Полный текст (479 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لأجل ما قدمناه من التنبيه على الحاجة إليه.
وأما النظر في حكم حرف، أو لفظة فإنما يحتاج إليها في الفقيهات في مسألة أو مسألتين، فلا معنى لإدخالهما هاهنا، لأنها لا تكون كالقانون الكلي، الذي يتصور فيه حقيقته الأصلية، وأيضًا فإنه يلزمهم إذا التزموا هذا استيعاب كل ما يتعلق بمسائل الفقه، من علم اللسان، وهيهات أن يستوعب هذا إلا من استبحر في علم اللغة، والنحو، وإيراد ما يفيد الاستبحار يقتضي تصنيف دواوين عظيمة.
وهذا يشير إلى أن لا معنى لكلامهم على حرف الباء هل هي للتبعيض لأن المتعلق بها من مسائل الخلاف مسألة واحدة، وهي النظر في قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)، هل المراد بعض الرأس، أو كل الرأس؟
وتعدوا هذه المرتبة حتى تكلموا، على حروف لا توجد في مسائل الفقه المتلقاة من قول صاحب الشرع، وهلا تكلموا على الصعيد في الفقه ما هو؟ لأنه من مسائل الخلاف المتعلقة بآية الطهارة كحرف الباء وحرف إلى في قولله: (إلى المرافق)، وهلا تكلموا على حقيقة الغسل في اللغة لأنه من مسائل الخلاف المتعلقة بآية الطهارة أيضا؟ فإن قصدوا بذكر نبذ من هذه الألفاظ المفردة تنبيه الفقيه على أنه يحتاج من علم اللغة إلى غير ما ذكروه في تلك القوانين الكلية التي هي القول في الأوامر والعموم، فذلك مقصد يليق، ولعل الآخر منهم اتبع الأول، استقالا لاطراح ما تحفل به أشياخه، وهذا الداعي له إلى أن سلك ما سلكوه، كما هو الداعي لنا نحن أيضًا إلى أن نفعل ما فعلوه.
وإذا انحصر الأمر إلى النظر في معاني الكلام عند العرب، فيجب أن يعرف حد الكلام وأقسامه .
فأما حده فقد قيل فيه: هو ما نفى عن ذات من وجد به الخرس، والسكوت، والطفولية، وقدر هؤلاء أن الامتناع الاختياري يسمى سكوتا، والمنع الاضطراري إن كان مؤبدا يسمى خرسا، وإن كان يترقب انقضاؤه سمي طفولية.
وحده آخرون بأنه: ما اشتق للمتكلم منه اسم متكلم، وهذا قد تقدم في الكلام على حد العلم التنبيه على ما في هذه الطريقة من الاحتمال.
وقيل فيه: هو المسموع المفيد من غير مواضعة، فقال هؤلاء: المسموع، ليميزوه من غيره من الصفات كالقدرة والحياة، وقالوا: المفيد، لأن خوار البقرة، ورغاء البعير، ووعار
стр. 107
الشاة، أصوات مسموعة، وليست بكلام، وتحرز أيضا من الكلام الذي لا يفيد، فإنه لا يسمى كلاما على أحد القولين، وإن كان مسموعا.
وأشار أبو المعالي في كتابه إلى اختيار سلبه هذه التسمية فقال: والكلام هو المفيد، فقد أشار بهذا التقييد إلى اختيار أحد القولين، ونحن إن قلنا بالقول الآخر، وهو تسمية ما لا يفيد كلاما، بطل هذا الحد لتقييده بالمفيد، وكذلك تقييد صاحب هذا الحد بقوله: من غير مواضعة يفسد الحد، على أحد القولين أيضا، إذا قلنا إن أصل اللغة اصطلاح، ومواضعه [كما] بيناه على القول بأن أصل اللغة توقيف، وتحرز على هذا القول من المناقضة بصوت الطبل إذا ضربه الأمير عند (...) وكصوت البوق عندنا في بلدنا إذا ضرب بمكان مخصوص، فإنه علم على أن ضاربه رأى مركبا واردا على المدينة (ص ٥٧) من أحد بحريها، وقد صار هذا الصوت عندنا مسموعا مفيدا، وليس بكلام، لأنه أفاد بمواضعة السلطان الأمر بهذا مع المأمور النافخ، في البوق، فالقول بهذا الحد من غير مواضعة يتحرز به من مثل هذا.
وقالت المعتزلة: حد الكلام أصوات مقطعة، وحروف منظومة، وهذا يبطل عليهم بكلام الله سبحانه، وكلام الإنسان في نفسه، من غير أن ينطق به على أصلنا في هذين، وهم ينكرونهما، وقد رد حدهم بأن الكلام يكون حرفا واحدا، تقول: ق إذا أمرت بالوقاية قال تعالى: (وقهم السيئات) وحرف القاف من هذه الكلمة فعل سؤال وطلب، ولو كان من أعلى لأدنى لكان فعل أمر، فقد حصل الكلام من حرف واحد، وهم قد قالوا إنه حروف، وهذا يبطل حدهم، لكونهم اعتذروا عن هذا بأن هذه الأفعال لم ينطق بها إلا موصولة بحرف آخر كقولهم: قه، وعه، وشه، وهذه هاءات للاستراحة، ولابد من النطق بها، فصارت الكلمة من حرفين، وجوابنا عن هذا واستقصاء ما قيل في حدهم مبسوط في كتب الديانات.
وإذا تحقق ما قيل في حد الكلام فقد قسم على أنحاء مختلفة.
أما التقسيم المشهور الأعم فإن الكلام اسم، وفعل، وحرف.
وقد أشار أبو المعالي إلى [أن] الاسم ما دل على معنى المسمى به، وإلى هذا المعنى أشار بعض أئمة النحاة فقال: الاسم ما دل على معنى، غير مقترن بزمن محصل.
стр. 108
وكان أبو الحسن بن الحداد ﵀، وهو أشهر المدرسين لصناعة النحو في إقليمنا لما صنف كتابه أعجبه حد الاسم بأنه: كلمة تدل على مجرد ذات المسمى دلالة تصريح، فأخبرته أن هذا إشارة إلى أصل المعتزلة، لأن لفظ العدم اسم بإجماع النحاة، وهو كلمة لا تدل على ذات عند المعتزلة، والرجل شديد التبري مما يوقع في مذهبهم.
وقد يناقش أيضا من حد [الاسم] بأنه ما دل على معنى، إذا حقق المراد بالمعنى عند العرب، حتى ينظر هل استوفى تسمية المعنى سائر المسميات موصوفاتها، وموجودها، ومعدومها، أم لا؟
وهكذا أشار أبو المعالي إلى حد الفعل أنه صيغ دالة على أحداث الأسماء، مشعرة بالأزمان.
وقد قال بعض أئمة النحاة: الفعل ما دل على معنى مقترن بزمان محصل، وقول أبي المعالي مشعر بالأزمن على الجملة أولى من قول هذا: زمن محصل، لأن الفعل الماضي تحصل زمنه أنه قد مضى. وأما الفعل المضارع فإنه مترددبين زمن الحال، وزمن الاستقبال، فلم يكن زمنه محصلا من هذه الجهة على التعيين.
وجماعة النحاة يثبتون هذا الاحتمال، ويرون الأفعال منقسمة إلى ثلاثة أقسام: ماض، واستقبال، وحال، كما أشار إليه قوله سبحانه: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك)، فأثبت الثلاثة الأقسام، إلا شرذمة لا يلتفت إليهم أنكروا فعل الحال، ولم يثبتوا إلا الماضي، والاستقبال، وهذه جهالة منهم بأحكام الوجود.
وذكر أبو المعالي أن المصادر أصول الأفعال، وهي كالتبر الذي هو أصل في المصوغات، فيصاغ منه الماضي، والحال، والاستقبال، كما يصاغ من التبر القرط، والدملج، والخلخال، وهذا الذي قاله مذهب البصريين من النحاة، ومذهب الكوفيين منهم عكس هذا، وهو أن الأفعال أصل المصادر.
يستدل البصريون على قولهم إن المصدر يدل على زمن مبهم، والفعل على زمن حاضر، والإبهام قبل التخصيص، وأيضًا فإن المصدر مدلول الفعل، والفعل دليل عليه، والمدلول قبل الدليل.
стр. 109
ويستدل الكوفيون بأن المصدر معمول الفعل، والفعل عامل فيه، والعامل فيه المعمول.
وهذه التعاليل كما تراها، وقد سبق في المثل: أضعف من علة نحوي، والتحقيق خلاف هذا كله، وكان من حق أبي المعالي لما خاض في صناعة النحو، أن ينبه على طريقة التحقيق، التي تقتضيها الأصول، وذلك أن قولهم: المصدر أصل للفعل، أو الفعل أصل للمصدر، إن أريد بذلك أن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، والحقيقة أصل للمجاز، فهذا مما لا يذهب إليه ذاهب، ولا خلاف أنا إذا قلنا قام زيد قياما فإن قولنا: قام، لفظة من الحقائق، لا تجوز فيها، وقولنا: قياما، لفظة من الحقائق لا تجوز فيها أيضا.
فقد وضح بطلان صرف الأصلية والفرعية إلى هذا الوجه، وإن أرادوا بقولهم: هذا أصل، وهذا فرع أن اللفظتين حقيقتان، ولكن النطق بهذه سبق النطق بهذه، فهذا غيب لا يعلمه إلا علام الغيوب، والبحث عنه عناء لا يجدي، والمفكر فيه، يقيمه الفكر فيه بين العجز والتعب، وأي فائدة في سؤال السائل عن تسمية الحائط، والجدار أي اللفظتين نطق به أو لا؟.
وهذا إن قيل: إن اللغة توقيف، فإنما معنى السؤال عنه، هل علم الله سبحانه آدم مثلا هذه اللفظة قبل أن يعلمه الأخرى؟ ولو قيل: إن اللغة اصطلاح، فأول المصطلحين عليها، ما الذي قدم وأخر؟ هذا مما لا يعرف، ولو عرف ما أفاد (...) (ص ٥٨) اللفظتين الحقيقتين.
فهذا وجه التحقيق في هذا الذي اشتهر كلام النحاة عليه، وما اعتلوا به، قصارى ما يوردون منه استفادة ظنون، والظنون هاهنا لا تنفع، لأنه ليس بموضع عمليات شرعيات، فتستعمل فيها الظنون، وإنما المراد القطع على ما كان، وهذا لا يحصل إلا بدليل قاطع.
وذكر أبو المعالي أن الحرف على أربعة أقسام:
- منها ما وجوده كعدمه، لا يغير إعرابا، ولا معنى كالحروف الزوائد، مثل قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم).
стр. 110
- ومنها ما يفيد عكس هذا، وهو تغيير الإعراب والمعنى، كقولك: زيد منطلق، إذا أخبرت عنه بذلك، فإذا ترجيت له الانطلاق قلت: لعل زيدا منطلق، فقد صار هذا الحرف الذي هو لعل غير إعراب زيد ومعناه.
- ومنها ما يغير الإعراب دون المعنى كقولك في الإخبار عن انطلاق زيد: إن زيدا منطلق، فقد غير إعراب زيد بإدخال حرف إن والخبر عن انطلاقه لم يتغير.
- ومنها ما يفيد عكس هذا، وهو تغير المعنى دون الإعراب كقولك: هل زيد منطلق؟ فإعراب زيد باق على حاله، فقد انتقل حكمه بتغيير هذه الحروف، فقد تغير الخبر عن انطلاق زيد بدخول حرف هل إلى أن صار استفهاما عن انطلاقه.
ولما ذكرنا ما ذكره عن النحاة من تقسيم الكلام التقسيم الأعم المشهور المشتمل على مفردات الكلام، والحروف، فلنذكر تقاسيم الكلام من جهات أخر، وقد أخرها أبو المعالي عن كلامه على الحروف، فهذا الباب ألوى بها في صناعة التأليف.
فاعلم أن الكلام قسمه القدماء من الأئمة أربعة أقسام: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، وزعموا أن جملة الكلام تحصره هذه المعاني الأربع، واختار أبو المعالي الاقتصار على أربعة كما قال هؤلاء، ولكنه أبدل لفظة بأخرى، استوعبت قسمين من هذه الأربع، وأثبت الرابع قسما آخر، غير ما قاله هؤلاء، فقسم الكلام إلى الطلب، والخبر والاستخبار, والتنبيه، فقوله: الطلب، يدل على قول أولئك: أمر ونهي، ورأى الناهي طالبا، كما [رأى] الآمر طلبا.
وزاد المتأخرون على ما قاله القدماء سبعة أقسام، فصار الكلام ينقسم عندهم إلى أحد عشر قسما، فزادوا على الأربع التي هي الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والتعجب والتلهف، والتمني، والترجي، والنداء، والقسم، [والدعاء].
