Полный текст (479 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ليس بمعنى ذاتي له ولا حقيقة عقلية، وإنما نحد الحقائق وتكشف عن المعنى الذاتي المخصص للشيء مما سواه.
وهذا الذي أنكره عليهم صواب، قوله فيه على إحدى الطريقتين عندنا، من الحدود، راجعة لأنفس المحدودات، وليست بتفاسير، وأما إذا قلنا إنها تفاسير فيصح أن يعبروا عن متبدل بمتبدل آخر أوضح منه، بخلاف أن تكون الحدود راجعة إلى حقائق المحدود الذاتية، فإنا أخبرنا أن هذا المعنى مفقود في الأمر اللسني، وتعرضه أيضا إلى قصر الحد على النفسي دون اللسني يظهر صوابه على أحد القولين عندنا من أن الأمر اللسني إنما يسمى أمرا مجازا، والحدود إنما تنصرف إلى الحقائق.
ألا ترى أن الأمر ينطلق على الأمر القولي وعلى الأمر الشأني، ومنه قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) يعني شأنه، لأن تسمية الشأن أمرا مجاز. فلهذا لم يلزم الحاد للأمر التعرض في حده إليه، مع أن قصد أهل هذه الصناعة السؤال عن الأمر القولي، لا الشأني. فكأن السائل عن حد الأمر، وإن أطلق سؤاله مقيد كلامه بقوله: ما حد الأمر القولي؟ فيكون الجواب هو غير تعرض إلى الأمر المجازي صحيحا مطابقا للسؤال.
وذكر أبو المعالي في حده تتميما بمعنى البيان، ولو أسقطه لم يفسد الحد، وهو قوله: بفعل المأمور به، لأن قوله: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور، يغنيك عن هذه الزيادة التي هي القول: بفعل المأمور به، ولو قدر أنها تحرز من النهي لكان قد أغنى عن هذا التحرز، قوله: من المأمور به، لأن المأمور غير المنهي.
ونحن إذا قلنا بأحد القولين من أن الأمر اللسني يسمى أمرا حقيقة لم يحسن الاقتصار في الحد على أحدهما، بل من شرط الحد استيعابهما جميعا. كما أن المعتزلي إنما يتعرض لأحدهما، وهو اللسني خاصة، لأنه ينكر الأمر النفسي.
ولما كانت صناعة استخراج الحدود تضمنت اقتضاب الحد من لفظ كالجنس، والفاصلة، وتصور في العقل أن بالاقتضاء يميز الأمر مما سواه من أنواع الكلام كان التحويم على عبارة عن هذه الفاصلة، فذكرنا قول من حد الأمر مما سواه من أنواع الكلام كان التحويم على عبارة عن هذه الفاصلة، فذكرنا قول من حد الأمر بأنه القول: افعل، واشرنا إلى تخطئته، لكون هذه الصيغة ترد، وليست بأمر كورودها من النائم، ومن الحاكي لأمر غيره، ومن المهدد، كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) ومن المعجم، كقوله: (كونوا حجارة أو
стр. 142
حديدا)، ومن المبيح كقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا)، إلى غير ذلك من الأنواع التي تعد من مصارف هذه اللفظة.
وخطئ أيضًا أصحاب هذا الرأي بوقوع هذه اللفظة من الداعي لربه، والآمر من هو أعلى منه، وقد قال بعض أئمتنا: من أمر من هو أعلى منه لا يبعد أن (...) قيل إن احترز من احترز بقوله: لمن هو دونه، فقد أصلح بهذه (ص ٧٢) جانبا، وأفسد آخر، بهذا الإصلاح، وذلك أنه يخرج بهذا الإصلاح أمر الأدنى للأعلى، ولكن يدخل عليه أمر النظير للنظير، لأنه قصر الحد على وقوعه من الأعلى للأدنى.
وسلك أبو المعالي في تخطئة من حده بالقول: افعل، طريقة أخرى، وذلك أنه رأى أكثر الأوامر خارجة عن هذه الأحرف التي هي حروف افعل، كقولك: اسقني، أطعمني، وقولك: اسقني أطعمني ليس حروفه، حروف القول: افعل، وإن اعتذروا عن هذا بأنهم لم يريدوا الاقتصار على القول: افعل، وحصر الأوامر كلها في هذه الأحرف، وإنما أشاروا بها إلى هذه البنية والصيغة على حسب ما عرف من اصطلاح النحاة، قيل لهم: التصريح في حدكم إنما اقتضى ما ذكرناه، وهذا معنى آخر، لم يشتمل عليه لفظ حدكم، والتأويل لا يحسن استعماله في الحدود، وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في السؤال عن الأمر، لم كان أمرا؟ فنحن نقول في الأمر النفسي إنما كان أمرا لنفسه، والصارفون له إلى القول اللسني تعيينا أو ترددا بينه وبين غيره، يقولون في اللسني إنما كان أمرا لصيغته، وعليه جمهور الفقهاء.
ولما نوقضوا بما يصدر من النائم، والمهدد، وكون الصيغة فيه موجودة، وليس بأمر، قال بعضهم إنما كان أمرا بصيغته، وتجرده من القرائن، وعد النوم وإشعار التهديد قرينة صارفة له، وأجيب هذا بأن التجرد إشارة لعدم، والعدم لا يكون، ولا يعد علة، وأيضا فإن هذا كالتعليل بأمرين: الصيغة، والتجرد، ولا تعلل العقليات بأمرين.
ولما أحست المعتزلة بهذا، وكانت تنكر قول النفس، اضطرت إلى طلب حيلة أخرى، فقالوا إنما كان لإرادة إيقاع المأمور به، وعندهم أن الأمر يفتقر لثلاث إرادات: إرادة لإيجاده تحرزا مما يقع من النائم، فإنه وإن وقعت منه صيغة أمر، فليس بأمر، لعدم إرادته لإيقاعها. وإرادة ثانية لكون الصيغة أمرا، لأن اليقظان الغافل يحكي صيغة الأمر عن غيره، ولا يكون أمرا. وإرادة ثلاثة إلى إيقاع المأمور به.
стр. 143
وقد كنا قدمنا مذهبهم في اشتراط إيقاع المأمور به، ونقضنا عليهم في الفصل الذي قبل هذا. وأنت إذا علمت ما نبهناك عليه، من النظر في الحد؛ هل يرجع لذات المحدود أو التفسير؟ انتبهت هاهنا إلى ما قاله هؤلاء في إبطال التعليل على الفقهاء بالصيغة والتجرد، لأن هذا الإبطال الذي ذكروه إنما يتحقق في تعليل العقليات، وأما تعليل الاصطلاحات فلا يستحيل فيه استعمال مثل هذا، فانتبه لما نبهناك عليه.
ولما ذكرنا مذاهب المعتزلة في افتقار الأمر إلى ثلاث إرادات اقتضى ذلك تبين أصولهم في أحكام الصفات التي يبني عليها هذا، فاعلم أنهم قالوا بافتقار الأمر إلى ثلاث إرادات لأجل ما اعتللنا به عنهم، سوى الكعبي فإنه ذهب إلى أنه إنما يفتقر إلى إرادتين، فأسقط من الثلاثة المتقدمة إرادة كونه أمرا، وذلك أنهم يقولون إن الصفات التي ليست بمعان قائمة بالذوات تنقسم إلى ما يعم حال الوجود، وحال العدم، وإلى ما يخص حال الوجود خاصة.
فالتي تعم حال الوجود والعدم هي الصفة التي هي أخص الأوصاف كالسوادية مثلا في السواد، فإن هذه الصفة تثبت بالسواد حال العدم والجود، وإذا ثبتت اقتضى ثبوتها صفات الأجناس العمة كاللونية والعرضية، فوجب لهذا أن يثبت في العدم للذوات، ما ذكرناه من الصفات الخاصة والعامة.
فإذا حصل الحدوث للذوات العدمية تبعته صفات تنقسم إلى قسمين: واجبة وجائزة. والواجبة لا تفتقر إلى مقتض، مثل تحيز الجواهر، وقبولها للعرض، وافتقار العرض إلى محل، ومضادته لما يضاده، وإيجاب العلل أحكامها، وبينهم اختلاف في الحسن والقبح هل هو من هذا القبيل، أو من القبيل الذي قبله، وهو الثالث حال الوجود والعدم، والجائز يفتقر إلى مقتض فالإحكام يفتقر إلى العلم عند أكثرهم، وإلى الإرادة عند أقلهم، ويشرط هؤلاء كون المريد عالما.
ومال ابن الجبائي منهم إلى مذهب ثالث يوافق ما عندنا، فقال: لو قيل إن المؤثر ففي الإحكام هو القدرة لكان مذهبا، وهذا مذهب لم يقل به أحد منهم، وإنما يرون أن القدرة تؤثر في الصفة الجائزة في الإحداث خاصة، ووقوع الصيغة أمرا وتهديدا، وإن وقعت أمرا وإيجابا، أو ندبا، يفتقر إلى الإرادة، وكذلك ما جرى على هذا الأسلوب من إيلام بعض الأشخاص استصلاحا، أو عقوبة، وإيقاع السجدة لله تعالى أو الوثن، إلى غير ذلك من مصارف الألفاظ، والأفعال المترددة بين أمرين أو أمور، وكذلك إرادة اللفظ المؤثر فيه.
стр. 144
وقد صار الكعبي إلى إلحاق هذا الاسم بما ذكرناه في قسم الصفات التابعة للحدوث، فرأى أن الأمر إنما كان (ص ٧٣) أمرًا لنفسه، ولم يفتقر في ذلك إلى إرادة تصيَّره أمرًا، وكذلك إنما اختص الأمر بكونه واجبًا دون أن يكون ندبًا، أو ندبا دون أن يكون واجبا لنفسه، وقد اختص الأمر الإيجابي بصفة نفسية، هي خلاف الصفة النفسية التي اختص بها الأمر الاستحبابي، وهذا سبب الخلاف بينه وبين أصحابه، وذلك أنه لما قدر أن هذا الاختصاص واجب لا يجوز غيره، لأن في تجويز غيره انقلاب الذوات، وصفات الأنفس منع من افتقاره إلى مقتض، بناء على أصلهم أجمعين في أن الواجب لا يعلل، ولما رآه من الصفات الجائزة افتقر إلى مقتض يخصه بأحد الجائزين، وما ذاك عندهم إلا الإرادة. فهذا تلخيص مذاهبهم وبيانها.
وأما نحن فإنا نذكر مذاهبنا في هذه الأصول، فصلا، فصلا.
أما ما أثبتوه في العدم، فلا حاجة بنا إلى ذكره، لأننا ننكر أشد الإنكار كون الذوات ثابتة في العدم، ومن أنكر أصل الثبوت، فلا شك أنه ينكر صفات الثبوت.
وأما الحدوث فإنه عندنا متعلق بقدرة الله سبحانه وهو الإيجاد للفعل، وأما ما يتبع الحدوث مما لا ينفك الحدوث منه كالحيز، وما عددناه معه، مما سلمنا كونه من الصفات الواجبة فإنا إن أنكرنا الأحوال لم نحتج في هذا إلى النظر في مقتض، لأنه ليس هاهنا أكثر من الوجود، وقد قدرنا أن الإيجاد من تأثير القدرة، وإن قلنا بالأحوال فللقاضي قولة، كما قال القوم من أن هذه الصفات لا تتعلق بالفاعل وهذه الحال لا تكون بالفاعل بل تحصل من جهة إيجابها بعد تحقق الحدوث، وله قولة أخرى، وهي الصحيح، من أن هذه الأحوال إنما تثبت بالفاعل، لأنها تجدد، والمتجدد الحاصل بعد أن لم يكن حاصلا يفتقر إلى مجدد يجدده، وفاعل يصيره حاصلا. وهذا فصل يتعلق بغامض أحكام متعلقات القدر، وقد كنا أشرنا إلى شيء ينخرط في هذا السلك حيث تكلمنا على كون أفعالنا مخترعة لنا، أو مكتسبة.
وأما الصفات الجائزة التابعة للحدوث فأما الإحكام فلنذكر حقيقته ثم ننظر في مقتضيه، فالإحكام إذا كان في الأجسام فالمشار به إلى اتصالها على نظام، أو افتراقها على وجه ما مخصوص، وذلك يرجع إلى مجرد الأكوان، والترتيب في الكائنات ليس بأثر، فيتطلب له مقتض زائد على مقتضى ذواتها، وقد تقرر أن مقتضى ذوات الأكوان وحصولها موجودة إنما كان بالقدرة، وبين أصحابنا اختلاف في الجوهر الفرد أو العرض الفرد، قيل: [لا] يتصور فيه معنى الإحكام، لأجل عدم تصور النظام.
وقد يرجع اختلافهم إلى مناقشة في عبارة، والحاصل من هذا أن الموجودات آحادها،
стр. 145
وجماعاتها كائنة بالقدرة، وأما اختصاص القول بالإرادة الأصلية، أو تعيين إفادة فيه مع تجويز ما سواها، فقد ذكرنا مذهب المعتزلة فيه، البصريين والبغداديين، فحكينا عن الكعبي شيخ البغداديين أنه يرى ذلك من الصفات الواجبة، وأصلهم أن الواجب لا يطلب له تعليل، والبصريون منهم يرونه من الجائزات فللقول عندهم حال اختص بها حتى كان بهذه الحال إيجابا، وهي خلاف الحال التي اختص بها الندب، حتى كان ندبا.
والقاضي قد اختلف قوله في هذا أيضا فأنكر مرة هذه الحال، ورأى أنا تقطع على تماثل الصورتين وهي القول: افعل، والمتكلم موجب، والآخر نادب، وسبقه الكعبي في اعتقاده اختلاف هاتين الصورتين ومصيره إلى اختلاف هاتين الصيغتين، وأنكر استبدال القول: افعل، وهو موجب بصفة نفسية دون القول: افعل، وهو نادب، وأشار إلى مكابرة البديهة، وقطع القول بتماثل الصيغتين والقطع بالتماثل يمنع من استبداد أحد المثلين، بصفة دون الآخر. وصار مرة أخرى إلى ما قاله البصريون من إثبات حال لهذه الذوات.
وهذه مقالة يسرع لأجلها القول إليه بالقدح فيما قرر أصوله عليه، لأنه إن أثبت اختلاف الذوات لاستبداد كل ذات بحال، ليست بحاصلة لذات أخرى، فقد سلم ما قال الكعبي من الاختلاف وإن تمادى على مخالفة الكعبي، وقال بالتماثل مع اختصاص أحد المثلين بحال لم تحصل للمثل الآخر فقد هدم أصل التماثل، لأن أصله أن التماثل لا يتحقق إلا مع التساوي في سائر الصفات المتعلقة بالنفس.
