بـ "مختصر الخرقي" الذي من أشهر شروحه المغني لابن قدامة (١). (٣) غلام الخلال (ت ٣٦٣ ه ـ): هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن دارا، الإِمام المحدث الفقيه يكنى بأبي بكر، ويشير إليه المجد دائمًا بقوله: قال أبو بكر أو اختاره أبو بكر ويكثر من الإشارة إليه والنقل عنه في كتابه، وصرح المجد تارة بقوله: "نقلها أبو بكر في الشافي"، وقوله: "قال أبو بكر في الروح"، وقوله: "اختاره أبو بكر في التنبيه" إشارة إلى مؤلفاته وهي "الشافي" الذي ذكرناه، و"التنبيه" و"المقنع" و"زاد المسافر" في الفقه (٢). (٤) ابن شاقلا (ت ٣٦٩ ه ـ): هو إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا -بسكون القاف- الفقيه الأصولي، وقد نقل المجد عنه في المحرَّر في موضع واحد تقريبًا كما في "صلاة الجمعة" (١/ ١٥٦) من "المحرَّر" (٣).

стр. 77

(٥) أبو الحسن التميمي (ت ٣٧١ ه ـ): هو عبد العزيز بن إسماعيل بن الحارث بن أسد أبو الحسن التميمي يشير إليه المجد، وجاء ذكره مثلًا في باب "نواقض الوضوء" بقوله عنه: "وقال أبو الحسن التميمي: لا ينقض" (١/ ١٥) (١). (٦) أبو حفص (ت ٣٣٧ هـ أو ٣٣٩ ه ـ): هو عمر بن إبراهيم أبو حفص العكبري (٢)، يشير إليه المجد بقوله: "حكاه أبو حفص واختاره" كما في كتاب الجنائز (١/ ١٨٤) من المحرّر وفي مواضع قليلة، له "المقنع" و"شرح الخرقي"، و"الخلاف بين الإِمامين أحمد ومالك". وهو صاحب اختيارات وأقوال في المذهب كما في "المطلع"، وذكر أيضًا أنه أبو حفص العكبري (ت ٣٨٧ هـ) واسمه عمر بن محمد بن رجاء (٣). (٧) ابن بطة (ت ٣٨٧ ه ـ): هو عبيد اللَّه بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى أبو عبد اللَّه العكبري من مصنفاته "الإِنابة الكبير" و"الإِنابة الصغير" و"السنن"، وقد ذكره صاحب المحرّر وأشار إليه. (٨) الحسن بن حامد (ت ٤٠٣ ه ـ): هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، إمام الحنابلة في زمنه ومؤدبهم، ومعلمهم، وأستاذ القاضي أبي يعلى، له "الجامع في

стр. 78

المذهب" وهو من أكبر المصنفات جمع فيه أقوال تلاميذ الامام أحمد، وله "تهذيب الأجوبة"، وله "شرح الخرقي". ولقد أشار إليه المجد في المحرّر مرات عديدة ونقل عنه (١). (٩) ابن أبي موسى (ت ٤٢٨ ه ـ): هو محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي صاحب "الإِرشاد" (٢). (١٠) القاضي (ت ٤٥٨ ه ـ): هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، قاضي القضاة، مجتهد المذهب، ويقول ابن بدران: بل المجتهد المطلق، له "الخلاف الكبير" و"شرح الخرقي"، له حوالي ٥٥ مؤلفًا كما جاء في طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠) وقد نقل عنه المحرَّر في مواضع بقوله: "قال القاضي" ونحو ذلك (٣). (١١) أبو الخطاب (ت ٥١٠ ه ـ): هو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي، أحد المجتهدين في المذهب، له في الفقه "الهداية"، و"الانتصار" وهو "الخلاف الكبير"، و"رؤوس المسائل" وهو "الخلاف الصغير"، وله كتاب "التمهيد" في أصول الفقه، وقد أشار إليه المحرَّر في مواضع بل إن للمجد صاحب المحرَّر شرحًا على الهداية لم يتمه كما قدمنا، وهو من رؤوس المذهب وله اختيارات.

стр. 79

(١٢) ابن عقيل (ت ٥١٣ ه ـ): هو علي بن محمد بن عقيل البغدادي، الإِمام الفقيه الأصولي له كتاب "الفصول"، و"التذكرة"، و"كفاية المغني"، و"رؤوس المسائل"، وله "الفنون" أكبر مصنف في الإِسلام (١). الطبقات التي نقل عنها صاحب المحرّر وخلاصة القول: أن المجد عبد السلام ابن تيمية قد استفاد من هذه النخبة من العلماء سواء الذين عاصر بعضهم أو ممن تقدموا عليه كما هو ظاهر في ثنايا كتابه "المحرّر". وبالمثل، فإن الأدمي الذي اختصر "المحرّر" وجعله مقتصرًا على الراجح، لابد وأنه راجع هذه المصادر وقلّبها ونظر فيها حتى يأتي اختصاره موافقًا لمقاصد صاحب المحرّر مع ترجيحات الأدمي بطبيعة الحال كما سيظهر لاحقًا. ويمكن إجمال الملاحظات التالية على المجد في كتابه "المحرّر" أنه تعامل ونقل في كتابه عن أربعة طبقات من الأصحاب، هي: ١ - " طبقة الرواة " ممن روى مسائل أحمد يتقدمهم أبو طالب أحمد بن حميد المشكاني (ت ٢٤٤ هـ)، وإسحاق بن منصور (ت ٢٥١ هـ)، وعبد الملك الميموني (ت ٢٧٤ هـ)، وإبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ)، وهي بلا شك أعلى درجات النقل. ٢ - " طبقة جامعي الروايات " منهم الخلال (ت ٣١١ هـ) حيث جمعها ومهدها في كتبه في ٢٠٠ جزء، ومنهم الحسن بن حامد (ت ٤٠٣ هـ) ممن جمع الروايات وصنّف في أصول المذهب.

