Полный текст (479 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والمخالف مثل قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، دليله أن المعلوفة لا زكاة فيها، بخلاف المستفاد من النطق في السائمة من ثبوت الزكاة.
ومن الأصوليين من سلك مسلك هؤلاء في هذا الاصطلاح، وزاد قسما ثالثا فسماه لحنا وهو ما علم من المحذوفات المقدرة بلفظ كقوله تعالى: (اضرب بعصاك البحر فانفلق)، فمعلوم قطعا أن هاهنا حذفا وهو "فضرب".
وهكذا قوله تعالى: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسولا رب العالمين* أن أرسل معنا بني إسرائيل* قال أم نربك)، تقديره: "فأتياه، فقال: ألم نربك".
وقد عد في هذا المثل من هذا النوع قوله تعالى في الحالف: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)، تقديره: "فحثتم". وأنكر هذا آخرون، وقالوا: قد قال سعيد بن جبير: إن الحانث يكفر ولم لم يحنث، أخذا بهذا الظاهر من غير حذف، فلو كان المحذوف كالنص لما خالف فيه مثل هذا الرجل.
وهكذا أيضا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، قد تمثل به قوم وأنكره آخرون، لأجل أن من الناس من لم يقدر حذفا، وقال إن المسافر في رمضان يقضي الصوم، ولو صام في السفر، أخذا بهذا من غير حذف، وركب بعض الناس هذا في المريض أيضا، وقال: إنهم خرقوا الإجماع في المريض.
وهكذا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) تمثل به قوم، وقال آخرون: لولا الإجماع لم يثبت الحذف.
وعندي أن الأولين، إنما لم يتشاغلوا بعد هذا قسما ثالثا كما صنع هؤلاء، لأجل أن الغرض في علم الأصول تعليم أصول مأخذ الأحكام، والأحكام متحققة فيما سميناه فحوى، وفيما سميناه دليلا، ألا ترى أن حكم التأفيف النهي عنه، وقد استقل هذا النهي المنطوق به بنفسه، فدعت الحاجة إلى أن يبين أن حكم المسكوت عنه موافق له، كما دعت الحاجة في القسم الآخر إلى أن يبين أن الحكم المسكوت عنه بعكس حكمه.
стр. 282
وقوله تعالى: (أن اضرب بعصاك البحر) لا يتعلق به حكم، وما تعلق به من المثل الأخرى حكم. فما تقدم (ص ١٤٤) المحذوف لا يتصور فيه حكم فيقدر المحذوف موافقا أو مخالفا، ألا ترى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر)، فهذه جملة لو اقتصر عليها لم تفد حكما، وإنما هي شرط علق الحكم عليها قوله: فضرب، إنما هو لفظ محذوف مقدر الوجود، وهو تتمة الشرط، فلهذا أرى الآخرين لم يتعرضوا لعده قسما آخر.
ومن الأصوليين من يجري على لسانه تسمية هذا الموافق مفهوما، ولحنا، وفحوى، ويقتصر على الخطاب في المنطوق به على تسميته دليل الخطاب.
فإذا أحطت علما بهذه المقاصد والأغراض بهذه العبارات، فاعلم أن الأصوليين اختلفوا في هذا التنبيه المستفاد من قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف)، هل يقتصر في استفادته على مجرد اللفظ الوارد على النهي في التأفيف، أو إنما يستفاد من سياق الآية مبدئها ومختتمها المشتمل على الأمر بالبر، والتنبيه على ما تقدم من حقهما.
فمنهم من يرى أن مجرد النهي عن التأفيف لا يدل على النهي عما سواه من ضروب الأذى والتعنيف، ولولا نظام الآية، وما اشتملت عليه من أنواع المعاني المؤكدة للأمر بالا لما استفيد منها النهي عن ضرب الوالدين، فكأن هؤلاء يرون أن الأقل والأحقر لا يتضمن، فلابد [من] التنبيه على الأعلى والأكثر.
وطريقة هؤلاء تضاهي عندي ما اشتهر نقله في التصانيف عن بعض أهل الظاهر، فإنه كي عنه إنكار القول بمفهوم الخطاب على الإطلاق، كما حكي عن قوم من الأصوليين، أن المفهوم متى تطرق إليه أدنى احتمال فإنه لا يستدل به، ويرون أن الاحتمال في هذا يسقط، فسقط العمل به، بخلاف الظاهر اللفظي.
وقد قدمنا لك أن المعاني المستفادة من اللفظ مستفادة منه من جهتين: إحداهما من جهة لفظه، والأخرى من جهة معناه، فالمستفاد من جهة لفظه يسمى منه ما لا احتمال فيه نصا، وما فيه احتمال يسمى ظاهرا.
وما يستفاد من جهة إشعاره ولحنه فإنه على قسمين أيضا: ما لا احتمال فيه أصلا يستدل به، وما فيه احتمال، ولكنه ظاهر في أحد محتمليه فيه اختلاف، هل يعمل به أم لا؟ فتلخص من ذلك أن ما لا احتمال فيه يعمل به من غير خلاف سواء دل عليه الخطاب
стр. 283
تصريحا أو تلويحا، وما فيه احتمال مع الظهور فيعمل به إن كان لفظيا من غير خلاف، وإن كان مشعرا به ففيه الخلاف المذكور. وقد تقدم ذكر الأمثلة في النطقي، النص والظاهر.
وأما أمثال ما لا احتمال فيه من المفهوم، فكما قلناه في آية النهي عن التأفيف، وأما الظاهر من المفهوم فكقوله تعالى: (من قتل مؤمنًا فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ)، فإن هذا عند طائفة من العلماء يشعر بأن القاتل عمدا عليه تحرير رقبة، لأجل أن المخطئ إذا أمر بها كفارة، مع كون فعله لا إثم فيه، فالآثم الذي هو الغامد أولى بالتكفير، فهذا المفهوم الموافق من جهة التنبيه بالآدنى على الأعلى.
ولكن في هذه الآية احتمال، ويمكن أن يراد بها قصر الكفارة على المخطئ، لكون ذنب متعمد قتل النفس أعظم من أن يكفر، كما تأوله قوم من الأئمة في مواضع من الشريعة تشبه ما نحن فيه. وقد تكلم الناس على تجويز ضم نقيض هذا المفهوم إلى النطق من أن يقول: ولا تقل لهما أف، واقتلهما، ورأيت الأذري تردد فيه، فسلم أن قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة) لا يصح أن يقال ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، وإن عمل قنطارا فلن يره، ورأى هذا من التناقض.
وقال في موضع من كتابه: إذا قال: ولا تقل لهما أف، واضربهما، فإن هذا خارج عن لسان العرب، وقد قال في موضع آخر من كتابه: إنما يستفاد المنع من قتلهما لأجل تجريد النهي عن التأفيف، وأشار إلى جواز مضامة هذين اللفظين بعضهما لبعض، وهذه إشارة إلى ما كنا قدمناه من كون النهي عن الضرب مستفادا من سياق الآية، لا من نفس اللفظ.
فإذا علمت أن الجمهور على القول بالمفهوم، وبعض أهل الظاهر ينكره على الإطلاق، فإن القائلين به مختلفون في وجه دلالته؛ هل هي من ناحية اللغة، أو من ناحية القياس الجلي؟ فجمهورهم على أنا من ناحية اللغة، وذهب الشافعي إلى أنه من ناحية القياس الجي. ورد عليه بأن سامع هذا الخطاب يفهم منه النهي عن الضرب، وإن لم ينظر في طرق القياس، ويؤمر بذلك، وإن [لم] يؤمر بالتعبد بالقياس، فهذا جميع (ص ١٤٥) ما يتعلق بالقول بالمفهوم، ولعلنا أن نرد على الظاهرية عند أخذنا في سبب اختلاف المذاهب.
стр. 284
وأما مفهوم المخالفة وهو المسمى عند الأصوليين بدليل الخطاب فإنه يتنوع أنواعا:
فمنه تعليق الحكم بالغاية كقول تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، وكقوله: (حتى يعطوا الجزية)، وكقوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل).
ومنه تعلق الحكم بالحصر وقريب منه تعليقه بالحد أيضا، كقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، وعد في هذه: "الشفعة فيما لم يقسم"، حتى أشير إلى أنه من قبيل المفهوم الذي فرغنا من ذكره.
ومنه تعليق الحكم بالعدد كقوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم).
ومنه تعليق الحكم [بالشرطي] كقوله: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا).
ومنه تعلقه بالصفة كقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا متعمدا).
ومنه تعليقه بالمكان كقوله: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام).
ومنه تعلقه بالزمان كقوله: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة).
ومنه تعليق الحكم بالاسم العلم كقوله تعالى: (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات).
وقد حصر الشافعي مفهوم المخالفة في خمس وجوه، فذكر الحد، والعدد، والصفة، والمكان، والزمان، وأشار أبو المعالي إلى أن العبارة عن جميعها بالصفة يعم هذا التفصيل الذي فصله، لأن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما، وظرف الزمان مقدر فيه الصفة، فإذا قلت: زيد في الدار، فالمراد: كائن في الدار. وإذا قلت: القتال يوم الجعة، فالمراد: واقع يوم الجمعة، والكون والوقوع صفات، فهذه أنواع مفهوم المخالفة.
стр. 285
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في هذا الباب فقد قدمنا في مفهوم الموافقة جميع ما فيه من الخلاف، وذكرناه هناك لاتصاله بما كنا فيه من الكلام وتعلقه به، فذكرنا إنكار بعض أهل الظاهر، وعد الشافعي له قياسا جليا، واختلاف القوم في الاستفادة؛ هل هي من ناحية اللفظة المتضمنة للأدنى، أو من ناحية السياق، وذكرنا اختلافهم فيما كان منه ظاهرا يتطرق إليه الاحتمال، وهذا كله قد يحسن إيراده في هذا الوجه الذي نحن فيه، فلهذا أشرنا إليه.
وأما مفهوم المخالفة فالاختلاف فيه مشهور، وحكي عن جماعة من العلماء إثباته، وأضيف ذلك لبعض أصحاب مالك، وبه قال الشافعي.
وحكي عن قوم نفيه، وبه قال قوم من الشافعية والحنفية والقاضي ابن الطيب.
وقال ابن سريح بإثباته في الشرط.
وقال القاضي ابن الطيب في المذهب الذي رجع إليه واستقر أمره عليه بإثباته في حرف الغاية، وتردد قوله في حرف الحصر، ومال إلى أنه الأظهر إثباته.
وأنكره الأذري وغيره في حرف الغاية وما سواه.
وقال قوم بإثباته حتى في الاسم العلم، والجمهور من مثبتي دليل الخطاب على إنكاره في الاسم العلم، وابن خويز منداد من أصحابنا أثبته في الاسم العلم، وبه قال الدقاق.
وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه ينكره في تعليق الحكم بالصفة.
وأشير إلى أن مالكا ﵁ يثبته في الاسم العلم لأجل استدلاله في الدونة على أن الأضحية إذا ذبحت ليلا لا تجزئ بقوله: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)، قال في المدونة: فذكر الأيام ولم يذكر الليالي، وكذلك أشير أيضا إلى أنه من القائلين بدليل الخطاب لأجل استدلاله على أن الخيل لا تؤكل بقوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)، فذكر منافعها من ركوب وزينة، ولم يذكر الأكل.
وفي هذا الاستقراء عندي نظر، لاحتمال أن يكون تعلق بالآية لأجل أنها وردت مورد الامتنان، فلو كان الأكل مباحا لامتن به، لأنه من أعظم النعم التي يمتن بها، فلا يكون هذا الاستدلال منه اقتصارا على أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، لكن لأجل هذه القرينة التي أشرنا إليها.
стр. 286
وأما أبو الحسن الأشعري، فإنه ذكر أبو المعالي أن النقلة نقلت عنه نفي القول بالمفهوم، كما نقلت عنه نفي صيغ العموم، وقد أضيف إليه أيضا خلاف ذلك، وأنه قائل بدليل الخطاب، لأجل أنه استدل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بقوله تعالى: (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، وببقوله: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) دليل الخطاب، لأن العدل لا (ص ١٤٦) يثبت في خبره، وبقوله: (فيه هدى للمتقين)، دل هدى على أن ليس فيه هدى لغير المتقين.
وذكر أبو المعالي أنه رأس الواقفية، وإنكار القول بالعموم يضاف إليه، ولكن أبا المعالي أشار إلى ضعف إضافة هذا المذهب إليه، ورأى أنه إنما أنكر لما فاوض القائلين بتنفيذ الوعيد، وهناك قد يحسن إنكار التعلق به، لأن المسألة المراد بها القطع والمبتغى منها العلم لا العمل. وأما العمليات والمسائل الفقهيات فلا ينكر التعلق بالعموم فيها، كما لا ينكر التعلق بغير العموم وأنواع الظواهر، وإن كان القاضي ابن الطيب صرح بإنكار التعلق بالعموم حتى في العمليات.
وقد استرسل أبو المعالي في لفظة وقعت له في هذا الباب، وذلك أنه حكى عن أبي حنيفة وجماعة من الأصوليين إنكار القول بالمفهوم مطلقا، والذين أشار إليهم لم ينكروا مفهوم الموافقة، وإنما أنكروا مفهوم المخالفة المسمى بدليل الخطاب، وقد رجع أبو المعالي بعد كلام قليل إلى الإشارة إلى ما نقلناه، فذكر أن من أنكر المفهوم يسلم الفحوى، وإن اختلفوا في وجه الاستدلال بها على ما حكيناه نحن في جملة مذهبهم.