وتأول بعض المتأخرين اقتصار الأولين فرأى أن التعجب خبر، والمتعجب من علم زيد، مخبر بسعة علمه، وانفراده في العلم، وكذلك القسم من جملة الأخبار، لأنه إنما يستقل مفيدا عند ذكر قسم، ومقسم عليه، فإذا قال: والله لأضربن زيدا، فقد التحق هذا بالأخبار، لأنه أخبر بما يفعل، فأشبه المخبر عما فعل. وأما التمني، والترجي، والتلهف، فإنما يقدر فيها معنى الخبر، والإعراب عما في النفس من هذه المعاني.
وتعقب أبو المعالي هذا الاعتذار، ورأى أن هذا تخيل يحصر الكلام كله إلى الخبر
стр. 111
حتى يكون الآمر والناهي مخبرا عما في نفسه من طلب الفعل، أو ترك الفعل، ولأجل هذا القدح الذي وجهه هرب إلى إثبات التنبيه في الأقسام الأربعة، ورأى أن المتلهف، والمترجي، والمتمني، والمنادي، إنما القصد بما يقولونه التنبيه، لكن المنبه بالنداء آخر غير المتكلم، والمنبه في التلهف، والتمني، والترجي المتكلم نفسه، فكأن القصد بمثل هذه الصيغ، وإن كان إعرابا عما في النفس تنبه النفس على ما تلهفت عليه، وتمنته، وترجته، وأما النداء فقد اعتذر الإسفراييني عنه، بأنه لا يفيد بمجرده، والصوت بالنداء حرف، والاسم المنادي يترقب ما يأتي بعده.
وأنكر أو المعالي هذا الاعتذار، وقال بل هو كلام مستقل عند أهل اللسان، فإذا قال القائل: يا زيد، فقد أتى بكلام مستقل ولننبه نحن على ما قاله في النداء فيما بعد.
وهذه كلها مضايقات في عبارات، وإلا فالحقائق والمعاني التي في النفس لا يقع منها الإلباس، وإنما تصور إشكال في بعض هذه الأقسام لما يشعر به المعنى من معنى آخر، حتى يظن أن المعنى المتخيل المشعر به هو المقصود (... اب).
وما أشار إليه أبو المعالي من إثبات التنبيه للنفس قسما آخر، لا شك في إثبات هذه الحقيقة، وأن الإنسان كثيرا ما ينطق [بما] قصد به تنبيه نفسه، ألا ترى قولهم: ءاه، فهذا صوت دال على تنبه لأمر ما، ويشعر أيضًا بالإعراب عما في النفس من أمر ما.
قسم الكلام على غير هذا الأسلوب، فقيل: منه ما لا يفيد، ومنه ما يفيد، والذي لا يفيد إما أن تعدم فائدته، لأن حروف الكلمة (...) المنتظم الحروف كديز، مقلوب زيد (...) ومقلوب عمرو، ورمع، فالحروف في زيد، وعمرو لم تتغير (... الا تم) (الكلام ... عربيا ... النظر ...) (ص ٥٩)، اسم مع اسم، كقولك: زيد قائم، واسم مع فعل، كقولك: قام زيد.
وأما اجتماع فعلين فمما لا يفيد كقولك: تكلم أبصر، وأما اجتماع حرف مع فعل فذكر القاضي ابن الطيب، وغيره، أنه مما يفيد كقولك: تكلم أبصر، وأما اجتماع حرف مع فعل فذكر القاضي ابن الطيب، وغيره، أنه مما يفيد كقولك: قد قام، وأنكر هذا عليه، بأن هذا إنما يفيد بتصور ضمير في الفعل الذي هو قام، فيكون المعنى قد قام فلان، وكذلك اختلف الناس في إفادة اجتماع الحرف مع الاسم، فمنهم من قال: لا يفيد على حال، ومنهم من قال: يفيد، ألا ترى قولك: يا يزيد في النداء فإنه كلام مفيد، فأجاب الآخرون عن هذا بأن
стр. 112
الإفادة إنما تحصل بأحد وجهين: إما [أن] يقدر في الكلام حذف مفهوم، مراد، فيكون المعنى يا زيد تعال، ويكون حذف تعال حينئذ، لكونه مفهوما من النداء أو يقدر أن حرف النداء الذي هو الياء والألف نائب عن قولك تعال، فبهذه النيابة حصلت الإفادة.
وهذا نحو ما ذكرناه من الخلاف في قولك: قد قام، وإفادته بتقدير إضمار، وما كنا ذكرناه عن الإسرافييني، وأبي المعالي ووعدنا التنبيه عليه، فهذا هو الذي وعدنا به من التنبيه وقد يكون الكلام غير مفيد، لكونه واقعا مما لا ميز له، وفي إثبات هذا قسما قائما بنفسه، نظر، لأن المجنون إن تكلم بما ليس بمفيد عند العرب، فقد دخل فيما قدمناه، وإن تكلم بما يفيد عندهم، لكنه لم يقصد إليه لعدم التمييز فإنما يقال إن هذا لا يفيد إشعارا بما في ضمير المتكلم.
وأما الكلام فجنسه مفيد، وكذلك ذكر أيضا أن من الأقسام التي لا تفيد استحالة معنى الكلام عنده كقولك: زيد ميت حي، أو ميت لا ميت، وهذا أيضا صيغ الكلام فيه معلوم معناها، مستفاد فحواها، لكن الاستحالة لم ترجع لنفس الصيغة، وإنما هي راجعة إلى الفعل، وقد أهدى التقسيم للكلام إلى ما يفيد، وإلى ما لا يفيد، وإنما بني على أحد القولين في كون ما لا يفيد كلاما.
وقد قسم الكلام على جهات أخر، فقيل:
- قد تتماثل صيغ الكلام ومعانيه.
- وقد تختلف صيغه ومعانيه.
- وقد تختلف صيغه دون معانيه.
- وقد تختلف معانيه دون صيغه.
فالأول كقولك: بياض وبياض.
والثاني كقولك: فرس وإنسان.
والثالث كقولك: قام وقعد.
والرابع كقولك: قرء المنطلق على الحيض والطهر، وجون المنطلق على السواد والبياض، وعين المنطلقة على عين الجارية، وعين الماء.
وقد قسم الكلام أيضًا إلى أقسام:
فمنه اللازم، كقولك: فرس وإنسان.
стр. 113
وإلى المفارق كقولك: طفل وشاب.
وإلى المشتق كقولك: عالم ومسافر، ومريض، وهذا أيضاً التمثيل يدخل في المفارق، وإلى مفرد كقولك: زيد وعمرو.
وإلى مضاف كقولك: غلام زيد، وثوب عمرو.
وإلى ما فيه معنى شمول كأسماء الأجناس، أو الأسماء المترددة كالقرء، أو التضميني كالأب والابن، وفوق وتحت.
وقد وقع للأذري في "لامعه" تقسيم الكلام على وجه وقع منه فيه إغفال، وذلك أنه قسم الكلام إلى أربعة أقسام فذكر منه:
- أسماء الأعلام كزيد وعمرو.
- والأسماء الدالة على صورة وبنية كفرس وطائر.
- والاسم الدال على الجنس أو الحقيقة كقولك: سواد وبياض، وقديم ومحدث.
والاسم المقتضي معنى متعلقا بالمسمى، وجعله على قسمين:
- منه ما يتضمن معنى قائما بنفسه كالأب والابن وفوق وتحت.
- ومنه ما يتضمن معنى لا يستقل بنفسه، وقسمه على قسمين:
- فمنه ما يشعر بصفة في المسمى كعالم وضارب، ومباح ومحظور.
- ومنه ما لا يشعر بصفة زائدة في المسمى كالحدث فإنه مأخوذ من الحدوث، والحدوث ليس بمعنى يقوم بالمحدث، وأشار إلى انقسام هذا النوع إلى:
- ما يشتق منه، كما مثلنا به.
- وإلى ما لا يشتق منه كالمعلوم، فإنما يفيد تعلق العلم به.
وذكر أن القاضي لما ذكر ذلك أخبره بأن النحاة ينكرون هذا، ويرون قولنا: معلوم مشتق، وهو عندهم مشتق من علم بعلم على بناء ما لم يسم فاعله، بخلاف اسم الفاعل، فإن مشتق من علم يعلم.
وذكر أن القاضي لما ذكر له أن النحاة يرون قولنا: "معلوم" مشتقا قال له القاضي لا يبعد ما قالوه، فأنت تراه كيف جعل قولنا: فرس وطائر، قسما، وجعل قولنا: سواد وبياض قسما، والقسمان جميعا يقرر فيهما الجنسية، ولا يفترقان في هذا، ولا يمنع من ثبوت
стр. 114
الجنسية فيهما كون هذه أجساما، مشكلة، وكون هذه أعراضا، وذكر القديم والمحدث في قسم ذكر الدال على الجنس والحقيقة، ثم ذكر المحدث في هذا القسم الدال على معنى لا يستقل بنفسه المباح والمحظور (... بعه على ....................... ليست ....) (ص ٦٠) أو مباحا.
وإنما حقيقة ذلك تعلق كلام صاحب الشرع به، وهو قوله: لا تفعلوا هذا، ولكم أن تفعلوا هذا، فعاد ذلك إلى صفات التعلق، واندرك في أسلوب المعلوم والمذكور.
وقد ذكر هو المعلوم حيث نقلناه عنه، ويحتمل إلحاق المعلوم بأسماء الضمن البائن بنفسه كفوق وتحت، لكن الظاهر أنه ألحقها بما لا يبين بنفسه لكون العلم لا تتصور حقيقته، ولا معلوم له، وكذلك المعلوم لا يتصور دون العلم، وفي هذا الموضع ما يحتاج فيه إلى تدقيق في النظر في أحكام التعليق، وربما كان هذا مضايقة في عبارة لا يجدي كبير فائدة.
فهذه جمل كافية فيما أورده الناس في تقاسيم الكلام، وحده، وتجنيسه، وتنويعه.
وها نحن نخوض فيما خاض فيه الأصوليون من أحكام الحروف فمن ذلك:
حرف الباء
وقد اختلف الناس فيه فالشافعي يراه للتبعيض، ولهذا لم يوجب إيعاب مسح الرأس في الوضوء، بل رأى الأجزاء يحصل بمسح بعضه لقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) والباء هاهنا تفيد التبعيض.
وقال أصحابنا بل الواجب إيعاب جميع الرأس، بناء منهم على إنكار القول بأن الباء تفيد التبعيض، والذي قاله أصحابنا من إنكار كونها مفيدة للتبعيض هو الذي عليه أئمة النحاة.
وقد ألف ابن جني كتابا ترجمه بسر الصناعة، تكلم فيه على سائر الحروف وأحكامها، وما يتعلق بها من دقائق صناعة النحو، وأنكر كون الباء موضوعة للتبعيض، وإنما الباء موضوعة للتعليق والإلصاق، وقد نوع بعض الناس هذا التعليق، إلى تعليق عمل بمعمول، وتعليق اختصاص، وتعليق اتصال، وحملوا قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)
стр. 115
على أن الباء في قوله: (بإلحاد) من باب تعليق العمل، لأن الإلحاد من عمل الملحد، وقوله: (بظلم) الباء فيه من باب تعليق الاختصاص، لأن الظلم مختص بالإلحاد.
وأما تعلق الاتصال فهو كثير في الاستعمال منه: ضربت بالسوط، وكتبت بالقلم، ومن الناس من يقدر الباء بمعنى الحال، يقول: جاء زيد بسلاحه، أي متسلحا، وبمعنى البدل، تقول: هذا بهذا، وبمعنى في تقول: زيد بمصر أي في مصر.
وهذه كلها عندي أمور تتفاوت، وإنما هذا من القوم اتساع في العبارات، وإلا فزيد بمصر، فيه معنى التعلق والالتصاق، وكذلك جاء متسلحا، وكذلك هذا بهذا فيه تعلق معلوم، فلم تخرج هذه الأنواع عما قدمناه.
وأما تأويل الشافعي قوله تعالى: (ومنهم من إن تأمنه بدينار) على أن المعنى: تأمنه على دينار، ورأى أن حرف الباء يرد بمعنى على، وكذلك تأويل سيبويه قوله تعالى (ولم أكن بدعائك رب شقيا) أن الباء تكون بمعنى لأجل، وتقدير الكلام: ولم أكن لأجل دعائك رب شقيا، وقول غيره: إن الباء هاهنا بمعنى في، فالمعنى في دعائك رب شقيا، فإن هذا من باب إبدال حروف الجر، بعضها ببعض.
