← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد أورده أبو المعالي هاهنا بعد هذا الباب في باب أفرده له، ونحن نكتفي بما قدمناه، وعول هؤلاء في جواز التأخير على أن العقل يخصص به، وقد يكون العاقف يفتقر إلى فكرة طويلة بها يتوصل إلى الدليل العقلي المخصص، وهذا تأخير قد صح وثبت، فلا يعد في تأخير البيان اللفظي أيضًا، ولا يجيء من هذا كون ما في العقول كالحاصل الحاضر، لأن ما فيها لا يتوصل [إليه] إلا بعد فكرة، فالتأخير لابد منه. وعول أيضًا على العلم الضروري بأن النبي ﵇ كان يبين ما نزل عليه من الأحكام حالا بعد حال، بقدر الحاجة كما فعل في بيان عموم قوله: (والسارق والسارقة) من ذكر الحرز، ونصاب القطع، إلى غير ذلك من الأحكام التي تبين مراد الله سبحانه بما نزل عليه فيها. ولا معنى لإطنابنا نحن في هذا، قد بسطناه في بابه. ومن طرق الفرق أيضًا بين الاستثناء والتخصيص أن الأستثناء لا يكون إلا بقرينة لفظية، وهي حرف إلا وأخواتها، والتخصيص يكون بقرينة حالية، ألا ترى أن من قال: سألت العلماء يعلم بقرينة الحال أنه ما أراد علماء سائر البلاد في أقطار الدنيا، وإن لم يكن أبان عن هذا المراد بنطق أضافه إلى هذه الصيغة. ومن طرق الفرق أيضا، وقد تقدمت الإشارة إليه أن الاستثناء يدخل على النصوص، والتخصيص لا يدخل عليها، وقد [قدمنا] بيانه ومثاله. فصل في البدار لاعتقاد العموم في الصيغة الواردة قد تقدم الكلام في جواز تأخير البيان، وذكرنا أن من الناس من منع تأخير العموم عن مورد الخطاب، فأبو بكر الصيرفي ذهب إلى البدار لاعتقاد حمل الصيغة على الاستيعاب والاستغراق، والمعممون على خلافه في هذا. وقد أغلظ أبو المعالي القول عليه، وأساء معه الأدب، وهو من أئمة الشافعية المشهورين، ولا يحسن أن ينسب إلى الغباوة أو العناد، مع إمكان تأويل مخرج لكلامه وإن بعد، مع كون المسألة لا تقدح (ص ١٢٦) في قاعدة من قواعد التوحيد ولا تتعلق بذلك. والذي اعتمد في الرد عليه هو أن يقال له: أنت تجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب، والتخصيص بيان للخطاب، ومعنى التخصيص تبين أن المراد باللفظة العامة بعض ما شملته، والجمع بين تجويز أن يكون المراد بها بعض ما شملته، وبين اعتقاد أن المراد بها جميع ما شملته تناقض لا يصح اعتقاده، وهذا لا حيلة في الجواب عنه، ولكن إذا قال الرجل: لم أرد هذا وإنما أردت اعتقاد وجوب العمل به، لأن الصيغة تفيد الظن

стр. 247

للاستيعاب، والظان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما ظن، وهذا لا يستحيل تعبده بالعمل بالظن، ألا ترى أن الأقيسة الشرعية وأخبار الآحاد مظنونة، ثم العمل بها واجب قطعا، كانت هذه طريقة غير مستحيلة كاستحالة ما بيناه من الجمع بين نقيضين في الاعتقاد. ولكن إنما ننظر فيها معه من طريقة أخرى، وهي أن المسألة مصورة في عموم لم تقف الحاجة إلى العمل به، وأما إذا وقفت الحاجة إلى العمل به، فلا يمكن تأخير البيان على ما بيناه في بابه، فإن أشار باعتقاد وجوب العمل فيما افتقر فيه إلى العمل، وإنفاذ الأمر، فهو كما بيناه من أن البيان لا يتأخر, وفيما قبل ذلك لا يجب عمل متصور اعتقاد وجوبه، فإن أراد أنه يعتقد العمل بالاستيعاب على حسب مقتضى دلالة الصيغة إذا حضر العمل، ولم يرد مخصص، فهذا لا يخالف فيه، وتعود المسألة إلى خلاف في عبارة، وإن أراد أنه إذا حضر العمل وجب الامتثال والتنفيذ للخطاب، والعمل به على جهة الاستيعاب، غير ملتفت إلى ما سواه من أدلة الشرع، هل فيها مخصص من قياس يظهر بعد البحث عن الأصول، أو ظاهر، أو غير ذلك من الأدلة المخصصة، فهذا أيضًا غلط، لأن الفقيه لا يباح له أن يفتي بأول خاطر يسنح له، مع تزاحم الظنون عليه، وتزاحم تعارض الأدلة لديه، ولو عن له قياس لم يسغ له أن يفتي بموجبه، دون أن يبحث هل في الشريعة خبر يخالفه، أو قياس يضاده، أو قادح يقدح فيه، فكذلك العموم لابد من الالتفات إلى الجهات التي تمنع من إجرائه على ظاهره، فإن أمن منها ووثق بأن لا معارض له ولا مخصص، أجرى الأمر على عمومه. فإن قال: في التوقف إبطال دلالة الكلام على الاستيعاب، وإبطال الدلالة لا يصح. قيل له: إنما تدل الصيغة على الاستيعاب مع التجرد عن القرائن المخصصة، والتجرد إنما يعرف بعد البحث، لا عند سماع الصيغة من غير بحث. فإن قال أيضا: في التوقف مساهمة للواقفية في الصيغة، والمسألة مفروضة مع تسليم صيغ العموم، وإثبات التوقف إلى حين كإثباته إلى غير حين، وإذا أثبتناه إلى غير حين، فذلك تصريح بالقول بالتوقف. قيل له: الواقف لا يجريه على ظاهر، لأجل أنه بحث فلم يجد قبل تعيين العمل به، لأن اللفظ عنده محتمل للخصوص والعموم، وليس بظاهر في أحدهما، فعدم عثوره على دليل متين لا يوجب إجراءه على أحد المحتملين، إذ ليس أحدهما أحق بذلك من الآخر، ألا ترى أنه إذا قال: اصبغ هذا الثوب لونا، وأعدم السامع البيان فإنه لا يقضي على أن مراد القائل الحمرة، لأجل عدم البيان، دون أن يقضي بأن مراده الصفرة، لأجل عدم البيان. وأما المعممون فإنهم يرون الصيغة موضوعة للاستغراق، وهي وإن احتملت الخصوص فهو احتمال على الأقل، والظاهر الاستيعاب، فإذا تفقد مع البحث

стр. 248

ما يرد عن الظاهر إلى النادر وجب التمسك بالظاهر الغالب. فهذا الفرق بين الواقفين في هذا البحث على ما ينبه على إجراء الصيغة على ظاهرها، وبين من يقف منتظرا بيان أحد المحتملين، فوقفه متماد إلى أن يجد أن تمس الحاجة إلى البيان، فيعمل فيه بما قلناه في باب تأخير البيان. فصل في التخصيص بالدليل العقلي هذا لا كبير طائل تحته، وإن كان قد تكلم الناس عليه واختلفوا فيه، وذلك أن الله سبحانه لما قال: (الله خالق كل شيء)، وقد علم أنه سبحانه شيء، وأنه غير مخلوق، ولا خالق نفسه، فقد صار شيء من الأشياء غير مراد [منه] باللفظ الذي وضع للاستيعاب عند المعممين وهو قوله (كل شيء)، وهذا إنما علم بدليل العقل، فقد صار الدليل العقلي خصص العموم. وهكذا إذا قال الإنسان: سألت العلماء كلهم، فمعلوم من جهة العادة أنه لم يسأل كل من في الدنيا من العلماء، وكذلك إذا قال: رأيت الناس، فمعلوم أنه (ص ١٢٧) لم ير كل إنسان في الدنيا، فهذا تخصيص بالدليل العقلي ولا يمكن النزاع فيه. فلعل من قال: لا يخصص بالدليل العقلي، إنما نازع في تسمية هذا تخصيصا، لأجل أن التخصيص إخراج ما يتوهم دخوله في الخطاب، وإن كان المتكلم قد يريده، وهذا مما لا يمكن أن يراد، وأيضًا فإن العقل متقدم على الخطاب تقدما لا يحسن أن يقال فيه: إنه مخصص، وهذا إن كان المراد يمنع هذه التسمية، فذلك سهل لا طائل تحته. وبالجملة فإنه قد استبين من جهة العقل المراد بهذا الخطاب، وأن المتكلم لم يرد كل ما تنطلق الصيغة عليه، فلا نكير في تسمية هذا خصوصا، واستدراك العلم بمراد المتكلم إنما حصل بعد سماع الخطاب، فلا أثر لتقدم العقل الذي وصل إلى ذلك. فصل في العموم إذا خص اعلم أن الكلام فيه من وجهين: - أحدهما: النظر في تناوله ما بقي من مضمونه، هل هي فيه حقيقة أو مجاز. - والثاني: النظر في العمل به وتلقي الأحكام منه.

стр. 249

فأما الوجه الأول فإن العموم إذا خرج منه بعض مسمياته بالتخصيص، فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يخرج مسمياته حتى لا يبقى منه إلا واحد، أو يخرج منه مسمياته بالتخصيص حتى يبقى منه أقل الجمع ـ على القولين في أقل الجمع، وهو اثنان أو ثلاثة ـ فأما إن خرجت مسمياته بالتخصيص حتى لا يبقى منه إلا واحد، فالمعروف من مذهب سائر المتكلمين في هذا الفن أن اللفظ يتناول ذلك الواحد الباقي على جهة المجاز، إذا كان اللفظ العام صيغة من صيغ الجموع، لأجل أن الجمع في أصل وضع اللغة لا يعبر به عن الواحد، فإذا صار هاهنا عبارة عن واحد صار مجازا. وقد حكى القاضي ابن الطيب الاتفاق على هذا، ولكن أبا حامد الإسفراييني خالف فيه، وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة، احتجاجا منه بقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وبقوله تعالى: (فقدرنا فنعم القادرون)، فأخبر عن نفسه تعالى بلفظ الجمع، وهذا منصوص لأهل اللسان في هذا المعنى المشعر بالتعظيم خاصة، فلا يجري هذا في حقائق الجموع. وأما إن خص العموم حتى بقي منه أقل الجمع، فهل يبقى في تناوله لأقل الجمع فما زاد عليه على الحقيقة أم لا؟ هذا مما اختلف الناس فيه: فقال قوم: إنه يبقى في تناوله لما سوى المخصص على الحقيقة. وذهب إليه جماعة من طوائف الفقهاء، وقال قوم: بل يبقى في تناوله إياه مجاز، ذهب إليه القاضي ابن الطيب في أحد قوليه، وبه قال مشاهير المعتزلة. وذهب قوم إلى أنه يبقى على الحقيقة إن كان التخصيص بدليل متصل كالاستثناء والشرط، وإن كان خص بدليل منفصل بقي مجازا، وإلى هذا رجع القاضي ابن الطيب، وقال به الكرخي وغيره. واختار أبو المعالي أنه مشترك بين الحقيقة والمجاز، فمن حيث رفع اللفظ عن بعض مسمياته يتصور المجاز، ومن حيث أبقاه على بعض مسمياته يتصور الحقيقة. وبسبب هذا الاختلاف أنك قد علمت أن معنى الحقيقة استعمال اللفظة فيما وضعت [في] الأصل له، ألا ترى قولهم: حمارا لهذا الحيوان النهاق، فإنه لفظة حقيقة مستعملة في أصل ما وضعت له، وإذا قالوا للرجل البليد حمار، فإنه مجاز منقول عن أصل ما وضع له في اللغة وهو الحيوان النهاق. والمجاز هو المنقول عن أصل وضعه، وقد حصل هاهنا نقل

стр. 250

الاسم بالكلية، فاتضح كونه مجازا، كما اتضح كونه حقيقة في الحمار النهاق لإبقائه على أصل وضعه بالكلية. فإذا قال تعالى: (فاقتلوا المشركين)، ثم قال ﷺ بعد هذا بحين: "لا تقتلوا الرهبان"، فإن هذا كالإخبار منه على أن مراد الله سبحانه بهذا بعض المشركين لا كلهم، وقد علم أن قولنا "المشركين" موضوع في أصل اللغة للدلالة على استيعاب كل مشرك، فإذا علم ان المراد باللفظة بعضهم، فقد تكلم بها على غير ما وضعت له في الأصل في اللغة، فكانت مجازا على ما قررناه في حقيقة المجاز والحقيقة، بالالتفات إلى هذه الجهة والنظر إلى هذا الجانب، وهو جانب رفع الاسم عن بعض مسمياته. تصور هؤلاء أن الصيغة تبقى فيما تناولته على جهة المجاز. ومن نظر إلى الجانب الآخر وهو إبقاؤها على بعض مسمياتها، وقد علم أن تناولها لهذه المسميات التي أبقيت عليها حقيقة لو لم يرد تخصيص أصلا، وكذلك إذا ورد، لأن تناول (ص ١٢٨) اللفظ إياها لم يتغير، وإنما وقع التغير في القدر الذي خصص. وهذا عندي يقوي طريقة من يقول: إن العموم على الاستيعاب دلالة الظواهر، فكأنه موضوع للخصوص والعموم، ولكنه في العموم أظهر، فيتضح على المذهب طريقة هؤلاء، كما قد تتضح طريقة الأولين، على من قال: إنه يدل على الاستيعاب دلالة النصوص، لأن هؤلاء يرونه غير محتمل للخصوص بحكم صيغته. ولأجل الالتفات لهذين الجانبين الذي ينشأ من النظر فيه اختلاف هذين المذهبين، صار أبو المعالي إلى دعوى الاشتراك وإثبات الحقيقة من جانب والمجاز من جانب، فرأى أن القدر المزال وقع به التجوز، والقدر المبقى لم يتغير عن حقيقته في نفسه. وقد رد عليه ما ذهب إليه، فإن اللفظة واحدة [ليس] لها جهتان في الحقيقة والمجازية، لأنا قلنا: إن معنى الحقيقة استعمالها فيما وضعت في الأصل له، ومعنى المجازية استعمالها فيما لم توضع في الأصل له. فلابد أن يحكم لهذه اللفظة في استعمالها في بعض مسمياتها، فإنها مستعملة استعمالا على أصل الوضع، أو استعمالا على غير أصل الوضع، وليس بين هذا النفي والإثبات مرتبة أخرى يذهب إليه على الحقيقة، والمجاز إنما يتصور في الكلام والنطق، وأما العدم وما لم ينطق به فلا يتصور فيه حقيقة ولا مجاز، وما لم ير من المسميات فحكه حكم العدم، ومحصوله أنه لم ينطق به ولا أراده المتكلم، والنفي والعدم لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز، وهذا واضح.

