Полный текст (479 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وهذا الاستدلال عندهم يضطرهم إلى إثبات عقل آخر يسمونه العقل الفعال، وفيه صور المعقولات كلها، وهو في نفسه قد كان عقلا بالفعل، لم يكن قط عقلا هيولانيا، لأنه لو كان كذلك لافتقر إلى آخر ينقله من الهيولي إلى الفعل، ويتسلسل القول، فوجب عندهم إثبات هذا العقل على وجود كامل تام، مستوف لصور المعقولات كلها، قد كان، وعنه تستمد عقولنا المعارف والعلوم النظرية كلها، فإذا استمدت عقولنا منه هذه المعقولات، فما دام تطالعها عقولنا وتذكرها فذاك غاية الكمال، وإن لها عنها فتلك حالة لا تخرجه عن كونه عقلا بالفعل، لأن المعقولات مخزونة فيه متى شاء طالعها. وتفاوت الناس في العلوم لتفاوت هذا العقل الهيولاني في القوة والضعف، فتهيؤ الجنس إلى قبول ما يقبله من الوجود يختلف عيانا، فبحسب هذا يقع التفاوت في العلوم والاختلاف في الذكاء، وصحة الحدس، مع الاختلاف أيضا في استعمال هذا العقل لتلك القوى التي يستخدمها مع قبوله على تدبير النفس خاصة وإصلاح الجسم والطباع، فيضعف عن تحصيل العلوم، وبالعكس فإنه إذا أقبل على تحصيل العلوم وانتصبت تلك القوة العقلية إلى استقبال ما يفيض عليها من هذا العقل الفعال، ضعف نظرها في تدبير البدن والطباع.
ويضربون مثالا من المحسوسات يحيلون به صحة ما قالوه، حتى يستميلوا بذلك أنفس العوالم، لما قدمنا مكررا من كون التخيلات الحسية تسرع النفوس لقبولها، ويألفها إحساسها، فيقولون: هذه الأجسام المتلونة يراها الإنسان بعينه، فالعين هي الرائية، والألوان هي المرئية، ولكن لولا شعاع الشمس ولمعانه على الألوان لما أدركه البصر، ولهذا لم يدركه في الليل، فالعين أبدا متمكنة من أن ترى، والمرئي مهيأ لوقع البصر عليه، ولكن إذا شرق عليه نور الشمس صار البصر رائيا له، فالبصر إنما انفعل عن شعاع الشمس، ولكن شعاعها إنما ضرب على الأجسام متلونة، فصار البصر مدركا لها، وحصلت العين رائية.
وهذا العقل الفعال كالشمس، وصور المعقولات كالأجسام المتلونة، وهذا العقل الذي حصل له حال الهيولي، وحال التمكن على ما شرحناه، متمكن من أن يحصل المعقولات وتنطبع فيه (ص ١٠٨) صورها وحقائقها، ولكن يشترط أن يشرق نور العقل الفعال على المعقولات فيبصرها حينئذ هذا العقل الذي وصفناه فينا، فإذا أبصرها كمل وصار عقلا بالفعل، وصار عقلا مستفادا.
стр. 212
وقد ذكرنا أن هذا الاستمداد عن العقل الفعال على هذه الصفة إنما يكون بتهيئ يصح معه قبول هذا الفيض، وهذا التهيؤ إنما يحصل فينا غالب عند تحريك العقل الحاصل لنا القوة المفكرة على ما فرضناه.
وإذا تصورت هذه التخاليط والتحكمات في تصور أمر به يدرك تصور المتصورات انكشف لك ما رمز إليه أبو المعالي وهول عليك وروعك بقوله: "لا مطمع في مفاتحة هذا الفصل فضلا عن استقصائه"، فها نحن قد فتحنا لك الباب الذي أغلقه، حتى نظرت ما وراءه فلم تبصر شيئا، ونحن نملي نص كلامه في هذا الفصل وننبهك على غرضه على ما قدمناه من مذاهب القوم حتى تعرف مخارجه منها.
قال أبو المعالي: "وليعرف طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر، وهو المعنى بكلام النفس، ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول أن فكر النفس متعلقة المعلومات، أو المعتقدات، ولا تنطق النفس بالعلم الحق، وهذا الآن يتعلق بالقول الفلسفي، ولا مطمع في مفاتحته، فضلا عن استقصائه، ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم، فهو متخيل العلم معلوما، ومنطوقا به، وهذا هو الذي اختلج في عقول المتكلمين، وطيش أحلامهم، حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء هل هو علم بأنه علم، وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس، لا في العلم نفسه، ونحن في الأحايين نرمز إلى تلويحات في هذا المجموع، ليتشوف عند نجازه إلى العلوم الإلهية، ونستحب على طلبها".
أما قوله: "إن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر، وهو المعنى بكلام النفس"، فإنه إنما أشار به إلى ما قدمناه من أن القوة المتخيلة التي تسمى مفكرة بالنسبة إلى العقل عندهم، إنما تتعلق عندهم بالمعتقدات، لأنا أخبرناك كيف يأخذ الحس المشترك صور الأجسام، وكيف ينقلها، وكيف تأخذ القوة المتخيلة معاني الأجسام، وكيف تنقلها، وهذا محسوس عندهم.
وأما العلم الحق عندهم فهو ما ذكرنا من خروج القوة الهيلوانية إلى العقل الفعلي، ومعنى خروجها حصولها علوما بعد أن كانت مهيأة للعلوم، فنفس العقل هذا المشار إليه هو
стр. 213
نفس العلوم بهذه الكليات المتلقى من فيض العقل الفعال، وهذا عندهم عقل بالمعقولات، وعقل بنفسه، فهو قد عقل المعقولات وعقل نفسه.
ولا معنى عندهم للقول: عقل نفسه إلا ما صورناه من عود ذلك العقل الهيولاني علوما ومعارف بالكليات، ونفس هذا العود والخروج إلى الفعل لا ينطق ولا يفكر، والنطق والفكر، وإنما هو لتلك النفس التي ذكرنا أنها قوة متخيلة مفكرة، وهي بمنأى ومعزل عن هذا العقل المستفاد المشار إليه، وإنما هي كالخادم له، على ما صورناه، وإن فرض في النفس فكر بالعلم، أو نطق به فإنما معناه عندهم أن يقدر ذلك العلم كمعلوم يتطلب ويتلقى، وقد ذكرنا أن تطلب المعارف تتحرك معه القوة الفكرية، فالمحسوس إذا تحرك القوة الفكرية عند استفادة العقل الهيولاني المعارف، وكون القوة الفكرية ينطلق بهذا العلم الحاصل، بمعنى أنه صار كالمعلوم، وهي تتعلق بالمعلومات على صفة ماذكرناه، وهو المحسوس عندهم حتى يظن أن النفس الفكرية تعلقت بنفس هذا العلم، وأن نفس العلم الحق تعلقت به النفس.
وأضاف أبو المعالي إلى أيمتنا أن جهلهم بهذه الحقائق طيش أحلامهم، وأدى إلى اختباطهم. وعجبا من هذا الاعتقاد مع وقوفه على أعيان مصنفاتهم، ومذاكرته على ما يذكر لأعظم أيمتهم، ولم يقف على ما وقف عليه على برهان على هذا الذي رتبوه وزينوه، وقد أشبعنا نحن الرد عليهم بما يغنيك عن إعادته في هذا الفصل الثالث، ويقال لهم فيه هي القوة الهيولانية أعرض هي أم جوهر؟
فإن كانت جوهرا فالجواهر متماثلة، وإن كانت عرضا فالأعراض لا تقبل العلوم والصفات، وإن كانت غير ذلك فاذكروه، ولا سبيل إلى الإشارة إلى جنس من المحدثات، خارج عن كونه جوهرا أو عرضا، وهم يسلمون حدوث عقولنا، ويزعمون أن هذه القوة المشار إليها بالعقل الهيولاني، أو الكامل ليس بجزء من أجسامنا، ولا صفة حالة بأجسامنا، فليت (ص ١٠٩) شعري لم اختص زيد بعقله دون عمرو؟ ولم كان العاقل منا عاقلا؟ والمجنون مجنونا؟ والعاقل لم يجد به شيئا، ولا حلت فيه صفة.
وعذرهم عن هذا بأن بين عقل زيد ومزاجه مناسبة اقتضت علامة واختصاصا بينه وبين هتف لا يسمع، ودعوى لا تنفع. ويقال لهم: ما معنى هذه المناسبة؟ فلا يجدون لها
стр. 214
معنى يعقل، ويسألون عن سببها فلا يجدون لذكره سبيلا، ولو صح أن يعقل بعقل غير حال في، ولا قائم بي، ولا هو جزء من جملتي صح أن يتحرك بحركة هي كذلك، وصح أن يكون الجوهر أسود بسواد هو كذلك. وهذه تخاليط لو أخطر إليها دليل لنافرتها النفوس لكونها إحالة على مجهولات، واستمساكا بخيالات، فكيف ولا برهان يقوم لهم عليها؟.
ثم يقال لهم: هذا الذي رتبتموه من تقسيم الوجود في هذا العقل، لا يتحصل في ذلك أن النواة في حال كونها نواة كالحصاة في حال كونها حصاة، النخلة معدومة منهما جميعا عدما متساويا، وليس للنخلة وجود يشار إليه، وإنما هاهنا إمكان وتجويز خلق شيء آخر لم يخلق منه ذرة واحدة بعد، ولكن هذا الذي لم يخلق ذرة واحدة [منه] تأتي خلقه، وأمكن في محل دون محل، فعندنا أن ذلك بعادة أجراها الله سبحانه في خليقته وهو الحق، وإلا فما الفرق بين جواهر النواة وجواهر الحصاة؟ وعندكم ذلك أمر يرجع إلى الطباع وإلى المزاج، إحالة منكم على أمر مجهول، لم يقم عليه دليل، فلا معنى للعقل الهيولاني، وإذا بطل هذا القسم الهيولاني لأنه لا ينعقل له معنى، فكذلك القسم الثاني وهو الممكن، لأنه ليس بين الوجود والعدم مرتبة، فإن كان هاهنا وجود فسموه ما شئتم، ولكن نحن لا ننكر حدوثا بعد حدوث، ووجودا بعد وجود، وليس إلا أن الله سبحانه يخلق في الطفل معارف إعدادا ما، ثم إذا نهض في السن زاد فيه خلق معارض أخر، حتى تكتمل المعارف الضرورية، فإذا كملت خلق فيه فكرة واستنباطا من تلك العلوم الضرورية، وقدره على ذلك، كما يخلق فيه قدرة على أن يتحرك ويسكن حركات ضعيفة أو قوية، بحسب ما شاء أن يخلقه تعالى، فإذا فكر واستنبط بما خلق فيه من قدرة على الاستنباط، وخلق فيه من استنباط وفكرة، وبما خلق فيه من قدرة خاصة على ذلك على رأي قوم من الإسلاميين خلق فيه حينئذ معارف وعلوما على رأي قوم أيضا، أو فعلها العبد على رأي آخرين، على ما تقدم ذكرنا له في هذه الكتاب وفي غيره، ثم تتفاوت الناس فيما تفضل به عليهم من خلق المعارف والعلوم.
فتأملوا رحمكم الله هذه الصورة التي صورناها، وحكيناها عنا معشر المسلمين، هل هي في العقل متناقضة أو متهافتة؟ أو يستحيلها عقل سليم، فإذا أمكنت وأمكن ما قالوا لو سلمنا إمكانه، ولم يقم دليل على فساده كما أوردناه، فمن أين القطع والتصميم على أن الأمر ما صوروه، وهم قد سلموا أيضا أن هذه العلوم إنما نستفاد من جهة أخرى، وليست هي من تلقاء أنفسنا، ولكنها مستفادة من المسمى عندهم بالعقل الفعال، فما المانع من أن تكون مستفادة من الله سبحانه الذي أبدع العقل الفعال، والعقل الفعال عندهم لا يتغير في
стр. 215
نفسه، وقد انفعلت عنه هذه الأفاعيل، فهل أضافوا الانفعالات كلها إلى الله سبحانه؟ وقضوا بأنه لا يتغير لأجلها، وهم على زعمهم إنما يهربون عن إضافة هذه الكائنات المتغيرات إلى الله سبحانه لئلا يؤدي ذلك إلى تغيره، فهذا العقل الفعال عندهم كانت عنه هذه الانفعالات ولم يتغير. فإن قالوا: لم يخترع العقل الفعال شيئا فيغيره ما اخترع، وإنما كان انعفال الفعل منه على صفة ما ذكرناه. قيل لهم: فهل أضفتم تلك الصفة من الانفعال إلى كونها عن الله سبحانه؟ وإن كنا قد أفسدنا ما ذكروه من هذه الانفعالات، ولكن هذا الإلزام لا جواب لهم عنه أبدا.
وقد أخذنا في إملاء ما تعلق بكلام أبي المعالي، ونيتنا استيفاء ما قالوه، والرد عليهم كما يجب، ثم رأينا تأخيره إلى أن يسر الله سبحانه في إفراد تصنيف متعلق بهذا النوع، وفيه شرح فرقان تعلق العقل بالكليات المجردة من المواد عندهم بذواتها، أو بالكليات التي يجردها العقل من موادها، بخلاف تلك القوة التي ذكرناها في الإدراكات الباطنة التي من شأنها أن يتعلق بالجزئيات إلى غير ذلك من فصول، هي نوع من الفصول مما يذكرونه في هذا الباب.
وذكر أبو المعالي أنه إنما أورد هذا ليتشوف منه إلى الإلهيات، ولو وقفت على طرائقهم في الإلهيات لرأيت العجب أيضا في براهينهم، والتحكمات التي مدارها على تخيلات لا حقائق لها. وفي هذا القدر كفاية.
فصل في أنحاء الكلام على العموم
لما صدرنا (ص ١١٠) الترجمة بكتاب العموم والخصوص، ثم أقطعنا على إيراد ما يليق بأصول الفقه، للعذر الذي قد بيناه، وأوردنا هذا الفصل بالمقصود، نبحث بصدده، فنتكلم فيه على سبعة أوجه:
- الأول: الكشف عن حقيقة العموم والخصوص.