стр. 80

٣ - " طبقة مرجحي الروايات المنقولة " منهم الخرقي (ت ٣٣٤ هـ) ومنهم غلام الخلال "أبو بكر عبد العزيز بن جعفر" (ت ٣٦٣ هـ)، نقل عنه أبو يعلى في الطبقات قوله: أن الخرقي خالفه في ٦٠ مسألة وأن أبا يعلى تقصاها فوجدها ٩٨ مسألة كما هو مثبت في الطبقات (١). ٤ - " طبقة أصحاب الاختيارات بين الروايات " من مجتهدي المذهب منهم القاضي أبو يعلى (ت ٤٥٨ هـ)، ومحفوظ الكلوذاني (ت ٥١٠ هـ) وغيرهما. * * *

стр. 81

الفصل الثاني المنهجية والمصطلحات التي استعملها صاحب المحرّر وصاحب المنوَّر في عرض الروايات والراجح منها مما لا شك فيه أن معرفة المصطلحات التي استعملها المجد في المحرّر وتلك التي استعملها الأدمي في المنوَّر سيقرب لنا فهم الروايات والراجح عند هذين العالمين الجليلين، ويوضح لنا المنهجية التي اتبعاها. (١) التزام الاختصار في التاليف عند المُؤَلِّفَيْنِ يقول المجد في خطبة كتابه المحرّر ما نصّه: "أما بعد، فهذا كتاب في الفقه على مذهب الإِمام أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵁. هذبته مختصرًا ورتبته محرّرًا حاويًا لأكثر أصول المسائل وخاليًا من العلل والدلائل، واجتهدت في إيجاز لفظه تيسيرًا على طلاب حفظه. . . " (١). ويقول الأدمي في "المنوَّر في راجح المحرّر" ما نصّه: "فهذا مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل أحمد بن محمد بن حنبل سميته بالمنوَّر في راجح المحرّر، قرَّبت فيه جمل ألفاظه ليسهل على متعلمه وحفاظه. . . " (٢).

стр. 82

المتأمل لكلتا العبارتين يجد أن المصنفين التزاما الإِيجاز والاختصار في كتابيهما تيسيرًا للمتعلم والمتحفظ، وإن كان المنور أكثر إيجازًا مع الاقتصار على الراجح. (٢) استعمال الأصطلاحات الفقهية عند المجد في "المحرّر" وانعدامها في "المنوَّر " استعمل المجد جملة من الاصطلاحات الفقهية، وهذا لأنه يعرض الروايات ويرجح بينها، بخلاف الأدمي الذي اقتصر على الراجح، وقد ظهرت الاصطلاحات التالية في المحرر (١): الرواية: استعمل المجد عدة صيغ للرواية في كتابه نحو قوله: "على روايتين"، "روايتان"، "رواية واحدة"، "روايتان منصوصتان". يقول ابن تيمية في المسودة: "الروايات المطلقة نصوص أحمد وكذا قولنا وعنه". وتعني "عنه"، أي: عن الإِمام أحمد وهو الحكم المروي عنه في مسألة نصًّا. النص: وجاء في المحرّر في عدة صور منها "المنصوص"، "نص عليه"، "روايتان منصوصتان"، "نص عليه أحمد". والنص هو القول الصريح في الحكم ويتداخل النص مع الرواية في قوله: "روايتان منصوصتان" كما مر. وتعتبر الرواية والنص أعلى صيغ عرض الروايات في المحرّر كما ظهر لي مع قوله: وعنه أيضًا إذ تكثر في كتابه بشكل ملفت للنظر، مما يدل على أن كتابه يتعامل مع النصوص والروايات الصريحة.

стр. 83

الوجه: فهو أقوال الأصحاب وتخريجاتهم لا من نص الإِمام. وظهرت في المحرّر بعدة صيغ منها: "وعلى وجهين"، "وجهان"، "فعلى وجهين وهو المذهب "، "يحتمل وجهين". وهذه الصيغة الاصطلاحية تكثر في المحرَّر. ويختار منها المجد أحيانًا في قوله و"هي الصحيحة عندي"، وقوله: "وعندي يلزم كذا. . . " ونحو ذلك. وهذا يدل على أن المجد يستفيد من الوجوه التي ذكرها الأصحاب ممن مرّ ذكرهم في صدر هذا الباب. المذهب: وهو ما قاله المجتهد أو ما يجري مجرى قوله ومات عليه. وجاءت اصطلاحات هذا المعنى في المحرّر، نحو و"هو المذهب"، "المذهب المفتى به"، "فعلى وجهين وهو المذهب"، ونحو ذلك مما يدل على اشتمال المحرر على المذهب بكثرة والمفتى به منه. النقل: وهو نقل نصوص الإِمام والتخريج عليها، وتكثر في المحرّر خاصة نقول تلاميذ الإِمام أحمد كما أشرنا آنفًا نحو قوله: "نقلها حرب"، "نقلها أبو طالب"، "نقله الميموني"، "نقل عنه ابن منصور" (١). الاحتمال: وهو كون المسألة صالحة لأن يقال فيها بحكم بخلاف الحكم الذي قيل فيها، وجاءت صيغها في المحرّر في قوله مثلًا: "ويحتمل" كقوله في باب اللباس والتحلي "ويحتمل أن تحرم القبيعة" (٢).