стр. 251

وأما المفرقون بين التخصيص المتصل والتخصيص المنفصل، فإنهم يلتفتون إلى ما كنا أشرنا إليه في باب الاستثناء، حيث قلنا: إن الاستثناء كجزء من الكلام، والاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة، وكأن الاستثناء بعض أجزاء هذه الكلمة، فقولهم: عشرة إلا واحد، هو قوله: تسعة، وكأن مجموع اللفظتين: الاستثناء والمستثنى منه وضع في أصل الوضع لإفادة هذه الجملة التي هي التسعة، كما وضعت التسعة لإفادتها، والاستثناء كالسين من التسعة أو العين منها، وهذا يقتضي أن التخصيص بالاستثناء لم يغير حكم الصيغة، وإذا لم يغيرها فهي حقيقة. والشرط المتصل بالكلام يتصور فيه ما صورناه في الاستثناء، فهذا سبب اختلاف هذه المذاهب. وأما الوجه الثاني وهو العمل ببقية ما اشتمله العموم والاستدلال بالعموم المخصص فيا بقي لم يرد فيه تخصيص، فإن كان من زعم أن التخصيص لا يخرج الصيغة عن حقيقتها إما مذهبا مطلقا، أو على ذلك التقييد الذي قيدناه، فإنهم يرون التمسك بالعموم واجبا، والاستدلال به في بقية المسميات صحيح. وأما الصائرون إلى حمله على المجاز في بقية المسميات فهم مختلفون في الاستدلال به، فالمعتزلة تمنع منه، ويرونه بالتخصيص صار مجازا ولحق بالمجملات، لأجل هذا التغيير الذي دخله، لأن اللفظة لم تستعمل على أصل وضعها، ولم يرد بها ما وضعت له، وقد دل الدليل على انها لم يقصد المتكلم بها ما وضعت له، وغيره مما لو تضع لم يقم عليه دليل يوجب إلحاقها بالمجملات التي لا يعلم المراد بها ولا يستدل بها، وإن كان مجازا. ومن تتبع استدلال الصحابة ﵃ على بعضهم بعضا في الفقهيات ألفاهم يستدلون بعمومات قد خصت، ووجد من ذلك ما لا يحصى كثرة، كاستدلال فاطمة ﵂ بقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)، وقد علم أن هذا العموم خص بأن قاتل العمد، والعبد لا يرثان، ولم ينكر عليها الاستدلال بالآية، وإنما أجيبت بتخصيص آخر، وهو أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون، إلى غير ذلك مما اشتهر ولا يخفى عن باحث عنه. وكذلك من بعدهم من العلماء. وعموم لم يخصص عزيز وجوده في الشرع، والذهاب على أنه لا يستدل بالعموم إذا خص تعطيل لجل أدلة الشريعة، وهذا واضح. وفي هذا كفاية في ذكر الخلاف في هذا الباب وموقع الخلاف، وسبب الخلاف، ووجوب العمل، فكل وحد من هذه الأركان قد ذكرنا فيه لباب ما يقال فيه، والله ولي التوفيق.

стр. 252

فصل في تقسيم إفادة الألفاظ قد علم أن من الألفاظ ما لا يفيد، وذلك لفساد نظم حروف الكلمة، كقولك: ديز، في مقلوب زيد، ولفساد نظم الكلم وإن كانت مفردات الكلم (ص ١٢٩) عربية، كقولك: التي جاء من. ومنها ما يفيد كما تقدم بيانه في بابه. ثم الكلام الذي تنطلق به العرب في معرض الإفادة لكل نوع من أنواع إفادته عبارة، قصد أهل الأصول أن يميزوا بها بين الأنواع، فمن ذلك: النص، والظاهر، والمجمل، والمفصل، والخصوص، والعموم، ومفهوم الخطاب، ودليل الخطاب، والمحكم، والمتشابه، والمطلق، والمقيد، لكل هذه الأنواع باب يذكر فيه. فأما النص فمعناه في اللغة الظهور، يقال: نص في السير إذا ظهر فيه، ومنه ما جاء في الحديث أنه ﵇ "كان يسير العنق، فإذا وجد فرجة نص"، ومعنى نص: ظهر في السير، ومنه سمي كرسي العروس منصة، لأنها تجلى عليه لتظهر على أعين النساء أو الزوج، وقال امرؤ القيس: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل وقال غيلان: إذا أودعته صفصفا أو صريمة ... تخت ونصت جيدها للمناظر يصف الظبية إذا تركت ولدها بمكان، وتشوفت ومدت عنقها تنظر هل من صائد تخافه عليه إذا أسلمته. وهو عند الأصوليين: اللفظ الكاشف لمعناه الذي يفهم المراد به من غير احتمال، بل من نفس اللفظ. وهكذا حده بعضهم، فإن اللفظ الكاشف للمعنى بنفسه، وبعضهم يذكر هذا المعنى بطريقة أخرى في العبارة فيقول: ما يفهم المراد منه على وجه لا احتمال فيه. وهو عزيز وجوده في الألفاظ، لا تكاد تجد لفظة عارية من الاحتمال، وأخذ الأصوليون في عد ما وقع منه في الشرع فلم يجدوا إلا نزرا يسيرا، كقوله تعالى: (الله أحد)، وكقوله [تعالى]: (محمد رسول الله)، وقوله ﵇ لأبي بردة في الأضحية:

стр. 253

"تجزيك ولا تجزي عن أحد بعدك"، وقوله: "واغد يا أنيس على امرأة الآخرة، فإن اعترفت فارجمها". وقد أنكر أبو المعالي على هؤلاء ما قالوه، وزعم أن الغرض تحصيل المعنى على وجه لا احتمال فيه، فالاحتمال قد ينتفي بالقرائن الحالية والمقالية، وهذا يكثر وجوده. وما أنصف فيما تعقب عليهم، لأن قصدهم عزة وجوده من ناحية لفظه، وهو قد سلم عزته من ناحية الألفاظ، نعم حتى نازعهم فيما تمثلوا به من النصوص، وزعم أن آية التوحيد إنما انتفت عنها وجوه الاحتمال بالأدلة العقلية لا من جهة صيغة لفظنا. وذكر أبو المعالي حدين متقاربين فقال: قد قيل: هو لفظ مفيد لا يتطرق إليه التأويل، وقيل: هو لفظ استوى ظاهره وباطنه. وعندي أن هؤلاء إنما قيدوا بالإفادة، لأن ما لا يفيد من كلام المجانين لا يتطرق إليه التأويل، ويستوي ظاهره وباطنه، وعبارة هؤلاء باستواء ظاهره وباطنه إشارة منهم إلى قول الآخرين: لا يتطرق إليه تأويل. وهكذا رأيت بعضهم حده: ما تأويله تنزيله، وما ظاهره باطنه. وقد فهم الغرض، وجميع ما أوردناه تحويم عليه. وذكر أبو المعالي أن بعض المتكلمين اعترضوا على ما ذكره من هذين الحدين بفحوى الخطاب، إنها تقع نصا، وإن لم يكن معناها مصرحا به لفظا. واتصل هذا الاعتراض بأن الفحوى لا استقلال لها، وإنما هي معنى متلقى من لفظ مخصوص على نظام معلوم، كقوله في سياق أمره بر الوالدين: (ولا تقل لهما أف)، فالفحوى آيلة إلى معاني الألفاظ، فلم يصح الاعتراض. وقد حده بعضهم بأنه: اللفظ الدال على الحكم بصريحه على وجه لا احتمال فيه. ولعل هذا ذكر الصريح احترازا من الاعتراض بفحوى الخطاب. فصل في الظاهر وأما الظاهر، فإن الظهور معقول معناه، وقد أشار الشافعي والقاضي ابن الطيب طردا لمعناه المعقول إلى أن النص يسمى ظاهرا، وما أبعدا فيما قالا، لأن النص قد ذكرنا أن

стр. 254

أصله في اللغة الظهور، فلا شك على هذا في تسميته ظاهرا، والمعنى فيه أظهر منه في المعاني المستفادة من الظواهر التي نحن في الكلام عليها، لكن العرف هجران هذه التسمية في النصوص، وقصرها على لفظ احتمل المعنيين أو لمعان، ولكن في أحد معانيه أظهر، وعرف الاستعمال قد غلب على أحد معانيه. وقد قيل في حده: إنه ما لا يحجر السامع عن فهمه شيء، وهذا يدخل عليه النصوص، وإن كنا قلنا: إن القاضي يسميها ظواهر، ويرى على أصله كل نص ظاهرا، وليس كل ظاهر نصا. وقيل في حده: ما احتمل معنيين، وهو في أحداهما أظهر. وقال بعض هؤلاء: ما احتمل معنيين أو معاني غلب عرف الاستعمال على أحدها. وقال بعضهم: ما سبق إلى الوهم معناه على وجه فيه احتمال. وذكر أبو إسحاق الإسفراييني (ص ١٣٠) أنه لفظ معقول يبتدر إلى الفهم، وله وجه في التأويل سائغ لا يبتدره الظن والفهم. هذه معاني حدود من ذكرنا حدودهم فيه، والغرض قد قدمناه، وكل هؤلاء الحادين عليه حوموا، وذكر القاضي أ، هـ لفظ معقول المعنى له حقيقة ومجاز، وهو في حقيقته ظاهر وفي مجازه مؤول. وهذا الذي ذكره القاضي أحد أنواع الظواهر، وتبقى منه أقسام غير ما ذكره، ربما كان الأمر بالعكس فتكون المجازات الشائعة الغالبة على الحقائق في التخاطب هي الظاهر السابق إلى الفهم، والحقيقة هي المؤولة، كقولهم: دابة، فإن حملها على حقيقتها وهو الدبيب المحض، خلاف الظاهر، وحملها على نوع من الحيوان يدب هو الظاهر، فكأنه ظاهر في جهة المجاز، وهو ما أشرنا إليه من معنى القصد الذي ليس هو أصل الوضع. وعلى طرد ما قلناه يون العموم ظاهرا، والخصوص مؤولا، والوجوب في الأوامر والتحريم في النواهي ظاهرا، والندب والتنزيه مؤولا. وهكذا ألفاظ النفي المحمولة على الجواز والكمال هي ظاهر في نفي الجواز، مؤولة في نفي الكمال، كما بيناه في بابه. ومن ذلك ما يتلقى من المخصصات على ما سيرد، فالاستمساك به تعلق بالظاهر، وتركه في حكم التأويل. والظهور يستبين وقوعه في الأسماء والأفعال، وأما الحروف كمثل "إلى"، فإنه

