← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

العمل بالقافة، ورأى أن النبي ﵇ لا يسر بباطل، وذكر أن القاضي تعقب هذا بأن سرور النبي ﵇ (يحتمل أن يكون لأجل أن الجاهلية كانت تطعن في هذا النسب، وكانت ترى تصديق القافه فسر ﵇ بإكذابهم، ووقوع خبر يصدقونه بأمر يسوؤهم. وأشار أبو المعالي [إلى] أن نهاية ما ينتصر به الشافعي أن يقال: إن القائف إذا [كان] يخطئ ويصيب، فالقيافة أمر لا يعول عليه ولا يوثق به، وأخبار مجزز لا يوثق فيها، فصحة الخبر مما لا يقره ﵇، وقد ذكرنا نحن في كتابنا "المعلم" هذا الحديث، واختلاف المذهب على قولين في الحكم بالقافة، ومذهبا ثالثا صار إليه أبو حنيفة، وذكرنا سبب الخلاف فمن تشوف إليه فليطالعه هناك. فصل في خطابنا بشرع من كان قبلنا الكلام في المسألة من وجهين: - أحدهما: النظر فيما كان ﷺ [يتعبد به] قبل أن يوحى إليه، وهذه المسألة قليلة الفائدة في حق الفقيه ولا تمس الحاجة إلى نظره فيها، ولا حظ لها في علم الأصول أيضا لا تعلقها بالرد على المعتزلة في بنائها على التحسين والتقبيح العقلي، ولكن نذكر ما قيل فيها: - فمن الناس من صار إلى أنه ﷺ لم يكن عاملا بشريعة أحد قبله. - ومنهم من صار إلى أنه كان عاملا بشريعة من قبله. - ومنهم من وقف وجوز أن يكون الأمر على كل واحد من المذهبين. فالقائلون بأنه لم يكن عاملا بشريعة نبي قبله اختلفوا، فمنهم من منع ذلك عقلا، وهي المعتزلة، ومنهم من منع ذلك نقلا وهو القاضي ابن الطيب ومن وافقه. والقائلون بأنه كان يعمل بشرع من قبله اختلفوا على طريقتين أيضا، فقال: بعضهم: لا ندري أي النبيين كان يتبع، ويقفون في ذلك، وقال آخرون: بل ندري من كان يتبع، واختلف هؤلاء، فقيل: كان يتبع نوحا، وقيل: كان يتبع إبراهيم: وقيل: كان يتبع عيسى صلوات الله عليهم أجمعين. فأما المعتزلة فمسلكهم أن قالوا: كونه قبل أن يبعث متبعا لنبي غيره يحط من قدره، وينفر عنه، لأنه يبعد أن يكون متبوعا من كان تابعا. وهذا الذي قالوه باطل، وقد قدمنا بطلان مرارا، وبسطنا بطلان مذهبهم في التقبيح والتحسين العقلي فيما تقدم. وأيضا لو