стр. 84

المشهور: وهو القول المعروف عن الإِمام عند معظم الأصحاب، ويذكره المجد في المحرّر بقوله مثلًا في "باب حكم قبض المبيع وتلفه قبله"، وعنه أن تصرف المشتري فيه جائز قبل القبض وإن تلف فمن ضمانه وهو المشهور (١). . . التخريج: فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه كما ذكر ابن بدران. ومن صيغ التخريج في المحرّر قوله مثلًا: "ويتخرج على ذلك"، كقوله في باب الرد بالعيب: وإذا لم يعلم حتى خرج عن ملكه ببيع أو هبة أو عتق أو تلف فله الأرش لا غير ويتخرج أن يملك الفسخ ويغرم القيمة (٢). وقوله في باب الوكالة: وإذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل أو باع بدونه: صح ولزمه النقص والزيادة نص عليه ويتخرج أن يكون كتصرف الفضولي (٣). . . وهناك مصطلحات وألفاظ ليست بالكثرة بالمقارنة بما ذكر مثل "الحكاية" كقوله: "حكاها أبو الخطاب" (٤). وكثيرًا ما ينقل عن أبي الخطاب وهو محفوظ الكلوذاني وقد مر ذكره. ومنها "قيل" حيث إن المقدم غيرها كقوله في باب موقف الإِمام والمأموم: وإن وقف معه صبي فقيل: هو فذ، وقيل: ليس بفذ (٥).

стр. 85

(٣) استعمال الجمل المختصرة الجامعة في "المنوَّر" والمطوله في "المحرّر " نظرًا لأن "المنوَّر" مختصر ومقتصر على الراجح من "المحرّر" كما قدمنا، فإنه يستعمل عبارات جامعة ومختصرة من غير إخلال بالمقصود، فمن ذلك: مثلًا ما يختصر فيه عنوان الباب ومتنه: كقوله في المحرر في باب "تطهير موارد الأنجاس": "إذا أصابت نجاسة الكلب أو الخنزير غير الأرض وجب غسله سبعًا واحدة بتراب، وهل يقوم الأشنان ونحوه، أو الغسلة الثامنة على وجهين، فأما بقية النجاسات فعنه: تغسل سبعًا وفى استيراد التراب وجهان وعنه: تغسل ثلاثًا، وعنه لا يحسب العدد". بينما جعلها الأدمي في "المنوَّر" في "باب غسل النجاسة": قال في المنوَّر: "ومن كلب وخنزير سبعًا واحدة بتراب ومن غيرهما ثلاثًا". فتأمل كيف اختصر العبارة وانتهى إلى الراجح وكيف اختزل العنوان أيضًا ﵀. (٤) التعديل أو الزيادة على ما في المحرّر مع التحري التام للمقصود ومنها ما قد يزيد على ما في المحرّر مع تحريه للعبارة المختصرة، مثلًا قوله في المحرّر: "باب الأغسال المستحبة"، وهي ثلاثة عشر: غسل الجمعة والعيد، والكسوف، والاستسقاء، والإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف، والغسل من غسل

стр. 86

الميت، والإِفاقة من إغماء أو جنون لم يتيقن معه حكم وغسل المستحاضة لكل صلاة. . . قال في "المنوَّر": "فصل: ويسن للجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوفين والإِحرام حتى مع نفاس، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والرمي والطواف، ومن غسل الميت، ولإِفاقةٍ بلا احتلام، والاستحاضةِ لكل صلاة. . . ". المتأمل للنصين يجد ما يلي من فروقات: الأول: إن صاحب المنوَّر ﵀ قد وضعه تحت "فصل" تابع لـ "باب الغسل"، بينما المحرّر جعله تحت باب هو "باب الأغسال المستحبة". الثاني: أنه زاد عليه في اللفظ كقوله: و"العيدين" و"الكسوفين" على التغليب، في مقابل قوله في المحرّر: و"العيد" و"الكسوف". والثالث: أنه زاد عليه في الأغسال، فهي تقريبًا ١٤ غسلًا عند الأدمي في "المنوَّر" عند قوله: "مع نفاس"، و ١٣ غسلًا عند المجد في المحرَّر. وهذا يدل على أن صاحب المنوَّر ليس فقط مختصر للمحرر بل منقح ومصحح. (٥) الترجيح والتقديم للروايات ومنها مثلًا ترجيحه لإِحدى الروايتين والاقتصار على المعتمد، يقول في المحرَّر: "باب أركان النسكين وواجباتهما". ". . . وأما العمرة فأركانها الإِحرام والطواف، وفي السعي روايتان. وواجباتها: الإِحرام من الميقات أو الحل، والحلق أو التقصير، وقد روى

стр. 87

عنه: أن الحلاق والتقصير لا يجب في حج ولا عمرة فيتحلل منهما بدونه. . . ". قال الأدمي في "المنوَّر": فصل: "وأركان العمرة: الإِحرام، والطواف، وواجباتها الإِحرام من الميقات أو الحل، والسعي، والحلق أو التقصير. . . ". فتأمل كيف جعل القول على الراجح المعتمد عنده، رحمهما اللَّه تعالى. ونحو ذلك في الأبواب اللاحقة كما سيأتي عند دراسة المخطوط بالتفصيل، وباللَّه التوفيق. (٦) اختصار وتغيير عناوين الأبواب والفصول ومن ذلك أن الأدمي عمد إلى اختصار عناوين الأبواب والفصول جريًا على عادته طلبًا للاختصار، وذلك ليتوافق العنوان مع الأبواب والفصول المختصرة. وهذا الأمر استغرق معظم أبواب وفصول المنوَّر، إذ لا يكاد يتفق مع صاحب المحرَّر إلَّا في بعض الأبواب والفصول. فمن ذلك مثلًا: "باب تطهير الأنجاس" في المحرَّر أسماه: "باب غسل النجاسة"، و"باب السواك وأعواده" في المحرّر، وفي المنوَّر "باب السواك"، و"باب صفة الوضوء" في المحرّر يقابله "باب الوضوء" في المنوَّر، و"باب المسح" في المنوَّر يقابله "باب المسح على الخفين وغيرهما" في المحرَّر، و"باب الغسل" في المنوَّر يقابله ثلاثة أبواب في المحرَّر، أي أنه ضم في باب الغسل ثلاثة أبواب هي: "باب موجبات الغسل" و"باب الأغسال المستحبة" و"باب صفة الغسل" في المحرّر، وقس على ذلك، والحال نفسه يقال عن الفصول.