فإذا قلنا بأحد قوليه، وهو إثبات هذه الحال كما قاله البصريون من المعتزلة فإنه قد قال: المقتضي لهذه الحالة الإرادة، كما قاله البصريون، وقد قال مرة أخرى، وهو يذكر هذه الحال: لو كنت قائلا بإثباتها لجعلت مقتضيها القدرة بشرط الإرادة، فصار في هذا النوع قولان: هل هو أثر، وحال، أو ليس بأثر، ولا حال؟ وإن قلنا إنه أثر وحال، فما يكون مقتضيه؟ فيه قولان: الإرادة، وهو المنصوص عليه، والقدرة على حسب (ص ٧٤) ما حكيناه عن القاضي.
وأما قولهم في الصفات الواجبة التابعة للحدوث، فقد ذكرنا مذهبنا فيه، ومذهبهم، وحكينا اختلاف قول القاضي في ذلك، هل يتعلق بالفاعل أم لا؟ وهي مسألة ينجر إلى فصول الكلام دقائق، لا يمكن إيرادها هاهنا، منها ما أشرنا إليه من أحكام القدر، وتعلقاتها، وكون الباري سبحانه خالق لقدرنا باتفاق منا، ومن المعتزلة، وقدرنا خلقها الباري سبحانه متضمنة لمقدوراتها، فهل يكون فعلا له، وبه وقعت لإيقاعه ما تضمنه فيه ما قدمناه قبل هذا؟
стр. 146
ويتعلق بهذا الفصل أيضا تعليل الواجب، وهم يمنعونه، ونحن لا نمنع من تعليل الواجب، فلو سلمنا كون هذه الأوصاف التي عددناها من الواجبات لم يمتنع عندنا افتقارها إلى مقتض، وهم مروا على أصلهم في أن الواجب لا يفتقر إلى مقتض، على أنا نناقضهم، فيما قدروه واجبا تابعا لجائز، فنقول: قلتم الحدوث جائز فافتقر إلى مقتض، ولكنه إذا ثبت وجوب التحيز، فوجوبه يغنيه عن مقتض، فهلا قلتم بعكس هذا إن تحيز الجوهر جائز؟ فإذا أوقعه فاعله تضمن حصول الحدوث، لأن حدوث الجوهر وتحيزه مقترنان يستحيل أن يفارق أحدهما الآخر، وكون الحدوث أعم من التحيز لا يغني هاهنا، لأنا إنما ننظر في الجوهر فوجدنا حدوثه وتحيزه، قد تبين لا يفترقان، فمن أين لكم التحكم بأن تجعلوا أحد القرينين جائزا، والآخر يجب عنه؟ لأجل استحالة المفارقة، دون أن تجعلوا الأمر بالعكس، فتحكموا لما جعلتموه جائزا بأنه واجب، ولما جعلتموه واجبا بأنه جائز، وهذا يوقفهم عن هذا التحكم الذي تحكموا به.
هذا وقد ثبت أن هاهنا واجبا، ولا يستغني بوجوبه عن مقتض، ألا ترى أن بذكي النظر إذا حصل، وقع العلم، والعلم الواقع بعده واجب وقوعه، ثم وجوب وقوعه لا يمنع من القول إنه افتقر إلى مقتض.
فهذا كله مستقصي في كتب العلل والصفات وغير ذلك.
فصل في صيغة الأمر
الكلام فيه من وجهين:
- أحدهما: هل للأمر صيغة؟
- والثاني: ما مقتضى الصيغة إذا ثبتت؟
فأما الوجه الأول، فاعلم أن قولنا صيغة مأخوذ من الصياغة. فلما نظر الفقهاء إلى الأمر القائم بالنفس، ووجوده حقيقة ثابتة مثل سائر الحقائق، نظرت هل وضعت له العرب كلمة ركبت من حروف على نظام ما؟ فكان تركيبها كصياغة التبر حليا، فلهذا سموها صيغة.
وقد اختلف الناس في هذا، فالأكثرون منهم على أن للأمر صيغة وضعت للدلالة على ما في النفس، والأقل منهم على أن العرب لم تضع له صيغة معلومة تدل عليه، ولا آلة اختصاص، ويحتج هؤلاء بأن قصارى ما يدعي في ذلك لفظة واحدة، وهي القول: افعل،
стр. 147
أو ما بني مبناه، وقد علم أن هذه الصيغة، وهذا المبنى يرد أمرا.
ويرد تهديدا كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم).
وترد تعجيزا كقوله تعالى: (فإن كان لكم كيد فكيدون).
وترد تكوينا، كقوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين).
وترد إباحة كقوله تعالى: (وكلوا واشربوا).
فإذا ثبت تصرفها في هذه المصارف وجب ألا يدعى وضعها لإحدى هذه الجهات إلا بدليل، ولم يقم دليل على ذلك.
وأما الآخرون فيستدلون على أن العرب ذكرت حقيقة الأمر على الجملة، وقسم أهل اللسان الكلام إلى أقسام منها الأمر، فاقتضى ذلك إثبات نوع من العبارة يختص بهذا القسم، كما ثبت نوع من العبارة يختص بالخبر، ونوع آخر يختص بالاستخبار.
والنظر في هذه المذاهب إنما يستند إلى إثبات كلام في النفس، ينظر هل وضعت العرب له صيغة أم لا؟ وأما من نفي كلام النفس فليس عنده هاهنا أمران يكون أحدهما صيغ للدلالة على الآخر فمتى قال هؤلاء: صيغة الأمر كذا، فالأمر هو نفس الصيغة، من غير مزيد. فبالإضافة إضافة الشيء لنفسه كقوله تعالى: (علم اليقين)، وقولهم: نفس الشيء، ونفس الذات.
وأما الوجه الثاني، وهو النظر في مقتضى هذه الصيغة إذا ثبتت، وهذا مما اختلف الناس فيه:
- فمنهم من ينكر اقتضاءها لمعنى معين من تلك المصارف التي عددناها، وذكرنا انصراف القول: افعل، إليها، وهؤلاء هم المعروفون بالواقفية، شيخهم الأشعري، وتبعه جماعة من أئمة المتكلمين، وذكر هذا المذهب عن الشافعي، وقال قال الشافعي في قوله تعالى: (وأنحكوا الأيمى منكم): لا يستدل به على اشتراط ولي المرأة، لتردد الأمر بين الإيجاب والندب.
стр. 148
ولكن الواقفية مختلفون [في] الوقف:
فمنهم من يراه وقف جهالة بما عند العرب، والذي عندهم كون هذا اللفظ مشتركا بين المصارف التي عددناها، فيقول هؤلاء: قد ثبت استعمال هذا اللفظ فيما عددناه من المصارف، وقلدنا في ذلك (ص ٧٥) قرآنا، فحصل من هذا الاشتراك التردد بين معاني شتى فنقف، حتى نستبين المراد باللفظ، كما يفعل في اللفظ المحتمل، كقولنا: قرء، ولون، ولا يلزمنا هاهنا الاستدلال على صحة القول بالوقف، لأنا إنما أردنا به أن العرب استعملت هذا اللفظ في معان شتى، واستعمالها في معان شتى قد ثبت في القرآن، وزيادة على هذا لم نثبتها فنطالب بالدليل عليها، كما يطالب من أثبت زيادة على هذا فقال: إن العرب إنما وضعت اللفظة في الأصل لأحد هذه المعاني، وإنما يفهم عنها بقية المعاني التي عددناها بقرينة، لأن هؤلاء مدعون على العرب أمرا، فهم مطالبون بإثباته.
وأما الآخرون الذين يصرفون الوقف إلى الجهالة بما عند العرب فإنهم يثبتون ما أثبت هؤلاء من تردد الفظ بين هذه المعاني. ويجوز أن يكون العرب وضعته في الأصل لأحد هذه المعاني، وإنما يصرفه عن هذا المعنى بدلالة، ولكنهم يجهلون هذا المعنى الذي يمكن أن تكون العرب وضعته له.
وقد رد أبو المعالي هذا المذهب بالاستبعاد المحض، فقال إن هذه اللفظة تكرر على الألسنة على مر الأعصار، وبعيد مع تكررها ألا يبحث عنها، وإذا بحث عنها فبعيد ألا يعرف ما عند العرب فيها.
وهذا الذي قاله لا يوثق [به] في رد هذا المذهب، لأنا لا نحيل إضراب العرب عن وضع عبارة بمعنى معقول، وإن تكرر، ولو أحلناه لم يشترط وضع عبارة بعينها نقترحها عليها، وقد وضعت للدلالة على الأمر، وعلى الوجوب ألفاظا تعرب عما في النفس من ذلك فتقول: أمرتك، وما في معناه، وأوجبت عليك، وألزمتك، وما في معناه، ولو قلنا بالاقتراح عليها أن نضع لفظة افعل، فما المانع أن يكون وضعتها، وعلم وضعها قوم، وجهله آخرون.
ولكن إذا قال من زعم هذا إنه يعلم مذهبها، طلب بالدليل عليه حتى يبينه، ولا، لعمري هذا يلزم منه الانتقال عن التردد إلى التعيين، ولكن تبقى المطالبة في التعيين.
وأما من نقل عن الأشعري الوقف، إن ظهرت القرائن فقد أغلى، وإن ثبت نقله،
стр. 149
فلعله توقف في الإفادة إذا حصلت، هل باللفظة أو بالقرينة، وهذا يحسن نقله في قرائن المقال التي يستند فيها إلى اللسان، وأما قرائن الحال فالمنازعة فيها مكابرة في الضروريات.
ومن الناس من يثبت لهذه الصيغة اقتضاء معينا، واختلف هؤلاء على ست مقالات:
- فمنهم من زعم أن مقتضاها إرادة الامتثال، ولكن إرادة الامتثال تتضمن كون الممتثل مطيعا، فهذا نهاية متضمنها، واستشعار الوجوب يفتقر إلى قرينة، إلى هذا صار عبد الجبار الهمذاني في شرح العمد.
- ومن الناس من ذهب إلى حملها على الإباحة، ومنهم من ذهب إلى حملها على الندب، ذكر ذلك عن الشافعي، ومن أصحابنا عن أبي الحسن بن المنتاب، وأبي الفرج، وبه قال كثيرون من المعتزلة.
- ومن الناس من ذهب إلى حملها على الوجوب، وعليه جل الفقهاء، يضاف هذا المذهب إلى مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وصرح به من أصحابنا القاضي إسماعيل، وابن بكير، وبكر بن العلاء، وابن القصار، وابن خويز منداد، وأبو جعفر الأبهري.
وذهب أبو بكر الأبهري إلى التفصيل في هذا، فحمل أوامره سبحانه على الوجوب، وأوامر رسوله ﷺ على الندب، إلا أن يكون بيانا لمجمل، أو ما في معناه، وإن كان قد اختلف النقل عنه فروي عنه موافقة من قال بالندب على الإطلاق، وروي عنه موافقة من قال بالوجوب على الإطلاق.
وأشار أبو المعالي إلى انفراده بمذهب أداة البحث إلى اختياره، وهو حمل الأمر على الاقتضاء، والطلب.
ولكن قصارى ما استفاد من جهة اللسان الاقتضاء الجازم، ولكن الوجوب إنما يعقل إذا ثبت في هذا الأمر الجازم، الوعيد على الترك. والوعيد على تروك أوامر الشرع الجازمة ثبت بالإجماع، فالوجوب مستفاد بهذا التركيب بين اللغة والشرع، فقد وافق القائلين بالوجوب، وإن كان خالفهم في هذا الترتيب، وقد صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم.
ولكن أبا حامد الإسفراييني صرح بما صرح به أبو المعالي، وسبقه إلى ما اختاره،
стр. 150
فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل، واقتضاءه منه اقتضاء جزما، ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد.
وأشار أبو المعالي إلى أن طريقة عبد الجبار تجري على أسلوب طريقته وإن [كان] القصد مختلفا، والمرمى متقاربا، وذلك أن عبد الجبار استفاد من اللفظ إرادة الامتثال لا غير، وتضمن الامتثال كون الممتثل مطيعا، وبمقارنة الوعيد يثبت الوجوب.
والذي أعتقده في هذه المسألة أن الأمر فيها ليس على ما قاله أئمتنا من التردد المتساوي ولا (ص ٧٦) على ما يشير إليه الجمهور في التصميم على الوجوب، والقطع على أنها موضوعة له، حتى يصير الخروج عن الوجوب كالخروج عن الأصل، ولكنها عندي تنزل في الدلالة على الوجوب منزلة الظواهر التي هي مترددة بين معنيين، ولكنها في أحدها أظهر، وأنا أنزل متى نظرت في الفقهيات مستدلا عليها بما يلوح من معارضة الأوامر عن الوجوب، على حسب ما يخرج النظار عن الظواهر إذا قابلها نزلة عنها.
والرأي في هذا خلاف رأي من يقطع على أن الأصل فيها الوجوب، وهي في إخراجها عنه خارجة عن الأصل، لأن هؤلاء يشتدون في التمسك بها، ولا ينزلون عنها نزول من اعتقد كونها كالظواهر، وذلك أني أعلم يقينا، أن المستمر من أحوال أهل العصر، ومن قبلهم على مقتضى نقل الآخر عن الأول، أن الأوامر إذا صدرت، والقائل إذا قال: افعل، لمن دونه، ولا يخطر ببال السامعين الالتفات إلى كونه مهددا، أو غير ذلك من الأقسام التي عددناها إلا عند استشعار أحوال تلوح بما استشعروه، وهذا مما نعلمه قطعا، ثم كذلك نعلم أنهم لا يلتفتون إلا الإباحة إلا عند عوارض، قد يستشعر منها قصد الإباحة وإمكان إرادتها.
وأما المضيق في التردد بين الواجب والندب وهما المذهبان المشهوران، وهاهنا أقول: إن استعمالها في الوجوب أكثر وأشهر، ولهذا كانت عندي ظاهرا فيه، ولو لم يؤيد ما قلناه، إلا أن المطلع على ما نقل عن الصحابة صث، وأئمة من بعدهم من أهل الأعصار، يستلوح من المقنول عنهم من مناظرة، أو فتوى، أو بنية على استدلال، ابتدارهم إلى التمسك بظواهر الأوامر المجردة، وقد نقل عن الصحابة ﵃ الاستدلال بمجرد أوامر، ونواه يكثر تعدادها، مما نقل عنهم البدار إلى امتثال ما أمر به النبي ﷺ ، من غير توقف، ولا استفسار، وهذا إن لم يفد القطع بما قاله أصحاب الوجوب، فاقل مراتبة أن يفيد الظن، وكون هذا كالظاهر في إفادة الوجوب.
стр. 151
وهذا القاضي أبو بكر بن الطيب رأس الواقفية استدل على صحة القول بالقياس بهذا النوع من الاستدلال، وقال: من تتبع أقوال الصحابة ألفاها دالة على استعمالهم القياس، وهم بين مستعمل له، ومسلم لاستعماله، وهذا هكذا الذي نحن فيه، ولا معنى لقوله في كل ما نقل، لعلهم صاروا إلى ما صاروا إليه بقرائن، لأن هذا وإن أمكن فهو بعيد، مع كثرة المنقول عنهم، واختلاف الأقوال والأزمان، والأحوال، فالظاهر في هذا خلاف ما قال، وتأول.