- الثاني: هل يتصور هذه الحقيقة في القول النفسي أم لا؟
- الثالث: هل تتصور في الأفعال أم لا؟
- الرابع: هل تتصور في الأحكام أم لا؟
- الخامس: هل يتصور في المعاني أم لا؟
- السادس: تعيين الأقوال التي تتصور فيها نقل المذاهب.
- السابع: سبب الاختلاف فيها.
стр. 216
فأما الوجه الأول، فإن معنى العموم في اللغة: الشمول، تقول العرب: شملهم الأمر بمعنى عمهم، ويقولون: مطر عام، وعطاء عام، وعم السلطان الرعية بالعدل، ومنه سميت العامة، لأنهم أكثر الناس، وكالمشتملين بكثرتهم على الخواص.
ومعنى الخصوص: الإفراد ومنه قولهم: خص السلطان فلانا بالولاية، وفلانا بالعطاء، ومنه سميت الخاصة، لأنهم تفردوا وتميزوا عن العوام، بما هم عليه من فضل.
وأما حد العموم عند أهل الأصول فإن الأئمة من المتكلمين أشاروا في حده إلى أنه: القول المشتمل على مسميين فصاعدا، والتثنية عندهم عموم لما تصور فيها من معنى الجمع والضم والشمول الذي لا يتصور في الواحد.
وقد زاد بعض متأخريهم في هذا الحد: على وجه واحد، ورأى أن قولنا: ضرب زيد عمرا متعلق باثنين، ومع هذا لا يسمى عموما، لأنه لم يتعلق بذلك من جهة واحدة. وهذا التحرز قد يستغنى عنه عندي، لأنه إن أراد زيدا وعمرا، فهما اسمان خاصان، وليس بعمومين كما قال، ولكن كلامنا في اللفظة. وإن أراد لفظة "ضرب" لكونها مشعرة بضارب ومضروب، فإشعارها بذلك راجع إلى حكم عقلي، وهو ما تقدم من العلم باستحالة وجود ضرب لا من ضارب ولا مضروب، فالاقتصار على ما قاله الأولون [كاف] ومغن عن قول هذا: العموم هو القول المشتمل على مسميين فصاعدا من وجه واحد، لأجل ما قدمناه من الاعتذار عن الأولين.
وأشار بعض الأصوليين إلى حده بأنه القول المستغرق لجميع ما بني على إفادته. ولو أن واحد من الواقفية حد بهذا الحد لقال هاهنا: القول المستغرق لجميع ما صلح لإفادته، وكان الحد الذي حكيناه عن بعض أئمة المتكلمين هو اللائق على مذهبهم في القول بالوقف، وهذا الحد الثاني هو اللائق بأصل الفقهاء القائلين بأن الصيغة تستوعب بمطلقها جميع ما بنيت لإفادته.
وأما الخصوص فهو القول المتعلق بمسمى يتناوله مع غيره اسم واحد، لأن قولنا: مؤمن لفظ خاص، لتناوله الشخص المشار إليه، مع كونه ينطلق عليه وعلى غيره هذه التسمية، ويجتمعان في أن يعبر عنهما بعبارة واحدة.
وقد أنكر المتكلمون ما قالوه من كون الاثنين فصاعدا من غير استيعاب المسميات عموما، لأجل أن هذا [يؤدي] إلى جمع النقيضين، فيكون الخطاب عاما من حيث اشتمل على اثنين، خاصا من حيث قصر عن الاستيعاب.
وجوابهم عن هذا أن المنكر الجمع بين كون الخطاب عاما خاصا من جهة واحدة، وفي محل واحد، وأما [من] وجهين مختلفين فلا ينكر، كما لا ينكر وجود السواد والبياض
стр. 217
في محلين اثنين، وإن أنكر وجودهما في محل واحد، فالخطاب الذي اعترضوا به عام من جهة تناوله اثنين أو عددا محصورا لما في ذلك من معنى الشمول، خاص من جهة أنه لم يتناول بقية المسميات، وحصول التناول وجه، وعدم التناول وجه آخر.
وما الوجه الثاني وهو تصور معنى العموم والخصوص في الأقوال النفسية، فإن المشهور من مذاهب سائر أئمة الأشعرية تصور ذلك في الأقوال النفسية، كما يتصور في الأقوال النفسية الأمر والنهي.
وأنكر أبو المعالي في كتابه كون ذلك متضحا إيضاحه في الأمر والنهي، وأشار إلى أنه مخالف للجماعة فيما قالوه، وصرف عموم النفس إلى علوم فيها، لكون المعلومات على جهات دون جهات، فكأن عنده القائل: "اقتلوا المشركين" يحس في نفسه اقتضاء للقتل، وهذا الاقتضاء لا ينكره عاقل، ولا يخالف في النفس في إحساسه أحد، وهذا الاقتضاء هو المسمى أمرا، ولا يمكن صرف هذا الاقتضاء إلى إرادة وقوع المأمور به، لأنا قد قدمنا أن تجيز أن يأمر الآمر بما لا يريد، فكراهة وقوع المأمور به لا تنافي الأمر به، وأما كون قوله: "اقتلوا المشركين" مستوعبة لجميعهم، فإنما ذلك راجع إلى إرادة القائل في نفسه من الاستيعاب والعلم المحسوس (ص ١١١) في هذا إنما يرجع إلى هذا المعنى، وهو كون هذه اللفظة واقعة على وجه، وهو إرادة الاستيعاب بها، وأشار أبو المعالي إلى طريقة ينتصر بها الأئمة، وهي كون الجمع معنى معقولا، والإنسان يجد في نفسه تصور الجمع والعلم به، وكل علم في النفس لابد أن يقارنه خبر عنه موجود بالنفس أيضا، وهذا يقتضي إثبات قول نفسي، ومن هاهنا خرج أبو المعالي إلى تلك الرموز التي شرحنا فيها أقوال الفلاسفة، وبينا نقض ما قالوه، وأنكرنا عليه مخالفة الجماعة، والرمز [إلى] التقصير بهم وإضافة الاختباط إليهم.
وقد يستغني عن هذا كله بأن يقول: إنما أنكرت وجود قول في النفس يتضمن معنى الاستيعاب بنفسه وحققته، وأما إثبات قول في النفس هو خبر عن معنى العموم فليس هو المراد المنازع فيه، وقوله: (فاقتلوا المشركين) ليس ذكر المشركين هاهنا خبرا، وإذ لم يكن خبرا لم يتقرر فيه معنى العموم كما قدمنا، وهذا ما يفتقر تحقيق القول فيه، وتصوير عموم النفوس والانفصال عن طريق التشكك فيه [إلى] إطالة وإطناب يقطع التشاغل به عن مقصود الكتاب.
وأما الوجه الثالث وهو تصور العموم في الأفعال فإن الأئمة مختلفون في قولهم، عطاء
стр. 218
عام، هل ذكر العموم هنا مجاز أم حقيقة؟
فالأكثر من أئمة المتكلمين أنه مجاز، لكونه ما يتناوله كل إنسان من العطاء مختصا به، وهو غير ما تناوله صاحبه، بخلاف قوله المشركين، فإن هذه اللفظة تتناول كل مشرك تناولا واحدا، فهي لفظة واحدة اشتملت على آحاد، ونفس تناول العطاء لا اشتمال فيه، فإيقاع لفظ العموم عليه مجاز، لكن أن نتعرض إلى لفظة العطاء فإنها تتناول الجميع تناولا واحدا، ويصح دعوى العموم فيها.
ومن الأئمة من أشار إلى انطلاق العموم في الأفعال على جهة الحقيقة، فهذه مشاحة لا كبير طائل تحتها، وانصراف العموم إلى التسمية تصور وإلى نفس الفعل لم يتصور على حسب ما بيناه.
وأما الوجه الرابع وهو تصوره في الأحكام حتى يقال: قطع يد السارق عام، فإن القاضي أنكره، وأبو المعالي أثبته، وقد كنا قدمنا فيما مضى معنى الحكم، وأنه عندنا ينصرف إلى قول الله سبحانه، وعند غيرنا إلى أوصاف ترجع إلى الذوات. ولا شك أنه إذا قيل بانصرافه إلى الذوات فإنه لا ينصرف فيه معنى العموم، ولما قدمناه في الأفعال، لأن وصف كل ذات، ووصف ذات أخرى [كل منهما مختص بصاحبه]، وإن قلنا: إن ذلك يرجع إلى قول الله سبحانه، فقول الله سبحانه يشتمل على كل سارق، فنفس القطع أفعال، والأفعال لا عموم فيها على الحقيقة، وحكمها إن صرف إلى ذوات القطع، فإن ذلك أيضا لا يتحقق فيه العموم، وإن صرف إلى قول الله سبحانه، فذلك قد بينا حكمه، ولعل القاضي إنما نفي من ذلك ما بيناه.
وأما الوجه الخامس وهو تصور العموم في المعاني فإنا قد قدمنا الإشارة إليه، حيث قلنا: إن دعوى العموم في المحذوفات فيه خلاف، ومثلناه: (الحد أشهر معلومات)، وذكرنا أنه يحتمل أن نضمر أوقات الحج، أو أفعال الحج، وأن قوما ادعوا العموم في هذا، وقوما أنكروه، لأن العموم إنما يتصور في الألفاظ، وهذه المحذوفات ليست بألفاظ، فيتخيل فيها شمول أو اختصاص.
وتخيل الآخرون العموم لأن معاني الكلام مستفادة من ألفاظه، فكأن عموم المحذوفات مستفاد من ناحية الألفاظ المسند إليها الحذف، ومن هذا أيضا قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة)، فإن نفس الميتة لا تحرم، وإنما تحرم أفعالنا فيها، وأفعالنا فيها شتى، من بيع، وأكل، واستصباح، وطلاء سفن، إلى غير ذلك مما في معناه، فهل يدعى
стр. 219
العموم في هذه المحذوفات حتى يقال: إن الأكل، والبيع، والاستصباح، وطلاء السفن حرام بعموم قوله: (حرمت عليكم الميتة)، وهذه الأحكام وإن كانت شتى، وهي محذوفة، فالعموم مستفاد فيها من ناحية اللفظ.
ومن الناس من أنكر [عموم اللفظ] في مثل هذا، وقد تكلمنا نحن على طلاء السفن بها، وما في معنى ذلك في كتابنا "المعلم"، وكذا قوله ﵇: "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها"، فإن تفس الخطأ لا يرتفع، فطر الصائم فينهار رمضان على جهة السهو، قد اشتهر فيه خلاف فقهائنا؛ هل يقضي الصوم أم لا؟. وقد يتعلق من يدعي العموم في المعاني المحذوفات بقوله: "رفع عن أمتي خطؤها" فعم الآثام، وسائر الأحكام عن قضاء صوم وغيره، وأمثلة هذا الباب تكثر.
وأما الوجه السادس فإن الأقوال التي تصلح دعوى [العموم] فيها خمس أدوات: الشرط (كو ......) (ص ١١٢).
لا تشعر بعقله، وبين هاتين الحاشيتين وسطتان، فكأنها أربعة أعداد: النص في طرف، الذي هو كالمصدر في طرف، والوسط بينهما، منه ما يميل إلى هذه الحاشية الأولى فيكون ثانيا، ومنه ما يميل إلى الآخرة فيكون ثالثا، فبأدوات الشرط نميل إلى الأولى التي هي كالنص، لكنه قد يعرض فيها خصوص بأن يكون قد تقدمت مخابطة على قوم بأعيانهم، فقال المخاطب: من فعل كذا، فله كذا، ومراده أولئك المذكورون، فنزل عن المرتبة الأولى بتقدير خصوص فيه، بضرب من النخيل.
وأما لفظ الجمع الذي لم يوضع للقلة فلا يستنكر أن يريد مطلقه الخصوص من غير فرض مثل تلك الصورة التي فرضناها في أدوات الشرط، لكنه مع هذا نص في أقل الجمع، وظاهر فيما سواه مع انتفاء القرائن، فقصر هذا الثالث عن الثاني بكونه ظاهرا، وكون ذاك نصا، ويجوز على الخصوص من غير فرض صورة بتقديم الخطاب، وفي أدوات الشرط لابد من فرض مثل تلك الصورة.
وقد تقدم انقسام الجمع إلى جمع السلامة وجمع التكسير، وذكرنا مثل جمع السلامة، وأما جمع التكسير فهو ما تغير فيه بناء الواحد، ويكون التغيير بنقصان حرف، كرغيف ورغف، وبزيادة حرف كثوب وثياب، وبتغيير حركة في صدر الكلمة كأسد وأسُد.
стр. 220
وذكر سيبويه أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة، واستعظم أبو المعالي مخالفته في مثل هذا، أو مخالفة الفقهاء القائلين بالعموم في مثل هذا عنده مطبقون على حمله على الاستغراق. وقد زل أبو المعالي فيما حكي هاهنا من إطباق المعممين على القول بالعموم في مثل هذا، وقد تقدم ذكرنا للخلاف بينهم فيه.
وذكر الإسفراييني إلى حمل الجمع المعرف على الخصوص، وحاول أبو المعالي [أن يتوسط] بين مذهب النحاة ومذاهب الأصوليين، فحمل كلام سيبويه على أنه إنما أراد به جمع السلامة الذي لم يعرف، وذكر أبو المعالي أن الاسم العلم إنما تعرف لاتحاده من حيث يعتقد أنه مفرد في قصد المسمى، حتى إذا ثني وجمع تعدد، وزال معنى الاتحاد فتنكر، وإذا تنكر لم يقتض الاستيعاب، ولا يقتضيه جمع من الجموع، لما ذكرناه، ومصداق هذا قوله تعالى: (ما لنا لا نرى رجالا)، فهذا منكر لم يقتض الاستيعاب، والمعرف يقضتيه، قال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم)، فلا جمع عنده يقتضي الاستغراق بوضعه، إنما يقتضيه الألف واللام المعرفان الداخلان على الجمع، وذكر أبو المعالي هاهنا أن الجمع من غير تقدير تعريف لأقل الجمع، فإذا عرف ففيه الخلاف، وهذا يوهم أن لا خلاف في المنكر، وقد قدمنا نحن ذكر الخلاف فيه.