واختار أبو المعالي في تعليق الحكم بالصفة أنه يدل على أن المسكوت [عنه] مخالف المنطوق به، إذا كانت الصفة مخيلة بالحكم مناسبة له، حتى تصلح تعليلا له، بخلاف أن يكون لا مناسبة بينهما وبين الحكم، واختار في الاسم العلم أنه يتضمن أن للمتكلم غرضا في الاقتصار على المسمى، ولكن لا يتعين ذلك الغرض بنفي الحكم عن غير المسمى، على ما سنبسط طريقته، إذا خضنا في محاجة أهل المذاهب.
وإذا علمت مذهب الصائرين إلى أن تعلق الحكم بالصفة يدل على أن ما عدا المنطوق به بخلاف، فاعلم أن بينهم اختلافا في صفة دلالتها أيضا، فمنهم من يرى أن الحكم إنما تنتفي الزكاة عن المعلوفة من الغنم، وقال بعضهم: بل ينتفي الحكم عن سائر الأجناس.
стр. 287
وأما الوجه الثالث وهو سبب الخلاف فإن النافين لدليل الخطاب على الإطلاق يتمسكون في نفيه بأربع طرق، منها ما مضى في كتاب العموم وصيغ الأوامر، حيث أشرنا إلى أنهم يقولون: المعلوم إنما يثبت عقلا أو نقلا، ولا احتكام للعقليات الضروريات أو النظريات على المسميات، والنقل عن اللغة أو الشرع آحاد وتواتر، فالآحاد لا يعول عليها في مسائل القطع، والتواتر مفقود، إذ لو كان ثابتا لعلمناه.
والطريقة الثانية تقدمت الإشارة إليها، وهي حسن الاستفهام، فيصح أن يستفهم من قال: اضرب زيدا إن كان قائما، بأن يقال له: هل نضربه إن كان قاعدا. وكذلك يصح الاستفهام عن قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، بأن يقال: فهل المعلوفة زكاة؟ ولولا كون المسكوت عنه مما يحتمل أن يكون موافقا للمنطوق به، ويحتمل أن يكون مخالفا لما حسن الاستفهام.
والطريقة الثالثة أنه لو أشعر الخطاب بأن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، لما صح أن يضاف إلى الخطاب ما يفسد هذا الإشعار وينقض دلالة المنطوق، قد علم أنه يحسن أن يقول القائل: في سائمة الغنم وفي معلوفتها الزكاة، فلو كان ذكر السائمة ينفي الزكاة عن المعلوفة لكان ذكر المعلوفة كالمناقض لدلالة الكلام الأول.
والطريقة الرابعة أن النطق إذا وضع ليدل على أن ما عداه بخلافه، كان النطق الذي قام الدليل فيه على أن المسكوت عنه مساو، يصير الخطاب مجازا.
فهذه مسالك القوم، وأجاب الآخرون على جميعها.
أما الطريقة الأولى فأجابوا عنها بأنا سنريكم الأدلة على إثبات ما قلناه، وأنتم إنما أثبتم مذهبكم لزعمكم أنا عاجزون عن تصحيح مذهبنا وها نحن نصححه.
وأجابوا عن الطريقة الثانية بأن الاستفهام إنما يقبح في النصوص التي لا احتمال فيها، وأما ما يدخله أدنى احتمال فلا يقبح فيه الاستفهام، ألا ترى أن القول بالعموم ثابت عند الصائرين إليه، ويرون قولنا: اقتلوا المشركين يقتضي الاستيعاب، ولكن اقتضاؤه للاستيعاب اقتضاء الظواهر، ويحتمل أن يكون القائل: اقتلوا المشركين أراد الحربيين دون المعاهدين، فيحسن أن يقال له: هل تقتل المعاهدين أم لا؟ وكذلك دلالة النطق على أن ما عداه بخلافه إنما حسن الاستفهام فيه لأجل ما يقع في النفس من إمكان أن يكون المتكلم اقتصر على ما اقتصر عليه من الصفة المذكورة (ص ١٤٧) لغرض صحيح غير إشعاره بأن المسكوت عنه في الحكم بخلاف المنطوق به، فلهذا حسن الاستفهام.
وأجابوا عن الطريقة الثالثة بأن هذه الأمور إنما تدل عند تجريدها عن القرائن التي تنقلها عن أصلها، ولهذا قال الجمهور: إن صيغة القول: افعل، تدل على الوجوب عند
стр. 288
التعري عن القرائن، فأما عند وجود القرائن فإنها تنقلها عن أصلها، وكذلك قالوا في العموم، فكذلك دليل الخطاب إنما نثبته عند الاقتصار على ذكر إحدى الصفتين. فأما إذا لم يتعر الخطاب من إضافة ذكر الصفة الأخرى، فإنه لا يدل بالتعري من القرينة الناقلة عن الأصول [على إحداهما دون الأخرى] وهذه طريقة معروفة عند أهل الفن.
وكذلك يقولون في العموم إنما يدل على الاستيعاب عند التعري من المخصص، ألا تراه إذا قال: اقتلوا المشركين إلا الرهبان، لكان ما أضاف إلى هذا الكلام من الاستثناء مجرد اللفظ، إلا نزل عن الدلالة على الاستيعاب، فكذلك إذا قال: من قتل الصيد متعمدا فعليه جزاؤه، ومن قتله مخطئا فعليه جزاؤه كان ما ذكره في المخطئ مقترنا بذكره للعامد يبطل دلالة الاقتصار على العامد، وهذا واضح.
وأجابوا عن الطريقة الرابعة بأن النطق لا تجوز فيه فيما اقتضاه من التصريح، ولكن التلويح لم يجز فيه على الأصل إذا قام الدليل على أن المسكوت عنه بخلافه، وهذا يتنزل منزلة تخصيص العموم في نقله بالتخصيص عن الأصل. وقد تكلمنا على حقيقة المجاز والحقيقة فيه هنالك.
وأما المثبتون لدليل الخطاب فلهم أيضا أربعة مسالك:
- أحدها: الاستناد إلى النقل عن اللغة، فقالوا: أبو عبيدة ذهب إلى دلل الخطاب لأنه استدل في الرد على من قال: معنى قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعر" أن هذا في الأشعار التي هجي بها النبي ﵇، فقال: ما هجي النبي ﵇ به يحرم قليله وكثيرة، والحديث ذكر فيه امتلاء الجوف، فدل على أن القليل بخلافه، وإنما تأويل الحديث فيمن تفرغ لحفظ الشعر فراغا شغله عن العلوم المأمور بها، وكذلك استدل على أن المديان الفقير لا يحبس بقوله ﵇ في الواحد يحل عرضه وعقوبته، فدل على أن غير الواجد لا تحل عقوبته.
والشافعي صار إلى القول بدليل الخطاب، وهو من أئمة اللغة، وقد صحح عليه الأصمعي أشعار الهذليين.
والطريقة الثانية ما نقل من الأخبار الدالة على إثباته، كما نقل عنه ﵇ لما نزل
стр. 289
عليه: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة) فقال: لأزيدن على السبعين، وهذا يقضتي أنا ما زاد على السبعين بخلاف حكمها عنده في وضع اللسان، وهكذا قال يعلي بن أمية لعمر بن الخطاب في قصر المسافر الآمن، مع كونه القصر مشروطا في القرآن بالخفو، قال تعالى: (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) فقال له عمر: تعجبت مما تعجبت منه: فسالت النبي ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، فقد فهم يعلي أن اشتراط الخوف في القرآن يشعر بأن الأمن بخلافه، وأخبره عمر أن رأيه كرأيه، وآكد من هذا إقرار النبي ﵇ على هذا الاعتقاد ولم ينكره، بل أبان عن سبب القصر مع الأمن، ولو كان اعتقاده من أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به لأنكره.
والمسلك الثالث التعلق بالآثار عن السلف، فمن ذلك أن ابن عباس قال لعثمان ﵄: كيف تحجب الأم إلى السدس بأخوين، وهما ليسا بإخوة؟ فقال له عثمان: إن قومك حجبوها [باثنين يا صبي]، وابن عباس إنما تعلق بدليل الخطاب، وهو أن الإخوة إذا قيل: إثنان، فإنهم يردونها إلى السدس، دل على أن من ليس بإخوة بخلافهم، ولم ينكر عليه عثمان هذا الاستدلال.
وكذلك صنع ابن عباس في حجب الأخت الشقيقة أو من الأب عن التوريث مع البنت بقوله تعالى: (إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك)، فدل على أنه إذا كان للمرء ولد فإن الأخت لا ترث، فهذا منقول كما ترى.
وقد احتج بعض الصحابة بقوله ﵇: "الماء من الماء"، والحجة من هذا من ناحية دليل الخطاب، وسلم الآخرون الحجة، واعتذروا بأن هذا منسوخ بقوله ﵇: "إذا جاوز الختان الختان" الحديث.
والمستقرأ عنهم يكثر، ألا تراهم يتمسكون في الفقهيات بدليل الخطاب، ولهذا كانت المطلقة قبل البناء يسقط نصف صداقها، وليس إلا قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم)، ففهموا أن النصف الآخر ساقط.
стр. 290
وهكذا فهموا تحريم ما زاد على نكاح الأربع من قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) دليل الخطاب ألا تنكحوا الخامسة فما زاد على غير ذلك مما يكثر تعداده. والجواب عن جميعه واحد، فلهذا لم نستقصه.
والطريق الرابعة ما عول عليه الشافعي من أن العاقل الحكيم يحرر ألفاظه، ويقصد إليها، وإذا قصد فلابد من غرض، وإذا كان الغرض فلا يكون إلا صحيحا، ولا غرض صحيح في الشرعيات إلا تعليق الأحكام بها وبيان حقائقها، فإذا قال ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة"، فذكر السائمة لا يعد لغوا غير مقصود إليه، ولابد أن يكون قصد إليه لغرض صحيح، ولا غرض إلا التنبيه على أن المعلوفة لا زكاة فيها.
وأجاب الآخرون عن هذه الأربع مسالك فقالوا:
أما الخبران فلا دليل فيهما، لأن ذلك من أخبار الآحاد، ومسائل القطع لا يعول فيها على أخبار الآخاد، على أن ما روي من أنه ﷺ [قال]: "لأزيدن على السبعين" لم يثبت عند أهل الصحيح، وأشار القاضي ابن الطيب إلى أنه مؤتفك، لأنه قال: لا يخفى عن عربي، ولا من شدا طرفا من اللسان أن مثل هذه الخطاب إنما يرد مورد قطع الطمع من الغفران لهم، وأن ذكر السبعين مبالغة في قطع الطمع، ولا يظن بأحد من أهل اللسان سمع هذا أنه يفهم منه أن قصد المتكلم أن ما زاد على السبعين يخالفها، والنبي ﵇ أفصح العرب، وأعلمهم بما يفهم عن الله سبحانه من كلامه، فلا يصح أن يضاف إليه أنه فهم من اللسان خلف ما يفهم منه.
وقد قيل: إن الاستغفار لم يكن عليه حراما، بل خير فيه، فإنما أشار إن ثبت الحديث إلى أنه باق على الاستغفار لأجل التخيير فيه، وأنه يزيد على العدد المبالغ بذكره، والاعتماد على ما قدمناه من الجواب أولا.
وأما حديث عمر ﵁ في قصر المسافر الآمن، فيمكن أيضا لما رأى أن أصل الصلاة الذي استقر الشرع عليه الإتمام، وإنما جاء الشرع بالخروج عن الأصل في سفر الخوف، فيجب أن يكون سفر الآمن باقيا على الأصل، فلما رآه لم يبق على الأصل تعجب من هذا حتى سأل عنه النبي ﵇، فقال له ما قال. وإذا احتمل أن يكون تعجبه من مخالفة حكم الأصل، أو من مخالفة دليل الخطاب، فليس أحد الاحتمالين أولى من صاحبه. وأيضًا فإن هذا تعليق بالشرط، وجماعة من منكري دليل الخطاب تثبت المفهوم في الشرط.
стр. 291
وأجابوا عن الآثار المروية الصحابة ﵃ بأن ابن عباس إنما استمسك بإثبات الثلث للأم مع الأخوين بمجرد قولن: (لأمك الثلث)، فلا ينقص من هذا إلا بوجود إخوة، الإخوة ثلاثة، ويستمسك بدليل الخطاب.
وكذلك صنع في إسقاط ميراث الأخت مع البنت، لأجل أن الأصل: لا ميراث لأحد إلا بأن يثبت الشرع له ميراثا، والأخت إنما أثبت الشرع لها الميراث بشرط عدم الولد، فإذا عدم الولد تعين ميراثها، رجوعها إلى الأصل الذي قررناه، لا إلى دليل الخطاب. هذا وفي الآية كلام يطول قد ذكرناه في الفرائض من كتابنا المترجم بالمعلم.
