← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الاستقراء، وذكر أنه لو كان هذا لأمكن أن يعثر عليه على عاثر، مع تكرير البحث عنه على مر الدهور. وقد قدمت عنه أنه منع الاعتماد على الأقسام الغير منحصرة، كالتقاسم المستعملة في المصحح للرؤية، وقد قال يمكن أن يكون هناك قسم لم يعثر عليه المقسم، وإن طال الفكر فيه، وعميت عنه بصائر سائل المقسمين، فيقال هاهنا: هلا نقلت من هنا إلى هنالك، وقلت لو أمكن أن يكون هناك قسم آخر لعثر عليه عاثر، على مر الدهور؟ إلا أن يقول معتذر عن هذا أنا أمنع أن يكون هاهنا قسم يعلم في تقاسيم الرؤية، ولكن نفي العلم به، لا ينفيه، فينتقل الكلام إلى الفصل المتقدم، وهو النظر فيما يمكن أن يعلم أو لا يعلم. وأما النكتة السابعة فقد تقرر أن كل عاقل يجد في نفسه فرقا بين تجويزه لأمر تجويزا يرجع إلى نفس الأمر المجوز، وتجويزا يرجع إلى جهالة المجوز، وحيرة المتردد، فمن قطع بجواز رؤية الله سبحانه أحس في نفسه فرقا بين هذا القطع بالتجويز وبين تحيره وتردده بين المذهبين: مذهب الأشعرية في جواز الرؤية، ومذهب القدرية في إحالة الرؤية. وضرب أبو المعالي لهذا مثلا آخر، وهو ما قد اشتهر من الخلاف في تجويز خلق جنس من الألوان غير الألوان المعلومة، فمن صائر إلى إحالة ذلك، ومن صائر إلى القطع بجوازه، ومن تردد بين المذهبين شاك في جوازه وإحالته. وهذا مبلغ القول في النكت التي عددناها على الجملة، وبسط القول في هذه المذاهب في الألوان مذكور في كتب الأصول، ولكن أبا المعالي أشار هاهنا إلى اختياره القطع بالإحالة، ونفي الجواز، وعلق بذلك مسألة عظيمة يجل فيها الخطب، وهي الكلام على تعلق علم الله سبحانه بما لا يتناهى على التفصيل لآحاده، وكون كل واحد مميزا عن صاحبه، فقال إني لو أجزت خلق أجناس من الألوان لاستحال الوقوف عند عدد لا يتعدى، وإذا استحال الوقوف عند عدد لا يتعدى لم يبق إلا القطع بنفي التناهي، وإذا قطع بنفي التناهي تضمن ذلك تعلق العلم بآحاد ما لا يتناهى على التفصيل، لكون كل جنس مشار إليه يختص بحقيقة يخالف بها جنس صاحبه، وهذا الاختصاص، وتميز واحد عن واحد، يتضمن إثبات التقدير، والتناهي، وقد فرضنا عدم التناهي، وهذا جمع بين النقيضين. وأشار إلى تجهيل من قدح في هذا باعتقاد المسلمين أن الله سبحانه يعلم ما لا يتناهى، ولم يتضمن ذلك تناقضا، واعتذر عن هذا بأن المعلوم الذي لا يتناهى متناسب الآحاد، ليس بأجناس مختلفة فيضطر اختلافها في قضية العلم بها إلى تميز بعضها عن بعض، فإنما يتعلق العلم به، تعلق استرسال عليه من غير تفصيل لبعضه عن بعض،

стр. 72

واستشهد على صحة هذا بأنه لا يتناهى [وما لا يتناهى]، قد تقرر استحالة خروجه إلى الوجود، وما ذاك إلا لما تضمنه من التناقض بين إثبات التقدير والنهاية للموجود المفروغ من خلقه وإيجاده مع نفي النهاية عنه، ووصفه بأنه لا يتناهى، وذكر أن هذه حقائق إذا لاحت فليقل الأخرق ما شاء. وأول ما أقدم بين يدي الكلام على هذه المسألة تحذير الواقف على كتابه هذا أن يصغي إلى هذا المذهب الذي قال، أو يتساهل في خطوره بباله، فضلا عن التشكك في محاله، فإنه أحد أركان الدين و (مع ...) يؤدي التساهل فيه إلى مطاعن الزندقة والملحدين، وبودي لو محوت هذا من هذا الكتاب بماء بصري، لأن هذا الرجل له سابقة قديمة وآثار كريمة في عقائد الإسلام، والذب عنها، وتشييدها، وحسن العبارة عن حقائقها، وإظهار ما أخفاه العلماء من أسرار، ولكنه في آخر أمره ذكر أنه خاض في فنون من علم الفلسفة، وذاكر أحد أئمتها، فإن ثبت هذا القول (ص ٤٠) عليه، وقطع بإضافة هذا المذهب في هذه المسألة إليه، فإنما سهل عليه ركوب هذه المسالك إدمانه للنظر في مذاهب أولئك. ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله سبحانه يخفى عنه خافية ولو دقت، حتى لا يحيط بها العقول، ولا تتوهمها الأوهام، والمسلمون لو سمعوا أحد يبوح بخلاف هذا لتبرأوا منه، وأخرجوه عن جملتهم، ونحن لو قنعنا في رد هذا المذهب بهذا المقدار، لكنا عوّلنا على ما يعول عليه في مثل هذا، لأنا إذا كان خطابنا مع موحد مسلم، كنا نخاطبه بلسان سائر المسلمين، ونقول له إن زعمت أن الله سبحانه يخفى عليه خافية، أو يتصور العقل معنى، أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف، أو عرض أو جوهر، أو حقائق نفسية أو معنوية، وهو تعالى غير عالم به فقد فارقت الإسلام، وإن كان كلامنا مع ملحد فنرد عليه بالأدلة. ولابد من مقدمات نقدمها قبل أن نخوض في العقليات المختصة بهذه المسألة، فمن ذلك اختلاف أهل الأصول في وجوب اتحاد معلوم العلم الحادث، فأما ظاهر مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، فإنه يوجب اتحاد معلوم العلم الحادث، ويمنع من تعلقه بأكثر من معنى واحد، وتابعه على هذا المذهب القاضي أبو بكر بن الطيب لكنه قبل ذلك بما لا يتلازم من المعلومات، وأجاز تعلق العلم الحادث بمعلومين متلازمين يستحيل أن يعلم

стр. 73

أحدهما ويجهل الآخر، وهي معلومات النسب، والتضمين، كالعلم بفوق، فإنه يستحيل أن يعلم فوق من يجهل تحت، وكذلك يمين وشمال، وخلف وقدام، وكذلك إذا قلنا هذا غير هذا، وهذا مثل هذا، وهذا خلاف هذا، فمن المحال أن يعلم التماثل بين اثنين أو التغاير بينهما من لا يعلم إلا واحدا منهما. وأما ما لا يتلازم كزيد وعمرو، فلابد من اتحاد المعلوم، ولا يصح عنده أن يعلم هذان بعلم واحد، لأنا لو فرضنا أنهما يعلمان بعلم واحد لأدى ذلك إلى الجمع بين النقيضين، لأنه معلوم بالضرورة أنه من الممكن أن يعلم زيد، ويجهل عمرو، ويعلم عمرو، ويجهل زيد، فإذا قررنا تعلق علم واحد بهما أدى إلى أحد محالين، إما إحالة جائز أوجمع بين النقيضين، لأن العلم الواحد إذا تعلق بهما، فإن قلنا لا يصح أن يجهل أحدهما أحلنا ما كنا قدمنا القطع بجوازه وإن قلنا يصح الجهل بأحدهما مع بقاء العلم بالآخر فقد صار هذا الذي فرضنا الجهل به معلوما، من حيث فرضنا بقاء العلم المتعلق بصاحبه مجهولا من حيث فرضنا طريان الجهل به، وإذا كانت هذه العلة في منع تعلق علم حادث بمعلومين، فلا شك في فقدانهما في المتلازمين لما بيناه من استحالة العلم بأحدهما دون الآخر، وإذا وجب تقارنهما في العلم، لم يقتض تعلق علم واحد كما بيناه. وأما أبو الحسن الباهلي أستاذ القاضي ابن الطيب، فإنه أجاز تعلق علم ضروري بمعلومات، ومنع ذلك في النظريات، لأن كل مسألة تختص بنظرها، ونظر ما يضاد نظر صاحبتها، لأن كل نظرين ضدان، والضدان لا يجتمعان، فتجويز تعلق علم نظري بمعلومين يتضمن إثبات نظرين، وإثبات نظرين معا محال، ولو جاز إثبات ذكرين لنظرين معا، فإنا نمنع تعلق علم ذكري بمعلومين، لأنه إذا ثبت ذلك في مهتديه ثبت في ذكره، إذ لا يصح أن نحيل أمرا في العلم الواقع عقيب النظر، ونجيز في العلم الواقع عند تذكار ذلك النظر مع كون (... رى) العلم متعلقا بما تعلق به الأول، وإذا كانت العلة عند هذه فلا شك أيضًا في فقدانها في الضروريات. وحكى عن (...) وأصحابنا جواز تعلق العلم الحادث، بمعلومات متناهية، أو غير متناهية، وعبر هؤلاء كون علم الباري سبحانه متعلقا بما لا يتناهي، ومن حق العلل أن تطرد على سياق واحد شاهدا وغائبا، وهذا مذهب ضعيف لا يرتكبه محقق،

стр. 74

ووجود التفرقة بين علم الله سبحانه، وعلمنا، مذكور في كتب الكلام. والدليل القاطع على أننا لا نعلم ما لا يتناهى، وأن ذلك مخال منا مبني [على] القاعدة، وهي إحالتنا تعلق علم حادث بمعلومين، ولو فرضنا أن الإنسان يعلم ما لا يتناهى من المعلومات لاقتضى (...) لا تتناهى وخلق علوم لا تتناهى في زمن متناه محال، فهذه مقدمة لما نحن بصدده. وأما المعتزلة (... ني) القول بأن العلم يتعلق بالأمر على (...) مسألة اختلف الناس والمعتزلة على (ص ٤١) تجويز ذلك، إلا ابن الجبائي فإنه منعه في أحد قوليه، وأكثر أئمتنا على تجويز ذلك أيضا، وإذا قلنا بتجويز ذلك فبين أبي الحسن الأشعري والقاضي اختلاف: هل لابد أن يضام العلم على الجملة بالتفصيل أم لا؟ فرآه القاضي مضاما لها، ولم يره أبو الحسن الأشعري. وقد اعتمد من قال إن العلم يتعلق على الجملة، كما يتعلق على التفصيل بأنا نعلم أن معلومات الله سبحانه لا تتناهى، وهذا علم منا على الجملة، وأجاب الآخرون بأنا إنما علمنا هاهنا بأن لله سبحانه علما يتعلق بما لا يتناهى فمعلومنا علم الله سبحانه، لا ما لا يتناهى، وهذا جواب ضعيف، ونحن نعلم حقيقة ما لا يتناهى على الجملة، وإن لم يستند ذلك إلى علم الله سبحانه به. وكذلك نعلم من فارقناه عن قريب أنه بالمدينة معنا على الجملة، وإن كنا لا نعلم عين مكانه على التفصيل. وكذلك الدرهم المختلط مع دراهم نعلمه كائنا مع جملة الدراهم على الجملة، ولا نعين كونه ومكانه. وأما طريقة من منع تعلق العلم على الجملة فسنشير إليها في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وأما اختلاف القاضي وأبي الحسن في كون العلم الجملي لابد أن يضامه الجهل بالتفصيل، فإنما يتضح معنى خلافهما إذا كشفت لك حقيقة منها ترقي إلى صرف خلافهما إلى عبارة، وذلك أن الذات قد تقرر أن لها صفات عامة حتى لا يوجد فوق تلك الصفة ما هو أعم منها، وخاصة حتى لا يوجد تحت تلك الصفة ما هو أخص منها، وبين هاتين صفات تكون بالمقايسة إلى ما فوقها خاصة، وإلى ما تحتها عامة، وبيان ذلك بالمثال: أن