وأما النكرة في سياق النفي فإنها تقتضي الاستيعاب، لأن النكرة ليست مختصة بمعين في نفسها، كقولك: رأيت رجلا، والنفي أيضا لا اختصاص له، فإذا انضم النفي الذي لا اختصاص له إلى التنكير الذي لا يختص بمعين اقتضى ذلك العموم.
وقد قيل: إن النكرة في الإثبات تخص، وأنكر أبو المعالي إطلاق هذا القول، وقال: إذا قال القائل: من يأتني بمال أكرمه، فإن المال غير خاص، والسبب في ذلك أن الشرط لا اختصاص له كما قدمناه، فالنكرة الواقعة بعده محمولة عليه، وحكم الشرط في التعميم منبسط على النكرة، ولو اختص المال لاختص الشرط، وذكر أن دلالة الاستيعاب في النكرة المنفية ليست بنص، بل هي ظاهر، فإذا قال: ما رأيت رجلا، كان الظاهر نفي الرؤية عن جنس الرجال، لكنه يتطرق إليه تأويل، ذكره سيبويه، إذ قد يريد: ما رأيت رجلا واحدا، بل رأيت رجالا، حتى إذا أدخل فيه حرف "من" فقال: ما جاءني من رجل، ارتفع ذلك التأويل، وخرج الكلام عن تطرق الاحتمال إليه.
стр. 221
وأما لفظ الواحد المعرف بالألف واللام كقولك: الرجل أفضل من المرأة، والدينار أفضل من الدرهم، فقد اختلف المعممون في حمله على الاستغراق، واختار أبو المعالي أنه إن كان التعريف ينبئ عن تنكير سبق، كقولك: أقبل رجل، ثم تقول: قرب الرجل، والمراد أعرف قرب من ذكرته، فهذا لا يقتضي استغراقا وإن لاح في الكلام قصد المتكلم للجنس فهو للاستيعاب. وإن لم يدر هل خرج تعريفا لتنكير سابق، أو إشعار الجنس، فالرأي عند أبي المعالي أنه مجمل (...) المعممين في حمله على الاستيعاب، واعتل أبو المعالي في توق تب البيت اللفظ ليس بجمع (ص ١١٣) ولا وضع للإبهام المقتضي للاستغراق كأدوات الشرط، فالخصوص والعموم إنما يتلقيان من القرائن، ولكن لا يمكن عنده أن ينتظم الكلام من قاصد من اللفظ إلا مرتبا على تنكير سبق، أو مشعرا بالجنس، وأما وقوع الكلام عريا عن إحدى قرينتي العموم والخصوص، في حال أو مقال فمحال من المنتظم الكلام.
وأما الجمع الذي إنما فارق لفظة واحده بنقصان الهاء كالتمرة والتمر، فإن المعممين مختلفون في دلالته على الاستغراق، واحتج من أنكر دلالته على الاستغراق بأنه ليس بجمع، ألا تراه يجمع في نفسه فيقال: تمور.
وأنكر أبو المعالي هذا الاحتجاج، وقال: إن الإبهام والجمع ثابتان، ويعارض ما قالوه من جمعه على تمور، من امتناع قول القائل تمر واحد، فهذا الامتناع يشعر بالجمع. والعذر عما قالوه أن قولك: تمور جمع [من] حيث اللفظ، وقد قال سيبويه بجمع الناقة على نوق، ثم النوق على نياق، وهما جميعا من أبنية الكثرة، ثم النياق على أنيق، وهو مقلوب أنوق، وأوانيق، على ما علم من علم التصريف، والأفعال جمع قلة، ولكن هذا الجمع مردود إلى ألفاظ أقوام قالوا: نياق.
ورأى أبو المعالي أن التمر أدل على استغراق الجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية، والتمور يتخيل فيه الواحد ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع خلاف قد تقدم.
وذكر أبو المعالي أن اللفظ الموضوع لأمور مختلفة كالعين والقرء واللون، فذكر عن بعض المعممين أنهم يحملونه على جميع معانيه، ولم يفرقوا بين كون محامله كلها حقيقة أو
стр. 222
بعضها مجازا، أو بعضها حقيقة، وأضاف هذا المذهب إلى الشافعي، لأنه حمل قوله تعالى: (أو لامستم النساء) على العموم، مع كون الملامسة حقيقة في حس اليد، مجازا في الجماع، وقال قائلون: إنما تحمل على الحقائق كلها، ولا تحمل على الحقائق والمجاز جميعا.
وأنكر القاضي ابن الطيب على الأولين حمله على المجاز والحقيقة، واعتل بأن ذلك يؤدي إلى التناقض والتهافت، لأن الحقيقة هي اللفظة المستعملة على أصل وضعها، والمجاز هو المنقول عن وضعه، وهذان نقيضان لا يصح دعوى العموم فيهما، كما تقدم بيانه فيما سلف.
وأجاب أبو المعالي عن هذا بأن الذي قاله القاضي: إنما هو نظر في اشتقاق لفظة الحقيقة والمجاز، وهذا غير مراد بما نحن فيه.
وأما الحمل على مسميين: الجس والجماع، فذلك ممكن كغيرهما من المسميات، واختار التوقف في هذه اللفظة، لأنها لم توضع مشعرة بالاحتواء على جميع معانيها، لكن إنما اقترنت معها قرينة تدل على [أن] المراد جميع المحامل، ولو كان بعضها مجازا حملت على التعميم، مثل أن يذكر الذاكر محامل العين، فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين، ويفسر من حاله أنه أراد بها جميع ما جرى ذكره.
وذكر أبو المعالي قول الشافعي [أن] ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال، وهذا يمثل بقوله ﵇ لمن أسلم وتحته عشرة نسوة: "أمسك أربعة وفارق سائرهن"، من غير أن يسأله؛ هل عقد عليهن معا، أو واحدة بعد واحدة. وأشار أبو المعالي إلى أن هذا لا يقتضي العموم، لجواز أن يكون النبي ﵇ عرف صفة العقد، وكيف وقع، فأجاب عنه كما يجيب المفتي على ما يعرفه من قصد المستفي، وإن كان يفتقر كلامه إلى تفصيل، ولو صح أن صاحب الشرع أطلق جوابه، وهو غير عالم بما عليه حال السائل لجرى جوابه على جميع التفاصيل، لكن إنما يتمسك بالحديث من جهة أخرى، وهي قوله: "أمسك أربعا" ولم يخصص الإمساك بالأوائل عن الأواخر، وقال لآخر قد أسلم على أختين: "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى".
стр. 223
وذكر أبو المعالي أنه نقل عن أبي حنيفة أنه عمم أمورا لا يصير إلى تعميمها شادٍ في الأصول، فقال: إذا قال الراوي: قضي ﵇ في كذا بكذا، عم القضاء في غير المحمل المنقول. كما روي أنه قضى بالكفارة على المجامع في رمضان، فعم به أبو حنيفة كل إفطار. فإن قال هذا تلقيا من اللفظ فهو غلط، وإن قال قياسا نظر في قياسه.
وقد قال الشافعي في قول الراوي: "إنه ﵇ قضى في الأموال بالشاهد واليمين"، هذه الجملة تختص بمحلها، واللفظ لا يشعر بالعموم، والأقيسة لا جريان لها في مراتب البينات، فإنها مستندة إلى التعبدات.
وهذا الذي ذكره أبو المعالي (...) (ص ١١٤) بكذا، ذهب المحققون من أئمتنا إلى أنه يحتمل أن يكون أراد: قضي بفعل وقع منه، أو قول. وإن كان بقول، فالقول لا تعرف صيغته، فلا يدعى عموم حتى يوقف على الفظ المنقول، والحكم مترتب على ما يفيده قول الراوي إفادة لا احتمال فيها، ولعلنا نحن أن نبسط الكلام فيما تمثل به أبو المعالي من هذه الأحاديث في كتاب التأويلات.
وأما الوجه السابع وهو سبب الخلاف، فإن مستمسك القوم فيه يحصره الاستدلال بشواهد عقلية، أو شواهد لغوية، أو شواهد شرعية.
فأما الشواهد العقلية فنكتة واحدة، وهي ما تقرر من مقتضى العادات، وذلك أن الإخبار بكليات الأوامر بها، مما تمس الحاجة إليه ويتكرر حدوثه ونزوله، وما تكرر وعمت به البلوى ومست الحاجة إليه، فممتنع في العادة أيضا إضراب سائر العقلاء عنه صفحا، وإعراضهم عنه، وإهماله، فنتيجة هذا إثبات وضع صيغة العموم يعبر بها عنه، وما ذاك إلا الصيغ التي قدمنا تعديدها.
وأجيب عن هذا بأن مسيس الحاجة إلى إفهام المراد لا يغير على العاقل نوعا من الأفهام، وقد يفهم مراده للاستيعاب بقرائن أحوال، وألفاظ مؤكدة على وجه من التأكيد يرفع الاحتمال على حسب ما تقدم بيانه، فإذا أمكن هذا، وصح الاستغناء به لم يتعين إثبات صيغة واحدة للعموم، وهذا بعد أن نسلم أنه لا تمكن الغفلة من العقلاء عن مثل هذا.
وقد نوقض أصحاب هذا الاستدلال بإضراب العرب عن وضع أسماء مميزة لرائحة من
стр. 224
رائحة، ولكون من كون، ولطعم من طعم، وهذا يجيبون عنه بأنا لا نغير اللفظ الذي يقع به الاكتفاء، فاستغنوا بالإسناد والإضافات في الروائح، فقالوا: رائحة مسك، ورائحة عنبر، وقالوا في الطعوم: طعم رمان وطعم تفاح. والعموم قد أنكر الواقفية صيغة تدل عليه، لا مستندة ولا غير مستندة.
وأما الإشهاد اللغوي فإن روي فيه النقل عن العرب معينا عسر، وإن ادعي ذلك مفهوما عنهم، كما فهم رفع الفاعل، ونصب المفعول، طلب مدعيه بإتيانه، فعدل جمهور المحتجين للعموم عن هذا إلى الاستثناء بألفاظ لغوية، منها: التأكيد، فقالوا: إن الواحد لا يؤكد بلفظ الجمع، فلا يقال: جاء زيد كلهم، وما ذاك إلا لأن الواحد غير مشعر بمعنى الجمع ولا صالح له، كما أن الجمع لا يؤكد بلفظ الواحد، فلا تقول: جاء القوم نفسه، وما ذاك إلا لأن لفظة القوم لا تشعر بالاتحاد، فاقتضى هذا أن يكون التأكيد عاما، والمؤكد فإذا قال: جاء القوم أجمعون أكتعون أبصعون، دل هذا على أن القوم جاء جميعهم، وأن هذا يقضتيه اللفظ قبل أن يؤكد، ولو لم يكن يقتضيه لما صح أن يؤكد بلفظ لا يدل عليه، كما لم يصح أن يؤكد الواحد بلفظ الجمع.
وقلب الواقفية هذا الاستدلال، فقالوا: لولا كون اللفظ محتملا لما احتيج إلى التأكيد، لأن الأول لو اقتضى بنفسه الاستيعاب لاستغنى عن لفظ آخر يدل على الاستيعاب، وانفصلت كل فئة من هؤلاء عما قاله مخالفوها.
فأما المعممون فيقولون: وإن دل اللفظ الأول على العموم فإنه يمكن أن يراد به الخصوص، فيكون التأكيد مزيلا لهذا الاحتمال، رافعا لهذا الإمكان، وتقول الواقفية: إنما حسن التأكيد بالجمع في لفظ الجمع لكون لفظ الجمع صالحا للاستيعاب، بخلاف لفظ الواحد الذي لا يصلح للاستيعاب، فالأولى ترك الاعتماد على هذا لما أريناك من تقابل الفئتين.
وهكذا وقع الاستدلال بالاستثناء، فتقول المعممة: لولا دخول المستثنى في المستثنى منه لما حسن استثناؤه، كما لا يحسن استثناء الحمير من الناس. وتجيب الواقفية عن هذا أيضا بأن الاستثناء إنما وقع لدفع ما يمكن إدخاله في العموم، وإزالة اللبس عن السامع [من] التردد في دخول من استثنى، وهذه فائدة محققة، وفرق بين إفادة رفع الاحتمال أو رفع ما يقع دونه الاستقلال، وإنما لم يجز استثناء الحمير من الناس لكون لفظة "الناس" غير [شاملة للحمير].
стр. 225
أيضا استدل بحسن الاستفهام، فإن الواقفية تقول: إذا قال: اضرب القوم، حسن أن يقال: فهل يدخل (... ك) حسن أن يقال: فهل نكرم فلانا إذا زارني، ولولا أن اللفظ فيه إشكال ما (....) (ص ١١٥) حسن الاستفهام، ويجيب المعممون عن هذا بأن اللفظ قد يجوز أن يراد به الخصوص، فيكون الاستفهام إنما حسن لدفع هذا المجوز، لا سيما على طريقة من قال: إن إفادة اللفظ العام للاستيعاب إفادة الظواهر، لا إفادة النصوص، وعلى هذه الطريقة يحسن فيه الاستفهام، ما لا يحسن في القول: رأيت حمارا، هل هو النهاق البهيمي، أو البليد الإنساني؟
واستدل بعض المعممين بأن [لفظ] "بعض" يفيد معنى يناقض الاستيعاب، ألا ترى أن بعض المال ليس بكل المال، ونقيض البعض الكل، فليكن الكل مفيدا للاستيعاب حتى تصح هذه المناقضة. وللواقفية أن تجيب بأن المناقضة في الصلاح لا في الإيجاب، فلما كانت "كل" صالحة للاستيعاب، ولفظة "بعض" لا تصلح للاستيعاب، صارت المناقضة بينهما من هذه الجهة. والذي أراه أن جميع ما قدمناه من طرق الاستدلال غير قاطع في تخصيص أحد المذاهب، وإن كان في بعضه إفادة ظنون، ولكن ليس هذا موضع ظن، والتعويل عندي على الاستدلال بالشرع، لأن ما تقدم قد أريناك تقابل الفئتين في بعضه، وتطرق الاحتمال إلى بعضه، ومثل هذا لا يوثق به.