وأما تعلق بعض الصحابة في إسقاط الغسل عن المجامع ولم ينزل بقوله: "الماء من الماء" بدليل الخطاب لأن له ماء من غير الماء، فقد قيل فيه: إنه روي "إنما الماء من الماء" وهذا لفظ الحصر، وطائفة من منكري دليل الخطاب يثبته في مثل هذا اللفظ، فقد كان عندهم معلوم أن لا غسل في مجاوزة الختان الختان، وقد خرج البخاري وغيره حديث: "لعلنا أقحطناك" الحديث المشهور، وفيه أنه ﵇ أسقط عنه الغسل إذا لم ينزل، وفي البخاري أيضًا عن عثمان بن عفان عن النبي ﵇ مثل هذا المعنى أيضا. فلعل القوم إنما أشاروا بالنسخ إلى مثل هذه الأحاديث لا إلى حديث "الماء من الماء". ويمكن أن يكون أيضا رأوا هذا من ألفاظ الحصر على ما سننبه عليه بعد هذا إذا تكلمنا على قوله: "الشفعة فيما لم يقسم".
وأما ما استقرأوه استقراء من تفاويهم ومذاهبهم، فالجواب العام لجميعه على (ص ١٤٩) كثرة ما يوردونه منها أنهم لم يتمسكوا بدليل الخطاب، لكن بأصول تقررت عندهم في الأحكام فرجعوا (...) فقدان الشروط والصفات المخصصة بالذكر.
ولولا تخوف الإطالة لأوردنا كل ما أورده، وأرينا في كل مسألة لهم طريقا أو طرقا في الاستدلال خارجة عن النطق بدليل الخطاب، ولكن هذا يتطلع عليه من كتب الفقه المصنفة في مسائل الخلاف.
وأما الطريقة الرابعة وهي التمسك بأن صاحب الشرع لا يليق أن ينطق إلا عن قصد، وإذا ثبت القصد فلابد من غرض، وإذا ثبت الغرض فلا يكون إلا تأسيس الشرع وتعليم والأحكام، فإن أبا المعالي جنح إلى تسليم هذا الاستدلال، واشترط فيه ما سنذكره عنه.
стр. 292
وأجاب غيره من منكري دليل الخطاب بأن الغرض والفائدة ثابتة، ولكن أنى لنا بتعينها؟ حتى زعم أن لا غرض سوى التنبيه على أن المسكوت عنه بخلاف حكم المنطوق به، وقد يكون الغرض الاهتمام بالصفة المخصصة حتى لا يحاول الفقيه إسقاط الحكم المرتبط بها بقياس ولا يضرب من التأويل. أو يكون ذكرها اتباعا للمعروف المألوف فيها على ما سنبينه، ولأن السؤال عنها وقع كما تأول قوم أنكروا التحديد بالقلتين في نجاسة الماء، والتحديد بما زاد على المصتين في تحريم الرضاع، بأن الحديثين خرجا على سؤال سائل عن قلتين فقال ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين ... "، وسأل آخر عن التحريم بالمصتين فقال: "لا تحرم المصة والمصتان"، إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد التي لا تكاد أن يحاط بها، ولا يلزمنا تعيينها.
هذا، والشرع لم يستوف النص على كل النوازل، بل ذكر شيئا ووكل للعلماء إلى الاستنباط منه، كما فعل في النص على تحريم التفاضل في النسيئة، وفي الممكن أن يورد لفظا مستوعبا لجميع الربويات حتى لا يتصور فيها اختلاف بين العلماء، ولكنه لم يفعل توسعة على الأمة بالاجتهاد في المسكوت عنه، وليرفع الله درجة الذين أوتوا العلم بالاستنباط من كلامه في الأمور الدالة على مراداته وأحكامه، فقد يجري التخصيص بالصفة هذا المجرى، ويقصد فيه هذا المعنى.
ولما أحس أبو المعالي بما على الاستدلال من هذه الاعتراضات التي أوردناها اشترط في كون الصفة مشعرة بأن ما عداها بخلافها، أن تكون الصفة مخيلة بالحكم مناسبة له مناسبة التعاليل للأحكام، فحينئذ يدل مقتضى اللسان على أن ما عدا المذكور بخلافه، لأن التعليل يقتضي الارتباط، ولكن لا يعطي هذا التعليل المقرر في هذه الصفة أحكام التعليل بالعلل المستنبطة الشرعية، فإن العلل الشرعية لا توجب انتفاء الحكم عند انتفائها، بل يجوز أن يثبت الحكم عند انتفائها بعلة أخرى، على ما سنبسطه في كتاب القياس إن شاء الله، ولكن هذه الصفة المنطوق بها إذا قدرناها مخيلة مشعرة بالحكم فإنا إنما أوجبنا انعكاسها، وأن يبقى الحكم عند انتفاء الصفة، لكون هذا وضع اللسان ومقتضاه في مثل هذه الحال، وما كان من مقتضيات اللسان بخلاف العلل المستنبطة، والتقدير في مثل هذا أن صاحب الشرع قال: هذا الحكم يحصل عند حصول هذه الصفة وينتفي عند انتفائها.
وإنما استدللنا بالإخالة والمناسبة على أن هذا معنى قوله ومراده بالتقييد الذي
стр. 293
قدره، فإذا كانت الصفة غير مخيلة ولا مشعرة بما علق عليها من الحكم جرت مجرى اسم اللقب في تعليق الأحكام عليه، فإن اسم اللقب قد قال الدقاق وابن خويز منداد من أصحابنا: إنه يجري مجرى تعليق الحكم بالصفة في أن ما عداه بخلافه، وأفرط الناس في إنكار هذا المذهب.
وسلم أبو المعالي أن الاختصاص بالاسم اللقب لا يكون إلا لغرض، ولكن ذلك الغرض لا يوقف عليه، ولا يعين بل يعتقد غرض مبهم في حق من نقل إليه هذا الكلام المخصص باللقب.
وأما من شاهد الكلام فإنه قد يستشعر قصد المتكلم بالتخصيص إذا رأى جماعة فيهم زيد، فقال: رأيت زيدا، وخصه دون من رآه لعلة فطن بها من شاهده وسمع كلامه، وعرف أغراضه، حتى لو أراد نفي ما علق باللقب عما سواه لكانت العبارة عنه بصيغة أخرى، فيقول: لم أر إلا زيدا، وإنما رأيت زيدا فمن مثل هذه (ص ١٥٠) العبارة يفهم انتفاء الرؤية عن غير زيد، وأما قوله: رأيت زيدا، فإنه إنما يفيد غرضا ما في تعليق رؤيته بزيد دون غيره من الناس، ولا يكون من جملة هذه الأغراض المبهمة قصده إلى نفي الرؤية عن غير زيد لأجل ما ذكرناه، إن العبارة عن نفي رؤيته لغير زيد إنما يكون بما صورناه من قولك: ما رأيت إلى زيدا، وإنما [رأيت] زيدا، ولا يقول: من أراد أن يخبر عن نفسه بأنه لم ير أحدا إلا زيدا، رأيت زيدا. والصفة إذا لم تكن مخيلة جرت مجرى الاسم العلم في هذا الذي قلناه، فلا يتعين الغرض فيها أيضا بأن يعتبر أن قصد المتكلم نفي حكمها عما عداها، حتى إذا كانت مشعرة مخيلة تعينت الإفادة، ودلت الإخالة على أن قصد المتكلم تعليق الحكم بها، ونفيه عما سواها، وجرت مجرى التعليل.
ولكنا لا نشترط في التعاليل المستنبطة الانعكاس كما قررناه، ولا يقدح في هذه الصفة المنطوق بها الجارية مجرى التعليل بمعنى مستنبط مخيل بما يقدح به في العلل المستنبطة، لأن هذه كلفظ أصله صاحب الشرع في الأحكام فيتصرف فيه كما شاء، بخلاف ما نظنه نحن ونستنبطه، فإن القوادح إذا تطرقت إليه أشعرت بتخطئتنا فيما استنبطناه، والذي يتفق من صاحب الشرع من التخصيص بالصفات من هذا النوع المفيد المخيل.
وأما ما لا إخالة فيه ولا إشعار بالحكم ولا فائدة لذكره في تأصيل الأحكام وبنائها، فلم يقع في الشرع. ولو قال قائل: زيد إذا مشى حرك رجليه، وإن أكل حرك فكيه، لعد هذا التخصيص بزيد من الهزء واللعب، لأن غيره مثله في هذا، حتى إذا أضاف إليه معنى خالف به من سواه، كان هذا معنى مفيدا، وهو التمثيل بما يعمل عليه القائلون بإثبات دليل
стр. 294
الخطاب، وأن ذكر الصفة لم ترد في الشرع إلا للإشعار بأن ما عداها في الحكم بخلافها، ولكن أطلق هؤلاء هذا الجواب في الصفة لعلة ما ذكرناه.
وقيد أبو المعالي بالإخالة، وأشار إلى أنه لا يقع في الشرع من ذكر الصفات ما لا يفيد فائدة، وأشار أبو المعالي إلى أن هذه الصفة إن كانت مخيلة مشعرة بالحكم فإنها أدل على نفي الحكم عما سواها من الشرط، ومن قال: أنا أكرم زيدا لأجل زيارته لي، كان أدل على ارتباط إكرام زيد بالزيارة، من قوله: من زارني أكرمته.
وقد ذكر أيضا أن منكري دليل الخطاب في الشروط أسرفوا وأفرطوا، ومن العناد والمكابرة أن يقال: إذا قال القائل: من أكرمني أكرمته، فإن هذا لا يفهم منه أنه لا يكرم من لم يكرمه، ومن زعم أن الشرط لم يعلق إجراؤه به، فقد أفسد حقيقة اللسان وعاند في مقتضاه.
وهذا الذي تمثل به أبو المعالي يلحق بالقسم الذي ذكرناه مما فيه إخالة وإشعار بالحكم يحسن معه ارتباط الصفة بالحكم وانتفاؤه مع انتفائها، لأن الإكرام يتخيل باقتضاء الإكرام، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. لكن لو فرضنا هذا فيما لا إخالة فيه، فإنه لا يظهر الأمر فيه ظهوره فيما تمثل به أبو المعالي، فلو قال: اضرب زيدا إن وجدته بمكان كذا، فإن هذا قد يحسن الاستفهام فيه بأن يقال: أأضربه إن وجدته بغير ذلك المكان؟ لأن هذا إن لم يعرف فيه علة مختصة بالمكان خرج عن المعنى المخيل.
وهذا الذي قيده أبو المعالي في اشتراط الإخالة في الصفة، وإن كان أطلقها من سواه، وقد أشار إليه بعض [ما] تقدم، وذلك أنا قدمنا أن مِن عُمَدِ القائلين بدليل الخطاب أن اختصاص الصفة بالذكر إذا لم يفد أن ما عداها بخلافها كان ذكرها لغوا، ولا يليق اللغو بكلام النبي ﵇.
وناقضهم جماعة من الأصوليين في هذا الاستدلال بأنهم يلزمهم عليه مذهب الدقاق وابن خويز منداد في أن التخصيص بالاسم العلم يدل على أن ما عداه بخلافه، وإذا صح أن لا دليل له في المسكوت عنه مع اختصاصه بالذكر صح ذلك في الصفة مع اختصاصها بالذكر.
وأشار أبو المعالي إلى صحة الإلزام، وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب أن الفرق بينهما أن الاسم العلم لا يصلح أن يعلل به، والصفات والمعاني يعلل بها، فإذا صلحت تعليلا كانت على المسكوت عنه دليلا.
فأنت ترى القاضي أبو محمد عبد الوهاب كيف أشار إلى طريق التعليل الذي
стр. 295
(ص ١٥١) سلكه أبو المعالي واشترطه، ولكنه لم يقيد الصفة بإحالة، لأن رأية ورأي غيره في العلل المستنبطة (...) رأي أبي المعالي على ما سنذكره في كتاب القياس إن شاء الله، ونتكلم هناك عن التعليل بأسامي الأعلام، وعلى ما يصلح أن يعلل به من الصفات.
وهكذا قال من تقدم: إن الاسم المشتق إذا علق به حكم، دل على أن معنى الاشتقاق هو علة الحكم، كقوله تعالى: (والسارق والسارقة)، و (الزانية والزاني)، فإن هذه أسماء مشتقة من الزنا والسرقة، والزنا والسرقة علة هذه الحدود.
وذكر أبو المعالي أن هذا إنما يتصور في الزنا والسرقة، لكون هاتين الصفتين مخيلتين بالحكم الذي علق بهما، وأشار إلى الكلام على قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" الحديث، وأحال بسط القول فيه على كتاب المترجم بالأساليب، وهذا الكتاب الذي أشرنا إليه ذكر فيه عن قوم أن الطعم علة في الربا، وهي مخيلة، لكون الطعم به طعام الأبدان، وبسط ما في هذا القول بما لعلنا نحن نبسطه إذا وصلنا إليه فيما نمليه في الفقيهيات إن شاء الله.
فصل [في إشكال]
واعلم أنه قد يقع في هذا الباب ما يشكل، وقد أشرنا إليه، ومن ذلك حرف الغاية، فإن نفاة دليل الخطاب جمهورهم على تسليم دلالة اللفظ على أن ما بعد الغاية بخلافها كقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، وكقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يدٍ)، كقول القائل: اضرب زيدا حتى يتوب، فإن التوبة غاية للضرب، وغاية الشيء نهايته، فلو كان يضرب بعد التوبة لبطل كون التوبة غاية. وقد عرف أن "حتى" هاهنا حرف غاية، فاقتضى هذا أن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وإلى هذا رجع القاضي ابن الطيب، بعد أن كان يقول خلافه.