وهذا الجواب لمن قال إن الأقيسة التي وقعت منهم، لم يعلموا بمجردها، بل لأمور ضامتها، لأن هذا مما أنكره القاضي أبو بكر على متأوله، لا سيما وقد اعتمد أصحاب الوجوب على آي، وأخبار من ذلك قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم) إلى توبيخه لإبليس، وقوله: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) فوبخه على مخالفة الأمر، ولم يقل إذ أمرتك واجبا، بل ذكر أنه سبحانه قال لهم: (اسجدوا) وسمى هذا أمرا، وفيه إثبات الصيغة ثم وبخ إبليس على مخالفة الأمر، وفيه إثبات الوجوب، وذكر تعالى عن الملائكة بدارهم امتثال السجود، من غير توقف، وكل هذا يدل عندهم على الوجوب.
وكذلك قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) فحذر، وتوعد من مخالفة الأمر ولم يقل الأمر الواجب، إلى غير ذلك من أي، يكثر تعدادها، استدل بها هؤلاء، وهي متفاوتة في القوة والضعف، وأقواها عندي ما تلوته.
وكذلك استدلوا بحديث بريرة، وقد قالت فيها: "أبأمر منك؟ " والظاهر أنها اعتقدت أنه لو أمر لوجب عليها، لأن سؤالك، وشفاعته مندوب إلى قبولها.
وكذلك قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ... "، فمعنى أمرتهم: أوجبت عليهم، لأن الوجوب تتصور المشقة [فيه] إلى غير ذلك مما تعلقوا به، وأظهره ما أوردناه.
ولو اطلعت على كثرة ما استدلوا به، من ظواهر القرآن، والسنن، والآثار كما اطلعنا عليه، لبعد في نفسك تأويل جميع ذلك، على كثرته، ولو رأيت التأويل بجميعه
стр. 152
تعسفا، حتى يكاد يحسن معه القطع على الوجوب، فإن نزل عن هذا قليلا، فلا أقل من إيجاد هذه الأوامر ظواهر.
ومن قال بالندب، يرى أن تحريم الترك لم يتضمنه الأمر، فاقتضى ذلك الندب. فيقال له: ولا تضمن الإباحة الترك، وكذلك إن تمسك بأن الندب متيقن، الوجوب مشكوك فيه، فيتمسك باليقين، لأن الشك في الترك تشوف إلى الوقف، وعمدة الواقفية أنهم ليس عليهم مطالبة بالدليل، كما صورناه أولا، ويجعلون الدليل في جانب مخالفهم، وينكرون وجود دليل (ص ٧٧) ينقلهم عما هم عليه، من لغة، لعدم التواتر في النقل عن أهلها في هذا، وعدم الاستقرار من قولهم ومن شرع، لأن ما أوردناه، وأضربنا عن إيراده، من القرائن والأخبار متأول عندهم، محمول على أوامر علم وجوبها بقرينة حالية، أو مقالية، وما ذكرناه نحن في هذه الظواهر، ونبهنا عليه في تأويلاتهم فيه جواب عن هذا، يبين الحق في المسألة إن شاء الله .
فصل في اختلاف النظار في حمل الأمر المطلق على التكرار
الأكثر من الفقهاء على حمل الأمر المطلق على فعل مرة واحدة، فإذا قال الآمر لغيره: تصدق، فتصدق مرة واحدة فقد برئ من عهده الأمر.
واختلف أصحابنا في هذه المسألة:
فالذي ينصره القاضي عبد الوهاب أنه يحمل على مرة واحدة.
وقد اختلف من تكلم من أصحابنا على هذه المسألة، ما مقتضى مذهب مالك؟
فذهب بعضهم إلى أن مقتضى مذهبه حمل الأمر على مرة واحدة، واستقرأوا ذلك من لفظ وقع في أول كتاب الوضوء من المدونة، لما سئل ابن القاسم عن التوقيت في الوضوء فأجاب بما أجاب، واستدل على نفي التكرار بمجرد قوله: (وجوهكم)، فلولا أن مذهبه حمل الأمر المطلق على مرة واحدة لم يحسن الاستدلال بهذه الآية، على أن الواجب في الوضوء غسلة واحدة مستوعبة للعضو.
وأشار ابن خويز منداد إلى أن مقتضى مذهبه التكرار تعلقا منه بقوله: إن المتيمم يتيمم لكل صلاة، ولكنه مع هذا تردد في الاستقراء عنه، قال: وقد قال في التمليك إنه لا يجب
стр. 153
للمرأة إلا مرة واحدة، واختار لنفسه مما تردد فيه عن مالك حمل الأمر على التكرار، وهو اختيار ابن القصار، وبه قال من المتكلمين المعتزلة، ومن الأشعرية الإسفراييني أبو إسحاق، والمحكي عن الشافعي المذهب الأول، وذكر أيضا عن أبي حنيفة.
وذهب القاضي في جماعة الواقفية إلى الوقف، فيما زاد على المرة الواحدة، لأن المرة الواحدة متفق على ثبوتها، ويستحيل تحقق الأمر دونها، لاستحالة أمر لا يتعلق بمأمور به، وإنما هذه الثلاثة أقوال، فيما زاد على المرة الواحدة، فمن قاطع بالنفي، ومن قاطع بالتكرار على الدوام، ومن متردد بين هذين، وعمدة هؤلاء المترددين ما تقرر أن كل محتمل لا يصح الهجوم على أحد محتمليه إلا بدليل، والدليل على احتماله عندهم حسن استفهام الآمر عن مراده.
الا ترى أن السيد إذا قال لعبده زر فلانا، حسن أن يسأله هل أراد زيارة واحدة، أو زيارة متكررة؟ فلولا الاحتمال ما حسن السؤال، وأصدق شاهد على هذا سؤال رجل من الصحابة إما الأقرع بن حابس، أو سراقة ابن مالك، على اختلاف في الرواية، للنبي ﷺ عن الحج، هل هو لعامنا هذا، أو للأبد؟ فلولا احتمال هذا اللفظ لم يسال هذا الصاحب، مع كونه عربيا عارفا باللسان، ألا تراه لم يسال عن المراد بالناس في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت).
وقد أجيبت الواقفية عن هذا "بأن النبي ﵇ انتهر هذا السائل"، فلو أصاب في السؤال ما انتهره، فدل على أنه سأل عما لا يحتمل، واعتذر الواقفية عن هذا الانتهار، بما عمل منه ﵇ من كراهية كثرة المسألة، كما كان يفعل بنو إسرائيل مع أنبيائهم، مع أنه يمكن أن يكون هذا مما أفشي بيانه، حتى صار السائل كالمقصر، بل خفي عنه ما أفشاه، أو أراد منه أن يستعلم هذا من غيره من الذين علموا بيان النبي ﵇ فيه.
واعتمدوا أيضا في الاحتمال على أن فعل الأمر وغيره من الأفعال مشتق من المصادر، كما تقدم قبل هذا، والمصدر لا يدل بمجرده على كثرة، أو قلة، فكذلك ما أخذ منه، لأنك إذا قلت أكلت أكلا، فإن قولك: أكلا مصدر، لا يدل على أكل قليل، أو كثير، مردد، أو موحد، فكذلك ما يؤخذ منه، وهو قولك: كل، لا يدل على شيء من هذا، بل فيه من الاحتمال ما في قولك: أكلا.
وأما الذاهبون إلى حمله على التكرار فإنهم يعتمدون على استشهاد بقياس، وعادة في التخاطب، أما القياس فلهم فيه مسلكان ضمني ومطلق، فأما المطلق فإنهم يقولون إن النهي
стр. 154
في معناه أمر، لأنه أمر بالكف والترك، كما أن الأمر أمر بالإقدام والإيقاع، والآمر والناهي مقتضيان، ولكن هذا فعلا، وهذا تركا، وقد علم أن النهي يحمل على التكرار والدوام، فكذلك الأمر.
وأما الضمني فقد علم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده تحرك فقد تضمن أمره هذا نهي العبد عن السكون، وإذا ثبت كون السكون منهيا عنه، ليس من جهة التصريح بالنهي عنه، لكن من جهة تضمن الأمر، وكان النهي عن الجملة يقتضي استيعاب الأزمان، تضمن ذلك لا محالة استيعاب الأزمان بمجانية السكون المنهي عنه ضمنا، لا بأن يستوعب الأزمنة بفعل (ص ٧٨) الحركة المأمور بها تصريحا.
وأما عادة التخاطب، فإنهم يقولون قد حسن الاستثناء في عادة التخاطب في مثل هذا الأمر الذي نتكلم عليه، فإذا قال السيد لعبده: كل، حسن أن يقول له إلا في رمضان، فلولا أن مطلق الأمر يقتضي الاستيعاب لما حسن الاستثناء، لأن الاستثناء إخراج بعض من كل، والواحد لا بعض له، وأجيب هؤلاء عن هذا بأن القياس على النهي لا يصح، لأنه قياس على اللغة، واللغة لا تثبت قياسا.
وأما النهي الضمني فإن أبا المعالي لم يسلم لهم اقتضاء الأمر نهيا عن الضد، ولو سلمه لم يسلم فيه الاستيعاب، بل يكون الاستيعاب فيه تابعا لمقتضى الأمر المتضمن للنهي، فإن كان بفعله واحدة، تضمن هذا الأمر تركا واحدا، وإن كان بفعل دائما تضمن النهي تركا دائما، وبهذا انفصل ابن المجاهد عن استدلالهم هذا.
ولهم مسلك في القياس، أشار أبو المعالي إلى الاستغناء عن النظر فيه، لوضوح فساده، وذلك أنهم قالوا اعتقاد الوجوب، والعزم على الفعل يجب استدامته فكذلك نفس الفعل يجب استدامته، لأن جميع ذلك من مقتضى الأمر، وهذا ليس بشيء، لأن اعتقاد الوجوب ينتجه التصديق بما قال الرسول، فلم سامحناه طرفة عين باعتقاد سقوط الوجوب مع علمه بأن الرسول يقول إنه واجب لكنا سامحناه بإكذاب الرسل، وأما العزم فلمعنى آخر سنتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله.
وهكذا تمسكهم بعادة التخاطب هو عندي مما يتضح ضعفه، لأنا إنما نجيز الاستثناء إذا أراد المتكلم استيعابا مخصصا، وأورد ما يحتمل الاستيعاب، أو يجب فيه الاستيعاب، ثم تلافى تجويز الاستيعاب بالاستثناء حتى رفع به ما جوز أن يريده.
وأقرب ما في هذا أن يقال لهؤلاء قد علمتم مذهب الواقفية في هذا، فلهم أن يقولوا حسن الاستثناء لما فرضناه من الاحتمال الذي اقتضى وقوفنا إلى حمل الأمر المطلق على
стр. 155
مرة واحدة، فإنهم يعتمدون على القياس على الخبز، والقسم، فيقولون إذا قال القائل: أكل زيد، وتصدق عمرو، فإن مقتضى ذلك أكلة واحدة، وصدقة واحدة، فليكن الأمر كذلك.
ويستشهدون على هذا بأن من قال لوكيله اشتر لي ثوبا فإنه إنما يلزمه شراء ثوب واحد، وكذلك من حلف ليدخلن، فإنه يبرأ بدخلة واحدة، بخلاف الحنث فإنه متى قال لا دخلت الدار حنث متى ما دخل، لأن الحنث كالنهي، والنهي مستوعب والبر كالأمر، والأمر غير مستوعب، وهذا كله أجيبوا عنه بأنه قياس على شرع، أو على لغة، وكل ذلك لا تثبت به اللغات.
هذا ولا نسلم لهم أن الخبر يقتضي اتحادا واستيعابا، بل هو متردد بينهما على حسب ما قدمناه، لما ذكرنا أخذ هذه الأفعال من المصادر، واستدلوا أيضا بأن الموقع فعلة واحدة يسمى مطيعا، وممتثلا، فلولا أن ذلك مقتضى الأمر، لم يحسن وصفه بذلك، وأجيبوا عن هذا بأنه إنما يوصف بالطاعة والامتثال فيقرر ما فعل، ولو صرح الأمر بالتكرار، فأخذ المكلف في الفعل والإيقاع، لقيل هو مطيع ممتثل، والمراد وصفه بذلك بحسب مقتضى الإمكان، وقد انطوى في هذا الفصل ذكر النهي، وكونه مستوعبا للأزمان، فاقتضى الحال إفراده بالكلام عليه، حتى تتميز الأوامر من النواهي.
فاعلم أني رأيت في تصانيف من الأصول لا تحصى كثرة، حكاية الاتفاق على أن النهي المطلق يحمل على استيعاب للأزمنة بالاجتناب، فمن مصرح، يذكر الاتفاق على ذلك، ومن مشير إليه، لكن القاضي أبو محمد عبد الوهاب، ذكر أن من الناس من أجراه مجرى الأمر في اقتضائه الكف مرة واحدة، ولم يسم في بعض تصانيفه، من ذهب إلى ذلك، والقاضي، وغيره من أئمة المتكلمين أجروه مجرى الأمر، في أنه لا يقتضي الاستيعاب.
وأما الجمهور الصائرون إلى أن النهي يقتضي الاستيعاب بخلاف الأمر، فقد أكثروا من ذكر الفروق بينهما، فقيل إنما فرقنا بينهما لقوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا" الحديث. فأنت تراه ﷺ ، كيف علق الأوامر بالاستطاعة وأطلق النواهي، وأشار بإطلاقه إلى حملها على الاستيعاب.
стр. 156
وقيل الفرق بينهما أن الاجتناب لا يشق وإن تكرر، والفعل يشق إذا تكرر، وهذا قد يقدح فيه بأن في المجتنبات ما يشق تكرير اجتنابه، ألا ترى أن الصوم هو ترك الطعام، والشراب، والجماع، وتكرير حبس النفس عن شهواتها يشق؟
وقيل الفرق بينهما أن الفعل الواحد يكون تركا لأفعال كثيرة، وينافيها في زمن واحد، لو فعلت لما اتسع ذلك الزمن لها، والفعل الموقع بخلاف ذلك، إذ لا يمكن إيقاع أفعال (ص ٧٩) شتى في زمن يضيق عنها، فدل ذلك على [أن] الاجتناب والترك يتحقق فيه الاستيعاب، وإن ضاق الزمان، واتحد الأمر، بخلاف الأمر بالإيقاع.
وقيل الفرق بينهما أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، والقبيح يجب اجتنابه أبدًا، والأمر يدل على الحسن، وقد يكون حسن لا يجب.
