Полный текст (5 077 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
رمضان إن كان عنده صاحبه حين سرقه قطع، وإلا لم يقطع.
الشيخ: روى محمد في البيت يكون فيه قناديل المسجد أو حصره أو زكاة الفطر أو غير ذلك، من دخله بإذن لم يقطع فيما سرقه منه، ومن دخله بغير إذن قطع فيما سرقه منه، إذا خرج به من البيت إلى المسجد.
ولابن رشد في أول سماع ابن القاسم: اختلف في الفطرة توضع في المسجد، قيل: حكمها حكم حصر المسجد، يدخل في ذلك من الخلاف ما في حصره إذا سرقت نهاراً، قاله أصبغ، وهو ظاهر قول ابن القاسم وروايته في سماع عيسى لقوله فيه: من سرقها قطع، وإن لم يخرج بها من المسجد. ولم يشترط أن يكون عليها حارس.
وروى ابن حبيب: لا قطع على من سرقها نهاراً، إلا أن يكون عليها حارس. واختاره ابن حبيب؛ لأن المسجد ليس بموضع للفطرة يختص بها كالحصير.
وسمع محمد بن خالد: من جعل ثوبه قريباً منه في المسجد وهو يصلي، فسرقه رجل قطع إذا هو قبضه، وإن لم يتوجه به ولو لم يقطع حتى توجه به أذن لم يقطع حتى يخرج به من المسجد.
ابن رشد: لا أعلم فيه خلافاً.
وسمع ابن القاسم: لا قطع على من سرق من حلي الكعبة؛ لأنهم يؤذن لهم في دخولها.
ابن رشد: كان الحلي متثبتاً بما هو فيه أو موضوعاً بالبيت، ومن لم يؤذن له في دخوله قطع فيما سرقه منه ليلاً أو نهاراً إذا خرج به من البيت إلى موضع الطواف.
الشيخ عن ابن الماجشون: من سرق من ذهب باب الكعبة قطع.
وفيها: تقطع الزوجة إذا سرقت من مال زوجها من غير بيتها الذي تسكنه.
اللخمي: إن سرق أحدهما من مال الآخر من موضع لم يحجر عليه لم يقطع، وإن كان من موضع محجور بائن عن محجور معهما في الدار والدار غير مشتركة، فقال ابن القاسم: يقطع.
وفي الموازية: لا يقطع. وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من
стр. 4797
أجنبي يطرقهما، وإن كان لتحفظ كل منهما من الآخر قطع، وإن سرق الزوج من شيء شورها به، ولم يبن بها؛ قطع على القول أنه وجب جميعه لها، وعلى القول أنه مترقب لا يحد، كما لو كانت أمة فأصابها.
وفي لغو سرقة ذي رق من مال سيده مطلقاً وقطعه فيما حجره عنه، قولها مع المشهور.
واللخمي عن أبي مصعب، مع مختصر الوقار، وربما أخذ من قولها: وإذا أقر عبد أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوها، فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه، ومن مفهوم قولها في الجنايات.
قال مالك: من باع عبداً سارقاً دلس فيه فسرق من المتاع فرده بالعيب، فذلك في ذمته إن عتق.
ولو سرق من أجنبي مالاً قطع فيه فرده المبتاع؛ فهي جناية بخلاف سرقته من المبتاع؛ إذ لا يقطع فيها للإذن في الدخول ورد الأخذ من الأولى بأن قبول قول سيده كإقرار المسروق منه بالسرقة للسارق، ومن الثانية بأن هذا إنما هو لفظ البراذعي ولفظها في المدونة، لا يدل على ذلك؛ لأنه ما نصه قلت: من باع عبداً دلس فيه بسرقته فسرق من المشتري يكون ذلك في ذمته أو رقبته إن رده لسيده، قال: في ذمته إن عتق لأنه مأذون له في دخول بيت المشتري.
فإن قلت: إنما الأخذ من مفهوم تعليل القطع بالإذن له في الدخول.
قلت: لفظ البراذعي يقتضي التعليل بمطلق الإذن في الدخول فيتناول مسألة المشتري الراد بالعيب من مسألة مالك لا رد له فيه، ولفظ المدونة قاصر على مشتريه الراد له بالعيب، وهذا لا يدل على تناوله من ملك ولا راد له فيه؛ لأن على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع فيصير المشتري كأجنبي سرق منه من أذن له في دخول بيته، ومفهوم هذا لا يدل على صحة أخذ المدعي أخذه بوجه فتأمله.
وفيها: من جد ثوباً منشوراً على حائط بعضه بالدار وبعضه خارج عنها إلى الطريق أو سرق متاعاً من الضيع؛ لم يقطع.
стр. 4798
وقال محمد: إن سرق بعضهم من كم بعض لم يقطع.
اللخمي: القطع أحسن.
وفيها: ومن أذنت له في دخول بيتك أو دعوته إلى طعام فسرقك؛ فلا قطع فيه وهذه خيانة.
اللخمي: فيها لمالك: من أضاف رجلاً وأدخله داره وبيته وسرق، فلا يقطع.
وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى قاعة الدار؛ لأن الدار عنده مشتركة.
محمد: معنى قوله ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كثر" الحرز لا غير.
ومن سرق من ثمر دار معلق في رؤوس النخل قطع.
اللخمي: فعليه إن كان النخل أو الكرم أو غيره من الثمار عليه غلق، ويعلم أنه من السارق أو لا غلق عليه، وعليه حارس قطع سارقه، قال: ولا قطع في الزرع إن كان قائماً.
وعلى قول عبد الملك: لا قطع فيه، وإن كان في جرين أو إغلاق.
قال محمد في زرع حصد وربط قتا، وترك في الحائط ليرفع إلى الجرين.
قال مالك فيه مرة: يقطع سارقه وإن لم يكن عليه حارس. وقال أيضاً في زرع يحصد وبوضع بموضعه أياماً لييسبس لا قطع فيه.
قال محمد: ولو حمل فسرق في الطريق قبل بلوغه الجرين قطع سارقه.
الشيخ عن الموازية: من سرق قرط صبي أو شيئاً مما عليه، فإن كان صغيراً لا يعقل ولا حافظ له، وليس في حرز لم يقطع وإلا قطع، وإن كان ممن يعقل قطع سارق ذلك منه مطلقاً، وقاله أصبغ عن ابن القاسم.
وروى ابن وهب: في السارق مما على الصبي إن كان من دار أهله قطع.
ابن الجلاب: من سرق خلخالاً من رجل صبي أو قرطاً أو شيئاً من حليه؛ ففيها روايتان: إحداهما قطعه كان في دار أهله أو فنائهم، والأخرى أنه لا قطع عليه.
قال الباجي: فأورد الروايتين على الإطلاق.
ابن حارث: اتفقوا في السارق يؤخذ في الحرز قبل أن يخرج المتاع أنه لا قطع عليه.
стр. 4799
وسمع عيسى ابن القاسم: إن دخل سارق بيت رجل فاتزر بإزار فأخذ في البيت ففر منهم والإزار عليه، وقد علم به أهل البيت أو لم يعلموا؛ لا قطع عليه.
ابن رشد: لأنه لم يخرج به إلا مختلساً.
قال ابن الحاجب: تبعاً لابن شاس: فلو نقب وأخرج غيره، فإن كانا متفقين قطعاً، وإلا فلا قطع على واحد منهما.
قلت: لا أعرف هذا الفرع لأحد من أهل المذهب؛ وإنما ذكره الغزالي في وجيزة على أصلهم أن النقب يبطل حقيقة الحرز، ومسائل المدونة وغيرها تدل على أن النقب لا يبطل حقيقة الحرز، وقوله: إن تعاونا قطعا، مقتضى المدونة أنه لا يقطع إلا من أخرجه لقولها: لو قربه أحدهما لباب الحرز أو النقب فتناوله الآخر، قطع الخارج وحده إذ هو أخرجه، ولا يقطع الداخل. وهذه المسألة رد عليه في زعمه أن النقب يبطل حقيقة الحرز لقولها: لباب الحرز أو النقب وفي قوله: قطعاً، وقد تقدم لهما مسائل من هذا النوع، وفي إذافتها للمذهب مسائل الغزالي مع مخالفتها أصول المذهب، ولهذا كان كثير من متحققي شيوخ شيوخنا لا ينظر كتاب ابن الحاجب، ويرى قراءة الجلاب دونه.
ولما ذكر اللخمي قولها في الذي قربه لباب الحرز أو النقب قال: وقال أشهب: يقطعان، ثم قال في الفصل بعينه، وقال مالك في المختصر: إذا قرب الداخل المتاع وأدخل الخارج يده فأخرجه لا يقطع الخارج، وأرى أنه لا يقطع حتى يجتمع الدخول وإخراج المتاع كما إذا رمى بالمتاع وأخذ قبل أن يخرج.
قلت: يتحصل فيها ثلاثة أقوال.
وفيها: وإن دخل الحرز فأخذ متاعاً فناوله رجلاً من الحرز قطع الداخل وحده أخذ في الحرز أو بعد أن خرج.
ابن حارث: اتفقوا في السارقين يكون أحدهما من داخل الحرز والآخر من خارجه، فيخرج الداخل يده إلى خارج بالمتاع فيتناوله الخارج أنه لا قطع على الخارج، قال: فلو أدخل الخارج يده إلى داخل الحرز فأعطاه الداخل المال.
стр. 4800
فقال ابن القاسم: يقطع الخارج.
وقال أشهب: يقطعان معاً.
وفيها: ولو ربطه الداخل بحبل وجره الخارج قطعاً.
اللخمي: اختلف قول مالك: إذا ربطه الداخل وحده وجره الخارج إلى الطريق.
وفيها: إن التقت أيديهما في المناولة في وسط النقب قطعاً معاً.
اللخمي: هذا راجع لقول أشهب فيمن قرب المتاع إلى النقب، وأخرجه الخارج وكان الأصل على قول ابن القاسم إلا يقطع الداخل؛ لأن معونته في الحرز والنقب من الحرز إلا أن تتمادى معونته مع الخارج حتى أخرجاه من الحرز ونحوه للتونسي.
وفيها: لو أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجاً منه فقد شك فيها مالك بعد أن قال لي: يقطع وأنا أرى أن يقطع. ونقلها اللخمي بلفظه.
قال مالك يقطع، وقال أيضاً: لا يقطع. ونقلها الشيخ في النوادر بلفظ وقف فيها لا بلفظ شك.