стр. 75

السواد من أوصافه أنه معلوم، ولكن ليس فوق هذا الوصف ما هو أعم منه، لأنه وصف ينطلق على المعلوم والموجود، فإذا علم وصف آخر يميزه به عن المعدوم علمه موجودا، لكن الموجود الله سبحانه ومخلوقاته، فإذا علم وصف آخر وهو حدوثه، انفصل هذا المعلوم انفصالا آخر، لكن إذا علم كون هذا المحدث عرضا انفصل المعلوم انفصالاً آخر، لكونه قد تميز عن الجواهر، فإذا علم أن هذا العرض لون انفصل هذا المعلوم أيضًا عن بقية الأعراض، وإذا علمه سوادا انفصل هذا المعلوم عن بقية الألوان فمن علم سواد جوهر بعينه، فليس تحت هذا المعلوم ما هو أخص منه. وهذه الأوصاف المشار بالجملة منها إلى التعميم، وبالتفصيل إلى التخصيص، فكونه لونا، خاص بالنسبة إلى كونه عرضا، عام بالنسبة إلى كونه سوادا، وليس من شرط من علم الوصف العام أن يجهل الخاص، وهذا يتضمن فلابد صحة ما قاله الأشعري من أن العلم على الجملة لا يقارنه الجهل بالتفصيل ضربة لازم، لأنا نعلم كون هذا العرض عرضا، ونجهل كونه سوادا، وتارة نعلم كونه عرضا ونعلم كونه سوادا، فقد اتضح أنه ليس من ضرورة العلم بالوصف العام، الجهل بالوصف الخاص. فالذي قاله القاضي لا وجه له، لما بيناه، إلا أن يكون قصد المشاحة في العبارة، وذلك أنه يقول لا يسمى العالم بالوصف العام عالما بالجملة، إلا إذا جهل الوصف الخاص، وأما إذا علمه مع علمه بالوصف العام فلا أسميه عالمًا على الجملة، وامنع أن يقال إن الله سبحانه عالم على الجملة لما أشعر به هذا الإطلاق من الجهل بالتفصيل، فيعود ذلك بينه وبين الشيخ أبي الحسن اختلافا في عبارة. وإذا وضحت هذه الحقائق، واستبان معنى العلم بالجملة والتفصيل، استبان منه القطع على فساد ما أشار إليه أبو المعالي من أن الله سبحانه يسترسل علمه على ما لا يتناهى من غير تعلق بتفاصيل آحاده، وذلك أنا إذا قلنا الله سبحانه يعلم نعيم أهل الجنة، وذلك لا آخر له، ولا نهاية، فإذا فرضناه عالما بشرب رجل من أهل الجنة كأس رحيق، وبشربه كأسا آخر، بعد ذلك، هكذا لغير آخر، فلابد أن نقول إن الكأس الأول متميز عن الثاني بجميع أوصافه الخاصة والعامة، والله سبحانه يعلم منه جميع هذه الأوصاف الخاصة والعامة، أو لا يعلم ذلك؟ فإن قال: إنه لا يتميز شرب كأس عن شرب كأس فقد كابر، (...) وإن قال: يتميز شرب بأوصاف [اختلف] بها عن صاحبه، والباري سبحانه عالم بجميع، قيل له فما

стр. 76

معنى الامتناع من القول إن الله تعالى [يعلم] التفصيل؟ وهذا هو غاية التفصيل، وإن قال إن الله سبحانه لا يعلم ذلك. قيل له: فهذا معلوم أثبته، والله سبحانه جاهل به، [فإذا صح] جهله بهذا المعلوم صح جهله بمعلوم آخر، وما الفرق بين معلوم، ومعلوم؟ وأيضًا فيقال له أليس (ال ...) على ما هي عليه من الصفات، وهو خالق هذا الذلا (...) واحد (عل ... تع) وأنت تستدل على (...) (ص ٤٢) للذات، وعلى كونه عالما بأحكامها، وعلى كونه مريدا بتخصيصها بما اختصت به من الأوصاف. فإذا كان لا يعلم سبحانه هذه الأوصاف التي بها انفصلت الذوات بعضها من بعض، فيستحيل أن يريدها، لأنه محال عند كل عاقل أن يريد الشيء من لا يعلمه وإذا كان غير عالم بها، ولا مريدا لها، وهو صانعها تعالى، فبما أنكرت أن يدل خلق السموات والأرض على كونه عالمًا بها، مريدًا لها، وإن كان صانعها وكيف لا يعلم من خلق؟. وهكذا اضطره هذا إلى أنه سبحانه عالم بها، فلا شك في أنه علم ذلك على التفصيل، وإن ركب أنه غير عالم بها، ولا مريد، فسد دلالة هذا العلم على كون سبحانه عالمًا مريدًا، وإذا ثبت صحة تعلق القدرة عنده بهذه الآحاد وإن كانت لا تتناهى، فكيف يتصور عاقل منع تعلق العلم بذلك؟ وهل القدرة والعلم لا تتساويان في مثل هذا؟ والمعنى الذي استبعد منه تعلق العلم يوجب القدرة، وإثبات المقادير يرفع نفي التناهي تناقض، وتدير عليه تقسيما منحصرا بين نفي وإثبات. وهو قد سلم أنه أصح دليل في سائر العقليات، فنقول: هذا الذي استرسل عليه علم الله سبحانه هل يخرج منه شيء إلى الوجود أو لا يخرج؟ فإن قال لا يخرج أثبت تناهي نعيم أهل الجنة، وقد أخبر الشرع بخلافه، وإن قال لابد أن يخرج، قيل له فإن خرج منها عددان أو ثلاثة، فهل البارئ سبحانه عالم بها على التفصيل أو يعلمها على غير التفصيل؟

стр. 77

فإن قال لا يعلمها على التفصيل، قيل معلومان أو ثلاثة لا إحالة في علمها على التفصيل، ويمكن من المخلوق أن يعلم معلومين أو ثلاثة، وأكثر من ذلك على التفصيل، فكيف بمن هو بكل شيء عليم؟ وهذا يؤدي إلى جهله بكل شيء تعالى [عن] ذلك، وإن قال يعلمه على التفصيل، قيل له لا يخلو أن يعلمها بعلمه القديم الواحد، أو بعلم يتجدد له، فإن قال بعلم يتجدد له، فهذا مذهب الجهمية القائلين بأن الله سبحانه يعلم المعلومات بعلوم محدثات، وهذا باطل، وقد بسط الرد عليه في كتب علم الكلام، فلم يبق مع هذا التفسير الحاصر إلا إثبات كونه عالما بها بعلمه القديم على التفصيل، ونفرض ذلك في كل ما خرج منها إلى الوجود، حتى يؤدي إلى إثبات علمه بالتفصيل فيما لا يتناهى، كما قاله المسلمون. وعجبا له من استشهاده علينا بما اتفقنا عليه من استحالة خروج ما لا يتناهى إلى الوجود، وواضح لكل متأمل فرقان بين كون ما لا يتناهى موجودا، وبين كونه معلوما، وذلك أنا إذا أثبتنا الفراغ من الموجودات فمعلوم قطعا أن يمكن بعد الفراغ إيقاع موجود آخر غيرها، ويزيد عليها فاعلها موجودات أخر، وإثبات زيادة عليها يقتضي كون الموجود قد تناهى، لأن الزيادة إنما تكون على متناه وما لا يتناهى ولا آخر له تستحيل الزيادة عليه. فإذا قلنا بعد هذا إنه لا يتناهى فقد ناقضنا، لأن ذكرنا الفراغ منه، يقتضي تناهيه، على ما بيناه، وقولنا لا يتناهى مناقض لقولنا إنه قد تناهى بالفراغ. وأما إذا قدرنا ما لا يتناهى معلوما فليس هذه هنا إشارة إلى أمر أتى الفراغ عليه، لأن المعلوم لا يكتسب من العلم شيئا، وإنما يتعلق به على ما هو عليه، فإذا كان لا يتناهى، وعلم غير متناه، لم يتضمن تعلق العلم به إثبات نهاية له، كما تضمن ذلك من الفراغ إلى الوجود، وإذا لم يتضمن ذلك، فلا تناقض فيه، يؤدي إلى المنع، وهذا أوضح من فلق الصبح، لمن تدبره، وفي مثله ينبغي أن يقول المحصل: إذا لاحت الحقائق فليقل الآخر ما شاء. وعجبا له، هو يعلم أن ابن الجبائي على صدقه عنده، ومن وافقه إنما صاروا إلى أن العلم يتعلق بأمر على الجملة، لأنهم لو قالوا بذلك لأبقوا لله سبحانه علما بالجملة، وذلك يتضمن الجهل على التفصيل، والله سبحانه يتقدس عن الجهالة. وإن قالوا: إن الله سبحانه لا يعلم علم الجملة فقد أثبتوا أن للعبد معلوماً والله

стр. 78

سبحانه لا يعلمه، ومن الشنيع في أمر الدين أن يقال إن للعبد معلوما لا يعلمه الله سبحانه وهذا مستنكر من جميع المسلمين، وإن كان القاضي لما نفي تعلق علم الله سبحانه بالمعلومات على الجملة لم يلتفت إلى هذا التشنيع، ورأى (...) يجب أن تتبع، وهذا أمر نفي عن البارئ سبحانه الجهالة، وإضافتها إليه. فأنت ترى هذه المذاهب كيف [جعلهم] الحال يحاذرون من الوقوع في مذهب [يؤدي] إلى إضافة جهالة إلى الله سبحانه، وإن كانت على هذا الأسلوب (...) (ص ٤٣) نفي جهالة أخرى عنه، فكيف بإضافة جهالات للباري سبحانه لا تنحصر ولا تعد؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذه النكتة التي منعت ابن الجبائي من القول بتعلق العلم بالمعلوم على الجملة أخرنا ذكرها هناك، لنوردها، هاهنا، على هذه الصفة، تبشيعا للمذهب الذي أشار إليه، وأنت إذا حققت معنى تعلق العلم بالأمر في الجملة، أو التفصيل هان عليك الجواب عن تعلق ابن الجبائي بهذا الذي تعلق به من استبعاد إثبات معلوم للعبد لا يعلمه الله سبحانه، وقد استبان من هناك صفة تعلق العلم بهذه المعلومات، وأن تعلق العلم بالجملة لا يتضمن الجهل بالتفصيل إلا على جهة المشاحة في عبارة. ولعل أبا المعالي لا يخالف في شيء من هذه الحقائق، وإنما يريد الإشارة إلى معنى آخر، وإن كان مما لا يحتمله قوله إلا على استكراه وتعسف، وبالجملة فإنه مقال شنيع، ولفظ لا يقبل التأويل، فنسلك فيه ما سلكناه من الجمع بينه وبين الأئمة، على حسب ما قدمناه، في كلامنا على مخالفته إياهم في رد الغائب إلى الشاهد، وفي هذا كفاية. فصل في مدارك العلوم الدينية قسم أبو المعالي هذه المدارك على ثلاثة أقسام تقسيما كليا: - العقل المحض. - ومدرك مشترك بين العقل والعرف.

стр. 79

- ومدرك سمعي محض. ثم حصر مدرك العقل المحض في أربعة أنحاء: - العلم بالجواز. - ومحض أحد الجائزين بالوقوع. - ووجوب مخالفته للجائزات. - والصفات التي لا تكون مخصصا إلا بعد حصولها. وهذا الذي قاله فيه نقصان ومداخلة، أما النقصان فإن العلوم التي أشار إليها هي التي لا يصح العلم بصدق الرسول إلا بعد العلم بها كالعلم بحدث العالم، وإثبات صانعه، وقدمه، ووحدانيته، واقتداره، وعلمه، وإرادته، وجواز بعثته الرسل. وقد علم أن هذه العلوم ينبني بعضها على بعض على الجملة، وحدث العالم مقدم فيها، وقد علم أن من مقدماته التي لا يتم العلم بحدثه إلا بعد العلم بها: استحالة حوادث لا أول لها، والاستحالة نقيض الجواز، فلا معنى لحصر العلوم الدينية في الجائزات خاصة، ومما يفتقر إليه في العلم بحدث العلم استحالة قيام الصفات بالصفات إلى غير ذلك من ضروب الإحالات، مثل استحالة تعري الجوهر عن الأعراض، وغيرها. فاتضح أن الذي قاله قاصر عن استيعاب المطلوب هاهنا، وأما المداخلة، فإنه ذكر في القسم الثالث العلم بمخالفة المخصص للمخصصات وذكر في الرابع العلم بالصفات التي لا يصح كونه مخصصا إلا بها، ووجوب مخالفته للمخصصات داخل في هذا، إذا كان المراد المخالفة التي لا يتم كونه فاعلاً إلا بها وهي المقصود في هذا الباب، لما أشرنا إليه من الحاجة إلى علم صدق الرسل. واعتمد أبو المعالي في هذا الفصل في إثبات كلام الله سبحانه على التضمن العقلي فقال: العالم لابد أن يقارن علمه إخبار عن المعلوم مطابق للعلم، وإذا طابق الخبر العلم، كان صدقا، لأن حقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو به، وحقيقة الصدق الإخبار عن الأمر على ما هو به، وأشار إلى أن العلم يتضمن هذا الخبر، كما يتضمن الحياة، فكما لا يصح علم دون حياة، فلا يصح علم دون الخبر والطريقة المشهورة في الاستدلال أن الباري سبحانه ثبت كونه حيا، والحي يصح منه أن يكون متكلما، فالحياة مصححة لقبول المحل للكلام، وضده الذي هو الخرس، فلو لم يكن الباري سبحانه متكلما لكان أخرس تعالى عن ذلك، ولو ثبت الخرس له، قائما به، لم يقدر إلا قديما، إذ القديم لا تحل به الحادثات،

