← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الموقعة الآن ليس كفعل تقضي مثلما تقضي زمن الغصب، بل هي فعل شرع فيه السكران كما شرع الغاصب في خروجه من الدار، وهذا التمثيل الذي صورنا أوضح من تمثيله. والقاضي ابن الطيب في جملة المحققين ينكرون هذا الذي قاله أبو شمر، ويرونه تكليف ما لا يطاق، ويحيلون تكليف ما لا يطاق، وما هو من قبيل المحال حين التعبد، غير ملتفتين إلى مبدأ هذا المحال؛ هل هو مكتسب؟ والإنسان هو الموقع نفسه في هذا المحال الممتنع، أو غير مكتسب لمبدئه ولا موقع نفسه فيه؟ هذا مما لا يصح تكليفه على القول بمنع تكليف ما لا يطاق، لا سيما على أصل المعتزلة القائلين بأن القبح وصف نفسي، وصفات الأنفس لا تختلف باختلاف الصور. وسبب الخلاف في هذه المسألة أنه قد علم أن تكليف الممكن المتأتي سائغ كتكليف الامتناع من دخول دار من غير إذن صاحبها، لأنه يمكن للإنسان أن يخالف هواه في دخولها ويؤثر طاعة الله فلا يدخلها، أو يغلبه هواه فيعصي الله بدخولها، فإيثار طاعة الله على ما أمكنه من اتباع هواه سبب مدحه وأجره، كما علم أن تكليف الممتنع الذي لا سبب للإنسان في كونه ممتنعا غير سائغ على القول بمنع ما لا يطاق كالقول: اقلب هذا الدار حيوانا، وأبطل حقيقة كونها مكانا. حتى إذا وقعت صورة مشوبة وقع النزاع، مثل هذه المسألة التي نحن فيها، وذلك أن التعري من اللبث في الدار والخروج عنها محال لا يمكن، ولكن كان في وسع هذا الإنسان ألا يقع في هذا الممتنع المحال، بأن لا يدخل الدار أولا، فينشب فيما نشب فيه، تخيل قوم كون هذا الفعل كالمكتسب، فصرح أبو شمر بأنه محرم، وصرح الآخران بانسحاب حكم العدوان عليه، ولعل الجميع مرمى واحدا رموا، وإن اختلفت عباراتهم. ورأى القاضي أن التعري عن الأمرين محال، فلا مبالاة بمبدئهما وسببهما، وقد قال بعض المتأخرين من الأشياخ: إن من كان داخل الكعبة لا يتوجه عليه الأمر بأن يولي وجهه شطر الكعبة، لكونه لا يمكنه أن يدبر بوجهه عن جميعها، وإنما (ص ٩٠) يمكنه الإدبار بوجهه إذا كان خارجاً عنها، فيصح أمره حينئذ، لما أمكن منه الموافقة والمخالفة، بخلاف من كان داخل الكعبة الذي لا يمكنه المخالفة، ولا يجد سبيلا إلى الموافقة. وقد يشير إلى هذا مسائل تكلم عليها الفقهاء، وهي من أفطر في صوم التطوع إفطارا ضروريا، وإن كان سببه اختياريا كالمسافر يعطش لأجل سفره. وكذلك تكلم القوم على قطع التتابع في صيام الظهار بمثل هذا الإفطار الملحوظ بأن فيه شائبة من الاضطرار ومن

стр. 177

الاختيار، ومن تتبع المسائل التي يشير إليها ما نبهنا عليه من هذا الأصل ألفي منها ما لا ينحصر. وقد ذهب قوم إلى أن هذه الأرض التي دخلها تعديا لو كان بها زرع، لكان هذا الداخل مأمورا بالخروج من هذه الأرض من غير إفاسد للزرع، وهذا لا معنى له لأن اجتناب الإفساد الذي لابد منه عند التخطي لا يمكنه، وتكليف ما لا يمكن محال، فلا معنى لظن هؤلاء أن هذا الاشتراط يخرجهم عن إنكار ما أنكرنا على ابن شمر، ولكنا نوافقهم على الجملة، فنأمر الخارج بأن يخطو في الخروج خطوات هي غاية ما يمكن في ترك الإفساد، وتقليل المسافة في الخروج، لأن الزيادة على ذلك تعد لم تدع ضرورة إليه، وما سواه أمر به لما دعت الضرورة إليه في التنصل من هذه المظلمة. وقد صور في هذا مسائل اللازم للأصولي من الجواب عنها هو قدر ما أوردناه من بيان ما يصح تكليفه وما لا يصح، وأما تعيين ما يلزم من الجائزات التي يصح تكليفها، فذلك فقه محض، فليستفت عنه الفقيه، فما عينه منها تعين في حق مستفتيه، إذا كان عاميا، مثل ما يقال في طريح على صدر جريح بين طرحي مجاريح، إن لبث على صدر هذا قتله، وإن زايله متنقلا عنه قتل من بجانبه، فلا ينفك من قتل مسلم مهما سكن أو تحرك. وقد رأى أبو المعالي أن الحكم في هذه المسألة فتواه بانقطاع التكليف عنه، إذ لا ينفك من قتل إنسان، سكن أو تحرك، وتكليفه التعري من الحركة والسكون، تكليف التعري عن الضدين، وقد بينا ما فيه، وتعيين أحدهما للقتل لا سبيل إليه مع تساوي الشخصين في وجوب صيانة الدم، فإذا امتنع القول بأن المقام والزوال عليه حرام، وامتنع القول بأن أحدهما حرام دون صاحبه، مع تساويهما لم يبق إلا انقطاع التكليف عن هذا الذي لا يجد سبيلا إلى التخلص من هذين الممنوعين. ثم يفترق الجواب بعد ارتفاع التكليف في هذا الطريح، فإن كان طرح نفسه تعديا فقد باء بالإثم، واستحث عليه حكم المعصية مهما سكن أو انتقل، لأنه هو الذي ورط نفسه في هذا الفعل الذي وصفناه بأنه ارتفع عنه التكليف فيه. وإن قذف به على صدر هذا الجريح بغير اختياره، ارتفع عنه حكم العدوان والمعصية، كما ارتفع عنه التكليف. وهذا الذي أفتى به أبو المعالي في هذه الصورة يبعد عن مجاري المفتين، ولكن بسط طرائفهم في مثل هذا إنما يليق بكتب الفقه.

стр. 178

وقد تصور هذا السؤال أيضا في رجل، إن أقام بمكانه مات عطشا، وإن تخطى عنه إلى الماء قتل من يمر عليه، فلا ينفك هذا من قتل نفسه أو قتل غيره. وبعض من تكلم على هذا السؤال رأى أن الواجب بقاؤه وإن مات، إذ ليس له أن يصون نفسه بإتلاف نفس غيره، ألا ترى أن المكره على قتل غيره لا يباح له قتله، ولو قتل إن لم يقتله. وألحق الناس هذه المسائل بمسألة النازع فرجه من فرج الزانية معه، أو النازع فرجه من فرج زوجته، وفجر يومه من رمضان طالع حين النزع، واختلاف أصحاب مالك في إفساد صوم هذا الصائم، بهذا النزع المقارن إلى الفجر معلوم، فبعضهم رأى أن هذا النزع لما وقع بعد طلوع [الفجر] صار كابتداء الوطء بعد طلوع الفجر، ومنهم من يرى أن هذا النزع تنصل وخروج عن إفساد الصوم، والتنصل من الشيء خلاف الدخول فيه. وقيد أبو المعالي هاهنا بتقييد فقال: لو كان وطؤه وهو يعلم أن الفجر يطلع حين نزعه على بعض [عسر في] تصور هذا لفسد صومه، لأنه يكون حينئذ كالمتحامل على التغرير بصيامه، بخلاف من قدر أن الفجر لا يطلع إلا بعد فراغه من هذا الشأن، فظهر الأمر على خلاف تقديره. وهذا الذي أشار إليه أبو المعالي إلى أن استدرك على الفقهاء لم يعقل الفقهاء أصله، وقد تكلموا على أحكام الآكل مع شكه في الفجر، وعلى مقارنة النية بعقد الصوم طلوع الفجر، وبسطوا من هذا في كتبهم ما يعلم منهم حكم هذا التقييم الذي قيد به أبو المعالي جوابه، وقد بسطنا [هـ] فيما أمليناه من كتب الفقه، والله ولي التوفيق. فصل في تعلق الأمر والنهي/ بالفعل الواحد (ص ٩١) من وجهين مختلفين هذه مسألة اختلف الناس فيها، والمشهور من مذهب الجمهور أن ذلك صحيح، وقد تقدم بيانه في الكلام على الصلاة في الدار المغصوبة، وذهب ابن الجبائي إلى المخالفة في هذا الأصل، فقال ما حكيناه عنه في الصلاة في الدار المغصوبة، وكذلك أيضا أن السجود لله سبحانه طاعة مأمور بها، فإذا سجد للصنم فإن التحريم عنده إنما يتعلق بالقصد خاصة دون نفس السجود للصنم، وهذا مذهب متروك عليه، وإنما صار إليه، لأنه رأى أن السجود لله أمر بإحداث السجود واختراعه، ونفس الاختراع واحد لا يتعدد، ولا يتخلف باختلاف جهاته، وإذا كان إحداث السجود واحدا لا يختلف، فمحال أن يكون هذا الإحداث

стр. 179

مأمورًا منهيًا عنه، فلم يبق إلا صرف التحريم للقصد والإرادة. وهذا الذي قاله مراغمة لما أجمع المسلمون على خلافه، ومن النكير عند المسلمين أن يقال: السجود للصنم غير محرم، وصرف قول المسلمين: السجود للصنم محرم، إلى أن مرادهم القصد والإرادة، خروج عن ظاهر لفظهم، وحقيقة كلامهم بغير دليل اقتضى ذلك، فهذا يهدم كثيرا من حقائق التكاليف وأحكام الشرع، ويجره إلى أن يقول: نس واطئ الزانية ليس بحرام على الزاني، وإنما يحرم القصد، وهذا من منكر القوم. فصل في بيان مراد الشرع بصيغ نافية لذوات واقعة هذا قد جاء الشرع به في معاني إثبات، ومعاني نفي، مقطوعا به ومظنونا، فالذي في معنى الإثبات قوله تعالى: (حُرمت عليكم أمهاتكم)، ومعلوم أن نفس الأم لا يحرم، والمحرم معنى آخر غير ذلك، وهو غير مذكور، فالمنطوق به غير مراد، والمراد غير منطوق به. وكذلك قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)، ونفس الحج ليس هو الأشهر، فالمنطوق به غير مراد، والمراد غير منطوق به. وكذا ما جرى على هذا الأسلوب مما وقع في الشرع. وقد قال قوم: إنه مجمل، واعتلوا بالإجمال بما بيناه من كون المراد غير مذكور، ومن الناس من أنكر الإجمال في مثل هذه الصيغ، ورأى أن الذوات لم يتعرض إليها وإنما التعرض لأوصافها، وهذا معلوم عند أهل اللسان، لاسيما في مثل قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم)، فإن جماعة المحققين وجمهور الأصوليين ينكرون الإجمال في هذا ويرون أن المحذوف أسبق إلى الفهم من معنى النطق، ولا يخفى عن سامع من العرب لهذا الخطاب أن المراد به وطء الأمهات، بحذف المضاف وهو الوطء وأقام المضاف إليه وهي الأمهات مقامه مجازا عرفيا، تعارف أهل اللسان على تفاهم هذا المجاز من مجرد اللفظ، كما لا يشك أحد منهم أن مراد القائل: حرمت عليك هذا الطعام، أكل الطعام، دون ذات الطعام. وأما قوله: (الحج أشهر معلومات) فطريقة من صار إلى إجماله ما بيناه، أو سلك طريقة أخرى سنبينها، ويراد أن المراد بقوله: (الحج أشهر معلومات) إما أفعال الحج على أصل مالك المجيز تقدمة الإحرام على أشهر الحج، وإما وقت الحج على رأي المخالف

стр. 180

المانع من تقدمة الإحرام على أشهر الحج، فالمحذوف هاهنا يحتمل الأمرين، ويتردد بين المذهبين، ولا يدعى عمومه لأنه محذوف، ولا يدعى العموم إلا في الصيغ، والمحذوف ليس بصيغة. ومن الناس من لم يرد هذا مجملا، وصار فيه إلى دعوى العموم في هذا المحذوف، كما يدعى في الصيغ المنطوق بها، فيحمله على الوقت وعلى الإحرام جميعا،. ومنهم من يرى في مثل هذا أنه لا يحمل على العموم لكونه محذوفا، ولكن يحمل على موضع الخلاف ليستفاد بهذا الحمل تصحيح مذهب على مذهب، فيحمل هؤلاء هذه الآية على أن المراد بها إحرام الحج، لأنه المختلف فيه، لا أفعال الحج كعرفة وغيرها، فإن ذلك متفق عليه أنه لا يصح إلا في أشهر الحج. فهذا القول في معاني هذه الصيغ إذا كانت إثباتا، وأما إذا كانت نفيا كقوله: "لا عمل إلا بنية"، وقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، و"لا نكاح إلى بولي"، و"لا أحل المسجد لجنب، ولا لحائض"، فإن العلماء مختلفون في هذا الأصل. وأما مثال القطعي فكقوله: (لا إكراه في الدين)، وأما مثال الظني فكقوله: "لا نكاح إلى بولي". والغرض من هذا الأصل الكلام على هذا النوع، وألفاظ النفي للذات الواقعة المتعلق بها حكمان أو أحكام، مثل قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فمعلوم قطعا أن جار المسجد قد يصلي في غير المسجد، ومعلوم قطعا أن النبي ﵇، لا يكذب فيخبر عن (ص ٩٢) واقع أنه لم يقع، فيخرج من هذا أن النبي ﵇ لم يرد ظاهر ما اقتضاه النطق، بل أراد غيره. فهاهنا اختلف الأصوليون على مذهبين: فمنهم من زعم أن هذا مجمل، واختلف هؤلاء على مذهبين في طريق الإجمال، فمنهم من صور الإجمال من الجهة التي أشرنا إليها، وهو كون اللفظ لم يرد به نفي وقع الفعل، وإنما أريد به أمر آخر لم يذكر، والذي أريد لا تعلم حقيقة معناه، فصار من هذه الجهة مجملا. ومنهم من صار إلى أن هذا اللفظ لم يوضع لنفي الذات، ولم يتوقع أن يكون