وقد ذكر ابن جني في كتابه المترجم: بالخصائص، وهو من أعيان كتبه، فصلا كشف فيه سرا من أسرار العربية، وأغرب فيه، وذلك أنه أشار فيه، أن إبدال حرف بحرف جزء آخر لا سبيل إلى إطلاق القول به، لما يقتضيه من إفساد الكلام، وتثبيج النظام، ولا وه لإنكاره، مع وجوده في الكلام الفصيح، فالواجب وضع قانون يعلم منه ما يحسن من هذا الإبدال، وما لا يحسن، فالعرب تحرص على الاختصار في الألفاظ، وتوفير المعاني، فربما كان الفعل الواحد يعبر عنه بصيغتي مختلفتين تتعدى إحداهما بحرف، وتتعدى الأخرى بحرف آخر خلافه، فقد تورد إحدى الصيغتين، وتعديها بحرف الصيغة الأخرى، ليشعر سامع الخطاب بالفعل المحذوف، فيكون كالسامع للصيغتين معا.
ألا ترى قوله سبحانه: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) والرفث: الجماع، كما أن الإفضاء هو الجماع، لكن الإفضاء يتعدى بحرف إلى، تقول: أفضيت إلى المرأة، ورفثت بالمرأة، فلما ذكر الرفث، ترك حرفه الذي يتعدى به، وعدي بحرف إلى، الذي هو مختص بالإفضاء ليشعر السامع أن الرفث هاهنا هو الإفضاء المحذوف ذكره، فكأنه قال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، والإفضاء إلى نسائكم، فأتى بقول
стр. 116
وجيز، ليدل على قول أطول منه، وهكذا قوله تعالى: (هل لك ...) (ل ...) أن تزكي (لاد ... تك) إلى كذا، وهل لك في كذا فعدي بحرف إلى (...) (ص ٦١) من زمن الطفولة لم أطالعه بعدها، ولم أعثر على الكتاب من ذلك الزمن إلى الآن، ولم أتمكن من نسخة أطالع هذا الفصل فيها، لكن هذا الذي أوردت هو علق بحفظي من القديم، فإن اتفق فيه بسط أو إحجاب فبمقتضى طول العهد.
وإنما ذكرت هذا كالمعتذر عن نقل كلامه في هذا، أوردناه من قوله تعالى: (ومنهم من إن تأمنه بدينار)، وقوله: (من إن تأمنه بقنطار)، وقوله تعالى: (بدعائك رب شقيا) إن كان تكلم على هاتين الآيتين في هذا الكتاب.
لكن يظهر لي الآن في قوله تعالى: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) أن الباء هاهنا، ربما أبقيت على أصلها، ويكون التقدير: ولم أكن شقيا بدعائك، أي ما شقيت بالدعاء، فتكون الباء هاهنا متعلقة بالشقاوة، وهذا التعلق معقول المعنى خارج مما قدمناه، فإن كان سيبويه أراد بقوله: من أجل دعائك رب شقيا، هذا المعنى، أي ما شقيت بسبب هذا الدعاء، فالباء لا حاجة بنا إلى إخراجها عن معنى موضوعها، وإن كان أراد أن الشقاوة ارتفعت عني لأجل دعائك، وهو الأظهر في التأويل، وفي تقدير معنى التعلق والإلصاق هاهنا غموض، يفتقر إلى عبارة مبسوطة، ولكن محصولها المعنى الذي عبر عنه سيبويه.
وكذلك قوله تعالى: (من إن تأمنه بدينار)، فإن في معنى الإئتمان، والإلصاق الأمانة بالمؤتمن، وإلزامه له، وهذا المعنى هو معنى الحرف، فيحسن أيضا وضع صيغة تقتضي هذا المعنى، ويجري في هذه المعاني على طريقة ابن جني، ما أمكن الجري عليها، فإنها من ملحه.
[حرف الواو]
وأما حرف الواو فالكلام عليه من ثلاثة أوجه:
стр. 117
- فائدته.
- وأقسامه.
- والاستدلال على المذاهب فيه.
فأما فائدته، فإن الفقهاء مختلفون في ترتيب الوضوء، هل هو مستحب، أو مستحق، فالمشهور من مذهبنا أنه مستحب، وعند الشافعي أنه مستحق، وشذ بعض فأوجب على متعمد التنكيس للوضوء إعادة صلاته أبدا، وهذا قد يشعر بموافقته للشافعي في إيجاب الترتيب، لكنه قد يكون بناه على القول بأن تارك السنن تعمدا يبطل العبادة، وهو أحد القولين عندنا في هذا الأصل.
فمن زعم أن الواو في اللسان موضوعة للترتيب، اقتضت الآية عنده غسل الذراعين بعدا لوجه، لعطف الذراعين على الوجه بحرف الواو.
ومن أنكر وضعها للترتيب لم يسلم هذا الاستدلال، وكذلك إذا قال الرجل لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وأنت طالق، كلاما نسقا، متصلا بعضه ببعض، ففي إلزامه الطلقة الثانية اختلاف بين العلماء، وقد ذكرنا سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، ومذاهب اصحابنا فيها، فيما أمليناه في الفقه، فمن يرى أالواو مرتبة ينكر إلزام الطلقة الثانية، لأن مقتضى الترتيب إيقاع الطلقة الثانية بعد استقرار الأولى، ومن ينكر الترتيب، ويراها للجمع يوجب الطلقة الثانية، كما أوجب الأولى، لأن حرف الواو هاهنا، لم يوجب للطلقة الأولى رتبة على الثانية، فلما وجبت الأولى، وجبت الثانية، لاستوائهما في الرتبة، واستقصاء ما يتعلق بهذا المعنى من المسائل الفقهية يخرج عن غرض الكتاب.
وأما أقسامها، فإنها تقع على عشرة أنحاء:
تكون عاطفة، كقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات) الآية، وفيها عطف بحرف الواو تسعة عشر موضوعا.
وتقع بمعنى "أو" عند قوم من أئمتنا، واستدلوا بقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) على جهة التخيير في هذه الجمل، ولو كانت هاهنا ليست بمعنى أو، لأبحنا للإنسان نكاح تسعة، [كما] قال داود تعلقا بالظاهر من معنى حرف الواو، وقد ورد عليه بأنه لو كان المراد ما تأول لقال: فانكحوا تسعا، إذ لا يقول من العرب في
стр. 118
العبارة عن تسع، اثنان، وثلاث، ورباع. وأنكر البصريون من النحاة ورود الواو بمعنى أو.
وترد الواو أيضًا بمعنى الحال كقوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)، فأعرب الطائفة الثانية بالواو، ولم يعطها على إعراب الطائفة الأولى، التي [إعرابها] بالنصب (...) هنا بالواو، ومعنى [الآية] كأنه يقول: إذ طائفة مثلا [قد أهمتهم]، أي أنزل عليكم الأمنة في حال هذه الطائفة [أهمتهم أنفسهم].
وترد أيضا بمعنى ["مع" كما تقول] استوى بالماء والخشبة] (ص ٦٢).
وترد بمعنى الباء كقولك: مازال زيد وعمرو حتى أعطاه، ومعناه زيد بعمرو.
وترد أيضا بمعنى الجواب كقول الله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) فالواو في قوله: (ويعلم الصابرين) ليست على جهة العطف الذي قدمناه في أول الأقسام، وإنما هي بمعنى الجواب.
وترد أيضًا بمعنى القسم، قال الله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين). وترد إلى الاستئناف أيضا كقوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه) فالمراد: فلما أسلما وتله للجبين ناديناه، وكقوله: (ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) فالمراد: ضياء وذكرا.
وأما الاستدلال على كون العاطفة مرتبة أو جامعة، فإن الشافعية تستند إلى قول إمامهم لكونه عندهم من أئمة اللغة، وتستدل بقوله ﵇، في الصفا والمروة: "نبدأ بما بدأ الله به"، فأشار إلى وجوب الترتيب، وأن المبدأ مقدم على عطف عليه بحرف الواو.
فأما تعويلهم على إمامهم فلا حجة لهم به لأنه صاحب مذهب، يبني آراءه على ما
стр. 119
يتأول، ويستنبط، ولا حجة باستنباطه على فقيه غيره، وأما الحديث فليس بتصريح باقتضاء الواو الترتيب، وإنما تضمن البيان عن حكم الشرع في البداية بالصفا، فعبر عن قوله: ابدأوا بالصفا، بأن قال نبدأ بما بدأ الله به، ولو كانت تقتضي الترتيب لم تفتقر إلى أن ينبههم على وجوب البداية بالصفا لأن لسانهم لا يفتقرون فيه إلى تعليم وبيان، وإنما يبين لهم المراد بالمشكل المحتمل.
وأما المنكرون للترتيب فإنهم يعتمدون على حسن دخول حرف الواو في باب المفاعلة، لأنك تقول تضارب زيد وعمرو، ولا يحسن أن تقول تضارب زيد فعمرو، ولا تضارب زيد ثم عمرو، لما في هذا من التناقض، لأن قولك تضارب يقتضي وجود المضاربة من هذا وهذا في حالة واحدة، وقولك: تضارب زيد ثم عمرو يقتضي ضرب زيد لعمرو فحصل الكلام متناقضا، فلهذا قبح، فلو كانت الواو تفيد ترتيبا لقبحت العبارة هاهنا أيضا، لأجل ما تضمنه [ذلك] من التناقض.
واستدلوا أيضًا بأن من قال: جاءني الزيدون كان الأصل فيه: جاءني زيد وزيد وزيد، فلما قبح عندهم هذا التكرير، ورأوه عيا اختصروا فقالوا: جاءني الزيدون، فكأن الواو في قولك: زيد وزيد وزيد هي الواو في قولك: الزيدون فلما كانت الواو في قولك: الزيدون لا تفيد ترتيبا بإجماع، فكذلك لا تفيد ترتيبا في قولك: زيد وزيد وزيد.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) وفي آية أخرى: (وقولا حطة وادخلوا الباب سجدا)، فلو كانت الواو تتضمن ترتيبا، القصة واحدة لم لم يحسن تقديم السجود على القول، والقول على السجود مرة أخرى لأن الواو يوجب فعل أحدهما قبل الآخر، فإذا قدم هذا على هذا مرة، وهذا على هذا مرة أخرى، بطل الترتيب المستفاد، ولم يصح ذلك إلا أن يكون أمرا لفئتين، أو لفئة واحدة في زمنين مختلفين.
وأنكر أبو المعالي على من قال إنها وضعت للجمع، فأنا نعلم أن القائل: جاءني زيد وعمرو، فلا تفهم العرب عنه أنهما جاءاه معا، بل يحتمل قوله أن يجيئاه معا، أو يجيء واحد، بعد واحد، وهذا منه ظن بالفقهاء أنهم أرادوا بقولهم: ترد للجمع هذا المعنى الذي أشار إليه، وأفسده عليهم، وأظن أنهم ما أراده، وإنما أرادوا بالجمع أنهما اجتمعا في المجيء مع احتمال أن يكون جاءا معا، أو مفترقين، وقد ذكر بعض المصنفين المحققين أن الواو إنما وردت للجمع، وفسر الجمع بالاحتمال الذي قلناه.
وأما إشارة أبي المعالي إلى أنها ترد للجمع على غير هذا القصد، والغرض كقولهم:
стр. 120
لا تأكل السمك، وتشرب اللبن، فإن المراد النهي عن الجمع بين السمك واللبن، ولكن هذا الجمع ليس هو الجمع الذي يشير إليه من تكلم على الواو العاطفة ومتى أراد هذا القائل بهذا الكلام العطف، والنهي عن تناول السمك وتناول اللبن، قال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فيكون الإعراب يختلف المعنى باختلافه.
فإذا قال: وتشرب اللبن بفتح الباء، كان نهيا عن الجمع بينهما، ويكون الانتصاب في: تشرب بمعنى تقدير حرف أن، وإذا أراد النهي عن أكل كل واحد منهما كسر الباء، فكأنه قال: لا تأكل اسمك وتشرب اللبن، وقد يرفع الباء أيضا، ويكون تقدير الكلام: لا تأكل السمك شاربا للبن، يعني لا تأكله على هذه الحالة بمنزلة من يمضغ المطعوم، هوه (...) الماء.
[حرف الفاء]
وأما حرف الفاء فإن الأصل فيه إذا ورد للنسق والعطف للتعقيب من غير تراخ، كقولك (ص ٦٣) جاءني زيد فعمرو.
وترد أيضا للتسبيب والتعليق كالجزاء والشرط. والتسبيب هاهنا يسمى التعقيب كقولك: إن أحسنت إلىّ فأنا أشكرك، فهذه الفاء دخلت في المجازاة، والإحسان بسبب الشكر، والشكر متعلق بالإحسان، وكذلك الشرط والمشروط كله، ومنه قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هادي له)، وأنكر القاضي كونها للتعقيب إذا وقعت في جواب الأمر والنهي.