стр. 80

وإذا قدر قديما استحال تصور الكلام منه، والخرس نقص، وآفة، والنقائض والآفات يتعالى الله سبحانه عنها. واختلفت طرق الأئمة في تعاليه عنها، هل ذلك عقلا أو سمعا، فقيل: العقول تقتضي أن الإله لا يكون ناقصا، ويكون العبد المربوب أكمل منه، وقد قال النبي ﵇ في الصحيح في الدجال أنه أعور، وأن الله ليس بأعور، الحديث، فنبه على أن من الحجة على كذبه في دعوى الألوهية نقصه بالعور، والإله لا يكون ناقصا، وقيل بل تنفى أمثال هذه النقائص عن الباري بالسمع، وإجماع الموحدين على نفيها، وقد ذكر في كتب الكلام الاعتراض على هذه الطريقة، فإنها تتضمن إثبات الكلام بالكلام، لأن نفي النقص (...) والسمع هو كلام الله، فكأنا أثبتنا كلامه بكلامه. وأجيب عن هذا بأن المعجزة تدل على صدق الرسول، (...) وكون المرسل متكلما، وفي حق من لم ينص (...)، فلو وقفت دلالتها على ثبوت الكلام لام (ص ٤٤) الإله وصفاته فيستعمل فهيا البرهان المستقيم، سوى نفي الألوهية عن الإله، وهل نفي الألوهية عن الإله إلا من جملة صفات الإله، وهو أشار هاهنا إلى إخراجها عن هذا النوع، ولأن [نفي] الانقسام عن الجوهر الفرد يتضح تصوير برهان الخلف فيه لمن طالع أدلة القوم عليه وأقر بها أنه لو كان ينقسم إلى غير نهاية لم يكن الفيل أكبر من الذرة، فلما كان الفيل أكبر منها دل على أنه يقف في القسمة عند حد، بمحصول أنه لما ثبت استحالة كونه لا يتناهى ثبت كونه متناهيًا، وأنت إذا تدبرت ما قلناه عنهم، من المثال يكون العالم متناهيا، وضعت في هذه المسألة مثل ما وضعك في تلك، فتأخذ من مذهب الخصم في أنه لا يتناهى تجعله مقدمة كالشكوك فيها فتقول: الجسم لا يتناهى، وتضيف إليه، كل شيئين لا يتناهيان فلا يكون أحدهما أكبر من الآخر، فالنتيجة أن جسما لا يكون أكبر من جسم، وقد علمنا بطلان هذه النتيجة بالحس والمشاهدة، فما كانت كاذبة باطلة إلا لبطلان إحدى مقدمتها، فلا سبيل إلى صرف الكذب إلى قولنا: لكل جسمين لا يتناهيان فلا

стр. 81

يكون أحدهما أكبر من الآخر، فاضطرت إلى صرفه إلى المقدمة الأخرى وهي قولك الجسم لا يتناهى، فإذا كانت هذه المقدمة كاذبة، فنقيضها هو الصدق، ونقيضها أن الجسم متناه. فهذا هو معنى قول المتكلمين، لو كان الجسم لا يتناهى لم يكن الفيل أكبر من الذرة، فاختصروا هذا كله، واقتصروا على ما قلناه، لأن ما سواه معلوم واضح، لا يفتقر إلى عبارة عنه، وإثبات مقدمة أو مؤخرة. وفي هذا كفاية. القول في البيان يفتقر الكلام في هذا الباب إلى النظر في حد البيان ومراتبه، وجواز تأخيره، فأما حده فقد أكثر الناس القول فيه، فمن مشاهير حدودهم حد أبي بكر الصيرفي إذ قال في حد البيان: إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، ورد هذا الحد أبو المعالي لأجل ما اشتمل عليه من المجاز بذكر الحيز والتجلي، وهذا رد ضعيف، لأنه مجاز يفهم القصد به، من غير افتقار إلى مراجعة القائل، واستفساره عن مراده، ورد القاضي أبو بكر بن الطيب ئة هذا الحد، بأن من أحكام الشريعة ما ورد نصا جليا مبتدأ من غير أن يسبقه إشكال يكون هذا النص مفسرا له. وهذا النوع بيان للأحكام، وهو خارج من حد الصيرفي، لأنه قصر البيان على ما تقدم فيه إشكال. وأشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى الانفصال عن هذا التعقب، بأن النصوص الواردة في حكم المبتدأ قد أفادت علما لم يكن حصل للسامع، وهو قبل سماع هذه النصوص يشبه في عدم علمه للحكم من أشكل عليه خطاب سبق وروده في هذا الحكم، وهذه مضايقة بين القاضيين في عبارة، فقد لا يسلم القاضي أبو بكر تسمية عدم العلم إشكالا. وإذا لم يسلم ذلك صح تعقبه على الصيرفي، إلا أن يمانعه الصيرفي في تسمية هذا

стр. 82

القسم الذي هو النصوص الواردة مبتدأة بيانا، ويزعم أن هذه التسمية مقصورة على نصوص بين بها القصد بلفظ مشكل تقدمها، وقد قال: أما الكلام من أصحابنا أن حد العلم بأنه تبيين المعلوم ففاسد، لأجل أن التبيين ينبئ عن تقدم خفاء وإشكال، وعلم الله سبحانه لم يتقدمه خفاء ولا إشكال، فأنت ترى هؤلاء كيف يشيرون بهذا إلى منع وقوع هذه التسمية على منع ما لم يتقدمه إشكال. وقد أشار أبو المعالي في كتابه إلى اعتراض القاضي إشارة عن بعد فقال: وذو البصائر لا يودعون مقاصد الحدود إلا في عبارات هي قوالب لها من غير قصور ولا ازدياد، فأنت تراه كيف التفت إلى التنبيه على فساد الحد من ناحية قصوره عن الاستيعاب، والقاضي إنما تعقبه من ناحية كونه قاصرا عن الاستيعاب. وذهبت طائفة إلى أن البيان هو [الدليل] لكن بين هؤلاء اتلاف: فحذاقهم كالقاضي أبي بكر وغيره يقول: إن البيان هو الدليل، قولا مطلقا، فالدليل العقلي بيان (...). ومن هؤلاء من يقيد مقاله فيرى أن البيان هو الدليل القولي، فقصر هؤلاء البيان على مآخذ الأقوال. [وبعضهم ذهب] إلى أن البيان هو العلم، واختلفت طائفة من هؤلاء، فمنهم من قال: هو العلم بالأمر المتبين قولا مطلقا، ومنهم من (...) فقال هو العلم الحادث بالأمر المتين. و [من] هؤلاء الحادين بالعلم من أشار إلى طريقة [الص ...] للأمر (...) فقال: البيان هو العلم [بما كان] إشكالا خفيا، وقد حد (...) (ص ٤٥) خط أو إشارة. وهذا عندي وإن كان قد حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب، فإنه يجب أن يؤخر

стр. 83

الكلام عليه إلى القول في مراتب البيان، وقد رد على القائلين بأن البيان هو العلم بطريقتن: إحداهما: أن العرب تقول أكملت البيان، وأتممت البيان لك، وهذا يشعر بكون البيان طريقا للعلم من العلم. والثانية: أن البيان إذا كان هو العلم، فليكن العلم بيانا، وهذا يقتضي تسمية علم الله سبحانه بيانا، وقد تقدم تعقب الأئمة فيه. ولما أحس بعضهم بهذا الاعتراض الثاني قيد حده بأن قال: هو العلم الحادث، على حسب ما حكيناه عنه، ليسلم بهذا التقييد من المعارضة بعلم الله سبحانه، لكون علمه تعالى غير حادث. وأما من أشار من الحادين بالعلم إلى التقييد لمفارقة الإشكال فإنه قصد ما ذكرناه من قصد الصيرفي، وبيناه من قصر هذه التسمية على ما تقدمه إشكال، على ما يشير إليه تعقب المتكلمين للحد الذي ذكرناه، وهؤلاء أيضًا يخاطبهم القاضي بما خاطب به الصيرفي، في قصره البيان على ما تقدمه إشكال، وقد تقدم بسط القول فيه. واعلم أن النكتة التي تدور عليها هذه المذاهب أن هذه اللفظة مأخوذة من الانفصال والانقطاع، وبانت اليد عن الجسد بمعنى قطعت فصارت بقطعها متميزة عن الجسد، وبان الهلال ظهر، وفارق الخفاء، وبانت المسألة بهذا المعنى أيضا، وقد علم أن شخصا إذا استتر، فإن البصر منا لا يدركه، فإذا رفع الستر ووقع البصر الصحيح ظهر له، وفارق الستر والخفاء، ولكن هذه المفارقة للخفاء يصح إسنادها إلى وقع البصر عليه، ونفس الإدراك له، وإلى ارتفاع الستر الحائل بني البصر وبينه. وكذلك المعاني المستورة عن العقل إذا رفعت الفكرة فيها هذا الستر حتى أدركها العقل، وحصل العلم بها فإنه قد يصح إسناد مفارقتها للخفاء، وحصولها معلومة إلى نفس الفكرة الرافعة لما أخفاها عن العقل، ويصح أن تصرف إلى نفس إدراك العقل لها، والعلم بها، فمن الالتفات إلى النظر في هذا وقع الخلاف في البيان، هل يرجع إلى الدليل أو إلى العلم، والبيان قد يطلق بمعنى التبيين، فيرجع ذلك إلى الطريق إلى العلم، وقد يكون مصدرًا من بان يبين بيانا، فيرجع إلى العلم. فهذا سبب النزاع في معنى هذه اللفظة، لكن القاضي وغيره لما اختاروا صرفها إلى الطريق إلى العلم، قال ذلك قولا مطلقا، طردا، اقتضى هذا الذي بيناه، وزعم غيره ممن

стр. 84

سلك مسلكه أن العرب إنما تطلق هذا في البيان القولي، لا في العقلي فقد حده بما ذكرنا، فهذا منشأ الخلاف بين أصحاب هذه الحدود، مطلقها ومقيدها. وأما الوجه الثاني وهو القول في مراتب البيان فإن أبا المعالي نقل في ذلك ثلاثة مذاهب: - أحدهما أن المراتب ثلاثة أولها النص. - والثاني الظاهر. - والثالث المحتمل على التساوي. والمذهب الثاني أنها خمسة على ما ذكره الشافعي: - أولها: النص الجلي، الذي يدركه الجميع، كقوله تعالى في صيام المتمتع: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) أكده بقوله: (تلك عشرة كاملة). - وثانيها: النص الذي ينفرد بدركه العلماء، كالواو التي في آية الطهارة، فإن هذين الحرفين يقتضيان معاني معلومة عند أهل اللسان. - ثالثهما: نصوص السنة الواردة بيانا لمشكل في القرآن، كالنص على ما يخرج من الحصاد مع تقدم قوله تعالى: (حقه يوم حصاده) ولم يذكر في القرآن مقدار هذا الحق. - رابعها: نصوص السنة المبتدأة. - خامسها: القياس والمذهب الثالث أنها ستة: - أولها: القول. - ثانيها: الفعل. - ثالثها: الإشارة كقوله: "الشهر هكذا، وهكذا وحبس في الثالثة لسبعة" الحديث. - رابعها: الكتابة. - خامسها: المفهوم بالموافقة وهو الفحوي، أو بالمخالفة وهو دليل الخطاب.

стр. 85

- سادسها: القياس. ومما تعجب [منه] في نقل هذه المذاهب أن الغزالي نخل هذا الكتاب الذي نحن آخدين في [شرحه] فذكر أن الأصوليين (...) على أن مراتب البيان خمسة، وإنما اختلفوا في أوضاعها، وهذا أبو المعالي قد حكى في الأصل الذي هذبه الغزالي (...) قولا إنها ثلاث، وقولا إنها ست، فلا عذر للغزالي في هذا النقل، إلا أن يكون قد استكذب نقل إمامه، وكان من (حق ...) هذا الكتاب أن ينبه على غلط إمامه في هذا النقل، لئلا يعود قارئ كتابه مستكذبا له هو (... هب) المتفق عنده على (... ك) المقالة التي عددناها ثلاث مراتب، أما (...) (ص ٤٦) مرتبتين فجعل بينها ثانيها وثالثها المحذوف المفهوم آخره عن الظاهر، وقدمه عن المحتمل، وزاد مرتبة خامسة وهي القياس، ولما حكى المراتب الستة أسقط منها الكتابة، حتى صارت هذه بإسقاط هذه الواحدة خمسا، وتلك بزيادة الاثنين خمسا. فأما ما نقل الشافعي فقد تعقبه عليه ابن داود بإسقاطه الإجماع في هذه المراتب، وقد أعذر عنه بأن الإجماع مستند إلى خبر الرسول ﷺ ، وخبر الرسول قد عد في المراتب الخمس، فاستغنى عن الإجماع بذكره، لكن هذا ينتقض بعده القياس، فإنه مستند إلى الإجماع، فكان يجب أن يسقط لاستناده للإجماع الذي أسقط أيضًا لاستناده للخبر المعدود، والقياس أولى بالحذف من الإجماع على موجب هذا الاعتذار، وعندي أنه قد يقدح في قوله: من طريقة أخرى، لأنه أشار إلى طرق لا حظ لها في التفاوت من ناحية القوة والضعف، والحرف الذي أشار إليه في آية الطهارة إن كان محتملا في اللسان عند العلماء، فلا وجه لعده في البيان، وإن كان نصا لا احتمال فيه، فلا وجه لتقاصره على النص الذي يعرفه الجميع، لأن زيادة العالمين بالشيء أو نقصهم لا يؤثر في العلم قوة ولا ضعفا وهكذا السنة الصحيحة، هي على مرتبة واحدة في الضعف والقوة، إذا نقلت عن النبي ﷺ ،