وقيل الفرق بينهما، أن العادة في التخاطب جارية بالتفرقة بينهما، فالنواهي يفهم منها الاستيعاب، بخلاف الأوامر، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده: لا تقابح، لا تؤذ الجار، إلى غير ذلك من أمثاله، لم يحسن من العبد أن يستفسره عن الاتحاد، والتكرار، بل يفهم من هذا استيعاب الأزمنة، ولو قال له أعط لفلان ثوباً، تصدق على هذا المسكين بدرهم، لم يفهم عنه الاستيعاب.
وقيل الفرق بينهما أن النهي كالنفي، والأمر كالإثبات، والناهي كالسالب لما أثبته الآمر، فإذا قال: صل، فقد أثبت الصلاة، وإذا قال لا تصل، فكأنه سلب ما أثبت، ومقتضى هذا أن يجري النهي على مناقضة الأمر، فإذا قال: صل فصلى صلاة واحدة، فقد خرج من عهدة الأمر، فإن لم يصلها اليوم، وصلاها بالغد كان ممتثلا، وهكذا في باقي الأيام، فقد صار في كل يوم يوقعها ممتثلا، فإذا نهاه اقتضى كون النهي سلباً للأمر، استيعاب الأزمنة في الاجتناب حتى تتحقق المناقضة بين الأمر والنهي، ويكون النهي يستوعب الأزمنة ضما واجتماعا، والأمر على البدل، والتنقل من يوم إلى يوم.
وقيل الفرق أن الأمر إثبات، وهو مأخوذ من المصدر، والمصدر لا يدل على قلة أو كثرة، كما تقدم، والنهي مأخوذ من النفي، والنفي يدل على الاستيعاب، وإنما دل النفي على الاستيعاب لأنه عدم محض، ولا تخصص فيه، فجعل الاستيعاب للأزمنة كصورة يتخيل منها الاختصاص، كما يتخيل في الإثبات الاختصاص من ناحية الصور، فإذا قال رأيت رجلا وقع الاختصاص برجل واحد، لما كان الكلام إثباتا، فإذا قال لم أر رجلاً، فقد أخبر أنه لم يوقع الرؤية، فأشار إلى عدم، والعدم لا يفعل في مثل هذا إلا باستناد، فإن لم يستند هذا النفي إلى استيعاب سائر الرجال، لم يكن له اختصاص برجل دون رجل، وهذا
стр. 157
الفرق [و] الذي قبله مبدأهما واحد، ونهايتهما كالمختلف.
وهذه الفروق أكثرها لا يسلم من القدح، وما سلم منها قد يغمض، وأمثلها ما أشر فيه إلى معنى النفي، والإثبات، على حسب ما صورناه آخرا.
فصل في مطلق الأمر هل يقتضي التراخي أو الفور
الكلام في هذه المسألة من أربعة أوجه:
- أحدهما: محلها.
- والثاني: العبارة عنها.
- والثالث: نقل المذاهب فيها.
- والرابع: سبب الخلاف فيها.
فأما محلها فإن الأمر بعبارة متكررة تستوعب سائر الأوقات كالإيمان بالله، لا يصح فيه تصور التراخي، لأن تقدير التراخي فيه يخرجه عن الاستيعاب، وأما إذا كان الأمر بعبارة واحدة، وأعداد محصورة، فلا يخلو من أن يرد مؤقتا، أو مطلقا:
فإن ورد مؤقتا، فوقته حاصر له، يستغني بتحديده عن تصوير التراخي أو الفور.
وأما إن ورد مطلقا، فهاهنا محل الخلاف، وهذا في الأوامر، وأما النواهي فالمعروف من مذاهب العلماء أنها ليست محل الخلاف، ولا يتصور فيها التراخي، لاستيعابها الأزمان، وقد قدمنا أن الأمر المستوعب للأزمان لا يتضور هذا فيه. وأشرنا في الباب الذي قبل هذا إلى ارتفاع الخلاف عند قوم من المصنفين في النواهي، وأنهم يزعمون أن الاتفاق حصل على حملها على الاستيعاب وذكرنا عن القاضي أنه لا يحملها على الاستيعاب كالأوامر.
وذكر أبو المعالي في تلخيصه أنه لا يعرف حقيقة مذهب القاضي في هذه المسألة، هلي حمل هذه المرة التي تضمنها النهي على الفور أو التراخي، وأشار إلى أن الأليق به أن ينسب إليه موافقة الجماعة في حمل النهي على الفور.
وأما الأذري فقد صرح بحمل النهي المقتضي إطلاقه مرة واحدة على الانتهاء واجتناب الفعل مقدما أو مؤخرا، وهذا بعيد تصوره على مجاري الشرع، واللسان، وسننبه عليه.
والوجه الثاني بتحرير العبارة عنها، فاعلم أن المصنفين والمتناظرين أولعوا بهذه
стр. 158
العبارة، وهي القول: الأمر المطلق هل يحمل على الفور أو على التراخي، فأما قولهم: على الفور فعبارة تطابق المعنى المراد، وتنبئ عنه، وأما قولهم: على التراخي فعبارة لا تطابق المراد، لأن مقتضاها أن البدار إلى الفعل لا يجوز، وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما مرادهم إجازة التأخير، فإذا كان هذا هو المراد فالعبارة المنيبة عنه أن يقال: يقتضي الامتثال من غير تعيين وقت) أو يقال: يقتضي الامتثال مقدما أو مؤخرا (ص ٨٠) أو ما في معنى هذه العبارات.
وكان شيخي يعبر عن هذا بأن يقول له: التراخي يشير إلى المكلف، وهذا كله تحرير عبارة، وإلا فالمراد متفاهم بين أهل هذه الصناعة، وإن عبر عنه بما ألفوه.
والوجه الثالث نقل المذاهب، فاعلم أن للعلماء في هذه المسألة ثلاث مذاهب:
فمنهم من ذهب إلى حمل الأمر على الفور والبدار، وينسب هذه المذهب إلى أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك البغداديين. وأشار بعضهم إلى استنباط هذا من قول مالك إن تفرقة الوضوء عمدا لا يجوز، ويوجب استئناف الطهارة، وما ذاك عنده إلا بحمل الأمر على الفور.
- ومنهم من ذهب إلى حمله على التراخي، ينسب هذا إلى الشافعي، وبه قال بعض المتأخرين من المالكية المغربيين، واستنبطوا أيضا هذا مما وقع لمالك من أمر للزوجة باستئذان الزوج في الحج، عاما بعد عام، وما ذاك عنده إلا حمل الأمر على التراخي.
- ومن الناس من ذهب إلى الوقف بين هذين المذهبين، فلم يقطع بأحدهما، ولأصحاب الشافعي هذه الثلاثة أقوال، وكذلك لأهل الظاهر.
فأما من قال بالفور فإنه يؤثم من أمكنه الفعل فأخره، ولكن اختلفوا على قولين بعد اتفاقهم على حصول التأثيم، هل يجب إيقاع الفعل بعد أن فاتت المبادرة إليه، ويكون ذلك من مقتضى الأمر الأول، وكان معناه: افعل عاجلا، فإن فاتك عاجلا فافعل فيما يليه، أولا يجب إيقاع الفعل بعد أن فات البدار إليه إلا بأمر آخر؟
وكذلك أصحاب التراخي اتفقوا على أن لا إثم في التأخير ما لم يغلب على الظن الفوات إن لم يفعل، ولكنه مع هذا اختلفوا إذا مات والتأخير له سائغ هل يأثم أم لا؟ فمن أصحاب مالك المتقدمين من آثمه، وهو الذي اختاره أبو المعالي، ومن الناس من لم يؤثمه، وهذا اختيار القاضي ابن الطيب.
стр. 159
ومن قال من هؤلاء بالتأثيم اختلفوا على قولين، هل يتعلق التأثيم بآخر زمن من فعل الإمكان الذي تعقبه الموت، ولا يتعدى هذا الزمان أو يتعلق به، وينبسط على ما قبله من أزمنة الإمكان؟
وكذلك الواقفية اختلفوا أيضا، هل الوقف في سائر الأزمان حتى يشك في المبادر إلى الفعل هل هو ممتثل للأمر أم لا، إنما يشك فيمن أخره عن أول زمن الإمكان، هل يتعلق به الإثم أم لا؟ وأما من بادر إليه ففعله، فلا شك في كونه مطيعا ممتثلا، وهذا مذهب حذاق المالكية الواقفية، وهو الذي اختار أبو المعالي.
والوجه الرابع سبب اختلاف هذه المذاهب، والوجه فيه أن نفرد أهل كل مذهب بتعلقهم.
فأما أهل الفور فيتمسكون باستدلال عقلي ولغوي وقياسي، وظواهر شرعية.
فأما الاستدلال العقلي فإنهم يرون أن القول بتجويز التأخير، يوقع في إحالة، إما إحالة مترددة ما بينها وبين إحالة غيرها، وإما إحالة متحدة معينة، فأما إيقاعه في إحدى إحالات، فتصور في المكلف إذا مات، فيسالون عنه، هل مات مؤثما أو غير مؤثم؟ في وزان من قال من أصحابنا بأنه يموت غير مؤتم، يوقعهم في إحالة واحدة، وهي إبطال حقيقة الوجوب، وإخراج الواجب إلى حقيقة النفل، وذلك أن النفل من مات ولم يفعله، فلا إثم عليه. فإذا كان الحج مثلا لا يؤثم من مات ولم يفعله، وقد تمكن منه، فقد لحق الحج المفروض بالنوافل.
وأما من قال بالتأثيم من أصحاب هذا المذهب كما حكيناه عنهم، فإنه يقع في إحدى إحالتين، الجمع بين إباحة الشيء والتاثيم فيه، لأنا إذا جوزنا له التأخير، ثم آثمناه في التأخير، فكانا تناقضا، لأن الجواز يرفع المآثم، والمآثم ترفع الجواز، وإن قيل إن التأخير إنما جاز بشرط ألا يموت المكلف قبل أن يفعل فقد علق الإباحة على أمر مجهول، وتعلق الأحكام على أمر مجهول، كالخطاب والإلزام بأمر مجهول، وذلك محال.
ولما كان القاضي ابن الطيب وابن فورك يريان انتفاء المآثم، اعتذروا عن هذا الإلزام بأن أثبتوا العزم على إيقاع الفعل بدلا من تقديم إيقاعه، ورأوا أن التأخير لم يسقط وجوبه إلا بإثبات عوض [عنه] وهو العزم، فأشبه تخيير الحانث بين إطعام المساكين، أو كسوتهم، فإن الإطعام وإن لم يؤثمه في تركه إذا لم يفعله وعوض عنه الكسوة لم يخرج عن حقيقة الوجوب، لأنه إنما سقط إلى بدل، كأنه هو، والنفل يسقط ولا يؤتى عنه ببدل.
стр. 160
وأنكر أبو المعالي إثبات العزم هاهنا، ولم يره عذرا، وانفصالا عن الإلزام، لأنه تعجب من القاضي إذا أنكر إشعار الصيغة بالوجوب، مع زعم أكثر العلماء أنها تشعر بذلك في اللسان، وأثبتها مقتضية للعزم.
وقد ظن أبو المعالي بأصحاب هذا الانفصال، ولم يقولوه، وذلك أنهم صرحوا بأن (ص ٨١) العزم لم يثبتوه بدليل قام عليه، وطعن أيضا فيما قالوه بأن المسألة مفروضة في عبادة متحدة متعينة، وإثات العزم مخيرا بينه وبين العبادة يخرج العبادة عن التعليق والاتحاد في الأمر، وهذا أيضًا لا يلزمهم، لأنهم يجعلون العزم بدلا من العبادة، حتى يكون إيقاع العزم يسقطها كالحال في الإطعام، إذا سقط للكسوة، وإنما يرون العزم عوض التقدمة، فإذا أوقع العزم سقطت عنه التقدمة خاصة، وبقي مطالبا بالفعل على حسب ما كان يطالب به أولا، في التخيير بينه وبين العزم، فلم يزل الأمر عن تعلقه بالفعل، ولا يسقط الفعل أصلا بفعل غيره، وطعن عليهم أيضا بأن أشار إلى أن هذا خرق الإجماع، وما أحد يؤثم من مات وسط الوقت في الصلاة، ولم يخطر له العزم ببال، ولا أحد يوجب إخطار العزم بالبال.
وهذا لا يسلمه له القاضي، ولو سلم القاضي الإجماع لم يجسر على مخالفته.
وقد كان دار بيني وبين الشيخ أبي الحسن اللخمي ﵀ في هذا السؤال مقال طويل حين قراءة البخاري عليه، وذلك أني عرض له بمذهب القاضي في إيجابه العزم، فاشتد إنكاره لذلك، واستبعده، كما استبعده أبو المعالي هاهنا، واستعظم القول به، فلم يكن إلا قليلا حتى قرأ القارى: "إذا التقى المسلمان بسيفهما"، الحديث، وفيه تعليل النبي ﵇، كون المتقول في النار بكونه حريصا على قتل أخيه.
فقلت له: هذا يشير إلى ما قاله القاضي، لأن الحديث إنما اقتصر فيه التعليل بالحرص على المعصية التي هي القتل، ولم يتعرض إلى حمل السلاح لذلك، ولا إلى المكافحة، فلم يكن منه ﵀ جواب، عن هذا ينقل سوى التمادي على الإشارة إلى استبعاد هذا.
وقد وقع لأبي المعالي في هذا الباب إغفال وذلك أنه ذكر عن القاضي أنه يقول بالعزم، وتردد المكلف بين العزم والفعل، كل وقت إلى آخر زمن الإمكان، ثم قال بعد هذا في الباب بعينه: ولا يظن بهذا الرجل العظيم ـ يعني القاضي ـ أنه يوجب العزم مكررا، وإنما يراه يجب مرة [واحدة]، وينسحب حكم هذه المرة على هذه الأزمنة،
стр. 161
فيكون فيها كالعازم كالنية المنسحب حكمها من أول العبادة على أثناء العبادة.
فأنت ترى كيف اتفقت عليه هذه الغفلة، هو بنفسه يحكى عن رجل مذهبا ثم يقول: لا يظن أنه يقول به، ولو أورد عنه لفظا محتملا، ونبه على احتماله، ثم قال: لا ينبغي أن يظن به المصير إلى أحد محتمليه الذي هو كذا، وكذا، لحسن هذا، وأما وقد حكى عنه لفظا يبعد عن الاحتمال، ولم يتعرض حاكيه إلى تنبيه على احتماله، ثم يقول: لا يظن به أنه يقول: بما حكيت عنه أنه يقوله، هذا إهمال، وإنما يقع من مثله بحكم الاسترسال.