وأما طرق الاستدلال بالشرع فإن الصحابة ﵈ قد نقل عنهم في محاجتهم وفتاويهم تمسك بعمومات مطلقات يكثر تعدادها، وبلغت من الكثرة إلى حيث ما صارت كالمتواترة على المعنى، والمحصول، كجود حاتم الذي لا تعرف قطعا قصة من جودة بعينها، ولكنا نعرف من آحاد القصص المنقولة من جهة الآحاد جوده قطعا.
وكذلك ما نحن فيه من تتبع ما أشرنا إليه استلوح من معانيهم، وفهم من مواصيهم تمسكهم بالظواهر، وحمل الصيغ المذكورة على العموم، فمن ذلك اختلافهم في وطء الأختين بملك اليمين، وتعلق بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين)، لأجل أن هذه لم يفرق الله سبحانه فيها بين أختين حرتين، أو مملوكتين، وتعلق الآخر بقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، ولم يفرق بين أن يملك أختين أو أجنبيتين، وما وقع من قول بعضهم: "أحلتهما آية وحرمتهما آية"، إشارة منه إلى تعارض هذين العمومين، وليس
стр. 226
إلا هذه الصيغ، فدل ذلك على تمسكهم بالعمومات.
وهكذا احتج ابن عمر على ابن الزبير في إسقاط عدد الرضعات بقوله تعالى: (وأمهاتكم التي أرضعنكم)، وهكذا احتج بعضهم على ابن عباس بعموم ما ورد من تحريم الربا، واحتج هو بعموم قوله ﵇: "لا ربا إلى في النسيئة"، وهكذا احتج عمر على الصديق ﵄ في منع قتال أهل الردة بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث، فتعلق فيه بعموم قوله: الناس، وانفصل الصديق ﵁ بقوله: "إلا بحقها"، والزكاة من حقها، فتعلق أيضا بعموم هذا الاستثناء، ولم ينكر أحدهما على الآخر تعلقه بالعموم، ولو كان التعلق به باطلا لما احتاج الصديق إلى هذا الاستنباط الخفي من هذا العموم المستثنى. على أن القصة التي جرت بينهما مشهورة، ولم ينكرها أحد، ولما سمع عمر ﵁ شعر لبيد، إذ بقول:
............................. وكل نعيم لا محالة زائل
استكذبه وناقضه بنعيم أهل الجنة الذي هو باق لا يزول، فلولا حمله الصيغة وهي "كل نعيم" على العموم لما أنكر مقاله، ولما نزل قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)، قال ابن الزبعري: أنا إذا أخاصم محمدا، قد عبدت الملائكة والمسيح، أفتراهم حصب جهنم؟، فأنزل الله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)، فلولا كونهم يعممون لما قال الزبعري: أنا أخاصم محمدا، ولما أنزل هذا التخصيص الذي أخرج به من العموم من سبقت له من الله الحسنى.
وقد خرج أهل الصحيح أن قوله تعالى: (الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ)، قالت الصحابة: أيُنا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) فلولا اعتقادهم عموم قوله: (بظلم) حتى تخوفوا أن يكون الله سبحانه اشترط في الأمر والهدى أن [لا] يخلط الإيمان بمعصية لما تخوفوا من هذه الآية، حتى نزل ما يشير إلى أن الظلم
стр. 227
المذكور هو الكفر، وهكذا لما سمع ابن أم مكتوم: (لا يستوي القاعدون) الآية، وهو ير شكا ضرارته، أنزل الله سبحانه: (غير أولى الضرر) وتتبع أمثال هذه القصص يطول.
وللواقفية في بعضها مجال، (فـ ....) التعميم قطعا على صلاح التعميم، وأن التخوف سبب صلاح اللفظ للاستدلال (...) (ص ١١٦) على الاستيعاب، وبعض ما أوردناه لا يمكن تأويله على هذا الوجه، ولكن القاضي ابن الطيب عول فيه على تجويز قرائن صحبته أشعرت باستيعابه، فلأجلها تعلق القوم به، وهذا عندي إنما يحسن التشكيك والتوقف بسببه في نقل حادثة، أو حادثتين، أو نقل أمر عن رجل، أو رجلين، وأما قصص يكثر تعدادها من رجال مختلفي الآراء والمذاهب، ويكثر تعدادهم، فتقدير مثل هذا المجوز في حق جميعهم، وفي عين كل قصة، ثم لا يؤثر ذلك عن واحد منهم مع كثرتهم، ولا اتفق ظهوره في حادثة مع تباين أزمانها، واختلاف أجناسهم ومبالغتهم أيضا في طرق الحجاج، وإظهار الحق، فإن هذا بعيد في العوائد.
ومن أعظم ما يمنع القاضي عن طريق القدح إلى مثل هذا الاستدلال قطعه على صحة القول بخبر الواحد والقياس ومسالكه فيهما استقراء ما وقع من فتاوى الصحابة ﵃، وحجاج بعضهم على بعض، ومن قرأ كلامه في كتابه على هذين المسألتين وتدبر وجه حجاجه بما نقل عن الصحابة ﵃ فيها، علم أن هذا القدح يبعد على أصله. ويتطرق به إليه لو ثبت في القدح في حجاجه على وجه لعلنا أن نذكره في مواضعه إن شاء الله. ولا تظن بي وقد ملت إلى تصحيح مثل هذا الحجاج أن أقول بالعموم على مسالك جماهير من قال به من المتقدمين، بل مسلكي فيه قريب مما سلكه أبو المعالي في كتابه هذا، وبسطه يطول، وقد نشير في كتاب التأويلات إليه إن شاء الله ، وبالله التوفيق ولا رب سواه.
فصل في أقل الجمع
الكلام في هذه المسألة من ثلاثة أوجه:
- أحدها: إظهار ثمرتها.
стр. 228
- والثاني: ذكر الخلاف فيها.
- والثالث: سبب الخلاف.
فأما ثمرة الخلاف فيها ففائدتان: أصولية، وفروعية.
فأما الأصولية فهي النظر في نهاية ما يخصص إليه العموم، حتى إذا جاء خبر واحد مخصصا لعموم ذكر في القرآن، وأخرج منه جميع مسمياته إلا ثلاثة، فإن ذلك مقبول على الأشهر من المذاهب في تخصيص العموم بأخبار الآحاد، فإذا تجاوز هذه المرتبة وأخرج جميع المسميات حتى لم يبق إلا اثنين، فهذا على القولين في أقل الجمع، فمن قال: إنه اثنان سلك مسلك من خصص حتى بلغ إلى الثلاث، لأن اللفظ حينئذ لم يخرج حتى يستعمل عليه في اللغة. ومن أنكر أن يكون أقل الجمع اثنين، وقال: لا تعبر العرب عن التثنية بلفظ الجمع لم يقبل تخصيص الآحاد، لأن قبوله يؤدي إلى إبطال معنى الكلام، ويصير كالرافع لجملته، ورفع جملته لا يكون بخبر الآحاد، لأن قبوله يؤدي إلى إبطال معنى الكلام، ويصير كالرافع لجملته، ورفع جملته لا يكون بخبر الآحاد، وهذا في تخصيص ألفاظ الجموع، لا في تخصيص أدوات الشرط، كقولك: من دخل داري، فهذه الفائدة الأصولية.
وأما الفائدة الفقهية فهي على ماذا يحمل إقرار المقرين إذا أقروا بجنس من الأجناس وعبروا عنه بلفظ الجمع غير منصوص عليه على عدد كالقائل: له عندي ثياب، أو له عندي دراهم أو دنانير؟ فاختلف الفقهاء هل يلزمه درهمان كما قال ابن الماجسون من أصحابنا، أو يلزمه ثلاثة دراهم، كما روي عن مالك ﵁. وهكذا يجري الأمر في اختلاف العلماء في حجب الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين، فإن من رأى أن أقل الجمع اثنان، وأن قوله تعالى: (فإن كان له إخوة) ينطلق على الاثنين حجبها بالأخوين إلى السدس.
وقد أشار أبو المعالي إلى استبعاد هذه الفائدة الفقهية، وقال: ما أرى الفقهاء يسمحون بهذا. وليس الأمر كما قال، بل في كتب لا تحصى كثرة من كتب الفقهاء إجراء إقرار المقر بدراهم أو ثباب، على ما ذكرناه من الخلاف في أقل الجمع.
وأما الوجه الثاني وهو ذكر المذاهب في المسألة فالناس فيها على قولين: أحدهما أن أقل الجمع ثلاثة، وهو مذهب الشافعي ﵁، ويذكر أيضًا عن أبي حنيفة، وقد تردد ابن خويز منداد فيما يضاف إلى مالك في هذا، فأضاف إليه القول بأن أقل الجمع اثنان، لأجل مصيره إلى حجب الأم عن الثلث إلى السدس، قال: ويشبه أن يكون مذهبه أن أقل الجمع ثلاثة، لأجل ما قال في المقر بدراهم: يلزمه ثلاثة دراهم.
وأضيف إلى عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ﵄ أنهما يريان أقل الجمع
стр. 229
اثنان لأجل مصيرهما إلى حجب الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين، كما أضيف إلى ابن عباس أن أقله ثلاثة (...) إلى ابن مسعود لأجل قوله: إن الإمام إذا ائتم به رجلان قاما إلى جنبيه (ص ١١٧) ولو كانوا ثلاثة قاموا وراءه، وبه قال ابن فورك من أئمة الأشعرية، وأضيف إلى الخليل وسيبويه أن أقل الجمع اثنان، وبه قال القاضي ابن الطيب.
وأما الوجه الثالث وهو سبب الخلاف فإن عمدة من يقول: أقل الجمع ثلاثة إطباق النحاة على انقسام الكلام إلى توحيد، وتثنية، وجمع، وذكرهم التثنية وأحكامها وإعرابها وعلامتها في فصل مفرد عن أحكام الجمع، كما ذكروا الجمع وأحكامه وعلامته وإعرابه في فصل آخر، فرقوا في ذلك ما بين الجمع والتثنية في أحكام الألفاظ والعلامات والإعراب، فمن قال بعد ما قالوه: إن الجمع يعبر به عن التثنية كان كمن قال: إن الواحد يعبر به عن الجمع، أو يعبر به عن التثنية.
وأما الصائرون إلى أن أقل الجمع اثنان فاستشهدوا بمعنى عقلي، وهو كون الواحد إذا أضيف إلى الواحد شوهد بينهما التئاما وتجمعا، فوجب أن يكون أقل الجمع اثنين، وهذا ليس بيشئ، لأنه نظر في المحسوسات، ونحن إنما نتكلم على العبارات الموضوعة لها، وقد توجد معنى التسمية في الشيء ثم تنطلق التسمية على ذلك الشيء، هذا الملك مشتق من الرسالة، ولا يسمى رسلنا بعضنا إلى بعض ملائكة.
واحتجوا ايضا بالشرع كقوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما)، وأجيبوا عن هذا بأن النحاة ذكروا أن تثنية ما ليس في الإنسان منه إلا شيء واحد يكون بلفظ الجمع، لأن تقدم العلم بأن الإنسانين ليس لهما إلا قلبين حسن العبارة عنهما بلفظ الجمع الدال على الثلاثة لأمن الغلط فيه، بخلاف غيره من الجموع التي لا يؤمن من غلط السامع فيعتقد أن المراد بما سمع ثلاثة، والمتكلم إنما أراد اثنين.
وإلى هذا أشار ابو المعالي بأن هذا له باب وقياس، على أن سيبويه احتج لكون أقل الجمع اثنين بقول الشاعر:
............................. ظهراهما مثل ظهور الترسين
فجمع ظهرين، وليس لكل ترس إلا ظهر واحد، وأورد هذا شاهدا مطلقا غير مختص
стр. 230
بما اتخذ في كل جسم، وقال سيبويه: سالت الخليل عن قولهم: ما أحسن وجههما قال لي: اثنان جمع.
واحتج أصحاب هذا المذهب أيضًا بقوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم وكنا لحكمهم شاهدين)، فجمع في قوله (لحكمهم)، وهكذا أيضا أجابوا عن الاحتجاج بقوله لموسى وهارون: (إنا معكم مستمعون)، أضاف فرعون إلى هذا الخطاب، وكذلك قوله تعالى: (خصمان) بعد قوله: (إذ تسوروا)، أجيب عنه أيضا بأنه تسور مع الملكين غيرهما، وكذلك أجيب عن قوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) بأن الطائفة تطلق على الواحد وعلى الآحاد، وهذا المعنى في الجواب يسلك في قوله: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)، لأن الخصم ينطلق على الواحد والآحاد.
فهذا الاستدلال كله كما تراه قد تؤول، وقد يمنع تأوله من القطع عليه، واختار أبو المعالي في المسألة طريقة هي التي نبهنا عليها لما ذكرنا فائدة الكلام على المسألة، فرأى أن المسألة مبنية على القول بالعموم، وهو يقول به على صفة ما تقدم بيانه، ولكن قد يخصص في العموم فينظر في المخصص، فما خصص إلى الثلاث قبل على الإطلاق، وإذا كان من جنس ما يخصص به، فإن تعدى التخصيص هذه المرتبة إلى أن أبقى من الخطاب اثنين، تطلب في المخصص زيادة قوة، فإن تعدت هذه المرتبة طلب في التخصيص زيادة القوة على ما قلناه في المرتبة الثانية.