اللخمي: ولو رمى بالسرقة من حرز فوقعت في نار أو كانت زجاجاً فانكسرت فاختلف هل تقطع أو لا، والقطع أحسن.
الشيخ عن عبد الملك: ما رمى به السارق فأتلفه قبل أن يخرج هو من الحرز إن قصد إتلافه، وكان كالأيسر من أخذه كرميه في نار عامداً، وهو مما لا تبقيه النار لم يقطع وما كان على غير هذا قطع.
قال ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: لو ابتلع درة وخرج قطع ولا أعرفها بنصها إلا للغزالي في الوجهين لكنه مقتضى قولها: إن دهن رأسه ولحيته في الحرز بدهن، ثم خرج فإن كان في الدهن إذا سلت ما يبلغ ربع دينار قطع وإلا فلا.
وسمع أشهب: من أشار إلى شاة في حرز لم يدخله بالعلف فخرجت لا قطع عليه.
قال أشهب وابن القاسم: يقطع.
ابن رشد: سمع أبو زيد ابن القاسم مثل قوله هنا، وقول أشهب هو قول ابن الماجشون، وأنكر ذلك ابن المواز واختار قول مالك في إيجاب القطع عليه، وهو
стр. 4801
الأظهر.
قلت: كذا وجدته في نسختين من البيان، وهو مشكل لأن قول مالك؛ إنما هو عدم القطع للإيحاء به، وإنما يستقيم على نقل اللخمي.
قال: قال في الموازية: وذكر المسألة أنه لا يقطع كمن أتى بإنسان فأرسله فأخرجها له لم يقطع المرسل، وكذا في إشارته إلى بازي أو صبي أو أعجمي.
قال أشهب: في هذا كله يقطع وهو أحسن.
قلت: وذكر الباجي عن أشهب في الموازية: أنه لا يقطع.
قال: وقال عبد الملك: يقطع في ذلك كله.
قال محمد: ولا يعجبنا. قاله في كلامه على قول مالك في الصبي الصغير والأعجمي.
قال اللخمي: وقال يحيي بن يحيي عن ابن نافع في الأعجمي: إذا راطنه بلسانه حتى خرج إليه طوعاً لم يقطع.
اللخمي: يريد إن دعاه ليخرج إليه ويذهب به فأصاعه، ولو غره فقال: بعثني سيدك لآتيه بك قطع.
والمذهب: لا قطع في اختلاس وتقدم فرع العتيبة فيمن ائترز بثوب فأخذ في الحرز ففر به.
الشيخ في الموازية: من ترك السارق يسرق متاعه وأتى بشاهدين ليعايناه ولو أراد أن يمنعه لمنعه؛ فلا قطع وقاله مالك.
وقال أصبغ: يقطع زاد ابن شاس، وثالثها: التفرقة لبعض المتأخرين بين أن يشعر برؤيتهم له فيفروا؛ فلا يقطع لأنه مختلس وبين أن لا يشعر بذلك؛ فيقطع لأنه سارق، ولم يعزه ابن هارون إلا لمالك ولا أعرفه، وعزاه الأول لمحمد فقط وتقدم الخلاف في الصغير الذي لا يعقل يسرق من حرز.
وفيها: من سرق صبياً حراً أو عبداً من حرزه قطع.
الشيخ عن محمد: وقاله مالك وأصحابه.
стр. 4802
أشهب: إن كان الصبي يعقل والعبد يفضح؛ فلا قطع فيهما.
وقال ابن الماجشون: لا قطع على من شرق حرا.
ابن عمر: ويقول مالك قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن، والشعبي، والزهري، وقول ابن الحاجب، وقاله الفقهاء السبعة واختار اللخمي قول ابن الماجشون إلا أن يكون ذلك ببلد يخشى فيه سرقة أولادهم.
[باب في شرط قطع السارق]
ونصوص المذهب واضحة بأن شرط قطع السارق تكليفه حين سرقته.
وفيها: إن دخل حربي بأمان فسرق قطع.
اللخمي: وقال أشهب: لا قطع عليه إن سرق ولا على من سرق منه، وأن لا يقطع أبين إلا أن يبين له ذلك حين تأمينه، والقطع إن سرق منه أحسن.
وفيها: ولا يقطع الصبي إذا سرق ولا المجنون المطبق، والذي يجن ويفيق إن سرق حال إفاقته قطع، وإن أخذ في حال جنونه استؤنى به حتى يفيق ثم يقطع، وإن سرق في حال جنونه لم يقطع.
قال ابن الحاجب: فيقطع الحروالعبد والذمي والمعاهد، وإن كان المسروق لمثلها وإن لم يترافعوا.
قلت: لأن حد القطع لله فقط، لا حق فيه للمسروق منه.
[*****
تثبت بالبينة كالإقرار بها طوعا
стр. 4803
وفيها: وينبغي للإمام إذا شهدت بينة عنده على سارق أن يسألهم عن السرقة ما هي، وكيف هي، ومن أين أخذها، وإلى أين أخرجها، كما يسألهم في الزنا.
قلت: وإتباع القرافي نظائر أبي عمران في اشتراط معية إتيان بينة السرقة للشهادة بها وهم وحكم رجوع المقر طوعا تقدم في الاقرار بالزنا.
اللخمي: فيمن أقر بعد التجديد خمسة أقوال:
مالك: لا يؤخذ به.
ابن القاسم: إن خرج المتاع والقتيل؛ فإنه يقال إلا أن يقر بعد أمن من عقوبة أو يخبر بأمر يعرف به وجه ما أقر به؛ كأنه يريد إن أخرج المتاع أو القتيل بانفراده لا يؤخذ به إلا أن ينضاف إلى ذلك ما يدل على صحته كقوله: اجترأت أو فعلت فيذكر ما يدل على صدق اقراره.
وقال مالك في الموازية: إن عين السرقة قطع إلا أن يقول دفعتها إلى فلان؛ وإنما أقررت لما أصابني ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها لا تعرف.
أشهب: لا يقطع ولو ثبت على إقراره إلا أن يعين السرقة، ويعرف أنها للمسروق منه.
وقال سحنون: إن أقر في حبس سلطان بعد أن ألزمه إقراره وكيف ينبغي إذا حبس أهل الظنة ومن يستوجب الحبس إذا قر في حبسه أن لا يلزمه. قال: وإنما يعرف
стр. 4804
هذا من ابتلي بالقضاء.
وقول ابن شاس: ولو رد السارق اليمين فحلف الطالب ثبت الغرم دون القطع واضح؛ لأن النكول واليمين دون القطع؛ لأنه لا يثبت إلا ببينة أو إقرار.
وفيها: إن أقر عبد، أو مكاتب، أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة وأظهروها؛ فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه.
قلت: في قبول قوله في المكاتب نظر.
وفيها: إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة؛ لم يقطع وضمن قيمة ذلك، ولا يمين على رب المتاع وإن شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته، وأخذ المتاع فصعد إن كان قائما، ولا يقطع السارق وإن استهلك المتاع ضمن السارق قيمته وإن كان عديما.
[باب موجب السرقة]
وموجب السرقة: قطع السارق وضمانه السرقة إن لم يقطع لازم له اتفاقا، فإن قطع وهي قائمة بعينها استحقها ربها، وإن استهلكها ففي ضمانه إياها مطلقا ونفيه. ثالثهما: إن اتصل يسره بها من يوم السرقة إلى يوم القطع.
ورابعها: إلى يوم القيامة للخمي عن حكاية ابن شعبان قائلا: وقال غير واحد من أهل المدينة.
وقول عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: غرمه استحسان والقياس عدمه ولها مع المشهور وأشهب.
ابن الحارث: اتفق أصحاب مالك أن السارق المعسر يوم القطع لم يضمن السرقة إلا محمد بن عبد الحكم قال: يضمنها ولو كان معسرا.
وفيها: من قطعت يده لسرقة ولا مال له إلا قدر قيمتها فغرمها، ثم قام قوم سرق منهم قبل ذلك، فإن كان من وقت سرق منهم لم يزل مليئا بمثل هذا الذي غرم الآن تحاصوا فيه كلهم، وإن أعدم في خلال ذلك ثم أيسر فكل سرقة سرق من يوم يسره
стр. 4805
المتصل إلى الآن فأهلها يتحاصون في ذلك دون من قبلهم، وإن لم يحضروا يوم القطع كلهم فلمن غاب الدخول عليهم فيما أخذوا كغرماء المفلس.
وفيها: إن باع السارق السرقة فقطع ولا مال له فوجدت عند مبتاعها قائمة، فلربها أخذها ويتبع المبتاع السارق بالثمن.
اللخمي: إن استهلكها مشتريها، فإن أجاز ربها البيع تبع السارق بشرط يسره كما مر، وإن رد البيع وأغرم مبتاعها قيمتها وتبع مبتاعها السارق بالثمن مطلقا، فإن كان المشتري عديما فلربها أخذ السارق مطلقا بالأقل من ثمنها وقيمتها، فإن كان الأقل ثمنها تبع مبتاعها بتمام القيمة، وإن كان قيمتها تبع المبتاع السارق بتمام الثمن.
اللخمي: لو لم تثبت السرقة إلا بشاهد واحد أو لا بينة، وقال: سرقت من غير حرز أو سقطت يمينه بأمر من الله تعالى، ففي غرمه مطلقا أو بشرط ملائه قولا ابن القاسم وأشهب.
قلت: بناء على اعتبار الحكم الواقع وقول ربها، قال: وكذا لو اعترف بسرقة من حرز ثم رجع لعذر فسقط قطعه جاءت القولان، ولو كانت لا قطع فيها غرمها مطلفا اتفاقا.
الشيخ: قال مالك في المختصر الكبير: تقطع يد السارق ثم يحسم موضع القطع بالنار، وكذا في الرجل وحده في اليد من مفصل الكوع، وفي الرجل من مفصل العقبين.
وفيها مع غيرها: من سرق مرة بعد مرة قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، ثم يده اليسرى، ثم رجله.
وفيها: إن سرق ولا يدين له ولا رجلين لم يقطع منه شيء، ولكن يضرب ويجبس ويضمن السرقة وإن كان عديما.
الشيخ: روي محمد: من قطعت يداه ورجلاه في سرقات، ثم سرق جلد وحبس.
وذكر ابن حبيب حديثا في السارق: إذا قطع أربع مرات، ثم سرق؛ قتل وليس بثابت.
ومالك أصحابه على أنه يعاقب، إلا أبا مصعب فإنه قال: يقتل.