стр. 317

سلمناه لم نسلم أن في هذا حطا للقدر ولا تنفييرا، وأمور الآخرة والأحكام والنبوات لا تقاس على أحوال أهل الرياسات الدنيوية. وأما المانعون لذلك سمعا فمعتمدهم على أنه لو كان على شريعة لنقل ذلك، إذ لا يمكن في العادة كتمان ذلك ولا إخفاؤه، بل العادة أن يتحدث بما كان ﷺ يتقرب به، وينتمي إليه من الشرائع، ولو لم يكن إلا أن يتحدث بذلك ويفتخر به أهل الملة التي دعاهم إلى الرجوع إليها وترك ما هم عليه، وهذه عمدة القاضي التي يعول عليها. واختار أبو المعالي مذهب الواقفية الذي حكيناه، ورأى أن ما تمسك به القاضي قد يقلب عليه، فيقال: لو كان غير متبع لشرع لنقل أيضا، ولو سلم أن ذلك لا ينقلب، وأن العادة ما ذكره القاضي، لأمكن أن تكون هذه العادة انخرقت كما انخرقت له عوائد كثيرة ﷺ . وأما الذاهبون إلى أنه كان متمسكا بشريعة على الجملة دون معرفة عن الشريعة التي تمسك بها فإنهم يقولون: قد كان يذبح الذبائح، ويتصرف في الملابس والمراكب والمطاعم والوطء تصرفا على مسلك ما، وما ذاك إلا لشريعة اتبعها. وأيضا فقد كان يفعل القُرَب والمناسك، ويصل الرحم، إلى غير ذلك مما يشعر بكونه متمسكا بشريعة. وهذا الذي قالوه لا حجة لهم فيه، لأجل أن بعض هذه الأمور ربما آثرها لما في الطباع والنفوس إيثارها، وقد يؤثر من لا يتشرع أصلا أمر ما بحكم الطبع أو المنشأ والإلف. وقد قالت المعتزلة: إنه لم يكن على شريعة، ولكنه كان على شريعة العقل، يجتنب ما يقبحه العقل، ويفعل ما يحسنه. ونحن نصرف ما صرفوه إلى العقل ما ذكرناه من مقتضى الطبع والإلف والعادة. وأما الصائرون إلى تعيين رسول (ص ١٦٣): فمن عين منهم عيسى ﷺ اعتمد على كون شريعته آخر الشرائع التي قبل شريعتنا، والآخِر أحق أن يتبع في مثل هذا، وأشار هؤلاء إلى أن عيسى كان شريعته عامة، فالنبي ﵇ يدخل في عموم من دعاء عيسى. وهؤلاء خولفهم في تعميم شريعة عيسى، وقيل لهم: يجوز أن تكون غير عامة، ولو قلنا: إنها عامة فإنها يسقط اتباعها لاندراسها، وأصل شريعة النصارى عن أربعة: لوقا، ومرقص، ومتى، ويحنا، والعلم لا يقع بخبر أربعة. وأما من قال هو إبراهيم، ومن قال: هو نوح فيتعلقون بقوله تعالى: (أن اتبع ملة

стр. 318

إبراهيم)، وبقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وسنذكر الجواب عن هذا. ولعل من قال: شريعة موسى هي التي كان يتبع رأي أن الآخر هاهنا هو المتبع، وشريعة عيسى وإن كانت الآخر فلم تثبت فيها أحكام بنقل متواتر إلى ما قبلها، وهي شريعة موسى. وأما الوجه الثاني وهو تعبدنا بعد أن بعث نبينا ﷺ بشريعة من كان قبله، فاختلف الناس أيضا في ذلك: فقيل: نحن متعبدون بذلك، وقيل: لسنا متعبدين. والقائلون بأنا متعبدون اختلفوا في عين من تعبدنا بالرجوع إليه، فقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى. وكنا ذكرنا في الوجه الأول، أنه قد ذكر في جملة المذاهب أنه ﵇ كان قبل مبعثه متبعا شريعة نوح، هكذا نقل أبو المعالي هاهنا. وظنى أن المذهب الذي نقله هناك في هذا الوجه ينبغي أن ينقل، ولكني لست الآن على ثقة ويقين بهذا، والظاهر أن أصحاب هذا المذهب اعتمدوا على قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا)، وهذا الخطاب ظاهره تعبدنا نحن بهذا بعد بعثة نبينا ﷺ . وقال قوم بالوقف، وجوزوا أن يكونوا متعبدين بشرع من قبلنا، وأن يكونوا غير متعبدين. فأما الصائرون إلى أن غير متعبدين فمنهم من أنكر ذلك عقلا، وهم المعتزلة، ومسلكهم ما حكيناه عنهم من التحسين والتقبيح، وقد أفسدناه، ومنهم من قال: إنه منع ذلك سمعا، واعتماد هؤلاء على قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). ويجاب عن هذا بأنه لا يمتنع أن يكون هذا وصفا لغالب ما عليه كل رسول. وأيضا فكل رسول له منهاج يضاف إليه، سواء كان ذلك المنهاج موافقا لما قبله أو مخالفا، واعتمد أيضا على أن النبي ﵇ قال لعمر ﵁ إذا كان يسأل بني إسرائيل عن قصصهم: "لو كان ابن عمران حيا ما وسعه إلا اتباعي"، وهذا يشير إلى المنع من اتباع شريعة من سواه.