وسبب هذه الموازنة بين ما تعارض من أدلة الشرع فيقدم الأوزن والأرجح، فإفادة الجموع لتعميم ثابت على حسب اختلاف طبقات العموم في قوة إفادة الاستيعاب، والخروج عن العموم إلى قصره على اثنين أبعد في حكم الخطاب، ودلالته من قصره على الثلاث، فاقتضى هذا بلا شك طلب قوة في المخرج له عن بابه. وقد يميل أبو المعالي في حمل الجمع على الواحد بشرط قرينة؛ فمن رأى امرأته تتصدى لناظر إليها، فإنه يحسن أن يقول لها: تتبرجين للرجال، ولم ير إلا رجلا واحدا، ولكن هذا لا يحمل الكلام عليه إلا في مثل هذه القرينة، وهذا الذي تمثل به فيه نظر، والمعلوم من القائلين بمثل هذا الكلام
стр. 231
أنهم ما أشاورا به إلى ذلك الواحد الذي شاهدوا إفساده للحريم، وإنما يخطر بالبال حينئذ أن هذه الإشارة من هذا لم تكن إلا وقد تقدمتها إشارات أخر، و [هم] يطلقون اسم الرجال على من شوهد، ومن استدل عليه بمن شوهد، وقيل أيضاً بأنه قد يطلق لفظ الجمع على الاثنين بقرينة (لـ ....) أن من كان لا يخاف من رجل واحد ويخاف [من رجلين، فيقول: أقبل] (ص ١١٨) الرجال، وهذا أيضا فيه معنى مما ذكرناه. وأشار أبو المعالي إلى أنه لو لم يكن في طبيعة الكلام ما يحسن به مع القرينة لما جاز إطلاقه، ولو اقترنت به القرينة، وبالجملة فالمسألة عندي محالها وثمراتها لا تبلغ القطيعات في الوضوح.
فصل في اشتمال العموم على من تميز بخصيصة أشكل من أجلها تناول العموم له
فمن ذلك العبيد، وقد اختلف الناس في دخولهم في العمومات، كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)، وكقوله: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا)، وأمثال ذلك. والظاهر من مذاهب أصحابنا وأصحاب الشافعي أنهم داخلون تحت الخطاب مع الأحرار، وذكر ابن المنتاب عن بعض أصحابنا أنهم لا يدخلون في الخطاب، وهو الذي اختاره ابن خويز منداد، وإنما عول هؤلاء في إخراجهم عن تناول الصيغة لهم مع كونها صالحة في أصل اللغة لهم على كونهم مستحقي المنافع لسادتهم، وهذا ينافي التكليف، ولكونهم يملكون فأشبهوا البهائم، ولقوله تعالى: (عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء)، ومن لا يقدر على شيء فلا يكلف.
والاستدلال بهذا كله غلط، وعليه عول ابن خويز منداد، فأما شبههم بالبهائم فواضح فساده، إذ البهيمة لا تعقل فتكلف، وهذا عاقل فكلف، أما ظاهر الآية فلا يحسن الاستدلال به هاهنا، لأن المقصود بها هاهنا [شيء] آخر، كيف ونحن نشاهد العبد
стр. 232
يقدر على الحركة والسكون اللذين هما مناطق التكليف غالبا، كما يقدر الحر.
وأما التعويل على كونه مستحق المنافع، فنحن لا نوجب عليه حق الله سبحانه في الحال التي يوجب عليها فيها من حق سيده ما يمنعه من القيام بحق الله سبحانه، لأنه لو أوجبنا ذلك كلفناه ما لا يطيق، وإنما يوجب عليه حق الله في حال ليس لسيده عليه حق يمنعه من القيام بحق الله سبحانه، وهذه الصورة هي محل الخلاف، وتعليلهم ساقط فيها لا يتصور.
ومن ذلك دخول النساء في جمع السلامة الوارد في جمع التذكير، كمسلمين، ومؤمنين. وهذا أيضا مما اختلف الناس فيه، فذهب الشافعي إلى أنهم لا يدخلون في مثل هذا الخطاب، وهو اختيار جماعة الحذاق من مشاهير المتكلمين والفقهاء، وهو الذي نصر القاضي عبد الوهاب، ونصر ابن خويز منداد من أصحابنا القول الآخر، وهو دخولهن في الخطاب، وبه قال ابن داود وغيره.
وإنما نشأ الخلاف من ورود صورة اتفق عليها النحاة، وهي تغليب المذكر على المؤنث في الجمع، فاغتر قوم بهذا فأخذوه عنهم على إطلاقه فقالوا بدخول النساء في الخطاب، وليس الأمر كما ظنوه، وإنما ذكرت النحاة تعليم المتكلم كيفية النطق إذا أراد أن يعبر عن نساء ورجال، وقد علموه أن علامة الجمع فيهم مختلفة كما تقدم، فجمع المسلمة مسلمات، فالعلامة ألف وتاء، وجمع المسلم مسلمون، فالعلامة واو ونون، فعلموه هاهنا تعليما ثانيا هو أن يغلب علامة المذكر إذا قصدوا إلى العبارة عن جماعة نساء وجماعة رجال، ولم يذكروا أن اللفظة عند إطلاقها موضوعة لتناول الجميع، فشتان ما بين تعليم القاصد إلى التعبير عن الجمع كيف ينطق، وبين الحكم على مقتضى لفظة لا يعلم قصد مطلقها.
وقد احتج الشافعي على أنهن لا يدخلن في الخطاب المذكور بشكوى أم سلمة ﵂ للنبي ﷺ ، وأن الله سبحانه لم ينزل فيهن خطابا، وإنما خاطب الرجال، فنزل عند شكواها: (إن المسلمين والمسلمات)، الآية، فلو كن داخلات لما شكت هذا، ولأنكره ﵇ عليها، ولما احتيج إلى نزول هذه الآية عند شكواها.
وأجاب الآخرون عن هذا بأن القصد بشكواها استدعاء تنويه بهن إذا ذكرهن، وتشريف لهن بذكرهن في القرآن، وقد أغلى بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: لا تدخل
стр. 233
النساء في الخطاب، ولو كان بأدوات الشرط، مثل قوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه"، لا تقتل المرأة إذا ارتدت لكونها غير داخلة في هذا الخطاب، يحتج هؤلاء بقول العرب: من في الذكر، ومنة في الأنثى، وفي الذكرين منان، وفي المرأتين منتان، وفي الذكور منون، وفي الإناث منات. فقد اختلف علامة التذكير والتأنيث في هذا، كما اختلف في جمع السلامة الذي قدمناه (...) الاستدلال أن سيبويه إنما أورده في باب الكناية (فكا ...) كالمحاكاة (ص ١٩٩) لأمر تقدم، وباب الحكاية معلوم مجراه في اللسان، ونحو هذا يعتذر عن قول الشاعر:
أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
مع كون هذا أيضا ليس باللغة الفصحى.
وفائدة هذه المسألة التي قبلها في الفقهيات النظر في جنبة من يكون الدليل، وكيف يتصور التخصيص، فإذا قلنا: لا جمعة على العبد، ولا على المرأة، فاحتج عليه بقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله).
فمن قال من أصحابنا: إن العبد لا يدخل في هذا الخطاب، ومن قال أيضا منهم: إن المرأة لا تدخل في هذا الخطاب لم يكن عليه في الآية حجة، ومن قال منهم بدخول هذين في الخطاب لزمه أن يخصص هذا العموم، فيفتقر حينئذ إلى الحديث الوارد بإسقاط الجمعة عمن ذكر فيه من عبد أو امرأة وغيرهما، وينظر حينئذ في الحديث إذا ثبت عنده؛ هل يخص به العموم أم لا؟ على ما سيأتي بيانه في تخصيص العموم الوارد في القرآن بأخبار الآحاد.
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن أعتق كل مملوك له، هل يدخل الإناث في العتق أم لا؟، وهذا أيضًا مما يصلح أن يخرج على هذا الأصل الذي نحن فيه.
وقد أشار أبو المعالي إلى أن من الألفاظ ما يتفق على دخول النساء فيها، ومثل
стр. 234
قولهم: الناس، والقوم، وتمثيله إنما يصح له على أحد القولين، على أنه ينطلق على النساء بدليل قوله: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه)، وقد أرسل إلى نسائهم ورجالهم، لا على القول: إن النساء لا يسمين قوما بدليل قوله: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء)، وقول الشاعر:
.................... ... أقوم آل حصن أم نساء
ويلحق بهذا النوع سؤال جار على أسلوبه، وهو دخول المتكلم في عموم كلامه، كقول القائل لعبده، من دخل الدار فليطعم. فقد قيل: لا يدخل المتكلم في هذا، ولا يلزم العبد إطعام سيده إن دخل، واستشهد هؤلاء بقوله تعالى: (خالق كل شيء)، ومعلوم أنه لم يدخل نفسه تعالى في هذا الخطاب، وهذا الاستشهاد ليس بشيء، لأن الخلق لا يتصور لذات الباري سبحانه، ولا يتوهم فيها، وهو مما يستحيل عليها، فلهذا لم يشتمل العموم عليه، ألا ترى قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم)، وقد اشتمل على نفسه، فهو عالم بنفسه تعالى. وقد سلم أبو المعالي خروج المتكلم عن الخطاب بحكم ما يقع في كثير من الألفاظ بمقضتى العادة، لكن اللفظ عنده يتناوله بحق العموم ووضع الصيغة في أصل اللسان.
ومما يلحق بما نحن فيه اختلاف الأصوليين في صيغة العموم الصالحة لدخول النبي ﵇ فيها كقوله: (يا أيها الذين أمنوا)، هل يدخل فيها ﷺ أم لا؟ فمذهب مشاهيرهم أنه داخل فيها، وذهبت طائفة إلى أنه غير داخل، لاختصاصه بأحكام لا تشاركه فيها، وهذا باطل، لأن الخصوص في غير محل الخطاب الذي نتكلم عليه لا يقتضي تعدي التخصيص إلى ما سواه، مما نحن فيه.
وفصل الصيرفي فقال: إن صدر الخطاب بأمر النبي ﵇ بالتبليغ كقوله: (قل يا أهل أيها الناس) فإن النبي ﵇ لا يدخل فيه، بخلاف الخطاب الذي لم يصدر بمثل هذا، بل ورد مسترسلا، فإنه ﵇ يدخل فيه.
وأنكر أبو المعالي هذا التفصيل، لأن القول في الفصلين جميعا مستند إلى الله
стр. 235
سبحانه، والرسول مبلغ خطابه إلينا في الوجهين جميعا، فلا معنى للتفرقة.
ومما ألحق بما نحن يه خطاب النبي ﵇ بصيغة تختص به [في] وضع اللسان، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى مشاركة الأمة له في ذلك، وبه تعلقوا في عقد النكاح بلفظ الهبة، لقوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي)، فهذا خطاب مختص به ﷺ ، والناس مشاركون له في حكمه.
وأنكر أبو المعالي هذا من ناحية الخطاب لكونه خاصا في نفسه، وتردد في مسالك الصحابة فيه، فأشار إلى أن ما كان عرف تخصيص النبي ﵇ فيه بخصيصة كالنكاح والغنائم، فإنهم لا يؤمرون بالمشاركة فيما ورد من هذا القبيل، وما لم يظهر فيه خصائصه ﷺ ففيه مجال للنظر، وقد كان بعضهم يحتج على بعض بآيات مختصة به ﷺ ، ولا أقطع أنهم يردون ذلك في هذا النوع.
وبالجملة والظن المستفاد من ناحية وضع اللسان فهو المعمول به، وما كان من [الظنون] المستفادة من جهة عادات ووقائع ما أرى هاهنا إلى الأحكام مدخلا (...) (ص ١٢٠) النسخ، وإن كان مجوزا، ونراعي حكم التأويل المحتمل من ناحية اللفظ.
ونحن وإن تيقنا أنهم ﵈ كانوا يستدلون بأفعاله على رفع الحرج، إذا لم يظهر اختصاص النبي ﵇، فإنا لم نعرف من عادتهم في الخطاب المختص ما عرفنا من عادتهم في أفعاله، ونحن إنما لم نوسع المقال في خروج النبي من الخطاب العام، ودخول أمته في الخطاب المختص، لأنه قل ما تمس حاجة الفقيه إليه.
ومما ألحق بهذا الباب القضايا في الأعيان، وقد اختلف أهل الأصول في خطاب النبي ﵇ رجلا من أمته بحكم ما، هل يتعدى ذلك إلى غيره ويقتضي مشاركة الأمة له فيه أم لا؟ والحق أن دعوى المشاركة من جهة الصيغة باطل، ودعوى الاشتراك من ناحية عمل الصحابة وعمل الشرائع لا شك فيه، وكذلك خطابه لأهل عصره معلوم أن من بعدهم عاملون به.
وأشار أبو المعالي إلى أن الاتفاق حاصل على تعديها من ناحية العمل، لا من ناحية وضع اللسان، ودعواه الاتفاق في هذا من جهة العلم لا يسلم له.
стр. 236
فصل في العموم إذا خرج على سبب
قد تقرر أن الشريعة منها أحكام مبتدأة، لم يثرها سبب كالصلاة، والصوم، والحج إلى غير ذلك، مما بين في أحكام العبادات والمعاملات، ومنها ما خرج على سبب، وينبغي أن يحتفظ على هذه العبارة التي هي قولنا: على سبب، لكونها أولى من قولك عند سبب، لأن قولك على سبب يوجب ارتباط الثاني بالأول، وقولك عند سبب لا يوجب ذلك، ألا تراك إذا قلت: ضربت غلامي على قيامه، أشعر ذلك بأن قيام الغلام كالعلة في ضربه، وهي السبب فيه، وإذا قلت: ضربت غلامي عند قيامه، لم يشعر بهذا المعنى، وأمكن أن يريد ذكر ما اتفق وجوده من حركات الغلام عند حركاتك أنت في ضربه.
وإذا ثبت خروج الخطاب على سبب، فلا يخلو الخطاب، إما أن يكون لا يستقل بنفسه، ولا يفهم معناه دون أن ينتقل إلى السامع سببه كقوله ﵇، وقد سئل عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، فقال: نعم، فقال: فلا إذن"، فقوله: "فلا إذن"، لو وجد بالنقل، ولم يذكر سببه، ولا المراجعة التي كانت قبله لم يفهم معناه، ولم يستبن به مراد، وهكذا إخباره تعالى عن قول أهل النار: نعم، لما سألهم أهل الجنة: هل وجدوا ما وعدهم ربهم حقا، لأن قول أهل النار، نعم، لا يفيد إلا أن يفيد عماذا أجابوا.
ومن هذا النوع قوله ﵇، وقد سئل عن ماء البحر: "هو الطهور ماؤه"، فإن هذا القول لو نقل دون السؤال الذي هذا جوابه، لم يعرف لماذا أشار بقوله: "هو الطهور ماؤه".