стр. 4806
وفيها: إن سرق ولا يمين له، أو له يمين شلاء قطعت رجله اليسرى، قاله مالك، ثم عرضتها عليه فمحاها، وقال: تقطع يده اليسرى، فقوله في الرجل اليسرى أحب إلى وبه أقول.
ابن زرقون: وقال ابن وهب، وأبو مصعب: تقطع اليد الشلاء.
قلت: وثالثها لابن الحارث عن أشهب إن كان شللا خفيفا قطعت، وإن ان كثيرا قطعت اليسرى.
الباجي: إن كانت يمناه شلاء، ففي الموازية إن كان الشلل بينا لا يقتص منه لم تقطع.
اللخمي: وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: يقطع إن كان ينتفع بها، ومن سرق ولا يد له، ففي قطع رجله اليسرى أو اليمنى سماع ابن القاسم، وتخريج ابن رشد على قول مالك في أشل اليمنى تقطع رجله اليسرى.
وفيها: من سرق وقد ذهب من يمناه أصبح قطعت، وإن لم يبق إلا أصبعان قطعت يده اليسرى.
اللخمي: ولمالك في كتاب المدنيين: إن بقى أكثرها قطعت، فعليه إن بقيت ثلاثة قطع؛ لأنه أكثرها.
وقول ابن الحاجب تابعا لابن شاس: ولو قطع الجلاد أو الإمام اليسري عمدا؛ فله القصاص والحد باق، هو دليل قولها مع غيرها: إن أمر الإمام بقطع يد السارق فقطع يساره غلطا أجزأه، ولا شيء على القاطع.
اللخمي: وقال ابن الماجشون: لا يجزئه وتقطع يمينه وعقل شماله في ماله السلطان إن كان المخطئ أو في مال القاطع إن كان هو المخطئ، وإليه رجع مالك.
قلت: وكذا نقله الشيخ عنه، وهو يبين قصور قول ابن الحارث: اتفقوا في السارق يخطأ به تقطع يسراه؛ أن القطع ماض ولا تقطع يمينه.
قال اللخمي: وإن قطعت اليسرى في سرقة، ثم سرق ثانية، فعلى قول ابن القاسم: تقطع رجله اليمنى.
стр. 4807
وقال ابن نافع: رجله اليسرى، قال: ولو كان قطع اليد اليسرى خطأ؛ فلا تترك الرجل اليسرى على العمد.
قلت: ما حكاه اللخمي إجراء على قول ابن القاسم، ذكره ابن حارث عنه من رواية يحيي بن يحيي عنه.
اللخمي: وفي الموازية: لو دلس السارق باليسرى حتى قطعت أجزأه، وعلى ما عند ابن حبيب: لا يجزئه.
وقال ابن حبيب وغيره: إن ذهبت اليمنى بعد السرقة بأمر من الله، أو تعمد أجنبي لا يقطع منه شيء؛ لأن القطع كان وجب فيها، وقياد قوله إن الشمال تجزئه تقطع شماله.
قلت: لا يلزم من كونها محلا للقطع أو لا بعد وقوعه كونه قبله.
وفيها: إن قطعت يد السارق؛ كان ذلك لكل سرقة تقدمت أو قصاص وجب في تلك اليد.
وإن ضرب في شرب الخمر أو جلد في الزنا؛ أجزأ لهذا ولكل ما كان فعله قبل ذلك.
وفي الرجم منها: ومن قذف وشرب خمرا جلد حدا واحدا، وإذا اجتمع على الرجل مع حد الزنا حد القذف أو شرب خمر أقيما عليه، ويجمع الإمام ذلك عليه إلا أن يخاف عليه فيفرق الحدين.
اللخمي: هذا على أن القذف حق لله وعلى أن فيه حقا للآدمي فلا؛ لأن ذلك لا يرفع معرة القذف، وتقدم كلامه في هذا في مسألة من قذف بجماعة.
وفي قذفها: وكل حد أو قصاص اجتمع مع القتل فالقتل يأتي على ذلك كله إلا حد القذف؛ فإنه يقام عليه قبل القتل لحجة المقذوف في العار.
وفيها: إن شهد عليه أنه زني وهو بكر، ثم زني بعد أن أحصن رجم ولم يجلد.
اللخمي: القياس أن يجلد ثم يرجم؛ لأن الضرب غير جنس القتل.
وفي سرقتها: وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان وحسنت حال السارق، ثم
стр. 4808
اعترف أو قامت بذلك بينة؛ فإنه يقطع، وكذا حد الخمر والزنا.
قال ابن الحاجب: ولا تسقط الحدود بالتوبة. نقضه ابن عبد السلام بحد الحرابة، فإنه يسقط بالتوبة ويجاب بمنع تقرر حده قبل الحد واعتبار توبته؛ إنما هو قبل الأخذ وهي بعده لغو.
стр. 4809
[كتاب الحرابة]
الحرابة: الخروج لإخافة سبيل لأخذ مال محترم بمكابرة قتله، أو خوفه، أو إذهاب عقل، أو قتل خفية، أو لمجرد قطع السبيل لا لإمرة ولا عداوة، فيدخل قوله
стр. 4810
أو الخناقون الذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون.
الباجي عن ابن القاسم: قتل الغيلة حرابة؛ وهو قتل الرجل خفية لأخذ ماله، قال: وفي العتبية والموازية: من خرج لقطع السبيل لغير مال، فهو محارب لقوله: لا أدع هؤلاء يخرجون إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى مكة، وكذلك من حمل السلاح على الناس وأخافهم من غير عداوة ولا نائرة.
الشيخ عن محمد: من دخل على رجل فقتله لعداوة أو نائرة ليس لأخذ مال فليس بحرابة.
قال ابن الحاجب: الحرابة كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر الاستغاثة عادة من رجل، أو امرأة، أو حر، أو عبد، أو مسلم، أو ذمي، أو مستأمن ومخيفها، وإن لم يقتل ولم يأخذ مالا، فحمله ابن عبد السلام على أنه ذكر كلية شاملة لصور، وليس برسم، وحمله ابن هارون على أنه رسم وتعقبه بامور.
وفيها: وليس كل المحاربين سواء، منهم من يخرج بعصا، أو خشبة، أو شبه ذلك فيؤخذ على تلك الحال بحضرة الخروج، ولم يخف السبيل، ولم يأخذ المال هذا لو أخذ
стр. 4811
فيه بأيسر الحكم لم أر بأساً وذلك الضب والنفي ويسجن في الموضع الذي ينفي إليه، وليس للإمام أن يعفو عنه.
اللخمي: من أخذ بحضة خروجه ولم يخف سبيلاً عوقب، ولم يجر عليه شيء من أحكام المحاربين كمن خرج ليسرق أو يقتل أو شرب خمراً فأخذ قبل فعله ذلك، وكذا لو حصل منه خوف وأخذ بالحضرة قبل أن ينقطع أحد عن تلك الطريق بسببه، ولو قعد جماعة لصوص لقوم فعلم بهم الإمام، فأخذهم قبل أن يعلم بهم من قعدوا له؛ لم يحكم عليهم بحكم الحرابة، ولو علم بهم المسافرون، فامتنعوا من تلك الطريق جرى عليهم حكم المحاربين.
وفيها: وإن قطعوا على المسلمين أو على أهل الذمة، فهو سواء، وقد قتل عثمان ﵁ مسلماً قتل ذمياًّ على وجه الحرابة على مال كان معه.
الشَّيخ عن الموازيَّة: وقد يكون الواحد محارباً.
عياض: فيها ساقي السيكران محارب، وظاهر الموازيَّة: إنما تكون محاربة، إذا كان ما سقاه يموت به.
اللخمي: قوله في ساقي السيكران محارب ليس ببين.
وروى محمد: من أطعم قوماً سويقاً؛ فمات بعضهم، ونام بعضهم فلم يفق إلى الغد وأخذ أموالهم، فقال: ما أردت قتلهم إنما أعطانيه رجل، وقال: يسكر، فأردت إخدارهم لأخذ أموالهم، لم يقبل قوله ويقتل، ولو قال: ما أردت إخدارهم ولا أخذ أموالهم؛ إنما هو بسويق لا شيء فيه، إلا أنه أخذ أموالهم حين ماتوا؛ فلا شيء عليه إلا الغرم.
الشَّيخ عن سَحنون، في السارق ليلاً يأخذ المتاع، فيطلب رب الدار نزعه منه فيكابره بسيف أو عصا حتى خرج به أو لم يخرج، وكثر عليه الناس، ولم يسلمه محارب.
اللخمي: وإن أخذ مال رجل بالقهر، ثم قتله خوف أن يطلبه بما أخذ لم يكن محارباً؛ إنما هو مغتال.
قُلتُ: هذا إن فعل ذلك خفية وإلا فليس بغيلة، قال: ولمالك في الموازيَّة: من لقي
стр. 4812
رجلاً فسأله طعاماً فأبى فكتفه ونزع منه الطعام وثوبه؛ إنما يشبه المحارب ويضرب وينفي، وكذا الذي تؤخذ منه الدابة فيقر أنه وجد عليها رجلاً فأنزله وأخذها؛ فإنه يطرب وينفى، وقال: في الذي يجد الرجل في السحر وعند العتمة، فينتزع ثوبه في الخلوة؛ لا قطع عليه إلا أن يكون لصاًّ أو محارباً، وأما من كابر رجلاً في ليل حتى نزع ثوبه عن ظهره؛ فلا قطع عليه.
وقال: المحارب من حمل السلاح على الناس على غير نائرة أو عداوة، أو قطع طريقاً أو أخاف المسلمين، قال: واختلف في المحارب في المدينة فقال ابن القاسم: هو محارب، ولعبد الملك في كتاب ابن سَحنون لا يكونون محاربين في القرية، إذا كانوا مختفين لا يفسدون إلا الواحد والمستضعف، إلا أن يكونوا جماعة يريدون القرية كلها مكابرين معلنين أنهم كلا اللصوص الذين يفتتحون القرى.
زاد الشَّيخ: وخالفه سَحنون وقال: ذلك سواء ومن علم به بعد أن أخذ المتاع وخرج به، فقال حين مجيئه: سارق لأن قتاله حينئذ ليدفع عن نفسه، وإن علم به قبل أخذ المتاع، وخرج به فقاتل حتى أخذه؛ فهو محارب عند مالك، وعند عبد الملك ليس بمحارب.
الشَّيخ عن الموازيَّة: وقتل الغيلة من المحاربة أن يغتال رجلاً أو صبياً يخدعه حتى يدخل موضعاً فيأخذ ما معه؛ فهو محارب.