стр. 88

وللدلالة على مواضع الزيادات والتغيير وضعنا علامة: [زد] وتحتها رقم الزيادة، وقد بلغت ما يقارب الثمانين زيادة. كما جعل المنوَّر مقتصرًا على الكتب والأبواب وهي التي حملت عناوين، أما الفصول فبعضها مما استحدثه وبعضها مما اختصره من بعض الأبواب، وبالنظر يلاحظ أنه اختصر الأبواب والفصول بما يقارب الربع تقريبًا. (٧) ترك التعريف بموضوع الباب أو الفصل ومن منهجه كذلك ترك تعريف موضوع الباب أو الفصل سواء لغة أو اصطلاحًا، بل يدخل في حيثياته مباشرة ونادرًا ما يعرف، ويكاد يوجد ذلك في معظم الأبواب والفصول طلبًا للاختصار. فمثلًا في "كتاب الطهارة" لم يعرِّف الطهارة بل انتقل إلى أقسام المياه مباشرة، وكذا "باب غسل النجاسة" وكذا "باب التيمم" و"باب الحيض" أو "النفاس"، والحال نفسه في "باب المعاملات" مثل "كتاب البيوع" وأبوابه المختلفة، والشيء نفسه يقال في أبواب العدد وغيرها، خلافًا للمحرّر الذي يعرّف غالبًا خاصة من الناحية الشرعية. (٨) تقديم بعض الأبواب وتأخير بعضها على غير طريقة المتأخرين يلاحظ كذلك أن الأدمي ﵀ اتبع منهج المحرّر، فتجده يقدم بعض الأبواب ويؤخر بعضها، فمن ذلك مثلًا أنه جعل "كتاب الجهاد" في آخر الكتاب قبل "باب الأطعمة" وعقب "باب الحدود"، بينما المتأخرون يجعلون "كتاب الجهاد" عقب "كتاب الحج" كما في "الإِقناع" و"المنتهى" و"الغاية" وغيرها.

стр. 89

(٩) تجنبه للعبارات المستغلقة يمتاز الأدمي رحمه اللَّه تعالى بسهولة عباراته وسلاستها ودقتها مع الاختصار المناسب وغير المخل في أصل كتابه الذي هو المحرّر. ولعل من أبرز نتائج ذلك أن اتجه محققو المذهب إلى منوَّره لمعرفة الراجح والمجزوم به، حتى أن صاحب الإِنصاف رجع إلى المنوَّر أكثر من رجوعه إلى المحرّر، ولا تكاد تخلو صفحة من الإِنصاف إلَّا وفيها ذكر "المنوَّر" و"المنتخب" للعلامة الأدمي. بهذا يكون العلامة الأدمي قد خدم المحرّر خدمة جليلة، ذلك أنه قربه للعلماء وطلاب العلم، فرحمهما اللَّه جميعًا. (١٠) التقديم والتأخير في محتويات الباب والفصل يلاحظ على منهج الأدمي ﵀ أنه لا يتوافق كثيرًا مع ما يذكره المجد في الأبواب والفصول من حيث بداية الباب أو الفصل ومحتوياته، بل يقدم ويؤخر، وهذا ظاهر في معظم الأبواب والفصول. فمثلًا يقول المحرّر في باب تطهير موارد الأنجاس في بدايته: إذا أصابت نجاسة الكلب أو الخنزير الأرض وجب غسله سبعًا. . . إلخ، ويقول في المنوَّر: في هذا الباب الذي أسماه باب غسل النجاسة في بدايته: "يكره بماء زمزم، وتغسل من السبيلين مكاثرة. . . ومن كلب وخنزير سبعًا. . . إلخ". * * *

стр. 90

الباب الثالث "نبذة عن المصطلحات الفقهية عند الحنابلة " الفصل الأول: اصطلاحات الإمام أحمد وأصحابه. الفصل الثاني: أصول الإِمام أَحمد في استنباط الفروع. الفصل الثالث: راجح المذهب عند المتأخرين. الفصل الرابع: مفردات المذهب.

стр. 91

الفصل الأول اصطلاحات الإِمام أحمد وأصحابه تستدعي الدراسة ضرورة التعرف على الاصطلاحات الفقهية التي يستخدمها الفقهاء الحنابلة مع الإِشارة إلى أصول الإِمام أحمد في استنباط الفروع وما يتصل من ذلك بمفهوم "الراجح" و"المعتمد" في المذهب. ولا بد من القول أن الإمام أحمد ﵀ لم يؤلف كتابًا مستقلًّا في الفقه، وإنما أخذ أصحابه ذلك من فتاويه وأجوبته وأقواله وأفعاله، فإن ألفاظه إما صريحة، أو ظاهرة مع احتمال، أو محتملة لشيئين (١). وللإِمام أحمد ﵀ وأصحابه وتلاميذهم اصطلاحات فقهية لها مدلولات ومفاهيم ينبغي الوقوف عليها وبيان مقاصدها، إذ يصعب على القارئ فهم كتب المصنفين في الفقه دون علم مسبق بهذه الاصطلاحات وهي مقسمة إلى قسمين: أولًا: اصطلاحات الإِمام أحمد. ثانيًا: اصطلاحات أصحابه ومن تبعهم.