стр. 319

وكذلك يحتج أيضا بحديث معاذ لما قال للنبي ﵇: "أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي" الحديث المشهور، ولم يذكر فيه في طرق ما يرجع إليه في الأحكام النظر في شرع من كان قبلنا. واعتمد هؤلاء أيضًا أن الصحابة كانت تكثر البحث عن أحكام مشكلة ملتبسة، ويتطلب المعرفة بها من كل جهة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه بحث عما في الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، ولو كان أمرا متبعا لنقل ذلك عن بعضهم. ولا معنى لقول من أجاب عن هذا بأن المانع لهم من الرجوع إلى شرع من كان قبلنا [ما وقع فيها من التحريف، فهم موافقون له في المذهب مع] مخالفة له في العلة، مع أنه لو كان ذلك حقا لوجب أن يبين النبي ﵇ مواضع التحريف [لـ]ـيجتنبوها إذا رجعوا إلى هذه الكتب. وأيضا فقد كان عبد الله بن سلام، وهو المشار إليه بقوله: (ومن عنده علم الكتب) بين أظهرهم، ولم يسألوه عن أحكام التوراة، ولا عن موضع التحريف، وكذلك فعلوا مع كعب الأحبار. وأما الذاهبون إلى أنا يجب علينا اتباع شرع من كان قبلنا من الرسل فيعتمدون على قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدة). وأجيب عن هذا بأن المراد به الاقتداء في سلوك طرق التوحيد والإيمان بالله. ويؤكد هذا أن في المذكورين من ليس له شريعة كيوسف، ولكنه كان موحدا، فإذا صرفنا القدوة إلى طرائق التوحيد عممنا الجميع. وأما عن عين إبراهيم فإنه أخذ بقوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم)، ومن عين نوحا إن كان قيل ذلك كما ظننته ولم أتيقنه الآن، فيعتمد على قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وهذه الآي وأمثالها لما نذكره محمولة على القدرة في التوحيد والإيمان بالله سبحانه، وربما كان في بعض سياق هذه (ص ١٦٤) الآيات ما يشهد على صحة التأويل. ولما نجز القول في تعليم كيفية تلقي الأحكام من ألفاظ صاحب الشرع، ومضى بيان ذلك في كتاب الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، وما يتعلق بهذين الكتابين، رتب سائر المصنفين بعد هذا تعليم فصول أخر من أصول الفقه، إما كتاب الأخبار أو غيره من

стр. 320

الكتب، لكن أبا المعالي شرع بعد هذا في فن آخر وهو التأويل للظواهر، لما كان يمكن وضع قوانين كلية في تعليم كيفية تأويل الظواهر، وما يقبل من ذلك وما لا يقبل، وأسقط ذلك أكثر المصنفين لما رأوه مما يشتغل الفقهاء بالإكثار من تفاصيله والمناظرة عليه فكان الأولى الإحالة عليهم عند هؤلاء. ورأى أبو المعالي أنه من تعليم كيفية مأخذ الأحكام من ألفاظ صاحب الشرع، فألحقه هاهنا وترجمه:

стр. 321

كتاب التأويلات اعلم أن التأويل مأخوذ من المآل الذي هو نهاية الشيء ومرجعه، ومنه: أل يؤل، قال تعالى: (بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا)، يريد أن الآخرة مآل المكلفين، ومرجعهم ليس لهم غيرها مرجع يرجعون إليه، ولا مفزع يفزعون إليه، ومنه قوله تعالى: (هل يعلمون* إلا تأويله) يعني مآله، وقال: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم). وإذا علمت معنى التأويل علمت بعده أنه لا يتحقق في الممل، إذ المجمل ما لا يفهم معناه، والمعنى إذا لم يفهم كيف يتأول؟ وكذلك لا يتصور التأويل في النصوص، لأجل أن المعنى لا تردد فيه ولا إشكال، ولا يحتمل صرف اللفظ عن معناه إلى معنى آخر، حتى لا يتصور من هذا مرجع رجع إليه الشيء بعد أن كان مقدرا على خلاف ما رجع إليه، لكن التأويل إنما يتصور في الظواهر، لأنا ذكرنا أن الظاهر كل لفظ محتمل، ولكنه في أحد محتمليه أظهر، فحسن هاهناتقدير المرجع والموئل، لتردد المعنى بين أمرين، فتلخص من هذا أن التأويل مقصور على الألفاظ، وأن الألفاظ ثلاثة أنواع: نص، وظاهر، ومجمل، وقد تقدم بيانها وحدودها، فالتأويل منها في الظاهر خاصة. وأما المجمل فلا تأويل فيه، لأن التأويل وصف لمعنى فهم فأول، وما لا يفهم لا يؤول. وأما النص فلا تأويل فيه لما قلناه، ولكن العمل فيه من جهة ثانية، وهي تقديم المراتب بعضها قبل بعض، فما كان نصا قطعيا كالقرآن والسنة المتواترة قدم على النصوص الظنية التي ينقلها الآحاد، وصارت المقدمة في المراتب في النصوص كالتقدمة في التأويلات في الظواهر، وإن استوت المراتب في النصوص فليس إلا إسقاطها جميعا أو ترجيح بعضها على بعض، إذا لم يعرف الناسخ على ما سيذكر في موضعه إن شاء الله. فاضبط من هذا أن الفقيه لا يشتغل بالمجمل إلا من جهة التقدمة في المرتبة أو