стр. 255

ظاهر في التحديد والغاية، مؤول في ما سوى ذلك، مما لعنا أن نذكره في كتاب الكلام عند ذكرنا حمل المعتزلة قوله تعالى: (... إلى ربها ناظرة)،وتأويلهم إياهم على أنها ليست بحرف هاهنا، ورددنا عليهم بما لا يليق بسطه هاهنا. فصل في المجمل الإجمال يقع على وجهين: بمعنى الضم والجمع، وبمعنى الإبهام والإشكال. فأما بمعنى الضم والجمع فكقولك: أجملت الحساب إذا جمعت آحاده، العموم على هذا المعنى مجمل لكونه شمل الآحاد، والمقصود في هذا الباب المعنى الآخر، وهو الإجمال الذي بمعنى الإشكال والإبهام، ومنه قوله: ليل بهيم، وكمي مبهم، بمعنى أن متبرقع مختلف على أن يعرف ببرقعه وسلاحه. فالمجمل من الألفاظ ما لا يعلم المراد منه على حال، وإلى هذا المعنى أشار الحادون له، فقالوا: هو ما لا يعقل معناه من جهة لفظه، ويفتقر إلى أن يبين بغيره، إلى غير ذلك من حدودهم المشار بها إلى هذا المعنى. وقد تعرض أبو المعالي إلى تقاسيم المجمل من ناحية ليس هي مطلوب الأصوليين، وإنما هي كتقاسيم التحاسين، فذكر أن الإجمال يعرض في الحكم والمحل، كقولك لزيد: في بعض مالي حق، الحكم هو الحق وهو مجهول لم يذكر جنسه ولا مقداره، والمحل بعض المال، وبعض المال أيضا لم ينوع ولا قدر، فصار الحكم والمحل مجهولين. وقد يعرض الإجمال في الحكم دون المحل كقوله تعالى: (وأتوا حقه يوم حصاده)، فالحق وهو الحكم مجهول المقدار والجنس، والمحل معلوم وهو يوم الحصاد. وقد يكون بالعكس فيجعل المحل ويبين الحكم، كالقائل: إحدى نسائي طالق، فإن الطلاق حكم معلوم، ومحله من زوجاته مجهول. وقد يعرض الإجمال في الحكم والمحكوم له، دون المحكوم عليه، كقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)، فالمقتول مفهوم معناه، والولي الذي له الحق لم يعين ولم يبين من هو، وكذلك أيضا لم يبين الحق الذي لهذا الولي، وإنما قال: (جعلنا

стр. 256

لوليه سلطانا)، ولم يبين هذا السلطان ما المراد به. وذكر أن الإجمال ينسحب على الكلام من جهة إجمال في الاستثناء المتصل به كقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)، فلو تركنا وقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) لاستبنا من هذا الكلام إباحة كل بهيمة من الأنعام، لكنه لما استثنى من التحليل ما يتلى علينا وهو مجهول، عاد بالجهالة فيما استثنى منه وهو المحلل. وهذا الذي قال صحيح، وذكر غيره من الأصوليين، ولكن بشرط أن يكون المراد بقوله: (إلا ما يتلى عليكم) الإشارة إلى التوقف عن الاستباحة حتى يسمع ما يرد من بيان المراد بها العموم، أو يكون المراد: إلا ما يتلى عليكم من المحرمات، والسامع لم يحط بها علما، فيكون هذا الخطاب مجملا في حقه، إلا أن يحيط علما بجميع ما تُلي علينا من المحرمات. وأما لو أراد: إلا ما سنبيحه، فإن هذا لا يعود بالإجمال. (ص ١٣١) وذكر أبو المعالي من وجوه الإجمال أيضا أن يكون اللفظ معلوما بالعقول تخصيصه على الجملة، وإن كان لا يوقف على تفصيل التخصيص إلا بعد فكرة وسبر أدلة، فهو مجمل حتى يحاط علما من ناحية العقول ما المراد به، وهذا كنحو ما قلناه في قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم)، إذا كان المراد به: إلا ما تلي عليكم، ونحن لم نحط به الآن علما، وسنحيط به إذا بحثنا عنه. فهذه التقاسيم التي أوردها أبو المعالي، وأما التقاسيم التي هي أشبه بعلم الأصول فهي: أن الإجمال يعرض من ناحية عدم التعيين أصلا كقوله: (وأتوا حقه يوم حصاده)، فإن هذا الحق لم يعين على حال ولا يحاط بمحتملاته، ومنه قوله ﵇: "فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" الحديث. وقد يعرض في معين ولكن يقع في تعيينه تردد كقوله تعالى: (ثلاثة قروءٍ)، فإن القرء معلوم أن المراد به إما الحيض وإما الطهر، فقد تعين المراد، ولكن مترددا. ومنه ما ذكر أبو المعالي من اكتساب اللفظ المبين إجماله من لواحقه وعد من ذلك ما ذكرناه من قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم)، وقد ذكرنا ما فيه. ويلحق بهذا القسم قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) [هل هو] عموم أو

стр. 257

مجمل. واختلف القائلون في تعميه؛ هل هو عموم يحتج بإطلاقه على جوار كل بيع حتى يطالب من الفقهاء من خالف في بيع من البيوع فقال بفساده بأن يقيم الدليل على أنه فاسد غير حلال، أو يكون من العموم الذي لا يقبل التخصيص، لأجل أن كل بيع حرام فاسد لا ينطلق عليه تسمية البيع، لأجل أن البيع في اللغة: نقل الملك بعوض، فإذا قال صاحب الشرع: لا ينتقل الملك بهذا العقد، فإذن ارتفعت عنه التسمية، لأن الحكم مناط بالتسمية ومعلق بها، فإذا سلب الشرع الحكم وهو انتقال الملك، استلبت التسمية التي هي موضوعة لحقيقة هذا الحكم، فكل بيع حرام إذا لم يسم بيعا، لأجل ما قلناه، فإنه لا يدخل في عموم قوله: (وأحل الله البيع)، فإذا لم يدخل في هذا العموم بقي اللفظ على تعميمه لم يخص منه شيء. ومن الناس من صار إلى أنه مجمل، واختلف هؤلاء في سبب إجماله، فمنهم من ذهب إلى أن سبب إجماله كون الشرع قد قرر شروطا اشترطها في جواز البياعات، مثل ألا تكون وقت الجمعة، وأن يكون لا غرر فيها، إلى غير ذلك من شرائطه المعلومة عند الفقهاء. والتخصيص إذ آل إلى أن لا يتعلق بالاسم حتى تنضاف إليه شروط، فإن العموم لا ينتقل بذلك إلى الإجمال، لكون كل بيع قد علم أنه لا يجوز بمجرد تسميته بيعا، حتى ينضاف إلى التسمية شروط، وهكذا قوله تعالى: (والسارق والسارقة)، فإنه قرر الشرع في قطع كل سارق شروطا، منها الحرز، والنصاب، وغير ذلك مما يعرفه الفقهاء، فصار التعلق بمجرد تسمية السارق سارقا لا يغني حتى تعتبر شروط تنضاف إليه. وقال قوم آخرون: بل سبب الإجمال ما ألحق بها [من] قوله تعالى: (وحرم الربا)، فصار هذا الإلحاق كالاستثناء اللاحق بالكلام، وهذا الإلحاق كسب الكلام الأول إجمالا، لأن لا بيع إلا وفيه زيادة، وقد قال: إن الربا حرام، والربا زيادة، وليست كل زيادة حراما، فصار اعتبار ما يحل من الزيادات وما يحرم يسري إلى اعتبار ما يجوز من البيع وما لا يجوز، لأجل كون كل بيع يقدر فيه زيادة. ومن هؤلاء من أشار إلى الربا فيه إجمال من جهة أخرى، فعاد إجماله بإجمال ما قبله. ولعلنا أن نبسط هذه المعاني في كتاب التأويلات إن شاء الله. وذكر أبو المعالي تردد الشافعي في هذه الآية، هل هي عموم أو مجمل، واختار من قولي الشافعي كونها غير مجملة في كل بيع لا زيادة فيه، بل هي عموم في هذا النوع من

стр. 258

البياعات، وكونها مجملة في كل بيع فيه زيادة، لأجل ما تعارض هاهنا في حكم الزيادة من جهة قوله: (وأحل الله البيع)، ومن جهة قوله: (وحرم الربا). وقد يعرض الإجمال من ناحية تعلق الحكم بالأعيان المعلوم أنها لا تدخل تحت قُدرنا كقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم)، وكقوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام)، ومعلوم أن نفس بهيمة الأنعام، ونفس الأم لا يوصفان بتحليل أو تحريم، لأنا لا قدرة لنا على ذواتها، وإنما لنا قدرة على التصرف فيها، والتكليف إنما يتعلق بمقدور عليه. وقد اختلف الأصوليون في هذا، فرآه بعضهم مجملا لأجل العلم بأن نفس ما يتناوله اللفظ من الأم والبهيمة غير مراد، وأن المراد غيره، وهذا (ص ١٣٢) الغير مراد غير منطوق به، وما لم ينطق به لا يعرف. وقال آخرون: ليس هذا بمجمل، لأن عرف التخاطب أغنى عن النطق، وقد علم أن المراد بقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) وطء أمهاتكم، وبقوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) أي أكل بهيمة الأنعام والانتفاع بها، فصار المحذوف هاهنا كالمنطوق به، لما فهم من جهة العرف. ومما ينخرط في هذا السلك وقد اختلف فيه الأصوليون قوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى)، ومعلوم مماثلة الذكر الأنثى في الإنسانية وغير ذلك مما علم ضرورة مساواة الذكر فيه للأنثى، فعرف أن المراد أن الذكر ليس كالأنثى في بعض الأحكام، وهذا البعض غير منطوق به، فصار مجملا من هذه الجهة. وقال آخرون: بل هذا على العموم حتى يخص ما يخص من الأحكام بدليل. وثمرة هذا النزاع احتجاج قوم من الفقهاء على أن المرأة لا تكون قاضيًا فيما تشهد فيه، ولا تؤم في الصلاة، ولا تلزمها الجمعة بهذه الآية، لأن هذه الأحكام تلزم [الذكور] فلا تلزم الإناث، ولا تصح منهن حتى تكون الأنثى غير مساوية للذكر، كما قال الله تعالى، وهكذا قوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، إذا تعلق به من قال: لا يقتل المسلم بالكافر. هكذا أيضا تنازع الأصوليون في إجراء الخطاب على ما ليس بمقصود فيه، وإن كان بحكم العموم داخلا في اللفظ، هل يحتج به من ناحية شمول اللفظ له، أو لا يحتج به من ناحية عدم القصد إليه، وهذا كعمومات وردت مورد المدح كقوله تعالى: (لفروجهم حافظون* إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، فهل يحتج بهذه الآية على جواز وطء

стр. 259

الأختين بملك اليمين، لكون هذا اللفظ شاملا لهما، أو لا يحتج بذلك؟ لأن القصد مدحة من حفظ فرجه، لا بيان ما يحل وما يحرم. وهكذا ما ورد مورد الذم، كقوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية، هل يحتج بها في زكاة أموال من الذهب والفضة اختلف في زكاتها لأجل دخولها في هذا العموم أو لا يحتج بذلك؟ لأن القصد ذم من منع حق الله، لا بيان ما يجب فيه حق الله سبحانه مما لا يجب. وهكذا تنازع الأصوليون في تعليق الحكم بأسماء الأجناس كقوله ﵇: "في الرقة ربع العشر"، هل يحتج به في مقادير اختلف في زكاتها أم لا؟ فمن احتج به تعلق بعموم اللفظ، ومن منع الحجة به تعلق بأن القصد ذكر الجنس المتعلق به الحكم، لا تفاصيل الحكم، ونحن نبسط ما اقتضاه من هذه المعاني في كتاب التأويلات إن شاء الله. وقد يعرض الإجمال من ناحية تعارف الشرع على أسماء كالصلاة والصوم والحج، فإن هذه أسماء زعم بعض الأصوليين أنها مجملة لا يحتج بها، لأجل أن المراد بها في الشرع غير المراد بها في اللغة، ألا ترى أن الصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: ركوع وسجود وما ينضاف إليها، فقد صار المراد بذلك غير ما أرادته العرب، وهذا الغير معلوم بوضع اللسان، فافتقر العلم به إلى بيان من غير لفظه، فهو مجمل. وهذا المذهب يقوي على طريقة من يقول: إن الشرع نقل هذه الأسماء. وقال آخرون: ليس هذا بمجمل، بل يحتج به على إيجاب كل دعاء، إلا ما خرج بدليل، ولهذا حسن عند هؤلاء الاحتجاج على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة كما قال الشافعي وبان المواز من أصحابنا بقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)، والصلاة عليه ﷺ دعاء، فدخلت في هذا العموم، وهذا أيضا يحسن على طريقة من قال: إن الشرع لم ينقل هذه الأسماء، وقد تقدم بياننا لما علم [من] الشرع في هذه الأسماء بما فيه كفاية. وقد يعرض الإجمال من نفي الذات الثابتة كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فزعم قوم أن ذلك مجمل، واختلف هؤلاء في سبب إجماله، وقد تكلمنا على جملة ما قيل فيه، وتفصيل المذاهب المنقولة فيه في باب أفردناه له فيما تقدم، فلا معنى لإعادته. وقد يعرض الإجمال في الأفعال كما روي "أنه ﵇ قصر في السفر"، ولم يذكر هل

стр. 260

هو سفر قصير أم طويل، فصار من جهة التردد بين وقوعه على وجهين مختلفين كاللفظ المتردد بين معنيين كما قلناه، وتمثلنا به في قوله تعالى: (ثلاثة قروء). وألحق بهذا قضاياه ﷺ وأجوبته على أسولة مجملة لمن قال له: أفطرت في رمضان: "أعتق رقبة" ولم يذكر السائل إفطاره يجامع أو يأكل، فأطلق ﵇ الجواب من غير استفسار. ويحتمل أن يكون السائل سأل عن إفطار بجماع، ويحتمل أن يكون سأل عن إفطار بأكل، فمن جهة (ص ١٣٣) هذا التردد وقع الإجمال، وقد أفردنا لهذا بابا فيما قبل يغني عن إعادته هاهنا. فهذه ثمانية يعرض بسببها الإجمال، ويلحق الكلام الإشكال، وبيانها أهم وتعدادها أولى من تعداد الأقسام التي ذكرها أبو المعالي. فصل في المحكم والمتشابه الكلام في هذا الفصل من أربعة أوجه: - أحدها: الكلام على معنى هاتين اللفظتين في اللغة. - والثاني: على معناهما عند المفسرين. - والثالث: على سبب اختلاف المفسرين لهما. - والرابع: هل يعلم الراسخون في العلم المتشابه أم لا؟ فأما حقيقة المحكم في اللغة فإنه السديد النظم المفيد فائدة صحيحة، ألا تراهم يقولون: بناء محكم، وصيغة محكمة، بمعنى حسن الترتيب والنظام، وعدم التثبج والتخليط، فكذلك الكلام الحسن النظام لفظا ومعنى، ويوصف بأنه محكم. والمتشابه يكون في اللغة بمعنى المتماثل، ولا فرق بين قولنا: هذا البياض مثل هذا البياض، وقولنا: هذا البياض يشبه هذا البياض. ويكون المتشابه في اللغة أيضا بمعنى الملتبس المشكل، وربما كان هذا المعنى الثاني مأخوذا من الأول، لأن المشكل فيه ضرب من التشابه والتماثل، ألا ترى أن من رأى شخصا فقدره رجلا يعرفه، فإذا به آخر غيره، يقول: اشتبه علي، ومعناه: ماثل من كنت أعتقد، وهكذا في المذاهب كلها، معنى قول الفقيه: اشتبه علي حكم هذه المسألة، بمعنى أن جواببين تقابلا في نفسه، ولم يترجح أحدهما على الآخر، فصار كالمثلين من ناحية استوائهما عنده.