وفيها: وجهاد المحاربين جهاد.
ابن شعبان: جهادهم أفضل من جهاد الكفار.
ولابن رُشْد في رسم يدير ماله من نوازل أَصْبَغ: جهاد المحاربين عند مالك وأصحابه جهاد.
قال أشهب عنه: من أفضل الجهاد وأعظمه أجراً.
وقال مالك: في أعراب قطعوا الطريق جهادهم أحب إليَّ من جهاد الروم.
قُلتُ: ذكره الشَّيخ من كتاب ابن سَحنون، وفي دعوى اللص إلى التقوى قبل قتاله إن أمكن قولان لجهادها مع الشَّيخ عن رواية كتاب ابن سَحنون وابن الماجِشُون معه.
стр. 4813
وفي جهادها مع الشَّيخ عن رواية ابن سَحنون: إن طلب إسلافه طعاماً أو أمراً خفيفاً؛ رأيت أن يعطوه ولا يقاتلوا.
الشَّيخ عن سَحنون: لا أرى أن يعطوا شيئاً ولو قل.
[باب في موجب الحرابة وحدها]
وحدها أحد الأربعة القتل أو الصلب أو القطع من خلاف أو النفي.
الشَّيخ عن الموازيَّة: وكتاب ابن سَحنون: قول مالك وأحابه أن هذا التخيير؛ إنما هو على الاجتهاد من الإمام، ومشهورة الفقهاء بما يراه أتم مصلحة، وليس على هو الإمام اللخمي في كونه على الترتيب أو التخيير رواية الأكثر، وابن وَهْب فعلى الترتيب، قال: إن لم يخف ولم يأخذ مالاً ولا قتل أخذ فيه بأيسر الحكم.
ابن القاسم: هو أن يجلد وينفى ويسجن في الموضع الذي نفي إليه، وإن أخاف أو أخذ مالاً أو جمعها خير في قتله وقطعه، وكذا إن طال أمره ونصب ولم يأخذ مالاً وإن طال زمانه علا أمره وأخذ المال ولم يقتل؛ قتل، ولا تخيير فيه.
وعلى رواية ابن وَهْب: قال مالك: إن نفى الناس في كل موضع وعظم فساده وأخذ أموال الناس، فالسلطان يرى فيه رأيه في أحد الأربعة، قال: ويستشير في ذلك.
ولأشهب: فيمن أخذ بحضرة خروجه ولم يخف؛ للإمام نفيه أو قطعه أو قتله، وهو نحو رواية ابن وَهْب أن القليل الجرم وكثيره سواء، وهذا ما لم يقتل فإن قتل تعين قتله، لم يختلف فيه قول مالك.
وقال أبو مصعب: يخير في قتله ولو قتل.
اللخمي: يقتل المحارب بالسيف أو الرمح لا بصفة تعذيب ولا بحجارة، ولا برميه من مكان مرتفع، وإن صلبه صلبه قائماً لا منكوساً وتطلق يداه، وظاهر القرآن أن
стр. 4814
الصلب حد قائم بنفسه كالنفي، والمذهب إضافته للقتل ولمالك في بعض المواضع قال: يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى كظاهر القرآن.
ابن القاسم: يصلب ثم يقتل مصلوباً بطعن.
وقال أشهب: يقتل ثم يصلب، ولو صلبه ثم قتله، فله ذلك إذا بلغ ذلك جرمه.
محمد: لو حبسه ليصلبه، فمات في الحبس لم يصلبه، ولو قتله إنسان في الحبس؛ فللإمام صلبه.
ابن الماجِشُون: لا يمكن أهله من إنزاله، ويبقى حتى يفنى على الخشبة أو تأكله الكلاب.
وقال أَصْبَغ: لا بأس أن يخلى أهله ينزلونه، ويصلى عليه ويدفن.
وقال سَحنون: إذا قتل وصلب أنزل من ساعته، ودفع لأهله للصلاة عليه ودفنه.
وقال أيضاً: إن رأى الإمام أن يبقيه اليومين والثلاثة لما رأى من تشديد أهل الفساد؛ فذلك له، ولكن ينزله فيغسله أهله ويكفن ويصلى عليه، ثم إن رأى إعادته إلى الخشبة أعاده.
ابن رُشْد: اختلف في النفي، روى مُطَرف: أنه السجن، وروى ابن القاسم قال: هو أن ينفى من بلده إلى آخر أقله ما تقصر فيه الصلاة؛ يسجن فيه إلى أن تظهر توبته.
ابن الماجِشُون: هو أن يطلبهم الإمام لإقامة الحد عليهم، فهروبهم هو النفي لا أن ينفى بعد أن يقدر عليه، زاد اللخمي: ذكر عن مالك وابنه والمغيرة وابن دينار.
قُلتُ: والذي نقل اللخمي أن ابن حبيب روى أنه يضر ويطال سجنه.
قُلتُ: وذكر الشَّيخ لرواية مُطَرف، فالأقوال إذاً أربعة، قال: ويسجن وإن طالت سنوه حتى تقرر توبته بما يعرف من غالب أمره، ولا يقبل ذلك بمجرد الظاهر؛ لأنه كالمكره بكونه في السجن، فيظهر النسك ليخلص نفسه، فلا يجعل بإخراجه، ولو علمت توبته حقيقة قبل طول أمده لم يخرج؛ لأن طوله أحد الحدود الأربعة.
وفي الزاهي قيل: هو أن ينفى من قراره، ثم يطلب فيختفي، ثم يطلب أبداً ولا ينفى لبلد الشرك، وبه أقول وهو عمل أهل المدينة.
стр. 4815
قُلتُ: فيكون خامساً.
قال اللخمي: وعلى أحد قولي مالك أن النفي بالموضع الذي هو به؛ تسجن المرأة، أو تضرب ثم تسجن، وعلى قوله أنه يخرج عن بلده يسقط عنهن، قال: وأرى إن وجدت ولياًّ أو جماعة لا بأس بحالهم، وقالت: أخرج إلى بلد آخر وأسجن فيه حتى تظهر توبتي أن لها ذلك؛ لأنه أهون من القطع والقتل، قال: ويختلف في نفي العبد حسب ما تقدم في المرأة، وأرى إن قال سيده: أرضى أن ينفى ولا يقطع؛ أن يكون ذلك له والصبي إن حارب ولم يحتلم ولا أنبت عوقب، ولم يقم عليه حد الحرابة.
قال: والمجنون يعاقب لينزجر إلا أن يكون الذي به الأمر الخفيف، فيقام عليه الحد والقطع.
ابن رُشْد: هو قطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطع ما بقي، وإن كان أشل اليد اليمنى أو مقطوعها في قصاص أو جناية وشبهه.
فقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى، ورجله اليمنى.
وقال أشهب: تقطع يده اليسرى، ورجله اليسرى. والأول أظهر.
اللخمي: عن محمد: إن لم يكن له إلا يد واحدة، أو رجل واحدة قطعت، وإن لم يكن له إلا يدان؛ قطعت اليمنى فقط.
وعليه إن لم يكن له إلا رجلان- قطعت اليسرى فقط، والتعيين للإمام لا لمن قطعت يداه أو فقئت عينه.
قُلتُ: ومقتضى المذهب في هذا أن الإمام لا يحكم بمجرد نفيه؛ بل بقطعه أو قتله، وتقدم كون التخيير في أحد الأربعة؛ إنما هو بمصلحة درء مفسدة ما صدر منه.
قال ابن الحاجب: ولغيرهما ولمن وقعت منه فلتة النفي، ويضربهما إن شاء.
قُلتُ: تقدم ذكر الخلاف في لزوم الضرب في النفي.
اللخمي: ضربه قبل النفي استحسان، كما قال أشهب.
ابن عبد السلام: قوله: إن شاء موافق لكلام أشهب، خلاف قول ابن القاسم في المدَوَّنة: أنه لابد من ضرب من ينفى.
стр. 4816
قُلتُ: في الرجم منها: ولا ينفى الرجل الحر إلا في الزنا أو حرابة، فيسجنان جميعاً في الموضع الذي ينفيان إليه، يسجن الزاني سنة، والمحارب حتى تعرف توبته.
قُلتُ: فظاهره عدم الضرب.
وفي كتاب المحاربين منها: وليس للإمام أن يعفو عن أحد من المحاربين، ولكن يجتهد في ضربه ونفيه، فظاهره أو نصه ثبوت الضرب.
وفي الجلاب: ولو قتله وإن لم يقتل أحداً في حرابته إذا أداه اجتهاده إلى قتله إذا حارب أو أفسد في الأرض.
الشَّيخ في الواضحة: وله أن يقتل أو يصلب من لم يقتل، وقاله مالك، وابن دينار، وابن الماجِشُون، وتقدم نقل اللخمي: إن قتل تعيين قتله لم يختلف فيه قول مالك.
وقال أبو مصعب: يخير في قتله ولو قتل.
وفيها: إن كانوا جماعة فقتلوا رجلاً، ولو ولي أحدهم قتله والباقون عون له فأخذوا؛ قتلوا كلهم، وإن تابوا قيل أن يؤخذوا دفعوا إلى أولياء القتيل، فقتلوا من شاءوا، وعفوا عن من شاءوا، وأخذوا الدية ممن شاءوا، وقد قتل عمر ﵁ ربيئة كان ناظورا للباقين، زاد الباجي عن ابن القاسم: يقتلون ولو كانوا مائة ألف، وعزاه الشَّيخ له في العتبيَّة.
الباجي: لمحمد عن مالك، وابن القاسم، وأشهب إن ولي أحد المحاربين قتل رجل ممن قطعوا عليه، ولم يعاونه أحد من أصحابه؛ قتلوا أجمعون، ولا عفو فيهم لإمام ولا لولي.
قال ابن القاسم: ولو تابوا كلهم قبل القدرة عليهم؛ فللولي قتل جميعهم، وقتل من شاء، والعفو عن من شاء.
وقال اشهب: لا يقتل منهم إلا من ولي القتل، أو أعان عليه وأمسكه لمن يعلم أنه يريد قتله، ولا يقتل الآخرون، ويجلد كل واحد منهم مائة، ويسجن عاماً.
وتوبة المحارب قبل القدرة عليه: فيها مع غيرها: تسقط عنه حكم الحرابة في المقدمات، اختلف في صفة توبته على ثلاثة أقوال:
стр. 4817
(أحدهما: أنها بأحد وجهين:
أحدهما: أن يترك ما هو عليه، وإن لم يأت الإمام.