وهكذا حرف الحصر وهو قوله: (إنما إلهكم الله)، وكقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، فتردد قول القاضي ابن الطيب في ذلك، ومال إلى أن الأظهر حصر الأمر على
стр. 296
المذكور، وأن ما ذكر بخلاف ما لم يذكر. وهذا قد تقدمت الإشارة إليه.
ولكن أبا المعالي ذكر هاهنا مصير أصحاب أبي حنيفة إلى أن قوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم" جار مجري تعليق الحكم بالصفة أو غيرها من أقسام دليل الخطاب المختلف فيها، ومذهبهم إنكار دليل الخطاب على الجملة، فنفي الشفعة فيما لم يقسم على رأيهم لا يدل عليه هذا الحديث، لذهابهم إلى إنكار دليل الخطاب.
ورأى أبو المعالي أن هذا غلط، وأن هذا اللفظ من ألفاظ الحصر، والألف واللام في قوله "الشفعة" للجنس، فحصر جنس الشفعة في غير المقسوم، فخرج هذا اللفظ بهذا عن تلك الأقسام المختلف فيها التي أشار أبو حنيفة إليها.
وكذا رأى قوله ﵇: "تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم"، من ألفاظ الحصر، وهذا اللفظ عندي يقتضي ألا تحريم إلا بالتكبير، كما لا تحليل إلا بالتسليم، وليس ذلك من ناحية دليل الخطاب المختلف فيه كما ظنه أصحاب أبي حنيفة الذاهبون إلى أن نفى التحريم بغير التكبير إنما يتلقى من دليل الخطاب، ورأوا أن قوله: "تحريم الصلاة التكبير" دليله أن غير التكبير لا يكون تحريما، وهم ينكرون دليل الخطاب، ولأجل إنكارهم إياه، قالوا: إن المصلي يدخل الصلاة بغير التكبير كالقول: الله أعظم، الله أجل، كما يخرج منها بغير التسليم.
وأنكر أبو المعالي هذا، ورأى أن مثل هذا اللفظ إنما يستعمل في اللسان لحصر التحريم على التكبير، وهذا عنده مشهور عند أهل اللسان لا ينكره أحد. وعلى هذا اعتمد في الرد عليهم، بعد أن أشار إلى اقتضاب معنى من معاني الحال كالمؤكد لما قال، وإن لم يكن عنده بمجرده مما يعول عليه، فقال: إن العرب من كلامها المبتدأ والخبر، فمن حق المبتدأ أن يكون معرفة حتى يحصل في نفس السامع معنى معروف، فإذا حصل ذلك في نفسه يبني عليه أمر مجهول عنده يفيده سماعه.
وأما لو كانا معرفتين لم يلتمس فائدة لم تكن عنده، ولو كانا نكرتين لم يستفد أيضا لكونهما مجهولين، وإنما يحصل الاستفادة بالرتبة التي قلناها، فتقول: زيد قائم، فزيد قد عرفه السامع، وجهل حاله؛ هل هو قائم أو قاعد، فإذا قلت: قائم، وهذا اسم نكرة أفدت السامع له ما عليه زيد من الحال، هذا أصل الوضع، فإذا قلت: قائم، وهذا اسم نكرة أفدت السامع له ما عليه زيد من الحال، هذا أصل الوضع، فإذا قال القائل: زيد صديقي، فقد وضع الكلام على رتبته (...) بمعرفة معلومة عند السامع، وأخبر عنها بصداقة قدر أن السامع (ص ١٥٢) حاول بها.
стр. 297
فإذا قلب هذا الوضع والترتيب فقال: صديقي زيد، لم يقبله إلا لغرض، ولا غرض فيه إلا حصر الصداقة على زيد، حتى يصير بحرصها كالمعرفة التي حسنت البداية بها، فيستفيد السامع من هذا الكلام معنى لم يكن عنده، وهو [أن] المتكلم لا صديق له إلا زيد، فإذا قال: زيد صديقي لم يستفد منه ألا صديق له إلا زيد، كما استفيد ذلك من قلب هذا الترتيب.
وقد رأيت القاضي أبا محمد عبد الوهاب سلك مسلكه هذا، ورأى أن قوله: "الشفعة فيما لم يقسم" يلحق بالمفهوم الذي لا يجب التنازع فيه، واعتل بأن اللفظ يفيد أن الشفعة محلها ما لم يقسم، وهي مقصورة عليه. وكذلك على رأيه الحديث الآخر، وهو قوله: "تحريم الصلاة التكبير".
وإذا نجز الأول في دليل الخطاب، وعبارته، وأقسامه، والمذاهب فيه، وأدلته، فلنذكر طبقته عند القائلين به في الدلالة.
فاعلم أن الغالب على مفهوم الموافقة البالغ أعلى مراتبه أن يكون نصا لا احتمال فيه، والصنف الذي يعرض فيه الاحتمال حتى يكون كالظواهر نادر فيه.
والذي لا احتمال فيه كقوله تعالى: (ولا تظلمون فتيلا) فلا احتمال فيه في هذا الكلام، لكون الكثير لا يظلمون فيه.
والذي يحل محل الظاهر كقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا فتحرير رقة مؤمنة)، فقد قيل: إن القتل عمدا يوجب الكفارة من باب أولى وأحرى، لأن الكفارة تمحيص الذنب، فإذا وجبت في المخطئ [الذي] لا ذنب عليه، فالعامد الذي عظم ذنبه أحرى وأولى باحتياجه إليها.
وأما مفهوم الخطاب الذي هو بعكس النطق، فالغالب فيه أنه لا يدل دلالة الظواهر، ويتنزل منزلة العموم الذي قد يستعمل مستوعبا لكل ما اشتمل عليه اللفظ، وقد يستعمل غير مشتمل على جميع مسمياته، لكن الأظهر من الاستعمالين الشمول والاستيعاب، وقد تقدم هذا.
فإذا تنزل منزلة العموم فقد ذكرنا أن هذه الدلالة على الاستيعاب التي هي الظاهر من حكم اللفظ العام، بترك الأدلة والقرائن المقترنة، وكذلك دليل الخطاب يستعمل أيضاً
стр. 298
مشعرًا نطقه بأن ما عدا المذكور بخلافه، وتكون هذه الدلالة على ما لم ينطق به كأنها بعض متضمنات اللفظ، وكأن اللفظ له متضمنان، أحدهما من جهة نطقه، والآخر من جهة ما يشعر به فيما لم يذكر فيه، فيصير ما أشعر به مما لم يذكر كبعض مسميات العموم، وهذا البعض المشعر به غير مستقل بنفسه، ولا هو كجملة منفردة، أو بعض جملة مستقلة بذاتها، وإنما من ضمن النطق، فيصح الخروج عنه بدلالة أيضا، كما يصح تخصيص العموم بدلالة.
وقد رأى الشافعي أن أحد الأدلة التي يسقط بها دليل الخطاب اطراد عادة يكون الناطق توخاها، وقصد مطابقة النطق لها، ولم يقصد إشعار النطق بأن ما عداه بخلافه، فإذا علم أن المتكلم قصد بالتخصيص مطابقة العادة فلا شك أن التخصيص لا يدل على أن ما عداه بخلافه. وكذلك لو ترددنا في قصده وجوزنا أن يكون قصد بالتخصيص الإشعار بأن ما عدا المذكور بخلافه، أو قصد به مطابقة العادة للحق دليل الخطاب بالمجملات التي يستدل بها لأجل ما دخله من الاحتمال.
وساق أمثلة وقعت في الشرع وقع التخصيص فيها بحكم مطابقة العرف لا بحكم الإشعار بأن ما عدا المذكور بخلافه، فذكر منها قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)، ومعلوم أن العرف باستشهاد الرجال دون النساء، لكون النساء يعسر استشهادهن وتكشفهن للقضاة وغيرهم في أداء الشهادة، فحمل قوله: (فإن لم يكونا رجلين) على مطابقة العرف المعتاد في الاستشهاد، وكقوله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم)، وقوله ﵇: (المسافر وماله على قلت إلا ما وقى الله"، فالخطاب إنما جرى على مطابقة العرف والغالب في أحوال السفر، فلم يكن للتقييد مفهوم.
وكذلك قوله تعالى: (فإن ختم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم فيما افتدت به)، إنما قيد بالخوف لأن العادة أن المرأة لا تبذل مالها عوضا عن فراق الزوج وهما متحابان، وإنما تبذله إذا وقع القلى والتنافر، الذي يخاف معه ألا يقيما حدود الله، فاشتراط الخوف هاهنا جرى على مطابقة العرف، لا على القصد إلى أن يشعر النطق على أن ما عداه بخلافه، حتى يحرم على الزوجة المفاداة الخوف والمقة.
وهكذا أيضا حمل قوله ﵇ (ص ١٥٣): "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
стр. 299
فنكاحها باطل" على أنه لم يقصد بهذا الإشعار على أن ما عدا إذنه بخلافه، فتكون المرأة إذا عقدت على نفسها النكاح بمجرد إذن الولي لها في ذلك من غير أن يعقد عليها، يصح عقدها ونكاحها، كما قال أبو ثور ومحمد بن الحسن، لأن القصد هاهنا بهذا اللفظ مطابقة العرف الجاري، فإن المرأة التي معها أدنى خفر، واقل مسكة من الحياء لا تتبرج للرجال فتعقد على نفسها نكاحها منهم، فجرى النطق على حكم المتابعة لهذه العادة والإخبار بأن عقدها على نفسها باطل، دون الإشعار بأن الولي إذا أذن لها جاز أن تعقد على نفسها.
وهذا الذي ذكره الشافعي من الأمثلة أشار غيره فيه إلى أمثله أخرى يكثر تعدادها، قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم)، فإن الربيبة تحرم وإن لم تكن في الحجر، وإنما اشترط الحجر جريا على المعتاد المعروف في كون الربائب في حجور أزواج أمهاتهن.
وهكذا قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة)، فإن السفر إنما قيد به لأن الكاتب إنما يعدم غالبا في السفر لا في الحضر، فجرى التقييد على حكم المتابعة للعرف، لا على قصد الإشعار بأن الرهن في الحضر لا يحل كما قاله مجاهد، وأن نكاح الربيبة التي ليست في الحجر تحل كما قاله أهل الظاهر.
وخالف أبو المعالي طريقة الشافعي في هذا، ورأى أن دليل الخطاب لم يثبت بمجرد التخصيص بالذكر، إذ لو كان هذا من العلة للزم ذلك في الأسماء الأعلام، كما قاله الدقاق، ولكن إنما دل على ذلك بما في الكلام من الإشعار على حسب مقتضى حقائقه من كونه شرطا، ومن حق الشرط تعليقه جوابه به، إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إلى علله.
وإن كان هذا هكذا لم يصح إسقاط مقتضى اللفظ باحتمال يؤول إلى العرف، فإذا لم يعلم قصد المخاطب إلى إسقاط دليل الخطاب لم يصح ما دل عليه الخطاب بالتجويز والاحتمال، واستشهد في هذا بأن عمر ﵁ لم ينكر على تعلقه بدليل الخطاب في قصر المسافر على ما تقدم.
وقد أشار الشافعي إلى عده مما يسقط لأجل العرف كما تقدم.
وأشار أبو المعالي أيضا إلى نظر عنده فيما قاله الشافعي في حديث نكاح المرأة بغير إذن وليها، وذهابه إلى إسقاط المفهوم منه، ولكنه سلم أن دليل الخطاب إذا عرض فيه
стр. 300
إمكان توخي مطابقة العرف بالتخصيص، فإن المستدل على سقوط هذا المفهوم، ويسامح في استدلاله ما لا يسامح من حاول إسقاط فمهوم خطاب لم يعرض [فيه] مثل هذا الاحتمال الذي هو توخي مطابقة العرف، ولا يطلب المستدل نفسه في إسقاط مثل هذا الدليل، بما يطلب به نفسه من الأدلة إذا حاول إسقاط دليل خطاب لم يعرض فيه مثل هذا الاحتمال، بل طبقة الدليل الذي يترك به هذا المفهوم يصح أن يتقاصر عن طبقة الدليل الذي يحاول به ترك المفهوم الآخر الذي لا احتمال فيه، وهذا تتضح حقائقه في كتاب التأويلات، عند الإشارة إلى الموازنة بين ما يعرض من التأويلات، وصلى الله على محمد.
فصل في أحكام أفعال الرسول ﷺ
وما يقع من الرسول ﷺ ، لا يخلو من أن يكون قولا أو فعلا، فيفتقر الفقيه إلى أن يعلم كيفية اتباعه ﷺ والاقتداء به في أقواله وأفعال. فعلم فيما مضى في هذا الكتاب كيفية اتباعه في أقواله ﷺ ، وما ذكرنا من الأمر وأحكامه وفصوله كلها المتقدم ذكرها، من حمل مجرد أمره على الوجوب أو الندب، وحمل أمره المطلق على التكرار أو الاتحاد، وحمله على الفور أو التراخي، إلى غير ذلك من أحكام الأوامر، وكذلك أقواله المشتملة على المسميات التي مضى أحكامها أيضا في كتاب العموم، وكل ذلك إنما قدم بيانه ليعرف الفقيه كيف يأخذ الأحكام من أقواله، وكيف يتحرى طرق الاتباع.