стр. 261

وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في تفسير قوله تعالى: (منه آياتٌ محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، فالمنقول في هذا تسعة أقوال: - أحدها: ما ذهب إليه عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، من أن المحكم وعيد أهل الكبائر، والمتشابه وعيد أهل الصغائر. - وقال الأصم: المحكم نعوت النبي ﷺ في الكتب السالفة كالتوارة والإنجيل، والمتشابه: نعته في القرآن. - وقال غير هؤلاء المبتدعين: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ. - وقال بعضهم: بل المتشابه الحروف المقطعة المذكورة في القرآن على أربعة عشر نوعا كـ "ألم، والمص، والر، والمر، إلى بقية فواتح السور بأمثال هذه الحروف. - وقال: المحكم: الأحكام من الحلال والحرام، والمتشابه: القصص والأمثال. - وقال بعضهم: المحكم: [ما يؤخذ معناه بإجرائه على ظاهره]، والمتشابه: ما عسر إجراؤه على ظاهره، كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى). - وقال بعضهم: المحكم: ما عرف معناه، والمتشابه: هو المجمل، وقد تقدم بيانه، وأنه ما لا يعرف معناه وهذا الذي ذهب إليه القاضي ابن الطيب، ونصره أبو المعالي، وربما كان هذا المذهب راجعا إلى هذا الذي قبله، وهو قول من قال: المتشابه: ما عسر إجراؤه على ظاهره، لأنه إذا دل الدليل على فساد مذهب من ذهب إلى معنى: (الرحمن على العرش استوى)، أي استقر، ومذهب من سلك في استقراره صار لمراد به معنى آخر، وهذا المعنى الآخر غير منطوق به ولا معلوم، فصار من هذه الجهة مجملا، على حسب ما قدمنا في باب المجمل، وذكرنا مذهب بعض الناس في أحد أنواعه. - وقال أبو إسحاق الزجاج: المتشابه أمر الساعة وميقاتها، لأن الكفرة كانت تكثر سؤال النبي ﵇ عنها، وقد قال تعالى: (يسألونك كأنك حفى عنها). والتأويل تفعيل من آل يؤول، وقال تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله)، فأشار بتأويله إلى مآله، وهو يوم القيامة. وقال بعضهم: المتشابه: ما لا يعلم تأويله إلا الله، ولا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا قد يرجع إلى أن المتشابه هو المجمل على حسب ما حكيناه عن القاضي ومن تبعه.

стр. 262

ولكن إنما يبقى النظر في أمر آخر، وهو هل يقدر في القرآن مجمل لا يعرف معناه إلى الآن؟ وهذا قد قال بعض الناس: إنه لا يمكن، لأن الله تعالى أخبر بأنه أكمل الدين، فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم)، ولأن تجويز هذا يطرق إلى خرم الثقة بالقرآن، وقال بعضهم: بل هذا ممكن. وما أرى هؤلاء المختلفين اختلفوا إلا فيما لا يتعلق به أحكام تكليف، وأما ما يتعلق به التكليف والتعبد فلا يصح أن يقال ذلك فيه، لأنه ذهاب إلى تكليف ما لا يطاق، لكن ما لا يتعلق به تكليف ولا تعبد، لا مانع يمنع من تجويزه، وإلى هذا التفصيل ذهب أبو المعالي فجوز ذلك فيما لا تكليف (ص ١٣٤)، فيه ومنعه فيما فيه التكليف. وأما سبب الاختلاف فمعروض على ما قدمناه من حقيقة المحكم والمتشابه في اللغة، وقد قلنا: إن المتشابه هو المشكل، وما قاله الزجاج لا شك في إشكاله، وكذلك ما قاله القاضي، وكذلك المذهب الآخر الذي ذكرنا أنه يضاهي مذهب القاضي، وكذلك مذهب عمرو بن عبيد، فإنه يقدر فيه الإشكال في الوعيد على الصغار دون الوعيد على الكبائر، وكذلك ما قال الاصم، وكذلك من قال: إن المتشابه الحروف المقطعة يقدر المراد بها مشكلا. وأما من قال: المتشابه المنسوخ، فلأجل التعارف على قولهم: آية محكمة بمعنى أنها غير منسوخة، وأما من يقول: المحكم الإحكام، فكأنه أخذ اللفظة من اللفظة. والأصح أن كل ما تصور فيه التباس وإشكال من هذه المذاهب فهو من المتشابه، وإنما يبقى هل ما تصوره صاحب المذهب من الإشكال ثابت أم لا؟ وأما معرفة الراسخون في العلم بالمتشابه، فهو نحو من هذا الذي فرغنا منه، ولكن قد اشتهر اختلاف الناس في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون أمنا به)، هل الواو هاهنا واو ابتداء، والوقف على قوله: (إلا الله)، و (الراسخون في العلم) مبتدأ، وهم لا يعلمون المتشابهه، أو الواو هاهنا عاطفة و (الراسخون في العلم) يعلمون المتشابه، ويقولون بمعنى: قائلين المنتصبة على الحال. وهذا مشكل عندي، والمذهبان لا يكادان يقوم دليل يقتضى القطع على أحدهما، ويكاد أن يكون الكلام على كون الراسخين في العلم يعلمون المتشابه من المتشابه، ولكن مع هذا الأظهر عندي من سياق الآية أنهم لا يعلمونه، ألا تراه سبحانه قال: (فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، والراسخ في [العلمي لا يعلم شيئا

стр. 263

من هذا، حتى يتبع هذا المتشابه اتباع ناظر فيه، ويبتغي تأويله ابتغاء متطلب العلم به، وقد ذم الباري تعالى مبتغيه ذما مطلقا. وأيضًا فبعيد هذا الذي صدر به ذكر الراسخين في العلم إخباره تعالى عنهم أنهم: (يقولون أمنا به كل من عند ربنا) وفي قلوبهم [زيغ]. (كل من عند ربنا) إشارة منهم إلى تفاوت هذا عندهم، وأن اليقين بصدق الله ورسوله أدى إلى التسليم والإذعان والتصديق بما لا يعرف، وفي مثل هذا المعنى يحسن مثل هذا القول، ويكون فيه إشارة إلى معنى يقتضي إيراده. وأما إذا كان المتشابه يعلمه الراسخون كما يعلمون المحكم، فالجميع عندهم واحد، ويرتفع هذا المعنى المشار إليه بمثل هذا اللفظ الذي إنما يستعمل غالبا فيما قلناه. هذا الأغلب على ظني من هذا، استنبطه من السياق المتقدم على هذه الجملة، والمتأخر عنها. فصل في تخصيص العموم بأخبار الآحاد اعلم أن التخصيص يكون بدليل متصل: إما استثناء كقوله تعالى: (إلا أن تستقوا منهم تقاة)، وكقوله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام). وإما حرف غاية كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، و (لا تقربوهن حتى يطهرن). وإما صفة كقوله: (فتحرير رقبة مؤمنة). وإما شرط كقوله: (فمن لم يجد صيام ثلاثة أيام في الحج). ويكون التخصيص منفصلا، وذلك على ضربين: نطقي، وغير نطقي .. فأما ما ليس بنطقي فهو دليل العقل وقد تقدم ذكر الخلاف في التخصيص به. وأما النطقي فيكون تخصيص الشيء بمثله، كتخصيص الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب.

стр. 264

فأما تخصيص الكتاب بالكتاب فالجمهور على جوازه وصحته، ومن أمثلته عندهم قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ)، فلو تركنا عموم هذه الآية لأوبجنا على المطلقة قبل الدخول ثلاثة قروء، ولكن خص هذا العموم بقوله تعالى: (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها). وهكذا قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، فلو تركنا وعموم هذه الآية لأوجبنا على التي مات زوجها وهي حامل أربعة أشهر وعشرا، لكن خص هذا العموم بقوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، على بعض الطرائق في أهل هذا المذهبن وقد ذكرناه مبسوطا في الكتاب "المعلم". ومن هذا قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، فلو تركنا وهذا العموم لأبحنا وطء الأختين بملك اليمين، ولكن خصصناه بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين ٩. وهذا قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، ولو تركنا وعموم هذا لحرمنا نكاح (ص ١٣٥) اليهودية والنصرانية، لكنا خصصنا هذا العموم بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم). وقد ذهب قوم إلى منع تخصيص الكتاب بالكتاب تعويلا منهم على قوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، فأشار إلى قصر بيان الكتاب المنزل علينا على [ما] يورده ﷺ علينا، وهذا لا معول فيه، لأنه ليس بنص إلا بيان يقع بالكتاب، وإنما فيه إثبات بيان من قبل النبي ﵇، وهذا لا ينفي البيان من غير جهته، على أن الكل من جهته على وجه، والكل من عند الله سبحانه على وجه آخر، وصحة إضافة الكل إليه على الإطلاق، أو إلى الله سبحانه على الإطلاق يمنع الاستدلال بهذه الآية.

стр. 265

وكذلك تخصيص السنة بالسنة مثل قوله ﵇: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"، خص بقوله ﵇: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" على ما بسطنا صفة التخصيص وحكم الإهاب في كتاب "المعلم". فالجمهور أيضًا على صحة تخصيص السنة بالسنة، ومنعه قوم تعويلا منهم على مثل ما قلناه في منع تخصيص الكتاب بالكتاب، ورأى هؤلاء أيضًا أن قوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم) يقتضي كون المبين قرآنا وكون المبين سنة، وقد ذكرنا ما في هذا الاستدلال. ويكون التخصيص النطقي المنفصل تخصيصا للشيء بخلافه كتخصيص الكتاب بالسنة، وقد أجازه كثير من الأئمة، ومنع قوم أيضا تعويلا على الآية التي ذكرناها [إذا] تقتضي أن المبين إنما يكون سنة، وأما ما نزل إلينا فلا يكون بيانا لغيره، وإنما يكون مبينا. وأما تخصيص الكتاب بالسنة فإن السنة إذا كانت متواترة، فلا خلاف في تخصيص الكتاب بها، لأنها بيان لما نزل إلينا على حسب ما تضمنته الآية، وهي أيضًا مقطوع على صحتها لأجل تواتر النقل، فلم يقع بيان القطعي إلا بالقطعي. وأما إن كانت السنة خبر واحد نص فيه على خروج بعض ما تناولته عموم القرآن، فهاهنا اختلف الناس فيه على خمسة أقوال ... - فجمهور الفقهاء، وهو المذهب المشهور على تخصيص العموم بخبر الواحد. - ومنعه آخرون. - وذهب عيسى بن أبان إلى أنه إذا ثبت دليل على تخصيص العموم، صح أن يخصص تخصيصا آخر بالخبر، وأما إن كان العموم لم يدخله تخصيص قط، فإنا لا نفتتح تخصيصه بخبر الواحد، بل نقدم العموم عليه. - وسلك قوم مسلكه فقالوا: إن خص بدليل متصل لم يخصه بخبر الواحد، وإن كان قد خص بدليل منفصل رددناه تخصيصا آخر بهذا اللفظ الذي نقله الآحاد. - وذهب القاضي ابن الطيب إلى مساواة خبر الواحد لما قابله من العموم، وإذا تساويا وجب الوقف فيهما. وسبب هذا الخلاف يدور على نكتة واحدة، وهي الموازنة بين العموم وخبر الواحد، فإذا وزنت بينهما، واستبان قوة أحدهما على الآخر قدمت الراجح، وإن لم يظهر تفاوت