ودافع المعتزلة عن الاستدلال على خلق القرآن بقوله تعالى: (كن فيكون)، وأن الفاء هاهنا للتعقيب من غير تراخ، ولا مهلة، وإذا كان الكائن الحادث عقيب القول: كن، من غير تراخ ولا مهلة، اقتضى ذلك حدث القول الذي هو: كن، فاشتد نكير القاضي لكون الفاء تقتضي التعقيب، في مثل هذا، ورأى أنها إنما تقتضيه في النسق والعطف، وليس هذا منه.
وهذه إحدى الفوائد في الكلام على هذا الحرف، وكذلك أيضا استدلال من
стр. 121
استدل على وجوب الترتيب بقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا)، ورأى أن الفاء، هاهنا للتعقيب، لأن هذا من باب الشرط والمشروط، وإذا أفادت تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه منعت أن يقدم قبل الوجه عضو آخر سواه، لأن تقدمة عضو آخر عليه، يمنع من كون الوجه مغسولا عقيب القيام إلى الصلاة، وإذا ثبت البداية بالوجه فقد ثبت له الترتيب، وإذا ثبت الترتيب في عضو واحد ثبت في سائر الأعضاء، إذ لا أحد يفرق بينها في هذا الحكم.
وترد الفاء أيضا زائدة، وأنشدوا في هذا:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ...............................
وأنشدوا أيضا:
.................................. وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
[حرف "ثم "]
وأما حرف "ثم" فإنها تفيد الترتيب مع تراخ، ومهلة، وزعم بعض الأئمة أنها ترد بمعنى الواو، وتأول قوله تعالى: (ثم استوى على العرش)،وقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء)، وقوله: (ثم الله شهيد على ما يفعلون) على أنها في هذه الآي بمعنى الواو، ويضطره إلى هذا التأويل في الاستواء، أن الاستواء صفة ذات، وصفة الذات قديمة، والتعقب بالتراخي والمهلة لا يوصف به القديم.
وأما من يذهب إلى أن الاستواء صفة فعل، فلا يضطر إلى هذا التأويل، لأن أفعال الباري قد يتعقب بعضها بعضا، وقد تأول أن المراد بالاستواء هاهنا الإشعار بأنه تعالى فرغ من إكمال الخليقة وأمر، ونهي، وكلف، ثم استوى على العرش، والمراد الإشارة إلى ما قلناه من إكمال ما ذكرناه، وهذا المعنى يصح فيه التعقب، وبسط الكلام على هذه الآي، واستقصاء ما قيل فيها من التأويلات ليس هذا موضعه.
[لفظه "ما "]
وأما لفظة ما فإنها على نوعين: اسمية، وحرفية:
стр. 122
فالحرفية خمسة أنحاء: نافية، وكافة، وزائدة، ومسلطة، ومغيرة.
فأما النافية فإنها تدخل على الاسم كقولك: ما زيد قائم، وعلى الفعل، كقولك: ما قام زيد، وهي إذا دخلت على الاسم الذي هو مبتدأ له خبر، فيها اختلاف بين الحجازيين والتميميين، فالحجازيون يجرونها مجرى ليس، فيرفعون بها الاسم، وينصبون الخبر، وبهذا نزل القرآن، قال تعالى: (ما هذا بشرا)، فنصب خبرها، وقال تعالى: (ما هن أمهاتكم)، فنصب أيضا الأمهات، بكون الكسرة علامة للنصب، والتميميون يلغونها، ووجه الإعراب عندهم: "ما هذا بشر"، "ما هن أماتهم" برفع التاء في الأمهات.
وأما الكافة فتدخل على: إن، وليت، ولعل، وكأن، فتقول: إنما، ليتما، لعلما، كأنما، فيبطل ما عمل ما اتصلت به من هذه الحروف.
وأما الزائدة فكقوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم).
وأما المسلطة فكقولك: حيثما تكن أكن، إن حيث لو تجردت من ما لم تجزم تكن، فلما اتصل بها حرف ما سلطها على جزم هذا الفعل، فكأنه سلطها العمل، بما أحدث فهيا من معنى الشرط.
وأما المغيرة، فكقوله تعالى: (لو ما تأتينا بالملائكة) فإن حرف لو إنما وضع ليدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، وهي في هذه الآية للتحضيض، فمعنى: (لو ما تأتينا بالملائكة) هلا تأتينا بالملائكة.
وأما الاسمية فخمسة أنحاء أيضا:
شرطية كقولك: ما تفعل أفعل.
وتعجبية كقولك: ما أحسن زيدا.
واستفهامية كقولك، ما عندك؟
وموصولة، تكون بمعنى الذي كقولك: ما يعطيني أتصدق به.
وموصوفة ولا تكون إلا نكرة كقول الشاعر:
ربما تجزع النفوس من ... الأمر له فرجه كحل العقال
و"ما" هاهنا نكرة لأنها دخل عليها حرف "ب"، وهو لا يدخل على المعارف، وقد عد في أقسامها مع ما ذكرناه الظرفية والمصدرية:
стр. 123
فالظرفية كقولك: آتيك ما أكرمتني، أي ما دمت مكرما لي.
والمصدرية كقوله تعالى: (والسماء وما بناها) تقديره: والسماء وبنائها، وفي مثل (ص ٦٤) هذا.
قال ابن جني إن المصدرية تكون اسما، وتكون حرفا، والأشهر أنها حرف، وألحق بعض الناس بهذين القسمين أيضا التعظيمية، والتحقيرية، كقولك في التعظيم: لأمر ما يسود من يسود. وقال الآخر:
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت من الجوانح
وفي الكتاب: (فغشيهم من اليم ما غشيهم) وكقوله في التحقير: لهذا الكلام وجه ما، وأعطى شيئا ما، فتكون أقسام حرف "ما" إذا جمعت هذه المذاهب بعضها لبعض أربعة عشر قسما.
[حرف "أو "]
وأما حرف أو فإنها ترد للشك وللتخيير، والإبهام، وترد بمعنى الواو عند قوم.
فأما التي للشك فكقولك: رأيت زيدا أو عمرا، وأنت شاك في الذي رأيت منهما.
وهكذا الأمر إذا كانت للإبهام، المعنى متقارب، ولهذا أسقط أبو المعالي في عد هذا قسما آخر، لأنك إذا علمت من رأيت منهما، وإنما أردت التلبيس على السامع، وألا تفيده علم من رأيت منهما، قلت له: رأيت زيدا أو عمرا، ليحصل السامع على شك استفاده من هذا الحرف، وإن كنت أنت على يقين، فصارت كأنها للشك على النحو الذي أشار أبو المعالي من تقدير الخطاب على حسب اعتقاد المخاطب السامع، وإذا كانت للشك فهي تضاهي حرف "ام"، إذا وقع للشك صحبه الاستفهام، تقول: أرأيت زيدا أم عمرا؟ ولا تقول: أرأيت زيدا أو عمرا.
والمشكك بحرف "أم" موقن" برؤية أحدهما شاك في عينه، والمشكك بحرف "أو" يمكن أن يكون كذلك، ويمكن أن يشك فيهما جميعا؛ هل رأى واحدا منهما، أو لم ير واحدا.
وأما كونها للتخيير فكقوله تعالى: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وكقولهم:
стр. 124
جالس الحسن أو ابن سيرين، والقصد هاهنا بذكر التخيير، وإباحة التنقل، من شخص إلى شخص، الإشعار بأمر السامع بمجالسة أهل الخير والرشاد، كما أن قوله تعالى: (ولا تطع منهم أثمًا أو كفورا) يتضمن هذا الإشعار النهي عن طاعة المضل، آثما كان، أو كفورا، فلهذا تناول النهي الآثم والكفور جميعا، حتى يقدر المعصية بطاعة أحدهما، ولا تحصل الطاعة إلا بمعصيتهما جميعا، بخلاف قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، فإن القصد الأمر بمجالسة أهل الخير، فإذا جلس إلى واحد، وترك الآخر، لم يكن عاصيا، لأنه لم يأمر هاهنا بما يتضمن الجمع، وهذا المعنى الذي نسلك في قوله تعالى: (عذرا أو نذرا).
وهذا التأويل يدفع حجة من احتج على أن أو تكون بمعنى الواو بهاتين الآيتين، لأن المراد لا تطع الآثم والكفور، وكذلك المراد (فالملقيات ذكرا* عذرا أو نذرا) كذلك احتجوا بقوله تعالى: (وأرسلناك إلى مائة ألف أو يزيدون)، وقوله تعالى: (لعلة يتذكر أو يخشى) وقوله تعالى: (لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا) وقوله تعالى: (قاب قوسين أو أدنى) وقوله تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) إن الآي محمولة عند هؤلاء على أن حرف أو يها بمعنى الواو، فالمراد: مائة ألف ويزيدون، وكذلك المراد بقوله: (إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، وكذلك المراد (فكان قاب قوسين أو أدنى).
واضطر هؤلاء، إلى هذا التأويل أن الله سبحانه لا يترجى، لعلمه بالعواقب، وإنما يترجى من لا يعلمها، والجواب العام عن كل ما قالوه، وتمسكوا به، من هذه الآي أن الخطاب في جميعها إنما ورد بألفاظ صيغت على حسب فهم المخاطب فكأنه تعالى يقول: إن قوم يونس لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو يزيدون، على جهة التشكيك من المخلوقين، لا من الخالق، جلت قدرته.
وهذا كأحد التأويلات في قوله تعالى: (وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أن المراد أنه أهون فيما اعتاده المخلوقون، لأن إعادة الأفعال أسهل من ابتدائها، لأنه قد قيل في قوله: (مائة ألف أو يزيدون) أن المراد هاهنا الإبهام على السامعين.
وقد ذكرنا أن أحد أقسام هذا الحرف الإبهام ولكنا أشرنا إلى أن هذا يرجع إلى
стр. 125
الجواب الذي نحن فيه، وهو تنزيل الخطاب على حساب فهم المخاطب، وقيل أيضا في قوله تعالى: (وهو أهون عليه) أن الضمير عائد على المخلوق، لأن الإنسان يندرج في هذه الفطرة الأولى، من حال إلى حال، ويشق عليه ما يلقى فيها من انتقال، وتدريج، كانتقاله من رضاع إلى فطام و (...) فطرة الآخرة نشأة واحدة، لا يكابد فيها الإنسان من تغيير الأحوال ما يكابد في دار الانتقال، وقيل أيضا إن أهون هاهنا (ص ٦٥) بمعنى هين، وتقدير الكلام: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو هين عليه، فلا يثبت مع هذا التأويل مفاضلة تشعر بمشاق يتقدس عنها الخلاق.
وقد ذكر الزجاج طريقة أخرى في الاعتذار عن قوله: (أثمًا أو كفورا) ورأى أن ذلك خرج مخرج التأكيد، لا مخرج التعديد والآثم هو الكفور.
وقد ألحق بما ذكرناه من معاني أو، معنى آخر وهو أن يكون بمعنى "إلى" [مثل] أن يقول لا أفارقك أو تقتضي حقي، معناه لألزمتك إلى أن تقتضيني حقي.
[حرف "هل "]
وأما حرف هل فترد على ثلاثة أنحاء:
للاستفهام، ويليه الاسم أو الفعل، تقول: هل قعد زيد؟ وهل زيد قائم؟ وبمعنى قد، وعليه يحمل قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر)، معناه قد أتى.
وبمعنى التقرير كقوله تعالى: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) وعندي أن الآية التي استشهد للناس بها على أن "هل" بمعنى قد ترجع إلى هذا القسم الآخر، وهو التنبيه والتقرير، ويكون القصد بها تنبيه الإنسان على ابتداء فطرته، واختراعه، ثم تدريجه في الفطرة، ليعتبر بذلك، ويعلم منه أنه مخلوق مربوب.
فإن أدخلت على حرف "هل" "لا"، صارت للتحضيض، تقول: هلا زرتني، هلا أعطيتني، والمراد الحث، والتحضيض.
[حرف "لا "]
وأما حرف "لا"، فإنه للنفي، وقد يكون القصد بها التبرئة، واستغراق الجنس، تقول: لا رجل في الدار فإذا وصل بالنكرة المفردة بنيت على الفتح قال تعالى: (لا بيع فيه
стр. 126
ولا خلة ولا شفاعة)، وقال: (فلا رفث ولا فسوق) فبنيت كل واحدة من هذه النكرات الست على الفتح، لما صحبها حرف "لا"، وإنما تبنى مع الاتصال، لا مع الانفصال، ألا ترى قوله سحبانه: (لا فيها غول) رفع غول، لما حال بينه وبني حرف لا، حرف الجر، وما اتصل به من ضمير، ولو كان الذي وليها مضافا، لم يكن مبنيا، تقول: لا غلام زيد يطيعه، ولا صحاب امرأة يحسن إليها.