وهذا القسم من الأجوبة لا يختلف في قصره على سببه، لأنه لما كان لا يستقل بنفسه، صار هو السبب كالشيء الواحد لا يفترقان، وأما أن يكون اللفظ مستقلا بنفسه يفهم معناه، وإن لم ينقل سبه كقوله ﵇ لما قيل له في بئر بضاعة: إنها تطرح فيها الحيض، ولحوم الكلاب، وما ينجس الناس، فقال: "خلق الله الماء طهورا"، فلو نقل إلينا هذا اللفظ الواقع من النبي ﵇ دون سببه لفهمنا معناه وحملناه على عمومه في سائر المياه، إذا قلنا بالعموم، وهذا موضع اختلاف الناس؛ هل يقصر على سببه، ويرد اللفظ عن حكم عمومه إلى حكم خصوص السبب، حتى يكون السبب كأنه انسحب حكمه في
стр. 237
التخصيص على حكم الجواب العام، أو يكون اللفظ محكوما له بالعموم على مقتضى أصل وضعه عند المعممين، ولا يلتفت إلى سببه لكونه مستقلا، فأشبه اللفظ المبتدأ من غير سبب.
هذا مما قال فيه أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي: بأنه يحكم بعموم اللفظ ولا يقصر على السبب، وشذ بعض أصحابنا وهو أبو الفرج، فقال بقصره على سببه، ورده عن دلالته على العموم، وقال به أيضا من أصحاب الشافعي المزني، والدقاق، والقفال، وبه قال أبو ثور، وحكاه أبو حامد الإسفراييني عن مالك، وأشار ابن خويز منداد إلى اختلاف قول مالك في هذا، استقراء من اختلاف قوله في غسل الآنية التي ولغ فيها كلب، وفيها طعام، فقال مرة أن يغسل ففي الماء وحده، قصرا منه لعموم اللفظ، وهو قوله ﵇: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" الحديث، على ما ورد فيه الحديث [و] هو الماء، وقال مرة: تغسل سائر الأواني، وإن كان فيها طعام، آخذا بعموم (ص ١٢١) اللفظ غير ملتفت إلى سببه. واختار ابن خويز منداد إجراء اللفظ على حكمه في أصل الوضع من غير مراعاة سببه.
وقد وقع في الشرع مواضع اتفق على تعديها إلى غير أسبابها، كما نزل الظهار في حديث سلمة بن صخر ثم تعداه إلى غيره، وكما نزل اللعان في قصة هلال بن أمية ثم تعداه إلى غيره، وكما نزل القذف في رماة عائشة ثم تعدى ذلك إلى غيرهم، وإن كان فقد قال تعالى: (يرمون المحصنات) فجمعها مع غيرها، ولكن الرماة لها كانوا معلومين، فتعدى الحكم إلى من سواهم، فمن يقول بمرعاة حكم اللفظ كان الاتفاق هاهنا هو مقتضى الأصل، ومن قال بالقصر خرج عن الأصل في هذه الآي بدليل، وقد مثل الناس ما نحن فيه بهذه المثل.
ولو خرجت على الاختلاف في الألف واللام؛ هل تقتضي الصيغ التي دخلت عليها العموم؟ ويكون المراد الإشارة إلى الجنس، أو تكون محمولة على العهد، كما تقدم الخلاف فيه، لكان تخريجا لائقا، لأن الألف واللام في قوله ﵇ في بئر بضاعة: "خلق الله الماء طهورا"، من قال بقصره على بئر بضاعة صار الألف واللام كالمشار بهما إلى
стр. 238
معهود، وهو ما تقدم ذكره، ومن قال بالتعميم فكأنه حمل على الجنس، ولا عمدة لمن قال بقصر العموم بسببه، إلا أن السبب لو لم يكن الجواب مرتبطا به لم ينقل إلينا ذلك، إذ ما لا يفيد لا تتشاغل الأئمة بذكره.
وأجيب عن هذا بأن من قال بالتعميم اتباعا لحكم اللفظ يجوز التخصيص لبعض هذا العموم بطرق التخصيص كالقياس إن قال به، فإن كان اللفظ مبتدأ أجزنا التخصيص في آحاد متضمناته، من غير أن يخص هذا عينا دون عين، أو واحد دون واحد.
وأما تخصيص العموم الخارج على سبب فإنا نمنع تخصيص سببه، إذ لو أجزناه وقلنا: دل القياس على أن صاحب الشرع ما أراد بقوله: "خلق الله الماء طهورا" بئر بضاعة، وإنما أراد ما سواه من المياه، جعلنا كلامه ﵇ غير مشتمل على بيان ما سئل عنه، ولا يصح منه ﷺ أن يسأل عن بيان ما يحتاج إلى بيانه فيضرب عن بيانه ويبين غيره مما لم يسأل عنه، وقد أضيف إلى أبي حنيفة أنه يجوز التخصيص في هذا العموم تجويزا مطلقا، حتى يصح عندهم تخصيص سببه، ويجريه مجرى العموم المبتدأ.
وقد استنكر أبو المعالي أن يذهب إلى هذا المذهب محصل لظهور قبحه، ولكنه اعتذر عن أبي حنيفة بعذر هو أشد من الذنب، فأشار إلى أنه إنما قال هذه المقالة، لأن قوله: لا يلاعن الزوج لنفي الحمل، مع أن آية اللعان إنما نزلت في نافي الحمل، فكأنه خص سببا، وأجراها على عمومها فيما سوى سببها، وكذلك صنع في حديث عبد بن زمعة، فإنه ﵇ قال: "الولد للفراش"، وأورد هذا اللفظ وهو التخاصم في ولد أمة، ثم لم يلحق أبو حنيفة ولد الأمة بسيدها، وألحق ولد الحرة بزوجها، وإن تيقنا أنها لم تعلق منه، مثل أن تكون بالمشرق وهو بالمغرب، فكأنه أجرى قوله: "الولد للفراش" على عمومه فيما سوى سببه، وهو التنازع في ولد المملوكة، فأضاف أبو المعالي إليه أنه كان غير مهتم كما يجب بحفظ أحاديث النبي ﵇، وإنما كان مهتما بالرأي المعهود من السلف ﵃، فلأجل ضعفه في علم الأخبار قال ما قال في اللعان، وفي ولد المملوكة، حتى لو سمع الخبرين وضبطهما كما يجب، لما قال بما قال في أسبابها.
وهذا اعتذار عن مثل هذا الإمام يجب أن يعتذر عنه المعتذر به، وإضافة التقصير إليه في إجازة تخصيص السبب، وتصوره أن يكون النبي ﵇ أضرب عن الجواب عما سئل عنه إلى غيره، لأمر دعاه إلى ذلك أولى من أن يضاف إليه ترك الاطلاع على قصتين مشهورتين: حديث اللعان، وحديث عبد بن زمعة، ولا يكاد يخفيان عمن اشتغل بالعلم أدنى اشتغال، فكيف بمن ناظر فيه الرجال، وصار فيه مخطئا للرجال، واندرجت الأعصار
стр. 239
على تقليده في كثير من الأنظار. وهذا أيضا مما أستثقله من إيراده في هذا الباب، كما أستثقل منه الرمز إلى مخالفة مالك وأصحابه للسلف، واستيطائهم مركب العقوق في الحقول، وخرقهم حجاب الهيبة، إلى غير ذلك من ألفاظه التي هي مصيحة، وليست معانيها صحيحة، ولا معنى للعقوق هاهنا وذكره، وهو كالخارق في مقدم نفسه حجاب الهيبة، إذ لم يتهيب أبا حنيفة ولا مالكا ﵄، وأشار في هذا الباب إلى استثقال مخالفته للشافعي ﵁ (ص ١٢٢) أم طريقة مالك عنده أسد، وهلا جرى فيمن تقدم من أئمة الأشعري على هذا الأسلوب؟ فيما نبهنا عن مخالفته لهم، وإن اعتذر عنه معتذر بأن تلك مسائل أصول، وهذه مسائل فروع، وأن حسن العبارة عن الماضي، وتحسين المخارج لهم لا يضيق على من هو أضيق منه باعا، فكيف به مع اتساع باعه في العلوم لفظا ومعنى.
والذي أشرنا إليه من محاذرته مخالفة الشافعي هو قوله: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة) الآية، وهي تتضمن قصر المحرمات على ما ذكر فيها، وهي من آخر ما نزل، وهذا يقضتي جواز أ: ل الحشرات كما قال مالك، لكن الشافعي ﵁ أجراها مجرى العموم الخارج عن سبب، ورأى أن الجاهلية كانت تستبيح أكل الميتة وما ذكر معها، فأنزل الله الآية تغليظا لهم، وإشعارا بأنهم على مضادة الحق، فكأنه يقول على جهة العكس عليهم، لا يحرم ما حللتموه، وليس الغرض الحصر، وإنما الغرض المناقضة، وهذا قد يكون الشافعي أجراه مجرى التأويل، ومن قال بمراعاة اللفظ دون سببه لا يمنع من التأويل، فالقطع على إضافة هذا المذهب إلى الشافعي من هذا الذي قاله في هذه الآية وأشار إليه لا يوثق به، وقد حكى غير أبى المعالي من المصنفين أن الشافعي اختلف قوله في قصر العموم على سببه، أو تعديه إلى ما سواه.
وقد تكلمنا نحن في كتابنا "المعلم" على هذه الآية، وحققنا طريقة بيانها على أصول الفقه، كما أنا تكلمنا فيه أيضا على حديث عبد بن زمعة كلاما شافيا مبسوطا، يعلم من اطلع عليه وتأمل مراميه، أن الأمر ليس كما ظن أبو المعالي بأبي حنيفة في جهله بحديث ابن زمعة، بل هو متأول عنده، وقد حكينا في كتابنا هناك تأويل من تأول من أصحاب الحديث، وذكرنا أن الولد لا يلحق بسيد الأمة، إلا أن يكون استولدها قبل ذلك على رأي أبي حنيفة، كما أنه على رأي مالك لا يلحق بسيدها حتى يكون قد اعترف بوطئها، وليس في الحديث أنه اعترف بوطئها، ولا أنها ولدت منه، فهذا مالك اشترط في الإلحاق تقدم إقرار السيد
стр. 240
بالوطء وإن لم يذكر في الحديث، فمع إمكان هذا يقبح الهجوم على إمام مثل أبي حنيفة وإضافة الجهل بالأحاديث إليه، وقد استوت قدمه وقدم مالك إمام أئمة المحدثين في الافتقار إلى تأويل لهذا الحديث، وإنما يترجح تأويل مالك على تأويله بما ذكرناه في كتابنا "المعلم" وذكرنا هناك رواية من روى من أصحاب أبي حنيفة: "هو لك، عبد بن زمعة")، فحذف حرف النداء، وتكلمنا على ما قيل فيه، فمن أراد شفاء غليله في معاني هذا الحديث فليطالعه هنالك.
وأما ما ذكر عنه في اللعان فيطول الكلام [فيه]، وقد أشرنا أيضا هناك إلى ما إن تؤمل عرف منه سبب الخلاف في اللعان بمجرد نفي الحمل، فإن قيل: هل يسوغ أن يكون جواب النبي ﵇ الخارج عن سبب غير مطابق للسؤال؟ إما بزيادة أو بنقصان، قيل: أما بزيادة فنعم، وقد قال لما سئل عن التوضي بماء البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، بزيادة بيان حكم ميتته، وأما النقصان عما سئل عنه، فإن مست الحاجة إلى بيان جميعه، ولم يكن في المذكور تنبيه على المسكوت عنه، فإن ذلك لا يجوز لما تقدم في باب البيان، وإن [كان] فيه تنبيه، إذا فكر فيه السامع علم منه حكم المسكوت عنه، فإن ذلك يسوغ، وأما إن لم تمس الحاجة إلى بيان ما سئل عنه فذلك جار على الخلاف المذكور في باب البيان.
فصل في حقيقة الاستثناء
الكلام فيه من أربعة أوجه: اشتقاقه، وانقسامه، وتعداده، وأعرابه.
فأما اشتقاقه فهو من قولك: ثنيت زيدا عن رأيه، أي صددته عنه، وصرفته عن مراده. أو يكون مشتقا من العطف والعود كقولك: ثنيت الحبل، بمعنى عطفك بعضه على بعض، وثني الثوب: ما كف من أذياله وأكمامه، سميت بذلك لما فيها من انعطاف بعضها على بعض. وهذان المعنيان يتصوران في الاستثناء النطقي، لأنه إذا قال: جاء القوم، فقد تضمن هذا دخول زيد يهم على القول بالعموم، أو جاز دخوله فيهم على القول بالوقف، فإذا قلت: إلا زيدا، فقد صرفت الكلام عن مقتضاه الواجب له والصالح فيه. وكذلك أيضا فيه معنى الانعطاف، لأنك كأنك انعطفت على زيد فأخرجته من خطاب كان داخلا فيه، وثنيت حديثه، فإن قيل: يلزم على هذا أن يسمى التخصيص المتصل استثناء كقولك: جاء القوم ولم يجئ [زيد، فهذا فيه] صرف الكلام عن مقتضاه، وفيه أيضا انعطاف على ذكر زيد،
стр. 241
وما أحد يسمي مثل هذا استثناء. قيل: (ص ١٢٣) هذا تعاليل اشتقاقية لا يلزم طردها كالتعاليل العقلية، وكم للعرب من اسم مشتق لم يجروا فيه على اشتقاقه، وهذا منه.
وعلى هذا الاشتقاق والمعنى يكون حده: أنه كلام ذو صيغة مخصوصة محصورة دالة على أن المسمى فيه غير مراد بالقول الأول. وإن شئت قلت: بالقول المستثنى منه.
وقد حده بعض الأصوليين بأنه: إخراج بعض اللفظ بلفظ آخر مع اتصاله به. وتحرز بقوله: مع اتصاله به من التخصيص المتأخر عن وقت ورود الخطاب، ولكنه لم يتحرز عن التخصيص المقارن للخطاب، كقوله: قام القوم، لكن زيدا لم يقم. وقد انتبه إلى المناقضة بهذا التخصيص المتصل أصحاب الحد الأول، فقالوا: بصيغ مخصوصة، وإنما أشاروا بهذا إلى ما قلناه من التخصيص المتصل.