стр. 266

في القوة ولا ظهور رجحان، فلا شك هاهنا في إنه ليس أحدهما أولى من الآخر فيجب الوقف بينهما. فأما الموازنون المرجحون للعموم فيقولون: قد ثبت أن القرآن مقطوع عليه، ومن أنكر كونه قول اله سبحانه فقد كفر، وخبر الواحد من أنكر كونه كلام النبي ﵇ لم يكفر، لأنه مما يمكن فيه السهو والغلط والكذب، وشتان عند الموازنة بين قول يقيني وقول ظني. وأما المرجحون للخبر المخصصون به العموم فيقولون: تناول الخبر للحكم تناولا ناصا لا احتمال فيه، وتناول العموم لذلك تناولا غير ناص، بل فيه احتمال، وشتان ما بين النص وبين الاحتمال، ألا ترى أنه سبحانه إذا قال: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، فإن هذا القول مقطوع به أنه من عند الله سبحانه، ولكنه مع قوته بكونه قطعيا يقينيا، يمكن أن يكون الله سبحانه لم يرد به الرهبان، وإنما أراد قتل المشركين الذين ليسوا برهبان، فإذا قال ﵇: "لا تقتلوا الرهبان"، فإن قوله هذا ليس بقطعي من ناحية النقل، لجواز أن يكون أحد رواته سها أو غلط، ولكنه مع هذا قوي من جانب أن الرهبان نص على أن لا يقتلوا. ولا يمكن أن يقال: يحتمل أن لا يريد بهذا الخبر قتل الرهبان، فقد صار الحكم وهو قتل الرهبان تناوله الخبر تناولا ناصا، وتناوله العموم تناولا محتملا، والخبر ظني، والعموم قطعي، فلكل جانب وجه من القوة ليس للآخر، فالتفات كل طائفة إلى جانب من هذه (ص ١٣٦) القوة دون الجانب الآخر أوجب ذهابه إلى ما ذهب إليه. والتفات القاضي ﵁ إلى الجانبين جميعا، وتساوي القوتين في نفسه أوجب وقفه بينهما ونظره في دليل سواهما. وأما من ذكرنا عنه التفرقة بين ما سبق فيه تخصيص وبين ما لم يسبق، وتفرقة الآخرين التخصيص بالمتصل والمنفصل، فإن ذلك منهم ذهاب إلى أن العموم إذا خص تناول بقية المسميات على جهة الإجمال، وصار مجازا، والمجمل لا يحتج به بل يفتقر إلى بيان، فيكون خبر الواحد بيانا عنه، ويصير خبر الواحد كخبر أتى بحكم مبتدأ، وخبر الواحد إذا جاء بحكم مبتدأ فلا شك في قبوله، وهذه طريقة من فرق بين أن يسبق إليه التخصيص بدليل منفصل أو متصل، لأنه رأى أن التخصيص بالدليل المتصل كالاستثناء لا يصير العموم مجملا ولا مجازا، وإذا لم يصر مجازا لم تسقط الحجة به، لم يقدم عليه الحجة بخبر الواحد. وقد كنا تكلمنا على هذه المذاهب في باب قبل هذا، واختار أبو المعالي في هذه

стр. 267

المسألة التخصيص بخبر الواحد تعويلا منهم على أنه مسلك الصحابة ﵃ ورأيهم، ومن تتبع فتاويهم ومحاجتهم علم منها هذا. وقد استشهد السالكون لهذه الطرقة أن أبا هريرة لما روى "نهى النبي ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها"، انقادت لذلك الصحابة ﵃، وخصوا به عموم قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذالكم)، وهكذا خصوا بقوله [ ﷺ ]: "لا وصية لوارث" عموم آية المواريث، وقد قال فيها تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين)، وقال في آية أخرى: (... الوصية للوالدين والأقربين)، وإن كان في هذه الآية اضطراب بين العلماء. وقد ذكر الصديق قوله ﵇: "لا نورث ما تركناه صدقة" الحديث، دفعا لفاطمة ﵂ عن مطالبتها الميراث، ولم تنكر ذلك عليه. وقد أجيب عن هذا بأنه يمكن أن يكون بعض هذه الأحاديث علموا ﵃ صحتها، فلهذا استدلوا بها، أو ظهرت قرائن اقتضت الاستدلال. وقد قال الآخرون مستشهدين أن الصحابة لم تخص العموم بأخبار الآحاد، أن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس إذ أخبرت بأنها لا سكنى لها ولا نفقة: "لا ندع كتاب ربنا لامرأة لا ندري نسيت أو شبه عليها"، إلى غير ذلك من الألفاظ التي نقلت عنه في حديثها. وهذه عائشة أيضًا ﵂ ردت قول ابن عمر عن النبي ﵇: "أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" بعموم قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، فرأت أن تعذيب الميت بفعل الحي فيه يحمل وازرة وزر أخرى، خلاف ما تضمنت الآية. وقد أجيب عن هذا بأن عمر ﵁ إنما رد خبرها لاسترابة استرابها منها خاصة،

стр. 268

لا طردا لذلك في كل خبر، وتعليله يشير إلى هذا، لا سيما وفي بعض الروايات: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا"، فيمكن أن يكون سمع من النبي ﵇ خلاف ما قالته، وإليه أشار بقوله: "وسنة نبينا". أو لعلهم علموا أن قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) نزل عاما في كل مطلقة، مبتوتة أو رجعية، واستقر الحكم استقرار عاما، حتى يكون خبر فاطمة ناسخا، له وإن كان الأمر كذلك، فلا شك أن خبر فاطمة بنت قيس مردود، إذ لا ينسخ بأخبار الآحاد، لأن النسخ رفع النص، وقد ذكرنا أن خبر الواحد إنما قدم على العموم عند من صار إلى ذلك لأجل كونه نصا، وكون العموم محتملا، فإذا فرضنا عموما نصا، زالت العلة وقوي العموم من الجانبين جميعا، وصار قطعيا من جهة نقله ومن جهة مضمونة، فلا يوازي خبرا ظنيا فينقله، ولعل عمر ﵁ أشار إلى هذا بقوله: "لا ندع كتاب ربنا". وأشار أبو المعالي إلى الالتفات إلى ظهور الاستيعاب في العموم أو خفائه، وإلى قوة الخبر وضعفه على ما سنبين في كتاب التأويلات إن شاء الله، وهذه الطريقة التي أشار إليها ينبغي للفقيه أن لا يغفل عنها، ولا يجري هذه المذاهب التي قلنا على ظواهرها، ولا يلتزم أخذها من غير التفات إلى ما سيعلم من كتاب التأويلات إن شاء الله. فصل في تخصيص العموم بالقياس اعلم أن هذه المسألة، المذاهب فيها كالمذاهب المنقولة في التي فرغنا منها سواء بسواء: جواز التخصيص بالقياس، ومنعه، والوقف، والتفرقة بين ما خص وما لم يخص (ص ١٣٧)، والتفرقة بين التخصيص بالمتصل والمنفصل، وزيد في هذه مذهب سادس، وهو التفريق بين قياس العلة وقياس الشبه، فأجيز التخصيص بقياس العلة ومنع قياس الشبه. وسبب الخلاف أيضًا فيها دائر على النكتة التي أريناك في هذه المسألة التي قبلها، وهي الموازنة بين العموم والقياس، للعموم القطع على أصله مع كونه محتملا من ناحية لفظه، وللقياس الاتفاق على العمل به، وتأثيم من خالف فيه، وكونه متناولا الحكم تناولا لا احتمال فيه، والموازنة بهذه الطريق سبب الخلاف على حسب ما قدمناه حرفا بحرف، فلا معنى لإعادته. ومن فرق بين قياس الشبه وقياس العلة، فإنه رأى أن قياس الشبة أخفض رتبة واضعف من قياس العلة، فتقاصر لأجل ضعفه عن التخصيص. والقاضي عبد الوهاب يشير إلى تصحيح القول بالتخصيص بالقياس، وإن كان قياس

стр. 269

وأجاب عن هذا بأن المعممين والقائلين بالقياس ليسوا كل الأمة، وفي الأمة من ينكر القياس أصلا، وفيهم جماعة ينكرون العموم، والحجة في قول جميع الأمة لا في قول بعضها. وأجاب أيضا بأنه قد سبق سابقون إلى رد القياس، وآخرون إلى رد العموم، فإذا وقف القاضي عنهما، وعن هذا، فقد ضاهى في كل واحد من النوعين الذاهبين فيه إلى ما ذهب، ولا يضر مع موافقته لهم في ذلك النوع مخالفته إياهم في التوقف الآخر، لأن الآخر قد وافق أيضا فيه آخرين. وهذا يذكر في مسائل الاجتماع إن شاء الله، إذا تكلمنا على تركيب المذاهب، وتفرقة الفقيه بين جوابي مسألتين، قال من قبله بالمساواة بينهما، ولكن الناس في ذلك على قولين مختلفين. وذكر أبو المعالي أن خبر الواحد إذا عرض قياس يخالفه، فإنه يجري فيه ما تقدم من المذاهب التي ذكرها، وأنت إذا نظرت في سبب الخلاف الذي أبديناه في هذه المسائل علمت ما يتصور من الخلاف وما لا يتصور، وفي هذا القدر كفاية. فصل في حمل المطلق على المقيد هذه المسألة الكلام فيها من ثلاثة أوجه: - أحدهما: إيضاح مواقع الخلاف، فإنه يستبين بتقسيم اختلفت الأمة في العبارة عنه: - فمن قائل: إن الموجِب والموجَب إذا اختلفا ارتفع الخلاف في هذه المسألة، ولم يرد مطلق إلى مقيد. - وإن اتحاد الموجِب والموجَب وجب رد المطلق إلى المقيد، وارتفع الخلاف في ذلك. - وإن اختلف الموجِب وتساوى الموجَب، فهاهنا وقع الخلاف بين الأصوليين، هل يجب رد المطلق إلى المقيد أم لا؟ ومن الناس من يعبر عن هذا المعنى بأن يقول: إن اختلف الحكمان اختلافا متباينا لم يختلف العلماء في أنه لا يرد مطلق أحدهما إلى تقييد الآخر، وإن اتحد الحكم فلا خلاف في رد مطلقة إلى مقيده، وإن تعدد ولكنه متناسب فهاهنا يختلف الأصوليون هل يرد المطلق إلى المقيد أم لا؟

стр. 270

وأما الوجه الثاني وهو تمثيل محل الخلاف فإن مثال محل الخلاف العتق في كفارة الظهار، فإن الله قال في المظاهر: (فتحرير رقبة) ولم يشترط كونها مؤمنة، ولا قيد ذكرها بذلك، بل أوردها إيرادا مطلقا، غير مقيد بنعت ولا صفة، وقال في كفارة القتل: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فلم يطلق الرقبة بل نعتها ووصفها، وقيدها بالإيمان. فقال مالك والشافعي: لابد من مراعاة الإيمان في الرقبة في الظهار ردًا لمطلق آية الظهار إلى مقيد كفارة القتل. وقال أبو حنيفة: بل تجري في الظهار عتق رقبة كافرة، أخذا بإطلاق آية الظهار، ومنعا من ردها لآية القتل، وبهذه المسألة يمثل سائر الأصوليين محل الخلاف. وقد مثله أيضا جماعة منهم باللفظ الوارد في التيمم، واللفظ الوارد في الوضوء، إذ يقول تعالى في الوضوء: (وأيديكم إلى المرافق)، فقيد ذكر اليد بالمرفق، وقال في التييمم: (وأيديكم منه) فأطلق ذكر اليد في التيمم، ولم يقيده بالمرفق. فاختلف هل يجب على المتيمم أن يبلغ في مسح يده بالتراب إلى المرافق، ردًا إلى التقييد في غسل يديه بالماء إلى المرافق أو لا يجب ذلك عليه؟ لأجل أن الرد لا يجب. وهذا المثال الثاني أنكره بعض الأصوليين، وأشار الشيخ أبو بكر الأبهري إلى إنكاره، ورأى أن التمثيل (ص ١٣٨) الصحيح إنما يتصور في المسألة الأولى، وهي اشتراط الإيمان في عتق المظاهر، لأن هذا إنما فيه زيادة صفة في الرقبة، وأما الرقبة ففي الكفارتين متساوية. وفي التيمم فيه زيادة عضو وهو الذراع، وزيادة الذوات والأجرام بخلاف زيادة الصفة والنعوت. وهذا الذي أشار إليه يصير كمذهب ثالث في رد المتناسب، فقوم يطلقون القول برده، وقوم يطلقون القول بالمنع من رده، والأبهري لا يطلق القول، بل يسلم الرد إذا وقع بزيادة صفة، وينكره إذا وقع بزيادة ذات مستقلة بنفسها، وهاتان المسالتان تحققنا فيهما ما قلناه على إحدى العبارتين، وهي اختلاف الموجب وتساوي صنف الموجب، لأن الظهار غير القتل، ولكن العتق في الظهار من صنف العتق في القتل، والقتل والظهار موجِبان، والعتق فيهما موجَب.