وقد ترد لا زائدة، مقحمة قال تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك)، وهو سبحانه إنما أمر إبليس بالسجود، وعلى تركه وبخه، فكان الأصل فيه أن يقول: ما منعك أن تسجد؟ كما قال في بعض الآي: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) فلا، مزيدة في الآي التي فيها أن لا تسجد، لأن ظاهر هذا أنه إنما وبخه على السجود، لا على تركه، ألا تراه قال: (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك) فكأنه يقول: ما منعك أن تترك السجود؟
وهذا لا يصح أن يراد، لأن إبليس قد ترك السجود وكان عاصيا في تركه، لا في فعله، إذ بفعله أمر، لا بتركه، لكن حسن دخول هذا الحرف هاهنا، ما انطوى عليه الكلام من النفي، لأن الامتناع من الفعل يتضمن انتفاء الفعل، وحرف لا يتضمن الانتفاء، فكأنه أقحم هاهنا، وزيد ليؤكد ما انطوى الكلام عليه من معنى النفي، فصار كقوله: ما منعك بتكرير هذا اللفظ مرتين أن تسد، وناب حرف لا في تأكيد معنى: ما منعك بتكرير لفظه عن تكريره لما أشعر بمعناه من النفي الذي ذكرناه
وهذا أيضا هو ما قدمناه عن ابن جني في إبدال حروف الجر بعضها من بعض وإنما اشترط كون الحرف المثبت يشعر بمعنى فعل محذوف آخر، يسد مسد الفعل المثبت. فهذا الذي أشار إليه، وقد بسطناه فيما تقدم، وهو من هذا الأسلوب الذي نحن فيه.
وقد اشترط أبو المعالي أنها لا تزاد إلا بهذه الشريطة، وهي تأكيد معنى النفي الذي النطوى عليه سياق الكلام، وأبان عن حصول هذا المعنى في قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك)، لكنه قد يطالب بإبراز مثل هذا المعنى في قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب
стр. 127
أن لا يقدرون على شيء من فضل الله) الآية، وما قبلها، والمراد أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالتقوى ليؤتيهم كفلين من رحمته، ويجعل لهم نورا يمشون به، ليعلم الكفار أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، فإدخال حرف "لا"، هاهنا على جهة الزيادة.
وعندي أن لأبي المعالي أن يقول، في هذه المطالبة: قد أشعر الكلام أيضا بمعنى النفي، لأن إذا كان المقصد إكرام المؤمنين ليعلم الكفار هوانهم، فهم الآن غير عالمين بهوانهم، فقد تضمن سياق الخطاب الإشعار بانتفاء العلم عنهم، وحرف لا للنفي، ووروده هاهنا مشعر أيضا بما انطوى عليه الخطاب من النفي الذي قرررناه.
وقد ألحق بعض الناس أقساما أخر، في هذا الحرف فقال:
يكون للنهي كقوله: (لا تقربوا).
وللدعاء كقوله: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به).
وللعطف كقولهم: جاء زيد لا عمرو.
ولكنه قد يكون من أخل بذكر هذه الأقسام رآها يتصور فيها معنى النفي، فاستغنى بعد النفي عن تعديدها.
[حرف "لو "]
وأما حرف "لو" فإنه يمتنع به الشيء لامتناع غيره، تقول: لو زرتني لزرتك، فالزيارة امتنعت من القائل لامتناعها من المخاطب. لكن هذا الحرف يتغير معناه بما يضاف إليه، فإن أضيف (ص ٦٦) إليه حرف لا صار للتخضيض في بعض مجاريه، قال تعالى: (لولا أنزل إليه ملك) معناه هلا تأتينا بالملائكة
وإن أضيف إليه حرف "ما" كانت بهذا المعنى قال تعالى: (لو ما تأتينا بالملائكة) معناه هلا تأتينا بالملائكة.
وإن أضيف إليه حرف "لم" انعكس المعنى، وصار الامتناع لوجوده، لا لامتناعه فإن
стр. 128
أثبتت في الفعلين جميعا، اقتضى ذلك وجودهما، تقول: لو لم تزرني لم أزرك، فالزيارتان وجدتا، وإن انتفى فيهما جميعا، لم يوجد الفعلان، تقول لوزرتني لزرتك، فالزيارتان مفقودتان، وإن ثبت في الأول، خاصة كان الأول هو الموجود دون الثاني، تقول: لو لم تزرني لزرتك، فالقائل قد زاره صاحبه، وهو لم يزره، وإن وجدت في الثاني دون الأول، كان الثاني هو الموجود، تقول: لو زرتني لم أزرك، فالقائل قد زار، وهو لم يزر.
وقد ترد لو بمعنى "إن"، قال تعالى: (ولو أعجبكم)، معناه وإن أعجبكم.
وقد ترد للتعليل، قال ﵇: "اتقوا النار، ولو بشق تمرة"، وقال في حديث آخر في الصداق: "ولو خاتم من حديد".
[حرف "لولا "]
وأما حرف "لولا" فإنه يمتنع في الشيء لوجود غيره، تقول: لولا مجيئك إلي لجئتك.
وترد للتخضيض، وقد قدمناه.
[حرف "مِن "]
وأما "مِنْ" فإنها ترد للتبعيض، تقول: أخذت من الكيس درهما.
ولابتداء الغاية، تقول: سرت من البصرة إلى الكوفة.
ولبيان الجنس، تقول: ثوب من خز، وخاتم من فضة، قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان).
وترد مزيدة لتشعر بالتعميم، والاستغراق، ذكر سيبوية أنك إذا قلت: ما جاءني رجل، فقد تقرر أنك إنما أردت نفي مجيء رجل واحد، لا رجلين، أو رجال. فإذا قلت ما جاءني من أحد نفيت هذا التقدير، وأشعرت بأنه لم يأتك رجل، ولا رجلان، ولا رجال، لكن سيبويه قصر الزيادة على النفي، ولم يجزها في الإيجاب.
стр. 129
فإن احتج عليه بقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم)، قال من الصيد ما يحرم على الصائد، وهو دمه، فقد حصل فيه معنى التبعيض، وإن سئل عن قوله: (ويكفر عنكم من سيئاتكم) فعندي أنه قد يجيب عنه بأن من السيئات ما لا يكفر أصلا، وهو الكفر الموافي عليه.
ومن الناس من يجيز زيادتها في الواجب والإثبات، فيحمل قوله تعالى: (مما أمسكن عليكم)، وقوله: (من سيئاتكم) على أنها مزيدة.
وأما قوله تعالى: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) فواضح حمل من الأولى على ابتداء الغاية، والمراد أن ابتداء إنزال الغيث من السماء. وأما الثانية، وهي قوله: (من جبال) فيحتمل وجهين:
- أحدهما: أن تكون لابتداء الغاية أيضا، فيكون ذكر غاية بعد غاية، كما تقول: خرجت من المدينة، من داري إلى البصرة.
- ويحتمل أن تكون للتبعيض، على أن يكون قوله: (من برد) بيانا لجنس الجبال، وأنها من برد، فكأنه يقول: من جبال في السماء هي برد، فيكون الإنزال بعض هذه الجبال
وأما من الثالثة، وهي قوله: (من برد) فتأويلها يستند إلى ما قدمناه، من التردد في قوله (من جبال)، فإن قلنا إن الجبال برد، كانت من الثالثة لبيان الجنس، لأنها أفادت كون الجبال جنسا مخصوصا، وإن قلنا إن قوله (من جبال) ابتداء غاية ثانية، كان قوله: (من برد) للتبعيض، فكأنه يقول: أنزلت من الجبال من البرد.
وقد قيل: قد تكون من بمعنى "علي"، قال الله تعالى: (ونصرناه من القوم) معناه: على القوم، وقد قدمنا نحن من الكلام على إبدال حروف الجر، ما يعلم منه حقيقة هذا، وقد قيل: إنها تكون فعلية، كقولك من يا هذا، إذا أمرته، من المين، وهو الكذب.
وإنما ذكرنا هذا ليتدرب منه على تصور المعاني التي قدمناها.
[حرف "عن "]
وأما حرف "عن" فإنه قد تكون اسما، تقول: أخذت من عن الفرس جله، فلو كانت "عن" هاهنا حرفا لما دخل عليه حرف الجر الذي هو "من".
وقد تكون بمعنى "من" وتفارقها في بعض المجاري، لأن "من" تفيد التبعيض
стр. 130
والانفصال، و"عن" لا تفيد ذلك، ولهذا اختصت الأحاديث بالعنعنة، فتقول: حدثني فلان عن فلان.
[حرف "إلى "]
وأما حرف "إلى" فإنه يرد للغاية تقول: سرت من الكوفة إلى البصرة، ولكن يقع الإشكال في الغاية هل هي بحكم ما قبل حرف إلى، أو بخلاف حكم ما قبله؟ فرأى سيبويه أن هذا الحرف إذا صحبه من، اقتضى ذلك كونه الغاية والمبدأ غير داخلين في حكم المنطوق به، فإذا قلت: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، لم تدخل الشجرتان في البيع، وكأنه قدر أن غاية الشيء هي نهايته المميزة له مما بعده.
وهذه الحقيقة (...) في دخول الغاية فيما قبلها، لأنها لو دخلت فيما قبلها لصارت من جملة الأجزاء، فلم يقع التمييز، وبطل معنى الغاية، لكنه (ص ٦٧) لا يتحقق إلى القصد بها ما وضعت له من الدلالة على الغاية إلا بأن يصاحبها حرف من، لأن حرف من يقتضي ابتداء الغاية كما تقدم، ومن أشعرك بابتداء أمر، أشعر بآخره، فكأنه رأى حرف من قرينة تقتضي أن حرف إلى لم يرد به معنى آخر غير معنى الغاية، فإذا لم يصاحب إلى حرف من، صار محتملا هل يكون المراد به الغاية، فيعطي حكمها الذي تقدم، أو يراد به معنى مع فيكون ما بعد حرف إلى مضافا إلى ما قبله، ومنضما إليه، كما يقتضي ذلك حرف مع، ويفتقر حينئذ السامع إلى بيان المراد من الغاية هل هي داخلة فيما قبلها أو لا؟
وأما غير سيبويه من أئمة اللغة فإنما استدل على المعنى الذي نحا إليه سيبويه بطريقة أخرى، فرأى أن ما بعد الغاية إذا كان مجانسا لما قبلها اقتضى التجانس التداخل، وقضى بكون ما بعد إلى داخلا فيما قبله كقوله: بعتك هذا الثوب من الطرف إلى الطرف، حتى إذا كان ما بعد الغاية مخالفا لما قبلها لم يدخل فيما قبل، لو قلت: بعتك هذه الأرض إلى الشجرة، لم تدخل الشجرة في البيع، لكونها ليست من الأجزاء المشابهة لأجزاء الأرض، فكأنه استدل بالمشابهة والمخالفة عن قصد المتكلم.
وبالجملة فإن هذا أمر يفتقر إلى نقل عن العرب، والتعويل فيه على مثل هذا الاستدلال ضعيف، نعم، لا ينكر كون العرف يجري بين بعض المخاطبين في هذا المعنى، ما يستدل عليه بنحو هذه الطريقة. وأما إضافة هذا إلى أهل اللغة، بمثل هذا الاستدلال فجانب للتحقيق.
стр. 131
وقد ترد إلى بمعنى "مع"، قال تعالى: (من أنصاري إلى الله) يعني مع الله، وقال تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) بمعنى مع أموالكم، وقد قيل في هذه الآية إن فيها معنى الغاية، وأن المراد لا تتلفوا أموالكم، وتبلغوا في إتلافها إلى الحاجة إلى أكل مال اليتيم، وقد كنا نحن قدمنا عن ابن جني في إبدال هذه الحروف طريقة بيناها، فمن تأملها نظر في استعمالها في مثل هذه المواضع.
وقد قيل ترد إلى بمعنى "في" كقوله تعالى: (هل لك إلى أن تزكى) معناه هل لك في أن تزكى؟، لأنه لا يقال: هل لك إلى كذا، وإنما يقال هل لك في كذا، وذكرنا نحن فيما تقدم عن ابن جني تقرير معنى هذا الإبدال، وأنه إنما حسن هاهنا، لأن معنى "هل" لك في هذا الموضع: أدعوك، فكأنه قال: أدعوك إلى أن تزكى.
[حرف "مذ" و"منذ "]
وأما "مذ" و"منذ" فإنهما لابتداء غاية الزمان، كما أن من لابتداء غاية المكان.
وقد ترد من لابتداء غاية الزمان، لأنك تقول: سرت من البصرة إلى الكوفة، ومن الجمعة إلى الجمعة، لكون استعمال "مذ" و"منذ" في الزمان أفصح من استعمال "من" فيه، فقولك: منذ الجمعة أفصح من قولك: من الجمعة.