стр. 92

أولًا: اصطلاحات الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى (١) وهي الألفاظ الدالة على مراده، وقد جمعها أصحابه واجتهدوا في تحديد وبيان المراد منها، وهي على النحو التالي: - قوله: "لا يصلح" أو "لا ينبغي" للتحريم. - قوله: "لا بأس" و"أرجو أن لا بأس"، للإباحة. - قوله: "أخشى" أو "أخاف أن يكون" أو "لا يكون" ظاهر في المنع، وقيل: بالوقف. - قوله: "أحب كذا" أو "أستحبه" أو "أستحسنه" أو "هو أحسن" أو "يعجبني" أو "هو أعجب إلي": للندب، وقيل: للوجوب. - قوله: "أكره كذا" أو "لا يعجبني" أو "لا أحبه" أو "لا أستحسنه" للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم. - قوله: "أستقبحه" أو "هو قبيح" أو قال: "لا أراه"، فهو حرام. - قوله: "هذا حرام"، ثم قال: "أكرهه" أو "لا يعجبني" فحرام، وقيل: مكروه. ثانيًا: اصطلاحات أصحابه ومن تبعهم استعمل أصحاب الإِمام أحمد ومن تبعهم عددًا من الاصطلاحات التي قربت المذهب ويسرت الوصول إلى المعتمد، وهي مما استنبط في فهم أقوال وعبارات الإِمام أحمد ﵀. ولا يكتمل الفهم إلَّا بالإِشارة إليها خاصة وأنها تكثر في كتب الفقه، ومنها "المحرّر" لابن تيمية باعتبار أنه يذكر الروايات والأقوال والأوجه.

стр. 93

ومن هذه المصطلحات (١): النص: وهو القول الصريح في الحكم بما لا يحتمل غيره ويستعمل لها قولهم: "نصًّا"، "نص عليه"، "نص عليهما". . . إلخ. الرواية (٢): ومن الصيغ المستعملة للدلالة عنها قولهم: "في رواية" أو "فيه روايتان" ويدخل معها "المنصوص عنه"، وقولهم: "نصًّا"، وقولهم: "نص عليه" و"كذا فعله أحمد"، و"عنه" و"نقل عنه" ويدخل معها التنبيهات بلفظه نحو: "أومأ إليه" أو "أشار إليه" أو "دل كلامه عليه". لهذا، فالرواية مصطلح عام يدخل معه النص والتنبيه، ويقول ابن مفلح في مقدمة "الفروع" إن قوله الأصح، أي: أصح الروايتين (٣).

стр. 94

التنبيه: والمستعمل لها قولهم: "أومأ إليه أحمد"، أو "أشار إليه"، أو "دلَّ كلامه عليه" و"توقف فيه أحمد" وقد يدخلها البعض مع الرواية كما مرّ، وبمعنى آخر فإن التنبيه مما نفهم من قول أو عبارة الإِمام وليس تصريحًا والتنبيه من قبيل النصوص وليس بقياس كما قال في المسودة. الوجه (١): ويستعمل لها قولهم: "في وجه"، "على وجهين"، "على ثلاثة أوجه" ونحو ذلك، وهي ما نقل في المسألة من قبل المجتهد لا من نص الإِمام، أو الحكم المستنبط بالقياس من مسألة إلى مسألة تشبهها (٢). يقول ابن بدران: الأوجه أقوال الأصحاب وتخريجاتهم إن كانت مأخوذة من كلام الإِمام أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه (٣)، ويقول ابن مفلح في الفروع: إن قوله: "في الأصح"، أي: أصح الوجهين. التخريج: التخريج هو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما، قاله ابن بدران. ويستعمل لها قولهم "ويتخرج كذا"، و"يتخرج عليه"، والفرق بين التخريج والوجه أن التخريج نقل الحكم من مسألة إلى مسألة بالقياس، أما الوجه فهو الحكم المنقول بالتخريج الذي هو طريق إثبات الوجه.

стр. 95

القول: ويستعمل له "على قول"، "أو فيها قولان"، يقول ابن بدران: أما القولان فقد يكون الإِمام نص عليهما أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه، ويشمل القول أيضًا: الوجه و الاحتمال والتخريج. والفرق بين القول والرواية أن الرواية هي الحكم المنصوص عن الإِمام أحمد، أما القول فهو الحكم المنسوب إليه وجهًا أو احتمالًا أو تخريجًا. الاحتمال: ويستعمل لها "يحتمل كذا"، أو "احتمل"، أو "احتمال"، وهو دليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه أو لدليل مساوٍ له كما قال ابن بدران، ويفارق الوجه إن الاحتمال غير مجزوم به في الفتيا. التقديم: ويستعمل لها قولهم: "وقدمه"، "قدمه" وهو جعل القول الراجح في المسألة مقدمًا على غيره مع ذكر المرجوح بلفظ مشعر بالتضعيف، كما في مقدمة محقق الشويكي. المذهب: يقول ابن بدران: مذهب الإِنسان ما قاله أو دل عليه بما يجري مجرى القول في تنبيه أو غيره. ويقول في المسودة: مذهبه ما نص عليه أو نبَّه عليه أو شملته علته التي علل به، واختلفوا في القياس على قوله ومفهوم كلامه ولازم مذهبه وفعله، أي: هل يكون مذهبه أم لا؟ على تفصيل. الراجح (١): ويستعمل له "وهو الراجح"، "في الأرجح"، "على الراجح من المذهب" ونحو ذلك، قال في المسودة: مما يرجح به أحد العلتين أن تستوي في معلولاتها، وترجح إحدى العلتين بكون

стр. 96

أصلها مجمعًا عليه والأخرى أصلها مختلف فيه، وترجح العلة بكونها مفسرة والأخرى مجملة وترجح بموافقة ظاهر الكتاب أو يوافق السنَّة، وترجح بموافقة قول الصحابي، ويكون دليل أصل أحدهما أقوى من الأخرى أو يكون قطعيًا والآخر ظنيًّا أو نصًّا والآخر عمومًا، ومنها أن تكون إحداهما تندب والأخرى توجب، أو إحداهما تندب والأخرى تبيح فيقدم الإِيجاب لأن فيه ندبًا وزيادة، ويقدم الندب على الإِباحة لأن الندب فيه إباحة وزيادة ونحو ذلك، وهذا المصطلح عليه مدار ترجيحات المنوَّر على المحرّر. و خلاصة القول: يمكن إجمال ذلك كله بما جاء في "المسودة" (١): "يقول شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: الروايات المطلقة نصوص أحمد وكذا قولنا و"عنه". وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: "أومأ إليه أحمد أو أشار إليه أو دلَّ كلامه عليه أو توقف فيه". وأما الأوجه فأقوال الأصحاب وتخريجاتهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإِمام أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه. وإن كانت مأخوذة من نصوص الإِمام أو مخرجة منها فهي روايات مخرجة أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل إن قلنا: ما قيس على كلامه مذهب له. وإن قلنا: لا، فهي أوجه لمن خرجها وقاسها.