стр. 86

سواء كان المنقول حكما لمبتدأ أو بيانا لمشكل تقدم. وقد أشار أبو المعالي إلى قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة) تأكيدا، وهذا وإن لم يكن غرض هذا العلم، بل هو من شغل أهل التأويل حسن عندنا لما عن هاهنا أن نشير إيه، وأمثل جواب قيل فيه أن قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة) إنما قصد به رفع ما قد يهجس في النفوس من أن المتمتع إنما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر، ثلاثة منها في الحج، ويكمل سبعة إذا رجع، ويلوح لي معنى آخر، وذلك أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لا يجب على المفكر أن يجمع بينهما، ألا ترى الحانث في اليمين بالله لا يلزمه أن يطعم المساكين ويكسوهم، ولا يلزم المظاهر أن يعتق ويصوم، ولا القاتل أن يعتق ويصوم، ولا الحالق في الحج أن يهدي ويصوم أو يطعم ويصوم. فلما اختلف محل هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، صار باختلاف المحلين كالجنسين، والجنسان لا يجمع بينهما هذه الزيادة، وهي قوله تعالى (تلك عشرة كاملة) [ترمي] إلى رفع ما قد يهجس في النفوس من أنه إنما عليه أحد النوعين، إما الثالث، وإما السبع. وأما المذهب الثاني الذي عد فيه المراتب ثلاثة فإنه يتعقب على نقل أبي المعالي من جهة واحدة، وهي إدخال المحتمل المجمل في مراتب البيان كالقرء وشبهه، والاحتمال نقبض البيان، ويتعقب على نقل الغزالي بهذا، وبوجه آخر، وهو إتيانه المحذوف المفهوم كقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) مؤخررا عن الظواهر، مع كون الظواهر ظنية وهذه المحذوفات قطعية. وأما المذهب الثالث فإن عد فيه الأفعال من مراتب البيان، وهي مسألة اختلف الأصوليون فيها، فالأكثرون على أن البيان يقع بالأفعال، ومنهم من أنكر البيان بالفعل، ورأى مجرد الأفعال لا تنبئ على المراد، بخلاف صيغ الأقوال التي تنبئ على المراد بالاصطلاح عليها، ومن لم يسلم هذا المذهب يقول متى استؤذن إنسان في أن يؤخذ شيء من ماله، فأشار برأسه نعم، أو لا، فإن هذه الإشارة تنزل بمجردها منزلة القول: نعم، أو لا، فقد صار مجرد الفعل حل محل النصوص من الأقوال، وربما حل الفعل محل الظواهر من الأقوال، كمن فعل فعلا يحتمل أن يريد به أمرا، وأمرا، لكنه في إنبائه عن أحد الأمرين أظهر. فإن هذا كالمحتمل من الأقوال، ولكنه في أحد محتمليه أظهر، وقد يكون أفعال كالمجمل من الأقوال، باحتمالها الإنباء عن مرادين، احتمالا متساويا، كمن رأيناه صائمًا

стр. 87

يوما، لا مزية لذلك اليوم على غيره، فإنه يحتمل أن يصومه طوعا، أو نذرا، احتمالا متساويا، ولو رأيناه صائما يوم عاشوراء، وقد كان مفطرا قبله، وهو مفطر بعده، لكان غلبة الظن أنه صامه لفضله، وإن أمكن يصومه قضاء، عن نذر عليه. والمنكرون لكون الفعل بيانا يعتلون بأن البيان لا يتأخر عن أحد القولين، والفعل قد يتأخر، أو يشرع فيه عقيبه، فيطول، وهذا ضعيف، لأن هذا ليس بالتأخير الممنوع، عند من منع تأخير (...) يفتقر البيان القولي إلى إطالة وتكرر، وهؤلاء يرون أن صلاته ﵇ إنما اتبع فيها وحجه إنما اتفق عليه لقوله (ص ٤٧): "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم" والفعل لا يكون بيانا حتى يتقدمه قول يشعر بكونه بيانا، ألا تراه ﷺ قال للسائل له عن الأوقات: "صل معنا". فالبيان مسند إلى هذه الأقوال، لا إلى مجرد الأفعال، يجيبون عن هذا بأن مجرد قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لا يتعلم منه ركوع الصلاة وسجودها، وإنما يتعلم ذلك من نفس فعله للركوع والسجود، فكان إضافة البيان إليه أولى، وهذه عندي مشاحة في عبارة، فلابد من إشعار بكون الفعل بيانا من مقال، أو قرينة حال، ولولا هذا الإشعار لم يحصل للمكلف بيان، ولولا الفعل لم يتعلم صور الأفعال، فعاد الخلاف في هذا مناقشة في عبارة على أن المفهوم من نقل بعض المصنفين صرف الاختلاف إلى معنى، وهو هل يتصور فعل ينبئ مجرده عن المراد من غير إسناد ذلك إلى مقال، أو قرينة حال، فهذا لا تمس الحاجة إلى الكلام عليه هاهنا لأن الأحكام استقرت. وأفعال ﵇ التي وقعت قد قال كل طائفة من العلماء مذهبه واعتقاده في الصفة التي وقعت عليها، وأنبأت عنها. ولما اختار أبو المعالي أن البيان هو الدليل عقليه، وسمعيه، رأى أن لا تفاوت فيه إلا على الطريقة التي قدمنا القول فيها في الكلام على النظر. أما العقلي فيتفاوت بقربه من الضرورة وبعده منها، والسمعي يتفاوت بقربه من دلالة المعجزة، وبعد عنها، فسامع خطاب النبي ﷺ حصل في أول المراتب، والإجماع ثانية، لكونه علما على خبر النبي ﷺ ، وخبر الواحد والقياس ثالثهما، لأنهما إنما ثبتا

стр. 88

بالإجماع، ثم تتفاوت الأخبار، والأقيسة في القوة والضعف، على حسب ما تبين في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله. والوجه الثالث، وهو القول في تأخير البيان، فالكلام في أربعة أوجه: - إظهار فائدته. - ونقل المذاهب فيه. - وسبب الاختلاف فيه. - وإثبات وقوعه في الشرع. فأما فائدة الكلام فيه فإن الفقيه إذا عثر على عموم القرآن ثم عثر على خبر واحد يرفع بعض ذلك العموم، وعلم تاريخ نزول الآية، وتاريخ الخبر، وأن الخبر متأخر عن نزول الآية فإنه إن اعتقد إحالة تأخير البيان قضي بكون الخبر نسخا، فلم يأخذ به، إذ النسخ لا يكون بأخبار الآحاد، وإن أجاز تأخير البيان قضي بكونه مخصصا، فأخذ به، إذا كان من مذهبه التخصيص بخبر الواحد، وهذا كما يستدل الشافعي على أن السلب للقاتل، بقوله: ﵇ "من قتل قتيلا فله سلبه" الحديث المشهور. ونقل إن هذا الحديث كان في غزوة حنين، وأن الآية وهي قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء) كانت قبل ذلك في غزوة بدر، وتقع المنازعة في معنى الحديث، هل قال ذلك حكما جزما، أو قاله لأنه أعطى ذلك نفلا، وقد قال تعالى في هذه الآية: (فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى). وقد ورد الخبر بتخصيص بعض الأقارب، فينظر أيضا في تاريخه، ويجري على ما بيناه من كيفية العمل في هذا الأصل. وهكذا يجري النظر في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هل هي وضع الحمل، لقوله تعالى: (فأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فعم المتوفى عنها زوجها والمطلقة، هذا يقتضي أن وضع الحمل نهاية عدة المتولي عنها زوجها، وهو المشهور من المذهب عندنا، وقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، فعم الحايل والحامل، وهذا يقتضي أن الحامل إذا وضعت قبل أربعة أشهر

стр. 89

وعشرا، [فإنها تخرج من عدتها] لعموم هذه الآية، وأما وضع الحمل، إذ لا يصح لحامل أن تتزوج، ولا يسقي الإنسان زرع غيره، مع قوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن). وورد أيضًا في الصحيح حديث سبيعة الأسلمية، وفيها أنها "حلت بوضع الحمل من عدة الوفاة"، فينظر في تواريه هذه الظواهر كلها، فإن علم تأخير حديث سبيعة، عن آية سورة البقرة، وقلنا بإحالة تأخير البيان صار ناسخًا، فلا يؤخذ به، وإن أجزنا تأخير البيان كان مخصصا، فيصح الأخذ به، وهكذا ينظر أيضًا في تاريخ الآيتين، ليعلم من التواريخ المتأخر، فينظر هل أنت تطلب نسخًا فلا يكون إلا بقاطع، أو تخصيصا فيكون بغير قاطع، وهذا مما يكثر، ومن استبحر في مسائل الخلاف، وطرق المحاجة من أهلها ألفي من هذا كثير. ومما يلتحق بالكلام في هذا (ص ٤٨) الباب أن تعلم فرق ما بين من يقول بالوقف، وينكر صيغ العموم، وبين من يقول بالعموم، ويقف انتظارًا للبيان، فإن هذا وقف، وهذا واقف، ولكن أحدهما يقف لأجل احتمال اللفظ، فلا ينقض وقوفه حتى يعثر على ما يبين له المراد باللفظ، فإن لم يعثر على ما يبين له المراد باللفظ فلا متمسك له بذلك اللفظ، والآخر وهو القائل بالعموم المجوز لتأخير البيان يقف ترقبا ورود مخصص فإن يئس منه تمسك، فشتان بين متمسك بالعروة حتى لا تزال يده منها، وبين من يتلطف التوصل للتمسك بها. وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في تأخير البيان، فاعلم أن الخطاب إذا ورد، ومست الحاجة إلى امتثاله وإنفاذه، فإن الاتفاق قد حصل من أهل المذاهب على أن البيان لا يتأخر حينئذ، لأنه لو تأخر في هذه الصورة، وكلف المكلف القصد إلى من لم يعلمه مراده، ولا فعل له دليلا عليه، كان هذا تكليف ما لا يطاق، وقد حصل الإطباق على أنه لا يقع هاهنا، وإن اختلف في تجويز ورود الشرع به، على حسب ما تقدم فيما قبل. والمعتزلة يلتفتون مع هذه النكتة إلى طريق ثانية في الإحالة وهي النظر في الاصطلاح، والتقبيح والتحسين العقلي، وذلك أصل لا نساعدهم عليه. وأما تأخير البيان على وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الامتثال، فإن المنقول فيه ستة أقوال: من الناس من ذهب إلى إجازة ذلك على الإطلاق، وبه قال الشافعي، وأكثر أصحابه، والأقل من أصحاب أبي حنيفة، ومن أصحابنا ابن بكير، وأبو الفرج، وابن خويز منداد، وحذاق المتكلمين من أصحابنا.

стр. 90

ومنهم من ذهب إلى منع ذلك على الإطلاق، وبه قال الأكثر من أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، ومن أصحابنا أبو بكر الأبهري، وغيره، وهو قول المعتزلة. ومن الناس من لم يطلق الجواب، بل فصله، فقال بعضهم يجوز تأخير البيان في الأوامر والنواهي دون الأخبار. ومنهم من قال بالعكس. وقال بعض الناس يجوز تأخير البيان في المجمل، ولا يجوز في العموم وذكر بعض المصنفين قولا سادسا، وهو عكس هذا، وهذا القول السادس، وهو إجازة تأخير البيان في العموم ومنعه في المجمل، ولست أثق بنقله كما أثق بنقل المذاهب الخمس. وقد قال القاضي عبد الوهاب في بعض مصناته: ما أحد قال به، وأراه إنما نبه عليه، لأنه استراب نقله أيضًا، فلم ينقله مع جمله المذاهب، ولكنه رمز إليه بمثل هذا التنبيه عليه. وإذا ورد بيان لمشكل، فهل يترقب وقوع بيان آخر بعده على القول بجواز تأخير البيان؟ اختلف الناس فيه أيضًا على أربعة أقوال: فمنهم من أجاز ذلك في الثاني والثالث وما بعدهما، كما أجازه في الأول. ومنهم من منع ذلك في الثاني وما بعده، وقدر أن ورود البيان الأول يشعر بانحسام طرق ترقب بيان آخر، لأن المخاطب جد في بيان ما أشكل فاقتضى الحال إكمال البيان. ومنهم من أجاز ذلك في المجمل، ومنعه في العموم كإحدى المقالات المقولة في البيان الأول، فمنهم من منع تأخير الثاني، إلا أن يشعر المبين بأنه قد بقي بيان آخر، فحينئذ يجوز تأخير بيان بعد بيان. وأما الوجه الثالث، وهو سبب الاختلاف بين أهل هذه المذاهب، فإنه مما ينبغي أن يعلم قبل الخوض في هذا أنا ذكرنا أن الكلام في هذه المسألة من أربعة أنحاء: منها إثبات وقوع ذلك في الشرع، وأنت إذا اشتغلت بهذا الوجه وأثبتت وقوع ذلك في الشرع أغناك عن النظر في جواز وقوعه، وهذا كما قال المستدل بالسمع على أن الله تعالى يرى في القيامة يتضمن استدلاله جواز الرؤية، ويعينه عن إفراد ذلك بالذكر.