стр. 322

التأويل، ويشتغل بالظواهر فينظر في التقدمة من ناحية المراتب والتأويل، والنصوص يشتغل [فيها] بالنظر في التقدمة من ناحية المراتب، لا من ناحية التأويل. واعلم أن المجمل لا يستدل به في قطعي ولا ظني لا عقلي، ولا شرعي، لعدم تحقيق معناه. وأما النصوص فيستدل بها في الشرعيات الظنيات على الإطلاق، في الشرعيات أيضا القطعية إذا كان النصوص قطعية. وأما الاستدلال بها في العقليات فلا يصح إلا في كل معلوم يصح أن يعلم صدق الرسل قبل العلم به. وقد استدل ابن الجبائي بها على التوحيد، وهو معلوم عقلي، ولعله قدره مما يمكن أن يعلم صدق الرسل قبله. وأما الظواهر فإنها يستدل بها في الظنيات لا في القطعيات، لأن الظاهر إنما يفيد ظنا، بأن المعنى المشار إليه هو المراد، والقطع على ذلك يضاد الظن به، لكون العلم والظن ضدين. وأما الظنيات الفقهيات فيستدل بالظواهر فيها، وذلك إجماع من السلف، وكل من سمع أخبارهم وتتبع آثارهم علم منهم أنهم كانوا يستدلون في مسائل الفقه بظواهر القرآن، وأحاديث النبي ﵇، لا يصدهم عن ذلك أدنى احتمال يعرض في الكلام. وكذلك أيضا قد [علم] من سيرهم ومذاهبهم تسويغ تأويل الظواهر لمن تأولها، والنظر في طرق تأويله، ومحاجته عليها، حتى يتبين له أنه الأقرب والأولى خلاف المعنى الذي ظنه بالكلام، أو يسلم له ما فهم وظن، ولكن لا يسوغ الحكم في التأويل، وبناؤه على الافتراض ويترسخ بالبال، من غير أن يعضد بترجيح واستدلال من طرق الترجيح، ومعاني هذا الاستدلال سترد فيما بعد إن شاء الله. واستدعى الكلام على هذا الفصل ذكر مسائل بأعيانها تنازع الفقهاء في تأويل الظواهر فيها، فاحتيج إلى التنبيه على ما قوي من تأويلهم (ص ١٦٥) فيها، وما ضعف، ليكون ذكر التنبيه في أعيان المسائل كالتدريب للفقيه على استعمال ما ذكر له، وما سيذكر من أصول الكلام في التأويل. مسألة [النكاح بغير ولي] ذكر أبو المعالي طرق التأويل في مسألة النكاح بغير ولي في حديث واحد، وتشاغل به دون ما سواه، ورأيناه أن نورد هاهنا ما يتعلق بهذه المسألة من الظواهر، وننبه على طرق