والأظهر في "مذ" أنها اسم، لدخول الحذف فيها، والحذف لا يكون في الحروف، وإنما يكون في الأسماء، والأظهر في "منذ" أنها حرف، إذ لا حذف فيها.
[حرف "على "]
وأما "على" فتكون حرفا، تقول: لي على زيد مال.
وتكون اسما، تقول: أخذت من على فلان ثوبه، وينشد في هذا البيت المشهور: غدت من عليه بعد ما تم ضمتها .................. وتكون فعلا، ومنه: علا يعلو، قال تعالى: (ولعلا بعضهم على بعض).
[حرف "حتى "]
وأما حرف "حتى" فإنها ترد لأنحاء شتى:
стр. 132
ترد بمعنى "إلى" فتنخفض ما بعدها من الأسماء، تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، معناه إلى رأسها، فيكون رأسها غير مأكول، على مقتضى حكم الغاية، وأنها هاهنا في مثل هذا المكان تشعر بأن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها، قال تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر).
وترد ناصبة، فتكون حينئذ بمعنى كي، إذا [كان] ما بعدها مستندا إلى ما قبلها تقول: قمت حتى تقوم، وصليت حتى يغفر الله لي، وتكون هاهنا بمعنى "إلى أن"، تقول: تسير حتى تطلع الشمس، تقديره إلى أن تطلع الشمس. ولا يحسن التقدير هاهنا بحرف "كي"، لأن الشمس تطلع سواء سرت أو لم تسر، فلا يصح أن تجعل سيرك علة في طلوع الشمس.
وتكون رافعة إذا دخلت على فعل بمعنى الماضي أو الحال، وهي هاهنا حرف ابتداء، وقد قرئ في السبعة: (حتى يقول الرسول)، و (حتى يقول الرسول) بالرفع والنصب.
وأنشدوا أيضا:
فيا عجبا حتى كليب تسبني ... كان أباها نهشل أو مجاشع
فارتفع ما بعدها هاهنا، وإن كان اسما بحكم الابتداء، والبيت المشهور قد أنشد على الثلاث روايات:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
فأنشدوه بخفض الفعل على أن معنى حتى بمعنى "إلى"، [وبالنصب] فيكون بمعنى العطف، وهو أحد المواضع (ص ٦٨) الذي ترد له أنها تعطف ما بعدها على ما قبلها، وأنشدوه بالرفع على حكم المبتدأ الذي ذكرناه.
[حرف "إي "]
وأما حرف "إي" فمعناه: أجل، قال تعالى: (إي وربي).
[حرف "بل "]
وأما حرف "بل" فإنها للإضراب عن الأول، والإيجاب للثاني، تقول: جاءني زيد بل عمرو، فكأنك أضربت عن مجيء، زيد، وأثبت المجيء لعمرو.
стр. 133
وقد ترد لافتتاح الجمل، قال تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر* بل الذين كفروا في عزة وشقاق).
[حرف "نعم" و"بلى "]
وأما حرف "نعم" و"بلى" فإنهما للمجاوبة، وتكسر العين من نعم، وتفتح، وقد قرئ في السبع: (قالوا نعم) بفتح العين وكسرها.
لكن "نعم" تكون جوابا في النفي والإثبات، وتصديقا للخبر على ما هو عليه، وأما "بلى" فإنما يجاوب بها في النفي، ويكون معناه حينئذ إيجاب النفي. قال تعالى: ألست بربكم قالوا بلى) فقوله: (ألست بربكم) بحرف الاستفهام جوزته صورة النفي للربوبية، فلو قالوا جوابا عن هذا: نعم، قال سيبويه لكفروا، لأنهم يصدقون بقولهم: نعم، نفي الربوبية، ولكنهم قالوا: بلى، وهي موضوعة لإيجاب ما نفي، فاقتضت إيجاب الربوببية، وإثباتها.
[لفظة "مَن "]
وأما "من" فإنها تكون اسما بمعنى الخير، تقول: أعجبني من عندك.
وتكون استفهاما، تقول: من عندك؟
وتكون شرطا، تقول: من جاءني أكرمه.
وقد تعلق بالنظر في معناها على الجملة أحكام شرعية، منها قوله ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه" الحديث، وفيه التنازع بين مالك والشافعي، هل المراد بهذا الحكم يكون السلب للقاتل ضربة لازم، أو المراد به تنفيله للقاتل، وليس بخير عن حكم الله سبحانه في ذلك؟
[حرف "إذا "]
وأما حرف إذا فإنها للجواب والجزاء، تقول لمن قال لك: أنا أزورك: إذا أكرمك.
وهي إنما تعمل بشرائط منها ألا يعتمد ما بعدها على ما قبلها كقولك: إني إذا أقوم، فهي هاهنا ملغاة لما توسطت بين حرف إن وخبرها.
وقد ذكر بقية أحكامها في كتب النحو، لكن ذكر ابن خويز منداد عن بعض أصحابنا
стр. 134
أنهم قالوا: في قوله ﵇: "إني إذا صائم" أنها هاهنا متوسطة ملغاة ويقتضي الخطاب أنه أسبق عقدة الصوم، وحاولوا بهذا الرد على من يقول يصح استئناف نية الصوم بعد الفجر، لأجل هذا الحديث، ودافعوه بهذا التأويل عن الاستدلال بهذا اللفظ، ورأوا أنه محمول على عقد صيام تقدم.
ولا أرى لما قالوا وجها، أما كونها هاهنا ملغاة فلا شك فيه، على ما قدمناه، لأنها حالت بين حرف إن واسمها، وبين الخبر، وهو قوله: صائم، وليس في إحالتها بين إن وخبرها، ولا في القول بإلغائها ما يقتضي بيان المراد بهذا القول، هل معناه أنه عقد الصوم الآن، أو سبق عقده فيه؟ وإنما هذا اسم فاعل، وهو قوله: صائم وقد يصح أن يكون مأخوذا من فعل الحال، فلا وجه لهذا الاستدلال الذي ذكروه.
وقد تقدم قولنا في أقسام الخطاب، من تنويعه، إلى الخبر والاستخبار وإلى غير ذلك، ونقلنا ما في ذلك من الخلاف، فأغني عن إعادته هاهنا، وبالله التوفيق.
стр. 135
كتاب الأوامر
القول في الأوامر يستدعي الكشف عن مائية الكلام بعبارتين مختلفتين:
- إحداهما تجري فيها مجرى الكشف بالتفصيل والتبيين، والعبارات الكاشفة للحقيقة، وإن لم يكن على شرط الحدود.
- والثانية الكشف على شريطة الحدود.
فأما الأول فإن الناس اختلفوا في مائية الكلام.
فقال النظام: هو جسم لطيف مسموع، يلج الهواء إذا انبعث من فم المتكلم، ولو جاء على جهة المداخلة من غير أن يستند بحيز، بناء منه على مذهبه الفاسد، في تجويز تداخل الجواهر، فإذا ولج في الهواء، ولج في المسامع، وهجم على الأرواح فأدرك.
واختلف قوله في حقيقة المدرك منه، فقال مرة: ذلك المنبعث بعينه يلج المسامع لا أكثر، وقال مرة أخرى لما علم أن مقتضى هذا الرأي ألا يسمع الكلام إلا الواحد الذي ولج الكلام في سمعه، أن الهواء يتشكل فيه أمثال ذلك الجسم الخارج من الفم، يتشكل من ذلك أعداد لا يعلم مبلغها إلا الله تعالى، فيلج في كل سمع، غير الذي ولج في سمع الآخر، وقال العلاف، وابن الجبائي وغيرهما: الكلام أصوات يقارنها حروف مسموعة، وهذه الحروف يقارن المكتوب منه والمحفوظ، إلا أنها غير مسموعة في الكتبة والحفظ.
وقال الجمهور من المعتزلة: الكلام هو الأصوات المقطعة ضربا من التقطيع، فالصوت الحاد (...) الطست، وما في معناه ليس بكلام وكلام الإنسان (...) طبع، ليس بكلام، لكنه جعلت له قدرة على تحريك (ص ٦٩) فمه بحسب ما شاء على أوضاع مختلفة، وتصاك بعض أجزاء الفم البعض الآخر، على نسبة مختلفة أيضا، فيكون
стр. 136
تسكين بعض تلك المخارج، وقطع التصويت منها حرفا إذا وقع على صفة مخصوصة معلومة، فهذا مائية الكلام عندهم.
ونحن لا ننكر ما قال هؤلاء من كون الصوت الممتد لا يكون كلاما، ومن كون التقطيع على نسبة معلومة يكون كلاما، لكنهم أنكروا كلاما سواه، وقلنا نحن بل هاهنا كلام سواه، هو الأصل، وهو الحديث النفسي، وما يجده الإنسان في نفسه من الخواطر والأحاديث الدائرة في قلبه، وهي عندنا تسمى كلاما على الحقيقة.
واختلف قول الأشعري في تسمية نطق اللسان كلاما، هل هو حقيقة أو مجاز.
وابن الجبائي لم ينكر إثبات كلام النفس، ولكنه أثبته صوتا وحرفا، كلاما خفيا على خلاف عنه، هل يسمعه الإنسان من نسه أم لا، ورأى مصداق كون الإنسان إذا حبس نفسه، لم تخطر له الخواطر، لسكون حركة الحشا، لقطع الهواء الداخل عليه، الخارج عنه، اللذين يقرعانه، حتى إذا أرسل نفسه ولج الهواء، وخرج، وصار في الشراسيف من القرع والتحريك والاختلاج ما يكون منه التصويت الخفي.
وهو في هذا المذهب الذي فارق به أصحابه ليس منا أيضا، ولا نحن منه، لأنا نثبت كلام النفس، ليس بصوت ولا حرف، وننكر قوله إن قاطع النفس بعدم الخواطر، وإن عدمها فلاشتغاله بما أحدث على نفسه، وجناه عليها، كما يشتغل المتألم بألمه عن الفكرة فيما سواه.
على أن مثل هذا لا يحتج به، وإن سلم، وهذه عوائد لا تتلقى منها هذه الحقائق، ولا يظهر إثبات حقيقة عقلية، ومعنى ذاتي للكلام إلا على أصلنا في إثبات حديث النفس، ولا على أصل من صرفه إلى ضرب من التقطيع اصطلح عليه، لأن الاصطلاح يتبدل، وما أثبتناه في النفس لا يتبدل، ولم يقدر أحد على إنكار ما في النفس من الكلام على الجملة، ولكن كل طائفة صرفته إلى مرادها، المطابق لاعتقادها.
فالفلاسفة يحيلون ذلك على ترهاتهم التي كنا قدمنا القول فيها من فيض العالم العلوي على السفلي، إلى غير ذلك مما بسطنا القول فيه، والمعتزلة تحيل ذلك على أنه تقدير النطق بالكلام الصوتي كيف يقع، وتصور للنفس، وتحيلها لما تحب أن توقع منه أو إلى الإرادة أو العلم، إلى غير ذلك من دعاويهم التي [إذا] سوعدوا عليها اختلطت الحقائق والأجناس.
ونحن نعلم قطعا أن الإنسان يجد في نفسه طلب عبده أن يسقيه ماء، ويحس هذا الطلب من نسه، كما يحس علومه، وقدرته، وإرادته، ويجد هذا في نفسه على جنس، وحقيقة، مخالفة للأجناس التي صرفته إليها المعتزلة، وصرفهم إياه إلى العلم بكيفية نظم الحروف وترتيبها باطل، لأن الإنسان إذا قال لغلامه: افعل، وجد في نفسه معنى القول:
стр. 137
افعل، وأحس نسه قائلة له قبل نطقه به، والقول: افعل، عبارة عن هذا الذي أحسه من نفسه، والعبارة عن كيفية نظم الحروف لا يكون بالقول: افعل، وإنما صفة العبارة عن ذلك أن يقول في نفسه: الألف قبل الفاء، والفاء قبل العين، والعين قبل اللام، وهذا المعنى نعلمه حقيقة، ويقارن علمه حديث في نفسه عنه، مطابق لهذا العلم، فقد بان أن الحقيقتين مختلفتان، وأن الذي قالوه تلبيس وتدليس.
وكذلك صرفهم هذا إلى إرادة امتثال الأمر، بناء منهم على أصلهم من [أن] الآمر لا يأمر إلا بما يريد خطأ أيضا، لأنا نجوز أن يأمر الإنسان منا بما لا يريد، ومن تخوف عاقبة طاعة قوم له، وانتفع بمعصيتهم إذا أمرهم، فلا شك أنه لا يريد أن يطيعه فيما أمرهم به، ولو شكا عبد سيده للسلطان أنه أسرف في عقابه، فأراد السلطان عقاب السيد، وعلم السيد أن السلطان يعذره إذا اطلع على عصيان عبده له، لاقتضى الحال أنه إذا أمره بين يدي السلطان، أن مراد السيد أن يعصيه، لا أن يطيعه، فلا معنى لقولهم: ليس هذا بأمر، وإنما هو اختيار، لأنه قد يفهم عن السيد من قرينة الحال أنه أمر عبده أمرا جازما منه أن يعصيه.