وهذا الحد إنما بني على القول بالعموم، وأما إن لم يقل به فينبغي أن يقال في الحد: إخراج ما يصلح دخوله في اللفظ، وقد تعقب على أصحاب هذا الحد لفظ الإخراج لما فيه من التجوز، وأن الإخراج الحقيقي لا يتصور فيه، وهذا خطب هين، لأن المجاز إذا اشتهر معناه لم يبعد التحديد به.
وأما انقسامه فإنه ينقسم إلى:
استثناء من الجنس كقولك: جاء القوم إلا زيدا، فزيد من جنس القوم.
وإلى ما لا يكون من الجنس، ولكن بينه وبين المستثنى منه علاقة ومناسبة كقولهم: ما بالدار أحد إلا الحمار، فالحمار وإن لم يكن من جملة الأحدين، فهو متعلق بهم، لأن الدواب والأدوات متعلقة بأصحابها على وجه ما.
وإلى ما لا يكون من الجنس ولا تعلق بينه وبين ما استثنى منه على حال كقولك: ما في الدار مسلمون إلا الكافرون.
وينقسم الاستثناء انقساما آخر من جهة أخرى فيكون استثناء من موجب، واستثناء من منفي، والاستثناء من المنفي ينقسم أيضا إلى ما نذكره في حكم الإعراب.
وأما تعداده فهو اثنا عشر حرفا: أمها وأصلها حرف "إلا" لكون هذا الحرف يتصرف في مواضع لا يتصرف فيها غيره من حروف الاستثناء.
وجملة هذه الحروف الاثني عشر: إلا، وغير، وبله، وسوى، وسواء، وسيما، وخلا، وعدا، وحاشا، وما خلا، وما عدا، وليس، ولا يكون.
وأما إعرابه فإن خمسة من هذه تعرب بالخفض، وهي: غير، وبله، وسوى، وسواء، وسيما، ويروى قول امرئ القيس:
стр. 242
لا سيما يوم بدارة جلجل ... ..........................
بالخفض على الوجه الذي قلنا، ويروى بغير ذلك لوجوه أخر يعرفها النحاة.
وأربعة من هذه الحروف يكون ما بعدها منصوبا، وهي: ما خلا، وما عدا، [وليس]، ولا يكون، فنصب ما بعدها لأنها أفعال.
حرفان منها وهما: خلا، وعدا، يعرب ما بعدهما بالوجهين؛ الخفض على أنهما حرفان، والنصب على أنهما فعلان.
ويبقى حرف واحد وهو حاشا، فيه قولان؛ سيبويه يعرب ما بعده بالجر خاصة، ويراه حرفا، وغيره يعرب ما بعده بالوجهين جميعا الخفض والنصب، فيجعله إذا أعرب بالخفض حرفا، وإذا أعرب بالنصب فعلا.
وهذا كله مستقصى في كتب النحاة، وكان الأليق الإضراب عنه في مثل هذا التأليف، وإحالة بسطه إلى أهله وكتبهم، لكن لماذكر أبو المعالي في هذا الباب ما لم يذكره من قبله من الأصوليين من أحكام إعراب ما بعد "إلا"، اقتضى الحال وأوجب الترتيب أن نذكر أيضا إعراب ما بعد أخوات "إلا"، لكون جميعها أدوات الاستثناء.
وأما إعراب ما بعد "إلا" فلا يخلو إما أن يكون اللفظ موجبا، خبرا كان هذا الموجب كقولك: قام القوم إلا زيدا، أو أمرا كقولك: قوموا إلا زيدا، فإن كان كذلك فالمشهور إعراب ما بعد "إلا" بالنصب.
وذكر أبو المعالي في تعليل النصب علة واحدة عول عليها بعض النحاة، ولهم ثلاث علل سواها اقتضى الحال ذكرها وتعقب العلة التي ذكر وعلتين أخريين سواهما.
فالتعليل الصحيح عند المتقدمين والمتأخرين غير ما قاله أبو المعالي، وهو أن ما بعد "إلا" إنما انتصب بالفعل، والفعل إن كان لا يتعدى: قام زيد، فإن هذا الحرف قواه وسلطه على العمل فيما بعد هذا الحرف، فلما تسلط الفعل على العمل في هذا الاسم بواسطة حرف "إلا"، وتعدى إليه عمل فيه النصب.
وقال أبو العباس: إنما انتصب بمعنى حرف "إلا"، وهي مقدرة هاهنا بتقدير الفعل، فكأنه قال: قام القوم أستثنى زيدا، وهذا التعليل الذي ذكره أبو العباس، واقتصر عليه أبو المعالي تعقب بأن الأمر لو كان كذلك لاستوى حكم الاستثناء من موجب ومنفي، لأن حرف
стр. 243
"إلا" إذا قدر بمعنى استثنى، فإن هذا الفعل الذي هو استثنى ينصب ما بعده بحكم مقتضاه، سواء كان واقعا على موجب أو منفي، وقد فرقت النحاة بأسرهم بين الموجب والمنفي كما ستراه، وإجماعهم على التفرقة في أن "إلا" قد تصير الكثير قليلا.
(ص ١٢٤) وقد اعتمد من صحح استثناء الأكثر من الأقل على قوله تعالى: (قم الليل إلا قليلا* نصفه أو انقص منه قليلا* أو زد عليه)، فهذه الآية تضمنت استثناء الأكثر من الأقل، على قوله: وهو النصف، أو أكثر منه.
وأجيب عن هذا بأن المستثنى فيها على الحقيقة قوله تعالى: (إلا قليلا)، وما بعد ذلك كالمستأنف، وتقديره: قم نصفه، أو أكثر منه، فهو أعظم لأجرك، ويقوي هذا التأويل عند هؤلاء أن حذاق المجيزين لاستثناء الأكثر من الأقل يرونه كلاما مستهجنا ومستقبحا، وحاشا القرآن أن ينسب إليه كلمة مستهجنة.
واعتمد هؤلاء أيضًا على قله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)، وقال في آية أخرى خبرا عن إبليس: (فبعزتك لأغينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين)، فاستثنى مرة المخلصين، واستثنى مرة الغاوين، فإن كان الصنفان متساويين فهو استثناء النصف من النصف، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ففيه استثناء الأكثر من الأقل، والظاهر أن الغاوين أكثر، وهذا من أقوى ما يتمسك به هؤلاء.
وعندي أنه قد يقال فيه: ليس المراد هاهنا الإشارة إلى عدد مخصوص ولا إلى مقدار محصور، فيرعى فيه الأكثر والأقل، وإنما المراد هاهنا الإشارة إلى الجنس، فكأنه قال: لأغوينهم إلا المخلصين، من وجد من المخلصين، ومن تقرر وجوده مخلصا، وكذلك المعنى في الغاوين. وبالجملة إن كان المراد التعرض إلى صفة الإخلاص أو إلى الإغواء، أو إشارة إلى أن الإخلاص مانع لي منهم، إن هذا قد يخرج عن هذا الباب الذي نحن فيه. وقد أنشد هؤلاء أيضا
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا
وأجيب عن هذا بأن هذا ليس فيه صيغة الاستثناء، وإنما ذكر فيه انتقاص شيء من شيء، على أنه لا يتحقق أنه منسوب إلى من يحتج بقوله، وهو أيضا قد ينخرط في سلك الأشعار اللغزية التي يتكلف ألفاظها لإخفاء معانيها.
стр. 244
وبعد هذا الفصل فصل آخر، ذكره أبو المعالي اشتمل على حكم الاستثناء من غير الجنس، ونحن قد تكلما عليه مضافا إلى غيره من أقسام الاستثناء في باب قبل هذا.
فصل في حقيقة التخصيص
وقد قدمنا حيث تكلمنا على العموم حقيقة الخاص والعام، وقد ذكر أبو المعالي هاهنا أن التخصيص: إفراد الشيء بالذكر، واللفظ الخاص: هو الذي ينبي على أمر يجوز إدراجه مع غيره تحت لفظ [آخر].
وقد كنا نحن بسطنا هذه المعاني فلا معنى لإعادتها هاهنا، ومن هناك يعرف ما لا يكون إلا عاما، كمعلوم ومذكور، وما لا يكون إلا خاصا كأنا، وأنت، وما يكون عاما من جهة لارتفاعه عن الخاص لاذي لا خاص تحته، وخاصا من جهة انخفاضه عن العام الذي لا عام فوقه، كقولنا: موجود، والاثنان، عامان من حيث ارتفعا عن الواحد، خاصان من حيث تقاصرا عن الثلاثة فما زاد.
والغرض من هذا الباب الفرق بين التخصيص والاستثناء، ولكن يحتاج ذكر الفرق المقصود هاهنا إلى مقدمة نقدمها، وهي أن التخصيص حقيقة بيان ما أريد باللفظ مما قد يحتمله اللفظ، وهذه الحقيقة تمنع من طريانه على النصوص، إذ النص ما لا احتمال فيه، ويوجب اختصاص التخصيص بما فيه احتمال من الظواهر.
وبين الأصوليين خلاف في الاستثناء من عدد معلوم، هل يكون الاستثناء كقرينة غيرت حكم الصيغة، أو تكون كقرينة لم تغير وضع الصيغة، وإنما كشفت عن المراد بها، فمن رأى أسماء الأعداد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها جعل الاستثناء قرينة مقالية غيرت حكم الصيغة في دلالتها، ورأى الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدالة على عدد ما، ويكون الاستثناء كجزء من أجزاء هذه الكلمة، فمجموع الاستثناء والمستثنى منه هو الدال على العدد المبقى، ويرى هذا ألا فرق بين قول القائل: تسعة، وبين قوله: عشرة إلا واحد، فإن قوله تسعة يدل على مخصوص، ولكن الكلمة تركبت من حروف أربعة، لو ذهبت منها أحد أجزائها الأصلية، وهو حرف العين مثلا، بقى ما بقى من الحروف غير دال، فكذلك قوله: عشرة إلا واحد، يجري هذا المجرى في كون الكلمتين: الاستثناء والمستثنى منه دالا على التسعة، وصار قوله: إلا واحدا كأحد حروف التسعة، ولا (ص ١٢٥) يتصور أن هذا كالبيان عن المراد بقوله عشرة، فإنه إن قال: عشرة واقتصر على
стр. 245
هذا، ولم يعقبه باستثناء، ولا غيره صار نصا في التسعة، وإلى هذه الطريقة ذهب أبو المعالي واستنكر ما سواها.
والطريقة التي ذكر أنه لا يصير غليها لبيب هي المذهب الذي أشرنا إليه، وهو أن طائفة من الأصوليين ذهبوا إلى خلاف هذا المذهب الثاني الذي حكيناه عن بعضهم، ورأوا أن الكلمة الدالة على عدد ربما نطق بها فيما دونه، كقولنا: عشرة، فإنه ربما استعمل في عشرة ناقصة، وهؤلاء يرون أن الاستثناء قرينة لفظية دلت على المراد باللفظ المستثنى منه كما دل قوله: "لا تقتلوا الرهبان" على المراد بقوله: (فاقتلوا المشركين)، ولم يقدر قوله: "ولا تقتلوا الرهبان"، أن هذا اللفظ مع قوله: (فاقتلوا المشركين) ككلمة واحدة دالة على من سوى الرهبان، وهذا يصح مع القولب أن صيغة العموم تقتضي الاستيعاب اقتضاء الظواهر. وأما على مذهب من قال: إنها نص في الاستيعاب، فإن هذا الفرق والذي صورناه لا يتحقق، إذ قال: اقتلوا المشركين، لا تقتلوا الرهبان، فإن الصيغتين على أصل من يرى العموم نصا كاللفظة الدالة على عدد من يراها نصا في الدلالة على ذلك العدد.
وقد ذكر بين التخصيص والاستثناء طريقة أخرى في الفرق، وهي منعطفة على هذه، وذلك أنه قيل: الاستثناء لا يكون إلا متصلا، والتخصيص قد يكون منفصلا، وهذا صحيح، ولكن عليه ما قدمناه من كون الاستثناء كجزء من أجزاء الكلمة، ولا يصح (تأخير بعض أجزاء الكلمة، والتخصيص ليس بجزء من أجزاء الكلمة، فلهذا أمكن تأخيره، وهذا يتضح على القول بجواز) تأخير البيان عن وقت الحاجة. وأما من منع تأخير التخصيص عن مورد الخطاب، فإن يتعذر عن هذا بأن يقال: معنى تأخير البيان ليس بمعنى يرجع إلى اللسان، كما منعت تأخير الاستثناء لمعنى يرجع إلى اللسان، لأن العرب تقبح تأخير الاستثناء، فإذا قال القائل: رأيت القوم إلا زيدا، عدوه كالتهافت للكلام، وإذا قال: رأيت القوم، ثم قال بعد شهر منها: إني ما أردت بحديثي لكم إلا من سوى فلان وفلان، لم يعدوا هذا كلاما متهافتا، ولكني إنما منعت تأخير التخصيص من ناحية العقول، لأن الله واجب عليه استصلاح العباد، ومن الفساد تأخير البيان لهم.
وقد سبق منا نحن الجواب عن هذا، واستيفاء الأدلة التي يتمسك بها الفريقان، مانعو التأخير للبيان ومجيزوه.
стр. 246
وقد أورده أبو المعالي هاهنا بعد هذا الباب في باب أفرده له، ونحن نكتفي بما قدمناه، وعول هؤلاء في جواز التأخير على أن العقل يخصص به، وقد يكون العاقف يفتقر إلى فكرة طويلة بها يتوصل إلى الدليل العقلي المخصص، وهذا تأخير قد صح وثبت، فلا يعد في تأخير البيان اللفظي أيضًا، ولا يجيء من هذا كون ما في العقول كالحاصل الحاضر، لأن ما فيها لا يتوصل [إليه] إلا بعد فكرة، فالتأخير لابد منه.
وعول أيضًا على العلم الضروري بأن النبي ﵇ كان يبين ما نزل عليه من الأحكام حالا بعد حال، بقدر الحاجة كما فعل في بيان عموم قوله: (والسارق والسارقة) من ذكر الحرز، ونصاب القطع، إلى غير ذلك من الأحكام التي تبين مراد الله سبحانه بما نزل عليه فيها. ولا معنى لإطنابنا نحن في هذا، قد بسطناه في بابه.