والثاني: أن يلقي السلاح ويأتي الإمام طائعاً، هذا قول ابن القاسم.
(القول الثاني: أن توبته؛ إنما تكون بأن يترك ما هو عليه، ويجلس في موضعه حتى لو علم الإمام حاله، لم يقم عليه حد الحرابة، هذا قول ابن الماجِشُون.
(القول الثالث: أن توبته؛ إنما تكون بالمجيء إلى الأمام، وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكمها من الإمام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام.
الباجي: إذا أقر اللص، فروى أَصْبَغ عن ابن القاسم: إن قتل أحداً اتبع، وإن لم يكن قتل أحد فما أحب أن يتبع ولا يقتل.
وقال سَحنون: يتبعون ولو بلغوا برك الغماد، وعنه: يتبع منهزمهم ويقتلون مدبرين ومقبلين ومنهزمين، وليست هزيمتهم توبة، وأما التذفيف عن جريحهم فإن لم تستحق هزيمتهم، وخيف كرتهم ذفف على جريحهم، وإلا فهو أسير الحكم فيه للإمام.
وفي الموازيَّة قال ابن القاسم: لا يجهز على جريحهم، ولم يره سَحنون، قال: ولا يجوز أن يؤمن المحارب إن سأل الأمان بخلاف المشرك؛ لأن المشرك يقر إذا أمن على حاله وبيده أموال المسلمين، ولا يجوز تأمين المحارب على ذلك، ولا أمان له.
محمد: وإن امتنع المحارب بنفسه حتى أعطي الأمان، فاختلف فيه، قيل: يتم له ذلك، وقيل: لا، قاله أَصْبَغ امتنع في حصن أو مركب أو فر من أمنه السلطان أو غيره؛ لأنه حق لله تعالى.
وفي المقدمات: اختلف فيما تسقط عنه التوبة على أربعة أقوال:
الأول: لا تسقط عنه إلا حد الحرابة، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله تعالى وحقوق الناس.
الثاني: يسقط عنه حد الحرابة، وحقوق الله من سائر الحدود، ويتبع بحقوق الناس من مال أو قتل والحق لولي القتيل.
الثالث: يسقط عنه حق الحرابة، وكل حقوق الناس، وما أخذ من الأموال إلا أن
стр. 4818
يوجد شيء من ذلك قائم بنفسه لم يتلفه، أو يكون قد قتل؛ فيكون للولي أن يستقيد، وهذه رواية الوليد بن مسلم عن مالك.
والرابع: أن التوبة تسقط عنه جميع حق الله وحق الناس في دم أو مال، إلا أن يوجد شيء من ذلك قائم بيده بعينه.
وفيها: وإن أخذوا مالاً ثم تابوا، وهم عدماء؛ فذلك عليهم دين، وإن أخذوا قبل أن يتوبوا فأقيم عليهم الحد؛ قطعوا أو قتلوا، ولهم أموال أخذت أموال الناس من أموالهم، وإن لم يكن يومئذ أموال ولم يتبعوا بشيء مما أخذوا كالسرقة.
اللخمي في ترجمة صفة القطع: قال محمد: إذا قطع أو نفي لم يتبع، وليس بالبين إذا نفي ولم يقطع، فأرى أن يتبع كالزاني إذا اغتصب امرأة؛ ضرب وغرم الصداق، وإن جرحوا لم يقتص منهم.
وقول ابن الحاجب: وأما الغرم فكالسارق.
وقال سَحنون: إن أقيم عليه حد الحرابة، وإلا ففي ذمته يوهم؛ ظاهره أن قول سَحنون خلاف، ومع التأمل يظهر كونه وفاقاً، وإلا كيف باختصار هذه العبارة.
الشَّيخ: روى محمد: إن تاب أحد المحاربين، وقد أخذ كل واحد منهم حظه من المال؛ ضمن هذا التائب جميع المال.
الباجي: وقال محمد بن عبد الحَكم: لا نرى على كل واحد إلا ما أخذ.
اللخمي: إن اعترف المحاربون بما في أيديهم لأهل رفقة اختصوا به، وأخذ كل منهم ما لم ينازع فيه، فإن تنازع اثنان شيئاً قسم بينهما على حكم التراضي فيه، فإن فضل فيه شيء وقفه الإمام، فإن تنازعه رجلان أحدهما من أهل الرفقة اختص به بعد حلفه، وإن ادعاه رجل من غيرهم.
قال مالك: يدفع له بعد الاستيناء وحلفه وضمنه إياه؛ يريد: بعد أن يصفه كاللقطة.
وفي دفعه له بحميل أو دونه قولا سَحنون ومالك: وإن ادعاه أجنبيان حلفا وقسم بينهما، ومن نكل منهما اختص به الحالف.
стр. 4819
قال محمد: فإن نكلا لم يكن لهما فيه شيء.
وفيها: إذا أخذ المحاربون ومعهم أموال، فادعاها قوم لا بينة لهم دفعت إليهم بعد الاستيناء في استبراء ذلك من غير طول، فإن لم يأت من يدعيها بشيء، دفعت إليهم بعد أيمانهم بغير جميل، ويضمنهم الإمام إياها إن جاء لذلك طالب، ويشهد عليهم.
وفيها: وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه، إن كانوا عدولاً شهدوا بقتل أو مال، ولا تقبل شهادة أحدهم في نفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
اللخمي لابن سَحنون عنه: لو قال أهل الرفقة كلهم عند الحاكم: قتل منا كذا وكذا، وسلب منا كذا وكذا حملاً، ومن الجوار كذا وكذا، فأما الأحمال فلفلان، والثياب لفلان، والجواري لفلان، فذلك جائز، ويوجب ذلك المحاربة والقتل، وذكره عن مالك وابن القاسم وأشهب.
الشَّيخ: لأشهب في الموازيَّة: إن قال اللصوص فيما في أيديهم هو من أموالنا؛ كان لهم، ولو كان كثيراً لا يملكون مثله حتى يقيم مدعوه البينة.
محمد: إن شهد عليهم من قطعوا عليه، وهم عبيد أو نصارى أو أحرار غير عدول لم يقبلوا، ولكن إن استفاض ذلك من الذكر وكثرة القول؛ أدبهم الإمام وحبسهم، ونقله الباجي عن سَحنون: وقال: أدبهم ونفاهم، قال عن ابن سَحنون عنه: إن تواتر شهادة المحارب باسمه فأتى من يشهد أن هذا فلان، وقالوا: لم نشهد قطعه على الناس، وقد استفاض عندنا قطعه وما شهر به من القتل، وأخذ الأموال؛ قتل بهذه الشهادة، وهذا أكثر من شاهدين على العيان أن رأيت ويوطأ أيحتاج لمن شهد أنه عاينه ليقطع ويقتل.
قُلتُ: وتقدم مثله في المشهود بالعدالة باسمه، وشهد عند من يجهل عينه أن الشهادة على عينه توجب قبول قوله.
اللخمي: إذا حبس الإمام المحاربين بشهادة واحد، وشهد عليهم قوم غير عدول، ولم يأت غيرهم، ومنهم من اشتهر اسمه بالفساد، ولا يعرف إلا بعينه إذا رآه من كان رآه عرفه، فليخرجه ويوقفه ويشهره حيث يعلم أن الغرباء ينظرون إليه والمسافرين إذا
стр. 4820
بلغ من شهرة المحارب تواتره باسمه مما لا يكاد يخفى، مثل أبي الوليد وسليمان، فأتى من يشهد أن هذا أبو الوليد وسليمان، وقالوا: لم نشهد قطعه للطريق؛ قتله الإمام بهذه الشهادة.
وقال محمد: إن استفاض ذلك من الذكر فيهم وكثرته؛ أدبهم السلطان وحبسهم.
[باب الشرب الموجب للحد]
الشرب الموجب الحد: شرب مسلم مكلف ما يسكر كثره مختاراً لا لضرورة ولا عذر، فلا حد على مكروه ولا ذي غصة، وإن حرمت ولا غالط، روى النسائي بسنده
стр. 4821
عن سعد عن النبي ﷺ قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره»، ذكره الشَّيخ تقي الدين في إلمامه، وقال: وزاد ما أسكر كثيره؛ فقليله حرام، من حديث جماعة منهم جابر وعائشة، وأخرجهما أبو داود، وفي الأول داود بن بكير بن أبي الفرات، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وأخرج الثاني ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عثمان، وزعم ابن القطان أنه لا يعرف حاله.
والمكره لا يجد؛ لوضوح الشبهة أو عدم تكليفه، وهو الأظهر لعدم اعتباره في الطلاق ونحوه، ولا المضطر للإساغة لوضوح الشبهة.
قال الشَّيخ: قال مالك في المختصر: لا يشرب المضطر الخمر.
الباجي في النوادر عن ابن حبيب: من غص بطعام، وخاف على نفسه أنه له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج، ولأَصْبَغ عن ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر.
وسمع ابن القاسم: في كتاب الصلاة: من اضطر إلى شرب الخمر لا يشربها لا
стр. 4822
تزيده إلا شراًّ.
ابن رُشْد: تعليله بهذا يدل على أنه لو كان له في شربها منفعة جاز له شربها، واستدل محمد بن عبد الحَكم في كتاب المولدات على أن هذا مذهب مالك بهذا التعليل، واحتج بأن من غص بلقمة فخشي الموت، ولم يجد ما يستسيغها به إلا بالخمر؛ أن ذلك جائز له، وظاهر قول أَصْبَغ: أن ذلك لا يجوز له.
وسمع أشهب في كتاب الجامع التداوي في القرحة بالبول، أخف من التداوي فيها بالخمر.
ابن رُشْد: لما جاء في الخمر أنها رجس من عمل الشيطان، ولم يأت في البول إلا أنه نجس، وتقدم الخلاف في ذلك في كتاب الطهارة، وفي زاهي ابن شعبان: لا يتعالج بالمسكر وإن غسل الماء، ولا يداوى به دبر الدواب، وأما الدواء الذي فيه الخمر، فقال ابن العربي: تردد فيه علماؤنا، والصحيح أنه لا يجوز لقوله ﷺ : «إنها ليست بدواء ولكنها داء».
وللشيخ في ترجمة صفة ضرب الحدود: قال محمد: ومن شربه ممن لا يعلم تحريمه، كالأعمى الذي دخل الإسلام ولا يعرف؛ فلا عذر لأحد بهذا في سقوط الحد، وكذا من تأول في المسكر من غير العنب؛ أنه حلال، وهذا قول مالك وأصحابه، إلا ابن وَهْب، أخبرني أبو زيد عنه: أنه إن كان مثل البدوي لم يقرأ الكتاب ولا يعلمه، فشربه وهو يجهل ذلك؛ فلا يحد ويعذر، وفعله عمر.