стр. 97

فإن خرج من نص ونقل إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها، صار فيها رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه إذا قلنا المخرج من نصه مذهبه، وإن قلنا: لا، ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه. فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها وجهان، ويمكن جعلها مذهبًا لأحمد بالتخريج دون النقل لعدم أخذهما من نصه، وإن جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولًا مخرجًا للإِمام ولا مذهبًا له بحال. فمن قال من الأصحاب هنا "هذه المسألة رواية واحدة" أراد نصه، ومن قال: "فيها روايتان"، فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره، ومن قال: "فيها وجهان"، أراد عدم نصه عليهما فلا يعمل إلَّا بأصح الوجهين وأرجحهما. وأما القولان فقد يكون الإِمام نص عليهما أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، أما التخريج فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه، وأما الوقف فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والأثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده فله حكم ما قبل الشرع. وهناك اصطلاحات أخرى نبينها في محلها عند التعامل مع "المنوَّر" و"المحرّر" عن قرب منها مثلًا: "ظاهر المذهب" ومن صيغها "الأظهر" و"في ظاهر المذهب"، ومنها "الصحيح" ومن صيغها "على الصحيح" و"هو الصحيح" و"على الأصح"، ويقول ابن مفلح في مقدمته على "الفروع" أن قوله: "الأصح"، أي: أصح الروايتين، وقوله: "على الأصح"، أي: أصح الوجهين، ومنها "المشهور" ومن صيغها "المشهور في المذهب"، و"على الأشهر" أو "وهو الأشهر أو الأظهر" وغير ذلك.

стр. 98

ثالثًا: ما يطلقه الأصحاب من أسماء وألقاب على علماء المذهب لعل من المناسب أن نتعرف على ما يستعمله الأصحاب من مسميات وألقاب للدلالة على أعلام المذهب، كما أن لبعضها ارتباطًا بأكثر من عَلَم حسب الطبقة التي ينتمي إليها المستخدم لهذه الألقاب على ما يأتي (١): القاضي: يطلق عند المتقدمين والمتوسطين للدلالة على القاضي أبي يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء الملقب بأبي عصر المتوسطين (ت ٤٥٨ هـ). وإذا قالوا: أبو يعلى الصغير فيعنون به ابنه محمد أبا الحسين الفراء صاحب "طبقات الحنابلة" (ت ٥٢٦ هـ). أما "المتأخرون" كصاحب "الإِقناع" و"المنتهي"، أي: الحجاوي والفتوحي، فالقاضي عندهم هو القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) صاحب الإِنصاف. المنقح: يطلقه المتأخرون على القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) لأنه نقح المقنع في كتابه "التنقيح المشبع" الذي هو خلاصة كتابه "الإنصاف". الشيخ: إذا أطلقه "المتأخرون" و"المتوسطون" كصاحب الفروع، أي: ابن مفلح (ت ٧٦٣ هـ) أرادوا به العلامة الموفق (٢) ابن قدامة

стр. 99

المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، قال في "نظم المفردات": فحيثُ بالشيخِ مقالي أُطلِقُ ... فهو الإِمامُ العالِمُ المُوَفَّقُ وكثيرًا ما يطلق المتأخرون "الشيخ" ويريدون به شيخ الإِسلام ابن تيمية، ومنهم ابن قندس في حواشي الفروع. ويقول العلامة مرعي الكرمي في مقدمته في غاية المنتهى: "والمراد بالشيخ حيث أطلق شيخ الإِسلام وبحر العلوم أبو العباس أحمد تقي الدين ابن تيمية"، واشتهر ابن تيمية أيضًا بـ "شيخ الإِسلام" و"تقي الدين" (١). الشيخان: يطلق هذا اللقب على الموفق والمجد عبد السلام صاحب المحرّر (٢)، وقد يطلق على المجد، وحفيده شيخ الإِسلام ابن تيمية، قال "صاحب المفردات": وإنْ أَقُلْ في نظمي الشيخانِ ... فالمجدَ أعني معه الحراني الشارح: يطلق على الشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر المقدسي صاحب الشرح الكبير، ويسمى "صاحب الشرح" أيضًا، وإذا قالوا "الشرح" أو "في الشرح"، فالمعني به هو وشرحه، وأكد ذلك المرداوي في تصحيح الفروع (٣). الجماعة: ويستعمل لها قولهم "رواة الجماعة"، فيراد بهم وما رواه السبعة عن الإِمام وهم: ابنه عبد اللَّه وابنه صالح وعمه حنبل، وأبو بكر

стр. 100

المرُّوذي وإبراهيم الحربي وأبو طالب الميموني (١). كما تفرد بعض العلماء باصطلاحات وألفاظ وبينوا مقاصدهم بها منها: خلافًا له: وهو من ألفاظ العلامة مرعي الكرمي في غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، يقول في مقدمة كتابه "مشيرًا لخلاف الإقناع" بـ "خلافًا له". خلافًا لهما: وهو أيضًا للعلامة مرعي الكرمي يقول فيه مشيرًا لخلاف "الإِقناع" بـ "خلافًا له" فإن تناقض زدت "هنا" ولهما بـ "خلافًا لهما" (٢). ويتجه: وهو أيضًا من ألفاظ العلامة مرعي الكرمي في الغاية يقول "ولما أبحثه" غالبًا جازمًا به بقولي "ويتجه". * * *