стр. 181

هو مراد المتكلم، بل ذلك موضوع إلى نفي أوصافها، ألا تراهم يقولون لمن أجاب بما لا يفيد: ما أجبت بشيء، ولمن أعطى حقيرا: ما أعطيت شيئا، لم يضعوا هذه العبارة لنفي الذوات، وإنما وضعت في مثل هذا لنفي الإفادة عن الجواب، ونفي الانتفاع بالعطية، ولكن الأوصاف التي وضعت لنفيها إذا تعددت وأمكن أن يراد أحدها دخل اللفظ الأجمال من هذه الجهة، فيمكن أن يكون المراد لا صلاة جازية لجار المسجد إلا في المجسد، ويمكن أن يكون المراد: لا صلاة كاملة، فيها التضعيف المذكور في الجماعة إلا في المسجد، وإجزاء الصلاة وصف من أوصافها، كما أن كمالها وصف من أوصافها، ويحتمل أن يريد المتكلم أحد الوصفين دون الآخر، ولا يتعين لنا ما المراد منهما، فصار مجملا، وهذه طريقة القاضي ابن الطيب واختياره. وأما الطائفة الثانية فهم المنكرون للإجمال الصائرون إلى إلحاق هذا بما لا إجمال فيه، ولكنهم أيضا مختلفون في طريقة رفع الإجمال على مذهبين، كما اختلف من قبلهم، فمنهم من رأى أن وجود الفعل داخل في النفي بحق عموم اللفظ، ولكنه خص بدليل أن الرسوم لا يكذب، فبقي الخطاب متوجها لسائر أوصافه، من كماله وإجزائه، وهذا كإحدى طريقتي أهل المذهب الذي ذكرناه قبلهم، في أن اللفظ ظاهر موضوع لنفي الذات، ومعلوم أنها ثابتة، ومن هؤلاء من صار إلى أن الذات لم تقصد بالخطاب أصلا، حتى تفتقر إلى دلالة التخصيص بتقديم العلم بصدق الرسول، ولكنها موضوعة لنفي الوصفين جميعا بحق العموم على أصل القائلين بالعموم في المحذوفات والمنطوقات، كما بيناه على أصل الواقفية المنكرين له أصلا، ولا عن أصل المعممين المقصرين التعميم على الصيغ لا على المحذوفات. ورأى القاضي أن المعميين أخطأوا في حمل هذا على العموم، وإن سلم لهم صحة أصلهم في المصير إلى القول بالعموم، واعتل بأن العموم إنما يصح دعواه فيما لا يتناقض، فأما إذا كان دعوى العموم يصير في معنى الصيغة تناقضا وتهافتا استحال دعوى العموم، وأظهر هذا التناقض بتقدير قدره يخفى تصويره إلا بعد تأمل، وذلك أنه رأى أن العبادة إذا قلنا: إنها لا تجزى، إنا بنفينا عنها الإجزاء نفينا عنها الكمال، إذ من المحال أن تكون صلاة لا تجزى، وهي مع هذا كاملة، فقد ثبت أن نفي الإجزاء يتضمن نفي الكمال، فيستغنى بنفيه عن التعرض لنفي الكمال، لأنه مما لا يقدر، وإذا نفينا الكمال خاصة عن العبادة، فقلنا: هذه صلاة غير كاملة، فإن هذا اللفظ يشعر بأنها جازية، إذ لا يقال: هذه صلاة كاملة في مثل من ترك التأمين، ورفع اليدين، والتسبيح في السجدتين، إلى غير ذلك

стр. 182

مما يعده الفقيه من الفضائل، ويراه مع هذا تجزئ الصلاة مع عدمه، فإذا ثبت أن نفي الكمال يتضمن ثبوت الإجزاء، فإذا ادعينا نفي الإجزاء والكمال جميعا، صار الإجزاء منتفيا من حيث نفيناه هو، والكمال ثابتا من حيث إننينا الكمال يتضمن ثبوته، وإذا أدى دعوى العموم إلى كون الإجزاء ثابتا منتفيا معا، لم يصح حمل اللفظ على العموم، لأن كلام صاحب الشرع لا يحمل على التناقض بمثل هذا التصوير رد على من قال: إن اللفظ ليس بمجمل، ولكنه يعم نفي الذات وسائر أوصافها، ثم يخص الذات بالدليل الذي قام على أنه ﵇ لا يكذب، وذلك أن هذا مذهب يوقع أيضا في التهافت والتناقض كما صورناه، لأجل أننفي الذات يتضمن نفي أوصافها، حتى لا يتوقع ثبوت الأوصاف مع انتفاء الذات، فيحتاج إلى التعرض لنفي الأوصاف، ونفي الأوصاف يتضمن ثبوت الذات، ألا ترى أنه لا يقال لمن لم يصل أصلا: صلاته جازية ولا كاملة، وإنما يقال هذا فيمن صلى على غير طهارة، أو فيمن كان في معناه، فيقال فيه: صلاته غير جازية ولا كاملة، فقد صار نفي الكمال والأجزاء يشعر بثبوت الذات، ونحن قد فرضنا الذات منتفية بحق العموم النافي لها ولأوصافها (ص ٩٣) فتصير الصلاة منتفية بحكم النطق، ثابتة بحكم الضمن الذي استفيد من نفي أوصافها، وهذا متناقض متهافت، لا يصح حمل كلام صاحب الشرع عليه. وقد قيل: إن حمل هذا اللفظ على نفي الأوصاف، كأنه تعرض لنفي الذات، لأن المراد بقوله: "لا صلاة" الصلاة الشرعية، والصلاة الشرعية لا شك في أنها لم تقع أصلا، فصار هذا النفي للأوصاف كالمخيل لنفي الذات، وهذا على التحقيق لا يتعدى نفي الأوصاف، إذا قلنا: إن ما ليس بشرعي من صوم وصلاة يسمى في اللغة صوما وصلاة، ولكن قد يظهر هذا التخيل لو صورنا وقدرنا أن اللغة لا تسمى الصلاة الفاسدة صلاة، وقد ذكرنا أن المحققين قطعوا بأن اللفظ منصرف إلى الأوصاف لا للذات، ولكنهم على مذاهب في هذا الانصراف، فمن واقف بين الأوصاف لاحتمال اللفظ لجميعها، لإنكاره القول بالعموم على الإطلاق، ومن واقف لإنكاره العموم في المحذوفات، ومن واقف لإنكاره العموم في مثل هذا. ولو صح القول به على الإطلاق في المنطوقات والمحذوفات لما يؤدي إليه من التناقض. وسلك أبو المعالي مسلك هؤلاء في صرف اللفظ إلى نفي الأوصاف دون الذات، وسلم الاحتمال في الأوصاف، ولكنه خالف من تقدمه فرأى أن الاحتمال لا يتساوى فيها، بل اللفظ في أحدها أظهر من الآخر، فحملها على نفي الإجزاء، لأجل أن صريح اللفظ يعرض لنفي الذات الواقعة على جهة المبالغة، والمناسب لهذه المبالغة نفي إجزاء العبادة، لأن ما لا يجزي كما يفعل، فوقع بالنسبة والتناسب في المبالغة من هذه الجهة، ولا

стр. 183

مناسبة بين هذه المبالغة وبين الاقتضاء على أدنى أوصاف الفعل الذي لا يمتنع من الاعتداد به، بل الفعل معه جازيا معتدا به، كما يعتد بالفعل الكامل، فتحمل مثل هذه الأحاديث الواردة في العبادة المحتملة لنفي الكمال والإجزاء، على أن المراد بها نفي الإجزاء، وإنما يصرف عن ذلك إلى نفي الكمال خاصة بضرب من التأويل والترجيح، ولكنه لا يطالب الفقيه فيه نفسه بما يطالب به نفسه في الزوال عن نصوص الخطاب. وهذا المذهب الذي اختاره هو الأصح عندي، لأجل ما اعتللت به، وقد تقدم اختياري في مثل هذه الطريقة في حمل الأوامر على الوجوب، وإن كان أبو المعالي خالفني فيها هناك كما تقدم. فصل في حقيقة كل نوع من الأحكام الشرعية قد تقدم الكلام على حقيقة العلم الشرعي على الجملة، ولماذا يرجع؛ هل إلى قول الله سبحانه، أو إلى ذوات الأفعال المحكوم [عليها]. والكلام هاهنا في تفاصيله، وهو ينقسم إلى قسمة هي كالجنس، فيقال: الفعل إما أن يكون للفاعل أن يفعله، وإما أن يكون ليس له أن يفعله، وهذه قسمة يقدح فيها بأن الواجب لا يقال فيه للمكلف أن يفعله، لأن هذه العبارة تشعر بالمسامحة في تركه، وإنما يعبر عنه بأن يقال: على المكلف أن يفعله، فصارت القسمة غير حاصرة من هذا الوجه ومن غيره أيضا، وقد تقدم إشارتنا إلى هذا التعقب، حيث ذكرنا الاختلاف في الوجوب هل ينطوي على الجواز أم لا؟ وأما القسمة النوعية فهي خمسة؛ الوجوب، والندب، والحظر، والكراهة، والإباحة. فالوجوب والندب مأمور بهما، والحظر والكراهة منهي عنهما، فصارا من هذه الجهة قسمين، ويكون المباح قسما ثالثا، وقد قسمت على هذا النحو، فقيل: أمر، ونهي، وإباحة. فأما الواجب فله تفسيران: لغوي واصطلاحي. فأما اللغوي فأصله في اللغة: السقوط، والثبوت، كقول العرب: وجب الحائط، بمعنى سقط، قال تعالى: (فإذا وجبت جنوبها)، بمعنى سقطت. وأما الاصطلاحي فمأخوذ من هذا، وذلك أن الله سبحانه إذا ألزم المكلف فعلا صار هذا الفعل بإلزامه سبحانه إياه لا محيص له عنه، كما لا محيص في السقوط، ويعبر عن هذا في الشرع واللغة بعبارت ست، فيقال: واجب، ولازم، ومفروض، ومحتوم، ومكتوب، ومستحق. وقد قال تعالى: (كتب عليكم الصيام)، وقال تعالى: (أنلزمكموها وأنتم لها

стр. 184

كارهون)، وقال تعالى: (كان على ربك حتمًا مقضيا). وأما تحقيق معنى الوجوب على صناعة الحدود، وقدمنا فيما سلف التنبيه على صفة استخراج الحدود، ووجه العمل في هذا على تلك الطريقة: أن الواجب ينبغي أن ينظر إلى الخاصية التي يميز [بها] عن بقية الأحكام الأربعة، فنجده يميز عن الحظر، والكراهة، والإباحة، بما يتعلق بفعله من المدح والثواب، لكنه يشاركه المندوب إليه في هذا، فجيب النظر إلى خاصية تفرق بينه وبين الندب، فتجدها أمرا يتعلق بالترك، وذلك أن الواجب يذم ويعاقب على تركه، والندب (ص ٩٤) لا ذم في تركه ولا عقاب، فمن نظر إلى هذا النظر تعرض في حده إلى ما يتعلق بفعله، وإلى ما يتعلق بتركه فقال: حد الواجب: ما في فعله ثواب، وفي تركه، وترك البدل إن كان ذا بدل استحقاق عقاب، وهو حد اختاره القاضي ابن الطيب. ومن نظر نظرا آخر رأى أن تعليل الخواص في الحد أولى ـ ووجد في خاصية الترك معنى يفرق بين الواجب وبين ما سواه، استغنى عن النظر لما يتعلق بالفعل، والذي يختص بالترك: اللوم، والذم، والعقاب، فإذا حد بهذا المعنى صح حده. وهذه الطريقة حد بها القاضي أيضا، وإليها مال اختياره، وكأنه رأى أن الثواب والعقاب يعقل [منهما] معنى الوجوب، فلو فرضنا عدم الشرائع وصورنا اقتضاء جزميا من سيد لعبده لتصور معنى السقوط واللازم في العبد، حتى يصير بمعنى السقوط الذي هو أصل الاشتقاق، فاقتضى هذا عنده اختيارا لا يتعرض لذكر الفعل، وإنما يتعرض لذكر الترك، ولكن بعبارة الذم واللوم، فيقال: ما استحق الذم بتركه، أو ما استحق اللوم بتركه. ولكنه استشعر مع هذا قدحا في الحد من طريقة أخرى، وذلك أن العبادة ذات البدل ككفارة اليمين، أو كفارة الحلاق في الحج، أو جزاء الصيد، إذا فعل أحدها أثيب عليه ولم يأثم ولا يلام ولا يعاقب على ترك ما ترك من أبداله، وقد كانت أبداله موصوفة بالوجوب على غير جهة التعيين، كما قدمناه في بابه. فهذا واجب، وهو الإعتاق مثلا لم يتعلق الإثم بتركه إلى بدله الذي هو الأبدال مع كون الإطعام واجبا على صفة ما قدمناه، فاقتضى هذا القدح من هذه الجهة تقييدا في الحد