стр. 91

فأما القائلون بجواز تأخير البيان على الإطلاق فإنهم يعتمدون على أن تصور هذا ممكن متأت، ولا بعد في العقول في أن السيد يقول لعبده: اصنع لي غدا طعاما، ثم يبين في غد جنس الطعام الذي يصنع له. وإنما منع المانعون تأخير البيان، لأنهم قدروا تضمنه إحالة، لا لكونه في نفسه محالا، واختلفت عبارتهم عن وجه الإحالة، فمنهم من يشير إلى أن تأخير البيان يصير الخطاب المشكل كالعدم، أو كخطاب الميت، أو كخطاب الزنجي بالعربية. ومنهم من يشير إلى كون هذا الخطاب إغراء بالجهالة، وتسليط الغلط، ومنهم من يشير إلى كونه مهجنا للخطاب، مفسدا للغة، كما يهجن الخطاب تأخير الاستثناء، ويفسد اللغة، ومنهم من [يشير] إلى الاستصلاح الواجب على الله سبحانه للعباد، وهؤلاء هم المعتزلة، وأصلهم غير مسلم كما قررناه مرارا، على أنا لو [سلمنا] لهم لم يبعد كون الاستصلاح في تأخير التعيين، وربما كان تقدمه مفسدة، وتأنيس الطبع به، وتدرجه عليه (ص ٤٩) أقرب إلى الصلاح. وأما من جعل الخطاب كالعدم فباطل، لأنه موجود حسا، ومن شبهه بخطاب الموتى فباطل، لأن الميت لا يفهم جملا ولا تفصيلا، وهذا يفهم على الجملة، ويعلم أنه مكلف عبادة، وينتظر بيانها له، فهو مطيع في تصديقه، وعازم على فعلها عند البيان، ويتوقع البيان، والميت لا يتوقعه. وتشبيههم بخطاب الزنجي باطل أيضًا لما قررناه من كون الزنجي لا يفهم جملة وتفصيلا هذا على أن نجوز خطاب الزنجي بالعربية بشرط بيانها له، وقد كلف النبي ﵇، أمته امتثال ما جاء به للعجم، كما كلفه للعرب، ولم يقبح ذلك لكونه يترجم لهم عنه، على أن هذا الإعلال تتوجه المطالبة به على من احتج به، وذلك أن المانعين لتأخير البيان لا ينكرون ورود الخطاب بالمشكل إذا قارنه بيان، وخطاب الميت لا يحسن ولو قارنه البيان، وخطاب الزنجي حسن، والبيان واقع عقيبه، أو متأخرا عنه، على حد سواء. وهكذا لو درس فقيه الفقه سائر نهاره بالعجمية، والتلامذة عرب فإن حسن البيان

стр. 92

عقيب الفراغ من التدريس، وبعض حين على حد سواء، فإن كان قبيحا ففي الأمرين، وإن كان حسنا ففي الأمرين. وأما تعويلهم على أن في ذلك إغراء بالجهالة فإنه باطل، لأنه من حق سامع العموم أن يترقب ورود بيان وتخصيص، لكونه ذلك لا إحالة في تأخيره، فإن بادر فصمم على القطع على الشمول فالذنب له، لا للفظ، ولا يجعل غلط الغالطين إفسادًا للحقائق، ولا قلبا لها عن صورتها. وأما من قبحه قياسا على قبح تأخير الاستثناء فإنه باطل، لأن العرب لم تنطق بالاستثناء مؤخرا، ونطقت بمشكلات ثم بينتها فيما بعد، فالقبح والحسن هاهنا متلقى من اللسان، وإذا وضح فساد ما تخيله هؤلاء من طرق الإحالة، ثبت جواز الذي قلناه، ويناقضون بتأخير النسخ، فإنه عند المعتزلة وغيرهم ممن اتبعهم على هذا المذهب بيان مدة انقطاع العبادة، والنسخ تخصيص للأزمان، والتخصيص يكون في الأعيان، ولا فرق بين إخراج بعض الأزمان، أو بعض الأعيان، فإذا جاز التأخير في النسخ، جاز ذلك في إخراج بعض الأعيان، وهذا لا يتصور فيه فرق محقق. وقد دعا توجه هذا الإلزام بعض المبتدعة إلى أن كابر في تأخير النسخ فمنعه، وأوجب اقترانه للخطاب نصا، أو إشعارا، وهذا معلوم على الضرورة، أن الشريعة جاءت بخلافه، وأن النواسخ كلها لم تقارن المنسوخ، ولو قارنته تصريحا لم يكن نسخا، إذ لو كان ذلك لكان كل تقييد، أو اشتراط نسخا، حتى يكون قوله تعلى في الحيض: (حتى يطهرن) نسخا لتحريم وطء الحائض، وقوله تعالى: (إلى الليل) نسخا لقوله: (ثم أتموا الصيام). والإشعار على الجملة من غير تصريح لا معنى له، لأنا بالعقل نجوز نسخ ما تعبدنا به، فلا ثمرة لقوله: صلوا إلا أن أنسخ ذلك عنكم، لأنا نعلم بالعقول أن الأمر كذلك يكون، وأما من فرق بين الأخبار والأحكام فأجاز في الأحكام دون الأخبار، فإنه قدر أن تأخير البيان [في] الأخبار يطرق سوء الظن إلى صدق الصادق، بخلاف الأحكام فإنها ليست بخبر يدخله الصدق والكذب، ورفع جميعها بالنسخ غير مستنكر، فكيف برفع بعضها.

стр. 93

وأما من عكس هذا، فقدر أن الغلط في الأحكام مضر بالمكلفين، ومفسد للعباد، وتأخير البيان فيه إغراء بالغلط، والغلط في الأخبار غير مفسد للعباد، فصح فيه التأخير. وأما من أجاز في المجمل، ومنع في العموم، فلأن المجمل لا طريق له إلى اعتقاد أمن فيه فيؤمن الغلط عليه، والعموم له طريق إلى اعتقاد التعميم، لكونه مقتضى ظاهر اللفظ، وقد يغلط في اعتقاده، إذا أخر التخصيص. وأما من عكس هذا المذهب إن ثبت النقل لهذا المذهب، فإنه يرى أن العموم له ظاهر يدل على المعاني، فالخطاب به خطاب بما يفيد، والمجمل لا فائدة [فيه] فضارع الخطاب به خطاب العربي بالزنجية. وأما الأربع مذاهب التي نقلناها في جواز تأخير البيان الثاني فقد نبهنا على سبب الخلاف في المذهبين المطلقين بالمنع والإجازة، والمذاهب المعتدة توجيهها، والرد عليها مأخوذ مما قررناه. وأما الوجه الرابع فإن الناس استدلوا على وقوع البيان متأخرا في الشريعة بقوله تعالى: (ثم إن علينا بيانه) و"ثم" للمهل والتراخي. وبقوله تعالى: (ثم فصلت آياته) و"ثم" للمهملة كما قررناه. وقد قالت الملائكة: (إنا مهلكوا أهل هذه القرية) ولم يستثنوا لوطا، حتى قال إبراهيم ﵇: (إن فيها لوطا) فـ (إن فيها لوطا)، نخصص من أهل القرية. وهكذا [وعد الله] (ص ٥٠) سبحانه نوحا بأنه ينجيه وأهله، ولم يستثن من الأهل ابنه، حتى قال نوح: (إن ابني من أهلي) فأخبر بتخصيصه من الأهل، وهذان بيانان تأخرا. وقد أمر الله بني إسرائيل بذبح بقرة، والقصد بالأمر بقرة معلومة، وراجع بنو إسرائيل فيها مرة بعد مرة، حتى بين لهم ما عرفوها به، وهذا تأخير البيان، وهكذا قصة موسى ﵇ مع الخضر، فإنه لم يخبره بجواب ما سأله عنه إلا بعد تراخ، على حسب ما أخبر الله

стр. 94

سبحانه عنهما في قتل النفس، وخرق السفينة، وإقامة الجدار، وقد سأل رجل النبي ﷺ عن صلاة الصبح "فأمره أن يصلي معه يومين" الحديث، فأخر البيان حتى أوقعه بالفعل. وقد فرض الحج، وأخر بيانه حتى حج النبي ﷺ ، وبين المناسك حالا فحالا، هكذا نصب الزكوات وأحكامها، والصلوات وأنواعها، وركوعها وسجودها، أخر بيان جميع ذلك عن أوقات ورود الأمر بها على الجملة، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، وبعض هذه الظواهر وإن نوزع في التعلق بها، فإن جميعها وتكاثرها يقضي وقوع تأخير البيان، مع المنقول في الحج والصلاة من الأحوال الدالة على التأخير. فصل يشتمل على ذكر المقالات في مبادئ اللغات فينبغي أن نقدم بين يدي القول في هذا الفصل الاعتذار عن إيراده في أصول الفقه مع العلم بأنه لا تمس الحاجة إليه، في النظر في الأصوليات، ولا يستعمل قانونا كليًا في شيء من الاستدلالات، فالعذر في إيراد الأصوليين له مع كونه لا ثمررة لهم في علمهم، أن أصول الفقه معظمها يستند إلى النظر في دلالة الصيغ كالعموم والخصوص، وأحكام الأمر والنهي، ودليل الخطاب ومفهومه، وإلى النظر في إشارات معانيها، وهو مبدأ القياس، والنظار في الفقه لا يكمل نظره دون أن يكون عارفا بجزء من أجزاء اللغة، وهو قوانين كلية، تعقد في أحكام بعض الألفاظ التي يكثر دورانها في الكتاب والسنة. فحسن عندهم لما كانت أصول الفقه متعلقة بالإحاطة بفن من اللغة أن يذكروا مبدأ ذلك الفن، فيكون تكميلا في العلم المنظور فيه، وربما يشار في هذا إلى أن من فوائد الكلام عليه النظر في جواز اللغة. فأما ما يتعلق بالأحكام الشرعية، ومستند الأحكام فيه ألفاظ ما، فمتى غيرت وقلبت اختلطت الأحكام، وفسد النظام، واندرست من الشريعة الأعلام، فإن هذا لا يختلف في تحريم قلبه وإفساده لا لأجل نفسه، لكن لأجل ما يؤدي إليه من إفساد الشرع. وأما ما لا تعلق له بالشرع من الألفاظ فقد حكي عن بعض من يقول إن أصل اللغة توقيف، أن القلب لا يجوز، فلا يسوغ عندهم أن يسمى الثوب فرسا، والفرس دارا، وأما من يقول إن أصل اللغة الاصطلاح فلا مانع عنده يمنع من قلب هذا النوع من الأسماء، وأما من يجوز الأمرين جميعا، كونها اصطلاحا وتوفيقا، فاختلفت إشارة المتأخرين إلى ترجيح هذه المسألة على هذا المذهب.

стр. 95

فأما الأدري، فإنه يشير إلى تجويز ذلك، كما يجوز عند أصحاب الاصطلاح. وأما أبو القاسم عبد الجليل الصابوني فإنه يشير إلى منع هذا، ويعتل بأنا نجوز كون اللغة توقيفا، ونجوز كون هذا التوقيف واردا على أنه وجب على السامعين له ألا ينطقوا إلا به، وهذا الذي قاله بعد عن طريق الفقه. وهذه المسألة فقية محضة، لا مدخل لها في الأصول، لأن النظر فيما لا يحل له إيقاعه من لفظه أو حركة، أو لحظة أو سكتة، أو غير ذلك من ضروب الأفعال إنما هو شغل الفقيه، وتعيني التحليل أو التحريم في مسألة بعينها لا يوجد في علم الأصول. وقد علم أن الفقهاء المحققين لا يحرمون الشيء لجواز أن يكون قد ورد شرع بتحريمه، وإنما يحرمونه إذا حققوا ورود الشرع بتحريمه، فإذا لم يعلموا ورود حكم الشرع، فهاهنا يختلفون هل يحملون ذلك في العقل على الحظر، أو الإباحة، وهذا فن آخر غير ما نحن فيه. كيف؟ وهذا (...) يجوز مع القول بأن اللغة توقيف أن يرد التوقيف بمورد الإيجاب، أو مورد الإباحة، أو الندب، فالتصميم بالفتيا بأحد الجائزات من غير ترجيح جائز على جائز، لا سبيل إليه، ولو رجح بالاحتياط للتحريم لكان هذا نظرا في المسألة من جهة أخرى (...) الأشياء على الحظر عند عدم ورود الشرع. وإذا وضح القول عن العذر عن إدخال هذه المسألة في (ص ٥١) أصول الفقه، ووضح ما قلناه من هذه الفائدة، وأنها بعد بيانها ملتحقة بالفقيهات لا بالأصوليات فلنعد إلى مقصود الباب فنقول: اختلف الناس في مبادئ اللغات كلها: فمنهم من قطع بأن مبدأها التوقيف، ولم يجوز سواه، ويحكى عن الشيخ أبي الحسن الأشعري ئة أن أصلها توقيف كما قال هؤلاء، ولكن لست أدري هل يمنع سواه كما منع هؤلاء، أو يجوز سواه، وإنما قطع بما قال سمعا. ومن الناس من قال بعضها توقيف، وبعضها اصطلاح، والقاضي أن الطيب ﵁ في جماعة من المحققين يجوز وقوع اللغات على جميع هذه الجهات. وهذه المذاهب المنقولات، وتلخيص النكتة التي يعتمد عليها في تصحح مذهبه، والرد على من سواه من المذاهب، أن سماع اللغة من قبل الباري سبحانه ممكن في العقول،