قال مالك: قد ظهر الإسلام وفشا، فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود.
قال محمد: يعني ابن وَهْب في النوبية التي أعتقها حاطب، وقد تقدم هذا في الزنا.
الباجي: من تأول في المسكر من غير الخمر أنه حلال؛ حد ولم يعذر، رواه محمد
стр. 4823
عن مالك وأصحابه، ولعل هذا فيمن ليس من أهل الاجتهاد، وأما من كان من أهل الاجتهاد والعلم فالصواب عدم حده إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك سفيان الثوري، وغيره من الأئمة ممكن كان يبيح شرب النبيذ؛ فما أقام على أحد منهم حداًّ، ولا دعا إليه مع تظاهرهم بشربه ومناظرتهم فيه.
وقد قال مالك: ما ورد علينا مشرقي مثل سفيان الثوري أما إنه آخر ما فارقني على أن لا شرب النبيذ، وهذا يقتضي أنه لم يفارقه قبل ذلك عليه.
قُلتُ: ومقلد مبيحه مثله، واختاره اللخمي في غير موضع، وهو الجار على أن كل مجتهد مصيب، وعلى أن المصيب واحد؛ لأن شهرة الخلاف شبهة، وقد أسقط مالك الحد عمن خللت له أمة، وحكاه عياض في الإكمال عن بعض المتأخرين، وتقدم أن مالكاً يحده، ويقبل شهادته، وتعقبه بعضهم بأنه متناف وأجيب بمنعه؛ لأن موجب الحد الشرب، وقد وجد والقدوم على مباح عند فاعله لا يوجب فسقه وسقوط حد من شرب مسكراً غلطاً واضح، كقولها مع غيرها: في وطء أجنبية كذلك.
وفي كافي أبي عمر، من ظن النبيذ حلاوة ولم يشعر بسكره فسكر منه؛ فلا حد عليه إن كان مأموناً لا يتهم، ومثله من شرب مباحاً ظاناًّ أنه خمر؛ لا يحد وتسقط عدالته، قاله عز الدين ابن عبد السلام.
[باب فيما يثبت به الحد في الشرب]
ويثبت بالبينة والإقرار كسائر الحقوق ورجوع المقر تقدم في الزنا والسرقة.
الشَّيخ: عن الواضحة: اعترف أبو محجن الثقفي في شعره بشرب الخمر فأراد عمر جدله فقال: صدق الله وكذبت، قال الله تعالى في الشعراء: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] فلم يحده، وعزله عن العمل.
стр. 4824
[باب صفة الشاهد بالرائحة]
وبثبوت رائحته، أبو عمر: الحد بالرائحة، قول عمر وعثمان وابن مسعود، وهو قول مالك، وجمهور أهل الحجاز.
وذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة: أن مالكاً انفرد بالحد بالرائحة، وأنه ليس له في ذلك سلف، وهذا جهل أو تجاهل ومكابرة.
قال ابن القُصَّار: صفة الشاهدين بالرائحة أن يكونا ممن خبرا شربها، إما في حال كفرهما أو شرباها في إسلامهما، وحدا ثم تابا حتى يكونا ممن يعرف الخمر بريحها.
قال الباجي: هذا معدوم.
وقيل: ولو لم تثبت إلا بشهادة من هذا صفته لبطلت الشهادة في الأغلب، وقد يكون ممن لم يشربها قط يعرف رائحتها بأن يخبر عنها المرة بعد المرة حتى يعرفها.
قُلتُ: في ثبوت العلم بالرائحة بالخير بعد والحق إداركها لمن لم يكن قط شربها برؤيته من شربها، ومن يسرقها من مكان إلى مكان وبرؤيته إياها مراقة على من اطلع عليه بها، وإدارك هذا عادة ضروري.
الباجي: وعدد من يشهد به إن كان الحاكم أمر بالاستنكاه، فقال ابن حبيب عن أَصْبَغ: يستحب أن يأمر شاهدين، فإن لم يكن إلا واحد وجب الحد، وإن لم يأمرهم الإمام لم يجز أقل من اثنين.
وروى ابن وَهْب: إن لم يكن مع الحكم إلا واحد رفعه إلى من هو فوقه، وقول أَصْبَغ عندي بناء على أن الحاكم يحكم بعلمه، فإذا أمر فكأنه مستنابه، وإن اختلف فيه الشهود فقال بعضهم: هي رائحة مسكر، وقال بعضهم هي رائحة غير مسكر، فقال ابن حبيب: إن اجتمع منهم اثنان على أنها رائحة مسكر حد، وإن شك الشهود في الرائحة، فإن كان من أهل السفه نكل، وإن كان من أهل العدل خلي سبيله، سمع ابن
стр. 4825
القاسم في العتبيةَّ والموازيَّة.
قُلتُ: وللشيخ عن عبد الحق: ويختبر بقراءة السور التي لا شك في معرفته بها من السور القصار، فذلك مستحسن عند الإشكال، وإن لم يقرأ واختلط فقد شرب مسكرا ويحد.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: إن شهد أحدهما أنه شرب خمراً، وآخر أنه شرب مسكراً حد، ولو شهد أنه قاء خمراً حد، وقاله عمر، والحد متعلق بما يقع به الفطر من جواز الشرب الفم إلى الحلق.
وقد حده ثمانون: في الموطأ استشار عمر بن الخطاب في الخمر يشربها الرجل فقال علي: نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى.
وفي كتاب السرقة منها: ولا يحد السكران حتى يصحو، زاد في سمَاع أبي زيد ابن القاسم: ولو خاف أن يأتيه شفاعة تبطل حده.
اللخمي: وكذا في الزنا والفرية، فإن أخطأ الإمام فحده في حال سكره، وهو طافح لم يجزه، وإن كان سكراً خفيفاً أجزأه، وإن كان طافحاً فأذهب ذلك عنه بعض الضرب حسب ما ضرب من وقت ذهب عنه، إلا أن يكون ضربه في الفرية برضى المفتري عليه فيجزئه.
قُلتُ: وقال عبد الحق عن بعض شُيُوخ القرويين: إن جهل الإمام وأقام الحد على السكران قبل صحوه مضى ذلك ولا يعاد؛ يريد: لأنه يجد ألم ذلك بعد صحوه.
وفيها: مع غيرها: ويتشطر بالرق مطلقاً ولو في بعضه.
وفي الرجم منها: وصفة الضرب في الزنا والشرب والفرية والتعزير ضرب واحد ضرب بين ضربين ليس بالمبرح ولا بالخفيف، ولم يحد مالك ضم الضارب يده إلى جنبه، ولا يجزئ الضرب في الحدود بقضيب، ولا شراك ولا درة ولكن السوط؛ وإنما كانت درة عمر للأدب، فإذا وقعت الحدود قرب السوط.
الباجي عن محمد: لا يتولى ضرب الحد قوي ولا ضعيف، ولكن وسط من
стр. 4826
الرجال.
قال مالك: وكنت أسمع أنه يختار له العدل ويضرب على الظهر والكتفين دون سائر الأعضاء، والمحدود قاعد لا يربط ولا يمد، وتخلى له يداه، ولأبي زيد عن ابن القاسم: إن ضرب على ظهره بالدرة أجزأه وما هو بالمبين، قال في العتبيَّة: ويجرد الرجل للضرب ويترك المرأة ما يستر جسدها ولا يقيها الضرب.
قُلتُ: زاد في المدَوَّنة: وبلغ مالكاً أن بعض الأئمة أقعد امرأة في قفة، فأعجبه ذلك.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: في المرأة يكون عليها ثوبان في الحد قال: لا بأس بهما وتنزع ما سوى ذلك.
الشَّيخ عن ابن عبد الحَكم: أحب إليَّ أن يكون ضرب الحدود بين يدي القاضي لئلا يتعدى فيها، وتقدم تأخير الحد حيث يخاف على المحدود.
الشَّيخ عن ابن حبيب: ليس عليه مع الضرب سواه من خلاف ولا طواف إلا المدمن المعتاد المشهور بالفسق، فلا بأس أن يطاف به ويشهر، واستحب مالك أن يلزم السجن.
وفيها: وعصير العنب، ونقيع الزبيب، وجميع الأنبذة حلال ما لم يسكر، ولا أحد في قيام الأنبذة قدراً من توقيت وقت أو غليان، وكنت أسمع أن المطبوخ إذا ذهب ثلثاه لم يكره، ولا أرى ذلك ولكن إن طبخ حتى لا يسكر كثيره خل.
الباجي عن ابن حبيب: أنهى عن شرب العصير الذي عصر ف المعاصر التي تردد العصير فيها، وإن كان ساعة عصر لما يبقى في أسفلها وخوف أن يكون بقايا تفلها اختمر فيفسد العصير والخل؛ لأن قليل الخمر يخالط كثير العصير أو الخل، فيحرم كله.
قال الباجي: هذا في العصير؛ لأن الخمر لا يعود عصيراً فتنجسه الخمر، ولو خالط يسير الخمر الخل لم ينجسه؛ لأنه يستحيل خلاً طاهراً.
وقد قال: لا يستعمل ذلك الخل حتى يمضي مدة يقدر فيها أن أجزاء تلك الخمر تخللت.
стр. 4827
أبو عمر: لا أعلم خلافاً بين الفقهاء في جواز شرب العصير إذا طبخ وذهب ثلثاه وهو قول عمر في الموطأ.
الباجي عن محمد: ليس ذهاب الثلثين من كل بلد ولا في كل عصير، فأما الموضع المعروف فلا بأس به، ولا أحد في طبخه ثلثين؛ وإنما أنظر إلى السكر.
قال أشهب: ولو نقص تسعة أعشاره.
وفيها: لا يجوز أن ينبذ تمر مع زبيب ولا بسر، أو زهو مع رطب، ولا حنطة مع شعير، أو شيء من ذلك مع تين أو عسل؛ لأن النبي ﷺ : «نهى أن ينبذ البسر والتمر جميعاً أو الزهو والتمر جميعاً».
الباجي: ظاهر النهي التحريم عبد الوهاب إذا لم يسكر، اختلف أصحابنا في تأويل منع مالك منه، فقال: قوم هو على التحرير، وقال: قوم على الكراهة.