وأيضا فإن غرضهم بهذا إثبات كون الباري سبحانه مريدا من الكافر الإيمان لأمره به، وقد علموا عقلا أن الباري علام الغيوب، وأنه يعلم أن الكافر الذي نفذ فيه قدره أن لا يؤمن، ويموت على الكفر أنه لا يطيعه، ولم يستحل منه أمره لأجل علمه أنه لا يمتثل ما أمر به، ولم يكن هذا كالمتناقض أن يأمر الإنسان بما لا يريده منه (لحت ...) عليه، وعلما على عقابه، فقد تقدم قولنا: إن النسخ (...) ثابت مستقر، وليس ببيان لمدة انقضاء العبادة (...).
وأبطلنا قولهم إنه بيان [لمدة] (ص ٧٠) انقطاع العبادة، ثبت لنا منه، أن المنسوخ أمر به، على التأبيد، ولم يرد إيقاعه على التأبيد ولو لم يكن في هذا إلا أمر الله سبحانه إبراهيم نبي الله ﵇ بذبح ولده إسحاق أو إسماعيل على اختلاف العلماء في الذبيح من هو منهما، وقد علم أنه لم يذبح، فقد أمر بالذبح ولم يرد وقوع الذبح لأنه سبحانه نسخ هذا الأمر عن إبراهيم قبل أن يذبح، وفدي ولده بذبح عظيم، وإبراهيم مطيع أولا وآخرا.
فقد ثبت أنه أمر بما لم يرد، وهذا لا حيلة لهم فيه، إلا اعتذارات يهزأ بها، كقول
стр. 138
بعضهم هذا منام، وليس بأمر جازم، وهذا رد لقوله تعالى: (افعل ما تؤمر) ولقوله: (إن هذا لهو البلاء المبين) وتجهيل الرسل.
وكذلك قولهم: انقلب العنق نحاسا، لأن هذا أمر بالشيء مع المنع منه، وهذا أقبح مما جروا فيه على مقتضى أصولهم.
وكذلك قولهم: كان إذا قطع جزءا التحم، لأن هذا لا يسمى ذبحا، ومن قطع جزءا من الحلق فالتحم قبل أن يقطع الآخر فقطع، يجري الأمر كذلك إلى آخر الحلق لم يسم ذابحا، ولو سلمنا كونه ذابحا، فما معنى الفداء بذبح عظيم؟ ولا يعبر هؤلاء يقوله: (قد صدقت الرؤيا)، لأنه لم يقل قد فعلت الذبح، وإنما ذكر أنه صدق، لكونه مأمور بذلك.
وكذلك قولهم: إنما أمر بربط ابنه، ونله للجبين، لا بذبحه، يرده قوله تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين)، وليس فيما قالوه بلاء مبين، وأيضا فإنه لا معنى للفداء هاهنا.
وأما التحاكم في هذه المسألة للسان، فالقرآن أصدق نقلا، وقد قال فيه تعالى: (يقولون * في أنفسهم)، وقال: (وأسروا قولكم أو اجهروا به)، وقال في المنافقين عقيب قولهم: (نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، وهم لم يكذبوا في أنه رسول الله، لكن كذبوا في قولهم في أنفسهم إنه ليس برسول، بهذا استدل أئمتنا، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، لأنهم إنما أرادوا بالقول الذي أفصحوا به أنهم يعلمون أنه رسول الله، فقد كذبوا في هذا القول النطقي المسموع منهم إذ كانوا غير عالمين. وهذه مسألة مستقصاة في كتب الكلام.
وأما الكشف عن حقيقة الكلام على جهة صناعة الحدود، فإنا كنا قدمنا القول في هذا الكلام فيما سبق.
وهذا كتاب أمليناه على كتاب البرهان، ولم نطالع هذا الكتاب، فنعلم رتب
стр. 139
فصوله، فنؤخر ما يجب أن يؤخر من وقف فيه على مثل هذا، هذا العذر، وفي تقديم وتأخير إن اتفق، كما أن العذر في عبارة تقع فيه، ربما كان غيرها أولى منها، وأفصح، إنما نملي هذا الذي نحن فيه على جماعة مختلفي الأفهام، فربما اشتغل الخاطر بالإملاء على كل واحد منهم عن تحرير ما هو أولى في العبارة، ولكن لا نخلي هذا المعاد من زيادة فائدة.
فقد كنا قدمنا أن الكلام قد قيل في حده: إنه المسموع المفيد، من غير مواضعة، وذكرنا ما في هذا الحد [ما] له وعليه، وذكرنا أنه قيل في حده: ما نفى عن ذات من وجد به الخرس، والسكوت، والطفولية، وذكرنا أنه قيل فيه: ما أوجب كون محله متكلما، وقد قيل أيضا: إنه نطق النفس المدلول عليه بالعبارات، وما في معناها.
وقيل أيضا: إنه القول الذي لا يختص بمواضعة، ولا توقيف، وهذا يخلص الكلام النفسي من الكلام اللسني، لأن اللسني إنما يفيد بالاصطلاح والمواضعة على الخلاف الذي قدمناه فيه.
وقد قيل إن الكلام هو ما لا ينفك من كونه خبرا، أو اسختبار أو أمرا، أو نهيا، وهذا ليس على صناعة الحدود، ويرتبط به من القول ما قدمناه من المذاهب في تقسيم الكلام، وقد صار القاضي في بعض مصنفاته إلى أنه مما لا يحد، ولا يكشف عن مائيته، بعباراته، ويوضع معناه، وإن لم يكن على شريطة الحدود.
فصل في حقيقة الأمر
اعلم أنا قدمنا في أول الكتاب تعليم استخراج الحدود في كل محدود، وهذا منه، وذلك أن الأمر نوع من أنواع القول، والقول كالجنس لهذا النوع، وقد يكون الجنس نوعا بالمقايسة إلى ما قبله، وإلى ما هو أعم منه، فالقول صفة، ولكن ليست كل صفة قولا.
ألا ترى أن الألوان والأكوان صفات، وليست بأقوال، فالقولية يميز الأمر بما هو كالجنس، وليست كل قولية أمرا، لأن الأخبار أقوال وليست من الأمر، فلابد من ذكر ما هو كالنوع أو كالفاصلة بهذا الجنس، حتى يتميز الأمر من غيره من الأقوال.
وعند النظر في هذا الميز اختلفت عبارات الأئمة اختلافا كثيرا.
فقال بعضهم: هو القول: افعل.
стр. 140
وقال بعضهم لا (...) في هذا، فيقال: هو قول القائل: افعل لمن هو دونه (...) المسألة.
وبعضهم (ص ٧١) يرى أن قوله، وتعرضه لذكر الطاعة كالتنبيه، بعينه عن هذه الزيادة، لأن السائل ربه، والمهدد لغيره بقوله: افعل، يقتضي بقوله طاعة.
وقال بعضهم: الأمر ما كان المأمور بامتثال موجبه مطيعا.
وقال بعضهم: ما اشتق للأمر منه اسم آمر.
وقال بعضهم [ما] اقتضى الفعل، وربما عبر بعض هؤلاء فجعل مكان الفعل الطاعة، وقد تختلف عبارتهم، ومعناها ما ذكرناه.
وقال بعضهم: هو القول الدال على وجوب المأمور به، ويرى هؤلاء أن هذا يتخلصون [به] من السائل ربه، ومن المهدد بالقول: افعل. إذ ليس في شيء من هذا إيجاب، وهؤلاء مقتضى حدهم إنكار كون الندب أمرا، وبعض من سلك هذه الطريقة يشير إلى هذا المعنى الذي يجوز به هؤلاء.
وقد قدمنا قولهم في افتتاح نقل المذاهب، فنقول: هو المقتضى به الفعل، أو القول على جهة الترغيب أو الترهيب. وهؤلاء إنما أرادوا مع ذكر الترغيب والترهيب إحدى العبارتين: الاقتضاء، أو القول: افعل، أو ما في معنى ذلك، نقلناه بمعناه.
وقال أبو المعالي هاهنا: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به. وكأنه في هذه الطريقة جانب طريق هذه الحدود، لأن هذه الحدود لم يتعرض فيها إلى تخصيص الحد بالأمر النفسي، دون اللسني، وهو قد تعرض لتخصيص الحد بالنفسي خاصة، ولهذا قال: "المقتضى بنفسه"، إذ الأمر اللسني إنما يقتضي مقتاه باصطلاح المخاطبين، أو بالتوقيف، وذلك ليس بأمر عقلي، وحكم النفسي لا يتبدل ولا ينقلب، لأنه يصح تبديل اللغات، وانعكاسها، وما في النفوس من الاقتضاء لا يتبدل ولا ينقلب، لأنه يصح تبديل اللغات، وانعكاسها، وما في النفوس من الاقتضاء لا يصح أن تتبدل حقيقته، وتنقلب ذاته، كما لا يصح ذلك في العلوم، وغيرها من الحقائق.
ولأجل هذا أنكر أبو المعالي على المعتزلة اشتغالهم بحد الأمر، ورأى أنه لا يحسن التعرض إلى هذا على أصلهم، لأنهم أنكروا الأمر النفسي، وإنما أثبتوا الأمر اللسني، وذلك
стр. 141
ليس بمعنى ذاتي له ولا حقيقة عقلية، وإنما نحد الحقائق وتكشف عن المعنى الذاتي المخصص للشيء مما سواه.
وهذا الذي أنكره عليهم صواب، قوله فيه على إحدى الطريقتين عندنا، من الحدود، راجعة لأنفس المحدودات، وليست بتفاسير، وأما إذا قلنا إنها تفاسير فيصح أن يعبروا عن متبدل بمتبدل آخر أوضح منه، بخلاف أن تكون الحدود راجعة إلى حقائق المحدود الذاتية، فإنا أخبرنا أن هذا المعنى مفقود في الأمر اللسني، وتعرضه أيضا إلى قصر الحد على النفسي دون اللسني يظهر صوابه على أحد القولين عندنا من أن الأمر اللسني إنما يسمى أمرا مجازا، والحدود إنما تنصرف إلى الحقائق.
ألا ترى أن الأمر ينطلق على الأمر القولي وعلى الأمر الشأني، ومنه قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) يعني شأنه، لأن تسمية الشأن أمرا مجاز. فلهذا لم يلزم الحاد للأمر التعرض في حده إليه، مع أن قصد أهل هذه الصناعة السؤال عن الأمر القولي، لا الشأني. فكأن السائل عن حد الأمر، وإن أطلق سؤاله مقيد كلامه بقوله: ما حد الأمر القولي؟ فيكون الجواب هو غير تعرض إلى الأمر المجازي صحيحا مطابقا للسؤال.
وذكر أبو المعالي في حده تتميما بمعنى البيان، ولو أسقطه لم يفسد الحد، وهو قوله: بفعل المأمور به، لأن قوله: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور، يغنيك عن هذه الزيادة التي هي القول: بفعل المأمور به، ولو قدر أنها تحرز من النهي لكان قد أغنى عن هذا التحرز، قوله: من المأمور به، لأن المأمور غير المنهي.
ونحن إذا قلنا بأحد القولين من أن الأمر اللسني يسمى أمرا حقيقة لم يحسن الاقتصار في الحد على أحدهما، بل من شرط الحد استيعابهما جميعا. كما أن المعتزلي إنما يتعرض لأحدهما، وهو اللسني خاصة، لأنه ينكر الأمر النفسي.
ولما كانت صناعة استخراج الحدود تضمنت اقتضاب الحد من لفظ كالجنس، والفاصلة، وتصور في العقل أن بالاقتضاء يميز الأمر مما سواه من أنواع الكلام كان التحويم على عبارة عن هذه الفاصلة، فذكرنا قول من حد الأمر مما سواه من أنواع الكلام كان التحويم على عبارة عن هذه الفاصلة، فذكرنا قول من حد الأمر بأنه القول: افعل، واشرنا إلى تخطئته، لكون هذه الصيغة ترد، وليست بأمر كورودها من النائم، ومن الحاكي لأمر غيره، ومن المهدد، كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) ومن المعجم، كقوله: (كونوا حجارة أو
стр. 142
حديدا)، ومن المبيح كقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا)، إلى غير ذلك من الأنواع التي تعد من مصارف هذه اللفظة.