وأما القاضي فإنه سلك في إثبات العزم في التبشيع أيضا بعكس مطلوب أبي المعالي، فيقول: إذا خطر ببال المسلم فريضة من الفرائض مؤخرة فلابد أن يكون قد قارن هذا الخاطر تصميم منه على فعلها في المستقبل، أو تصميم منه على أنه لا يفعلها سائر أيام عمره، فاعتقاده، وتوطين نفسه على ألا يفعل ما فرض الله سبحانه عليه، كالتهاون بأمر الله سبحانه، والاستخفاف بمعصيته ومثل هذا لا يسوغه أحد، ولا يستخفه مسلم، وإذا كان منهي عنه كان ضده مأمورا به، وضده هو العزم على فعل الطاعة، فيقابل استعباد أبي المعالي إيجاب المسلمين العزم باستبعاده هو أن يقول المسلمون بإسقاطه، وفيه ما قلناه من الشناعة.
وهذا أوردته على الشيخ أبي الحسن اللخمي ﵀، تماما، لما كنت حكيته عنه، فأشار إلى أن هذا يرده الحديث الصحيح في أن "من هم بالسيئة ولم يعملها لم تكتب"، فإذا قلنا مثلا إن الحج على الفور، فقال في نفسه: لا أحج أبدا، ثم بعد ذلك حج صار الخاطر المتقدم هما، والهم بالمعصية مغفور، ومنعني من التمادي معه في هذه المسألة تعلقها بعلم قوم آخرين وهو النظر في الإرادات، والأمنيات، والعزائم والشهوات، وغير ذلك من اعتقادات القلوب، وكلام النفس، وهذا من الرقائق الذي لا يحسن استقصاؤه إلا في كتب علم الكلام.
فهذا الكلام في المسألة على طريقة القاضي القائل بأن من مات، وقد أخر العبادات التي ورد الأمر بها مطلقا لا يأثم.
وأما على طريقة من قال إنه يأثم فإنه يرى أن هذا الخطاب لا إحالة فيه، وإلى هذا أشار أبو المعالي، وليس في هذا إيقاع في تكليف ما لا يطاق، ولا إلزام (ص ٨٢) أمر مجهول، وذلك أن الممتنع في هذا أحد أمرين، إماما يمنع منه فهم المخاطب، كمخاطبة الميت والنائم وإلزامه حال نومه فعل ما خوطب به، وإماما يمنع الامتثال كقوله: تصدق بدرهم من الكيس معين، ولا يدله على عينه، ويلزمه امتثال ما أراد الآمر بأمره، وما عينه في طي غيبه، وإما إلزام المكلف الخطاب بعبادة يفهم معناها، والمراد بها، كالحج مثلا،
стр. 162
ويجعل ميقات إيقاعها سائر أيام العمر فإن أوقع فيه برئ من الأمر، وإن مات قبل أن يوقع باء بالإثم، فإنه لا إحالة في هذا، لأن الخطاب يفهم والامتثال يمكن، وبيد المكلف ركوب الخطر في الإثم أو القطع على السلامة منه، وقد جاء الشرع بإيجاب الكفارات إيجابا متراخيا، ولم يوقع ذلك في تكليف ما لا يطاق.
وأجمعت الأمة في قضاء الصلوات الفائتة بأعذار، ثم العمر مدة لقضائها.
وانتبه لتحرز أبي المعالي بقوله هاهنا: ثم العمر، فإنه لما صدر كلامه بإجماع الأمة على قضاء الصلوات الفائتة بأعذار، وكان جماعة من العلماء يوجبون القضاء على الفوز، والبدار، استفتح القول بحرف ثم، مشيرا به إلى مذهبه، لا إلى مذهب جمع الأمة، وهكذا أيضاً تحرزه بقوله: بأعذار، لأن قضاء من تعمد ترك الصلاة فيه خلاف، على أنه مع تقييده وتحرزه في هذين الموضعين المنبه عليهما لا يصفو له ما حكاه من الإجماع مع الأعذار، لأن ما زاد على الخمس صلوات قد حكي فيه خلاف شاذ.
وأما استدلالهم الثاني بإحالة متحدة معينة، فهو أنهم قالوا إن الواجب لا يسوغ تأخيره، وإذا قلتم بحمل الأمر على التراخي أجزتم التأخير، وإنما يجوز التأخير في الندب، وإلا فما الفرق بين الندب والواجب، وهذا جواب القاضي عنه، ما تقدم من إثبات العزم بدلا، فيكون هذا البدل عوضا عن التأخير، فلو جمع بين ترك البدل والمبدل منه، لأثم عنده، وهذا قد قدمناه في صدر المسالة.
وأما أبو المعالي المنكر للعزم، وأن يكون الشرع تعبد به، فإنه هاهنا يصعب عليه الانفصال في العبادة المؤقتة، وأما الأمر المسترسل على سائر العمر فإنه قد حكينا عنه يثبت فيه التأثيم، والتأثيم إذا ثبت فارق الندب، فالمكلف إذا أمر بعبادة جعل سائر عمره وقتا، فكأنه قيل له: إن فعلتها بدارا، أو بعد تراخ فقد امتثلت، وأطلعت، وأخذت بالحزم، ولم تركب ظهر الغرر، ولم تسر على منهج الخطر، فإن لم تفعل حتى مت فقد حاق بك ما كنت مخاطرا فيه من استحقاق العقاب، فهو مخوف بسبب هذا التكليف، مروع أن يموت قبل الفعل فيستحق العذاب، والشرع محصوله في مثل هذه تهاويل، وتخاويف مفزعة للنفوس حتى تسهل على النفوس إذا لاحظتها مشاق العبادات.
وأما فلو ترك عبادة قد ضاق وقتها وتعينت كصلاة الصبح عند طلوع الشمس فإنه لا يوقن بعذابه عليها، بل يرجو عفو الله سبحانه، ولكنه مع رجائه خائف منه، فكذلك الحج إذا قلنا إنه على التراخي فإن الإنسان خائف من الله سبحانه أن يعذبه عليها إن مات ولم يحج.
إلى هذا أشار أبو المعالي، ولكن عندي بين الخوفين بون بعيد، هذا التارك لأمر مضيق، قد صار عرضه العذاب، واستحق النكال، وأن ما يرجو أن يرتفع عنه واقع،
стр. 163
وارتفاعه عند بيد غيره، وأما هو فلا قدرة له على رفعه، وهذا الذي يؤمل الحج لم يستحق عذابا، فيرجو اندفاعه، وهذه المخالفة أيضًا بيده لإزالتها بأن يحج فلا يخاف والآخر لا يمكنه إزالة خوفه، نعم تارك الحج إذا مات صار كالحي التارك لعبادة مضيقة، في كونهما جميعا استحقا العذاب، ولكن عفو الله سبحانه مجوز فيهما جميعا.
وأما العبادة المؤقتة فإن أبا المعالي لما أحس بلزوم المعارضة وأنه إذا فارق القاضي في إثبات العزم لا حيلة له فيها إلا أحد أمرين: إما إثبات التأثيم، كما قاله شذوذ من الفقهاء، وصرحوا بأن من مات وسط وقت الصلاة، ولم يصل فإنه آثم.
وهذا الذي قالوه لا يلتفت إليه، لأنه مذهب مستنكر عند المسلمين، فهؤلاء لا تلزمهم المعارضة، لأن إثباتهم التأثيم يلحق هذا الفعل بحقائق الواجبات، وإما تسليم المعارضة وإنكار حقيقة الوجوب.
وقد زاحم أبو المعالي نفسه حتى اضطر إلى ركوب هذا، والخروج عن مذهب أصحابه إلى مذهب أبي حنيفة القائل بأن الصلاة إنما يتحقق وجوبها آخر الوقت المضيق، وأما قبل ذلك فإنها نائبة مناب الواجب وكان أول الوقت، ووسطه ظرفا ليعلم المكلف أن الإيقاع فيهما يغنيه عن الواجب الحق، وأما الواجب الحق فالإيقاع (ص ٨٣) آخر الوقت.
ولما كان أبو المعالي من المطلعين على أسرار الفقه والطرق الفقهية، باح بأنه خالف طريقهم في هذا، لأنهم يقولون إن العبادة إنما تقدم قبل وجوبها فتجزئ إذا كانت عبادة مالية، مثل الزكاة، وأما البدنية مثل الصلاة فلا. فقال أبو المعالي البدنية كالمالية في هذا على أنه إن تفطن متفطن إلى انتفاء المآثم في حق من مات وسط الوقت، ولم يصل فهذا لم يأت بالفعل الذي هو الصلاة، ولا بالبدل الذي هو العزم، ولا إثم، فكيف يتصور وجوب الصلاة هاهنا؟ فأشار إلى أن لا حيلة في هذا إلا الرجوع إلى أصل أبي حنيفة في أن الصلاة إنما تجب بآخر الوقت. فهذه طرق الاستدلال العقلية، ذكرنا ما لهم فيها، وما عليهم.
وأما اللغوية فإنهم يقولون: من تواني عن امتثال أمر الآمر حسن لومه، وتوبيخه، لاسيما في الأمر إذا صدر ممن له حق ويخاف سطوته، ويعظم جلاله، فإن هذا يطابق أهل اللسان، والعقلاء على البدار إلى أوامره، من أن يعد المتواني مستخفا بالأمر أو مجتريا عليه، وهذا يقتضي حمل الأوامر على الفور، وهذا لا يسلمه لهم الآخرون، ويزعمون أن ما يبادر إليه من هذا فبحكم قرينة حال اقتضت البدار، أو احتياطا واستظهارا، أو حذارا من سطوة الملك المرهوب.
стр. 164
وأما الظواهر الشرعية فقوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات)، وقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم).
ولأهل التراخي أن يقولوا: المغفرة لا نسارع إليها، لأن ذلك مما لا يكتسب، والمراد المسارعة إلى فعل ما يتضمنها، كالتوبة، والتوبة على الفور باتفاق، أو يحملوه على ما يقرب من هذا المعنى، لا سيما والقاضي ينكر حمل الأمر على الوجوب بمطلقه، فيطالبهم بإيجاب المسارعة والاستباق، ويقول لهم قد يكون هذا ندبا، ولا ينكر حصول الفضل في المسابقة إلى الخيرات للسلامة من الخطر، أو الخروج من الخلاف الذي قدمناه في حمل الأوامر على الفور.
وأما القياس فإنهم يقبسون الأوامر على النواهي، وهذا قد تقدم كلامنا عليه مذهبا وفرقا، أما المذهب فقد حكينا ما قاله الأذري، فالأذري غير مسلم للأصل المقيس عليه، وأما من سواه فقد ذكرنا أن النهي نفي، والنفي يشعر بالاستيعاب، والاستيعاب يشعر بالمنع من التراخي، وذكرنا فروعا كثيرة، أنت قد تصرف منها ما تصرفه من هنالك إلى هنا، وقاسوا أيضا الفعل على الاعتقاد، فقالوا كما يجب المبادرة إلى اعتقاد الوجوب، وإلى العزم على الفعل، فكذلك نفس الفعل تجب المبادرة إليه.
وقد قدمنا نحن الجواب عن سبب الاعتقاد، وأن ذلك ينتجه التصديق بالله ورسله، وهذا لا يصح التأخير فيه، بخلاف الفعل.
وأما العزم فإنما يتصور إثباته معجلا مع تسليم تأخير الفعل، وتأخير الفعل هو مطلوبنا، وأما إذا وجب الفور استحال تصور العزم، فلا يستدل على صحة مذهب بأمر ينافي ذلك المذهب، وقاسوا أيضا على أحكام شرعية وهي الطلاق والبياعات، فإن الطلاق يتعجل حكمه، وكذلك البيع، وهذا يقابلون فيه بعكسه، من الأحكام الشرعية، فإن الكفارات يجوز تأخيرها، فليس القياس على البيع أولى من القياس على الكفارة. هذا والقياس في مثل هذا لا مدخل له، لأنا إنما نتكلم على حقائق لغوية، وهذه حقائق شرعية.
وأما أصحاب التراخي فإن النكتة التي يعولون عليها أن الأمر الذي يقتضي امتثال الفعل، وإيقاعه لا أكثر من ذلك، فإثبات زمن معين للإيقاع لا يتضمنه الأمر، ولا يشعر به، وإنما يشعر بالزمان من غير جهة اللفظ، وهو العلم بافتقارنا إلى محال زمانية ومكانية، فإنما يثبت ما تمس الحاجة إليه في الفعل وهو زمان ما، ومكان ما وإذا أثبتنا هذه المحال على هذه الصفة ثبت أن إيقاع الفعل في سائر الأزمنة مبادرة إليها، ومؤخرا مطابق للأمر،
стр. 165
وقد اتفق على هذا في المكان، وأنه لا يتعين، فليكن الزمن كذلك، ولا معنى لقولهم إن المكان يتعين إذا قلنا بوجوب البدار، لأن التأخير عن المكان الذي سمع فيه الخطاب إلى مكان [آخر] تأخير للزمن، وقد فرضنا أن الزمان لا يصح تأخيره، فقد تحقق أن المكان إنما يتعين تبعا لتعين الزمن عندهم، لامتناع خروجه عن المكان الذي سمع فيه الخطاب إلى مكان آخر من غير قطع زمان ثان.
ومما يؤكد تساوي الأوقات في كونها محلا للإيقاع، أن الفعل يلزمه لوازم لا تنحصر كالصحو، والغيم، والريح القوية أو الضعيفة، والمكان المشرف أو المنخفض، ثم لا أحد يقول يجب استفسار الآمر عن حال من هذه الأحوال دون حال، فكذلك الزمن.
وقد أجيب عن هذا بأن هذه أمور يعلم قطعا أن لا (ص ٨٤) غرض فيها لأحد من الآمرين، ولا يلتفت إليها أحد من المخاطبين، ولا تمر على بال آمر، أو مأمور وتعجل الفعل المأمور به أو تأخيره من الأغراض الصحيحة التي قع فيها الآمرون منا، فيحسن الالتفات إليها، وسؤال الآمر عنها.
وهذا منه نشأ مذهب أصحاب الوقف، لأنهم يرون أن من الأوامر ما ينبغي فيها الآمر التعجيل، ومنها ما ينبغي فيهما التأخير، حتى يحسن استفهامه عن قصده، وإذا حسن استفهامه اقتضى ذلك احتمال الأمر للمعنيين، وإذا احتمل، اقتضى احتماله الوقف، إذا لا سبيل إلى القطع على أحد المحتملين دون الآخر إلا بدليل.
وكان هذا يشير إلى طريقة أصحاب الوقف حتى في الزمن الأول، والآخرون من الواقفية لا ينفون في الزمن الأول، بل يقطعون على كون الفعل الموقع فيه امتثالا مجزيا، ومخرجا من عهدة الأمر، وإنما يقفون في اللوم والتاثيم إذا أخر الفعل إلى الزمن الثاني، فما بعده، حذارا أن يكون الآمر أراد التعجيل فخولف.