فلما نجز القول في جميع ذلك، وجب أن يعرف (ص ١٥٤) بعده معنى كيفية الاقتداء به في أفعاله.
وقد تقرر أن المعصية لا تتبع، ولا يقتدى بفاعلها فيها، ولو وجب في الشرع اتباع العاصي على معصيته لانقلب عن كونها معصية إلى أن تصير طاعة، واستحال السؤال، فإذا تقرر أن المعصية لا يصح الاقتداء بفاعلها ولا تابعه عليها، احتجنا هاهنا أن نقدم فصلا
стр. 301
يشتمل على عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم عنها.
فليعلم أن النبي من جملة البشر، يجوز عليه ما يجوز عليهم، فإذا قال: إن الله تعالى عصمني من أمر يجوز على البشر، وأقام على صحة ما قال دليلا وهو المعجزة، ارتفع الجواز ووجب القطع على صدقة فيما قال. فأصل هذا الباب أن يجوز على الرسول كل شيء يجوز على البشر، إلا ما ذكر أن لا يجوز عليه، وأقام المعجزة دليلا على صحة ما قال. فقوله: لا يجوز عليَّ كذا وكذا خبر متردد بين الصدق والكذب، فإذا أقام المعجزة تعين في أحد الجائزين وهو الصدق، والمتبع على هذا ما ذكره حين الاستدلال بالمعجزة، فإن قال: إن الله تعالى عصمني أن يقع مني كذب في البلاغ عنه، أو في شيء من الأحاديث التي ليست ببلاغ عن الله سبحانه، وأني لا يقع مني كذب في ذلك، لا سهو ولا عمد، ولا تقع مني معصية أعصي بها الله صغيرة ولا كبيرة، فلو صرح بجميع هذا في التحدي لم يختلف أحد من مثبتي النبوءة أن ما قال حق، ولا يمتري أحد في أنه معصوم عن جميع ذلك، كما لو قيد في استشهاده أحد ما ذكرناه من هذه الأنواع لم يختلف في قصر العصمة على ما ذكرناه، ويبقى ما سواه على التجويز. فجميع مسائل هذا الباب إلى هذا يرجع، فقد علم قطعا أنه إنما يذكر أنه رسول من قبل الله سبحانه، أرسله ليبلغ عنه ما يخاطب به العباد، وأنه صادق في أن الله أرسله ليبلغ ذلك بلاغ صدق وحق، وأنه لا يبلغ عنه تعالى إلا حقا، فلم يختلف المسلمون في عصمة الرسول عن الكذب في هذا النوع قصدا أو عمدا إليه، فأما وقوع خبر من هذا النوع على خلاف ما هو عليه سهوا وغلطا، وعلى بدار اللسان إلى لفظ بغير قصد، فهذا موضع اضطراب.
أما أبو إسحاق الإسفراييني فإنه منع ذلك، وأشار إلى منعه من ناحية دلالة المعجزة، ورأى الدلالات العقلية، والدلالة العقلية لا تدل في حال دون حال، ألا ترى أن الإحكام للأفعال يدل على علم المحكم على الإطلاق، ولا يختص بحال دون حال، وكذلك الفعل يدل على الفاعل، ولا يختص ذلك بحال دون حال، فكذلك المعجزة تدل على صدق الرسول دلالة مطلقة، ولا تختص بإحالة كذب عليه دون كذب.
وذهب القاضي إلى خلاف هذه الطريقة، ورأى أن المعجزة في معنى الدلالة الوضعية الاصطلاحية والدلالة الوضعية إنما تدل بحسب ما وقع عليه التواضع والاصطلاح، فالرسول إنما استشهد بالمعجزة على أنه لا يتعمد الكذب على الله سبحانه وأظهر الباري سبحانه
стр. 302
المعجزة حينئذ لينبئ عنه تعالى، أنه صدقه فيما قال، فالكذب على جهة غلط اللسان والسهو، والوهم باق على الجواز على حسب ما عهد من الطبية البشرية، فإن وجد وسمع وجاء شرع بعصمة الرسول عن شيء من هذا اتبع في ذلك الشرع المنقول، لا دلالة العقول.
وزعم القاضي هاهنا أن الشرع جاء بأنه لا يقع منه غلط ولا سهو فيما يتعلق بعقائد الإيمان، وادعى الإجماع على ذلك. ولم يسلم أبو المعالي الإجماع في هذا بل أبقاه على الأحكام المجوزة، ومتى قيل للقاضي في هذا الإجماع الذي أشار إليه ما تصنع في الحديث المذكور فيه أنه تلا في سورة النجم: "تلا الغرانيق العلى" إلى آخر ما تلا، في ذلك؟
أجاب بأن هذا إذا سلم أمكن أن يكون الشيطان حاكي صوت النبي ﷺ حين تلاوته محاكاة يتعذر على السامعين تمييزها، وإليها الإشارة بقوله تعالى في آية أخرى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)، الآية فأشار إلى أن الشيطان يلقي في تلاوة الرسول والنبي إذا تلا، وهذا الحديث منه، وقد جرى الرسم بأن يعبر عن هذا الفصل بأن يقال: هل يجوز على النبي الغلط والسهو فيما طريقه البلاغ عن الله سبحانه؟
وذكر أبو المعالي هذا المعنى فقال: أما ما يتعلق بالتكاليف ففيه اضطراب، فإن أراد بهذه العبارة ما يتعلق بالتبليغ عن الله سبحانه ففيه ما حكيناه (ص ١٥٥) ومذهبه تجويزه عقلا، وإن أراد بهذه العبارة جميع القرب الواقعة منه، سواء كانت بلاغا أو غيره، فالمعروف عند [الفقهاء] أن ما يتعلق بالبلاغ فلا يمنع فيه النسيان، وأشار بعضهم إلى منع النسيان على الإطلاق.
ولما احتج عليه بما رواه ذو اليدين من "سلامه ﵇ من اثنتين" الحدث المشهور، أجاب بأنه قد قيل: "إني لا أنسى بل أنسى" الرواية كما وقعت في بعض طرق الحديث، وزعم هؤلاء أنه ﵇ كان يؤمر بأن يتشبه في مثل هذا بالناسي حتى يعلم أحكام النسيان. وهذا جواب من أفرط في التعس، ولا معنى لله ورب من جواز النسيان عليه في هذا، وإضافة ما هو أبعد منه من أفعال يتخيل منها معاني التدليس والتلبيس، وقد قال في الحديث: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" الحديث.
وإذا قلنا بجواز وقوع الغلط والسهو فيما طريقه التبليغ عن الله سبحانه، فإن أصحاب
стр. 303
هذا المذهب يشترطون أن الرسل لا تقر على اغلط، بل ينبهون عليه عن قرب حتى يرجعون إلى البلاغ للحق.
وأشار أبو المعالي [إلى] أن اشترط القرب في التنبيه لهم لا يجب، بل يصح تأخير تنبيههم على الغلط ما لم ينقرضوا ويموتوا، فإنه لا يجوز أن يموتوا غير منبهين على ذلك الغلط.
هذا جملة ما يتعلق بالكذب والغلط في الأخبار البلاغية عمدا أو سهوا.
وأما الأخبار الدنيوية التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا إلى أخبار المعاد، ولا تضاف إلى الله سبحانه، بل هي مما يتفاوض الخلق فيه فيما بينهم، [مثل] خبره عن شخص لقيه، أو طعام أكله، لا يقصد بذلك إثبات حكم وتعليم شرع، فهذا فن آخر، وهو أيضا ينقسم إلى العمد والسهو.
فأما العمد فلا شك أن الإكثار من هذا يلحق بالمعاصي الموبقات، ويندرج في جملة الكبائر، وسنتكلم على أحكام الكبائر.
وأما الكذبة ونحوها التي لا تؤدي إلى احتقار وازدراء بقائها، وهي مما يلتحق بالمعاصي الصغار، فسنتكلم عليها أيضا في جملة أحكام الصغائر.
وأما وقوع الكذب في مثل هذا النوع الذي لا يتعلق ببلاغ ولا إخبار عن الله سبحانه فإن وقوعه سهوا لا شك في جوازه على رأي القاضي، لأجل ما قدمناه من أن القاضي يجيز الكذب سهوا وغلطا في الخبر البلاغي، فكيف بالخبر الدنيوي.
وقد كنت تكلمت على هذا السؤال وأنا في سن الحداثة فذهبت فيه إلى المنع، وسئل عن ذلك شيخنا أبو القاسم سليمان الأصولي ﵀، فلم يرجع عنه جوابا، وخالفني بعض الأصحاب، وتكلمت معه على السؤالين بين يدي أستاذنا الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الحميد ﵀، واحتججت عليه بأن هذا إجماع مستقرا، وذلك أنا نعلم أن الصحابة ﵇ كانوا يبادرون إلى تصديق كل من يقول، والثقة به على الفور، والبدار عند ما يقع منه الإخبار في أي نوع كانت الأخبار، غير متوقفين في شيء من ذلك منها، ولا مترددين في بعضها، ولا ملتفتين إلى [عدمي] تجويز أن يكون منها ما حكى.
стр. 304
وهذا الاستقراء أوضح الاستقراءات، ذكرها العلماء في مسائل حاولوا فيها إثبات الإجماع، هي مسطورة في كتبهم، فهذا الذي كان ظهر لي وأبديته مناظرا في سن الحداثة، ونقض عندي بحديث ذي اليدين، وأجبت بأنه خبر واحد، وبأنه قد تؤول قوله: "كل ذلك لم يكن"، على أن المراد به لم يكن القصد والنسيان معا، وبأن معنى الحديث: لم يكن ذلك في علمي واعتقادي. ولو اشترط هذا نطقا فقال: لم يكن ذلك في اعتقادي، لم يكن كذبا، فكذلك إذا جعلنا هذا الكلام مقدرا مضمرا، فهذا الذي كان جرى مني قديما. وعندي الآن في المسألة نظر يطول استقصاؤه، فهذه جملة القول في الأخبار.
وأما أفعال الجوارح فلا شك في تقرر الإجماع على عصمة الأنبياء عن الفواحش والكبائر الموبقات، وإنما اختلف الناس في الطريق التي منها علمت عصمتهم عن هذا، فذهب أهل الاعتزال وقوم من أئمتنا إلى أن ذلك يمتنع عقلا. فأما المعتزلة فأشاروا إلى طريقتهم المعروفة في التحسين والتقبيح العقلي، فقالوا: تجويز الكبائر والفواحش المبوقات كالزنا والسرقة والحرابة، والمتساكن بالمأمور ينقص من الأقدار ويزري بفاعله، وتسقط هيبته من النفوس ويوجب (ص ١٥٦) احتراز اعتقاد خساسته، وهذا لا يصح إضافته للرسل لأن فيه تنفيرا عنهم.
وأما القاضي فإنه قال: لا طريق إلى العصمة إلا ما قدمناه من دلالة المعجزة، والرسول لم يستدل بها على أنه لا يعصي، فإذا لم تقع المعجزة على العصمة من ذلك بقي الأمر على الجواز، لكن الإجماع انعقد على عصمتهم من الكبائر، فصرنا لذلك من جهة الإجماع عليه.
وأما الصغائر فإن هذه العبارة فيها مشاحة، قد ذكرت في كتب الكلام، قيل فيها: إن الشيء يكون صغيرا إذا نسبت إلى مخالفة أمر آخر، والباري سبحانه مخالفته تجب أن تكون كبيرة عظيمة على الإطلاق، لعظيم حقه على المأمورين، وعظيم ما يتخوف من سطوته، ولكن عن تسليم العبارة المتداولة، واشتهار المراد بها، فبين أئمتنا اختلاف في وقوع الصغائر، فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها.
وجنح المجيزون لها إلى أن وردت في الشرع أخبار تشير إلى أنها قد وقعت من الأنباء، كقوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، وتأول الآخرون هذا على أن المراد به ما تقدم وما تأخر مما أحدثه قبل النبوة، أو على أن المراد بهذا الخطاب أمته ﷺ .
стр. 305
وهكذا يتأولون ما استدل به من الآيات المشيرة إلى هذا كقوله: (وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب* فغفرنا له ذلك)، والمغفرة تقتضي ذنبا، وقوله تعالى في يونس: (إني كنت من الظالمين)، وقوله في آدم: (وعصى* أدم ربه فغوى)، فقالوا: هذا كان قبل نبوة آدم، ألا تراه يقول: (ثم اجتباه ربه)، فاشار إلى أن الاجتباء كان بعد المعصية. وكذلك يسلكون في جميع الظواهر والآي طرق التأويل.
وهذا الخلاف في صغيرة واحدة أو ما في معناها، فأما إذا تكررت وكثرت حتى تلحقها كثرتها بالكبائر، فإن الجواب يعود إلى ما قدمناه في الكبائر. وكذلك يجب أن لا يختلف في صغيرة مواقعتها عنوان خساسة النفس، وسوقط المروءة كسرقة حبة بر، وربما كان في المباحات ما يسقط المروءة ويزيل الحرمة، حتى يلحظ مواقعه بغير الخساسة والازدراء، كنحو ما يقع في بعض الممازحة والمداعبة، أو [ما] في معنى ذلك، فهذا أيضا مما يعصم منه الأنبياء، وجرى الرسم بأن يعبر عنه بما عبرنا به. والأمر إذا خرج إلى مثل هذه الحال قد يخرج الشيء عن حكم الإباحة، وهذا يبسط في موضعه.