стр. 323

تأويلها، فإن الغرض بالكلام على مثل هذا تدريب الفقيه على معرفة استخراج معاني الظواهر، وإيضاح مسالك التأويل التي يسلك فيها، وكلما أكثر من ذلك كان أفيد له، وقد تكلمنا نحن على هذه المسألة في كتابنا "المعلم" بنكت تليق بعلوم الحديث، وتكلمنا عليها كلاما مبسوطا في شرح التلقين بحسب ما يليق بالفقهاء الناظرين في مسائل الخلاف، ونتكلم عليها الآن بحسب ما يليق بالأصولي. فاعلم أن مما يتعلق به في هذه المسألة لمن أثبت الولي قوله تعالى: (وأنكحوا الأيمى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)، وقوله تعالى: (ولا تننكحوا المشركين حتى يؤمنوا)، وقوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينحكن أزواجهن). ويتعلق من لم يشترط الولي بقوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف)، وبقوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره). فيفتقر الفقيه هاهنا إلى التنبيه على وجه التمسك بالظاهر، وإلى التنبيه على ما يتأول على الظاهر. فأما التنبيه على وجه الاستدلال فإن المالكي يقول: نرى الله سبحانه خاطب الأولياء آمرا بالإنكاح، ونهيا عن الإنكاح، ونهيا أيضا عن المنع عن النكاح، فلو كان الأولياء لا حق لهم، ولا يفتقر إليه في العقد بل هم فيه كالأجانب لكان خطابهم خطابا لا يفيد، وحمل خطاب الله سبحانه على ما لا يفيد لا يصح. ولهذا لم يحسن أن يخاطب الأجانب بمثل هذا الخطاب، لما كان لا مدخل لهم في إنكاح الأجنبيات. فيقول له الحنفي المؤول: أنت تسلم يا مالكي أن اللفظ لم يتعرض فيه إلى حكم عقد المرأة على نفسها، وإنما فيه أمر الأولياء بالعقد، أو نهيهم عن العقد، أو عن المنع منه، وإنما عولت على أن إسقاط حق الأولياء يصير الخطاب غير مفيد، فما المانع أن تكون الفائدة في الخطاب أمر الأولياء بالنكاح إذا دعتهم إليه الولية، ونهيهم عن المنع إذا دعت إليه الولية أيضا، أو نهوا عن منع يوقعونه ظلما وعدوانا على ولياتهم المقهورات تحتهم المقصورات عليهم، أو يكون الخطاب لأولياء يملكون العقد لاستحقاقهم النظر لمن يكون عليه؟

стр. 324

وإذا أظهرنا فائدة للخطاب وقف عليكم الاستدلال، وعاد الأمر إلى أن تقولوا: فائده كون المرأة تفتقر إلى الولي شرعا، وإلى أن نقول نحن: تفتقر إليه عادة وعرفا، للعلم أن المرأة ولو كانت متبرجة، فإنها تظهر الخفر والحياء من أن تعقد على فرجها، وتماكس في العوض عن وطئها، وإنما تستنيب وليها، ويلقى هذا بوجه، والرجال يسهل عليهم ملاقاة الرجال، فلهذا حسن الخطاب للأولياء. وأما النهي عنا لعضل، فالعضل: المنع، وقد يمنعها الولي حقا، ويمنعها باطلا وعدوانا عليها، وليس في الآية أكثر من منعه أن يمنع، فإثبات افتقار العقد إليه لم يشتمل عليه الظاهر. هذا وفي الآية طريق آخر من التأويل يجب أيضا أن يتنبه إليه الفقيه ليستعمله في مواضع أخر، وذلك أن الخطاب افتتح بالأزواج فقال سبحانه: (وإذا طلقتم النساء)، ولا شك أن المطلق هو الزوج لا الولي، ثم قال: (فبلغن أجلهن) يعني عدتهن، ثم قال: (فلا تعضلوهن)، فلا شك أن هذا الضمير عائد على حرف الخطاب الذي هو التاء والميم، في قوله: (طلقتم)، وأ/االولي فلا ذكر له هاهنا، والمعنى أن الزوج لا يسوغ له إذا قرب انقضاء العدة أن يرجعها ثم يطلقها فتعتد عدة ثانية، حتى يضر بها في التطويل. ولكن للمالكي أن يقول هاهنا: أما من جهة الضمائر، فالأظهر ما قلته يا حنفي، وأما من جهة قوله: (فإذا بلغن أجلهن) فالأظهر أن الولي لا الزوج، لأن المرأة إلى بلغت أجلها فقد انقضت عدتها، والزوج بعد انقضاء عدتها لا يملك ارتجاعها، فاضطر هذا إلى حمله على الولي، ويؤكد هذا ما ورد في صحيح الأخبار من نزول الآية في معقل بن يسار لما منع (ص ١٦٦) أخته من النكاح، ولا يصح أن تنزل الآية على سبب، وتحمل على غير سبب نزولها. ويقول الحنفي: معنى قوله: (فإذا بلغن أجلهن)، أي قاربن بلوغ الأجل، حتى يكون ارتجاع الزوج واقعا في موضعه. فيقول المالكي: هذا إضمار لم يدع إليه اضطرار. فأنت ترى وجه العمل في التأويل والموازنة بين هذين التأويلين، أن تأويلهم (بلغن) بمعنى قربن البلوغ أظهر من تأويل عود الضمير الثاني على غير الأول، لولا الخبر