اللخمي: اختلف في ترك الجمع في الانتباذ فيما نهى عنه، هل هو واجب يعاقب فاعله، وهو قول محمد: إن تعمد ذلك أدب أدباً موجعاً.
وقال عبد الوهاب وغيره: من فعله أساء، فإن لم يسكر جاز شربه، ولابن رُشْد في سمَاع الحدود من سمَاع أشهب.
وقيل: النهي في ذلك للتعبد لا لعلة، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ.
وفيها: لا يعجبني أن ينبذ البسر المذنب الذي قد أرطب بعضه.
الباجي: المذنب كالبسر مع التمر.
قُلتُ: فظاهره التحريم لا الكراهة.
وفي جواز خلط الزبيب والتمر للخل وكراهته: سمَاع أشهب، ونقل ابن رُشْد رواية ابن عبد الحَكم، وفي كراهة النضوج من الخليطين لرأس المرأة روايتا ابن عبد الحَكم.
стр. 4828
قال ابن رُشْد: في سمَاع أشهب وهما قائمان من هذا السمَاع لمن تأمله، ولا خلاف في كراهته من حيث كونه طعاماً إن نبذ كل واحد مما ذكرنا على حدة لم ينبغ أن يخلطا عند الشرب لما ورد من النهي عن ذلك.
الباجي: قال ابن حبيب: لا يجوز شرب الخليطين ينبذان ويخلطان عند الشرب كانا من جنس واحد مثل عنب وزبيب، أو من جنسين، نهى عنه مالك إلا الفقاع.
لابن حبيب عن أَصْبَغ: أنه استخف تحليته بالعسل، وشربه باللبن، وهذا يجب منعه؛ لأن كل واحد منهما مما ينبذ منفرداً؛ لأن الفقاع من القمح أو الشعير وكلاهما ينبذ منفرداً، والعسل ينبذ منفرداً، واختلف قول مالك في العسل يطرح فيه عجين أو جذبذة، فروى ابن القاسم كراهته وقال: وقد قال: لا بأس به وهو أحب إليَّ.
وفيها: جواز خلط النبيذ بالماء؛ لأنه لا نبيذ.
الباجي: ولابن القاسم في العتبيَّة: لا بأس بخلط اللبن بالعسل فلم يره انتباذاً؛ بل خلط مشروبين كشراب الورد والنيلوفر.
ابن زرقون: حكى اللخمي عن بعض الشُيُوخ: منع خلط الشرابين للمريض، وحكى ابن يونس عن بعضهم إجازته، ومنع مالك في المبسوط من شراب الفقاع، وأجازه ابن وَهْب وأشهب وسَحنون.
وفيها: إن خلط العسل بالنبيذ لم يصلح.
الصقلي: يريد نبيذ غير العسل.
وحمله اللخمي على نبيذ العسل قال: وعليه لا يلقى التمر في نبيذه، ولابن رُشْد في رسم الحدود من سمَاع أشهب: دردي النبيذ الذي لا يسكر جائز جعله في نبيذ غيره ليشتد به إذا كان أصلهما واحداً، وإذا كان النبيذ من تمر لم يجز أن يجعل فيه دردي نبيذ زبيب.
وفيها: لا ينتبذ في الدباء والمزفت، وفي ولا يكره غير ذلك من الفخار وغيره من الظروف، وأكره كل ظرف مزفت كان فخاراً أو زقاًّ أو غيره.
الباجي عن ابن حبيب: كره مالك الانتباذ في الدباء والمزفت، والتحليل أحب إلي
стр. 4829
وبه أقول وعلى المنع، فمن فعله جاز شرب نبيذه ما لم يسكر، وهذا في المزفت غير الزقاق وأما الزقاق فروى أشهب إباحته فيها.
الباجي: الأظهر المنع في المزفت كله للنهي عنه، وروى أشهب إجازة نبيذ الجر ويحتمل أن يريد به العاري من الزفت والحنتم، روى ابن حبيب أنه رخص فيه، وروى عبد الوهاب تحريمه.
ابن حبيب: الحنتم الجر؛ وهو كل ما كان من فخار أبيض أو أخضر.
الباجي: إنما الحنتم ما طلي من الفخار المطلي بالزجاج، وهو يعجل الشدة، وأما الفخار الذي لم يطل فلا حكمه حكم الجر والنقير، روى ابن حبيب أنه أرخص فيه وروى غيره أنه كرهه.
الصقلي عن ابن حبيب: والنقير ما كان من عود.
ابن زرقون: في تخليل الخمر أربعة أقوال: روى ابن القاسم وابن وَهْب تحريمه جملة، وروى أشهب إباحته جملة، وكرهه ابن القاسم.
وقال سَحنون: إن كانت صنعت خمراً لم يجز، وإن تخمرت من غير قصد جاز تخليلها.
فعلى الأول في أكلها إن خللت ثلاثة أقوال لمالك؛ منها قولان مبنيان على القول في فساد المنهي عنه، وفرق سَحنون على أصله.
وموجب المعصية غير الموجبة حدا عقوبة فاعلها إن رفع للإمام في قذفها، وأما النكال والتعزيز فيه العفو والشفاعة، وإن بلغ الإمام.
وقد قال مالك: فيمن يجب عليه التعزير والنكال، وانتهى إلى الإمام إن كان من أهل العفاف والمروءة؛ وإنما هي طامرة منه تجافى عنه السلطان، وإن عرف بالأذى ضرب النكال.
الشَّيخ عن محمد: إنما ينبغي أن يشفع ويستر من تكون منه الزلة، وأما المعلن فأهل لأن يرفع ويزجر.
قيل لمالك: من له جار سوء يظهر ما لا ينبغي في الإسلام هل أدل عليه، قال: قدم
стр. 4830
إليه وانهه، فإن لم ينته فدل عليه، وله عن ابن حبيب: مشى عمر ﵁ بالليل فرأى ناراً في بيت فأتى إليها، فإذا بقوم يشربون وشيخ، فاقتحم عليهم، وقال: يا أعداء الله أمكن الله منكم، فقال الشَّيخ: ما نحن بأعظم منك ذنباً، تعديت ودخلت بغير إذن، والله يقول: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٧]، فاحتشم عمر وقال: ذروا هذه بهذه.
وسمع أشهب: من قال لرجل: يا كلب، فذلك يختلف أن يقال لذي الفضل والهيئة والشرف في الإسلام أو قاله لدنيء.
ابن رُشْد: إن كان معاً من ذوي الهيئة، عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان به ولا يبلغ به السجن، وإن كانا من غير ذوي الهيئة عوقب القائل أشد من عقوبة الأول يبلغ به فيها السجن، وإن كان القائل من ذوي الهيئة والمقول له من غير ذوي الهيئة، عوقب بالتوبيخ ولا يبلغ به الإهانة ولا السجن، وإن كان القائل من غير ذوي الهيئة والمقول له من ذوي الهيئة، عوقب بالضرب.
وسمع عيسى: من قال لرجل: يا سارق ضرب خمسة عشر سوطاً ونحوها.
ابن رُشْد: تحديده بهذا ليس له أصل من الكتاب والسنة؛ وإنما هو اجتهاد، ويختلف باختلاف حال المقول والقائل حسبما تقدم.
ابن شاس: قال الأستاذ أبو بكر في أخبار الخلفاء: أنهم كانوا يعاقبون الرجل على قدره وقدر جنايته، منهم من يضرب، ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفاً على قدميه في تلك المحافل، ومهم من تنزع عمامته، ومنهم من يحل إزاره.
قُلتُ: ومما جرى بع عمل القضاة من أنواع التعزير؛ ضرب القفا مجرداً عن ساتره بالأكف.
وفي صحة الزيادة على الحد باجتهاد الإمام لعظم جرم الجاني ومنعها قولان للمشهور، وغيره لنقل الشَّيخ في ترجمة ضرب الحدود، ورواية مُطَرف: من أخذ سكراناً في الأسواق، وقد آذى الناس برمي أو سيف؛ أرى أن يزاد في عقوبته فيبلغ ضربه مع الحد نحو الخمسين والمائة والمائتين، ونقل غيره: لا يزاد على الحد، وروى
стр. 4831
مسلم بسنده: لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله.
المازري: هذا خلاف مذهب مالك؛ لأنه يجيز في العقوبات فوق الحدود؛ لأن عمر ضرب من نقش على خاتمه مائة، وضرب صبيعاً أكثر من الحد، وتأول أصحابنا الحديث على قصره على زمنه ﷺ ؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر.
قال عياض: بظاهر هذا الحديث أخذ أشهب في بعض الروايات عنه، واختلف مذهب مالك وأصحابه في ذلك، فالمشهور عنه وعنهم ما تقدم، وعن مالك في التهمة والخمر والفاحشة خمسة وسبعون سوطاً لا يبلغ به الحد، ومال إليه أَصْبَغ، ونحوه لمحمد بن سلمة، قال: لا يبلغ ضرب السلطان في الأدب في الحد أبداً.
وقال أشهب: في مؤدب الصبيان لا يضرب أكثر من ثلاثة أسواط، فإن زاد اقتص منه.
وفي آخر سرقتها: من ادعى على رجل أنه سرقه، لم أحلفه له إلا أن يكون متهماً يوصف بذلك، فإنه يحلف ويهدد ويسجن، وإلا لم يعرض له، فإن كان من أهل الفضل وممن لا يشار إليه بهذا؛ أدب الذي ادعى ذلك.
قُلتُ: ظاهره أنه يؤدب مطلقاً، وإن لم يكن على وجه المشاتمة، وفي النوادر؛ إنما يؤدب المدعى عليه غير المتهم بالسرقة، إذا كان على وجه المشاتمة أما دعوى الظلامة فلا.
ابن شاس: والأب يؤدب ابنه الصغير دون الكبير ومعلمه بإذنه.
قُلتُ: لأن ترك تأديبه يكسبه فساداً، وفي حجها ليس لأبي الصبي، أو من هو في حجره أن يحجه وينفق عليه من ماله إلا أن يخاف من ضيعته بعده، وللسيد تأديب رقيقه؛ لأنه صلاح له.
في عتقها الأول قال مالك: ومن حلف بحرية أمة ليضربنها ضرباً، يجوز له منع من البيع والوطء حتى يفعل، وللحالف بالعتق ليضربن عبده أن يضربه إلا ضرباً لا يباح مثله، وللزوج تأديب زوجته في منعها حقه، ولذا قيل: تدميتها عليه لغو.
ابن شاس: لو كانت المرأة لا تترك النشوز إلا بضرب مخوف؛ لم يجز تعزيرها.