стр. 96

وخلق علم ضروري في قلوب السامعين بالمراد بالكلام المسموع غير مستحيل، بل جائز في العقول جوازا لا إشكال فيه، فإذا أمكن أن يرد كلام من قبل الله، ويعلم مراده به، ويأمر بالنطق به، أو نتيجة لم يكن لمنع تصور التوقيف معنى كما اعتقده من قال بمنع التوقيف من حيث أغفل ما صورناه من خلق العلوم الضرورية بالمراد بالكلام، ولما أغفل هذا، وقدر أن المراد بالكلام إن افتقر إلى بيان بكلام آخر، افتقر الآخر إلى آخر إلى ما لا يتناهى، هرب عن القول بالتوقيف إلى الاصطلاح لأجل هذا. وأما تصوير وقوعها اصطلاحا فواضح أيضًا لأنا نرى الخرس يفهمون عنا بالإشارة، ونفهم عنهم بها كثيرا من المعاني، فلا نكر في العقول في أن يشير قوم إلى وضع نوع من النعم دلالة على أشخاص حاضرة، والطفل على هذا النحو يتعلم اللغة من أمه وأبيه ولا وجه لمنع هذا مع تصوره، كما ظن المانعون له إذ تخيلوا أن الاصطلاح والتواضع يفتقر إلى تقدم عبارة يدعو بها بعضهم لبعض إلى الاصطلاح، لأنا قد بينا حلول الإشارة محل العبارة. وإذا كانت هذه هي النكتة عندهم في المنع دعا النظر فيها قوما آخرين إلى المذهب الثالث، وهو كون بعض اللغة توقيفا، لأن بهذا البعض يتم الدعاء إلى الاصطلاح، فلا وجه عند هؤلاء إلى تعميم القول في كونها كلها اصطلاحا، مع عدم الحاجة إلى ذلك في بعضها. فإذا وضح أن الحق تجويز هذا كله من ناحية العقول، فكيف كان الأمر فيها، هذا لا حظ للعقول فيه، وهو من جملة الغيب الذي إنما يتلقى من أخبار الصادق. وقد زعم بعضهم أن قوله تعالى: (وعلم أدم الأسماء كلها) الآية يقتضي القطع بأن أصل اللغة توقيف، لإخباره تعالى معلمة من لدنه لآم، وأنكر الحذاق أن يكون في الآية دليل قاطع، ومن الممكن أن تكون الملائكة اصطلحت على لغة، وأنساها الباري سبحانه ثم علم ما أنساه الملائكة لآدم، وأحضر أصحاب الأسماء، وعرضهم على الملائكة لقوله تعالى: (ثم عرضهم على الملائكة)، وهذا الضمير الذي هو الهاء ولميم لا يحسن عوده على التسميات، بل على المسميات، فلما عرضهم على الملائكة: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا). وقد أخبر الباري سبحانه عن كلام وقع من الملائكة ﵈، قبل خلق آدم ﷺ ، إذ قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وهذا يقتضي أنه إثبات كلام، ولغة

стр. 97

قبل خلق آدم، وتعليمه الأسماء، فلا بعد مع هذا في موافقة ما علمه آدم ما كان الملائكة عليه من لغة، وهذا التقدير يبطل كون الآية نصا. والغرض في هذه المسألة القطع، والقطع لا يكون إلا بالنصوص وبالله التوفيق. فصل في اختلاف الناس في إثبات اللغة بالقياس الكلام في هذا الفصل من ثلاثة أوجه: - فائدته. - ومحله. - وسبب الخلاف فيه. أما فائدته فإنه قد تمس الحاجة إلى النظر في ثبوت تسمية لذات، أو نفيها عنها، حتى يعلم بثبوتها، أو نفيها دخولها تحت ظاهر يحتج به في الشرع، أو خروجها عنه، كالمالكي، إذا استدل على تحريم شرب نبيذ التمر المسكر بأن الخمر حرام، فيقول الحنفي لا يسمى خمرا إلا ما اعتصر من العنب وكان نيا، ولم تضع العرب هذه التسمية إلا لهذا خاصة. ويحاول بهذا منع المالكي من إدخال عصير التمر تحت الظواهر الواردة بتحريم الخمر، لأن التسمية إذا لم تصح لهذا المتنازع فيه، لم يصح الاحتجاج عليه بتسمية لم تصح له، فيقول: المالكي [الخمر] مأخوذ من المخامرة، أو من التخمير الذي هو بمعنى التغطية والت [ـخمر] أالمرة تغطي وجهها (خل ..) في خمارا (...) (ص ٥٢) في جماعة يستر بعضهم عن بعض، وعصير العنب إذا أسكر يستر العقل وكذلك عصير التمر يستر العقل أيضا، فيجب أن يكون من لغة العرب تسميته خمرا أيضا. فإن قبل بالقياس على اللغة، وأن ما يستقر أو يلزم على القول كالمقول صح الاستدلال للمالكي، وإن لم يقل بأن المقول كالمنقول لم يصح الاستدلال بصحة الطريقة من العلل، ولكن بعلة أخرى، وهي العلة الحكمية، لأن هذه المسألة فيها علتان: علة الاسمية، وهي مضافة إلى العرب، وكأنها كشف عن السبب الذي دعاهم إلى وضع التسمية، وعلة حكيمة وهي مضافة إلى صاحب الشرع، وكأنها كالسبب الداعي إلى ما جاء به الشرع من هذا التحريم، وهو إيقاع العداوة، والبغضاء، والصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة. وهذه العلة الشرعية التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله والصلاة

стр. 98

موجودة في المسكر التمري، كما هي موجودة في المسكر العنبي، ورد الفرع إلى الأصل بعلة التسمية هو المختلف فيه بينهم، فمن منعه اضطر إلى الرجوع إلى هذا النظر الآخر، وهو الرد من ناحية العلة الحكمية، وهذا كله إذا لم يوجد نقل عن العرب أنها تسمى المسكر التمري خمرا. وهكذا النباش سارق الكفن إذا استدل المالكي على قطعه بقوله تعالى: (والسارق والسارقة) افتقر إلى إثبات تسمية هذا النباش سارقا، إما نقلا عن العرب، أو قياسا على لغتهم، فيصح له الاستدلال حينئذ. وهكذا المخالف إذا استدل على حد واطئ البهيمة بقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) افتقر إلى إثبات هذه التسمية في هذا الوطء ليصح له دخولها في الظاهر، إما نقلا عن العرب، أو قياس على معنى الاشتقاق، وهو العلو الذي منه أخذ الزنا بالآدمية، ومسائل هذا الباب تكثر. وأما الوجه الثاني، وهو محل الخلاف، فاعلم أن أسماء الأعلام كزيد وعمرو، لا يتصور إثبات القياس فيها، ولكونها غير معللة، فهي في هذا كالنصوص الشرعية التي لا تعلل، ومن ضرورة القياس إثبات معنى يقع به التشبيه، وهذا لا يختلف. وأما الأسماء المشتقة الصادرة عن معان معقولة كما مثلنا به في الخمر، والزاني، وكالأسود والأبيض، والعالم، والكاذب، فإن في مثل هذا يتصور الخلاف. وقد اختلف المتكلمون في ذلك على قولين، وكذلك اختلف الفقهاء أيضًا على قولين. وحذاق المتكلمين على منع القياس، وللمالكية فيه قولان أجازه ابن القصار، وأبو التمام، ومنعه ابن خويز منداد، وكذلك اختلف فيه من ليس من أصحابنا الفقهاء على قولين أيضا. وقد كان طرد هذا الذي بيناه يقتضي تصوير الخلاف في القياس على المجاز، كما اختلف في القياس في الحقيقة، لكن القاضي أبو محمد عبد الوهاب قد يشير إلى ارتفاع الخلاف فيه، وأن القياس فيه ممنوع، وذكر فرقين بينه وبين الحقائق، أحدهما أن المنع من القياس في المجاز لا يوقع في ضرورة، لأن هذا المجاز المشار إليه بالمنع يبقى له اسم الحقيقة، يعبر به عنه، والحقيقة إذا منعنا فيها القياس بقيت بغير اسم، وقد يحتاج إلى العبارة عنها، فيوقع منع القياس في ضرورة، وهذا الذي قاله إنما يتصور له فرقا في ذات لا اسم لها أصلا في لسان العرب.

стр. 99

والذي تمثلنا به مما وقع في الشريعة، له في لسان العرب اسم نصوص عليه، يعبر به عنه، فلا يوقع مع القياس في ضرورة، فيغني في العبارة المقصود فيها التفهم، قولنا: هذا وطئ بهيمة عن قولنا: زنا بهيمة، وكذلك بقية ما تمثلنا به، له عبارات تنبئ عن المراد، وذكر فرقا ثانيا، وهو أن المجاز أخفض رتبة من الحقيقة، فيجب أن يكون للحقيقة عليه رتبة، بل يجاز القياس فيها، ويمنع فيه، وهذا أيضًا ليس بالقوي، لأنا نجد بين الحقيقة والمجاز (...) الرتب بالسبق، وكون الحقيقة أصلا، والمجاز فرعا، إلى غير ذلك مما ذكره العلماء من الفروق، ما يغني عن هذا الفرق، وليس يجب (...) ثبت مع وجودنا فروقا كثيرة كل فرق قد يدعى من غير دليل يقوم عليه. وقد منع القاضي ابن الطيب القياس على المجاز، [فقال] لا يقال: سألت الثوب، قياسا على قولهم سألت الربع، والطلل، ولكن القاضي ابن الطيب ممن يمنع القياس على العلة [على] كل حال فلا ندري ما يقول في القياس على المجاز إذ وجدت العلة كوجودها في الحقائق على هذه الطريقة التي بنينا عليها (دان ...) في الخلاف في هذه المسألة، فإن من منع القياس استدل بقوله تعالى: (وعلم أدم الأسماء كلها) وهذا (ث ٥٣) استدلال ضعيف، لأنا لو قلنا بالعموم، وأنه لم يبق اسم إلا وقد علمه آدم، فإن الآية لا تنفي أن يكون غير آدم لم يعلم كل الأسماء، وعلم بعضها، واحتاج إلى قياس بعض آخر عليه، والكلام في علماء هذه الأمة لا في آدم صلوات الله عليه، ولكن القاطع الذي يعول عليه من منع القياس أن العرب إذا وضعت لذات أسماء وعرف العلة. والسبب الذي وضعوا لأجله التسمية كما تمثلنا به في مسألة الخمر وغيرها، فإنهم لا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام، إما أن ينهونا عن طرد علتهم، والقياس على تسميتهم، أو يأمرونا بذلك، أو يصمتوا عن أمرنا ونهينا، فلا يخفى عن أحد أنهم إذا قالوا سمينا هذا الشيء بهذه التسمية، ولا نسمى كذا وكذا بها، وإن كان مشبها لما سميناه أنه لا يجوز أن يسمى ذلك الشيء بالاسم الذي نهوا عنه، على أن ذلك من لغتهم، لأن من فعل ذلك كان مكابرا لهم، وكاذبا عليهم. ولا يشك أحد أيضًا أنهم إذا أمرونا بالقياس، وأفهمونا أنهم وضعوا هذه التسمية لكل ما فيه معنى المسمى عموما، حضر لديهم، أو غاب، إنما نسمي ذلك بهذه التسمية، ونضيف ذلك إليهم، ولا نكون كاذبين عليهم، وليس هذا بقياس، وإنما هو اتباع لهم، فيما وضعوه من المسميات نصا وتصريحا، أو ضمنا وتلويحا، ولهذا سمينا العالم منا الآن

стр. 100

عالما، وإن كانت العرب لم تره فتشير إلى عينه بهذه التسمية، لأنا علمنا ضرورة أنهم [لم] يقصدوا قصر هذه التسمية، على علماء عصرهم، بل وضعوها مشيرين بها إلى من رأوه من العلماء، ومن يأتي بعدهم، وكذلك تسميتهم الإنسان منهم إنسانا، والفرس فيهم فرسا، لكن لو تصور معنى آخر يقاس على العلم فتطرد التسمية فيه بالقياس، كان مسألة الخلاف. وأما إذا صمتوا فلم يأمروا، ولم ينهوا، فهذه موضع الخلاف، ولا وجه لتقويلهم ما لم يقولوا مع إمكان أن يكونوا قصدوا قصر التسمية، وإذا أمكن هذا في العقل [وجاز] فلا وجه للقطع على أن الأمر كان واقعا على نقيضه، وقد سموا سواد الفرس دهمة وسموا عصير العنب خمرا، ولم يسموا نبيذا التمر وغيره من المشروبات التي تغشي وتفسد العقل خمرا. وإذا وجد هذا النحو من التصرف في اللسان من القصر والإضراب [عن] العلل فمن أين ينطقوا فيما سكتوا عنه على خلافه، وأما من أجاز القياس على اللغة، فإنه يعتمد على القياس في [اللسان]، ويقول: كما صح الطرد في العلل الحكمية صح في العلل الاسمية، وهذا قياس يحاول به إثبات قياس آخر، والمطالبة في الثاني كالمطالبة في الأول، فيقال لم يجب القياس في اللغة لما وجب في الأحكام. ثم الفرق أن القياس في الأحكام عبارة من الله سبحانه، فصاحب الشرع، كالقائل إذا غلب على ظن الفقيه أني قلت قولا لعلة، ووجدت تلك العلة في أمر سكت [عنه] فليقض فيه، بمثل قضائي، فلو قال العربي إذا وجدتم علتي في أمر لم أسمه فسموه بمثل ما سميت أنا به شبيهه، لكان هذا مضافا للعربي، ولسانا له، ولم يكن قياسا على حسب ما بيناه، وقد قالوا أيضًا إن في منع القياس إفسادا للغة، وحسم مادة الانتفاع بها، لأنه يقتضي ألا يسمى فرسنا فرسا، لأن العرب لم تره فتسميه وهذا قد سبق جوابه، وأنه فهم عن العرب قطعا طرد التسمية فيه، وإنما كلامنا فيما لم يفهم عن العرب فيه أحد الأمرين، من أمر يقصر أو يطرد. فصل في ألفاظ شرعية ظن أنها ليست لغوية النظر في فائدة هذا الفصل يضاهي فائدة الفصل الذي قبله، وقد ذكرناها، وهي تتصور في هذا الفصل أيضا، وذلك مما يستبان بعد نقل المذاهب وتصويرها، فاعلم أن المعتزلة والخوار قسموا الألفاظ إلى ثلاثة أقسام: دينية ولغوية وشرعية فالدينية ما تعلق بمسائل الأصول، وهي الكفر، والإيمان، والفسق، فالإيمان عندهم مطلق على الطاعات المفترضة