стр. 325

المنقول الذي ذكرناه، فإنه يقوي تأويلنا. وأما قوله تعالى: (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف). وأما الحنفي فيقول: أخبر تعالى أن لا جناح علينا فيما فعلت المرأة بنفسها بعد انقضاء عدتها، وإضافة الفعل إليها بمقتضى افنرادها واستبدادها به دون الولي. فيقول المالكي: قد قال تعالى مقيدا لهذا بالمعروف، وفي المعروف تنازعنا، فقلنا: المعروف أن تعقد نكاحها بولي يعقد عليها، فقد صار التقييد يعود بإجمال في موضع الاستدلال. وكذلك قوله تعالى: (حتى تنكح زوجًا غيره) يقول الحنفي: أضاف الفعل إليها، وهذا يقتضي انفرادها دون الولي. ويقول المالكي: المراد بالنكاح هاهنا الوطء، إذا لا تحل المبتوتة بمجرد العقد عند سائر العلماء سوى ابن المسيب، وإذا كان المراد الوطء فهي تنفرد به دون وليها. فهذا وجه العمل في الظواهر القرآنية. وأما قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي"، فينظر الفقيه إليه من باب آخر في أصول الفقه، فقد تقدم ذكره، وهو هذه الألفاظ الواقعة على نفي الذوات الموجودة؛ هل يحمل على نفي الكمال أو غيره، وقد تقدم ذكر المذاهب في هذا الأصل والأدلة عليها. وأما الحديث الذي اشتغل أبو المعالي هاهنا بالنظر فيه خاصة، وهو قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل" الحديث، فإن الشافعي ومالكا يستدلان به على أبي حنيفة، ولكن لأصحاب أبي حنيفة فيه تأويلات: أحدها: حمله على الصغيرة: والثاني: حمله على الأمة، والثالث: حمله على المكاتبة. فأما حمله على الصغيرة فيرد عليهم من وجهين: - أحدهما: أن الصغيرة لا تسمى امرأة، كما لا يسمى الصغير رجلا. - والثاني: أن الصغيرة إذا عقدت على نفسها كان الخيار لوليها في إمضاء العقد عليها أو رده، يفعل من ذلك ما هو الأصلح لها، فالنكاح إذا اختار الولي إمضاءه [ليس] بباطل، والنبي ﷺ وصف هذا النكاح بالبطلان، وقال: باطل، باطل باطل، ثلاثا، فوكد الإبطال به. وقد تأولوا قوله: باطل، على أن المراد به ما يؤول الأمر إليه إذا اختار