стр. 185

بالتعرض إلى ما يرفع هذا القح، فيقال: حد الواجب: ما استحق الذم بتركه، أو العقاب، أو اللوم ـ على حسب ما قدمناه ـ على وجه ما. وإن شئت قلت بدل قولك: على وجه ما، وترك البدل منه. وقولنا: على وجه ما، ينوب عن قولنا: وترك البدل منه، ولكن قولنا: على وجه ما، يدفع قدحا آخر، لا يدفعه قولنا: ترك البدل منه، وذلك أنك قد تترك الواجب بفعل نافلة، فتكون النافلة حينئذ حراما، لما كانت تركا للواجب، وأن حكمها المختص بها للندب، ولكن الإثم لم يتعلق بها من جهة كونها ندبا، بل من جهة كونها تركا للواجب. فإذا قلت: على وجه [ما] أشرت إلى التحرز من هذا القدح. وقد تحرز الأئمة منه أيضا بعبارة أخرى فقيل: ما استحق اللوم بتركه، من حيث هو ترك له، فأفصح هذا بالمعنى الذي أشار إليه ذلك بعبارته، وهي قوله: على وجه ما. وهؤلاء تعرضوا إلى ما يتعلق بالترك بمعاني ليست بحكمية في ذواتها، وهي العقاب، والذم، واللوم. وسلك القاضي عبد الوهاب طريقتهم، ولكن تعرض إلى ما يتعلق بالترك من جهة الحكم، فقال: حد الواجب ما يحرم تركه، وترك البدل منه إن كان ذا بدل، والتحريم حكم من الإحرام المتعلقة بترك الواجب. وقد طعن أبو المعالي في حد من حده من هؤلاء بأنه: ما استحق المكلف العقاب بتركه، فإن الأشعرية لا توجب على الله سبحانه مجازاة بعقاب عن عمل شر، ولا بثواب عن عمل خير، على ما عرف من أصولهم، من أن الله سبحانه له أن يعذب المطيع وينعم العاصي، فبعيد عن هذا، أصله أن يذكر الاستحقاق على الأعمال، والمعتزلة وإن لاق بأصلهم في استحقاق المجازاة على الله سبحانه، فهم يعتقدون أن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، فلا عقاب عليها، وصغير الواجب على هذا عندهم غير معاقب على تركه إذا قام بجليل الواجبات، فصار الحد غير مستوعب أيضا على أصلهم، لكون بعض الواجبات لا عقاب عليها عندهم. وعندي هذا الذي قدح به أبو المعالي على أئمتنا غير قادح، وذلك أن هذا الحد إنما تعرض فيه إلى ما استقر من واجبات الشرع، وقد اخبر الشرع عنها بحقيقة ما قلناه، وتوعد الله سبحانه تارك الواجبات بالعقاب، وأعملنا أنه يوقعه به، إلا أن يكون ممن سبق في قضائه عفوه عنه وصفحه عن ذنبه، والاستحقاق إذا ثبت بالسمع صار في القطع عليه، كالاستحقاق الثابت بالعقل. وقد ذكرنا هذا المعنى في كتابنا "المعلم" لما تكلمنا على قوله ﵇: "ما حق الله

стр. 186

على العباد، وما حق العباد على الله" الحديث، ونبهنا على إطلاق القول بثبوت حق العبد على ربه، على حسب ما وقع في الحديث. وذكر أبو المعالي أيضا هروب قوم عن لفظ الاستحقاق، كما أشار إليه من التعقب إلى أن قالوا: حد الواجب ما توعد الله بالعقاب على تركه، ولمز في هذا الحد لمزا (ص ٩٥) لا يليق بأصولنا، وبسط الكلام معه فيه يتعلق بعلم الكلام، والنظر في مذاهب الناس في تنفيذ الوعيد، وهل ترك تنفيذه خلف قبيح لا يجوز كالكذب، أو لا قبح فيه؟ بخلاف الوعد الجميل فإنه الوفاء به ممدوح، لأنه إنما يحمل على الخلف فيه الشح والحرص، وذلك معنى مذموم، والتجاوز عن جناية الجناة، إنما يحملنا عليه الحلم وكرم الطباع، والله وصف نفسه بالحلم، وهو جميل الصفح والعفو، فلا قبح في أن لا ينفذ وعيده في بعض العصاة، والقصد بالوعيد: التخويف والتحذير، ولم يقصد به الخبر القاطع عن وقوع الشيء أو عدم وقوعه. وأشار أبو المعالي إلى أن المعنى بالوعيد لابد أن ينفذ فيه ويعاقب، ومن الواجبات ما يعفو الباري سبحانه عن تاركه فلا يعاقبه، ولو كان مقصودا بالوعيد لعاقبه. وهذا إنما يبسط في كتب علم الكلام. وذكر أبو المعالي أنه قد قيل: الواجب ما يخاف العقاب على تركه، ونقض هذا بمن غلط فاعتقد وجوب ما ليس بواجب، وتخوف العقاب على تركه، فخوف العقاب قد حصل، والوجوب لم يحصل، وهؤلاء لم يتعرضوا للغلط في ثبوت الوجوب، وإنما تعرضوا لحقيقته، واعتقاد هذا الغالط أن حقيقته ثابتة صحت منه المخافة، ثم يبقى النظر في إصابته في اعتقاد الوجوب أو خطئه في ذلك، فإذا أخطأ في الوجوب أخطأ في المخافة، والمراد التعرض لمن أصاب فيهما، أو ثبوت التخوف على موجب الاعتقاد. واختار أبو المعالي في حده: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا. فذكر المقتضى لتخلص الواجب من الحظر والكراهة والإباحة بأمر يعود إلى الفعل، كما خلصه أولئك بذكر استحقاق الثواب على الفعل، وبقي عليه ما بقي على أولئك من مشاركة المندوب، فتخلص منه بإثبات اللوم على الترك، وعارض نفسه بالغلط، كما اعترض به على غيره، فقال: من ترك ما لا يعلم وجوبه لا يلام، وإن كان

стр. 187

المتروك واجبا عند الله سبحانه، وانفصل عن هذا بأن الناسي، والغافل لا تكليف عليه، والفعل غير واجب في حقه حتى يعلم، فإنما سقط اللوم لسقوط الوجوب، ولو ثبت الوجوب لثبت اللوم. فصل في حقيقة الندب وقد تقرر أن الشرع اقتضى أفعالا من المكلفين اقتضاء مختلفا، فمنه اقتضاء جازم لم توجد رخصة في تركه، ولا وكل تركه إلى اختيار المكلف، ومنه ما وكل تركه إلى اختيار المكلف، وهذا الذي اقتضى فعله، ووكل تركه إلى اختيار المكلف، فلم يتهدده بالعقاب على تركه. قد تقدم نقلنا عن أئمتنا الاختلاف في تسميته مأمورا به مع اتفاقهم على أنه قد ثبت فيه حقيقة الطلب والاقتضاء، وهذا القسم يعبر عنه في الاصطلاح بست عبارات، فيقال: سنة، وندب، وتطوع، ونافلة، وفضيلة، ومرغب فيه. فالسنة في اللغة هي الطريقة، قال الله تعالى: (سنة من قد أرسلنا من رسلنا) أي طريقتهم، وقال أبو ذويب: فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها وأصل هذه التسمية عند العرب من قولهم: سنت الماء، بمعنى مهدت صوبه للجري، ومنه سمى المسن، وسنة الشرع طريقته التي مهدها لاستقامة الجاري عليها. ومقتضى هذا تسمية النفل والفرض سنة، لأن الفرض طريقة صاحب الشرع أيضا، لكن عرف الاصطلاح قصر هذه التسمية على الطريقة التي ندب إليها دون التي فرضها. وكذلك تسمية الندب فإنه قد قيل: إنه مأخوذ من الدعاء، ومنه تسمية المرأة الثكلى نادبة، لأنها تقول في ثكلها: وا سيداه، وا سنداه، إلى غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها العربيات في الندبة، فعلى هذا يسمى الواجب ندبا، لأن الشرع دعا إليه أيضا فوق ما دعا إلى الندب. وقيل: بل هو مشتق من التأثير، ومنه الندوب في الوجه، يراد به الآثار، ومنه حديث موسى ﷺ "لما هرب الحجر بثوبه، فطفق بالحجر ضربا، وذكر في الحديث أن بالحجر ندبا" الحديث، والمراد به الإخبار عما أثر ضربه في الحجر، وعلى هذا يسمى الواجب ندبا، لأنه أثر صاحب الشرع فيه بدعائه إليه، بل هو أشد تأثيرا لما يتعلق بتركه من العقاب.

стр. 188

وأما التطوع مأخوذ من الطوع، والمندوب إليه غير مجبور الإنسان بالشرع عليه، بل دعاه الشرع إلى أن يفعله بطواعيته. وأما النفل فالزيادة، ومنه قوله تعالى: (يسئلونك عن الأنفال)، ونوافل [الشرع] كأنه زيادات على الواجبات، فاستحقت هذه التسمية بهذا المعنى. وأما الفضيلة (ص ٩٦) فمأخوذة من الفضلة، من قولهم: أكلت حتى فضل لي الطعام، ونوافل الشرع كأنها كالفضلة عن واجباته. وأما المرغب فيه فمأخوذ من الترغيب، ومعلوم أن صاحب الشرع وعد على فعل النوافل بأجور تثير رغبة السامعين لخطابه في فعلها، وقد تقرر أيضًا التفاضل في أحكام الشرع، فيقال: واجب آكد من واجب، بمعنى زيادة الأجر في الفعل، والعقاب في الترك، ألا ترى أن صائم رمضان أجره في صومه، وعقوبته في تركه أشد من أجر صوم شهر منذور، أو عقوبته إذا وجب عليه الوفاء بالنذر، ولهذا يقال: حرام أشد من حرام، بمعنى التفاضل فيما قلناه، ولهذا كان تحريم الزنا بالأم أعظم من تحريم الزنا بأجنبية، وهكذا يقال في المندوبات: بعضها آكد من بعض، والمراد تفاضل الأجور والثواب فيها، وأما تروكها فمتساوية في ارتفاع الإثم والعقوبة. ولما علم الفقهاء بهذا التفاضل أرادوا أن يضعوا أسماء تشعر بالتفاوت في الأجور، فسموا ما ارتفعت رتبته في الأجر، وبالغ ﵇ في التحضيض عليه سنة، وسموا ما كان في أول هذه المراتب تطوعا ونافلة، وسموا ما توسط بين هاتين الحاشيتين فضيلة ومرغبا فيه، ويقارب معنى الفضيلة عندهم. فإذا سمعت فقهاء المذهب يقولون: الوتر سنة، ويقولون: اختلف المذهب في ركعتي الفجر؛ هل هما سنة أو من الرغائب؟ فمرادهم بما ذكرناه من وفاق هاهنا وخلاف ما نبهناك عليه من الإشعار بطبقات الأجور. فإذا علمت معاني هذه التسمية لغة وعرفا، فاختلف الأصوليون في حد الندب، وعملهم في استخراج حده على حسب ما نبهناك عليه في استخراج حد الواجب، فقد علمت أن المندوب إليه يفارق الحظر والكراهة والإباحة من ناحية فعله، فإن في فعله ثوابا، وليس في فعل ما ذكرناه ثواب، ولكنه يساوي الواجب من ناحية فعله أيضا، لأن الواجب في فعله

стр. 189

ثواب، وكذلك المندوب إليه، ولكنه يخالف الواجب من ناحية تركه، فالواجب في تركه عقاب، والمندوب إليه ليس في تركه عقاب. وقد قدمنا أن التعرض للترك في الواجب خاصة يصح به حد الواجب دون التعرض إلى فعله. وقد سلك بعض الأصوليين في حد الندب هذا المسلك، فتعرض إلى تركه خاصة، فأخطأ في هذا، فقال: حد المندوب إليه ما لا يلحق الذم بتركه من حيث إنه ترك له، وهذا يفسد بالمباح والمكروه، فإنه لا يذم تاركه. وسلك الجمهور في هذا التحديد خلاف هذا المسلك، فتعرض الخاصية في الفعل والترك، ولكن اختلفت عباراتهم عن هذا، فمن مصيب منهم، ومن مخطئ، فمن قائل منهم: حد المندوب إليه: ما في فعله ثواب، وليس في تركه استحقاق عقاب. أصاب المرمى، هكذا وقع لهؤلاء، ولكنه إنما يكون الحد صوابا إذا زيد فيه: وليس في تركه من حيث هو ترك له استحقاق عقاب. وقد نبهناك على معنى هذه الزيادة، وذكرنا أن المندوب قد يترك بالحرام فيعاقب المكلف على تركه، لكون الترك حراما، لا لكونه تركا للمندوب. ومن الناس من حد بأن قال: ما فعله خير من تركه من غير ذم يلحق بتركه. وربما عبر بعضهم بان يقول: ما تعلقت الفضيلة بفعله من غير ذم يلحق بتركه. ولابد لهؤلاء أن يضيفوا إلى الحد: من حيث هو ترك له، لأجل ما نبهناك عليه. لكن بعد إضافتهم ذلك لمز القاضي ابن الطيب هذا الحد، وذكر أن الأفعال قبل ورود الشرع يعتقد أن بعضها خير من بعض، لما يحصل به من منفعة أو لذة، ولا يقال فيها حينئذ إنها مندوب إليها. وأشار بعض المتأخرين إلى تعسف القاضي في هذا التعقب، ورأى طريقتهم في الحد صحيحة، ولا مبالاة بما قبل الشرائع، فإن القول في هذا إنما يقصد به بيان ما بنيت عليه الشرائع. وجماعة من المعتزلة يحدون المندوب بأنه: ما استحق فاعله المدح بفعله، ولم يستحق اللوم بتركه. وهذا ينتقض بأفعال الله سبحانه، فأنه ممدوح عليها ومتقدس عن الذم إن تركها، ومع هذا فلا يقال: إن الله سبحانه مندوب إلى ما فعل. ومن الناس من حده بأنه: ما أمر الله بفعله ولم ينه عن تركه. وهذا إنما صح على طريقة من قال: إن المندوب إليه مأمور به، وأن تركه غير منهي عنه. وقد قدمنا فيما مضى ذكر الخلاف في ذكر المندوب إليه مأمورا به، وذكر الخلاف أيضا في كون الأمر على جهة الندب نهيا عن الضد، فهذا الحد إنما يصح على أحد هذه المذاهب الذي نبهناك عليه. وقد قيل في حده: إنه الفعل المأمور به الذي لا يلحق الذم بتركه. ولابد أيضا (ص ٩٧) في هذا الحد من التعرض لتلك الزياة، وهي قولك: من حيث هو ترك له. وهذا المعنى سلك أبو المعالي في تحديده في كتابه المترجم بالبرهان، ولكنه عبر عن