ومن طرق الفرق أيضًا بين الاستثناء والتخصيص أن الأستثناء لا يكون إلا بقرينة لفظية، وهي حرف إلا وأخواتها، والتخصيص يكون بقرينة حالية، ألا ترى أن من قال: سألت العلماء يعلم بقرينة الحال أنه ما أراد علماء سائر البلاد في أقطار الدنيا، وإن لم يكن أبان عن هذا المراد بنطق أضافه إلى هذه الصيغة.
ومن طرق الفرق أيضا، وقد تقدمت الإشارة إليه أن الاستثناء يدخل على النصوص، والتخصيص لا يدخل عليها، وقد [قدمنا] بيانه ومثاله.
فصل في البدار لاعتقاد العموم في الصيغة الواردة
قد تقدم الكلام في جواز تأخير البيان، وذكرنا أن من الناس من منع تأخير العموم عن مورد الخطاب، فأبو بكر الصيرفي ذهب إلى البدار لاعتقاد حمل الصيغة على الاستيعاب والاستغراق، والمعممون على خلافه في هذا.
وقد أغلظ أبو المعالي القول عليه، وأساء معه الأدب، وهو من أئمة الشافعية المشهورين، ولا يحسن أن ينسب إلى الغباوة أو العناد، مع إمكان تأويل مخرج لكلامه وإن بعد، مع كون المسألة لا تقدح (ص ١٢٦) في قاعدة من قواعد التوحيد ولا تتعلق بذلك. والذي اعتمد في الرد عليه هو أن يقال له: أنت تجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب، والتخصيص بيان للخطاب، ومعنى التخصيص تبين أن المراد باللفظة العامة بعض ما شملته، والجمع بين تجويز أن يكون المراد بها بعض ما شملته، وبين اعتقاد أن المراد بها جميع ما شملته تناقض لا يصح اعتقاده، وهذا لا حيلة في الجواب عنه، ولكن إذا قال الرجل: لم أرد هذا وإنما أردت اعتقاد وجوب العمل به، لأن الصيغة تفيد الظن
стр. 247
للاستيعاب، والظان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما ظن، وهذا لا يستحيل تعبده بالعمل بالظن، ألا ترى أن الأقيسة الشرعية وأخبار الآحاد مظنونة، ثم العمل بها واجب قطعا، كانت هذه طريقة غير مستحيلة كاستحالة ما بيناه من الجمع بين نقيضين في الاعتقاد.
ولكن إنما ننظر فيها معه من طريقة أخرى، وهي أن المسألة مصورة في عموم لم تقف الحاجة إلى العمل به، وأما إذا وقفت الحاجة إلى العمل به، فلا يمكن تأخير البيان على ما بيناه في بابه، فإن أشار باعتقاد وجوب العمل فيما افتقر فيه إلى العمل، وإنفاذ الأمر، فهو كما بيناه من أن البيان لا يتأخر, وفيما قبل ذلك لا يجب عمل متصور اعتقاد وجوبه، فإن أراد أنه يعتقد العمل بالاستيعاب على حسب مقتضى دلالة الصيغة إذا حضر العمل، ولم يرد مخصص، فهذا لا يخالف فيه، وتعود المسألة إلى خلاف في عبارة، وإن أراد أنه إذا حضر العمل وجب الامتثال والتنفيذ للخطاب، والعمل به على جهة الاستيعاب، غير ملتفت إلى ما سواه من أدلة الشرع، هل فيها مخصص من قياس يظهر بعد البحث عن الأصول، أو ظاهر، أو غير ذلك من الأدلة المخصصة، فهذا أيضًا غلط، لأن الفقيه لا يباح له أن يفتي بأول خاطر يسنح له، مع تزاحم الظنون عليه، وتزاحم تعارض الأدلة لديه، ولو عن له قياس لم يسغ له أن يفتي بموجبه، دون أن يبحث هل في الشريعة خبر يخالفه، أو قياس يضاده، أو قادح يقدح فيه، فكذلك العموم لابد من الالتفات إلى الجهات التي تمنع من إجرائه على ظاهره، فإن أمن منها ووثق بأن لا معارض له ولا مخصص، أجرى الأمر على عمومه.
فإن قال: في التوقف إبطال دلالة الكلام على الاستيعاب، وإبطال الدلالة لا يصح. قيل له: إنما تدل الصيغة على الاستيعاب مع التجرد عن القرائن المخصصة، والتجرد إنما يعرف بعد البحث، لا عند سماع الصيغة من غير بحث.
فإن قال أيضا: في التوقف مساهمة للواقفية في الصيغة، والمسألة مفروضة مع تسليم صيغ العموم، وإثبات التوقف إلى حين كإثباته إلى غير حين، وإذا أثبتناه إلى غير حين، فذلك تصريح بالقول بالتوقف. قيل له: الواقف لا يجريه على ظاهر، لأجل أنه بحث فلم يجد قبل تعيين العمل به، لأن اللفظ عنده محتمل للخصوص والعموم، وليس بظاهر في أحدهما، فعدم عثوره على دليل متين لا يوجب إجراءه على أحد المحتملين، إذ ليس أحدهما أحق بذلك من الآخر، ألا ترى أنه إذا قال: اصبغ هذا الثوب لونا، وأعدم السامع البيان فإنه لا يقضي على أن مراد القائل الحمرة، لأجل عدم البيان، دون أن يقضي بأن مراده الصفرة، لأجل عدم البيان. وأما المعممون فإنهم يرون الصيغة موضوعة للاستغراق، وهي وإن احتملت الخصوص فهو احتمال على الأقل، والظاهر الاستيعاب، فإذا تفقد مع البحث
стр. 248
ما يرد عن الظاهر إلى النادر وجب التمسك بالظاهر الغالب.
فهذا الفرق بين الواقفين في هذا البحث على ما ينبه على إجراء الصيغة على ظاهرها، وبين من يقف منتظرا بيان أحد المحتملين، فوقفه متماد إلى أن يجد أن تمس الحاجة إلى البيان، فيعمل فيه بما قلناه في باب تأخير البيان.
فصل في التخصيص بالدليل العقلي
هذا لا كبير طائل تحته، وإن كان قد تكلم الناس عليه واختلفوا فيه، وذلك أن الله سبحانه لما قال: (الله خالق كل شيء)، وقد علم أنه سبحانه شيء، وأنه غير مخلوق، ولا خالق نفسه، فقد صار شيء من الأشياء غير مراد [منه] باللفظ الذي وضع للاستيعاب عند المعممين وهو قوله (كل شيء)، وهذا إنما علم بدليل العقل، فقد صار الدليل العقلي خصص العموم. وهكذا إذا قال الإنسان: سألت العلماء كلهم، فمعلوم من جهة العادة أنه لم يسأل كل من في الدنيا من العلماء، وكذلك إذا قال: رأيت الناس، فمعلوم أنه (ص ١٢٧) لم ير كل إنسان في الدنيا، فهذا تخصيص بالدليل العقلي ولا يمكن النزاع فيه.
فلعل من قال: لا يخصص بالدليل العقلي، إنما نازع في تسمية هذا تخصيصا، لأجل أن التخصيص إخراج ما يتوهم دخوله في الخطاب، وإن كان المتكلم قد يريده، وهذا مما لا يمكن أن يراد، وأيضًا فإن العقل متقدم على الخطاب تقدما لا يحسن أن يقال فيه: إنه مخصص، وهذا إن كان المراد يمنع هذه التسمية، فذلك سهل لا طائل تحته.
وبالجملة فإنه قد استبين من جهة العقل المراد بهذا الخطاب، وأن المتكلم لم يرد كل ما تنطلق الصيغة عليه، فلا نكير في تسمية هذا خصوصا، واستدراك العلم بمراد المتكلم إنما حصل بعد سماع الخطاب، فلا أثر لتقدم العقل الذي وصل إلى ذلك.
فصل في العموم إذا خص
اعلم أن الكلام فيه من وجهين:
- أحدهما: النظر في تناوله ما بقي من مضمونه، هل هي فيه حقيقة أو مجاز.
- والثاني: النظر في العمل به وتلقي الأحكام منه.
стр. 249
فأما الوجه الأول فإن العموم إذا خرج منه بعض مسمياته بالتخصيص، فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يخرج مسمياته حتى لا يبقى منه إلا واحد، أو يخرج منه مسمياته بالتخصيص حتى يبقى منه أقل الجمع ـ على القولين في أقل الجمع، وهو اثنان أو ثلاثة ـ
فأما إن خرجت مسمياته بالتخصيص حتى لا يبقى منه إلا واحد، فالمعروف من مذهب سائر المتكلمين في هذا الفن أن اللفظ يتناول ذلك الواحد الباقي على جهة المجاز، إذا كان اللفظ العام صيغة من صيغ الجموع، لأجل أن الجمع في أصل وضع اللغة لا يعبر به عن الواحد، فإذا صار هاهنا عبارة عن واحد صار مجازا.
وقد حكى القاضي ابن الطيب الاتفاق على هذا، ولكن أبا حامد الإسفراييني خالف فيه، وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة، احتجاجا منه بقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وبقوله تعالى: (فقدرنا فنعم القادرون)، فأخبر عن نفسه تعالى بلفظ الجمع، وهذا منصوص لأهل اللسان في هذا المعنى المشعر بالتعظيم خاصة، فلا يجري هذا في حقائق الجموع.
وأما إن خص العموم حتى بقي منه أقل الجمع، فهل يبقى في تناوله لأقل الجمع فما زاد عليه على الحقيقة أم لا؟ هذا مما اختلف الناس فيه:
فقال قوم: إنه يبقى في تناوله لما سوى المخصص على الحقيقة.
وذهب إليه جماعة من طوائف الفقهاء، وقال قوم: بل يبقى في تناوله إياه مجاز، ذهب إليه القاضي ابن الطيب في أحد قوليه، وبه قال مشاهير المعتزلة.
وذهب قوم إلى أنه يبقى على الحقيقة إن كان التخصيص بدليل متصل كالاستثناء والشرط، وإن كان خص بدليل منفصل بقي مجازا، وإلى هذا رجع القاضي ابن الطيب، وقال به الكرخي وغيره.
واختار أبو المعالي أنه مشترك بين الحقيقة والمجاز، فمن حيث رفع اللفظ عن بعض مسمياته يتصور المجاز، ومن حيث أبقاه على بعض مسمياته يتصور الحقيقة.
وبسبب هذا الاختلاف أنك قد علمت أن معنى الحقيقة استعمال اللفظة فيما وضعت [في] الأصل له، ألا ترى قولهم: حمارا لهذا الحيوان النهاق، فإنه لفظة حقيقة مستعملة في أصل ما وضعت له، وإذا قالوا للرجل البليد حمار، فإنه مجاز منقول عن أصل ما وضع له في اللغة وهو الحيوان النهاق. والمجاز هو المنقول عن أصل وضعه، وقد حصل هاهنا نقل
стр. 250
الاسم بالكلية، فاتضح كونه مجازا، كما اتضح كونه حقيقة في الحمار النهاق لإبقائه على أصل وضعه بالكلية.
فإذا قال تعالى: (فاقتلوا المشركين)، ثم قال ﷺ بعد هذا بحين: "لا تقتلوا الرهبان"، فإن هذا كالإخبار منه على أن مراد الله سبحانه بهذا بعض المشركين لا كلهم، وقد علم أن قولنا "المشركين" موضوع في أصل اللغة للدلالة على استيعاب كل مشرك، فإذا علم ان المراد باللفظة بعضهم، فقد تكلم بها على غير ما وضعت له في الأصل في اللغة، فكانت مجازا على ما قررناه في حقيقة المجاز والحقيقة، بالالتفات إلى هذه الجهة والنظر إلى هذا الجانب، وهو جانب رفع الاسم عن بعض مسمياته. تصور هؤلاء أن الصيغة تبقى فيما تناولته على جهة المجاز.
ومن نظر إلى الجانب الآخر وهو إبقاؤها على بعض مسمياتها، وقد علم أن تناولها لهذه المسميات التي أبقيت عليها حقيقة لو لم يرد تخصيص أصلا، وكذلك إذا ورد، لأن تناول (ص ١٢٨) اللفظ إياها لم يتغير، وإنما وقع التغير في القدر الذي خصص.
وهذا عندي يقوي طريقة من يقول: إن العموم على الاستيعاب دلالة الظواهر، فكأنه موضوع للخصوص والعموم، ولكنه في العموم أظهر، فيتضح على المذهب طريقة هؤلاء، كما قد تتضح طريقة الأولين، على من قال: إنه يدل على الاستيعاب دلالة النصوص، لأن هؤلاء يرونه غير محتمل للخصوص بحكم صيغته.
ولأجل الالتفات لهذين الجانبين الذي ينشأ من النظر فيه اختلاف هذين المذهبين، صار أبو المعالي إلى دعوى الاشتراك وإثبات الحقيقة من جانب والمجاز من جانب، فرأى أن القدر المزال وقع به التجوز، والقدر المبقى لم يتغير عن حقيقته في نفسه.
وقد رد عليه ما ذهب إليه، فإن اللفظة واحدة [ليس] لها جهتان في الحقيقة والمجازية، لأنا قلنا: إن معنى الحقيقة استعمالها فيما وضعت في الأصل له، ومعنى المجازية استعمالها فيما لم توضع في الأصل له. فلابد أن يحكم لهذه اللفظة في استعمالها في بعض مسمياتها، فإنها مستعملة استعمالا على أصل الوضع، أو استعمالا على غير أصل الوضع، وليس بين هذا النفي والإثبات مرتبة أخرى يذهب إليه على الحقيقة، والمجاز إنما يتصور في الكلام والنطق، وأما العدم وما لم ينطق به فلا يتصور فيه حقيقة ولا مجاز، وما لم ير من المسميات فحكه حكم العدم، ومحصوله أنه لم ينطق به ولا أراده المتكلم، والنفي والعدم لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز، وهذا واضح.
следующие страницы →