стр. 326

الولي فسخه. وهذا تعسف في التأويل لا يقبل لأجل أن الولي لا يبطله على كل حال، حتى يحسن وصف الحال بما يكون في المآل، كما حسن ذلك في قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)، لأجل أن الموت على الخليقة ضربة لازم. والولي هاهنا قد يختار إمضاءه، فالبطلان ليس بضربة لازم، وإذا كان الإبطال في المآل مجوزًا كما يجوز الإمضاء، لم يحسن القطع على أحد المجوزين. وأما حملهم على الأمة فيرد من ثلاثة أوجه: - أحدها: أن هذا الذي ذكرناه من كون السيد مخيرًا بين إمضاء نكاحها أو رده على أصولهم، وعلى أحد القولين عندنا في الأمة، وإن كان لم يختلف مذهبنا في الحرة إذا أنكحت نفسها. - والثاني: قوله ﵇ في هذا الحديث: "فإن وطئها فلها مهرها"، والمهر ليس للأمة بل لسيدها، والحديث أضاف فيه المهر للموطوءة، وهذا الرد يقوى على القول بأن العبد لا يملك، فإن المهر لا يملكه إلا السيد. - والثالث: قوله: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"، والسيد لا يشاجر في أمته، ولا مدخل للسلطان معه فيها. وأما حملهم على المكاتبة فباطل، وإن كان المهر لها، من جهة ما قدمناه من تخيير سيدها، وأن سيدها لا يشاجر فيها. وأبطله القاضي ابن الطيب من جهة أخرى وقال: يعلم بالضرورة فساد هذا التأويل، لأن قوله: "أيما" لفظ من أدوات الشرط، وأدوات الشرط من أبلغ ألفاظ العموم، و"أي" وما فيها من آكد ما يعم، وقد أكدت أي بـ "ما"، وهذا كله يشعر بقصد العموم والعبارة (ص ١٦٧) عن صورة نادرة، فإنما تقع بلفظ عام بالغ في التعميم، على هذا الأسلوب لا يصح، ولا يقع ذلك من فصيح سلك في كلامه الجد، وجانب الهزل واللغز، وهذا إن تصوره متصور فإنما يتصوره عند وقوعه جوابا عن سؤال أو قصدا إلى مطابقة شاهد حال، وأما لرسول يقصد عمدا تأسيس شرع، وتعلمي حكم كلي، فإن هذا كالقرينة الحالية إلى قصد الصورة النادرة، ومثل هذه التأويلات من النكت النادرة. وهذا هو الجواب عن قوله: المكاتبة مما شملها العموم، والتأويل هو حمل اللفظ على عض ما شمله العموم، لأنا بينا أن ذلك لا يحسن في محامل نادرة ينفيها حكم اللفظ ومقتضى القصد، ومن قال: لقيت أسدا، وأراد شجاعا لم يبعد، وإن كان الأظهر أنه المفترس. ومن قال: أردت رجلا أبخر، لأن السبع أبخر فاستعرت لهذا الإنسان تسميته عند

стр. 327

ذلك ملغزا أو هازلا، فإنه يحسن أن يستثني من هذا الحديث سائر النسوان سوى المكاتبة، فإذا حسن هذا بالاستثناء حسن بالتأويل، فإن هذا قياس على اللغة، وهو لا يسع، والصيغ والنظم مختلف إحكامه. هذا وقد منع القاضي مثل هذا الاستثناء، ومن جوز مثل هذا الاستثناء إذا وقع في الإقرارات وغيرها من غير الرسول ﷺ ، فإنه يعده من الكلام المستهجن، وكلام الرسول ﷺ يجل عن هذا، وهذه المسألة ذكرنا في كتاب "المعلم" وفي شرح التلقين اختلاف الناس فيها، وذهاب من ذهب إلى أن الولي لا يفتقر إليه شرعا في صحة العقد على الفروج، كما لا يفتقر إليه في العقد على الأموال، وهو مذهب أبي حنيفة، وذهاب من ذهب إلى افتقار العقد إليه في الفروج بخلاف الأموال، وهو مذهب الشافعي، ومذهب أبي ثور في أنه يفتقر إليه إذنا عقدا، فإذا أذن صح عقد المرأة على نفسها أخذا بظاهر هذا الحديث. وقد قدمنا نحن فيما مضى من هذا الكتاب تأويل الحديث على وجه تمنعه من التعلق به، وذهب داود إلى التفرقة بين الثيب والبكر، فأخذ في البكر بمذهب مالك، في الافتقار إلى ولي، وفي الثيب بمذهب أبي حنيفة في إسقاط اشتراط الولي تعلقا منه بالحديث المشهور المذكور فيه: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها"، وهذا أيضا يحتاج إلى عمل آخر من أصول الفقه، وبيانه ما قدمناه من الأدلة وما لم نذكره مما بسطناه في شرح التلقين يعرف منه الصواب من هذه المذاهب، ولا يمكن النظار أن [يبين] حكم الله سبحانه في هذه المسألة حتى يسلك فيها هذه المسالك التي أريناك، وهي كالبادي لنظر النظار، وفي هذا كفاية. مسألة في تأويل قول النبي ﵇ لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" اعلم أن الكلام هناهنا في هذه المسألة من وجهين: - أحدهما: في إثبات النية. - والثاني: في محلها. فأما إثباتها فإن الصوم على خمسة أقسام: - صوم واجب بإيجاب الله معين كرمضان. - وصوم واجب بإيجاب المكلف معين كنذر شهر بعينه.