стр. 190

قولنا: المأمور به، بأن قال: المقتضى شرعا من غير لوم على تركه، فكأنه بقوله: المقتضى، تعرض إلى التخلص من الخلاف في كون المندوب إليه مأمورا به، فإنه وإن اختلف في كونه مأمورا به لم يختلف في كونه مقتضى. فصل في حقيقة المحظور أما المحظور فأصله في اللغة مأخوذ من المنع، ومنه قوله تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورا)، يعني ممنوعا، ومنه قوله تعالى: (فكانوا كهشيم المحتظر)، يعني صاحب الحظيرة الزرع الذي حظر له ومنع منه حتى انصان. وله عبارات، يقال: محظور، وممنوع، قال الله تعالى: (لا مقطوعة ولا ممنوعة)، وحرام قال الله تعالى: (وحرام على قريةٍ أهلكناها)، ومحجور قال الله تعالى: (ويقولن حجرًا محجورا) يعني حراما محرما. وأما حده فمقلوب ما حددنا به الواجب، لأن المحرم هو ما نهى عنه نهيا جازما، كما أن الواجب هو ما أمر به أمرا جازما، فإذا كان حقيقة الواجب: ما تعلق الذم بتركه، كان حقيقة المحظور: ما تعلق اللوم بفعله. وقد قال أبو المعالي: المحظور ما زجر الشرع عنه ولام على الإقدام عليه. وأنت إذا طالعت تلك العبارات التي قدمناها في الواجب، وعكستها فقد حددت المحظور. فصل في حقيقة المكروه أما المكروه فأصله في اللغة ضد المراد، والكراهة ضد الإرادة، وليس هذا المعنى هو المراد به في الشرعيات، لأنا لا نشترط في أوامر الله سبحانه أن يكون مريدا لما أمر به، ولا في نواهيه أن يكون كارها لما نهى عنه. وأصل هذه الكلمة في اللغة مأخوذة من التنفير، ومعنى قوله تعالى: (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)، أي نفركم عنه وبغضكم فيه، كما قال الشاعر: وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا بحاس الحيس يدعى جندب

стр. 191

فسمى الحرب كريهة، لنفار الطباع منها. وأما حد المكروه فاعمل فيه بما قلنا لك في حد المحظور، فإن المكروه نقيض المندوب إليه، كما أن الحرام ضد الواجب، فإذا كان مقلوب حد الواجب هو حد الحرام، فليكن مقلوب حد الندب هو حد المكروه. وقد قال أبو المعالي: المكروه ما زجر الشارع عنه، ولم يلم على الإقدام عليه. لكن يفتقر هذا التحديد إلى النظر في نكتة، وقد تقدم بسطها، وهي تعلق أوامر الشرع بالشيء قصدا إليه، أو يكون المأمور به، أو المنهي عنه في حكم الذريعة والوصلة إلى امتثال الأمر والنهي. وقد تقدم مذهب الجماعة في تعلق الأوامر والنواهي بهذه الوصلات والأسباب المؤيدة للامتثال، ومذهب أبي المعالي فيها، وذكرنا عنه أنه لا يطلق القول بأنها مأمور بها أو منهي عنها، حيث تكلمنا على كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، وذكرنا الاختلاف فيه، والاختلاف في الأمر على جهة الندب؛ هل هو أمر بالضد على رأي من سلم كون الأمر الواجب نهيا عن الضد، وذكرنا هناك ما عندنا في ذلك، وتلك الطريقة تستعمل هاهنا، فما ورد الشرع بالنهي عنه على جهة التنزيه قصدا إليه، وتعلق النهي مختصا به، فلا شك في تسميته مكروها لغة، وعزما، ألا ترى النبي ﵇ لما قال: "لا يمنعن أحدُكم جاره أن يغررز خشية في جداره"، وكان هذا نهيا محمولا على الندب على المذهب المشهور، كان المنع من غرز خشية مكروها. وأما ترك صوم يوم لم يرد الشرع بالتغريب في عينه، أو صلاة ركعتين لم يرد الشرع بالترغيب في عينهما، فإن فعلهما مندوب إليه ومأمور به، فليكن تركهما منهيا عنه نهي تنزيه، على حسب ما قدمناه، من كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، فهدأ النهي موقع نزاع واضطراب بين العلماء، فمنهم من يشير إلى استحقاق إطلاق اسم الكراهة على هذا، ومنهم من يمتنع من ذلك. وأشار أبو المعالي إلى أن مذهب الفقهاء جار على الامتناع من هذا، ولا شك في أن استيعاب العمر بصلاة النافلة، وصيام التطوع مستحسن في الشرع مندوب إليه، ولا يطلق الفقهاء على من جانب هذه السيرة أنه أتى مكروها. هكذا ذكر أبو المعالي، وقد ذكرنا نحن إشارة الفقهاء إلى الاضطراب في هذا الفصل، واعتذر أبو المعالي عن هجران الفقهاء هذه التسمية (ص ٩٨) في هذا النوع بأن النهي عن القواطع عن هذا النوع من الخير لم يرد في الشرع نص عن النهي عنها، وإنما ينهى عنها

стр. 192

على جهة كونها وصلات وأسبابا في تحصيل هذه المندوبات، وما كان هكذا فقد تقدم مذهب أبي المعالي أنه لا يوصف بأنه منهي عنه من مقتضى الأمر بضده، وذكرنا نحن أن الجماعة لا تنكر كون النهي عنه غير مقصود في نفسه، فلعل من جانب من الفقهاء هذه التسمية في هذا النوع إنما اجتنبها لأجل كون النهي عنها إنما ورد لأجل غيرها، وهو كون اجتنابها موصلا لفعل ما أمر به. ومن سلك من الفقهاء طريقة الامتناع من إطلاق اسم الكراهة على هذا النوع، فإنه يتطلب للمكروه حدا مأخوذا من معنى آخر، فقال بعض هؤلاء: المكروه ما اختلف في تحريمه، وهذا غلط لأن من المكروه ما اتفق على اختصاصه بحكم الكراهة من غير اختلاف في تحريمه. وأيضا فإن كل فقيه مأخوذ بمقتضى نظره، فمن أداه اجتهاده إلى تحريمه فليس بمكروه عنده على مقتضى العرف، إذ لا أحد يسمى المحرم مكروها، وإن كان قد يسمى المحرم مكروها على أصل اللغة، ومن أداه اجتهاده إلى تحليله لم يعتقد كونه مكروها على مقتضى مذهبه. ومنهم من قال: حده: ما خيف العقاب عليه، وهذه إشارة أيضا إلى هذا الحد الذي أفسدناه، لأن الشك في حكم لا يصح بين سائر العلماء، وفي الأحكام ما اتفق على كراهته من غير شك في حكمه، وقد قال بعضهم، إذا التبست الأدلة، وغمض مدرك الحق، وأمكن مع هذا التوصل إليه، فالهجوم على ما هذا سبيله مكروه، وهذا المرمى أيضا يشير إلى نحو ما أشار إليه مذهبهم، وأفسدناه. وقد يستمسك هؤلاء بقوله ﵇: "الحلال بين، والحرم بين، وبينهما أمور متشبهات"، فأشار إلى اجتناب الشبهات على حسب ما قاله هؤلاء، وبالجملة فإن مرجع الجميع إلى محاكة في لغة أاصطلاح، والنزاع فيها يهون مع تسليم المعاني المقصودة. فصل في حقيقة المباح أصل هذه اللفظة مأخوذ من التوسعة، ومنه قولهم: باحة الدار، يعنون وسطها والموضع المتسع منها، فلما وسع على الإنسان أن يفعل أو يترك سمي هذا المعنى إباحة لما فيه من التوسعة، ولابد في حدها من التعرض للفعل والترك، كما ذكرنا في المندوب، ولكن التعرض إلى خاصية الفعل والترك اختلفت العبارة عنه، فقوم قالوا: ما فعله

стр. 193

وتركه سيان، وهذا منتقض بأفعال الله سبحانه، فسوى فعله وتركه تعالى في تفويض الأمر إليه في ذلك، وأنه موقوف على إرادته، وربما استوى ذلك في المصلحة عند من اشترط في أفعاله تعالى المصالح. وتنقض أيضا بأفعال البهائم فإنه قد استوى فعلها وتركها. ولما أحس بالمناقضة بأفعال الله سبحانه بعضهم قال: المباح ما لا يستحق مدح بفعله، ولا ذم بتركه. وهذا وإن لم ينتقض بأفعال الله سبحانه لأنه يستحق المدح عليها، فإن ينتقض بأفعال البهائم، فإنها لا تذم ولا تمدح على أفعالها، وأفعالها ليست بمباحة. ولما تفطن الآخرون إلى الفساد بهذه الطرق أضافوا إلى هذا المعنى ما تخلصوا [به] من النقض، فقال بعضهم: ما ورد الإذن عن مالك الأعيان بأن فعله وتركه سيان. بهذا كان يحده أستاذي الأصولي، ولكن لابد من الزيادة التي كنا قدمنا التنبيه عليها في فصل قبل هذا، وهي قولنا: من حيث هو ترك له، فيقول: ما ورد الإذن من مالك الأعيان بأن فعله وتركه من حيث هو ترك له سيان. وقد بسطنا وجه الحاجة إلى هذه الزيادة، وهي أن المباح قد يترك لمعصية فيكون الترك حراما، ولكن إنما حرم لأجل نفسه، لا لأجل كونه تركا للمباح. وقال بعضهم: ما أذن الله سبحانه في فعله وتركه من غير مدح على فعله، ولا لوم على تركه، ولابد أيضا من تلك الزيادة من حيث هو ترك له. وقال بعضهم: ما أعلم المكلف أنه لا نفع له في فعله، ولا ضرر عليه في تركه، ورأى هؤلاء أن الإعلام والإذن، أو عبارة تنوب مناب هذين يدفع النقض بأفعال الله سبحانه وأفعال البهائم، ولابد مع هذه العبارة الدافعة للنقض، والتعرض لخاصية الفعل والترك من تلك الزيادة التي نبهنا عليها مرارا في جميع حدود هؤلاء، وقد قدمنا قول من قال: إن المباح مأمور به، وصار إلى هذا أبو الفرج من أصحابنا، وأصحاب هذه الطريقة ليسوا من هؤلاء الذين قدمنا مذاهبهم في ورود الأخبار في أصل هذه المسألة. فصل في مصارف صيغ الأوامر والنواهي أما صيغة الأمر والنهي فقد تقدم بيانهما، وأما (ص ٩٩) ما يسمى أمرا ونهيا فقد تقدم أيضا بيانه، وأن الجازم يسمى بهذا، وما لا جزم فيه من أمر أو نهي فعلى القولين، وأما ما

стр. 194

ينصرف إليه هذه الصيغ فيكثر تعداده، وقد عد أبو المعالي منه وغيره من ذلك مصارف كثيرة. فأما الأمر فهو ما ورد من هذه الصيغ على: قصد الإيجاب كقوله: (وأقيموا الصلاة). أو على الندب على طريق من قال: المندوب إليه مأمور به، مثل قوله: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا). وقد ينضاف إلى الندب قصد آخر فتوصف الصيغة به كقوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، فهذا بمعنى الإرشاد إلى الأحوط. وترد بمعنى الدعاء كقوله: (اهدنا الصراط المستقيم). وترد بمعنى التهديد كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم). وبمعنى التكوين كقوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين). وبمعنى الإنذار كقوله تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار). وبمعنى الإكرام كقوله تعالى: (ادخلوها بسلام أمنين). وبمعنى الإهانة كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)، وقد علم أن الآخرة ليست دار تكليف، ولا طلب، فالمراد بهذين ما قلناه من إكرام، أو إهانة. وبمعنى الإنعام، كقوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم)، والظاهر أنه تذكير بالنعمة، وإن كان فيه معنى الإباحة. وبمعنى التسوية كقوله تعالى: (اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم).

стр. 195

وبمعنى الإباحة كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا). وبمعنى التأديب والتمرين كقوله [عليه] السلام لابن عباس، وكان صغيرا: "كل مما يليك". وبمعنى التمني، قال امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ............................ وبمعنى التعجيز كقوله تعالى: (أتوا بسورة من مثله)، وقوله: (كونوا حجارة أو حديدا). وبمعنى التحكيم والتفويض كقوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض). فهذه خمسة عشر محملا المختصة بالصيغ المقيدة بالقرائن، وهي الندب وما بعده مما عددناه معه. وأما الإيجاب فهو معنى يختص بالأمر المطلق على الرأي الذي قدمناه في ذلك، وهذه المحامل التوسع في زيادة البيان، وإفراد كل نوع عن نوع بأدنى عارض هو الذي دعا إلى عد هؤلاء، فربما قد أدخل بعضها [في بعض]، ألا تراه عد قوله تعالى: ادخلوها بسلام أمنين) قسما، وعد [قوله]: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) قسما آخر، ووصف هذا بأنه امتنان، وهذا بأنه إنعام، والامتنان إنما يكون بالنعم، ولكن عرض في الثاني معنى الإباحة، كما نبه عليه فأفرده بالذكر. وكذلك عد قوله تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) قسما القصد منه الإنذار، وعد قوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) قسما آخر القصد منه التهديد، وقد يتقارب المراد فيهما. وكذلك عد قوله تعالى: (فاقض ما أنت قاضٍ) قسما آخر، وقد

стр. 196

يدخل أو يتقارب بعض ما تقدم. وهذا التنبيه يرشدك إلى ما سواه، وإلى ما ذكرناه في النواهي، إن مطلقها للتحريم على الرأي الذي قدمناه، ومقيدها يرد للتنزيه، وللدعاء، وللإرشاد كقوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، ولبيان العقابة كقوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)، وللتحقير والتقليل كقوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم)، ولإثبات اليأس كقوله تعالى: (لا تعتذروا اليوم). وهذه المصارف جارية على ما نبهناك.

стр. 197

كتاب العموم والخصوص دعت الضرورة في هذا الكتاب إلى الخروج عن رسم ما يقتضيه التأليف في هذا العلم، وذلك أن أبا المعالي رمز فيه إلى مذاهب الفلاسفة في القوة الفكرية والعقلية، وخرج عن عادته القديمة في إكبار أئمة الأشعرية، وتحسين المخارج لهم، فيما قد يظن ظان بهم، أنه يتوجه عليهم فيهم قدح، وأشار إليهم بأنهم طاشت منهم الأحلام في أمرهم في استهانتهم إياه كالنيام استركاكا واستهجانا، ووصفهم أنهم جهلوا من علم الفلسفة أمرا فاختبطوا لأجله. وحاشى أهل الاعتقاد الصحيح أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبن الطيب، وابن فورك، وابن مجاهد، وغيرهم من أئمة الدين أن يختبطوا، والمذهب الذي ذكر أن أهله اختبطوا هم هؤلاء، والمعتزلة على أصله اختبطوا أيضا. هذا وقد وقع له في هذا الكتاب الإشارة إلى الثناء على ابن الجبائي المعتزلي في مواضع، وتحسين الظن به، وتخريج المخارج الجميلة لكلامه في موضع آخر، وأئمته أحق بهذا منه من ابن الجبائي، وهول هذا الفصل حتى نظر إلى الريح الرخاء بعين الزعازع، وذكر أنه لا مطمع في معالجة ما رمى إليه، فضلا عن استقصائه. فرأيت أن الواجب الذب عن هؤلاء الأئمة، وإبانة أنهم لم تطش أحلامهم، بل هو الذي طاش به حلمه (ص ١٠٠)، إذ كان في القديم من كتبه في هذا الفصل الذي نحن فيه على رأيهم، ثم انتقل عنهم لتخييلات كتخييلات الشعراء، واستعرابات الصوفية، مجانبة لحقائق المتكلمين، نام المتكلمون فيما قالوه ملي جفونهم، وسهر هو ومن خالفهم واختصموا.