وأما عصمة النبي قبل أن يتنبأ فإنا لا نشترطها، ولكن لم يرد في الأخبار أن الله بعث من كان كفر، والأخبار تدل على أن ذلك لم يقع على ما زعم أهل الأخبار.
وأما الفواحش الموبقات فهو أحرى بالتجويز من الكفر، وقد ذهب قوم إلى منعها جريا على ما كنا أشرنا إليه من أن في ذلك تنفيرا عن الرسول، وقد يعير بما تقدم من زلاته، أو يعتقد احتقاره بسببها. وقد قدمنا نحن أن لا نسلم بهذا الأصل، ولا نوجب على الله سبحانه أن يفعل بالرسول كل ما يبعد من النفار عنه، وقد هزم الرسول، وجرح وتولى ذلك الكفار، ولم يعصم من هذا لئلا يحدث منه في بعض النفوس الجاهلية بالله سبحانه نفار.
وأما الملائكة فالرسل منهم إلى النبيين حكمهم مع النبيين فيما ذكرناه من العصمة، حكم النبيين المرسلين إلينا معنا، وأما من سواهم من الملائكة فقال قوم: جميعهم معصومون لقوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، هذا خرج مخرج المدح، فوجب حمله على التعميم، ولو كان المراد به: لا يعصون في أمر وحال دون حال،
стр. 306
لكانوا كبني آدم، لا وجه لاختصاصهم بهذا الوجه. وقيل: بل جائز عليهم، وقد تحمل الآية عند هؤلاء على الملائكة المقربين أو من في معناهم، وهذا لا حاجة للفقيه به، فنطنب فيه.
وإذ قد نجز القول فيما يعصم منه النبي، وما يجوز عليهم، وما لا يجوز، فلنذكر الآن أحكام الاقتداء بهم في أفعالهم.
فاعلم أن قدمنا تقسيم أفعال المكلفين إلى الوجوب والحظر، وغير ذلك مما قدمناه من أقسام الأحكام العامة لجميع المكلفين، فأما قسم المحظور منها فإنه ساقط فيما نحن فيه إذا قلنا بعصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الصغائر والكبائر. وإذا قلنا بجواز وقوع الصغائر منهم، لم يسقط هذا القسم، ولكن أشار أبو المعالي وغيره إلى أنه لا مطمع في إثبات الاقتداء بهم في أفعالهم على القول بتجويز وقوع صغائر المعاصي منهم. وهذا عندي فيه نظر (ص ١٥٧) لأن من يجوز وقوع المعاصي الصغيرة منهم، فإنه لا يجوز توالي ذلك وتكرره، على حسب ما قدمنا، وإنما يجوز وقوع الفلتة منهم، فالفعل إذا وقع مطلقا ولم يقارنه ما يدل على أنه معصية، قد يحيله هؤلاء على أنه من قبيل الجائز، لأن الجائز هو الغالب والظاهر. وكل أمر محتمل في الشرعيات، وأحد محتمليه أظهر، فإنه يستعمل في الشرعيات، ويحتج بالظواهر فيها على حسب ما قدمنا في كتاب الأوامر وكتاب العموم، فلست أرى جواب من جوز المعاصي على الرسل ينشط إلى ما أشار إليه أبو المعالي من إسقاط القدرة بالرسل لتجويز أمر نادر، وما عندي أن القوم يستسهلون هذا الإطلاق.
وأما ما يجوز كونه معصية إما لإحالة المعاصي عليهم، أو لقرينة نفت المعصية، أو أخذ بالظاهر على ما أشرت أنا إليه، فإنه لا يخلو أن يكون من قبيل الأفعال التي يلحق بما تقتضيه الجبلة والطبيعة كالمنام والقيام والقعود، فإن هذا القسم لم يذكر فيه اختلاف أنهم لا يسوغ اتباعهم فيه، لأنه كالواقع منهم من غير قصد، أو كالموجود فيهم بغير اختيارهم.
وأما ما سوى هذا مما يقع عن قصد مبتدأ مجرد ولسبب ما، فإنه لا يخلو من أن يكون قارنه قول على اقتداء الخلقية بالرسل فيه، أو يقع على حالة تجري مجرى ما قرانه القول، أو يكون معرى من ذلك.
فأما إذا قارنه قول تضمن الأمر بالاتباع في الفعل كقوله في صلاته ﷺ : "صلوا كما
стр. 307
رأيتموني أصلي"، وفي حجه: "خذوا عني مناسككم"، فإن هذا لا شك في أنه قد شرع اتباعه على فعله، ولكن إنما صير إلى هذا لأجل ما قارنه من الأمر بالاتباع، فالمتبع القول، والأفعال كالأعلام على الاتباع.
وكذلك إن لم يقارن الفعل قول ولكنه وقع منه موقع البيان لمجمل عند سؤال سائل عنه مست الحاجة إلى بيانه، أو شوهدت قرائن دلت على أنه قصد به البيان والامتثال للأمر، فهذا أيضا قدر شرع لنا اتباعه عليه، على حسب ما تضمنه القول المبين.
وأما إن لم يكن من الأفعال التي تجري مجرى الجبلة، ولا من الأفعال الاختيارية التي قارنها قول أو شاهد حال على حسب ما ذكرناه، فلا يخلو أيضا أن يكون أوقعها على وجه التقرب إلى الله سبحانه، أو أوقعها إيقاعها مطلقا لا يظهر فيه قصد التقرب، فإن المصنفين اختلف نقلهم للمذاهب في هذين القسمين.
فبعضهم يقيد النقل في الفعل الواقع على جهة القربة خاصة دون ما وقع مطلقا.
وبعضهم يجعل القسمين يجريان مجرى واحد في نقل الخلاف فيهما، فقيل في الأفعال الواقعة على هذين القسمين أما قصد القربة، أو الإطلاق أن ذلك محمول على الوجوب، فيلزم الأمة، ويجب عليها أن تفعل كما فعل، حكي ذلك عن مالك، وأشار ابن خويز منداد إلى أنه مذهب مالك، وقال: وجدته في موطئه يستدل بأفعال النبي ﵇، كما يستدل بأقواله، وهذا المذهب الذي اختاره ابن خويز، وبه قال قوم من أهل العراق، ومن أصحاب الشافعي.
وقال قوم من أصحاب الشافعي، بل نحن مندوبون إلى أن نفعل مثل ما فعل.
وقال قوم: بل فعله هذا لا يتضمن أكثر من إباحة الفعل لنا وجوازه منا.
وقال آخرون بالوقف في هذا الفعل على حسب ما قتوله الواقفية في صيغ الأوامر، والعموم، وهو مذهب القاضي ابن الطيب، وبه قال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، واختاره الشيرازي.
لكن الشيرازي لما اختار الوقف ذهب إلى أنه متى علم كيفية الحكم الذي أوقع ﵇ عليه فعله وجب الخروج عن الوقف، وأن يؤمر بالاتباع واجبا، أو ندبا، على حسب ما علمنا أنه وقع الفعل عليه.
стр. 308
وحكي عن الدقائق أنه يتمادى على الوقف، ولو علم كيفية حكم وقوع فعله ﷺ .
وهذا الذي ذكرناه من هذه المذاهب كلها فيما وقع على وجه القربة، أو مطلقا على رأي قوم ألحقوا هذا القسم المطلق بالذي قيدناه يعضد القربة.
وأشار أبو المعالي إلى أنه لا يصير إلى وجوب الاتباع في الفعل المطلق إلا ضعفه الفقهاء، وذكر أنه مذهب نسب إلى ابن سريج، وأبعد أن يقول ابن سريج به.
وأما لو وقع الفعل مقترنا بما دل على أنه مباح كأفعاله الصادرة منه ﷺ ، المخير بين فعلها وتركها على حد سواء، فإن المشهور عند الأصوليين أن اتباعه عليها لا يجب ولا يستحب.
(ص ١٥٨) وذهب قوم إلى أنه يستحب لنا فعل مثل ما فعل من أفعاله المباحة.
وحكى بعض المصنفين أنه يجب علينا أن نفعل مثل ما فعل في سائر أفعاله حكاية على الإطلاق، وأشار فيها إلى المساواة بين أفعاله المباحة، وما قصد به القربة، هكذا أشار بعض المصنفين في حكاية هذا المذهب عن قوم.
والذي اختاره أبو المعالي أن أفعاله الصادرة منه على جهة التقرب تندب، نحن إلى نقل فعلها وأفعاله المطلقة التي لا يقصد بها التقرب تنبئ عن إباحة الفعل لنا من غير ندب إليه، وأفعاله له فيما لا يتعلق بالأحكام التي هي من خصائصه، وميز فيها ﵇ عن أمته يقف عليها هل شرع لنا اتباعه عليها أم لا؟
فهذه جملة المذاهب في جميع هذه الأقسام.
وأما سبب الاختلاف، فليعلم أن القائلين بوجوب اتباعه على أفعاله مختلفون؛ هل يدل على ذلك العقل أو السمع؟ وكذلك [الـ]ـصائرون إلى حمل ذلك على الندب مختلفون أيضا هل دلهم على ذلك العقل أو السمع؟
فأما طريقة من تمسك بالعقل في الوجوب فإنهم يقولون: التكليف له ﷺ يقتضي كونه مصلحة، ومصلحتنا كمصلته. وأيضا فالذي يفعله حق وصواب، والصواب يجب أن يتبع. وأيضا فلو سامحنا في أن لا نتبع أدى إلى التنفير عنه.
وهذا الذي قالوه باطل، أما المصالح فلا نشترطها في التكليف، ولو اشترطناها لاختلف [ذلك] باختلاف الأشخاص، كما اختلف للحائض والطاهر، والمسافر
стр. 309
والحاضر. وكذلك الصواب والحق يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف أفعالهم.
وأما مراعاة ما ينفر فلا نشترطه في النبوات، ولو اشترطناه لم نسلم كون هذا منفرا، وقد هزم ﷺ وجرح، ووقع في شرعه النسخ، ولم يمنع ذلك لئلا يقع فيه تنفير، قال تعالى: (وإذا بدلنا أية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر).
وكذلك القائلون إن الندب يوجب من طريق العقل، إنما عولوا على ما لا يعول عليه فقالوا: الاتباع مأمور به، والندب منه متيقن، فلا يزاد على اليقين. وأيضا فلو وجب الاتباع لوجب أن يبحث عن باطن أفعاله وظاهرها.
وهذا غلط منهم لأصحاب الوجوب بقولون: الأحوط والأخذ بالحزم يقتضي الحكم بالوجوب، ولأن الاتباع أمر به وتجويز تركه لسنا على ثقة منه، فلا يخاطر بالتساهل في الترك. وأما البحث عن أفعاله فإنه إنما يسلك في ذلك المسلك الذي جاء الشرع به، وما لم نعلم من فعله لا حكم علينا [فيه]، وإنما هذا الخلاف فيما حصل معلوما لنا، وتطلب علمنا بأفعاله مسألة أخرى.
وأما الراجعون إلى السمع من المذهبين فإنهم يستمسكون بقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، ويرون أن قوله: (لكم) ينفي الوجوب، لأنه لو كان واجبا التأسي والاقتداء به لقال بدل "لكم" "عليكم". وأجاب الآخرون عن هذا بأنه قد قال: "لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتولى فإن الله هو الغني الحميد)، وهذا تهديد ووعيد يدل على الوجوب.
وجوابنا للجميع أن يقابل بعضهم فتتعارض أقوالهم فتسقط. وأيضا فإن التأسي والاقتداء إنما يتعلق إذا اتبعناه على فعله على حسب ما أوقعه عليه، وعلى حسب ما أمرنا باتباعه فيه.
وكذلك تعلقوا بقوله تعالى: (وما أتاكم الرسول فخذوه)، وهذا ينازعون في قوله: (فخذوه)، فإنه صيغة الأمر، وقد علم اختلاف الناس في صيغة الأمر المجرد، هل يوقف أم لا؟ مع أن أفعاله ليست مما أتانا [به]. وأيضا فقد قال عطفا على هذا: (وما نهاكم عنه
стр. 310
فانتهوا)، وهذا يشير إلى أن ما قبله أمر، وهو الذي أتانا حتى تصح المقابلة بين الأمر والنهي، ونحن لا نخالف في امتثال أمره.
وهكذا تعلقوا بقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) الآية.
ونحن نقول: قد قيل: أما قوله في هذه الآية: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، أن الضمير المذكور في أمره، المراد به الله سبحانه لا رسوله، لأنه أقرب المذكورين، قال تعالى: (يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، فالمراد أني أعلم ما يخافونه عن رسوله فاحذروني.
وجواب آخر وهو أن الأمر هاهنا ليس هو الفعل، إنما يسمى أمرا مجازا، وإلا فحقيقة التسمية إنما تنصرف إلى الأوامر القولية، ونحن لا نخالف في أوامره القولية، إنما نهينا عن مخالفته فيها، ويعضد هذا قوله في صدر (ص ١٥٩) الآية: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا)، ودعاؤه ليس من أفعاله المشار إليها، وإنما يراد به ما يأمرنا به وينهانا عنه.