стр. 101

الفصل الثاني أصول الإمام أحمد في استنباط الفروع كان الإِمام ﵀ لا يتعدى طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا يتجاوزها، وهي عادته في التوحيد والفتيا وفي الفقه والاعتقاد. وقد صرح مجتهدو مذهبه أن فتاواه مبنية على خمسة أصول (١)، من المهم معرفتها لكي يتسنى لنا تصور رواياته ونصوصه حسب فهم أصحابه (٢): الأصل الأول: "النص ": فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه أو من خالفه، فلم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صاحب ولا علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس بالإِجماع ويقدمونه على الحديث الصحيح. ويقول ابن القيم: إن أحمد قال: كذب من ادعى الإِجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، لهذا لا ينعقد الإِجماع مع

стр. 102

مخالفة مجتهد واحد يعتمد قوله عند أحمد ﵀ وأصحابه والأكثر أنه لا يسمى إجماعًا مع المخالفة ويشترط لصحة الإِجماع انقراض العصر قبل الاختلاف. الأصل الثاني: "فتوى الصحابة ": كان ﵀ إذا وجد لبعض الصحابة فتوى لا يعرف لها مخالف منهم فيها لم يتجاوزها إلى غيرها، ولم يقل ذلك إجماعًا بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه أو نحو ذلك. وكانت فتاواه مطابقة لفتاوى الصحابة حتى أن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان. الأصل الثالث: "ما وافق الكتاب والسنَّة ": إذا اختلف الصحابة رضوان اللَّه عليهم تخير من أقوالهم الأقرب إلى الكتاب والسنَّة ولم يخرج عن أقوالهم. فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول. الأصل الرابع: "الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف " (١): إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه في العمل. بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن

стр. 103

وضعيف بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب. فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صحابي ولا إجماعًا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس لشدة تمسكه بالحديث. الأصل الخامس: "القياس ": إذا لم يكن في المسألة نص، ولا قول الصحابة أو صحابي، ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى القياس، فاستعماله له ضرورة إذ أنه يكره أن يفتي في مسألة ليس فيها أثر عن السلف، وكان يقول لأصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام (١). والخلاصة كما جاء في "المسودة" (٢) لآل تيمية عن مذهب الإِمام أحمد مما يتصل بالأصول الخمسة المذكورة: أن ما أجاب عنه بكتاب أو سنَّة أو إجماع أو قول بعض الصحابة فهو مذهبه، لأن قول أحدهم حجة على الأصح. وما رواه من سنَّة أو أثر وصححه أو حسَّنه أو رضي بسنده أو دوَّنه في كتبه ولم يرده ولم يُفْت بخلافه فهو مذهبه. وإن ذكر عن الصحابة مسألة فيها قولين، فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنَّة أو إجماع، سواء عللهما أم لم يرجح أحدهما ولم يختره. * * *

стр. 104

الفصل الثالث راجح المذهب عند المتأخرين طبقة متأخري المذهب وكتبهم المعتمدة للراجح من المذهب (١) المعتمد من المذهب الآن هو ما رجحه المتأخرون، وهم من جاء بعد الموفق ابن قدامة والمجد وغيرهم من طبقة المتوسطين، أي بعد عام ٨٨٤ هـ، وهم: ١ - مصحح المذهب أو المنقح، علي بن سليمان المرداوي في كتابه "الإِنصاف"، وخلاصته "التنقيح المشبع" (ت ٨٨٥ هـ). ٢ - موسى الحجاوي في كتابه "الإِقناع" و"زاد المستنقع في اختصار المقنع" (ت ٩٦٨ هـ). ٣ - محمد بن عبد العزيز الفتوحي المعروف بابن النجار، صاحب "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات" (ت ٩٧٢ هـ). ٤ - مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي صاحب "غاية المنتهى في الجمع بين الإِقناع والمنتهى"، و"دليل الطالب" (ت ١٠٣٣ هـ).

стр. 105

٥ - منصور البهوتي في شرحه "الروض المربع شرح زاد المستقنع"، و"دقائق أولي النهى في شرح المنتهى" (ت ١٠٥١ هـ). وهذه الكتب قد لاقت هي ومؤلفوها عناية كبيرة من معاصريهم ومن تبعهم وتم شرحها والتعليق عليها مثل "غاية المنتهى" لمرعي الكرمي الذي شرحه الرحيباني في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (١)، وكذلك "الروض المربع" الذي شرح ووضعت عليه حواشي كثيرة منها "شرح البهوتي" (٢)، "حاشية العنقري" (٣)، و"حاشية ابن قاسم النجدي" (٤)، وغيرهم. راجح المذهب عند المتأخرين من المناسب لتأكيد الراجح من المذهب الرجوع إلى المؤلفات المذكورة في صدر هذا الفصل للوقوف على معنى الراجح عندهم. يقول المرداوي في "التنقيح المشبع" في أثناء مقدمته: "وأمشي في ذلك كله على قول واحد وهو الصحيح من المذهب أو ما اصطلحنا عليه في "الإِنصاف"، و"تصحيح الفروع" فيما

стр. 106

إذا اختلف الترجيح" (١). ويقول الحجاوي في "الإِقناع" في أثناء مقدمته: "اجتهدت في تحرير نقوله واختصارها لعدم تطويله مجردًا غالبًا عن دليله وتعليله على قول واحد وهو ما رجحه أهل الترجيح منهم العلامة القاضي علاء الدين في كتبه "الإِنصاف"، وتصحيح الفروع، والتنقيح" (٢). أما "غاية المنتهى" للعلامة مرعي الكرمي فهو جمع بين "الإِقناع" للحجاوي، و"منتهى الإِرادات" للفتوحي، فقد أشار أن صاحبي "الإِقناع" و"منتهى الإِرادات" قد نحا نحو صاحب "الإِنصاف" و"التنقيح" العلامة المرداوي ثم قال: "فصار كتابيهما من أجل كتب المذهب ومن أنفس ما يرغب في تحصيله، لهذا يقول العلامة السفاريني (٣) مقولته المشهورة: عليك بما في الإِقناع والمنتهى، فإذا اختلفا فانظر ما يرجحه صاحب غاية المنتهى" (٤).