стр. 198

وأعان أيضا على بسط هذا وأكده، أن جماعة التلاميذ المجتمعين لإملاء كتابنا هذا عليهم سألوا في الكشف عما أخفى، والإجهار بما أسر فرأينا من الصواب أن نبسط مذاهب الفلاسفة في هذا الفن بسطا يتجلى منه لقارئ كتابنا صورة ما ذهبوا إليه، ونشير في أثناء ذلك لبطلان ما هم عليه، بأن نقرر جملة نستعين بها في الرد عليهم، وذلك أن تعلم أن صاحب المنطق جزأه أجزاء، فمن أجزائه التخييلات والخطابيات، ووصف أهل علم المنطق هذا النوع بأنه يستميل النفوس ويهزها، وهذا لعمري كما قاله، أنت ترى طرب كل ذكي عندما ينشد أشعارا رائقة الألفاظ، بديعة معانيها في التشبيهات والاستعارات والتمثيلات، وكلما زاد الشاعر في تخييل المعاني التي تشتاق إليها الطباع، أطرب السامعين. وهذا جرى للقوم في علومهم التي سموها الإلهيات والطبيعات، يستمسكون فيها بخيالات مضمحلات، لكنهم يجنحون فيها إلى المحسوسات، فربما استمالت الغر، واستقادت من لم يعجم حقائق الأدلة، ثم مع هذا يزدرون على أدلة المتكلمين، وإن نفس الله في مدة العمر، فلابد أن نورد جميع ما قالوه في كتبهم الإلهيات حرفا حرفا، ونعرض عليك طرقهم في الاستدلال عليها، وطرق المتكلمين، فيغنيك عرض ذلك عليك عن الموازنة بين الفئتين، وعن ذكر الصحيح من المذهبين لظهور ضعف مبانيهم التي بنوا عليها معانيهم. وهاهنا نبسط لك مذاهبهم في هذا الفن الذي نحن فيه بعبارات تألفها، حتى تتصور معانيهم حقيقة التصور. فاعلم أنهم يقولون: إن هذه الموجودات التي تتغير صورها، وتوجد بعد أن لم تكن موجودة على أحوال وتدرج، حيوان ونبات، وقد علم أن للحيوان والنبات أفاعل وخصائص، فارقا بها ما سواها من المحسوسات، كالسماء والأرض، وذلك أن هذا النبات والحيوان يحس وجوده على تدريج إلى أن يتكامل، ثم يحس بعد التكامل بنقصه إلى أن ينحل ويبطل، وما ذاك إلا أن لهذين النوعين قوة يكون بها تغذيه، لأنا نشاهد تغذي النبات بالماء وغيره، وتغذي الحيوان بالطعام وغيره، ولولا هذا التغذي لما تكامل وجودهما، ولا نقص ما تكامل منهما، فأضافوا هذا النوع من التغيير المحسوس إلى قوة في جسم البر المودعة في البطن. قالوا: فهذا معنى حصل لهذا النوع، بهذا النوع من الاستدلال، وكذلك

стр. 199

حصل له نوع آخر، وهو زيادته في الأقطار وذهابه في الجهات، ألا ترى أن النطفة تعظم في البطن، والطفل يعظم بعد الوضع شيئا فشيئا، وكذلك النواة المغروسة تعظم شيئا فشيئا، فلابد أن نضيف هذا الفعل إلى قوة أخرى في هذه الأجسام، فنقول: فيها قوة منمية. ثم أيضا نشاهد نوعا آخر من الأفعال لهذه الأجسام، وهو التوليد، فيكون عن الإنسان إنسان مثله، ويكون عن البرة إذا أسلبت برة لمثلها، فلابد أيضا أن تثبت قوة ثالثة تفعل هذا النوع. فيحصل من هذا الجميع الحيوانات والنبات ثلاث قوى: قوة مغذية، وقوة منمية، وقوة مولدة. وهاهنا تقف معهم وقفة قبل أن نتمادى على سياقة مذهبهم فيما نحن بسبيله فنقول: أحسستم وأحسسنا بهذه التغييرات الثلاثة التي هي التغذية، والتنمية، والتوليد، وبقي علينا وعليكم الكشف عن السبب فيها، فقلنا نحن: لا سبب لها إلا الله سبحانه خلقها، وفعلها كذلك، فالذي خلق أصل الوجود خلق تغير هذا الوجود، وهل هذا إلا كوجود بعد وجوده، والذي فعل الواحد من هذا الوجود هو الذي فعل جميعها، فلا سبب ولا مسبب عندنا، وإنما هنا خلق وخالق، صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولو قدرنا أنه أوجد ذلك دفعة واحدة لم يكن بنا حاجة إلى إثبات قوة لكل نوع، فكذلك إذا أحسسنا أنه أوجد شيئا بعد شيء، ومن أعطى زيدا مالا دفعة واحدة، كمن أعطى زيدا درهما بعد درهم، لا تختلف معنى الفعلية في هذا، ولا معنى الفاعل، فكذلك ما نحن فيه. والخباط الذي يتخيلون هاهنا، من أن هذه أفعال توجد شيئا بعد شيء، على جهة تغير الذوات لا يمكن أن تضاف إلى الباري سبحانه، لأنا لو أضفناها إليه لأدى إلى تغيره (ص ١٠١) [وهذا] واضح البطلان، ولأن الفعل لا يوجب العقل أن يغير ذات الفاعل، ولو سلمنا أنه يوجب ذلك فينا، وأن يحس منا، لم يلزم أن يكون الباري سبحانه في ذلك كنحن، وشتان بين من يفعل بآلة، وبين من يفعل بغير آلة، وشتان بين ذات تقبل التغير، وتخلع عندهم صورة وتلبس أخرى، كما يخلع النبات صورة النباتية، ويكتسي صورة اللحمية إذا غذي به الإنسان، فإن كان يفرط تغير فمن هذه الجهة، وقد اتفقنا على أن الباري سبحانه متقدس عن هذه النقائص، فلا مجال لتصور التغير عليه إذا تغيرت أفعاله، وبالجملة فقف معهم موقف مطالب بالدليل، وقل لهم: ما الدليل على أن كل فاعل إذا تغيرت [أفعاله تغيرت] ذاته؟ فلا يجدون أبدا استدلالا على هذا، ضعيفا ولا قويا، فإن ركنوا إلى المشاهدة والحس، قيل لهم: رد ما غاب في حكم الوجود إلى ما شوهد باطل عيانا، ومن قضى ممن لم ير بشرا أسود أن لا بشر أسود في الدنيا، فقد أخطأ عيانا.

стр. 200

هذا، وهذه الذوات المحسوسة تتغير وفي العالم العقلي عندهم ما لا يتغير. واعلم أن هذه الطريقة الفاسدة، هي التي أدتهم إلى أشنع مذهب ركبوه في صنعة هذا العالم، وكون شيء عن شيء، حتى لا يتناهى الأمر إلى الواحد الأول، فلم يكن عندهم عنه إلا آخر يليه، على حسب ما بيناه من مذاهبهم في غير هذا الكتاب الذي يؤدي إلى مفارقة مذهب أهل الشرائع، فصار تلخيص هذا إنما أثبتنا هذه الأفعال الثلاثة من صنعة الله سبحانه، وجعلنا واحدا خلق ثلاثة، وأحلنا على فاعل معقول، وجعلوا هم هذه الأفعال الثلاثة لثلاثة فاعلين، وأحالوا على فاعل غير معقول. وقف أيضا معهم هاهنا وقفة، فلا يكادون يتخلصون منك، قل لهم: هب أنا سلمنا أن هذه الأفعال لغير الله سبحانه، فهذا الغير اكشفوا عنه، وأخبرونا عن معنى قولكم: قوة؟ هل تريدون بهذا جوهرا أو عرضا؟ فإن قالوا: لا نريد جوهرا، ولا عرضا، منازعة منهم في هذه العبارة. قيل لهم: فهل تشيرون إلى متحيز، أو إلى قائم بنفسه، أو تشيرون إلى غير متحيز أو إلى غير قائم بنفسه؟ فلا يمكنهم هاهنا أن يشيروا إلى نوع آخر. فهذه تسمية ضرورية مترددة بين نفي وإثبات، فإن أشاروا إلى متحيز ذي مقدار، وعظم، فذلك الجوهر، فكأنهم يقولون: ثلاثة جواهر، انفعل عن كل واحد منها نوع من الفعل، والذي انفعل نحن نشاهده جوهرا [انسل عن] جوهر آخر، فيكيف يصح أن يكون هذا منفعلا عن هذا، وليس لأحدهما مزية عن صاحبه؟ وإن أشاروا إلى [ما لا] مقدار له في العظم، ولا تحيز وهو مع محمول أصلهم، وحال على أصلنا في الذوات، فهذا صفة من الصفات، ومحال أن تكون الصفة فاعلة، وما لا يقوم بنفسه لا يقوم غيره به، ولا يخلق ما سواه، ومن شرط الخالق أن يكون حيا، قادرا، عالما، والصفة لا تكون حية، عالمة، قادرة، لأن الحياة والعلم والقدرة صفات، والصفات لا تكون صفات لصفات، لأن هذا يؤدي إلى ما لا يتناهى. وإن كان هذا الذي لا عظم له في المقادير والتحيز ذاتا غير متحيزة ولا مقدرة بتقدير، ولا مفتقرة إلى محل، فهذا هو الله سبحانه الذي جعلناه فاعلا. ويبقى علينا كونه حيا، عالما، قادرا، وهذا معلوم ثبوته، لأن الموات، والجماد، ومن لا يعلم، ولا يقدر، لا يفعل، وهذه أمور تضطرهم إلى مفارقة مذاهبهم، وعجبا لقوم يهربون عن هذا مع وضوحه إلى إثبات ما لا يتصور ولا ينعقل، ولو تصور وانعقل لم يقم عليه برهان ولا دعت إليه ضرورة، ومن الممكن في غير هذا الذي نحن فيه أن تنسب

стр. 201

ثلاثة أفعال إلى ثلاثة فاعلين، أو تنسب إلى فاعل واحد، فما قلناه غير محال، ولا ممتنع تصوره، ولا هو مما لا ينعقل، وقد أقمنا عليه البرهان، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ثم أيضًا بعد هذين الوقفتين، قف معهم وقفة ثالثة، وقل لهم: هب أن سلمنا أن هذه الأفعال الصادرة عن قوى لا عن الله سبحانه الخلاق العليم، فلم كانت ثلاثة؟ وهلا كانت قوة واحدة؟ بها تكون التغذية، والتنمية، والتوليد، فهلا قلتم أيضا في هذه الثلاث: إنها مضافة إلى واحد؟ كما قلنا نحن: مضافة إلى واحد، وتخالفوها في هذا الواحد، هل هو الله سبحانه كما قلنا أو قوة واحدة؟ واعلم أنهم لا يجدون عن هذا الاعتراض جوابا أبدا، ولا خيالا يخيلون به على حسب عادتهم، وقد رأيت في كتاب عظيم عندهم من تأليف عظيم من أئمتهم المتأخرين جوابا عن هذا الاعتراض لا يحسن بالمحصل الاشتغال باستماعه، فضلا عن النظر في دفاعه (ص ١٠٢) ولكنا نورده ونجيب عنه، لعظم شأن من أورده عندهم، وذلك أنه ذكر أن القوة مبدأ الفعل بالقصد الأول، ومن المحال أن يكون شيء بالقصد الأول مبدأ لشيء، ومبدأ لآخر، وإنما يكون مبدأ لما يلي فقط، وهذا كما تراه في غاية الوهي والضعف، وذلك أنا نقول له: إن أردت بالمبدأ هاهنا أن هذا الشيء أول لهذا الشيء، على جهة أنه جزء منه، ولكن هذا الجزء هو أول أجزائه، كما تقول هذه النقطة أول هذا الخط، فصدقت فيما قلت: إنه محال أن يكون هذا الشيء أول لشيئين مختلفين كما [أنه] من المحال أن تكون النقطة الواحدة نهاية لخطين مختلفين متجاورين. ولكن يبقى عليك السؤال في أصل الاستدلال، لا في هذا الانفصال، فيقال: هل لك هذا الجزء الذي هو أول الخط مثلا، ما مبدأه هو أيضا؟ فإن قلت لا مبدأ له ولا سبب ولا فاعل. قيل لك: فبقية الأجزاء كذلك للمشابهة له، ولا يمتري عاقل أنه إذا جاز وقوع جزء من غير سبب ولا فاعل، صح وقوع جزء آخر يشبهه عن غير سبب ومن غير فاعل. ومن جوز أن يقع ربع خط مثلا من غير خاط، جوز أن يقع بقيته من غير خاط، وهذا معلوم صحته على الضرورة والبديهة، وفي هذا إن مرورا عليه إنكار القوة أصلا، التي قالوا: إنه مبدأ لهذا الفعل. وإن قالوا: هذا مبدأ ليس هو من أجزاء هذا الانفعال، ولا يعني قولنا: إنه أول له، أنه نهاية فيه من أحد طرفيه، كما يقال: أول هذا الخط هذه النقطة، وإنما نريد بقولنا: مبدأه، أن هذا الفعل يكون عنه، قيل لهم: قد أحلتم هاهنا أن يكون عن الشيء الواحد