وخطئ أيضًا أصحاب هذا الرأي بوقوع هذه اللفظة من الداعي لربه، والآمر من هو أعلى منه، وقد قال بعض أئمتنا: من أمر من هو أعلى منه لا يبعد أن (...) قيل إن احترز من احترز بقوله: لمن هو دونه، فقد أصلح بهذه (ص ٧٢) جانبا، وأفسد آخر، بهذا الإصلاح، وذلك أنه يخرج بهذا الإصلاح أمر الأدنى للأعلى، ولكن يدخل عليه أمر النظير للنظير، لأنه قصر الحد على وقوعه من الأعلى للأدنى.
وسلك أبو المعالي في تخطئة من حده بالقول: افعل، طريقة أخرى، وذلك أنه رأى أكثر الأوامر خارجة عن هذه الأحرف التي هي حروف افعل، كقولك: اسقني، أطعمني، وقولك: اسقني أطعمني ليس حروفه، حروف القول: افعل، وإن اعتذروا عن هذا بأنهم لم يريدوا الاقتصار على القول: افعل، وحصر الأوامر كلها في هذه الأحرف، وإنما أشاروا بها إلى هذه البنية والصيغة على حسب ما عرف من اصطلاح النحاة، قيل لهم: التصريح في حدكم إنما اقتضى ما ذكرناه، وهذا معنى آخر، لم يشتمل عليه لفظ حدكم، والتأويل لا يحسن استعماله في الحدود، وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في السؤال عن الأمر، لم كان أمرا؟ فنحن نقول في الأمر النفسي إنما كان أمرا لنفسه، والصارفون له إلى القول اللسني تعيينا أو ترددا بينه وبين غيره، يقولون في اللسني إنما كان أمرا لصيغته، وعليه جمهور الفقهاء.
ولما نوقضوا بما يصدر من النائم، والمهدد، وكون الصيغة فيه موجودة، وليس بأمر، قال بعضهم إنما كان أمرا بصيغته، وتجرده من القرائن، وعد النوم وإشعار التهديد قرينة صارفة له، وأجيب هذا بأن التجرد إشارة لعدم، والعدم لا يكون، ولا يعد علة، وأيضا فإن هذا كالتعليل بأمرين: الصيغة، والتجرد، ولا تعلل العقليات بأمرين.
ولما أحست المعتزلة بهذا، وكانت تنكر قول النفس، اضطرت إلى طلب حيلة أخرى، فقالوا إنما كان لإرادة إيقاع المأمور به، وعندهم أن الأمر يفتقر لثلاث إرادات: إرادة لإيجاده تحرزا مما يقع من النائم، فإنه وإن وقعت منه صيغة أمر، فليس بأمر، لعدم إرادته لإيقاعها. وإرادة ثانية لكون الصيغة أمرا، لأن اليقظان الغافل يحكي صيغة الأمر عن غيره، ولا يكون أمرا. وإرادة ثلاثة إلى إيقاع المأمور به.
стр. 143
وقد كنا قدمنا مذهبهم في اشتراط إيقاع المأمور به، ونقضنا عليهم في الفصل الذي قبل هذا. وأنت إذا علمت ما نبهناك عليه، من النظر في الحد؛ هل يرجع لذات المحدود أو التفسير؟ انتبهت هاهنا إلى ما قاله هؤلاء في إبطال التعليل على الفقهاء بالصيغة والتجرد، لأن هذا الإبطال الذي ذكروه إنما يتحقق في تعليل العقليات، وأما تعليل الاصطلاحات فلا يستحيل فيه استعمال مثل هذا، فانتبه لما نبهناك عليه.
ولما ذكرنا مذاهب المعتزلة في افتقار الأمر إلى ثلاث إرادات اقتضى ذلك تبين أصولهم في أحكام الصفات التي يبني عليها هذا، فاعلم أنهم قالوا بافتقار الأمر إلى ثلاث إرادات لأجل ما اعتللنا به عنهم، سوى الكعبي فإنه ذهب إلى أنه إنما يفتقر إلى إرادتين، فأسقط من الثلاثة المتقدمة إرادة كونه أمرا، وذلك أنهم يقولون إن الصفات التي ليست بمعان قائمة بالذوات تنقسم إلى ما يعم حال الوجود، وحال العدم، وإلى ما يخص حال الوجود خاصة.
فالتي تعم حال الوجود والعدم هي الصفة التي هي أخص الأوصاف كالسوادية مثلا في السواد، فإن هذه الصفة تثبت بالسواد حال العدم والجود، وإذا ثبتت اقتضى ثبوتها صفات الأجناس العمة كاللونية والعرضية، فوجب لهذا أن يثبت في العدم للذوات، ما ذكرناه من الصفات الخاصة والعامة.
فإذا حصل الحدوث للذوات العدمية تبعته صفات تنقسم إلى قسمين: واجبة وجائزة. والواجبة لا تفتقر إلى مقتض، مثل تحيز الجواهر، وقبولها للعرض، وافتقار العرض إلى محل، ومضادته لما يضاده، وإيجاب العلل أحكامها، وبينهم اختلاف في الحسن والقبح هل هو من هذا القبيل، أو من القبيل الذي قبله، وهو الثالث حال الوجود والعدم، والجائز يفتقر إلى مقتض فالإحكام يفتقر إلى العلم عند أكثرهم، وإلى الإرادة عند أقلهم، ويشرط هؤلاء كون المريد عالما.
ومال ابن الجبائي منهم إلى مذهب ثالث يوافق ما عندنا، فقال: لو قيل إن المؤثر ففي الإحكام هو القدرة لكان مذهبا، وهذا مذهب لم يقل به أحد منهم، وإنما يرون أن القدرة تؤثر في الصفة الجائزة في الإحداث خاصة، ووقوع الصيغة أمرا وتهديدا، وإن وقعت أمرا وإيجابا، أو ندبا، يفتقر إلى الإرادة، وكذلك ما جرى على هذا الأسلوب من إيلام بعض الأشخاص استصلاحا، أو عقوبة، وإيقاع السجدة لله تعالى أو الوثن، إلى غير ذلك من مصارف الألفاظ، والأفعال المترددة بين أمرين أو أمور، وكذلك إرادة اللفظ المؤثر فيه.
стр. 144
وقد صار الكعبي إلى إلحاق هذا الاسم بما ذكرناه في قسم الصفات التابعة للحدوث، فرأى أن الأمر إنما كان (ص ٧٣) أمرًا لنفسه، ولم يفتقر في ذلك إلى إرادة تصيَّره أمرًا، وكذلك إنما اختص الأمر بكونه واجبًا دون أن يكون ندبًا، أو ندبا دون أن يكون واجبا لنفسه، وقد اختص الأمر الإيجابي بصفة نفسية، هي خلاف الصفة النفسية التي اختص بها الأمر الاستحبابي، وهذا سبب الخلاف بينه وبين أصحابه، وذلك أنه لما قدر أن هذا الاختصاص واجب لا يجوز غيره، لأن في تجويز غيره انقلاب الذوات، وصفات الأنفس منع من افتقاره إلى مقتض، بناء على أصلهم أجمعين في أن الواجب لا يعلل، ولما رآه من الصفات الجائزة افتقر إلى مقتض يخصه بأحد الجائزين، وما ذاك عندهم إلا الإرادة. فهذا تلخيص مذاهبهم وبيانها.
وأما نحن فإنا نذكر مذاهبنا في هذه الأصول، فصلا، فصلا.
أما ما أثبتوه في العدم، فلا حاجة بنا إلى ذكره، لأننا ننكر أشد الإنكار كون الذوات ثابتة في العدم، ومن أنكر أصل الثبوت، فلا شك أنه ينكر صفات الثبوت.
وأما الحدوث فإنه عندنا متعلق بقدرة الله سبحانه وهو الإيجاد للفعل، وأما ما يتبع الحدوث مما لا ينفك الحدوث منه كالحيز، وما عددناه معه، مما سلمنا كونه من الصفات الواجبة فإنا إن أنكرنا الأحوال لم نحتج في هذا إلى النظر في مقتض، لأنه ليس هاهنا أكثر من الوجود، وقد قدرنا أن الإيجاد من تأثير القدرة، وإن قلنا بالأحوال فللقاضي قولة، كما قال القوم من أن هذه الصفات لا تتعلق بالفاعل وهذه الحال لا تكون بالفاعل بل تحصل من جهة إيجابها بعد تحقق الحدوث، وله قولة أخرى، وهي الصحيح، من أن هذه الأحوال إنما تثبت بالفاعل، لأنها تجدد، والمتجدد الحاصل بعد أن لم يكن حاصلا يفتقر إلى مجدد يجدده، وفاعل يصيره حاصلا. وهذا فصل يتعلق بغامض أحكام متعلقات القدر، وقد كنا أشرنا إلى شيء ينخرط في هذا السلك حيث تكلمنا على كون أفعالنا مخترعة لنا، أو مكتسبة.
وأما الصفات الجائزة التابعة للحدوث فأما الإحكام فلنذكر حقيقته ثم ننظر في مقتضيه، فالإحكام إذا كان في الأجسام فالمشار به إلى اتصالها على نظام، أو افتراقها على وجه ما مخصوص، وذلك يرجع إلى مجرد الأكوان، والترتيب في الكائنات ليس بأثر، فيتطلب له مقتض زائد على مقتضى ذواتها، وقد تقرر أن مقتضى ذوات الأكوان وحصولها موجودة إنما كان بالقدرة، وبين أصحابنا اختلاف في الجوهر الفرد أو العرض الفرد، قيل: [لا] يتصور فيه معنى الإحكام، لأجل عدم تصور النظام.
وقد يرجع اختلافهم إلى مناقشة في عبارة، والحاصل من هذا أن الموجودات آحادها،
стр. 145
وجماعاتها كائنة بالقدرة، وأما اختصاص القول بالإرادة الأصلية، أو تعيين إفادة فيه مع تجويز ما سواها، فقد ذكرنا مذهب المعتزلة فيه، البصريين والبغداديين، فحكينا عن الكعبي شيخ البغداديين أنه يرى ذلك من الصفات الواجبة، وأصلهم أن الواجب لا يطلب له تعليل، والبصريون منهم يرونه من الجائزات فللقول عندهم حال اختص بها حتى كان بهذه الحال إيجابا، وهي خلاف الحال التي اختص بها الندب، حتى كان ندبا.
والقاضي قد اختلف قوله في هذا أيضا فأنكر مرة هذه الحال، ورأى أنا تقطع على تماثل الصورتين وهي القول: افعل، والمتكلم موجب، والآخر نادب، وسبقه الكعبي في اعتقاده اختلاف هاتين الصورتين ومصيره إلى اختلاف هاتين الصيغتين، وأنكر استبدال القول: افعل، وهو موجب بصفة نفسية دون القول: افعل، وهو نادب، وأشار إلى مكابرة البديهة، وقطع القول بتماثل الصيغتين والقطع بالتماثل يمنع من استبداد أحد المثلين، بصفة دون الآخر. وصار مرة أخرى إلى ما قاله البصريون من إثبات حال لهذه الذوات.
وهذه مقالة يسرع لأجلها القول إليه بالقدح فيما قرر أصوله عليه، لأنه إن أثبت اختلاف الذوات لاستبداد كل ذات بحال، ليست بحاصلة لذات أخرى، فقد سلم ما قال الكعبي من الاختلاف وإن تمادى على مخالفة الكعبي، وقال بالتماثل مع اختصاص أحد المثلين بحال لم تحصل للمثل الآخر فقد هدم أصل التماثل، لأن أصله أن التماثل لا يتحقق إلا مع التساوي في سائر الصفات المتعلقة بالنفس.
فإذا قلنا بأحد قوليه، وهو إثبات هذه الحال كما قاله البصريون من المعتزلة فإنه قد قال: المقتضي لهذه الحالة الإرادة، كما قاله البصريون، وقد قال مرة أخرى، وهو يذكر هذه الحال: لو كنت قائلا بإثباتها لجعلت مقتضيها القدرة بشرط الإرادة، فصار في هذا النوع قولان: هل هو أثر، وحال، أو ليس بأثر، ولا حال؟ وإن قلنا إنه أثر وحال، فما يكون مقتضيه؟ فيه قولان: الإرادة، وهو المنصوص عليه، والقدرة على حسب (ص ٧٤) ما حكيناه عن القاضي.
وأما قولهم في الصفات الواجبة التابعة للحدوث، فقد ذكرنا مذهبنا فيه، ومذهبهم، وحكينا اختلاف قول القاضي في ذلك، هل يتعلق بالفاعل أم لا؟ وهي مسألة ينجر إلى فصول الكلام دقائق، لا يمكن إيرادها هاهنا، منها ما أشرنا إليه من أحكام القدر، وتعلقاتها، وكون الباري سبحانه خالق لقدرنا باتفاق منا، ومن المعتزلة، وقدرنا خلقها الباري سبحانه متضمنة لمقدوراتها، فهل يكون فعلا له، وبه وقعت لإيقاعه ما تضمنه فيه ما قدمناه قبل هذا؟
следующие страницы →