стр. 4832
الشَّيخ في المجموعة: قال مالك: ومعلم الكتاب أو الصنعة إن ضرب صبياًّ ما يعلم أنه من الأدب فمات؛ فلا يضمن وإن جاوز به الأدب ضمن ما أصابه.
قُلتُ: في السرقة منها: وما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية، فعلى عاقلته مثل خطأ الطبيب والمعلم والخاتن، وأبي مالك أن يجبينا في خطأ الإمام بشيء.
ولابن رًشْد في رسم المجالس من سمَاع أَصْبَغ في كتاب الديات: دية من هلك عن فعل الطبيب خطأ على عاقلته اتفاقاً، وإن غر من نفسه، فقيل: في ماله، وهو ظاهر قول مالك في رسم كتب عليه ذكر حق من سمَاع ابن القاسم من كتاب السلطان، وقيل: على العاقلة، وهو قول عيسى بن دينار هناك، وظاهر قول أَصْبَغ هنا.
وفي آخر سمَاع سَحنون من الجنايات، وكتب لسَحنون: فيمن فقأ عين عبده أو عين امرأته فيقولان: فعل ذلك بنا عمداً، وقال السيد والزوج: بل أدبتهما فأخطأت، قال: القول قول العبد والمرأة؛ لأن العداء قد ظهر.
قُلتُ: ولم وقد أذن له في الأدب لعبده وامرأته، أرأيت الطبيب إذا قطع فجاوز وادعى عليه العمد، والطبيب قد ظهر فعله أنه ابتدأه بما يجوز له، والزوج والسيد لم يظهر لنا منهما غير العداء.
ثم قال: اكتب إليه أنه لا شيء على السيد، ولا على الزوج حتى يظهر العداء، والقول قولهما.
ابن رُشْد: ما تجاوز فيه الطبيب محمول على الخطأ حتى يعلم خلاف ذلك اتفاقاً، والأظهر في السيد حمل أمره في عبده على الخطأ، فلا يعتق عليه بذلك إلا أن يعلم أنه قصد التمثيل، ويباع عليه إن دعا إلى ذلك العبد، وأرى في الزوج أن لا يحمل أمره على الخطأ، فيلزم ذلك العاقلة، ولا على العمد فيقتص منه لها، ويجعل في ذلك كشبه العمد الذي يسقط فيه القصاص، وتكون فيه الدية على الجاني في ماله، وإن طلبت المرأة أن يفرق بينه وبينها وزعمت أنها تخافه على نفسها، طلقت عليه طلقة بائنة، ومضى هذا في رسم يشترى الدور من سمَاع يحيى من كتاب العتق.
قُلتُ: وقال عياض في أول كتاب الجراحات: واختلف متأخرو شُيُوخنا
стр. 4833
الأندلسيين فيما كان على وجه الأدب أو فعل ما يباح له ممن يجوز له ذلك على الوجه الذي أبيح، وحيث أبيح كالحاكم، وضارب الحد، والمؤدب، والأب، والزوج، والخاتن، والطبيب هل يدخلها الاختلاف؟ هل هو على حكم الخطأ؟ أو على شبه العمد؟ وإلى هذا التخريج ذهب الباجي.
وقيل: إن كان إنما فعل من ذلك ما يجوز له، ولم يتعمد غلطاً، فهي كمسألة اللعب يدخلها ما فيها من الخلاف، وإليه ذهب شيخنا القاضي أبو الوليد.
الشَّيخ: قال مالك في المجموعة: وإن أمره عبد أن يختنه، أو يحجمه، أو يقطع عرقه ففعل؛ فهو ضامن ما أصاب العبد في ذلك إن فعله بغير إذن سيده، علم أنه عبد أو لم يعلم.
وفي حريم البئر منها: ومن أرسل في أرضه ناراً أو ماء، فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعته، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها، فتحاملت النار بريح أو غيره فأحرقت؛ فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك لقربها؛ فهو ضامن وكذا الماء، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها.
وشبه بها ابن رُشْد سمَاع محمد بن خالد ابن القاسم: في رجل طبخ سكراً في قدر سترها عن الناس بقصب، وكان صبي خلف القصب نائماً لا علم للطابخ به ففارت القدر بما فيها، فأصاب الصبي ما خرج منها؛ لا شيء عليه.
الصقلي عن سَحنون: وما قتلت النار ينظر فيه على من يجوز له، ومن لا يجوز له.
قُلتُ: يريد سقوط الدية عن العاقلة الأول، وثبوتها على عاقلة الثاني.
قال: وقال أشهب: ولو كانوا لما خافوا على زروعهم قاموا لردها، فأحرقتهم فديتهم هدر لا على عاقلة، ولا على غيرها.
قال ابن عبد السلام: سئل ابن كنانة عمن أشعل ناراً في حائط رجل، فتعدوا النار غير ذلك الحائط فتحرقه من زرع أو حائط أو مسكن أو غيره، فقال: عليه غرم ما أشعل فيه من ذلك، فأما ما عدت النار فيه فأحرقته؛ فلا غرم عليه فيه.
قال: فقد يؤخذ من هذا الجواب خلاف في هذا الأصل، ويرد بأن عدم ضمانه في
стр. 4834
مسألة ابن كنانة؛ إنما هو فيما لم يقصده المتعدي بالعداء، والضمان في مسألة الكتاب؛ إنما هو فيمن قصده بالتعدي حيث أوقد النار حين هبت الريح، ولا يلزم من عدم ضمان المتعدي فيما لم يقصده بالتعدي عدم ضمانه فيما قصد به، وجواب ابن كنانة هو مقتضى نقل اللخمي عن المذهب، خلاف مقتضى نقل أبي حفص عن المذهب.
وذلك أن في كتاب الدور من «المدَوَّنة»: وإن اشترط رب الدار على مكتريها أن لا يوقد فيها ناراً فأوقد المكتري فيها ناراً لخبزه فاحترقت الدار؛ ضمن.
قال اللخمي: إن احترقت هي وغيرها، ضمن الدار المكتراة فقط، إذا كان الوقيد على صفة، لو أذن رب الدار فيه لم يكن لمن يليه في ذلك مقال؛ لأن المتعدى عليه هو من حقه، وإن كان على صفة يكون لجاره منعه ضمن جميع ما أحرق.
وقال عبد الحق: قال بعض شُيُوخنا القرويين: إن احترقت دور جيرانه فهو ضامن؛ لأن سبب هذا فعل لا يجوز له، وإن كان مما يجوز له لولا الشرط الذي شرط عليه، كقوله: فيمن يحفر بئرا ًفي داره للسارق أنه يضمن ما سقط فيها من سارق وغيره؛ لأن فعله مما لا يجوز له.
ومثله نقل أبو حفص العطَّار، وهذا الأصل مباين لأصل مسألة حريم البئر فتأمله.
ابن شاس: ومن سقط ميزابه على رأس إنسان لم يضمنه، وكذا الظلة والعسكر.
قُلتُ: هو قولها مع غيرها، وما أشرع الرجل في طريق المسلمين من ميزاب أو ظلة أو حفر بئر أو سرباً للماء أو للريح في داره أو أرضه، أو حفر شيئاً مما يجوز له في داره أو في طريق المسلمين بئراً للمطر، أو مرحاضاً يحفره إلى جانب حائطه؛ فلا غرم عليه ما عطب في ذلك كله.
وفيها: والحائط المخوف إذا شهد على ربه، ثم عطب به أحد فربه ضامن.
وفيها: وإن لم يشهدوا عليه لم يضمن.
قُلتُ: فإذا لم يضمن في المائل لعدم الإشهاد، فأحرى في غير المائل.
الصقلي لمحمد عن أشهب: إن بلغ ما يجوز لربه تركه لشدة ميله والتغرير به،
стр. 4835
فهو متعد ضامن لما أصيب به، وإن لم يشهد عليه، وكذا لو تقدم إليه السلطان في هدم حائط على حسن النظر للرعية، فهو ضامن، وأما نهي الناس وإشهادهم، فليس بلازم له، وحكي عن بعض فقهائنا القرويين: أنه ينظر إلى رب الحائط، فإن أنكر ما قيل من غرر الحائط فهاهنا يحتاج إلى التقدم إليه، وإن أقر بأن حائطه مخيف فهاهنا ينفع الإشهاد عليه دون الحكم.
ابن شاس: وأما إن مال فإن لم يتداركه مع الإمكان والإنذار والإشهاد، وجب الضمان فجعل الإمكان شرطاً، وهو صواب جار على القواعد، وقله: وإن بناه مائلاً ضمن مطلقاً وواضح لقولها، وما صنعه في طريق المسلمين مما لا يجوز له من حفر بئر أو رباط دابة ونحوه؛ ضمن ما أصيب.
وسمع عيسى ابن القاسم: في الثور العقور، والجمل الصؤول، والكلب العقور، أو شيء من العجماء إذا عرف بالعداء على الناس أمر ربه بذبحه، وتقدم إليه، وما عقر بعد التقدم إليه ضمنه في ماله، ولو بلغ الدية، ولو قتل رجلاً بعد التقدم إليه، ولم يشهد على قتله إلا شاهد واحد؛ حلف ورثة الميت مع شاهدهم واستحقوا الدية.
ابن رُشْد: قوله: إن عدا بعد التقدم إليه ضمن؛ يريد: ولو كان التقدم إليه بالجيران دون السلطان، وهو مثل ما في المدَوَّنة خلاف سماَع عبد الملك في كتاب السلطان: أنه لا يضمن إلا أن يتقدم إليه السلطان، وقيل يضمن وإن لم يتقدم إليه، ولم يشهد عليه.
قاله أشهب وسَحنون: في الحائط إذا بلغ مبلغاً يجب عليه هدمه فتركه، وهذا الاختلاف؛ إنما هو إذا اتخذه في موضع يجوز له اتخاذه فيه، وإن اتخذه حيث لا يجوز له اتخاذه؛ فلا اختلاف في ضمانه لما أصاب، وإن لم يتقدم إليه.
ومذهب أشهب في الكلب العقور، والجمل الصؤول؛ أنه لا ضمان على ربها بحال، وإن تقدم إليه، فهو قول رابع.
وقوله: لا يكون على العاقلة من ذلك شيء، خلاف سمَاع زونان: أن ذلك على العاقلة إن بلغ الثلث.
وقوله: يستحق ذلك باليمين مع الشاهد صحيح، على أنه لا يكون على العاقلة من
следующие страницы →