стр. 101

عقلا، أو نطقا، أو فعلا، وأكثرهم على أنه لا ينطلق، على المندوبات، وذهب [الغلاة] إلى أن الإيمان ينطلق عليها، ولكنه إيمان لا يكفر تاركه ولا يفسق، فإن مفروضات الدين إما أن يكفر تاركها كالجهل بالله سبحانه، ورسله، وإما أن يفسق كتارك الصلاة والصوم، وقالت الخوارج في تارك المفروضات إنه يكفر. وأما الشرعية (فا ...) والصلاة والصوم والزكاة والحج، فإن الصلاة في اللغة يشار بها إلى الدعاء قال الله تعالى: (وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم) معناه ادع، [وقال] تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وصلاة الملائكة هاهنا الدعاء، صلى (ا ...) وسلم، إما (ا ...) (ص ٥٤) الشيء والقبول عليه، ومنه الاصطلاء بالنار، وقد قيل غير ذلك، مما بسطناه، وذكرنا شواهده في كتاب شرح التلقين، وقد علم أن الصلاة في الشريعة يشار بها إلى الأفعال المعلومة. وكذلك الزكاة في اللغة النماء، ويشار بها في الشريعة إلى إخراج شيء من المال، وهو نقص لا نماء، وكذلك الحد يشار به إلى القصد، وفي الشريعة إلى طواف، ووقوف، وسعي، والصوم يشار به في اللغة إلى الإمساك مطلقا، وصامت الشمس إذا قام قائم الظهيرة، وخيل صيام، وقالت مريم: (إني نذرت للرحمن صوما)، قيل: إمساكا عن الكلام، وهو في الشرع يشار به إلى الإمساك عن خارج، ووالج مخصوصين، في زمن مخصوص، والوضوء يشار به في اللغة إلى النظافة مطلقا، وهو في الشريعة يشار به إلى غسل أعضاء مخصوصة. وأما الأسماء اللغوية فهي التي [بنيت] عليها كل الشريعة عند قوم، أو جلها عند آخرين. من الناس من أنكر التقسيم في هذا الفصل، من هذه الجهة، وقال جميع ما ورد في الشرع بحروف العرب ونظمهم، والمقصود به من نطق الشرع هو المقصود به عندهم، فلا يعتبر أصلا وضع من الشرع لغة، وهو رأي المحققين من أئمتنا الفقهاء، والأصوليين.

стр. 102

ومنهم من زعم أن الشرع غير اللغة، ونقلها عن موضوعها، وأشار بالحروف، والنظام اللغوي إلى مسمى غير مسمى، وقدر أن هذه الأحرف التي هي الصلاة صاغتها العرب ونظمتها مشيرة بها إلى ما قدمناه عنهم، واستعملتها العرب، واستعملها صاحب الشرع، مشيرا بها إلى ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، على ما عرف من أحكام الشرع في الصلوات، وهكذا بقية ما عددناه من تلك المسميات. وتوسط آخرون فرأوا أن الشرع لم يغيرها تغييرا كليًا، ولا أقرها إقرارا كليا، بل حذا حذو العرب [في البناء] على معانيهم معاني أخر، وصرف تلك التسمية إليها، وجعل هذه الجملة مسماة بتلك التسمية الواقعة [موقع] الفرد من هذه الجملة، الذي هو الدعاء، وإذا تصورت المذاهب، وتمثلتها. ففائدة هذا الباب أن الظواهر (...) تفتقر إلى عرضها على هذه المذاهب، فيقول مثلا الخارجي: الزاني مخلد في النار، ويستدل على ذلك بما ورد من الظواهر في تخليد الكفار في النار، فإذا نوزع في تسمية الزاني كافرا، لأن العرب لا تعرف الكافر إلا من غطى الشيء وستره، كالجاهل بالله، الجاحد لنعمه، قال: غير هذه ونقلها عن موضوعها في اللغة، ألا تراه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، فسلبه تسمية الإيمان، فدليل هذا أنه كافر. ويقول المعتزلي: ليس سلبه الإيمان يثبته كافرا بل الزاني لا مؤمن، ولا كافر، فترى التغيير للتسمية وقع من الشرع على ما حكيناه عنهم. ويقول الأشعري: الحديث متأول، بمعنى من زنا مستحلا، أو بغير ذلك من التأويلات التي ذكرناها في كتاب المعلم بفوائد مسلم، فنمنع بالتأويل في كون الشرع مغيرا للغة. وعلى هذا الأسلوب يجري في الأسماء الشرعية، فيقول قائل فيمن صلى ولم يقرأ قرآنا أصلا ولا دعاء: صلاته باطلة، لأن هذا أتى بما يسمى في اللغة صلاة، وقد قال تعالى: (وأقيموا الصلاة)، وهذا لم يفهمها فيقول من يرى صلاته صحيحة، وإن لم يدع، ولا قرآ قرآنا رعى الشرع غير اللغة، واراد بهذه التسمية الركوع والسجود، وغير ذلك من المقصود عنده في الصلاة، فلا يكون في الظاهر حجة عليه، أو ينازع في مراد العرب، ويقول الصلاة عندها مأخوذة من الملازمة، والقبول على الشيء، والراكع والساجد القائم القاعد،

стр. 103

حصل له هذا المعنى، فدخل في الظاهر، وهكذا العمل في بقية المسميات التي ذكرنا الخلاف فيها. فأنت ترى تصرف هذا الأصل في استدلال الفقهاء بعضهم على بعض، وأنت إذا تصورت هذا، وتصورت [فا] ئدة أن العرب تتجوز فتسمى الشيء باسم ما لازمه وقاربه، وربما اشتهر المجاز عندهم حتى صارت حقيقة مهجورة، لا يكاد ينطق بها، ألا ترى أن حقيقة: (حرمت عليكم أمهاتكم) لا يفهم من الخطاب، وإنما يفهم من مجازه، وهو وطء الأمهات، وهكذا يكون (...) التعارف عن أهل النطق من أهل اللغة. وكذلك أيضًا إذا تصورت أن العرب ربما قصرت التسمية على بعض (...) على نوع من [الألفاظ] كالفقيه الذي لا يسمى به في العرف إلا العالم بأحكام الشريعة (ص ٥٥)، وأصله في اللغة اسم للعالم بكل علم، وكذلك دابة قصر في العرف هذا الاسم على نوع من الحيوان، وهو في أصل اللغة لكل ما دب فهو داب. فإذا تحققت الفصول علمت سبب الاختلاف الذي حكيناه، فكان من صور التغيير، وأثبته مطلقا يقول قد علم من إطلاق أهل الشرع الإشارة إلى الركوع والسجود بكونه يسمى صلاة، وهو ليس بدعاء، وهو المقصود، مع القيام والقعود في فرض الصلوات دون الدعاء، ولو أوجبنا معه قراءة أم القرآن، حتى يكون إيجابنا إياها عذرا عن ثبوت المعنى اللغوي في الصلاة، لقول القارئ لأم القرآن: (اهدنا الصراط المستقيم) وهذا دعاء، لمن يكن اعتذار هذه الطائفة بهذا عندنا مقبولا، لأن هذا إنما يسمى قارئا لأم القرآن، لا داعيا. فقد وضح أن الشرع أراد بهذه الصيغة معنى لم ترده العرب، ويقول من لم ير الشرع غير اللغة على حال: قد ذكرنا أن العرب إذا قصرت اسما على بعض مسمياته حتى صار اسما عرفيًا فإن ذلك ليس بتغيير له، ولا محد لإطلاقها إياه على غير هذا المقصور عليه، كما قلناه في تسمية الفقيه. وهكذا جاء الشرع في الصلاة والزكاة والحج لكنه قصر التسمية على دعاء مخصوص في الصلاة، وهو ما في أم القرآن مما ذكرناه، واشترط إيقاع هذا الدعاء على صفة

стр. 104

مخصوصة من أفعال، وجهات. فليس قصر التسمية على بعض الأدعية المخصوصة مما قلناه، أو ما في معناه مما يوجب كون هذا تغييرا للغة، ومتى نازعنا في موارد العرب، وقلنا إنما تريد بهذه التسمية القبول والملازمة لم يكن للمخالف متعلق، في ذكره، لأن الركوع والسجود بمجرده، لا يحصل له هذه الحقيقة. وهذا الجواب الثاني يتقرر في الصلاة خاصة، ويتمسك في بقية المسميات بالجواب الأول. وأما من توسط بين المذهبي، فلم ينكر التغيير أصلا، ولا أثبته إطلاقا، فإنه تخيل هذين الأمرين، وكذا إن مراعاة الشرع للدعاء أو للقصد، أو للإمساك، تمسك بالمعنى اللغوي، وإطلاق التسمية عليه مع تلك الزيادات الشرعية، تغيير لما وضعته العرب. واستعمل أبو المعالي في هذه المسألة المضايقة لأهل المذاهب، فقال: ثبت فيها قصر التسمية على بعض مسمياتها كما بيناه، وثبت أيضًا إطلاق الصلاة على الركوع والسجود توسعا واستعارة من الدعاء، لأن الداعي مقبل على خضوعه، والتماسه ما عند الله سبحانه، وكذلك الراكع، والساجد، والعرب تسمي الشيء باسم ما لازمه، وتعلق به، فإن أشير بالتغيير إلى القصر أو التجوز فلا وجه لإنكاره، وإن أشير بالتغيير إلى معنى آخر سواه فهو باطل. وهذا الذي أشار إليه أبو المعالي من القصر قد بينا أنه ليس بتغيير أصلا، وكذلك التجوز هاهنا إن فهم عن العرب إطلاق اسم الشيء على ما لازمه على الإطلاق، أو في ما كان معناه مثل هذا المعنى من الملازمة التي بين الركوع والدعاء لم يكن هذا أيضًا تغييرا، ولا قياسا على اللغة، كما تقدم بيانه في تسمية الإنسان منا إنسانا، أن هذا ليس بقياس، بل هو نقل عنهم لما فهم منهم. وأنت إذا علمت هذا الفصل فاعلم أنه: زعم قوم آخرون أن حروفا ونظاما معلوما استعمله الشرع في غير معانيه في اللغة. وكذلك زعم قوم أن الشرع وردت [فيه] كلمات ليس بصيغ عربية، وأضافوا ذلك إلى القرآن، وعدوا منه: استبرق، ومشكاة، إلى غير ذلك مما ذكروه. وجمهور العلماء على إنكار هذا لقوله تعالى في وصل القرآن: (ولو جعلناه قرءانًا أعجميًا لقالوا لولا فصلت آياته) فكأنه يقول سبحانه: لو مزجناه بلغة العجم لقالت الكفرة افتقر إلى الاستمداد من لغة أخرى وعجز عن العربية، وهذا يمنع من كون شي من لسان العجم

стр. 105

فيه، وقد قال تعالى: (وهذا لسان عربي مبين) (وما أرسلنا من رسول إلى بلسان قومه)، وهذا كله يقتضي بطلان ما قالته الشرذمة، ولا مستنكر أن يتفق لسانان على لفظة واحدة، ويصادف وضع العرب، وضع العجم في بعض الألفاظ، أو يكون التوقيف ورد فيها لأهل اللسانين موردا واحدا. فصل يشتمل على جمل مأخوذة من علم اللغة المحض اعلم أن هذا الفصل تكلم عليه جمهور الأئمة، المتكلمين على الأصول، وأثبتوه في تصانيفهم، وتبع فيه الآخر الأول، مع كونه مجانبا لحسن الترتيب والوضع المطلوبين في [التأليف]، إن الأصولي [يرجع] جميع أفكاره إلى العقل فيجعل له قوانين كلية (...) (... فك) حتى لا (...) (ص ٥٦) صاحب الشرع فيجعل له أيضا قوانين كلية تسدده إذا نظر في قول صاحب الشرع، حتى لا يزل نظره في قول صاحب الشرع، [ونظره] يكون من جهتين مختلفتين إما معنى لفظه الذي هو كالسبب لقوله، فيفتقر حينئذ إلى أن يوضع أحكام القياس، ويميز له الصحيح من الفاسد، كما فعل أصحاب هذا العلم الذي نحن فيه، وإما معنى لفظه الذي هو مضمون الصيغة، وله وضعت العرب تلك الصيغة. فهذا المفزع فيه لأهل اللسان الذين خاطبهم صاحب الشرع بلغتهم، فنظر الأصولي في هذا القسم فرأى أن معنى الأصل أن يوضع قانونا يكون كالكلي لجزئيات الشريعة، وعلم أن الشريعة [تنقسم] إلى آمر ومأمور، فافتقر إلى أن يضع في هذا العلم الكلام على الأمر والنهي، والوجوب والندب، والحظر والإباحة، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الضرب، والنهي، والوجوب والندب، والحظر والإباحة، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الضرب، واحتاج من نظره في المأمور إلى الكلام في العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، ودليل الخطاب إلى غير ذلك مما استند إلى هذا النوع، وهو النظر في المأمور، أو يشرك بين النظر في أحكام الأمر والمأمور، فلو اقتصروا على هذا لكان وضعا حسنا، وترتيبا لائقا،