وأما إرادته التأخير حتى يكون التعجيل عنده منعوتا مخالفا لغرضه وأمره، فيرون ذلك خروجا عن المتعارف عند أهل اللسان، وعن المعتاد عند سائر الآمرين. وكأن الآمر منا إما أن يكون محتفلا بما أمر به، مهتما به، متشوقا إليه، ينتفع بتعجيله، ويتضرر بتأخيره، فهذا لا يشك في أن التعجيل موافق له وإما إن يكون الأمر مما [لا] يهمه، ولا يحتفل به، ولا يتضرر بتأخيره، فهذا يعلم أن تعجيله ليس بمخالفة له، ولا عصيان لأمره، فقد حصل كون
стр. 166
التقدمة غير مخالفة لقصد الآمر في الحالين جميعا، وإنما يقع الشك في التأخير.
وقد استدل أصحاب التراخي بالقياس على الخبر، في كونه لا يفيد تعجيلا، إذا قلت: سيقوم زيد فإن هذا اللفظ، محتمل لقيام زيد معجلا، ومؤخرا، وهذا غير صحيح، لأنه قياس على اللغة، وقد منعناه. وأيضا فإن هذا خبر، والخبر لا يتضمن الإنجاز والأمر طلب، والاقتضاء يتطلب الإنجاز، وينافيه التأخير.
وأيضًا فإن فعل الحال يخبر عنه، ولا يؤمر به، وهذا يشعر باختلاف أحكام الأخبار والأوامر وأن وضعهما مختلف، واستدلوا أيضًا بالقياس على البر، كمن قال: والله لأدخلن الدار، فإنه لا يحنث بتأخير الدخول، وهذا أيضًا من نحو الأول، لأن قياس، ونحن منعنا من قياس لغة على لغة، فكيف بقياس لغة على حكم شرعي.
واستدلوا أيضًا بحجج النبي ﷺ ، وقد أوقعه ﷺ مؤخرا عن الأمر به، لأن الأمر به ورد في سنة ست من الهجرة، وحجة ﷺ كان في سنة عشر، فقد أخر الحج عن فور الأمر أربعة أعوام، وما ذلك إلا لكون الأمر المطلق على التراخي.
وقد نازع الآخرون في هذا وقالوا لم يفرض الحج عليه صلوات الله عليه إلا في سنة تسع، وبسط القول في التعلق بهذا الأمر مبسوط في كتب الفقه.
ومما يلحق بهذا الفصل إيضاح معنى مشكل تصويره على بعض هذه المذاهب، وذلك أنا حكينا عن طائفة أنها تحمل الأمر المطلق على الفور، وتؤثم المؤخر، وبعض هؤلاء يرى أن الفعل إنما يجب إيقاعه في الزمن الثاني إذا لم يوقع في الأول بأمر آخر غير الأمر الأول، وهذا يقتضي كون الفعل قضاء حتى يوصف من أخر الحج سنة بلوغه فحج بعد ذلك بسنين تكون حجته قضاء، وهذا لم يطلقه أحد من الفقهاء.
وقد رأيت بعض أصحابنا يشير إلى تسليم المعنى، ويذكر أن العبارة هي المجتنبة خاصة ليشعر الفقهاء الفرق بين ما لم يفعل من العبادات المؤقتة، وبين المؤخر من العبادات المطلقة، وأشار أبو المعالي إلى فرق معنوي، فذكر أن الآمر بالأمر المطلق يقدر كأن أمره اشتمل على غرضين، إيقاع الفعل مطلقا، وتعجيل الفعل، فكأنه قال: حج في هذا العام، فإن لم تفعل ففي الذي يليه، فإذا حج في الذي يليه فهو مطابق للأمر الوارد، ولكنه مخالف لغرض آخر اشتمل الأمر عليه، وهو التعجيل في العام الأول، فوصفه بالامتثال من ناحية البدار للامتثال.
стр. 167
مسألة في كون المندوب إليه مأمورا به
هذه المسألة ذكر أبو المعالي أنه لا فائدة في الخلاف فيها، ولا جدوى، وإنما هي تناقش في عبارة، وليس الأمر كما ظن، وذلك أنه كثير مما يقع في ألفاظ الرواة أمره ﵇ بكذا، ونهى عن كذا، فيفتقر الفقيه هاهنا إلى معرفة المراد بهذا اللفظ، فإن اعتقد أن المندوب إليه غير مأمور به، وأن الراوي معتقد لذلك حمل قوله: "أمر" على أن (ص ٨٥) المراد به أوجب.
وكذلك يحمل قوله ﵇: أمرتكم بكذا، على أن معناه: أوجبت عليكم، لأن المندوب إليه لا يسمى مأمورا به على الحقيقة، وإن سمي بذلك فتجوزا، فلا يفتقر الفقيه حينئذ إلى تردد، وبحث عن هذا الحكم المنقول هل هو مستحق أو مستحب.
وإن كان مذهبه أن المندوب إليه مأمور به، تردد في قول الرسول ﵇: أمرتكم بكذا، وقول الراوي عنه: أمر بكذا، هل المراد به أمر واجب، أو أمر ندب، ولم يفت بالوجوب إلا بعد نظر آخر، وأدلة تقوم له على ذلك، وهذه فائدة ظاهرة متعلقة بالفقه، فقد صارت المسألة كأصل يثمر فروعا فقهية فحسن الكلام عليه، كما حسن من جماعة الأصوليين إدخالهم في كتب الأصول الكلام على قول الرواة: من السنة كذا، كان ﵇ يفعل كذا، وقضى ﵇ بكذا، لأن في تحقيق هذه الألفاظ تحقيق ما بني عليها مما نبهناك عليه.
وأما نقل المذاهب فيها، فإنها مسألة اشتهر الخلاف [فيها]، فللأصوليين قولان:
- فالشيخ أبو الحسن الأشعري يذهب إلى أنه غير مأمور به.
- والقاضي ابن الطيب يذهب إلى أنه مأمور به.
وأبو المعالي لما اعتقد ألا فائدة فيها لم يستقص البحث فيها، وردد القول فيها، ورأى أنه قد يقال: ندبتك وما أمرتك، والمراد ما جزمت عليك الأمر، وقد يقال: أمرتك استحبابا.
وقد اختلف الفقهاء فيه أيضا، فمن أصحاب الشافعي من أثبت كونه مأمورا به، ومنهم من نفاه، وإلى هذا صار بعض أصحابنا، ورأى أن المندوب إليه ليس بمأمور به على الحقيقة، وهذه المسألة إنما يرجع فيها إلى النقل عن العرب، ولما فقده القوم رجعوا إلى الاستدلال على ما عند العرب، فمن أثبته مأمورا به استدل بإجماع الأمة على أن التنفل بالأسحار، والتسبيح، وذكر الله سبحانه بالعشي والإبكار طاعة لله سبحانه، والطاعة هي
стр. 168
عندنا موافقة الأمر، بدليل قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم)، وقوله: (لا أعصي لك أمرا)، وبقوله: (أفعصيت أمري) فجعل مخالفة الأمر معصية، والطاعة نقيض المعصية، فلتكن الطاعة موافقة الأمر، لما كانت المعصية مخالفة الأمر، وأنشدوا في ذلك:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني ......................................
وأنشدوا:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى .....................................
وفي البيت الثالث من هذا:
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ................................
فقتضت هذه الأشعار أيضا كون المعصية مخالفة على حسب ما قلناه، وإذا ثبت كون الطاعة موافقة الأمر، وثبت كون المندوب طاعة أنتج ذلك كون المندوب إليه مأمورا [به]، وإذا عمل هذا على طريقة أهل المنطق قيل:
كل مندوب إليه طاعة، وكل طاعة مأمور بها، فهاتان مقدمتان نتيجتهما موضوع الأولى ومحمول الثانية، وهو: كل مندوب إليه مأمور به.
والمعتزلة رأت أن الطاعة موافقة الإرادة، وهذا ينقض عليهم بما تقرر في كتب علم الكلام أن الله سبحانه أمر أبا جهل بالإيمان، ولم يرده منه، ونهاه عن الكفر، وأراده منه، والمعتزلة تخالف في إرادة الله سبحانه لهذا، فيثبت مذهبنا في هذا الأصل بما عرف في كتب الكلام، فيبطل بإثباته ما قالوه.
والمباحات عندنا مرادة لله سبحانه، وليست بمأمور بها، وهو ﷻ قد يفعل لنا ما نريد ولا يكون مطيعا لنا بكون فعله مطابقا لإرادتنا. فإن قيل: أبطلتم كون الطاعة موافقة الإرادة، فهلا كانت الطاعة ما حصل به الثواب، فلا يكون المندوب إليه مأمورا به، لأجل كونه طاعة، بل إنما يكون طاعة لأجل كونه مثابا عليه؟ قيل: نحن لا نوجب على الله سبحانه أن يثيب المطيع، ولو أمر بأمر وامتثله المأمور لكان المأمور مطيعا، وإن أخبره الباري سحبانه بأنه لا يثيبه، وهاهم يقولون: إن بعض الطاعات يحبط ثوابها وأجرها بفعل الكبائر، وهي مع هذا امتثال لأمر الله سبحانه، وعندنا أنا نجوز إحباط الأجر لتعري الفعل من الثواب، فعلى أصلنا وأصل المعتزلة لا يصح تعليق الطاعة بالثواب.
وأجاب أصحابنا على استدلال المعتزلة بقول الشاعر:
стр. 169
رب من أنضجت غظيا صدره ... قد تمنى لي موتا لم يطع
بأنه لم يرد لم يطع في التنمي، والإرادة، وإنما أراد تمني لي الموت، وأمر به فلم يطع.
وقد سلم أبو المعالي كون المندوب إليه مقتضى، وإنما تردد في كون كل مقتضى مأمورا به، أو يتخصص ذلك بالاقتضاء الجازم اللازم، فله أن يقول في مجاوبة المستدلين: إن طاعة امتثال الاقتضاء لا أكثر من ذلك، وهذا لو ركبه افتقر معه إلى طريقة أخرى في تصحيح ما قاله القاضي في كون الأمر، وقد استدل من أنكر كون المندوب إليه غير مأمور به بقوله ﵊ في الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك".
وقد علم أنه ﷺ قد ندب إليه (ص ٨٦) فإن كان مندوبا إليه، لم يبق لقوله (لأمرتهم به) معنى، إلا أن يكون معناه: لأوجبته عليهم، فلولا أن المأمور به هو الواجب خاصة لما عبر عن هذا بهذا. والمخالفون لهم يحملون ذلك على أن المراد لأمرتهم أمرا جازما، ولو صرح بهذا التقييد لم يكن في الحديث استدلال، فإذا قدرناه محذوفا صار كالمصرح به.
فصل في تضمين الأمر بالشيء النهي عن ضده
هذه مسألة اشتهر خلاف الناس فيها، فذهب الأئمة من الأشعرية إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وكأن الأمر له متعلقان متلازمان: اقتضاء الفعل، والإيقاع، والنهي عن الترك والاجتناب، وترك الفعل فعل آخر، وهذا الفعل الذي هو ترك ضد للمتروك هو المشهور من مذهب القاضي أبي الطيب، وصار في آخر أمره إلى أن الأمر ليس هو عين النهي عن الضد، ولكنه يتضمنه، وإلى هذه الطريقة يميل أكثر الفقهاء، وإن كانوا يخالفون القاضي في مسلك التضمين.
وذكر ابن خويز منداد عن مالك أنه يقول بدليل الخطاب، وأن قوله بدليل الخطاب يقتضي أن يقول في الأمر بمثل المقالة التي حكيناها عن الفقهاء.
وأما المعتزلة فإن المشهور من نقل أئمتنا عنهم أن الأمر ليس بنهي عن الضد، لا من جهة القول، ولا من جهة المعنى، وهذه الطريقة التي اختار أبو المعالي، ولكنه مع ذلك خالف الأشياخ في نقله عن المعتزلة، فنقل عنهم أنهم يرون تضمن الأمر للنهي عن الضد
стр. 170
على حسب مسالك الفقهاء، ولكنهم عنده لما كانوا ينقون القول النفسي، ويرون أنه لا أمر إلا الأمر النطقي اعتقدوا أن العرب وضعت قولها: قم، لتدل على معنيين تصريحا، وتلويحا، فالتصريح بحكم النص هو اقتضاء القيام، والتلويح بكم الإشعار وهو النهي عن السكون، ومجرى هذا كمجرى قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف)، فإن تصريحه يقتضي النهي عن التأفيف، وأما ضرب الوالدين وشبههما لا تقتضيه صيغة القول "اف"، ولكنه يقتضيه بمفهومه ومعناه، وإن كان هذا عندهم أجلي مما نحن فيه، لأن هذا يسميه أهل الأصول مفهوم الخطاب، وهو عندهم كالنص.
وأما مثبتو الكلام النفسي فإنهم لا يتصورون فيه تواضع ولا استصلاحا، لكنه معنى ثابت في النفس محسوس، العلوم، والقُدُر، وقد علم أن العلم له تعلق بمعلوم، كما أن القدرة لها تعلق بمقدور، فكذلك الأمر في النفس له تعلق بمأمور به، وكما يكون العلم له متعلقان متلازمان، لا يصح أن يعلم أحد المعلومين دون الآخر، فكذلك الأمر النفسي يمكن أيضًا أن يكون له متعلقان متلازمان، أحدهما اقتضى الإيقاع، والثاني النهيعن الكف، فمتى قال: إن في النفس كلاما، وأثبت فيه أمرا، أو اعتقد مع هذا أن نفس الأمر بالشيء هو بعينه النهي عن ضده، أجرى هذا مجرى العلم المتعلق بمتعلقين متلازمين، كيمين وشمال، وفوق وتحت، فإنه كما يستحيل عنده أن يعلم الفوق ويجهل التحت، فكذلك يتسحيل عنده أن يتعلق الأمر النفسي باقتضاء فعل ولا يتعلق بالنهي عن تركه.
وأما من قال: إن في النفس كلاما، واعتقد أن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضده، ولكنه يقتضي ذلك اقتضاء التضمن، كما ذهب إليه القاضي في آخر عمره، فهاهنا في تصور مذهبه إشكال، ولكن أبو المعالي جزم القول بأن هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي يقارنه نهي نسي أيضا، فيكون وجود هذا القول النفسي الذي هو اقتضاء القيام، ويعبر عنه بقولك: قم، يتضمن وجود قول آخر في النفس يعبر عنه بقولك: لا تقعد، ويكون هذا القول الذي يعبر عنه بقولك: قم يتضمن هذا القول الثاني ويقارنه، حتى لا يوجد أبدا مفردا، ويجري ذلك مجرى الحياة والعلم، فإن العلم إذا وجد اقتضى وجوده الحياة، فكأن من أثبت القول النفسي اتفقوا على إثبات متعلقين، واختلفوا في المتعلق، فمنهم من وحده، وهو القائل: إن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده، ومنهم من ثناه فجعل لكل متعلق من هذين متعلقا يتعلق به، ولم يخالف أحد من مثبتي الكلام النفسي هذه المسالك، سوى أبي المعالي فإنه نفى التعدد في المتعلق والمتعلق به.