стр. 271

وهكذا على العبارة الأخرى وهي مراعاة التناسب والتلاقي، وذلك أن بين الرقبة في الظهار، والرقبة في القتل تناسب، لأنهما جميعا عتقان، كفارتان على معصيتين، وهذا تناسب لا شك فيه، وعلى هذه العبارة الثانية يصح التمثيل في التيمم والوضوء، لأنهما جميعا طهارتان واجبتان عن حدث، وتستباح بهما الصلاة. وأما العبارة الأخرى وهي اختلاف الموجِب وتساوي الموجَب فتصورها في هذا يبعد، إلا على تحيل، وذلك أن الحدث الناقص للطهارة هو الموجب لها، والموجَب عنها الطهارة، ونواقض طهارة الماء وطهارة التراب يستويان في الأكثر إلا في صورة نادرة كطريان الماء، أو دخول وقت صلاة ثانية، فهاهنا تتصور العبارة الأخرى، وهي اختلاف الموجِب وتساوي الموجَب. وأما تمثيل ما أدى التقسيم إلى ذكره مما اتفق عليه، وهو ما يجب رد مطلقه إلى مقيده، فلا يكاد يوجد في القرآن، فلهذا مثله أهل الأصول بما لم يوجد، مثاله أن يأمر الله سبحانه في القرآن بعتق رقبة مطلقة في كفارة القتل، ويأمر بعتقها بشرط الإيمان في آية أخرى، فهذا حكم واحد أطلق وقيد، فيرد مطلقه إلى مقيده باتفاق، وهذا التمثيل لم يوجد، فلا معنى لذكره. لكن قد يضرب بهذا القسم مثال ورد في القرآن، وهو قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك)، فأطلق الإحباط، وعلقه بنفس الردة، ولم يشترط المواقاة عليه، وقال في آية أخرى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم)، فقيد الردة في هذه الآية بالموت عليها والموافاة على الكفر، فوجب رد الآية المطلقة إليها، وألا يقضي بإحباط الأجور والأعمال إلا بشرط الموافاة عليها. وهذا تمثيل صحيح من جهة أن الردة المذكورة في الآيتين معنى واحد، وكذلك الإحباط المذكور في الآيتين أيضا المراد به معنى واحد، لكن إنما يبقى النظر من جهة ثانية، وهو أن قوله تعالى: (لئن اشركت) خطاب خاص، وقوله: (من يرتدد منكم عن دينه) خطاب عام، فمن هذه الجهة يفترقان، إذا قلنا: إن الخاص عن العام. وأما إذا قلنا إن المراد بخطاب النبي ﵇ بهذا من سواه من أمته، ومعنى قوله: لئن أشركت أمتك، إنه يرتفع هذا الاعتراض ويتحقق التمثيل. وإن شئت عدلت لأجل هذا الاعتراض عن هذه الآية إلى آية أخرى عامة، وهي قوله تعالى: (ومن يكفر الإيمان فقد حبط عمله)، وهذا عام ورد مطلقا، كما أن المقيد عام

стр. 272

أيضا، وهو قوله: (من يرتدد منكم عن دينه)، والآيتان جميعا وردتا بحرف "من" المقتضية للاستيعاب، وقوله: (فقد حبط عمله) قد يشير إلى أن المراد كفر من آمن حتى يتحقق فيه حقيقة الإحباط. وأما ما أدى إليه التقسيم أيضًا وهو القسم الثالث المتفق على أنه لا يرد مطلقه إلى مقيده، فإن الأصوليين مروا فيه على التمثيل باشتراط العدالة المذكورة في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فقالوا: لا يلزم اشتراط العدالة في عتق الرقبة الواردة في كفارة القتل، وإن كان شرط فيها الإيمان، لكون التعبد بالعتق غير مناسب للتعبد بالشهادة. ومثل بعضهم هذا القسم بما ورد من اشتراط التتابع في صيام الشهرين المذكورين في كفارة الظهار، ولم يوجب هذا التقييد بالتتابع في الصيام التتابع في الإطعام في الظهار، بل يجب عليه إطعام ستين مسكينا وجوبا مطلقا، إن شاء تابع وإن شاء فرق، ويجب عليه صيام ستين يوما وجوبا متتابعا لأجل (ص ١٣٩) التقييد. وهذا المثال الثاني قد يهجس في النفس إلحاقه بالقسم المختلف فيه، لأنا ذكرنا أن إحدى العبارتين عن هذا القسم اعتبار اختلاف الموجب وتساوي الموجب، وهذا بالعكس منه لأجل أن الموجَب وهو الإطعام والصيام مختلفان، والموجِب واحد وهو الظهار، وهذا وإن هجس في النفس أنه يعد من قبيل المختلف [فيه] فإن الدليل قد قام على أن التتابع غير واجب في الإطعام، وأيضًا فالإطعام والصيام لم يشتركا في لفظ حتى ينظر إلى عموم أحد اللفظين وخصوص الآخر، ويرد هذا إلى هذا، بخلاف الرقبة العامة في آية، الخاصة في آية أخرى. وهذا أحد الأجوبة، فمن اعترض فقال: هلا وجب الإطعام في كفارة القتل، كما وجب ذلك في كفارة الظهار رد مطلق هذه الآية وهي كفارة القتل إلى مقيد آية الظهار التي قيدت بذكر الإطعام؟ وعن هذه ثلاثة أجوبة: - أحدها: ما قلناه، وهو أن الرقبة ذكرت في الآيتين فحسن النظر في رد العام إلى الخاص فيهما، والطعام لم يذكر إلا في إحدى الآيتين، فلم يجب إثباته في الأخرى. - والجواب الثاني: أن هذا فيه إثبات زيادة ذوات مستقلة بأنفسها، فكان بخلاف الزيادة في الصفات، وقد تقدم ذكر هذا عن الأبهري. - والجواب الثالث: ذكره بعض الناس وهو أن هذا الاعتراض لازم، ولكن دل الدليل

стр. 273

على أن لا إطعام في كفارة القتل، فخرجنا عن الأصل من رد المطلق في مثل هذا إلى المقيد بالدليل. وهو جواب من لم يتفطن إلى الفروق التي قدمناها في أجوبة غيره، أو قدرها فروقا ضعيفة، وهذه معان إنما يحسن بسطها في كتب الفقه. وأما الوجه الثالث وهو سبب الخلاف فإن المعتمد فيه على النظر في الزيادة على النص، هل يكون نسخا أم لا؟ كما سيرد بيانه في كتاب النسخ إن شاء الله. فمن قدر التقييد هاهنا زيادة على الآية المطلقة، والزيادة لها حقيقة النسخ لم يرد المطلق إلى المقيد، لأن الرد عند جمهور المحققين القائلين به إنما وجب لأجل قياس معنوي، والنسخ لا يكون بالأقيسة ولا بأمثالها مما يقتضي الظنون كأخبار الآحاد. ومن لم ير الزيادة على الإطلاق نسخا، ورآها بيانا وتخصيصا حسن عنده رد المطلق إلى المقيد، لأجل أن التخصيص يكون بما يقتضي الظن على ما قدمناه في بابه، إذ تكلمنا على التخصيص بخبر واحد والتخصيص بالقياس، أو الوقف بين القياس وما قابله من العموم. فقدر أبو حنيفة الزيادة نسخا، إذا كان لها ارتباط بالمزيد عليه، وتأثير في مقتضى إطلاقه، كالحال في الرقبة في كفارة القتل، فإنها قيدت بالإيمان، وإذا اشترطنا في رقبة الظهار الإيمان، وقد اقتضى الإطلاق سقوط اعتبار الإيمان صار بذلك كالنسخ للإطلاق، فلا يقبل فيه إلا القواطع. ورأى الآخرون أن دلالة الإطلاق على الأجزاء دلالة الظواهر على متضمناتها، وليست كدلالة النصوص، إذ لا يمكن أحد أن يدعي أن قوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة من قبل أن يتماسا) نص في إجزاء الكفارة، بل يحتمل أن يراد به الرقبة المؤمنة، فإذا لم يكن نصا، وإنما اقتضى الإجزاء اقتضاء الظواهر صح تخصيصه بالقياس، والتخصيص يكون على نوعين، إما بالقصر على بعض المسميات من غير تمييز لما قصر اللفظ عليه من غيره، كما يقول الشافعي في أن الزكاة لا تجزي حتى يعطاها أقل الجمع من الفقراء والمساكين، مع بقية الأصناف، على ما عرف من مذهبه في كتاب الزكاة، ولكن الثلاثة المساكين الذين هم أقل الجمع غير متميزين عن سائر المساكين. وإما أن يكون التخصيص بتمييز المقتصر عليه على ما سواه بصفة، كتخصيص الرهبان من قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين)، والرهبان متميزون بصفة عن غيرهم من المشركين، فلا مستنكر في تخصيص إطلاق آية الظهار بصفة استفيدت من آية القتل، وهذا واضح. وقد نوقض أبو حنيفة في الأصل الذي ركبه، بأنه اشترط في إعطاء ذوي القربى أن

стр. 274

يكونوا فقراء، والقرآن ورد بإعطائهم مطلقا من غير تقييد، وقد قيد أبو حنيفة هذا المطلق بغير دليل قاطع، وخرج به عما أصل في أحكام النسخ. ونوقض أيضا في المسألة بعينها التي مثلنا بها، وذلك أنه يجزئ عنده عتق الأقطع، ولا يجزئ عتق الأخرس، فإن كان الأخرس لا يجزئ لأجل أنه لا يسمى رقبة، لأجل عيبه، فيجب أن لا يجزئ الأقطع لأجل عيبه أيضا، على أنه لا يصح بالدعوى أن المعيب لا يسمى رقبة، فما بال الأخرس لا يجزئ عنده؟ (ص ١٤٠) مع كونه يسمى رقبة، ومع كون إطلاق الآية يقتضي جوازه، فبماذا إذا أثبت هذه الزيادة على الآية؟ وقد يحاج عليها بما أمليناه في الفقهيات. وأشار أبو المعالي في رد المطلق على المقيد إلى طريقه المعهودة، وهو اختيارنا في مواضع أمليناها في هذا الكتاب، وهي الموازنة بين التقييد والإطلاق، فأيهما رجح في مسالك الظنون قضى به وغلب على صاحبه، فقد تضعف دلالة الإطلاق، وتقوى دلالة التقييد على الإشعار باشتراط الصفة التي قيد بها. وقد يكون الأمر بالعكس، ألا ترى أن إشعار آية الظهار بإجزاء عتق الكفارة ضعيف، لأجل أن الآية إنما سيقت مساق البيان لأجناس الكفارة، لا بيان تفاصيلها وأحكامها، فتفاصيل أحكامها غير مقصودة فيها، وما ليس بمقصود في الخطاب لا يرتبط به الخاطر ارتباطه بمقصود المخاطب. وسيأتي بسط هذا وأمثاله في كتاب التأويلات إن شاء الله. وتنبه هاهنا إلى عبارة تقع للأصوليين من هذا الباب، وهي قولهم: الزيادة على النص لا تكون نسخا، فإن هذه العبارة إنما يستحق معناها إذا سمينا الظواهر نصوصا كما حكيناه في بابها عمن ذهب إلى ذلك، فتحسن العبارة على رأي هؤلاء. وأما إن قلنا: إن الظواهر لا تسمى نصا، فهذه العبارة فيها درك، لأن تعتبر النصوص التي لا احتمال فيها نسخا على ما سيرد بسطه، وبيانه في كتاب النسخ إن شاء الله. وقد ذكر أن جمهور رادي المطلق إلى المقيد يذهبون إلى أن الرد بقياس معنوي [ممكن]، وقد ذهب إلى أنه بحكم اللغة ومقتضى الألفاظ، وزعم هؤلاء أن العرب إذا قيدت، فإنها تستخف الإطلاق اكتفاء بالتقييد، وطلبا للإيجاز والاختصار على ما عرف من عاداتها في لسانها، وقد قال تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد)، والمراد عن اليمين قعيد، ولكن حذف بدلالة الثاني عليه، وهكذا قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)