وكذلك تعلقوا بقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، ونحن نقول: الطاعة موافقة الأمر، لا المتابعة على الفعل. فهذا تعلق القوم من آي القرآن.
وأما تعلقهم من الأخبار فإنهم يقولون: إن رجلا أتى أم سلمة فسألها عن قبلة الصائم، فسألت أم سلمة النبي ﷺ عن ذلك فقال لها: "ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم"، وهذا منه ﷺ إشارة إلى أن حسب الناس أن يفعلوا ما يفعل في سائر أحواله، ولهذا قال لأم سلمة: "هلا أخبرتيه أني أقبل"، ولو كان اتباعه ﷺ في أفعاله ساقطا عنا لم يقل لها مثل هذا الكلام.
وأيضا روى ابن معاذ أتى النبي ﵇، وهو راكع فركع معه، فقال له ﵇: "ما حملك على ما صنعت؟ فقال: كرهت أن أجدك على أمر ولا أتبعك عليه.، فقال ﷺ : سن لكم معاذ سنة فاتبعوها" الحديث كما وقع، وهذا يشير إلى اتباعه ﷺ في أفعاله. ولما
стр. 311
عدل معاذ عما كانوا عليه من قضاء ما فات، والإمام في الصلاة إلى ما صنع، وعلل بكراهية المخالفة له ﷺ ، اقتضى ذلك وجوب اتباعه في أفعاله.
وأيضا فإنه ﵇ شكا إلى أم سلمة تأخر أصحابه عن الحلاق لما أمرهم به في حجته، فقال لأم سلمة: "أما ترين أن قومك أمرتهم فلا يأتمرون؟ فقالت ﵂: اذبح واحلق، ففعل ﷺ فاتبعوه على ما فعل"، ورأوا أن فعله آكد من قوله، لأنه قال: فتأخروا حتى فعل فامتثلوا.
وتعلقوا بسيرة الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يتحرون أفعال النبي عليه السالم، ويقتدون بها فيها، ألا تراه ﷺ لما خلع نعله خلعوا نعالهم.
وألا ترى أن عمر بن الخطاب قال في الحجر [الأسود]: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك، ما قبلتك".
وألا ترى ابنه عبد الله بن عمر أتى إلى مكان فأدار ناقته، فقيل له: ما هذا؟ فقال: ما أدري، ولكني رأيت النبي ﷺ يفعله ففعلته.
وحديثه المخرج في الصحيح، الموطأ وغيره لما قيل له: رأيتك تصنع أربعا، فذكر له الإهلال، وتقبيل الأركان، والصباغ، ولباس النعال السبتية؟ فأجاب عن الجميع بما دل على أنه يرى الاقتداء بالنبي ﵇ في أفعاله، والحديث مشهور.
وقد اختلفت الصحابة في الغسل من مجاوزة الختانِ الختانَ، فسألوا عائشة، فحكت فعل النبي ﵇، فلو لم يكن حجة لما حكته، ولا رجعوا إليه.
وتتبع آثارهم في هذا يكثر، ويكاد لا يحصى لكثرته واشتهار هذا عنهم.
وكثرة ما نقل عنه دعا أبا المعالي إلى أن اختار الندب إلى اتباعه ﷺ تمسكا بهذه السيرة المنقولة عنهم فيما طريقه القرب، كما ذهب إلى اختيار الإباحة فيما لا يقصد فيه التقرب، وذكر أن الصحابة كانوا يستدلون على رفع الحرج بفعله ﷺ ، ووقف فيما كان من خصائصه، وزعم أنه لا يعرف سيرتهم في هذا النوع.
والواقفون يجيبون عن هذه السيرة، بأنه قد يكون قارنت الأفعال قرائن تدل على الأمر
стр. 312
بالاتباع فيها، ويجيبون عن الأحاديث التي قدمناها بنحو من هذا، ويقولون: أما خلعهم النعال في الصلاة، فلأجل أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال ابن خويز منداد ردا لهذا الجواب: لم يذكر أن خلعهم النعال كان بعد أن قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"ـ فيحمل ما فعلوه على امتثال قوله هذا، لا على اتباع فعله. وأيضا فإن خلع النعال ليس من نفس الصلاة، فيدخل في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وكذلك أجاب الواقفية عن حديث الحلاق في الحج، لأنه قال: "خذوا عني مناسككم"، فلهذا فعلوا ما فعلوه.
وتتُع كل ما قيل في مثل هذا يطول، وبالجملة فالأظهر في هذا أنا مأمورون بالاتباع على الجملة، وأن الصحابة كانت تدين بهذا، وإذا طرقنا إلى مثل [هذا] الاستدلال ما أشار إليه الواقفية من التجويز، فتحنا على أنفسنا مطاعن من طعن علينا في استدلالنا بآثارهم على إثبات القياس، والعمل بخبر الواحد، وهذا واضح.
وإنما يبقى النظر في مسلكهم اتباعه ﷺ ؛ هل [كانوا] يعتقدون الوجوب، أو الندب، وما عندنا في هذا يطول استقضصاؤه.
فصل في تعارض الأحوال (ص ١٦٠)
اعلم أن التعارض بمعنى التضادد، والتنافر.
فأما الأقوال فيصح فيها هذا المعنى، لأن تقدير قول متضمن لمعنى، وتقدير قول متضمن لمعنى مضاد لذلك المعنى ممكن متصور، والقول: اقتل زيدا، مضاد للقول: لا تقتله، والقول: (وأحل الله البيع)، مضاد للقول: وحرم الله البيع.
وأحكام ما تعارض من الأقوال مذكور في مواضعه، والمشهور عند الفقهاء فيه استعمال البناء والتأويل على ما يصح معه استعمال القولين جميعا، "كنهيه ﵇ عن الصلاة بعد العصر" ولم يفرق بين فرض ونافلة، وقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، ولم يفرق بين ما بعد العصر وبين غيره من الأزمان، فكان أحد الحديثين يقتضي عمومه قضاء الصلاة المنسية بعد العصر، ويقتضي عموم الحديث الآخر النهي عن الصلاة المنسية حينئذ، فمالك يبني الحديثين، ويرى أن نهيه عن الصلاة بعد العصر محمول على النوافل، حتى لا يعطل واحد من الحديثين.
وإن تعارض القولان تعارضا لا يمكن فيه البناء والتأويل كان أحدهما ناسخا للآخر، فاعتبرت التواريخ التي منها يعلم الناسخ منهما من المنسوخ.
стр. 313
وأما تعارض الفعلين فلا يتصور على الحقيقة، لأن كل فعل يختص بمحله، ويقع في زمنه، والتضادد إنما يتحقق مع تساوي الزمن والمحل، لكنا إن قدرنا تعدي حكم فعله ﵇ إلينا، صار من ناحية تعدي الحكم إلينا، إما وجوبا أو ندبا، على ما تقدم ذكر الخلاف فيه بتصوير التعارض، ويتنزل الفعل منزلة القول المشتمل على المعاني، فإذا نقل عنه ﵇ فعلان متعارضان، وقد أخبرناك بمعنى التعارض، ولم يتصور فيهما طرق التأويل، فإن أحدهما يكون ناسخا للآخر، فيطلب التاريخ حتى يعلم الآخر، فيكون هو الناسخ على حسب ما ذكرناه في تعارض القولين، هذا مذهب الجمهور.
ورأى القاضي أن النسخ هاهنا لم تدع إلى المصير إليه ضرورة كما دعت في الأقوال، لأن الفعل مقصور على فاعله ولا يتعداه، وليس كالصيغ المشتملة على معان متضادة، فإذا وجدنا فعلين متعارضين حملناهما على التجويز والإباحة، وقلنا: القصد بيان جواز كل واحد من الفعلين.
وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر عندي، إلا على رأي الذاهبين إلى أن فعله ﵇ يقتضي الإباحة، وليس القاضي من جملة القائلين بهذا المذهب، بل مذهبه الوقف، فإن كان يقول برأي الصائمين إلى أن فعل النبي ﵇ يقتضي الجواز صح ما قال. وإن أراد أن ذلك يحمل على جواز الفعلين في حقه ﷺ خاصة فصحيح ما قال، إذا قلنا: يمنع وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء صلوات الله عليهم على طريقة من ذكرنا ذلك عنه، ونبهنا نحن على ما عندنا على ما قاله هؤلاء، وإنا إن قلنا بتجويز ذلك فالأظهر في الأفعال المطلقة حملها على الجواز لكون تكرار المعاصي لا يليق بهم، وإن كانت صغائر.
وأشار أبو المعالي إلى أن المختار ما قاله الفقهاء من الأخذ بآخر الفعلين [تاريخا]، ولكن يمكن أن يكونوا ﵃ قدموا الآخر تقدمة أولى وأفضل لا تقدمة ناسخ على منسوخ. وأشار أبو المعالي في غضون هذا الباب إلى مسألة فقهية نقل فيها كلام الشافعي، وأراد أن يستنبط منه [أنه] من المائلين إلى الأخذ بآخر الفعلين، فذكر أنه قدم في صلاة الخوف ما وصفه ابن خوات [بن جبير] من "صلاة النبي ﵇ بالطائفتين" على ما وصفه ابن عمر، لما كانت رواية ابن خوات مؤخرة، فإنها صلاة غزوة ذات الرقاع، ورواية ابن عمر في غزاة غيرها، فقدر أنها سابقة لما رواه ابن خوات في رواية ابن خوات: إذا كانت هي الآخرة يجب أن تتبع. أو يكون الشافعي إنما قدم رواية [ابن] خوات لضرب من الترجيح.
وهذه الرموز التي رمز إليها مبسوطة في كتب الفقهاء، لكن قوله: لما كانت رواية
стр. 314
صالح بن خوات مؤرخة ذات الرقاع، ورواية ابن عمر في غزوة غيرها، قدرت رواية ابن عمر متقدمة على هذا التاريخ. هذا فيه نظر، ويمكن أن يقال: بل رواية ابن عمر كانت رواية ابن عمر (ص ١٦١) مؤرخة بتاريخ يسبق ذات الرقاع. ولهذا عطف أبو المعالي فقال كالمستدرك لما تعقبناه عليه، أو يكون سلك مسلك الترجيح، والترجيح الذي أشار إليه هو أن رواية ابن خوات تضمنت أن الطائفة الأولى يصلي بهم الإمام ركعة، فإذا قام إلى الثانية قاموا فصلوا الركعة الثانية أفذاذا وسلموا، وانصرفوا وبقى الإمام قائما في الركعة الثانية حتى تأتي الطائفة الثانية فتحرم وتصلي معه هذه الركعة الثانية، ثم تقضي الركعة الفائتة أفذاذا، وهذه الرواية حصل فيها اجتناب المشي في الصلاة والعمل الكبيرة المجانب لخضوع الصلاة وما شرط فيها من السكون، وهذه طريق من الترجيح، لكنها إنما فيها كون المأمومين يصلون بقية الصلاة والإمام لم يفرغ. هذا في حق الطائفة الأولى، وفي حق الطائفة الثانية فيها القضاء قدر خروج الإمام من الصلاة على أحد قولي مالك في المدونة أن الطائفة الثانية تقوم للقضاء، إذا تشهد الإمام، وينتظرهم حتى يقضوا الركعة السابقة فيسلمون، والقضاء قبل فراغ الإمام من الصلاة خلاف الأصول.
فأنت ترى هذه الرواية كيف خالفت الأصول من جهة صلاة المأمومين وقضائهم قبل فراغ إمامهم، ووافقت الأصول من جهة اجتناب العمل الكثير في الصلاة.
كما أن رواية ابن عمر أيضا وافقت الأصول من جهة، وخالفتها من جهة أخرى، وذلك أن في رواية ابن عمر أن الطائفة الأولى لما صلت مع الإمام ركعة مضوا لجهة العدو، وانصرف أصحابهم إلى الإمام ليصلوا معه الثانية، والطائفة الأولى قد انصرفت إلى مصافة العدو، والمشي إلى مكان العدو ومقابلته عمل كثير في الصلاة، وهذا خلاف الأصول، لكنه وافق الأصول من جهة أخرى، وهو أ، هم سلموا من قضاء الصلاة، والإمام لم يفرغ، فأنت ترى كل واحد من الروايتين كيف وقعت في موافقة أصول الشريعة من جانب ومخالفتها من جانب.
وأبو المعالي إنما أشار إلى الترجيح من جهة وهي التحفظ من العمل الكثير في الصلاة على ما بيناه نحن، ولكن في قبالة التحفظ عن أصل تضييع أصل آخر، وهذا جائز في الروايتين جميعا، وإنما يبقى بعد هذه الموازنة ما بين كل جهة من هذه الجهات وما قابلها، وهذا يدق وليس من شغل الأصولي، نعم، ولا هذا الذي أوردناه من شغله أيضا، وإنما ذكرناه هاهنا، وإن كنا أمليناه مبسطوا كما يجب مستقصى كل ما يتعلق به في كتابنا المترجم بشرح التلقين.
стр. 315
وأما إن تعارض قول وفعل ففيه ثلاثة أقوال:
- أحدها: أن القول مقدم لكونه له صيغة تتضمن المعاني، والفعل جامد مقصور على فاعله.