فصارت هذه الطائفة على ثلاثة أنحاء، منهم من يوحد المتعلق والمتعلق به وهو أبو
стр. 171
المعالي، ومنهم من يثبتهما جميعا وهو القاضي في أحد قوليه، ومنهم من يثني المتعلق به ويوحد المتعلق وهم جماهير أئمتنا. وهذا كله واضح في تصور المذاهب فيه في الأمر على جهة الإيجاب.
وأما الأمر على جهة الندب والاستحباب فإن القاضي ابن الطيب أجراه مجرى الأمر على جهة الندب والاستحباب نهيا عن الضد على جهة التنزيه أيضا، بل قصارى ما نحن فيه على الأمر على جهة الإيجاب.
فهذا إيضاح المذاهب في هذا الفصل (ص ٨٧) وتصويرها على أحسن بيان.
وأما طريق الذاهبين إليها فنحن نكشف الغطاء عنها حتى يهون على النظار ما وقع الاختلاف فيها، فاعلم أن المطلوب من أصول الفقه الانتفاع بها في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية، وما لا منفعة فيه في الفقه، فلا معنى لعده من أصوله.
وإذا تقرر هذا قلنا: النظر في هذه المسألة من وجهين؛ أحدهما: تعيين حكم الضد، والثاني: تعيين طريق الحكم. فأما نفس الحكم فإنه يستعمله فيه طريق التقسيم، وتقديم المقدمات فنقول:
قد علمتم أن الأحكام الشرعية خمسة لا سادس لها: الإيجاب، الندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، فهذه مقدمة لا شك فيها. ومقدمة ثانية وهي أن المحل لا يصح أن يخلو من الشيء وضده. ومقدمة ثالثة وهي أن نفس خلوه من الشيء وتعريه عنه هو نفس حلول الآخر فيه وقبول له، وليس بين هذين واسطة ولا معنى معقول. ومقدمة رابعة وهي أن الثواب والعقاب إنما يتعلق بما يخترع عند قوم، أو يكتسب عند آخرين، وأما الانتفاء المحض فلا يكتسب ولا يتعلق به ثواب ولا عقاب. فإذا عرضت هذه المسألة على هذه المقدمات علمت حكمها على التعيين، وذلك أنه إذا قيل للإنسان: تحرك وقد علم أنه إذا لم يتحرك فلابد أن يسكن لاستحالة خلو المكان عن الصفة وضدها، وعلم أن ليس تحت قولنا: إنه لم يتحرك أكثر من وجود السكون به، وأن لو أمكن ألا يوجد السكون به لم يمكن أن يعذب على انتفاء الحركة، لأن الانتفاء المحض لا يتعلق به في الشرع ثواب ولا عقاب، فإذا أوجب الله عليه التحرك، وقد تقررت هذه المقدمات، فإن السكون إما أن يقال: إنه واجب، وهذا لا يصح، لأن فيه تكليف المحال، وهو الجمع بين الحركة والسكون معا. أو يقال: إنه مندوب إليه، وهذا لا يصح لهذا المعنى أيضا، لأن فيه الأمر
стр. 172
بالحركة والسكون معا، ولا يصح أن يكون مكروها ولا مباحا، لأن المكروه والمباح لا إثم فيهما، وإذا كان السكون لا إثم فيه إذا فعله، وقد علم أن ترك الحركة هو نس السكون، والواجب ما في تركه العقاب اقتضى ذلك خروج الحركة عند حكم الوجوب، وقد فرضنا أنها واجبة. فقد استحالت هذه الأحكام الأربعة، فلم يبق إلا الحكم الخامس وهو التحريم، وهذا هو المطلوب في الفقه، وهو معرفة ما يحل وما يحرم إلى غير ذلك من الأحكام، فإذا ثبت تحريم الضد، فالمحرم منهي عنه بلا خوف، فقد ثبت النهي عن ضد الفعل المأمور به، وهذا هو المطلوب المقصود في الفقه.
وإنما يبقى النظر في الجهة الثانية، وهي طريقة هذا التحريم والنهي؛ هل هي نفس الأمر بالفعل، أو متضمن الأمر، أو ليست هي واحد من هذين؟ فنعود إلى تحقيق القول في هذه الجهة الثانية فنقول:
تقرر عند العقلاء اختلاف مواقع الأفعال في القصود، وكذلك يختلف عندهم أحكام الأوامر والنواهي في القصود، فمن خرج من داره قاصدا إلى غرض هو غاية فعله، فهو بخلاف من عرض له في طريق غرض قضاه، وكذلك من أمر عبده بفعل أو نهاه عن فعل تصريحا، فهو بخلاف ما تتضمنه أوامره ونواهيه من الاتباع التي هي غير مقصودة، ألا ترى الإنسان مأمور بالحج، ولا يتم الحج إلا بقطع مسافة إليه، فقطع تلك المسافة مأمور به وواجب بإجماع الأمة، لأنه لا يتوصل إلى الواجب المقصود إلا به، ولكنه مع الكل عليه مخالف لوجوب الحج في نفسه، لأن الحج هو المقصود، وقطع المسافة إليه ليس بمقصود في التكليف، وإنما هو بمقتضى الجبلة والخلقة التي لا يمكن معها الحج إلا بقطع مسافات، ولو تصور حجم بغير قطع مسافة لسقط هذا الواجب الذي هو قطع المسافة.
فإذا تقرر هذا قلنا: إن من قال: إن هذا التحريم والنهي عن الضد ليس بمنهي عنه، ولا يقتضي الأمر بالفعل المنهي عنه، وأنكر ذلك أصلا فإنه قد أخطأ، لما قدمناه مما أنتجته تلك المقدمات.
وأما من قال: إنه منهي عنه ويجري ذلك مجرى القصد إلى المنهي عنه فليس بمصيب، لما قدمناه أيضا من أن القصد امتثال الفعل المأمور به، ولكنه لما لم يكن امتثاله إلا مع مجانبة ضده، وما لا يمكن فعل الواجب إلا به فهو واجب، صار من هذه الجهة واجبا بسبب حكم الجبلة والخليقة، لا بحكم القصد إلى النهي عنه.
فإلى هذا المضيق تنحصر هذه المذاهب المتقدمة، وعلى هذا التحقيق يجب أن تعرض، فما وافقه منها فهو الحق، ولكن مع هذا استدرك أبو المعالي على الجماعة استدراكا ظن أنهم أغفلوه، وأشار إلى طريقة لا تتصور إلا في أوامر المحدثين، وأوامر
стр. 173
المحدثين لا كبير جدوى في تشاغل الفقيه بها، وأما أمر الله سبحانه فقد اشتهر من مذاهب الأشعرية وأهل السنة أن كلام الله سبحانه قديم أزلي صفة (...). (ص ٨٨).
النظر بحيث يتصور قصد الناهي إلى الفعل المأمور به، وجعل هذا الوجه المنهي عنه خاصية من خواصه، فإنه يتصور القول بمنع الإجزاء والاعتداد بالفعل، لأن الموقع وقد تعرض فيه للصفة المقصودة بالنهي المختص بالفعل يصير الواقع كالعدم في كونه غير امتثال للأمر، فتبقى المطالبة بالأمر على ما كانت عليه، فيخرج من هذا منع الإجزاء.
فأما إذا كان النهي لا بمعنى يرجع إلى الفعل المأمور به، ولا هو مقصود فيه، فلا يتصور منعه للإجزاء من هذه الجهة، لأنه في حكم الفعل الموقع موافقا للأمر، من سائر جهاته كما تقدم.
وهذا التفصيل طريقة أبي المعالي في اعتبار وحصول الإجزاء أو عدمه، وأما اختياره في أصل المسألة فإن المختار عنده أن الأمر لا يتناول المكروه كما قدمناه، من تناقض الجمع بين حقيقة الأمر بالإيقاع والكف في حالة واحدة. وقد أغلظ القول في هذا الباب على أئمة الشافعية فوق الحاجة في مسألة تعد من مثل هذا الباب، فذكر أن الاستدلال على وجوب الترتيب في الوضوء بأن الوضوء المنكس مكروه، والمكروه لا يتناوله الأمر، فيبقى الأمر بالطهارة لم يمتثل، فيطالب المكلف به، وهذا معنى قولنا: تعاد الطهارة المنكسة.
وزعم أن هذا استدلال على إيجاب الشيء يقول المخالف فيه: إنه مكروه عندي، فليس قول المالكية: إن الوضوء المنكس مكروه يعرف منه أن الصحيح ما قاله الشافعي من [أن] الوضوء ترتيبه واجب، ورأى أن هذا الاستدلال من فن العبث، وقد أسرف في النكير على أشياخه المستدلين. وهذا إن أوردوه إيراد مناظرة للمالكي، فلا يحسن إنكاره بحسب ما أنكره أبو المعالي، وأكثر المناظرات يسلك فيها هذه المسالك، فيقول الفقيه للفقيه: قلت كذا وكذا، فيلزم عليه كذا وكذا، وهذا اللازم لا يصح إلزامه إلا على أصلي لا على أصلك، فدل على أن أصلي هو الصحيح. ولعل هذا المراد بهذا الإيراد، فيقول الشافعي من قال من أصحابنا المالكية: إن الصلاة بالوضوء المنكس تعاد أبدا، قد سلم من الشافعي من قال من أصحابنا المالكية: إن الصلاة بالوضوء المنكس تعاد أبدا، قد سلم من خالفنا أن الوضوء المنكس مكروه، فيلزم عليه أن يكون موقفه لا يعتد به من حيث ما يبقى عليه من المطالبة بالأمر كما قدمنا بيانه، والتزام أنه لا يعتد به إنما على أصل الموجب
стр. 174
للترتيب لا على أصل المالكي المسقط لوجوبه.
وأشار أبو المعالي أيضًا في رد هذا الاستدلال إلى كون كثير من المكروهات تخرج عن عهدة الأمر ويقع بها الاعتداد، وأن هذا إنما يوقف على ما جاء الشرع به، كيف والحرام المحض وهو الصلاة في الدار المغصوبة يقع الاعتداد بها كما قدمنا في بابه، فكيف بالمكروه.
وهذا الذي قاله إنما يرد به على من عمم القول في أنه لا يعتد بفعل مكروه، وأما من يقول: إن الأصل أن الأمر لا يتناول المكروه وإذا لم يتناوله بقيت المطالبة بموجب الأمر الأول، فلا يناقض بأعيان مسائل فقهية، ولكن قد يحقق هذا معه حتى يعتبر مقصود الشرع في النواهي، ويفرق بينه وبين ما لا يقصده الشرع منها كما تقدم مرارا.
فصل في النهي عما يمكن اجتنابه
النهي يرد جزما، وتخييرا، على حسب ما تقدم بيانه في الأوامر، والتخيير فيه ضدين لا ثالث لهما، يصح إذا ورد بمعنى ملازمة المكلف أحد الضدين الذي اختاره وآثره على نقيضه، مثل أن يقول: أنهاك عن الحركة أو السكون، اجتنب أيهما يثبت، ودم على اجتنابه دواما مطلقا، أو إلى حين، لأنه في سعة ألا يدوم على أحدهما، فصار التكليف متوجها إلى حالة يمكن اكتسابها أو اكتساب نقيضها من معاقبة الضد بالضد، بخلاف تصوير هذا في التخيير بين ضدين يجتنب أحدهما في حالة واحدة.
وقد منع بعض الناس التخيير بين مذهبين، وزعم بعض هؤلاء أن اللغة لم ترد بذلك، ألا ترى أن قوله سحبانه: (ولا تطع منهم أثمًا أو كفورا) محمول على أنه نهي عن طاعة الآثم والكفور جميعا، وهذا لبس، ولولا الإجماع على أن المراد في الشرع النهي عن طاعة الجميع لم يحمل هذه الأية على معنى الجمع دون التخيير.
وأما النهي عن الضدين جميعا، وإلزام المكلف الخلو منهما، والتعري عنهما كقوله: لا تتحرك ولا تسكن الآن، فهذا عين تكليف ما لا يطاق، وفيه الخلاف المتقدم، والخلاف في النواهي فيه كالخلاف في الأوامر، فلا فرق بين أن يقول: تحرك واسكن معا، أو لا
стр. 175
تتحرك ولا تسكن، فالمانعون لتكليف ما لا يطاق يمنعون هذا، فإن صوروا سؤالا يناقض هذا التأصيل الذي أصلناه بأن قيل: من دخل دارا تعديًا فخروجه عنها تعد أيضا، لأن التخطي في ملك الغير بغير إذن لا يجوز (ص ٨٩)، فهذا الإنسان نهي عن اللبث في هذه الدار، كما هو نُهي عن الخروج منها، لكون اللبث والخروج جميعا يتصرف في ملك الغير بغير إذن.
وقد ركب أبو شمر هذا المذهب، وصرح بأن مقامه في هذه الدار حرام، وخروجه عنها حرام، ونحو هذا المرمى رمى ابن الجبائي وأبو المعالي ورأيا أن الخروج ينسحب عليه حكم المعصية والعدوان والتأثيم، من قبل أن مبدأ هذا الفعل الذي صار كالضروري كان مكتسبا بمعصية مأثوما فيه، وهو دخول هذه الدار، ولولا هذا الدخول لما تورط بين هذين النقيضين اللذين لا انفكاك له منهما.
وصرح أبو المعالي بأنه غير منهي عنه، عن الخروج، وإن كان عاصيا فيه، لأن معصيته فيه مستندة إلى ما اكتسبه أولا من دخول هذه الدار، وحكم تلك المعصية الأولى منسحب على هذه الأخيرة، فصح ارتفاع النهي عن هذا مع إثبات المعصية فيه، كما صح كونه مأمورا به على جهة التنصل من المظالم، وامتثال الأمر برد الحقوق والخروج عنها إلى أربابها. قد تقدم في الصلاة في الدار المغصوبة كون الصلاة تعلق بها النهي على وجه، والأمر على وجه آخر، فهكذا هاهنا تعلق الامتثال بوجه، والمعصية بوجه آخر.
وركب ابن الجبائي هذا المركب في هذه المسألة، وإن كان قد استبعده في الدار المغصوبة، ورأى أن أكوان المصلي في الدار المغصوبة منهي عنها، فمن المحال أن يكون مأمورا بها. وجوابه في المسالتين ومركبه فيهما متناف.
وتمثل أبو المعالي في انسحاب هذا العدوان بغاصب المال، فإن توبته منه تسقط حق الله سبحانه عنه قطعا أو ظنا ـ على ما عرف من خلاف في قبول التوبة ـ هل مقطوع به أو مظنون، ولا تسقط تباعه الخلق في حجرهم عن أموالهم ومنعهم منها بالتوبة. فإن زعم على أن التخلص بغرم ما أتلف عليهم، وما ذلك إلا لأجل أن ما ورد نفسه فيه هناك منسحب حكمه على حال التوبة، وإن كان حال التائب كالمناقض لحال المصر، ولو يمثل في طريقته بقول الفقهاء: إن طلاق السكران يلزم، والحدود تقام عليه، وإن كان غير عاقل حين جنايته ما جنى لأجل أن شربه الخمر معصية مآلها زوال عقله، فزوال العقل كالمكتسب له، لما كان سببه منه، وإن كان على الحقيقة نفس زواله لا اكتساب له فيه، لكان التمثيل بهذا أثلج للصدور، لكون هذا التعليل متداولا على ألسنة من قال به من الفقهاء، ولكن الجناية
стр. 176
الموقعة الآن ليس كفعل تقضي مثلما تقضي زمن الغصب، بل هي فعل شرع فيه السكران كما شرع الغاصب في خروجه من الدار، وهذا التمثيل الذي صورنا أوضح من تمثيله.