стр. 275

فحذف ذكر إرضاء الرسول ﵇. وهذا يكثر وجوده في اللسان وأنشد في هذا: يا من رأى عارضا يسر به ... بين ذراعي وجبهة الأسد والمراد ذراعي الأسد، فحذفه لدلالة الثاني عليه، وهكذا أنشد الآخر: فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يلبني فحذف الشر لدلالة الكلام عليه. وزعم بعضهم أن القرآن كالكلمة الواحدة، لأن كلام الله واحد، فلا بعد في أن يكون المطلق كأنه المقيد، وهذا غلط فاحش، لأن الموصوف بالاتحاد الصفة القديمة المختصة بالذات، وأما هذه الألفاظ والعبارات فمحسوس تعددها وتغايرها، وفيه الشيء ونقيضه كالإثبات والنفي، إلى غير ذلك من أنواع الكلام المتضادة التي لا يوصف القديم الأزلي بأنه في نفسه حاصل عليها، وهذا أوضح من أن يطنب في نقضه، والله ولي التوفيق. فصل في مخالفة الراوي ما رواه الكلام في هذه المسألة من ثلاثة أنحاء: - مخالفة الراوي ما رواه بالكلية. - ومخالفته لظاهر ما رواه على جهة التخصيص. - وتأويله لمحتمل أو مجمل رواه. وكل هذه الأقسام فيها الخلاف. فذكر أبو المعالي الاختلاف في عمله بخلاف ما رواه، ونسب إلى الشافعي أن مذهبه اتباع روايته لا عمله، ولأصحاب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته، وهكذا ذكر جميع الأصوليين الخلاف في تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه. وأما تخصيصه بمذهب صاحب آخر لم يروه عن النبي ﵇، فإنه عليه القولين بين الأصوليين في كون قول الصحابي حجة إذا ابتدأ إنشاء مذهب في الفروع، فإن قلنا: إنه ليس بحجة فلا شك في كونه لا يخصص به. وإن قلنا إنه حجة فهاهنا يضطرب هؤلاء في تقديم حجة العموم أو حجة قول الصاحب الراوي. وكذلك حكى بعض المصنفين الاختلاف في تأويله لحديث محتمل المعاني وصرفه إلى أحد محتملاته، هل يصار إلى مذهبه في ذلك أم لا؟ وكان الأشهر في هذا القسم المصير

стр. 276

إلى تأويله، ومثله أبو المعالي بقوله ﵇: "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء"، وأن عمر راويه ﵁ حمله على أن المراد به التقايض في المجلس، فوجب المصير إلى تأويله وصرف إلى أحد محتملاته. وقد ذكر في هذا الباب رواية ابن عمر: "البيعان (ص ١٤١) بالخيار ما لم يفترقا"، وحمله ذلك على فرقة الأبدان. وهذا يحتاج إلى تحقيق وتفصيل، به يعرف في أي نوع يقع من التماثل، فإن قلنا: إن الافتراق ينطلق على افتراق الأبدان دون ما سوى ذلك، وما سوى فرقة الأبدان لا ينطلق عليه هذه التسمية لا حقيقة ولا مجازا، فإن هذا الحديث وتأويله لا مدخل له في هذا الباب، وإنما يكون كحديث رواه راو وعمل به. وإن قلنا: إن هذه التسمية تنطلق على فرقة الأبدان وفرقة الأقوال حقيقة، ولكن لا نقول بالعموم بل نقف، كان مذهب ابن عمر كالبيان للمحتمل. وإن قلنا: إنه ينطلق على الفرقة بالأقوال مجازا، ولكن لا يعم اللفظ في حقيقته ومجازه بل يحمل على الحقيقة خاصة، كان هذا أيضا لا مدخل له في هذا الباب. وإن قلنا إنه يحمل على العموم فيهما، أو قلنا بحمله على العموم فيهما لأجل كون التسمية حقيقة فيهما كان هذا كالتخصيص للعموم. فهذا تحقيق القول في تجويز هذا التمثيل، أطلق القول فيه المصنفون، وقد تكلمنا نحن في كتابنا المترجم بالمعلم عن هذا الحديث ومعناه، وما يعارض به، وما تؤول عليه، بما فيه كفاية. وقد اعتذر أبو المعالي عن مخالفة الفقهاء لأحاديث رووها بأنه قد يكون لهم أصول تقتضي ترك الحديث، قد علم ذلك منهم، فلا يستنكر مخالفتهم لما رووه، ولا يعود ذلك بالقدح في الراوية، كما علم من أصل مالك ﵁ في أنه يقدم عمل أهل المدينة على الحديث، فإذا لم يقل بفرقة الأبدان في البياعات فعذرة اتباع العمل المقدم عنده على الخبر. كما قد علم أيضا أن من أصل أبي حنيفة أنه يقدم القياس على الخبر، إذا خالف خبرا رواه لقياس اقتضاه، فلا تستغرب مخالفته إياه ولا يعود بالقدح في روايته. ومما عد في هذا الباب رواية أبي هريرة غسل الإناء من ولغ الكلب سبع مرات، وإباحته الاقتصار على الثلاث، وفتواه بالاقتصار على الثلاث مخالفة للعدد المحدود فيما رواه، وهو يعد في النوع الذي قدمناه من مخالفة الحديث التي هي بمعنى النسخ، لا بمعنى

стр. 277

التخصيص، وقد قررنا المذاهب في هذا كله. والنكتة التي لم يدر عليها هذا الخلاف، ومنها ينشأ النظر في المسألة أن لو تحققنا أن حديث النبي ﷺ خولف بطريق لا يجب اتباعها لم يختلف مسلم في طرق هذه المخالفة، وترك الالتفات إليها. كما لا يختلف أحد في أن هذه المخالفة إذا علم أنها بوجه حق، وطريق يجب اتباعها كحديث آخر سمع من النبي ﵇ يجب أن يرجع إليه، فإن الرواية لا يعمل بها، بل يعمل بما صار إليه الراوي، وليس ذلك لأجل مذهب الراوي، بل لما أحلنا عليه من قول الرسول ﷺ ، فإذا لم يتحقق أحد الأمرين، فهنا يحسن الخلاف، ويقع الإشكال في هذا الوسط إلى كل واحدة من الحاشيتين، فحسن عند قوم تحسين الظن بالرواة، وحمل مخالفتهم على أمر سمعوه من صاحب الشرع غير ما أبدوه ونقلوه، فصاروا إلى اتباع مذهب الراوي. ورأى آخرون أن كلام صاحب الشرع قد دل الدليل على وجوب اتابعه، ونحن على يقين من صدقه وصحته، لا نترك قوله ﷺ لقول غيره. وفصل أبو المعالي القول فرأى أننا إن تحققنا أن مخالفة الراوي كانت لنسيان الخبر، أو لأنه لم يفهم معناه، فلا شك أن الحق اتباع ما رواه، وكذلك إن فسق فسقا يظهر منه أنه اجترأ على مخالفة ما روى عصيانا وطغيانا، فإنه لا يعتبر بمذهبه في المخالفة، بل يجب اتباع الرواية إذا أوردها في وقت يجب فيه قبول روايته لعدالته. وكذلك إذا روى خبرا بالرخص والتحليل في أصوله، أما في التحريم ثم وقف متورعا فإنه لا يترك الخبر لوقوفه الذي دعاه إليه المبالغة في التورع والتمسك بالأفضل. وإن خفي عنا سبب المخالفة، ولكنا علمنا أنه خالف ذلك عمدا وقصدا، فالمختار لا يعمل بما رواه، لأن الظاهر أنه لا يرتكب مثل هذه المخالفة إلا بمسموع آخر اقتضى مخالفة، من الأسباب التي قدمناها، وإن لم نحط علما بالداعي إلى المخالفة، ولا ظنناه، بل ترددنا في ذلك تردد شاك، فإن الواجب اتباع ما رواه، إذ ما رواه محقق، فلا يترك المحقق المتيقن إلا بأمر مجوز. ولو ظننا أنه يعمل المخالفة ظنا من غير يقين، فإن هذا ربما أثر في دلالة العام وحطها عن منصبها (ص ١٤٢) في قوة الظهور، حتى يكون التأويل المخرج للفظ عن الاستيعاب المطابق لمذهب الراوي تساهل فيه ما لا يتساهل فيه، إذا لم تقع هذه المخالفة المظنونة

стр. 278

من الراوي. وستقف على تحقيق هذه المرامي وإيضاح هذه المعاني في كتاب التأويلات إن شاء الله تعالى. فصل في تخصيص العموم بالعادة اعلم أن المعتمد في هذا ما كنا أشرنا إليه مرارا من الموازنة بين طوارق الظنون إذا تعارضت، فما كان أرجح ويفيد ظنا أقوى من ظن الطريق الآخر قدم، فإذا تقرر هذا فالعادة على قسمين: عادة فعلية، وعادة قولية. فأما العادة الفعلية فلا تخصص بها العموم، مثال ذلك قوله ﵇: "إذا وقع الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات"، وقد اختلف المذهب في هذا الحديث، هل يحمل على إناء فيه طعام؟ فقيل: إنما يحمل ذلك على الماء، لأنه غالب ما كان يوجد في آنيتهم، وإلا فالطعام أعز وجودا عندهم في زمانهم، من أن تصل الكلاب إليه، فيخصص العموم بهذه العادة، وكأنها عادة فعلية، لأن هذا إنما يرجع إلى أفعالهم، وهو ترك أواني المياه والكلاب دون أواني الطعام. وقيل: بل يغسل سبعا وإن كان ولغ في طعام أخذا بعموم هذا الحديث، ولا يخص العموم بمثل هذه العادة، وهذا الخلاف المذكور في المذهب المذكور، والتعليل المشار إليه يشير إلى إثبات الخلاف في هذا القسم. وأما العادة القولية فمثل أني يكون الكلب في اللغة اسما لهذا الكلب النابح ولغيره من السبع، ولكن تعارف المخاطبون على قصر هذه التسمية على النابح خاصة، وإنما يجري على ألسنتهم هذا الاسم غالبا في النابح دون ما سواه. وكذلك إذا "نهى ﵇ عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل"، فقال الشافعي: يشرط التماثل في سائر الأطعمة، وإن لم يكن معنا به كما قال مالك، ولا مكيلة أو موزونة كما قال أبو حنيفة، أخذا بعموم هذا الحديث. وقال له من خالفه: اعتادت الصحابة اسم الطعام إلا على البر، فيحمل خطاب النبي ﵇ عليه، فهذا مثال ما نحن فيه من هذا التقسيم.

стр. 279

وأما تخصيص العموم بعادة فعلية، فلا سبيل إليه، إذا كان المخاطبون لم يغيروا التسمية، ولا تعرضوا فيها إلى قصر ولا تعميم، بل مروا بالنطق بها على ما وضعتها العرب، فلو قال: أحللت لك بهيمة الأنعام، وكانوا المخاطبون اعتادوا أكل لحم الضأن، ولم يعتادوا أكل لحم الإبل، إما لعدمها عندهم أو لغير ذلك، لكنهم مع هذا الاعتياد يجرون هذا الاسم عليها كما يجرونه على لحم الضأن، وعرفهم في التسمية في هذين النوعين يجري مجرى واحدا، فإن هذا من الواضح أن عموم التحليل جار على إيعابه، وعادة الفعل مع بقاء التسمية على حالها غير مؤثر في معناه، إذ لا تعلق بين الفعل وبين التسمية. وأما إن كانت العادة قولية كما مثلناه، وتصويره في مسألتنا أن يكون المخاطبون اعتادوا أيضا إطلاق لحم بهيمة الأنعام على الضأن دون ما سواه، فهذا موضع الخلاف. فالشافعي لا يخصص بهذه العادة، وأبو حنيفة يخصص بها، وهذا إذا كان التعارف من غير أهل اللغة المتبعين على التسمية.، فأما تعارف أهل اللغة على تسميته فإنه يرجع إليه إذا وجب التمسك بلغتهم. وأما تعارف من سواهم على قصر مسمياتهم على بعض ما وضعوها له، ففيه الخلاف المذكور، هل يقدم العرفي أو اللغوي؟ فهذا الخلاف إنما يتصور إذا كان المخاطب يدخل ف يالمخاطبين في اصطلاحهم ويخاطبهم، حتى يعرف من عادته ما أراد إلا ما يريدون باللفظ، فلو تحققنا أن النبي ﵇ اعتاد أن لا ينطلق بالطعام إلا في البُر خاصة، لحملنا ما سمعنا من نطفه على البُر حاصة، وكذلك لو فرضنا أن المخاطب خاطب وعنده أنهم لا يفهمون من التسمية إلا ما اعتاده هو فيها، وما هو اللغة عنده وعندهم، فإن هذا إثما يحمل الخطاب فيه على ما اعتاده المخاطب وكان من لغته. فإذا فرضنا أن المخاطب باق في اعتقاده على عموم التسمية، وهو عالم بأن السامعين لخطابه اعتادوا قصرها، ويعلمون أن المخاطب لم يشاركهم في العادة، فهذا موضع إشكال (ص ١٤٣) هل يظن أنه باق على لغته واعتياده، ولا يلزمه الرجوع إلى عادتهم، ولا أن يبني خطابه على عرفهم، فيكون الواجب أن يحمل السامعون كلامه على حكم اللغة، أو يقال: القصد تقريب معنى الخطاب من أفهام السامعين، وهذا يتحقق خطابهم على الوجه المألوف عندهم. فهذه صورة الخلاف وأسبابه، وفيها كفاية.