стр. 202

شيئان أو أشياء، وبهذا طالبناكم، وعنه سألناكم، وأخبرناكم أنكم لا تجدون عنه جوابا أبدا، وهذا أوضح من فلق الصبح. فهذه كلها مواقف إذا تأملتها علمت منها بطلان ما قالوه، واستبان لك أنهم لا جواب لهم عما ألزمناهم به أبدا، ولو أخذت في مشاحتهم في القوة المنمية من جهة المعنى، فقلت: هلا تمادى النمو إلى حد فوق الحد الذي بلغ النبات إليه؟ لم يجدوا عن هذا جوابا، سوى أنه ليس في قوة هذه القوة الزيادة على مقدار ما يبلغ النبات إليه، فيقال لهم: ولم كانت هذه الصفة؟ فلا يجدون عذرا إلا أن يقولوا: هكذا أبدعها مبدعها، فإضافة النماء إلى المبدع الحق، وهو الله سبحانه أولى. ولو أخذت في أن تشاحهم في العبارة لوجدت في ذلك مساغا، فتقول: هل تولد البزر في النبات إلا ضرب من التنمية؟ وهل فرقان بين أن تفعل هذه القوة أخرى وهي ساق النسبلة، أو أخرى هي القمح في رأس السنبلة؟ وهل الجميع إلا نماء تولد عنها؟ فهلا قلتم ليس هاهنا في هذين الموضعين سوى قوة واحدة وهي المنمية؟ إلا أن تريدوا أن اختلاف صور الأجزاء النامية أوجب اختلاف التسمية في صورة النمائين خالفتم بين التسمية، فيكون هذا اصطلاحا منكم على هذه العبارة فمسلم، وإما أن يمتنع استصحاب هذه التسمية، التي هي القوة المنمية على البزر، فلا بعد فيه من جهة اللسان، وإذا كان معنى التسمية الموجب لحصول التسمية موجودا في البزر، وجوده في ساق النبات أكد هذا ما التزمناهم من اتحاد القوى، وإبطال ما قالوه في تعدياها. وقد بسطنا القول في الرد عليهم في هذا النوع من القوى قليلا، لأنه سنستغني به عن المناقضة في بقية ما قالوه. وأنت إذا تأملت ما بقى من تقاسيمهم، وما رددنا به هذا القسم خاصة، نقلت ما قلناه من الرد عليهم في هذا القسم إلى بقية الأقسام. ثم إنهم لما نظروا أيضا إلى انتقال آخر، وميزة ثانية في أحد هذين النوعين، وهو الحيوان فوجوده قد تميز عن النبات بأنه يحس ويتحرك بالإرادة، بخلاف النبات فإنه لا يحس، وحركته طبيعية، لا بالإرادة، وإنما يتحرك على جهة واحدة وهي جهة النمو، قالوا: لابد لهذا أيضا من نفس أخرى غير نفس النبات التي هي كمال لجنسه، بذلك الكمال استحق أن يختص بقواه الثلاث، المولدة، والمنمية، والمغذية، وقصر هذا الكمال عن أن يستحق نفسا أخرى لبعده عن الاعتدال، التي تقرب إليه الحيوان، فكان كماله لقربه من

стр. 203

الاعتدال أبلغ من كمال النبات، فاستحق مع هذه النفس النباتية المغذية المنمية المولدة نفسا أخرى، وهي النفس الحيوانية، فاستحق بهذه النفس نفسا أخرى، وهي كونه محسا متحركا بإرادته وهذه أيضا قوة للحيوان لما اختص بهذا المعنى، [كما] قلنا: من حس وحركة بإرادة. ولهذا الحيوان قوتان: محركة ومدركة، فالمحركة نوعان: شوقية، واختيارية، فالشوقية تبعث النفس على الحركة إلى ما يشتهي، والنفار عما يضر، والاختيارية هي المشاهدة من حركة أعضاء الحيوان (ص ١٠٣) وتصرفاتها. والمدركة أيضا نوعان مدرك الصورة المتلونة بانطباعها في الهواء، ويتسلسل الانطباع حتى ينطبع في الرطوبة الجليدية التي في العين فتدركها هذه القوة. وحاسة السمع، وهي قوة في العصب المفرق في الصماخ، بها تدرك الأصوات بتوسط تضاغط في الهواء، وتزاحمه عند قرعه، ثم ينطبع أيضا تلك الأصوات فيه بضرب من التموج، حتى يصل ذلك الهواء إلى الصماخ، فيتشكل بشكله فتدركه تلك القوة التي فيه. وحاسة الشم، وهي زائدتان في الدماغ كحلمتي الثدي، يتخلل إليهما روائح الأجسام، فتدركها قوة بهاتين الزائدتين. وكذلك حاسة الذوق، وهي قوة أيضا في العصب المفروش في سطح اللسان، يدرك طعوم الأجسام ذوات الطعوم. وكذلك حاسة اللمس، قوة منبتة في سائر جلد الجسم، ولحمه، يدرك بها الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والرخاوة، والصلابة، والملوسة، والخشونة. فهذه مذاهبهم في القوة الحاسة الداركة، وأنت ترد عليهم في هذا بما قدمناه أولا، من كون هذه القوة لا يعقل معناها، ومن اشتراطهم تعددها بغير دليل، مع هذا التحكم أيضا في هذه التفاصيل، والرد عليهم في هذا التحكم مبسوط في كتب علم الكلام، أشبع فيها الرد عليهم في الانطباع والرد على المعتزلة، والأطباء في الشعاع، وهذا الانطباع أيضا لا يتحقق له معنى، وإن أشير به إلى عدم، فالعدم لا يدرك، وإن أشير به إلى وجود، فذلك الوجود إن كان عرضا فالعرض لا يصح انطباعه ولا انتقاله، وإن كان جسما فالأجسام المدركة أضعاف الرطوبة الجليدية، بما لا يكاد يضبط، لعظمه، فإن انطبع في الرطوبة جسم بمقدار الجسم المرئي، فمحال أن يرى الإنسان الجبل كله، وإن كان إنما ينطبع في الرطوبة

стр. 204

بمقدارها، فما رأى الإنسان من البحار والجبال إلا أصغر من أنملة، وهذا باطل على الضرورة والاتساع في رد هذا لا يليق بما نحن فيه. وكذلك ما قاله في حاسة السمع، قد استقصى المتكلمون من أئمتنا إبطاله في كتب علم الكلام. وأما الذي ذكروه في حاسة اللمس، فإنهم ذكروا أربعة أنواع من المدركات، ونحن قد نرد بعضها إلى بعض على ما عرف في كتب علم الكلام، فنناقضهم في تعدادها أولا، ثم نناقضهم فيها من جهة ثانية، فنقول لهم: الحرارة والبرودة جنسان مختلفان متضادان، وقد أدركتهما هذه القوة، والرطوبة واليبوسة جنسان متضادان أيضا، وهما جميعا مخالفان للحرارة والبرودة، فما بال هذه القوة الواحدة استولت [على] المتضادين، والمختلف الذي لا يتضادد، وهذا مناقضة لما قاله إمام عظيم عندهم من متأخريهم، فإنه قال: يشبه أن تكون القوة الداركة لهذه الأجناس واحدة، وهذا إذا مر عليه وسلمه، تأكد ما قدمناه من المناقضة لهم في قولهم بتعدد هذه القوى. أما القوة المدركة الباطنة عندهم فهي خمس قوى أيضا، كما أن الظاهرة خمس أيضا. فأول هذه الباطنة قوة في مقدم الدماغ يسمونها فنطاسيا، ويسمونها الحس المشترك، ومعنى الحس المشترك أن جميع الإدراكات الظاهرة التي عددناها، تنقل مدركاتها إلى هذه القوة التي في مقدم الدماغ، فيطبع صور المدركات فيها على حسب ما أدركتها، فيكون الانطباع في القوتين الظاهرة، وهذه الباطنة مقترنا، وإن كان الرتبة في البداية إلى القوة الظاهرة، ومهما كانت القوة الظاهرة عمالة في الصور منطبعة فيها، كانت هذه القوة الباطنة منطبعة أيضا فيها الصور، وإذا لم تعمل القوة الظاهرة لم يقع انطباع في هذه القوة الباطنة. هاهنا يجب أن نطالبهم بجميع ما قدمناه، ثم نخص هذه المسألة بمطالبة أخرى، ولا جواب لهم عنها، فنقول: لم زعمتم أن هذه الباطنة مدركة لجميع محسوسات الحواس الخمس الظاهرة؟ وما بال هذه القوة وهي واحدة أدركت جميع هذه المدركات على اختلافها، وهلا كان ما سواها من القوى التي يهتفون بها متحدا، كقولهم في هذه القوة؟ ولم هربتم أن تجعلوا هذه الواحدة الباطنة قوى كثيرة متعددة بحسب تعدد الحواس الظاهرة؟ وقد أجاب جميعهم عن هذا، المتقدم منهم والمتأخر بجواب واحد، وذلك أنهم قالوا: نحن نعلم أن الإنسان يحس فرقا بين الحلو والمر، والاسود والأبيض، وبين ما يراه وبين ما

стр. 205

يسمعه، فلو كانت تأدية هذه الحواس الظاهرة إلى قوى باطنة متعددة لم يجد الإنسان فرقا بين مدرك ومدرك، لأن محل هذا غير محل هذا، فكل لا يحصل فيها إلا مدركها، فالفرق كيف يحس مع تباين القوتين، وتباين المدركين؟ وإنما يحس الفرق (ص ١٠٤) على ما قلناه من كون القوة واحدة اجتمع فيها أمران، ففرقت بينهما. وهذه الحجة لا تساوي استماعها، وذلك أنا نطالبهم أولا بتخصيص ما قالوه من اشتراط الاتحاد، لأجل إحساس التفرقة، ونقول لهم: ما أنكرتم أن يكون الحس بالتفرقة في إحدى هاتين القوتين، فالقوتان جميعا أدركتا مدركين، واختصت إحداهما بزيادة مدرك آخر، وهو هذه التفرقة، ولا يستدرك أن تدرك القوة الواحدة مدركين مختلفين، ألا ترى إدراك البصر لمختلفات، وإدراك حاسة اللمس لمتضادات؟ فما المانع أن تكون إحدى هاتين القوتين أحق بهذه الزيادة من الأخرى؟ قيل لهم: وليس هي بأن تختص بهذا النوع من المحسوسات أولى من اختصاص الأخرى به. فإن قالوا: هكذا أبدعها مبدعها. قيل لهم: وهكذا أيضا أبدعها مبدعها دراكة لمحسوساتها، وللتفرقة المذكورة. على أنا لو سلمنا ما قالوه من هذا الاعتراض لقلنا: فقولوا: إن كل واحدة من القوتين حصل لها إدراك، وإدراك التفرقة بين محسوساتها ومحسوسات أخرى. ويقال لهم أيضا: ما أنكرتم أن يكون التفرقة غير حاصلة لواحدة من هاتين القوتين، وإنما لكل قوة إدراك محسوساتها خاصة، ثم العقل يحكم بالتفرقة بين المحسوسين، ولا يستنكر عاقل إدراك العقل حقائق كثيرة، وهي عندهم مع إدراك العقل لها تحل به، وهذا ما لا يجدون عنه جوابا محققا أبدا. فإذا علمتم مذهبهم في هذه القوة الأولى التي يسمونها الحس المشترك، فلتعلم أن مذهبهم أن انطباع صور المدركات فيها لا يبقى، وإنما لها قبول الصور خاصة، وليس كل قابل لها حافظا، وتمثلوا بالماء فإنه يقبل الانطباع، ولكن ذلك الانطباع لا يبقى فيه. قالوا: ونحن نعلم أنا إذا غمضنا أبصارنا عن المدركات، وجدنا تمثالها وخيالها في أنفسنا، وقد فقدنا ذلك المعنى الذي أحسسناه عند فتح أبصارنا، فما ذلك إلا لأن هاهنا قوة أخرى في آخر هذا التجويف الأول من الدماغ ينطبع فيها الصور انطباعا يدوم، ويسمون هذه القوة خيالية. وهذا مما يقال في إبطاله بعد إعادة جميع ما تقدم: ما أنكرتم أن تكون هذه القوة الأولى التي ذكرتموها من التي ينطبع فيها الخيال والتمثال بعد غيبة المبصرات؟ وإنما الفرق

стр. 206

الذي يحسونه راجع إلى أن هذا الانطباع حدث مرة، ومعه إدراك ظاهر آزره وقواه، وحدث مرة وليس معه إدراك ظاهر، وإلا فالقوة الداركة واحدة، تدرك الشيء مرة وحدها، وتدركه مرة ومعها ما يعاونها، أو معها ما يطابقها. وهذا لا ينكر إمكانه وجوازه عاقل، ثم بعد هذه القوة الثانية عندهم قوة ثالثة يسمونها المتخيلة، فيقولون: إننا نحس بعد هذا الانطباع تمكنا من تركيب ما تخيلناه، ونصوره على غير النظام الذي أدركناه، فنتخيل شخصا بصفة إنسان، وبصورة طائر، وهذا ليس في الوجود، فيكون انطباعا في الخيال، فليس إلا إثبات قوة متخيلة تركب من الصور ما شاءت، وتقايس يعضها ببعض، وتستعمل الحل والتركيب كيف شاءت، فهذه القوة الثالثة عندهم محلها التجويف الثاني من الدماغ، وهي التي يسمونها المفكرة، وهي التي يستخدمها العقل إذا حاول إدراك المعقولات، فإذا استعملت سميت بالنسبة إليه مفكرة، وهي متخيلة بالنسبة إلى القوة الحيوانية خاصة، وإنما تكون مفكرة بالنسبة إلى القوة الإنسانية، وهي العقل، وهذا أيضا يبطل عليهم جميع ما تقدم. ويقال لهم: هذه أقرب إلى أن تكون هذه القوة الثانية التي سميتوها خيالية مما عارضناكم به، إذا قلنا: قد تكون الثانية هي الأولى على أصلكم، وذلك أن هذه القوة المتخيلة إنما يكون حظها انطباع الصورة، فتارة يكون ذلك لها بغير آلة، وتارة يكون بآلة وهي الحاسة الظاهرة، وهذا أيضا لا يدفع إمكانه عاقل. ثم أيضا تحقق معهم معنى الانطباع في جميع معنى القوى التي ذكروها، ويعاد التقسيم الذي قسمناه، حتى لا يتحقق للانطباع معنى. ثم عندهم بعد هذه القوة قوة رابعة، وذلك أنهم يقولون: إن الإنسان يحس من نفسه إدراك الصورة الجزئية تارة، ويحس من نفسه إدراك معاني هذه الجزئيات تارة أخرى، وهذه المعاني لا تكون محسوسة، ألا ترى أن الشاة تنافر الذئب إذا رأته، وإن كان لم يؤذها قط، ولا شاهدت أذاه، ولكن فيه معنى ينافرها (ص ١٠٥) أدركته الشاة فهربت منه لأجله، وهكذا تجري إلى النبات المستلذ عندها، وليس إلا لمعنى أدركته من موافقة بينها وبينه، وهذا المعنى لا يقال: إنه مشاهد فتضيفه إلى البصر، ويفتقر فيه إلى الحس المشترك وإلى الخيالية على ما صورناه، فلابد من إثبات قوة رابعة، ويكون محلها آخر التجويف الثاني من الدماغ، يسمى هذه القوة قوة وهمية، وهي الحاكمة على الحيوان كله، ولها تنقاد البهائم وأشباهها من الناس، وهي معاندة للعقل، لأنها تأبى من الانقياد إليه إذا خالف متعلقاتها، ومن هذا تعرض الضلالات في أكثر الاعتقادات الدينية وغيرها، وهذا الوهم يأبى كل الإباء من الانقياد إلى التصديق بمعقول، لا جوهر، ولا عرض، ولا في مكان، ولا مفارق للعالم،