والقاضي ابن الطيب في جملة المحققين ينكرون هذا الذي قاله أبو شمر، ويرونه تكليف ما لا يطاق، ويحيلون تكليف ما لا يطاق، وما هو من قبيل المحال حين التعبد، غير ملتفتين إلى مبدأ هذا المحال؛ هل هو مكتسب؟ والإنسان هو الموقع نفسه في هذا المحال الممتنع، أو غير مكتسب لمبدئه ولا موقع نفسه فيه؟ هذا مما لا يصح تكليفه على القول بمنع تكليف ما لا يطاق، لا سيما على أصل المعتزلة القائلين بأن القبح وصف نفسي، وصفات الأنفس لا تختلف باختلاف الصور.
وسبب الخلاف في هذه المسألة أنه قد علم أن تكليف الممكن المتأتي سائغ كتكليف الامتناع من دخول دار من غير إذن صاحبها، لأنه يمكن للإنسان أن يخالف هواه في دخولها ويؤثر طاعة الله فلا يدخلها، أو يغلبه هواه فيعصي الله بدخولها، فإيثار طاعة الله على ما أمكنه من اتباع هواه سبب مدحه وأجره، كما علم أن تكليف الممتنع الذي لا سبب للإنسان في كونه ممتنعا غير سائغ على القول بمنع ما لا يطاق كالقول: اقلب هذا الدار حيوانا، وأبطل حقيقة كونها مكانا.
حتى إذا وقعت صورة مشوبة وقع النزاع، مثل هذه المسألة التي نحن فيها، وذلك أن التعري من اللبث في الدار والخروج عنها محال لا يمكن، ولكن كان في وسع هذا الإنسان ألا يقع في هذا الممتنع المحال، بأن لا يدخل الدار أولا، فينشب فيما نشب فيه، تخيل قوم كون هذا الفعل كالمكتسب، فصرح أبو شمر بأنه محرم، وصرح الآخران بانسحاب حكم العدوان عليه، ولعل الجميع مرمى واحدا رموا، وإن اختلفت عباراتهم.
ورأى القاضي أن التعري عن الأمرين محال، فلا مبالاة بمبدئهما وسببهما، وقد قال بعض المتأخرين من الأشياخ: إن من كان داخل الكعبة لا يتوجه عليه الأمر بأن يولي وجهه شطر الكعبة، لكونه لا يمكنه أن يدبر بوجهه عن جميعها، وإنما (ص ٩٠) يمكنه الإدبار بوجهه إذا كان خارجاً عنها، فيصح أمره حينئذ، لما أمكن منه الموافقة والمخالفة، بخلاف من كان داخل الكعبة الذي لا يمكنه المخالفة، ولا يجد سبيلا إلى الموافقة.
وقد يشير إلى هذا مسائل تكلم عليها الفقهاء، وهي من أفطر في صوم التطوع إفطارا ضروريا، وإن كان سببه اختياريا كالمسافر يعطش لأجل سفره. وكذلك تكلم القوم على قطع التتابع في صيام الظهار بمثل هذا الإفطار الملحوظ بأن فيه شائبة من الاضطرار ومن
стр. 177
الاختيار، ومن تتبع المسائل التي يشير إليها ما نبهنا عليه من هذا الأصل ألفي منها ما لا ينحصر.
وقد ذهب قوم إلى أن هذه الأرض التي دخلها تعديا لو كان بها زرع، لكان هذا الداخل مأمورا بالخروج من هذه الأرض من غير إفاسد للزرع، وهذا لا معنى له لأن اجتناب الإفساد الذي لابد منه عند التخطي لا يمكنه، وتكليف ما لا يمكن محال، فلا معنى لظن هؤلاء أن هذا الاشتراط يخرجهم عن إنكار ما أنكرنا على ابن شمر، ولكنا نوافقهم على الجملة، فنأمر الخارج بأن يخطو في الخروج خطوات هي غاية ما يمكن في ترك الإفساد، وتقليل المسافة في الخروج، لأن الزيادة على ذلك تعد لم تدع ضرورة إليه، وما سواه أمر به لما دعت الضرورة إليه في التنصل من هذه المظلمة.
وقد صور في هذا مسائل اللازم للأصولي من الجواب عنها هو قدر ما أوردناه من بيان ما يصح تكليفه وما لا يصح، وأما تعيين ما يلزم من الجائزات التي يصح تكليفها، فذلك فقه محض، فليستفت عنه الفقيه، فما عينه منها تعين في حق مستفتيه، إذا كان عاميا، مثل ما يقال في طريح على صدر جريح بين طرحي مجاريح، إن لبث على صدر هذا قتله، وإن زايله متنقلا عنه قتل من بجانبه، فلا ينفك من قتل مسلم مهما سكن أو تحرك.
وقد رأى أبو المعالي أن الحكم في هذه المسألة فتواه بانقطاع التكليف عنه، إذ لا ينفك من قتل إنسان، سكن أو تحرك، وتكليفه التعري من الحركة والسكون، تكليف التعري عن الضدين، وقد بينا ما فيه، وتعيين أحدهما للقتل لا سبيل إليه مع تساوي الشخصين في وجوب صيانة الدم، فإذا امتنع القول بأن المقام والزوال عليه حرام، وامتنع القول بأن أحدهما حرام دون صاحبه، مع تساويهما لم يبق إلا انقطاع التكليف عن هذا الذي لا يجد سبيلا إلى التخلص من هذين الممنوعين.
ثم يفترق الجواب بعد ارتفاع التكليف في هذا الطريح، فإن كان طرح نفسه تعديا فقد باء بالإثم، واستحث عليه حكم المعصية مهما سكن أو انتقل، لأنه هو الذي ورط نفسه في هذا الفعل الذي وصفناه بأنه ارتفع عنه التكليف فيه. وإن قذف به على صدر هذا الجريح بغير اختياره، ارتفع عنه حكم العدوان والمعصية، كما ارتفع عنه التكليف. وهذا الذي أفتى به أبو المعالي في هذه الصورة يبعد عن مجاري المفتين، ولكن بسط طرائفهم في مثل هذا إنما يليق بكتب الفقه.
стр. 178
وقد تصور هذا السؤال أيضا في رجل، إن أقام بمكانه مات عطشا، وإن تخطى عنه إلى الماء قتل من يمر عليه، فلا ينفك هذا من قتل نفسه أو قتل غيره. وبعض من تكلم على هذا السؤال رأى أن الواجب بقاؤه وإن مات، إذ ليس له أن يصون نفسه بإتلاف نفس غيره، ألا ترى أن المكره على قتل غيره لا يباح له قتله، ولو قتل إن لم يقتله.
وألحق الناس هذه المسائل بمسألة النازع فرجه من فرج الزانية معه، أو النازع فرجه من فرج زوجته، وفجر يومه من رمضان طالع حين النزع، واختلاف أصحاب مالك في إفساد صوم هذا الصائم، بهذا النزع المقارن إلى الفجر معلوم، فبعضهم رأى أن هذا النزع لما وقع بعد طلوع [الفجر] صار كابتداء الوطء بعد طلوع الفجر، ومنهم من يرى أن هذا النزع تنصل وخروج عن إفساد الصوم، والتنصل من الشيء خلاف الدخول فيه.
وقيد أبو المعالي هاهنا بتقييد فقال: لو كان وطؤه وهو يعلم أن الفجر يطلع حين نزعه على بعض [عسر في] تصور هذا لفسد صومه، لأنه يكون حينئذ كالمتحامل على التغرير بصيامه، بخلاف من قدر أن الفجر لا يطلع إلا بعد فراغه من هذا الشأن، فظهر الأمر على خلاف تقديره. وهذا الذي أشار إليه أبو المعالي إلى أن استدرك على الفقهاء لم يعقل الفقهاء أصله، وقد تكلموا على أحكام الآكل مع شكه في الفجر، وعلى مقارنة النية بعقد الصوم طلوع الفجر، وبسطوا من هذا في كتبهم ما يعلم منهم حكم هذا التقييم الذي قيد به أبو المعالي جوابه، وقد بسطنا [هـ] فيما أمليناه من كتب الفقه، والله ولي التوفيق.
فصل في تعلق الأمر والنهي/ بالفعل الواحد (ص ٩١)
من وجهين مختلفين
هذه مسألة اختلف الناس فيها، والمشهور من مذهب الجمهور أن ذلك صحيح، وقد تقدم بيانه في الكلام على الصلاة في الدار المغصوبة، وذهب ابن الجبائي إلى المخالفة في هذا الأصل، فقال ما حكيناه عنه في الصلاة في الدار المغصوبة، وكذلك أيضا أن السجود لله سبحانه طاعة مأمور بها، فإذا سجد للصنم فإن التحريم عنده إنما يتعلق بالقصد خاصة دون نفس السجود للصنم، وهذا مذهب متروك عليه، وإنما صار إليه، لأنه رأى أن السجود لله أمر بإحداث السجود واختراعه، ونفس الاختراع واحد لا يتعدد، ولا يتخلف باختلاف جهاته، وإذا كان إحداث السجود واحدا لا يختلف، فمحال أن يكون هذا الإحداث
стр. 179
مأمورًا منهيًا عنه، فلم يبق إلا صرف التحريم للقصد والإرادة.
وهذا الذي قاله مراغمة لما أجمع المسلمون على خلافه، ومن النكير عند المسلمين أن يقال: السجود للصنم غير محرم، وصرف قول المسلمين: السجود للصنم محرم، إلى أن مرادهم القصد والإرادة، خروج عن ظاهر لفظهم، وحقيقة كلامهم بغير دليل اقتضى ذلك، فهذا يهدم كثيرا من حقائق التكاليف وأحكام الشرع، ويجره إلى أن يقول: نس واطئ الزانية ليس بحرام على الزاني، وإنما يحرم القصد، وهذا من منكر القوم.
فصل في بيان مراد الشرع بصيغ نافية لذوات واقعة
هذا قد جاء الشرع به في معاني إثبات، ومعاني نفي، مقطوعا به ومظنونا، فالذي في معنى الإثبات قوله تعالى: (حُرمت عليكم أمهاتكم)، ومعلوم أن نفس الأم لا يحرم، والمحرم معنى آخر غير ذلك، وهو غير مذكور، فالمنطوق به غير مراد، والمراد غير منطوق به. وكذلك قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)، ونفس الحج ليس هو الأشهر، فالمنطوق به غير مراد، والمراد غير منطوق به. وكذا ما جرى على هذا الأسلوب مما وقع في الشرع.
وقد قال قوم: إنه مجمل، واعتلوا بالإجمال بما بيناه من كون المراد غير مذكور، ومن الناس من أنكر الإجمال في مثل هذه الصيغ، ورأى أن الذوات لم يتعرض إليها وإنما التعرض لأوصافها، وهذا معلوم عند أهل اللسان، لاسيما في مثل قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم)، فإن جماعة المحققين وجمهور الأصوليين ينكرون الإجمال في هذا ويرون أن المحذوف أسبق إلى الفهم من معنى النطق، ولا يخفى عن سامع من العرب لهذا الخطاب أن المراد به وطء الأمهات، بحذف المضاف وهو الوطء وأقام المضاف إليه وهي الأمهات مقامه مجازا عرفيا، تعارف أهل اللسان على تفاهم هذا المجاز من مجرد اللفظ، كما لا يشك أحد منهم أن مراد القائل: حرمت عليك هذا الطعام، أكل الطعام، دون ذات الطعام.
وأما قوله: (الحج أشهر معلومات) فطريقة من صار إلى إجماله ما بيناه، أو سلك طريقة أخرى سنبينها، ويراد أن المراد بقوله: (الحج أشهر معلومات) إما أفعال الحج على أصل مالك المجيز تقدمة الإحرام على أشهر الحج، وإما وقت الحج على رأي المخالف
стр. 180
المانع من تقدمة الإحرام على أشهر الحج، فالمحذوف هاهنا يحتمل الأمرين، ويتردد بين المذهبين، ولا يدعى عمومه لأنه محذوف، ولا يدعى العموم إلا في الصيغ، والمحذوف ليس بصيغة.
ومن الناس من لم يرد هذا مجملا، وصار فيه إلى دعوى العموم في هذا المحذوف، كما يدعى في الصيغ المنطوق بها، فيحمله على الوقت وعلى الإحرام جميعا،. ومنهم من يرى في مثل هذا أنه لا يحمل على العموم لكونه محذوفا، ولكن يحمل على موضع الخلاف ليستفاد بهذا الحمل تصحيح مذهب على مذهب، فيحمل هؤلاء هذه الآية على أن المراد بها إحرام الحج، لأنه المختلف فيه، لا أفعال الحج كعرفة وغيرها، فإن ذلك متفق عليه أنه لا يصح إلا في أشهر الحج.
فهذا القول في معاني هذه الصيغ إذا كانت إثباتا، وأما إذا كانت نفيا كقوله: "لا عمل إلا بنية"، وقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، و"لا نكاح إلى بولي"، و"لا أحل المسجد لجنب، ولا لحائض"، فإن العلماء مختلفون في هذا الأصل. وأما مثال القطعي فكقوله: (لا إكراه في الدين)، وأما مثال الظني فكقوله: "لا نكاح إلى بولي".
والغرض من هذا الأصل الكلام على هذا النوع، وألفاظ النفي للذات الواقعة المتعلق بها حكمان أو أحكام، مثل قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فمعلوم قطعا أن جار المسجد قد يصلي في غير المسجد، ومعلوم قطعا أن النبي ﵇، لا يكذب فيخبر عن (ص ٩٢) واقع أنه لم يقع، فيخرج من هذا أن النبي ﵇ لم يرد ظاهر ما اقتضاه النطق، بل أراد غيره. فهاهنا اختلف الأصوليون على مذهبين:
فمنهم من زعم أن هذا مجمل، واختلف هؤلاء على مذهبين في طريق الإجمال، فمنهم من صور الإجمال من الجهة التي أشرنا إليها، وهو كون اللفظ لم يرد به نفي وقع الفعل، وإنما أريد به أمر آخر لم يذكر، والذي أريد لا تعلم حقيقة معناه، فصار من هذه الجهة مجملا. ومنهم من صار إلى أن هذا اللفظ لم يوضع لنفي الذات، ولم يتوقع أن يكون
следующие страницы →