стр. 106

لأجل ما قدمناه من التنبيه على الحاجة إليه. وأما النظر في حكم حرف، أو لفظة فإنما يحتاج إليها في الفقيهات في مسألة أو مسألتين، فلا معنى لإدخالهما هاهنا، لأنها لا تكون كالقانون الكلي، الذي يتصور فيه حقيقته الأصلية، وأيضًا فإنه يلزمهم إذا التزموا هذا استيعاب كل ما يتعلق بمسائل الفقه، من علم اللسان، وهيهات أن يستوعب هذا إلا من استبحر في علم اللغة، والنحو، وإيراد ما يفيد الاستبحار يقتضي تصنيف دواوين عظيمة. وهذا يشير إلى أن لا معنى لكلامهم على حرف الباء هل هي للتبعيض لأن المتعلق بها من مسائل الخلاف مسألة واحدة، وهي النظر في قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)، هل المراد بعض الرأس، أو كل الرأس؟ وتعدوا هذه المرتبة حتى تكلموا، على حروف لا توجد في مسائل الفقه المتلقاة من قول صاحب الشرع، وهلا تكلموا على الصعيد في الفقه ما هو؟ لأنه من مسائل الخلاف المتعلقة بآية الطهارة كحرف الباء وحرف إلى في قولله: (إلى المرافق)، وهلا تكلموا على حقيقة الغسل في اللغة لأنه من مسائل الخلاف المتعلقة بآية الطهارة أيضا؟ فإن قصدوا بذكر نبذ من هذه الألفاظ المفردة تنبيه الفقيه على أنه يحتاج من علم اللغة إلى غير ما ذكروه في تلك القوانين الكلية التي هي القول في الأوامر والعموم، فذلك مقصد يليق، ولعل الآخر منهم اتبع الأول، استقالا لاطراح ما تحفل به أشياخه، وهذا الداعي له إلى أن سلك ما سلكوه، كما هو الداعي لنا نحن أيضًا إلى أن نفعل ما فعلوه. وإذا انحصر الأمر إلى النظر في معاني الكلام عند العرب، فيجب أن يعرف حد الكلام وأقسامه . فأما حده فقد قيل فيه: هو ما نفى عن ذات من وجد به الخرس، والسكوت، والطفولية، وقدر هؤلاء أن الامتناع الاختياري يسمى سكوتا، والمنع الاضطراري إن كان مؤبدا يسمى خرسا، وإن كان يترقب انقضاؤه سمي طفولية. وحده آخرون بأنه: ما اشتق للمتكلم منه اسم متكلم، وهذا قد تقدم في الكلام على حد العلم التنبيه على ما في هذه الطريقة من الاحتمال. وقيل فيه: هو المسموع المفيد من غير مواضعة، فقال هؤلاء: المسموع، ليميزوه من غيره من الصفات كالقدرة والحياة، وقالوا: المفيد، لأن خوار البقرة، ورغاء البعير، ووعار

стр. 107

الشاة، أصوات مسموعة، وليست بكلام، وتحرز أيضا من الكلام الذي لا يفيد، فإنه لا يسمى كلاما على أحد القولين، وإن كان مسموعا. وأشار أبو المعالي في كتابه إلى اختيار سلبه هذه التسمية فقال: والكلام هو المفيد، فقد أشار بهذا التقييد إلى اختيار أحد القولين، ونحن إن قلنا بالقول الآخر، وهو تسمية ما لا يفيد كلاما، بطل هذا الحد لتقييده بالمفيد، وكذلك تقييد صاحب هذا الحد بقوله: من غير مواضعة يفسد الحد، على أحد القولين أيضا، إذا قلنا إن أصل اللغة اصطلاح، ومواضعه [كما] بيناه على القول بأن أصل اللغة توقيف، وتحرز على هذا القول من المناقضة بصوت الطبل إذا ضربه الأمير عند (...) وكصوت البوق عندنا في بلدنا إذا ضرب بمكان مخصوص، فإنه علم على أن ضاربه رأى مركبا واردا على المدينة (ص ٥٧) من أحد بحريها، وقد صار هذا الصوت عندنا مسموعا مفيدا، وليس بكلام، لأنه أفاد بمواضعة السلطان الأمر بهذا مع المأمور النافخ، في البوق، فالقول بهذا الحد من غير مواضعة يتحرز به من مثل هذا. وقالت المعتزلة: حد الكلام أصوات مقطعة، وحروف منظومة، وهذا يبطل عليهم بكلام الله سبحانه، وكلام الإنسان في نفسه، من غير أن ينطق به على أصلنا في هذين، وهم ينكرونهما، وقد رد حدهم بأن الكلام يكون حرفا واحدا، تقول: ق إذا أمرت بالوقاية قال تعالى: (وقهم السيئات) وحرف القاف من هذه الكلمة فعل سؤال وطلب، ولو كان من أعلى لأدنى لكان فعل أمر، فقد حصل الكلام من حرف واحد، وهم قد قالوا إنه حروف، وهذا يبطل حدهم، لكونهم اعتذروا عن هذا بأن هذه الأفعال لم ينطق بها إلا موصولة بحرف آخر كقولهم: قه، وعه، وشه، وهذه هاءات للاستراحة، ولابد من النطق بها، فصارت الكلمة من حرفين، وجوابنا عن هذا واستقصاء ما قيل في حدهم مبسوط في كتب الديانات. وإذا تحقق ما قيل في حد الكلام فقد قسم على أنحاء مختلفة. أما التقسيم المشهور الأعم فإن الكلام اسم، وفعل، وحرف. وقد أشار أبو المعالي إلى [أن] الاسم ما دل على معنى المسمى به، وإلى هذا المعنى أشار بعض أئمة النحاة فقال: الاسم ما دل على معنى، غير مقترن بزمن محصل.

стр. 108

وكان أبو الحسن بن الحداد ﵀، وهو أشهر المدرسين لصناعة النحو في إقليمنا لما صنف كتابه أعجبه حد الاسم بأنه: كلمة تدل على مجرد ذات المسمى دلالة تصريح، فأخبرته أن هذا إشارة إلى أصل المعتزلة، لأن لفظ العدم اسم بإجماع النحاة، وهو كلمة لا تدل على ذات عند المعتزلة، والرجل شديد التبري مما يوقع في مذهبهم. وقد يناقش أيضا من حد [الاسم] بأنه ما دل على معنى، إذا حقق المراد بالمعنى عند العرب، حتى ينظر هل استوفى تسمية المعنى سائر المسميات موصوفاتها، وموجودها، ومعدومها، أم لا؟ وهكذا أشار أبو المعالي إلى حد الفعل أنه صيغ دالة على أحداث الأسماء، مشعرة بالأزمان. وقد قال بعض أئمة النحاة: الفعل ما دل على معنى مقترن بزمان محصل، وقول أبي المعالي مشعر بالأزمن على الجملة أولى من قول هذا: زمن محصل، لأن الفعل الماضي تحصل زمنه أنه قد مضى. وأما الفعل المضارع فإنه مترددبين زمن الحال، وزمن الاستقبال، فلم يكن زمنه محصلا من هذه الجهة على التعيين. وجماعة النحاة يثبتون هذا الاحتمال، ويرون الأفعال منقسمة إلى ثلاثة أقسام: ماض، واستقبال، وحال، كما أشار إليه قوله سبحانه: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك)، فأثبت الثلاثة الأقسام، إلا شرذمة لا يلتفت إليهم أنكروا فعل الحال، ولم يثبتوا إلا الماضي، والاستقبال، وهذه جهالة منهم بأحكام الوجود. وذكر أبو المعالي أن المصادر أصول الأفعال، وهي كالتبر الذي هو أصل في المصوغات، فيصاغ منه الماضي، والحال، والاستقبال، كما يصاغ من التبر القرط، والدملج، والخلخال، وهذا الذي قاله مذهب البصريين من النحاة، ومذهب الكوفيين منهم عكس هذا، وهو أن الأفعال أصل المصادر. يستدل البصريون على قولهم إن المصدر يدل على زمن مبهم، والفعل على زمن حاضر، والإبهام قبل التخصيص، وأيضًا فإن المصدر مدلول الفعل، والفعل دليل عليه، والمدلول قبل الدليل.

стр. 109

ويستدل الكوفيون بأن المصدر معمول الفعل، والفعل عامل فيه، والعامل فيه المعمول. وهذه التعاليل كما تراها، وقد سبق في المثل: أضعف من علة نحوي، والتحقيق خلاف هذا كله، وكان من حق أبي المعالي لما خاض في صناعة النحو، أن ينبه على طريقة التحقيق، التي تقتضيها الأصول، وذلك أن قولهم: المصدر أصل للفعل، أو الفعل أصل للمصدر، إن أريد بذلك أن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، والحقيقة أصل للمجاز، فهذا مما لا يذهب إليه ذاهب، ولا خلاف أنا إذا قلنا قام زيد قياما فإن قولنا: قام، لفظة من الحقائق، لا تجوز فيها، وقولنا: قياما، لفظة من الحقائق لا تجوز فيها أيضا. فقد وضح بطلان صرف الأصلية والفرعية إلى هذا الوجه، وإن أرادوا بقولهم: هذا أصل، وهذا فرع أن اللفظتين حقيقتان، ولكن النطق بهذه سبق النطق بهذه، فهذا غيب لا يعلمه إلا علام الغيوب، والبحث عنه عناء لا يجدي، والمفكر فيه، يقيمه الفكر فيه بين العجز والتعب، وأي فائدة في سؤال السائل عن تسمية الحائط، والجدار أي اللفظتين نطق به أو لا؟. وهذا إن قيل: إن اللغة توقيف، فإنما معنى السؤال عنه، هل علم الله سبحانه آدم مثلا هذه اللفظة قبل أن يعلمه الأخرى؟ ولو قيل: إن اللغة اصطلاح، فأول المصطلحين عليها، ما الذي قدم وأخر؟ هذا مما لا يعرف، ولو عرف ما أفاد (...) (ص ٥٨) اللفظتين الحقيقتين. فهذا وجه التحقيق في هذا الذي اشتهر كلام النحاة عليه، وما اعتلوا به، قصارى ما يوردون منه استفادة ظنون، والظنون هاهنا لا تنفع، لأنه ليس بموضع عمليات شرعيات، فتستعمل فيها الظنون، وإنما المراد القطع على ما كان، وهذا لا يحصل إلا بدليل قاطع. وذكر أبو المعالي أن الحرف على أربعة أقسام: - منها ما وجوده كعدمه، لا يغير إعرابا، ولا معنى كالحروف الزوائد، مثل قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم).

стр. 110

- ومنها ما يفيد عكس هذا، وهو تغيير الإعراب والمعنى، كقولك: زيد منطلق، إذا أخبرت عنه بذلك، فإذا ترجيت له الانطلاق قلت: لعل زيدا منطلق، فقد صار هذا الحرف الذي هو لعل غير إعراب زيد ومعناه. - ومنها ما يغير الإعراب دون المعنى كقولك في الإخبار عن انطلاق زيد: إن زيدا منطلق، فقد غير إعراب زيد بإدخال حرف إن والخبر عن انطلاقه لم يتغير. - ومنها ما يفيد عكس هذا، وهو تغير المعنى دون الإعراب كقولك: هل زيد منطلق؟ فإعراب زيد باق على حاله، فقد انتقل حكمه بتغيير هذه الحروف، فقد تغير الخبر عن انطلاق زيد بدخول حرف هل إلى أن صار استفهاما عن انطلاقه. ولما ذكرنا ما ذكره عن النحاة من تقسيم الكلام التقسيم الأعم المشهور المشتمل على مفردات الكلام، والحروف، فلنذكر تقاسيم الكلام من جهات أخر، وقد أخرها أبو المعالي عن كلامه على الحروف، فهذا الباب ألوى بها في صناعة التأليف. فاعلم أن الكلام قسمه القدماء من الأئمة أربعة أقسام: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، وزعموا أن جملة الكلام تحصره هذه المعاني الأربع، واختار أبو المعالي الاقتصار على أربعة كما قال هؤلاء، ولكنه أبدل لفظة بأخرى، استوعبت قسمين من هذه الأربع، وأثبت الرابع قسما آخر، غير ما قاله هؤلاء، فقسم الكلام إلى الطلب، والخبر والاستخبار, والتنبيه، فقوله: الطلب، يدل على قول أولئك: أمر ونهي، ورأى الناهي طالبا، كما [رأى] الآمر طلبا. وزاد المتأخرون على ما قاله القدماء سبعة أقسام، فصار الكلام ينقسم عندهم إلى أحد عشر قسما، فزادوا على الأربع التي هي الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والتعجب والتلهف، والتمني، والترجي، والنداء، والقسم، [والدعاء]. وتأول بعض المتأخرين اقتصار الأولين فرأى أن التعجب خبر، والمتعجب من علم زيد، مخبر بسعة علمه، وانفراده في العلم، وكذلك القسم من جملة الأخبار، لأنه إنما يستقل مفيدا عند ذكر قسم، ومقسم عليه، فإذا قال: والله لأضربن زيدا، فقد التحق هذا بالأخبار، لأنه أخبر بما يفعل، فأشبه المخبر عما فعل. وأما التمني، والترجي، والتلهف، فإنما يقدر فيها معنى الخبر، والإعراب عما في النفس من هذه المعاني. وتعقب أبو المعالي هذا الاعتذار، ورأى أن هذا تخيل يحصر الكلام كله إلى الخبر
следующие страницы →