стр. 207

ولا مواصل. ولهذا الانقياد إلى الوهم ظلت المعضلة، ولو أجهد الإنسان جهده لما توهم ما وراء هذا العالم، ولا تخيله، لأنا ذكرنا أن الوهم إنما سلطانه على معاني جزئية في محسوسات جزئية، وما وراء العالم ليس بمحسوس فينظر في معانيه، وهذه القوة الوهمية تستخدم ما قبلها من القوى، لأنا أريناك أن حظها انتزاع معان من محسوسات جزئية، وقد افترقت إلى خدمة ما قبلها من القوى ليحصل ما هو بصدده. والرد عليهم في هذه القوة مأخوذ من جميع ما قدمناه، ثم يقال لهم: لا معنى لإثبات هذه القوة، بل هي القوة المتخيلة، وأنتم ذكرتم أن القوة المتخيلة تركب ما ليس في الموجود، لعل هذا منه، أو تكون القوة الخيالية، ويكون معنى التوهم تكرر انطباع أذى الذئب إلى الغنم، فتنطبع صورة أذاه في القوة الخيالية انطباعا لازما لا يمحي، حتى يصير كالجزء من البدن في ملازمة هذا المعنى لهذه القوة، فيكون الطباع تنفر وتهرب، لأجل هذا لا لأجل أن هاهنا قوة أخرى تسمى وهيمة. ومما يؤكد هذا أن هذه الوهمية لا تحصل إلا بعد تحصيل محسوسات، فلو كانت معنى مستقلا بنفسه لم تفتقر إلى المحسوسات. ثم عندهم بعد هذا قوة خامسة يسمونها الحافظة، ومحلها عندهم التجويف الثالث الذي في مؤخر الدماغ، وحظ هذه القوة حفظ ما تحصله الوهمية، فكأن الوهمية تقبل قبولا لا يدوم، وهذه تقبل قبولا دائما. فقد حصل أن المدركات جسمانية ومعنوية، فالجمسانية يختص بها من القوة الباطنة قوتان، الحس المشترك اختصاص قبول، والخيالية اختصاص دوام وبقاء، فالخيالية خازنة للحس المشترك صور الأجسام، وقوة وهمية تدرك معاني الأجسام إدراك قبول خاصة لا يستدام، والقوة الحافظة خزانة هذه القوة، فيكون الانطباع فيها دائما، وبقيت قوة وسطى بين الأربع، وهي القوة المتخيلة قبلها قوتان يستعملان في المعنويات. والرد عليهم في هذه القوى على نحو ما تقدم حرفا بحرف، ومن عجيب أمرهم قطعهم على محال هذه القوى، حتى جعلوا محل الحس المشترك مكان كذا من الدماغ، وحس الخيال في آخر التجويف الأول من الدماغ، إلى ما سوى ذلك من تحكماتهم في هذه المحال التي ذكرناها عنهم، وهب أنهم يسلمون للأطباء ما يقولونه في صفة الأعضاء الباطنة والعروق، والأوراد، والشريانات، والعصب، والعضلات، إلى غير ذلك مما يحيلون فيه على المشاهدة عند تشريح بعض أجسام بني آدم، فما كان مغيبا يفقد لا محالة عند موت الإنسان قبل أن يؤخذ في تشريحه، كيف الحيلة في إدراكه والعلم به. هذا ولو كان الإنسان حيا، وكشف لأبصارنا عن باطن دماغه لما أبصرنا عندهم هذه القوى، لأنها عندهم مما

стр. 208

يستحيل أن يبصر، لأنها ليست بألوان ولا ذوات متلونة، فالعجب كل العدب من قطعهم على هذه المحال بخيال لا ينهض أن يفيد ظنا ضعيفا مثلا، فضلا عن القطع والتصميم على هذه المحال، بأن يقولوا: إذا فسد مقدم الدماغ فسد الحس المشترك، وإذا فسد وسطه فسد التصور والتخيل، وإذا فسد مؤخره فسد الحفظ والذكر. ولهذا شحن الأطباء مصنفاتهم في باب مداواة النسيان وسوء الحفظ بعلاج مؤخر الدماغ بالاستفراغات للخلط الذي كان عليه النسيان، واستعمل اللطوخات على مؤخر الدماغ المضادة للخلط الذي كان عنه النسيان، وهذا كما تراه في غاية الضعف. أما فساد التخيل والتصور فمحسوس، أما استيلاء النسيان وبعد الحفظ لما يدرس ويقرأ فمعلوم أيضا، والناس متفاوتون في ذلك، إما في أصل تركيبهم، أو لأعراض تطرأ عليهم، فهذا القدر هو الذي نؤمن به، لأنه معنى محسوس، ومن فعل هذا فهو عندنا الله سبحانه، لما قام من الأدلة على وجوده تعالى ووحدانيته، وأنه خالق كل شيء، فما سوى هذا هنف لا يشتغل به (ص ١٠٦) محقق، ولا ينكر عقلا أن يكون الباري سبحانه الذي هذا كله من فعله، يفعل هذه الأمور ابتداء، أو يفعلها بعد أن يفعل أفعالا تتقدمها، يربط بعضها ببعض، سنة الله التي في خليقته، لا على أن ذلك أمر عقلي لابد منه، ولا يقدر الله سبحانه على فعل ما سواه، ولا يمكنه نقضه، ومن بنى قدر على أن يهدم، ومن ربط قدر على أن يحل، ولكنا لو أثبتنا هذه الرباطات، وهذه التعلقات لم يثبت منها إلا ما أدركه الحس والمشاهدة، أو قام عليه برهان، فالحس والمشاهدة معلوم أنهما لا يوجدان هاهنا، وبرهان لا يقوم على هذا أبدا، وبراهينهم هذه قد أوضحنا بطلانها. والصحيح التصور والفكرة يكاد يستغنى عن معرف يعرفه أن هذه الأمور التي تمسكوا بها لا تؤدي إلى يقين وقطع أبدا، وإن تشوفت نفس بعض العقلاء إلى الإخلاد لشيء مما قالوه فتلك ظنون تقبلها النفس بسبب استنادهم إلى تخيلات حسنة كما قدمنا عنهم. وليت شعري كيف يعلم من مداواة عضو ما حل فيه في باطنه، أما الاستفراغ فلا يقدر بشيء على أن يجعله دليلا على شيء من هذه المحال، وإذا سقى الطبيب البلاذر، والإيارجات الكبار، واستفرغ خلط، أخرج من البدن، فمن أين يعلم أن هذا الخلط إنما ينبعث من آخر التجويف الثاني من الدماغ؟ هذا لا يدعيه عاقل، وكذلك إن وضع هناك لطوخا، لا سبيل إلى اليقين بأن ذلك محل ذاك، وإن كان هذا أقرب من دلالة الاستفراغ الذي شوهد الانتفاع بذلك اللطوخ في ذلك الموضع من ذلك المرض، وقد يمكن أن يكون ذلك المكان منه ينصب خلط إلى مكان آخر هو محل تلك القوة المشار إليها، أو يكون ذلك المكان فيه آلة من آلاتها

стр. 209

لا تعلم تلك القوة إلا بها، فإذا تعطلت الآلة تعطلت القوة، وهذا أيضًا مما يجوز ويمكن في العقول، وقد ذكرنا في كتابنا "المعلم" الحجة عليهم في هذا، وناقضناهم في دواء "المالنخونيا"، وهذا منه. ثم إذا تقرر هذان الاختصاصان، ومعناهما، اختصاص النبات واختصاص الحيوان على الجملة، فإن من الحيوان الإنسان، قد اختص أيضا بخصيصة فارق بها النبات والحيوان البيهيمي، فنظروا فيها على زعمهم، فوجدوا الإنسان قد قرب من الاعتدال أشد من قرب النبات، وأشد من قرب الحيوان البهيمي، فاختص لأجل هذا القرب بهيئة وكمال اقتضت له أن تكون له نفس إنسانية، وهي نفس ثالثة حصلت له مع حصول النفسين الأخريين التي هي نفس النباتية والحيوانية، وهذه النفس التي تميز بها هي التي استحق بها أن تكون قوة من جهة ما يفعل بالروية والاستنباط، ومن جهة ما يدرك الكليات، فإن ما سواه من الحيوان والنبات لا يقع منه أفعال بالفكرة والروية، ولا يدرك حقائق كليات الأمور، فنظروا في هذه القوة على زعمهم فوجدوها نوعين: قوة عاملة، وقوة عالمة، ولربما يعبرون عن هذا فيقولون: قوة عملية، وقوة نظرية. فأما القوة العملية فبها يكون سياسة البدن، والأخلاق، والتدابير. والقوة النظرية يكون بها الإطلاع على حقائق الكليات، وكأن هذا النفس له وجهان، وجه ملتفت إلى الأعلى، وهي المبادئ، والعالم العقلي، ووجه ملتفت إلى الأسفل وهي جهة البدن، ووصوا في كتبهم بأن تكون هذه النفس معرضة من جهة الأسفل لئلا تستولي عليها الطباع، وأحوال النفس الحيوانية فتكون مقهورة، فتظهر الأخلاق، وتقع الأفعال قبيحة، حتى إذا كانت كالمعرضة عن الأسفل والمقبلة على الجهة العليا استمدت منها الفضائل، وكانت قاهرة لطباع الإنسان، فظهر منه من الأخلاق الجميلة، والأفعال الجميلة ما يكون به فاضلا. وهذه الجهة النظرية التي يسمونها القوة العالمة هي المطلوبة المبحوث عنها، وبسبها قدمنا ما قدمناه، وهي عندهم القوة العقلية، لكنهم زعموا أنه قد علم اختلاف حقائق الوجود المتصور، فمنه ما يكون وجودا بالقوة، ومنه ما يكون وجودا كاملا تاما يسمونه وجودا بالفعل، ومنه وجود بين هذين الطرفين، وتدريج بين هاتين الحاشيتين، ويسمونه وجود تمكين، ولهم فيها عبارات أخر، وهذا كالنواة، فإنه يميز فرقان ما

стр. 210

بينها وبين الحصاة في توليد النخلة منها، وما ذاك إلا لأن النواة فيها قوة تهيأت إلى أن تنتمي شيئا فشيئا حتى تصير نخلة مثمرة، وهذا التهيؤ لا يوجد في الحصاة فيسمون ما في النواة من هذا وجود نخلة بالقوة، حتى إذا كملت النخلة وأثمرت وتناهى نماؤها سموا ذلك وجودا بالفعل، بمعنى أن ما كان يتصور من النواة (ص ١٠٧) ويتخيل قد حصل محسوسا حصولا كاملا، وهو الوجود الكامل، فإذا لم تبلغ الإثمار وغاية النماء، فكأن هذا الوجود وجود ممكن من الإثمار. فهكذا الحال في التعليمات أيضا فإن الإنسان إذا كان أميا، كان كاتبا بالقوة، بمعنى أن الكتابة يتصور وجودها منه، بخلاف الحمار، فإذا ابتدأ فتعلم مفردات الحروف، والخط بالقلم، وحضرت الآلات قيل: هذا متمكن من الكتابة، حتى إذا حصل على علم الخط وكتبه قيل: كاتب بالفعل، ومتى تعطل عن الكتابة كان هذا الوجود الكامل حاصلا له، لم يفقد بعطلته عن الكتابة. فكذلك عندهم حال الإنسان، فإن الطفل أول ما يولد قد ركب دماغه وقلبه على شكل ومزاج قرب من الاعتدال قربا متهيئا بهذا إلى أن يقبل صور المعقولات ويطلع على المعلومات، بخلاف دماغ الحمار وقلبه، فيسمون هذا عقلا هيولانيا، بمعنى أن التهيؤ القابل للعقل حصل فصار كالهيولي والمادة [التي] لا صورة فيها، ثم بعد هذا تكتسي صورة ما، فإذا شب الطفل وصار في سن من يميز، ويعرف العلوم الضرورية التي تنطبع عندهم في هذه القوة من غير أن يحس الإنسان بانطباعها، ولا يسعى في تحصيلها كان هذا عقلا ممكنا، بمعنى أنه قد ارتفع عن طبقة العقل الهيولاني، وقد يسمى عقلا بالفعل، بمعنى أنه حصلت فيه معارف وعلوم ضرورية. ثم بعد هذا الوجود الممكن، الوجود التام الكامل، وهو المسمى عندهم العقل المستفاد، ومعنى هذا أن هذا العقل الذي قد حصل فيه مع الهيولي، ومعنى التمكن من الاستفادة تنطبع فيه صور المعقولات الكلية، بل يحرك ويستخدم تلك القوة التي سميناها بالمتخيلة بالنسبة إلى الحيوان، وبالمفكرة بالنسبة إلى الإنسان، فإنما هي القوة وحركها، وهي أيضًا قد تستخدم ما قبلها و [إذا] التفت إلى العالم العقلي انفعل هذا العقل عن هذا، وانطبع فيه حقائق المعقولات، وليس انطباعها فيه من قبل نفسه، لكن من قبل غيره، إذ هذا العقل المستفاد، وهو المسمى عندهم الوجود بالفعل، وما تهيأ لقبول شيء لا يقبله من تلقاء نفسه، بل من تلقاء غيره، فكل وجود بالقوة لا يحصل وجودا بالفعل من تلقاء نفسه بل من تلقاء غيره.