стр. 107

أما العلامة الفتوحي صاحب "منتهى الإِرادات" فيقول في خطبته: "ولا أحذف منهما إلَّا المستغنى عنه والمرجوح وما بني عليه، ولا أذكر قولًا غير ما قدم أو صحح في التنقيح إلَّا إذا كان عليه العمل أو شهر أو قوي الخلاف فربما أشير إليه" (١). وخلاصة القول في الراجح المعتمد من المذهب ما يأتي: ١ - إن الفترة الزمنية التي استقر عليها المعتمد عند المتأخرين تبدأ منذ انتهاء المرداوي من وضع كتابه القيم "التنقيح المشبع" إلى وفاته عام ٨٨٥ هـ ثم إلى عام ١٠٥١ هـ، وهو تاريخ وفاة العلامة منصور البهوتي صاحب "الروض المربع" وشارح "منتهى الإِرادات" وهو آخر المجموعة وفاة. ٢ - إن مدار الفتوى والترجيح على ما رجحه صاحب التنقيح عند الجميع تقريبًا. ٣ - إن المفتى به والمعتمد عند طبقة صاحب المحرّر المجد ابن تيمية وصاحب المنوَّر الأدمي من جهة والمفتى به عند المتأخرين من جهة أخرى سيكون متقاربًا، ذلك أن مدار كلا الطبقتين على "المقنع" الذي صنفه شيخ المذهب ابن قدامة وما طرأ عليه من زيادات، كما في "زوائد المحرّر على الكافي" و"زوائد الكافي على المقنع" اللذين جمعهما ابن عبيدان في "زوائد الكافي والمحرّر على المقنع" (٢) الذي عاش في الفترة ما بين (٦٧٥ -

стр. 108

٧٣٤ هـ)، وكذلك ما وضعه المرداوي في خلاصة الإِنصاف الذي هو "التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، الذي قدمنا أن مدار الأمر عليه عند المتأخرين. ٤ - نقل صاحب المحرّر من "متقدمي الأصحاب" لا يخرج كتابه عن المفتى به والمتعارف عليه خاصة مع ترجيح واختصار الأدمي له غالبًا. * * *

стр. 109

الفصل الرابع مفردات المذهب للإِمام أحمد ﵀ مذهب مستقل في الفقه وأصول الفقه وله قواعده وأصوله المعروفة من اجتهاده، وقد مرت معنا آنفًا. وقد يوافق اجتهاده وقوله اجتهاد وقول غيره ممن سبقه أو عاصره، لكن هذا لا يعني أنه تابع أو مقلد له بل هو مجرد الموافقة لأن الحق واحد. وللإمام أحمد مفردات تفرد بها عن غيره في الفقه، وقد حرص على جمعها وشرحها عدة أئمة، وفي ذلك رد على من ادعى أنه لا حاجة لمذهب أحمد لقربه من مذهب الشافعي. يقول ابن فيروز في حاشيته على حاشية الزاد ما نصّه (١): "ومن مناقب الإِمام أحمد للشيخ يوسف ابن عبد الهادي: ومن الناس من يقول ليس بين مذهب أحمد ومذهب الشافعي خلاف إلَّا في مسائل قليلة نحو ستة عشر مسألة، وهذا قول الأغبياء وإشارة إلى أنه لا حاجة إلى مذهب أحمد، فإذا حقق الإِنسان النظر وجد مذهب أحمد يخالف مذهب الشافعي رحمهما اللَّه تعالى في أكثر من عشرة آلاف مسألة بل وأكثر من ذلك، هذا القاضي عز الدين صنف المفردات المخالفة للمذاهب الثلاثة كتابه المشهور

стр. 110

الذي فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة وهي بالضرورة تخالف مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ومفردات مخالفة الشافعي فقط لم يذكرها. . . ويقول: "وقد وضعت كتاب قرة العين فيما حصل من الاتفاق والاختلاف بين المذهبين. . . ". ثم شرع بعد ذلك في بيان وسطية مذهب أحمد في أبواب ومسائل نأخذ منها مثلًا: ١ - مذهبه بالقول بطهارة بول جميع الحيوانات المأكولة اللحم وروثها كالغنم والبقر والإبل والخيل والدجاج والأوز وغير ذلك، وهذا مما تعم به البلوى، ولولا مذهب أحمد لضاق الأمر على الناس وعسر عليهم الأمر هنا. ٢ - مذهبه في طهارة مني الآدمي، ومني ما يؤكل لحمه، وفي ذلك رخصة. ٣ - ومن ذلك جواز المسح على الجورب وفيه رخصة. ٤ - ومنه الدخول في صوم رمضان بالغيم والقتر ليلة الثلاثين من شعبان. ٥ - ومن ذلك صحة البيع بالمعاطاة. ٦ - ومن ذلك أن الوالد له أن يملك من مال ولده ما يشاء. ٧ - ومنه أن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق. ٨ - ومنه عدم وقوع الطلاق من السكران. ٩ - ومنه الرد في باب الفرائض وتوريث ذوي الأرحام. ١٠ - ومنه أن الكافر إذا مات حكم بإسلام من لم يبلغ من ولده. إلى غير ذلك من المسائل.
следующие страницы →