стр. 280

فصل في مفهوم الخطاب الكلام في هذه المسألة من ثلاثة أوجه: - أحدها: الكشف عن معاني العبارة في هذا الباب. - والثاني: نقل المذاهب فيه. - والثالث: سبب اختلاف المذاهب. فأما الكشف عن العبارات في هذا فاعلم أن المستعمل في هذا الباب عبارات منها: مفهوم الخطاب، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب. والظاهر أن معاني هذه الألفاظ متقاربة من جهة اللغة، وذلك أن الألفاظ كظروف حاملة للمعاني، والمعاني المستفادة منها تارة تستفاد من ناحية النطق والتصريح، وتارة تستفاد من ناحية التعريض والتلويح. فالمستفاد من ناحية النطق يسمى نصا، ومنه ما يسمى ظاهرا، وقد مضى الكلام عليهما، وعددنا هناك قسما ثالثا وهو المجمل ولم نعده هاهنا، لأجل أنا إنما نَعُد ما يفيد، والمجمل ما لا يفيد. وأما المستفاد من التلويح وهو مسكوت عنه، فإنه لا شك في كونه فهم من الخطاب، واستدل عليه بالخطاب، فحسن تسميته مفهوم الخطاب، ودليل الخطاب، فهذا النحو يسلك في الفحوى واللحن، وقد قال تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول). واختلف طرائق الأصوليين في الاصطلاح على العبارة عن أنواع ما يفهم من الكلام، فمنهم من يرى أن المفهوم اسم لجنس ما يفهم من الكلام من غير ناحية نطقه، ولكن هذا الجنس أنواع: فمن المفهوم ما يدل على أن المسكوت عنه موافق لحكم النطق من جهة التنبيه بالنطق على ما هو أولى. ومنه ما يدل على [أن] المسكوت عنه مخالف للمنطوق به في الحكم، فما كان من المسكوت عنه مواقا للمنطوق به سمى فحوى، وما كان مخالفا للمنطوق به سمى دليلا. فالموافق كقوله تعالى: (ولا تقل لها أف)، فإن ضرب الوالدين وقتلهما مسكوت عنه، ولكن حكمه التحريم، وهو منهي عنه، واستفيد ذلك من النهي كما نطق به، وهو التأفيف.

стр. 281

والمخالف مثل قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، دليله أن المعلوفة لا زكاة فيها، بخلاف المستفاد من النطق في السائمة من ثبوت الزكاة. ومن الأصوليين من سلك مسلك هؤلاء في هذا الاصطلاح، وزاد قسما ثالثا فسماه لحنا وهو ما علم من المحذوفات المقدرة بلفظ كقوله تعالى: (اضرب بعصاك البحر فانفلق)، فمعلوم قطعا أن هاهنا حذفا وهو "فضرب". وهكذا قوله تعالى: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسولا رب العالمين* أن أرسل معنا بني إسرائيل* قال أم نربك)، تقديره: "فأتياه، فقال: ألم نربك". وقد عد في هذا المثل من هذا النوع قوله تعالى في الحالف: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)، تقديره: "فحثتم". وأنكر هذا آخرون، وقالوا: قد قال سعيد بن جبير: إن الحانث يكفر ولم لم يحنث، أخذا بهذا الظاهر من غير حذف، فلو كان المحذوف كالنص لما خالف فيه مثل هذا الرجل. وهكذا أيضا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، قد تمثل به قوم وأنكره آخرون، لأجل أن من الناس من لم يقدر حذفا، وقال إن المسافر في رمضان يقضي الصوم، ولو صام في السفر، أخذا بهذا من غير حذف، وركب بعض الناس هذا في المريض أيضا، وقال: إنهم خرقوا الإجماع في المريض. وهكذا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) تمثل به قوم، وقال آخرون: لولا الإجماع لم يثبت الحذف. وعندي أن الأولين، إنما لم يتشاغلوا بعد هذا قسما ثالثا كما صنع هؤلاء، لأجل أن الغرض في علم الأصول تعليم أصول مأخذ الأحكام، والأحكام متحققة فيما سميناه فحوى، وفيما سميناه دليلا، ألا ترى أن حكم التأفيف النهي عنه، وقد استقل هذا النهي المنطوق به بنفسه، فدعت الحاجة إلى أن يبين أن حكم المسكوت عنه موافق له، كما دعت الحاجة في القسم الآخر إلى أن يبين أن الحكم المسكوت عنه بعكس حكمه.

стр. 282

وقوله تعالى: (أن اضرب بعصاك البحر) لا يتعلق به حكم، وما تعلق به من المثل الأخرى حكم. فما تقدم (ص ١٤٤) المحذوف لا يتصور فيه حكم فيقدر المحذوف موافقا أو مخالفا، ألا ترى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر)، فهذه جملة لو اقتصر عليها لم تفد حكما، وإنما هي شرط علق الحكم عليها قوله: فضرب، إنما هو لفظ محذوف مقدر الوجود، وهو تتمة الشرط، فلهذا أرى الآخرين لم يتعرضوا لعده قسما آخر. ومن الأصوليين من يجري على لسانه تسمية هذا الموافق مفهوما، ولحنا، وفحوى، ويقتصر على الخطاب في المنطوق به على تسميته دليل الخطاب. فإذا أحطت علما بهذه المقاصد والأغراض بهذه العبارات، فاعلم أن الأصوليين اختلفوا في هذا التنبيه المستفاد من قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف)، هل يقتصر في استفادته على مجرد اللفظ الوارد على النهي في التأفيف، أو إنما يستفاد من سياق الآية مبدئها ومختتمها المشتمل على الأمر بالبر، والتنبيه على ما تقدم من حقهما. فمنهم من يرى أن مجرد النهي عن التأفيف لا يدل على النهي عما سواه من ضروب الأذى والتعنيف، ولولا نظام الآية، وما اشتملت عليه من أنواع المعاني المؤكدة للأمر بالا لما استفيد منها النهي عن ضرب الوالدين، فكأن هؤلاء يرون أن الأقل والأحقر لا يتضمن، فلابد [من] التنبيه على الأعلى والأكثر. وطريقة هؤلاء تضاهي عندي ما اشتهر نقله في التصانيف عن بعض أهل الظاهر، فإنه كي عنه إنكار القول بمفهوم الخطاب على الإطلاق، كما حكي عن قوم من الأصوليين، أن المفهوم متى تطرق إليه أدنى احتمال فإنه لا يستدل به، ويرون أن الاحتمال في هذا يسقط، فسقط العمل به، بخلاف الظاهر اللفظي. وقد قدمنا لك أن المعاني المستفادة من اللفظ مستفادة منه من جهتين: إحداهما من جهة لفظه، والأخرى من جهة معناه، فالمستفاد من جهة لفظه يسمى منه ما لا احتمال فيه نصا، وما فيه احتمال يسمى ظاهرا. وما يستفاد من جهة إشعاره ولحنه فإنه على قسمين أيضا: ما لا احتمال فيه أصلا يستدل به، وما فيه احتمال، ولكنه ظاهر في أحد محتمليه فيه اختلاف، هل يعمل به أم لا؟ فتلخص من ذلك أن ما لا احتمال فيه يعمل به من غير خلاف سواء دل عليه الخطاب

стр. 283

تصريحا أو تلويحا، وما فيه احتمال مع الظهور فيعمل به إن كان لفظيا من غير خلاف، وإن كان مشعرا به ففيه الخلاف المذكور. وقد تقدم ذكر الأمثلة في النطقي، النص والظاهر. وأما أمثال ما لا احتمال فيه من المفهوم، فكما قلناه في آية النهي عن التأفيف، وأما الظاهر من المفهوم فكقوله تعالى: (من قتل مؤمنًا فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ)، فإن هذا عند طائفة من العلماء يشعر بأن القاتل عمدا عليه تحرير رقبة، لأجل أن المخطئ إذا أمر بها كفارة، مع كون فعله لا إثم فيه، فالآثم الذي هو الغامد أولى بالتكفير، فهذا المفهوم الموافق من جهة التنبيه بالآدنى على الأعلى. ولكن في هذه الآية احتمال، ويمكن أن يراد بها قصر الكفارة على المخطئ، لكون ذنب متعمد قتل النفس أعظم من أن يكفر، كما تأوله قوم من الأئمة في مواضع من الشريعة تشبه ما نحن فيه. وقد تكلم الناس على تجويز ضم نقيض هذا المفهوم إلى النطق من أن يقول: ولا تقل لهما أف، واقتلهما، ورأيت الأذري تردد فيه، فسلم أن قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة) لا يصح أن يقال ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، وإن عمل قنطارا فلن يره، ورأى هذا من التناقض. وقال في موضع من كتابه: إذا قال: ولا تقل لهما أف، واضربهما، فإن هذا خارج عن لسان العرب، وقد قال في موضع آخر من كتابه: إنما يستفاد المنع من قتلهما لأجل تجريد النهي عن التأفيف، وأشار إلى جواز مضامة هذين اللفظين بعضهما لبعض، وهذه إشارة إلى ما كنا قدمناه من كون النهي عن الضرب مستفادا من سياق الآية، لا من نفس اللفظ. فإذا علمت أن الجمهور على القول بالمفهوم، وبعض أهل الظاهر ينكره على الإطلاق، فإن القائلين به مختلفون في وجه دلالته؛ هل هي من ناحية اللغة، أو من ناحية القياس الجلي؟ فجمهورهم على أنا من ناحية اللغة، وذهب الشافعي إلى أنه من ناحية القياس الجي. ورد عليه بأن سامع هذا الخطاب يفهم منه النهي عن الضرب، وإن لم ينظر في طرق القياس، ويؤمر بذلك، وإن [لم] يؤمر بالتعبد بالقياس، فهذا جميع (ص ١٤٥) ما يتعلق بالقول بالمفهوم، ولعلنا أن نرد على الظاهرية عند أخذنا في سبب اختلاف المذاهب.

стр. 284

وأما مفهوم المخالفة وهو المسمى عند الأصوليين بدليل الخطاب فإنه يتنوع أنواعا: فمنه تعليق الحكم بالغاية كقول تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، وكقوله: (حتى يعطوا الجزية)، وكقوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل). ومنه تعلق الحكم بالحصر وقريب منه تعليقه بالحد أيضا، كقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، وعد في هذه: "الشفعة فيما لم يقسم"، حتى أشير إلى أنه من قبيل المفهوم الذي فرغنا من ذكره. ومنه تعليق الحكم بالعدد كقوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم). ومنه تعليق الحكم [بالشرطي] كقوله: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). ومنه تعلقه بالصفة كقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا متعمدا). ومنه تعليقه بالمكان كقوله: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام). ومنه تعلقه بالزمان كقوله: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة). ومنه تعليق الحكم بالاسم العلم كقوله تعالى: (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات). وقد حصر الشافعي مفهوم المخالفة في خمس وجوه، فذكر الحد، والعدد، والصفة، والمكان، والزمان، وأشار أبو المعالي إلى أن العبارة عن جميعها بالصفة يعم هذا التفصيل الذي فصله، لأن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما، وظرف الزمان مقدر فيه الصفة، فإذا قلت: زيد في الدار، فالمراد: كائن في الدار. وإذا قلت: القتال يوم الجعة، فالمراد: واقع يوم الجمعة، والكون والوقوع صفات، فهذه أنواع مفهوم المخالفة.

стр. 285

وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في هذا الباب فقد قدمنا في مفهوم الموافقة جميع ما فيه من الخلاف، وذكرناه هناك لاتصاله بما كنا فيه من الكلام وتعلقه به، فذكرنا إنكار بعض أهل الظاهر، وعد الشافعي له قياسا جليا، واختلاف القوم في الاستفادة؛ هل هي من ناحية اللفظة المتضمنة للأدنى، أو من ناحية السياق، وذكرنا اختلافهم فيما كان منه ظاهرا يتطرق إليه الاحتمال، وهذا كله قد يحسن إيراده في هذا الوجه الذي نحن فيه، فلهذا أشرنا إليه. وأما مفهوم المخالفة فالاختلاف فيه مشهور، وحكي عن جماعة من العلماء إثباته، وأضيف ذلك لبعض أصحاب مالك، وبه قال الشافعي. وحكي عن قوم نفيه، وبه قال قوم من الشافعية والحنفية والقاضي ابن الطيب. وقال ابن سريح بإثباته في الشرط. وقال القاضي ابن الطيب في المذهب الذي رجع إليه واستقر أمره عليه بإثباته في حرف الغاية، وتردد قوله في حرف الحصر، ومال إلى أنه الأظهر إثباته. وأنكره الأذري وغيره في حرف الغاية وما سواه. وقال قوم بإثباته حتى في الاسم العلم، والجمهور من مثبتي دليل الخطاب على إنكاره في الاسم العلم، وابن خويز منداد من أصحابنا أثبته في الاسم العلم، وبه قال الدقاق. وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه ينكره في تعليق الحكم بالصفة. وأشير إلى أن مالكا ﵁ يثبته في الاسم العلم لأجل استدلاله في الدونة على أن الأضحية إذا ذبحت ليلا لا تجزئ بقوله: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)، قال في المدونة: فذكر الأيام ولم يذكر الليالي، وكذلك أشير أيضا إلى أنه من القائلين بدليل الخطاب لأجل استدلاله على أن الخيل لا تؤكل بقوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)، فذكر منافعها من ركوب وزينة، ولم يذكر الأكل. وفي هذا الاستقراء عندي نظر، لاحتمال أن يكون تعلق بالآية لأجل أنها وردت مورد الامتنان، فلو كان الأكل مباحا لامتن به، لأنه من أعظم النعم التي يمتن بها، فلا يكون هذا الاستدلال منه اقتصارا على أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، لكن لأجل هذه القرينة التي أشرنا إليها.
следующие страницы →