стр. 211

وهذا الاستدلال عندهم يضطرهم إلى إثبات عقل آخر يسمونه العقل الفعال، وفيه صور المعقولات كلها، وهو في نفسه قد كان عقلا بالفعل، لم يكن قط عقلا هيولانيا، لأنه لو كان كذلك لافتقر إلى آخر ينقله من الهيولي إلى الفعل، ويتسلسل القول، فوجب عندهم إثبات هذا العقل على وجود كامل تام، مستوف لصور المعقولات كلها، قد كان، وعنه تستمد عقولنا المعارف والعلوم النظرية كلها، فإذا استمدت عقولنا منه هذه المعقولات، فما دام تطالعها عقولنا وتذكرها فذاك غاية الكمال، وإن لها عنها فتلك حالة لا تخرجه عن كونه عقلا بالفعل، لأن المعقولات مخزونة فيه متى شاء طالعها. وتفاوت الناس في العلوم لتفاوت هذا العقل الهيولاني في القوة والضعف، فتهيؤ الجنس إلى قبول ما يقبله من الوجود يختلف عيانا، فبحسب هذا يقع التفاوت في العلوم والاختلاف في الذكاء، وصحة الحدس، مع الاختلاف أيضا في استعمال هذا العقل لتلك القوى التي يستخدمها مع قبوله على تدبير النفس خاصة وإصلاح الجسم والطباع، فيضعف عن تحصيل العلوم، وبالعكس فإنه إذا أقبل على تحصيل العلوم وانتصبت تلك القوة العقلية إلى استقبال ما يفيض عليها من هذا العقل الفعال، ضعف نظرها في تدبير البدن والطباع. ويضربون مثالا من المحسوسات يحيلون به صحة ما قالوه، حتى يستميلوا بذلك أنفس العوالم، لما قدمنا مكررا من كون التخيلات الحسية تسرع النفوس لقبولها، ويألفها إحساسها، فيقولون: هذه الأجسام المتلونة يراها الإنسان بعينه، فالعين هي الرائية، والألوان هي المرئية، ولكن لولا شعاع الشمس ولمعانه على الألوان لما أدركه البصر، ولهذا لم يدركه في الليل، فالعين أبدا متمكنة من أن ترى، والمرئي مهيأ لوقع البصر عليه، ولكن إذا شرق عليه نور الشمس صار البصر رائيا له، فالبصر إنما انفعل عن شعاع الشمس، ولكن شعاعها إنما ضرب على الأجسام متلونة، فصار البصر مدركا لها، وحصلت العين رائية. وهذا العقل الفعال كالشمس، وصور المعقولات كالأجسام المتلونة، وهذا العقل الذي حصل له حال الهيولي، وحال التمكن على ما شرحناه، متمكن من أن يحصل المعقولات وتنطبع فيه (ص ١٠٨) صورها وحقائقها، ولكن يشترط أن يشرق نور العقل الفعال على المعقولات فيبصرها حينئذ هذا العقل الذي وصفناه فينا، فإذا أبصرها كمل وصار عقلا بالفعل، وصار عقلا مستفادا.

стр. 212

وقد ذكرنا أن هذا الاستمداد عن العقل الفعال على هذه الصفة إنما يكون بتهيئ يصح معه قبول هذا الفيض، وهذا التهيؤ إنما يحصل فينا غالب عند تحريك العقل الحاصل لنا القوة المفكرة على ما فرضناه. وإذا تصورت هذه التخاليط والتحكمات في تصور أمر به يدرك تصور المتصورات انكشف لك ما رمز إليه أبو المعالي وهول عليك وروعك بقوله: "لا مطمع في مفاتحة هذا الفصل فضلا عن استقصائه"، فها نحن قد فتحنا لك الباب الذي أغلقه، حتى نظرت ما وراءه فلم تبصر شيئا، ونحن نملي نص كلامه في هذا الفصل وننبهك على غرضه على ما قدمناه من مذاهب القوم حتى تعرف مخارجه منها. قال أبو المعالي: "وليعرف طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر، وهو المعنى بكلام النفس، ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول أن فكر النفس متعلقة المعلومات، أو المعتقدات، ولا تنطق النفس بالعلم الحق، وهذا الآن يتعلق بالقول الفلسفي، ولا مطمع في مفاتحته، فضلا عن استقصائه، ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم، فهو متخيل العلم معلوما، ومنطوقا به، وهذا هو الذي اختلج في عقول المتكلمين، وطيش أحلامهم، حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء هل هو علم بأنه علم، وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس، لا في العلم نفسه، ونحن في الأحايين نرمز إلى تلويحات في هذا المجموع، ليتشوف عند نجازه إلى العلوم الإلهية، ونستحب على طلبها". أما قوله: "إن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر، وهو المعنى بكلام النفس"، فإنه إنما أشار به إلى ما قدمناه من أن القوة المتخيلة التي تسمى مفكرة بالنسبة إلى العقل عندهم، إنما تتعلق عندهم بالمعتقدات، لأنا أخبرناك كيف يأخذ الحس المشترك صور الأجسام، وكيف ينقلها، وكيف تأخذ القوة المتخيلة معاني الأجسام، وكيف تنقلها، وهذا محسوس عندهم. وأما العلم الحق عندهم فهو ما ذكرنا من خروج القوة الهيلوانية إلى العقل الفعلي، ومعنى خروجها حصولها علوما بعد أن كانت مهيأة للعلوم، فنفس العقل هذا المشار إليه هو

стр. 213

نفس العلوم بهذه الكليات المتلقى من فيض العقل الفعال، وهذا عندهم عقل بالمعقولات، وعقل بنفسه، فهو قد عقل المعقولات وعقل نفسه. ولا معنى عندهم للقول: عقل نفسه إلا ما صورناه من عود ذلك العقل الهيولاني علوما ومعارف بالكليات، ونفس هذا العود والخروج إلى الفعل لا ينطق ولا يفكر، والنطق والفكر، وإنما هو لتلك النفس التي ذكرنا أنها قوة متخيلة مفكرة، وهي بمنأى ومعزل عن هذا العقل المستفاد المشار إليه، وإنما هي كالخادم له، على ما صورناه، وإن فرض في النفس فكر بالعلم، أو نطق به فإنما معناه عندهم أن يقدر ذلك العلم كمعلوم يتطلب ويتلقى، وقد ذكرنا أن تطلب المعارف تتحرك معه القوة الفكرية، فالمحسوس إذا تحرك القوة الفكرية عند استفادة العقل الهيولاني المعارف، وكون القوة الفكرية ينطلق بهذا العلم الحاصل، بمعنى أنه صار كالمعلوم، وهي تتعلق بالمعلومات على صفة ماذكرناه، وهو المحسوس عندهم حتى يظن أن النفس الفكرية تعلقت بنفس هذا العلم، وأن نفس العلم الحق تعلقت به النفس. وأضاف أبو المعالي إلى أيمتنا أن جهلهم بهذه الحقائق طيش أحلامهم، وأدى إلى اختباطهم. وعجبا من هذا الاعتقاد مع وقوفه على أعيان مصنفاتهم، ومذاكرته على ما يذكر لأعظم أيمتهم، ولم يقف على ما وقف عليه على برهان على هذا الذي رتبوه وزينوه، وقد أشبعنا نحن الرد عليهم بما يغنيك عن إعادته في هذا الفصل الثالث، ويقال لهم فيه هي القوة الهيولانية أعرض هي أم جوهر؟ فإن كانت جوهرا فالجواهر متماثلة، وإن كانت عرضا فالأعراض لا تقبل العلوم والصفات، وإن كانت غير ذلك فاذكروه، ولا سبيل إلى الإشارة إلى جنس من المحدثات، خارج عن كونه جوهرا أو عرضا، وهم يسلمون حدوث عقولنا، ويزعمون أن هذه القوة المشار إليها بالعقل الهيولاني، أو الكامل ليس بجزء من أجسامنا، ولا صفة حالة بأجسامنا، فليت (ص ١٠٩) شعري لم اختص زيد بعقله دون عمرو؟ ولم كان العاقل منا عاقلا؟ والمجنون مجنونا؟ والعاقل لم يجد به شيئا، ولا حلت فيه صفة. وعذرهم عن هذا بأن بين عقل زيد ومزاجه مناسبة اقتضت علامة واختصاصا بينه وبين هتف لا يسمع، ودعوى لا تنفع. ويقال لهم: ما معنى هذه المناسبة؟ فلا يجدون لها

стр. 214

معنى يعقل، ويسألون عن سببها فلا يجدون لذكره سبيلا، ولو صح أن يعقل بعقل غير حال في، ولا قائم بي، ولا هو جزء من جملتي صح أن يتحرك بحركة هي كذلك، وصح أن يكون الجوهر أسود بسواد هو كذلك. وهذه تخاليط لو أخطر إليها دليل لنافرتها النفوس لكونها إحالة على مجهولات، واستمساكا بخيالات، فكيف ولا برهان يقوم لهم عليها؟. ثم يقال لهم: هذا الذي رتبتموه من تقسيم الوجود في هذا العقل، لا يتحصل في ذلك أن النواة في حال كونها نواة كالحصاة في حال كونها حصاة، النخلة معدومة منهما جميعا عدما متساويا، وليس للنخلة وجود يشار إليه، وإنما هاهنا إمكان وتجويز خلق شيء آخر لم يخلق منه ذرة واحدة بعد، ولكن هذا الذي لم يخلق ذرة واحدة [منه] تأتي خلقه، وأمكن في محل دون محل، فعندنا أن ذلك بعادة أجراها الله سبحانه في خليقته وهو الحق، وإلا فما الفرق بين جواهر النواة وجواهر الحصاة؟ وعندكم ذلك أمر يرجع إلى الطباع وإلى المزاج، إحالة منكم على أمر مجهول، لم يقم عليه دليل، فلا معنى للعقل الهيولاني، وإذا بطل هذا القسم الهيولاني لأنه لا ينعقل له معنى، فكذلك القسم الثاني وهو الممكن، لأنه ليس بين الوجود والعدم مرتبة، فإن كان هاهنا وجود فسموه ما شئتم، ولكن نحن لا ننكر حدوثا بعد حدوث، ووجودا بعد وجود، وليس إلا أن الله سبحانه يخلق في الطفل معارف إعدادا ما، ثم إذا نهض في السن زاد فيه خلق معارض أخر، حتى تكتمل المعارف الضرورية، فإذا كملت خلق فيه فكرة واستنباطا من تلك العلوم الضرورية، وقدره على ذلك، كما يخلق فيه قدرة على أن يتحرك ويسكن حركات ضعيفة أو قوية، بحسب ما شاء أن يخلقه تعالى، فإذا فكر واستنبط بما خلق فيه من قدرة على الاستنباط، وخلق فيه من استنباط وفكرة، وبما خلق فيه من قدرة خاصة على ذلك على رأي قوم من الإسلاميين خلق فيه حينئذ معارف وعلوما على رأي قوم أيضا، أو فعلها العبد على رأي آخرين، على ما تقدم ذكرنا له في هذه الكتاب وفي غيره، ثم تتفاوت الناس فيما تفضل به عليهم من خلق المعارف والعلوم. فتأملوا رحمكم الله هذه الصورة التي صورناها، وحكيناها عنا معشر المسلمين، هل هي في العقل متناقضة أو متهافتة؟ أو يستحيلها عقل سليم، فإذا أمكنت وأمكن ما قالوا لو سلمنا إمكانه، ولم يقم دليل على فساده كما أوردناه، فمن أين القطع والتصميم على أن الأمر ما صوروه، وهم قد سلموا أيضا أن هذه العلوم إنما نستفاد من جهة أخرى، وليست هي من تلقاء أنفسنا، ولكنها مستفادة من المسمى عندهم بالعقل الفعال، فما المانع من أن تكون مستفادة من الله سبحانه الذي أبدع العقل الفعال، والعقل الفعال عندهم لا يتغير في

стр. 215

نفسه، وقد انفعلت عنه هذه الأفاعيل، فهل أضافوا الانفعالات كلها إلى الله سبحانه؟ وقضوا بأنه لا يتغير لأجلها، وهم على زعمهم إنما يهربون عن إضافة هذه الكائنات المتغيرات إلى الله سبحانه لئلا يؤدي ذلك إلى تغيره، فهذا العقل الفعال عندهم كانت عنه هذه الانفعالات ولم يتغير. فإن قالوا: لم يخترع العقل الفعال شيئا فيغيره ما اخترع، وإنما كان انعفال الفعل منه على صفة ما ذكرناه. قيل لهم: فهل أضفتم تلك الصفة من الانفعال إلى كونها عن الله سبحانه؟ وإن كنا قد أفسدنا ما ذكروه من هذه الانفعالات، ولكن هذا الإلزام لا جواب لهم عنه أبدا. وقد أخذنا في إملاء ما تعلق بكلام أبي المعالي، ونيتنا استيفاء ما قالوه، والرد عليهم كما يجب، ثم رأينا تأخيره إلى أن يسر الله سبحانه في إفراد تصنيف متعلق بهذا النوع، وفيه شرح فرقان تعلق العقل بالكليات المجردة من المواد عندهم بذواتها، أو بالكليات التي يجردها العقل من موادها، بخلاف تلك القوة التي ذكرناها في الإدراكات الباطنة التي من شأنها أن يتعلق بالجزئيات إلى غير ذلك من فصول، هي نوع من الفصول مما يذكرونه في هذا الباب. وذكر أبو المعالي أنه إنما أورد هذا ليتشوف منه إلى الإلهيات، ولو وقفت على طرائقهم في الإلهيات لرأيت العجب أيضا في براهينهم، والتحكمات التي مدارها على تخيلات لا حقائق لها. وفي هذا القدر كفاية. فصل في أنحاء الكلام على العموم لما صدرنا (ص ١١٠) الترجمة بكتاب العموم والخصوص، ثم أقطعنا على إيراد ما يليق بأصول الفقه، للعذر الذي قد بيناه، وأوردنا هذا الفصل بالمقصود، نبحث بصدده، فنتكلم فيه على سبعة أوجه: - الأول: الكشف عن حقيقة العموم والخصوص. - الثاني: هل يتصور هذه الحقيقة في القول النفسي أم لا؟ - الثالث: هل تتصور في الأفعال أم لا؟ - الرابع: هل تتصور في الأحكام أم لا؟ - الخامس: هل يتصور في المعاني أم لا؟ - السادس: تعيين الأقوال التي تتصور فيها نقل المذاهب. - السابع: سبب الاختلاف فيها.
следующие страницы →