- والثاني: أن الفعل أولى لأنه مما لا يحتمل]، والقول مما يحتمل، وما لا احتمال فيه أولى.
- والقول الثالث: أنهما سيان لا يرجح أحدهما على صاحبه، لما ذكرناه مما لكل واحد منهما من الترجيح.
وهذا يمثل "بقوله ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها"، مع ما رواه ابن عمر أنه "رآه على اللبنتين ... " الحديث. ويمثل بغير ذلك من الأحاديث.
فصل في تقرير النبي ﵇ على الفعل
اعلم أنه ﵇ لا يرى منكرا إلا غيره، ومتى سمع قولا أو رأى فعلا، فلم ينكره دل ذلك على جوازه وإباحته لمن أقره عليه، إذ لو كان حراما لأنكره، اقتضى هذا أيضا إباحته لسائر الأمة، لأن حكمه على الواحد حكمه على الجميع. هذا على مذهب الجمهور، وهو المعروف عند الفقهاء.
وذكر أبو المعالي هاهنا أن هذا القول إنما يصح إذ كان المقر على الفعل منقادا للشرع، سامعا مطبعا، وأما الأبي الممتنع كالكافر، فلا يكون إقراره عليه دالاً على الإباحة والجواز.
والذي قاله أبو المعالي في الكافر صحيح، ولكن في الذي قال في المناطق نظر، لأن المنافقين لو زنوا أو شربوا الخمر لأقام الحد عليهم، والحدود تغيير للمنكرات، وكذلك ينهاهم لو رآهم على معصية، لأن السكوت على الإنكار يوهم من سواهم جواز الفعل، لما كان المنافقون منقادين في الظاهر للشرع واقعين فيما يرغبون تحت أمره ونهيه، خوفا أو طمعا.
وألحق أبو المعالي بهذه المسألة الكلام على حديث مجزز، وذكر استلال الشافعي على الفعل بالقافية في الأنساب بحديث مجزز (ص ١٦٢) و"أنه ﵇ سر بقوله في أسامة وزيد: هذه الأقدام بعضها من بعض"، وذكر أن الشافعي اعتمد على هذا الحديث في
стр. 316
العمل بالقافة، ورأى أن النبي ﵇ لا يسر بباطل، وذكر أن القاضي تعقب هذا بأن سرور النبي ﵇ (يحتمل أن يكون لأجل أن الجاهلية كانت تطعن في هذا النسب، وكانت ترى تصديق القافه فسر ﵇ بإكذابهم، ووقوع خبر يصدقونه بأمر يسوؤهم.
وأشار أبو المعالي [إلى] أن نهاية ما ينتصر به الشافعي أن يقال: إن القائف إذا [كان] يخطئ ويصيب، فالقيافة أمر لا يعول عليه ولا يوثق به، وأخبار مجزز لا يوثق فيها، فصحة الخبر مما لا يقره ﵇، وقد ذكرنا نحن في كتابنا "المعلم" هذا الحديث، واختلاف المذهب على قولين في الحكم بالقافة، ومذهبا ثالثا صار إليه أبو حنيفة، وذكرنا سبب الخلاف فمن تشوف إليه فليطالعه هناك.
فصل في خطابنا بشرع من كان قبلنا
الكلام في المسألة من وجهين:
- أحدهما: النظر فيما كان ﷺ [يتعبد به] قبل أن يوحى إليه، وهذه المسألة قليلة الفائدة في حق الفقيه ولا تمس الحاجة إلى نظره فيها، ولا حظ لها في علم الأصول أيضا لا تعلقها بالرد على المعتزلة في بنائها على التحسين والتقبيح العقلي، ولكن نذكر ما قيل فيها:
- فمن الناس من صار إلى أنه ﷺ لم يكن عاملا بشريعة أحد قبله.
- ومنهم من صار إلى أنه كان عاملا بشريعة من قبله.
- ومنهم من وقف وجوز أن يكون الأمر على كل واحد من المذهبين.
فالقائلون بأنه لم يكن عاملا بشريعة نبي قبله اختلفوا، فمنهم من منع ذلك عقلا، وهي المعتزلة، ومنهم من منع ذلك نقلا وهو القاضي ابن الطيب ومن وافقه.
والقائلون بأنه كان يعمل بشرع من قبله اختلفوا على طريقتين أيضا، فقال: بعضهم: لا ندري أي النبيين كان يتبع، ويقفون في ذلك، وقال آخرون: بل ندري من كان يتبع، واختلف هؤلاء، فقيل: كان يتبع نوحا، وقيل: كان يتبع إبراهيم: وقيل: كان يتبع عيسى صلوات الله عليهم أجمعين.
فأما المعتزلة فمسلكهم أن قالوا: كونه قبل أن يبعث متبعا لنبي غيره يحط من قدره، وينفر عنه، لأنه يبعد أن يكون متبوعا من كان تابعا. وهذا الذي قالوه باطل، وقد قدمنا بطلان مرارا، وبسطنا بطلان مذهبهم في التقبيح والتحسين العقلي فيما تقدم. وأيضا لو
стр. 317
سلمناه لم نسلم أن في هذا حطا للقدر ولا تنفييرا، وأمور الآخرة والأحكام والنبوات لا تقاس على أحوال أهل الرياسات الدنيوية.
وأما المانعون لذلك سمعا فمعتمدهم على أنه لو كان على شريعة لنقل ذلك، إذ لا يمكن في العادة كتمان ذلك ولا إخفاؤه، بل العادة أن يتحدث بما كان ﷺ يتقرب به، وينتمي إليه من الشرائع، ولو لم يكن إلا أن يتحدث بذلك ويفتخر به أهل الملة التي دعاهم إلى الرجوع إليها وترك ما هم عليه، وهذه عمدة القاضي التي يعول عليها.
واختار أبو المعالي مذهب الواقفية الذي حكيناه، ورأى أن ما تمسك به القاضي قد يقلب عليه، فيقال: لو كان غير متبع لشرع لنقل أيضا، ولو سلم أن ذلك لا ينقلب، وأن العادة ما ذكره القاضي، لأمكن أن تكون هذه العادة انخرقت كما انخرقت له عوائد كثيرة ﷺ .
وأما الذاهبون إلى أنه كان متمسكا بشريعة على الجملة دون معرفة عن الشريعة التي تمسك بها فإنهم يقولون: قد كان يذبح الذبائح، ويتصرف في الملابس والمراكب والمطاعم والوطء تصرفا على مسلك ما، وما ذاك إلا لشريعة اتبعها. وأيضا فقد كان يفعل القُرَب والمناسك، ويصل الرحم، إلى غير ذلك مما يشعر بكونه متمسكا بشريعة. وهذا الذي قالوه لا حجة لهم فيه، لأجل أن بعض هذه الأمور ربما آثرها لما في الطباع والنفوس إيثارها، وقد يؤثر من لا يتشرع أصلا أمر ما بحكم الطبع أو المنشأ والإلف.
وقد قالت المعتزلة: إنه لم يكن على شريعة، ولكنه كان على شريعة العقل، يجتنب ما يقبحه العقل، ويفعل ما يحسنه. ونحن نصرف ما صرفوه إلى العقل ما ذكرناه من مقتضى الطبع والإلف والعادة.
وأما الصائرون إلى تعيين رسول (ص ١٦٣):
فمن عين منهم عيسى ﷺ اعتمد على كون شريعته آخر الشرائع التي قبل شريعتنا، والآخِر أحق أن يتبع في مثل هذا، وأشار هؤلاء إلى أن عيسى كان شريعته عامة، فالنبي ﵇ يدخل في عموم من دعاء عيسى.
وهؤلاء خولفهم في تعميم شريعة عيسى، وقيل لهم: يجوز أن تكون غير عامة، ولو قلنا: إنها عامة فإنها يسقط اتباعها لاندراسها، وأصل شريعة النصارى عن أربعة: لوقا، ومرقص، ومتى، ويحنا، والعلم لا يقع بخبر أربعة.
وأما من قال هو إبراهيم، ومن قال: هو نوح فيتعلقون بقوله تعالى: (أن اتبع ملة
стр. 318
إبراهيم)، وبقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وسنذكر الجواب عن هذا.
ولعل من قال: شريعة موسى هي التي كان يتبع رأي أن الآخر هاهنا هو المتبع، وشريعة عيسى وإن كانت الآخر فلم تثبت فيها أحكام بنقل متواتر إلى ما قبلها، وهي شريعة موسى.
وأما الوجه الثاني وهو تعبدنا بعد أن بعث نبينا ﷺ بشريعة من كان قبله، فاختلف الناس أيضا في ذلك: فقيل: نحن متعبدون بذلك، وقيل: لسنا متعبدين.
والقائلون بأنا متعبدون اختلفوا في عين من تعبدنا بالرجوع إليه، فقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى. وكنا ذكرنا في الوجه الأول، أنه قد ذكر في جملة المذاهب أنه ﵇ كان قبل مبعثه متبعا شريعة نوح، هكذا نقل أبو المعالي هاهنا.
وظنى أن المذهب الذي نقله هناك في هذا الوجه ينبغي أن ينقل، ولكني لست الآن على ثقة ويقين بهذا، والظاهر أن أصحاب هذا المذهب اعتمدوا على قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا)، وهذا الخطاب ظاهره تعبدنا نحن بهذا بعد بعثة نبينا ﷺ .
وقال قوم بالوقف، وجوزوا أن يكونوا متعبدين بشرع من قبلنا، وأن يكونوا غير متعبدين.
فأما الصائرون إلى أن غير متعبدين فمنهم من أنكر ذلك عقلا، وهم المعتزلة، ومسلكهم ما حكيناه عنهم من التحسين والتقبيح، وقد أفسدناه، ومنهم من قال: إنه منع ذلك سمعا، واعتماد هؤلاء على قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
ويجاب عن هذا بأنه لا يمتنع أن يكون هذا وصفا لغالب ما عليه كل رسول. وأيضا فكل رسول له منهاج يضاف إليه، سواء كان ذلك المنهاج موافقا لما قبله أو مخالفا، واعتمد أيضا على أن النبي ﵇ قال لعمر ﵁ إذا كان يسأل بني إسرائيل عن قصصهم: "لو كان ابن عمران حيا ما وسعه إلا اتباعي"، وهذا يشير إلى المنع من اتباع شريعة من سواه.
стр. 319
وكذلك يحتج أيضا بحديث معاذ لما قال للنبي ﵇: "أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي" الحديث المشهور، ولم يذكر فيه في طرق ما يرجع إليه في الأحكام النظر في شرع من كان قبلنا.
واعتمد هؤلاء أيضًا أن الصحابة كانت تكثر البحث عن أحكام مشكلة ملتبسة، ويتطلب المعرفة بها من كل جهة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه بحث عما في الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، ولو كان أمرا متبعا لنقل ذلك عن بعضهم. ولا معنى لقول من أجاب عن هذا بأن المانع لهم من الرجوع إلى شرع من كان قبلنا [ما وقع فيها من التحريف، فهم موافقون له في المذهب مع] مخالفة له في العلة، مع أنه لو كان ذلك حقا لوجب أن يبين النبي ﵇ مواضع التحريف [لـ]ـيجتنبوها إذا رجعوا إلى هذه الكتب.
وأيضا فقد كان عبد الله بن سلام، وهو المشار إليه بقوله: (ومن عنده علم الكتب) بين أظهرهم، ولم يسألوه عن أحكام التوراة، ولا عن موضع التحريف، وكذلك فعلوا مع كعب الأحبار.
وأما الذاهبون إلى أنا يجب علينا اتباع شرع من كان قبلنا من الرسل فيعتمدون على قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدة). وأجيب عن هذا بأن المراد به الاقتداء في سلوك طرق التوحيد والإيمان بالله. ويؤكد هذا أن في المذكورين من ليس له شريعة كيوسف، ولكنه كان موحدا، فإذا صرفنا القدوة إلى طرائق التوحيد عممنا الجميع.
وأما عن عين إبراهيم فإنه أخذ بقوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم)، ومن عين نوحا إن كان قيل ذلك كما ظننته ولم أتيقنه الآن، فيعتمد على قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وهذه الآي وأمثالها لما نذكره محمولة على القدرة في التوحيد والإيمان بالله سبحانه، وربما كان في بعض سياق هذه (ص ١٦٤) الآيات ما يشهد على صحة التأويل.
ولما نجز القول في تعليم كيفية تلقي الأحكام من ألفاظ صاحب الشرع، ومضى بيان ذلك في كتاب الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، وما يتعلق بهذين الكتابين، رتب سائر المصنفين بعد هذا تعليم فصول أخر من أصول الفقه، إما كتاب الأخبار أو غيره من
стр. 320
الكتب، لكن أبا المعالي شرع بعد هذا في فن آخر وهو التأويل للظواهر، لما كان يمكن وضع قوانين كلية في تعليم كيفية تأويل الظواهر، وما يقبل من ذلك وما لا يقبل، وأسقط ذلك أكثر المصنفين لما رأوه مما يشتغل الفقهاء بالإكثار من تفاصيله والمناظرة عليه فكان الأولى الإحالة عليهم عند هؤلاء.
ورأى أبو المعالي أنه من تعليم كيفية مأخذ الأحكام من ألفاظ صاحب الشرع، فألحقه هاهنا وترجمه:
следующие страницы →