стр. 328

- وصوم واجب بإيجاب الله سبحانه مضمون كالكفارات. - وصوم واجب بإيجاب المكلف مضمون كنذر شهر بغير عينه. - وصوم تطوع. فجميع هذه الأنواع تفتقر إلى نية عند فقهاء الأمصار، وخالف زفر فقال: الصوم المعين الواجب الذي لا يصح زمانه إلا للصوم، وقد عينه الله سبحانه للصوم، وصار مستحق العين في ذلك لا يفتقر إلى نية كرمضان، لأن رمضان أوجب الله صومه، لم يجعل أيامه صالحة للفطر، ولا إلى صوم النفل، ولا لقضاء صوم واجب كفارة أو قضاء، وهذا في حق الحاضر الصحيح. وأما من له إفطاره للمرض أو السفر فلا بد أن ينوبه، لما حصل من التمييز فيه. وقدر زفر استحقاق هذه الأيام لهذه العبادة مغنيا عن النية، لأن القصد في شرع النية التمييز، وإذا لم يصح في رمضان إلا الصوم، ولم يفتقر إلى قصد تمييزه من غيره من الأيام، فإنها تصلح للإمساك عن الطعام عادة وللإمساك عبادة، فافتقر أحد الإمساكين وهو العبادة إلى قصد (ص ١٦٨) تمييزه عن نقيضه الذي هو الفطر، وهذا هو الذي يعتمد عليه الرجل، لا على ما أشار إليه بعضهم من أنه رأى الصوم تركا للطعام، والتروك لا تفتقر إلى نية، ألا ترى أن المصلي واب عليه أن يترك الطعام والكلام في الصلاة، ولا يجب عليه أن ينوي ذلك، ولو كان الرجل يعتمد على هذه الطريقة عندي لكان متناقض المذهب، لأن سائر أنواع الصوم تتساوى في كونها تركا للطعام والشراب، ثم مع هذا هو يوجب النية في معظم أنواعها، فما ذلك إلا لما قلناه، لا ما يقوله هذا المتأول عليه. ويعتمد زفر في الاستدلال على صحة ما أصل بأن رد الوديعة، ورد المغصوب لا تفتقر إلى نية، لما كان رد الوديعة والغصب لا يتنوعان إلى فرض ونفل، ولا يرخص في تركها، فاستغنى عن النية فيها. ونوقض زفر بمن استيقظ فيها طلوع الشمس بمقدار ما لا يحمل أكثر من صلاة الصبح، فإن هذا الزمن قد تعين للصلاة، ولا رخصة في تركها، ولا يصح التنفل بها، ثم مع هذا لابد لهذا المصلي من نية، والصلاة والصوم عبادات بدنية، والغضب والوديعة حقوق مالية، فرد العبادة البدنية إلى عبادة بدنية أولى من ردها إلى حقوق مالية. وأيضا فإن الصلاة والصوم حقان لله سبحانه، و [رد] الغصب والوديعة حق للخلائق، فرد حقوق الله سبحانه بعضها إلى بعض أولى. وهذا ستعلم طرق الترجيح فيه إن شاء الله في كتاب القياس، وإنما ذكرناه هاهنا لتعلقه بما نحن فيه. وما تعلق المسألة بتأويل الظواهر فإن زفر يقول: قال الله تعالى: (فمن شهد منكم

стр. 329

الشهر فليصمه)، والصوم: الإمساك، ومن صام رمضان بغير نية فهو ممسك. ودوفع عن هذا بأن المراد الصوم الشرعي لا اللغوي، وصفة الصوم الشرعي فيه التنازع، صار كالمجمل في الآية، فلا يتعلق بما فيه. وهكذا قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، هذا ينفي عمومه حصول صوم شرعي بغير نية، رمضان كان أو غيره، فإن تأوله زفر على ما سوى رمضان، أجيب بأن هذا اللفظ بالغ في التعميم كما تقدم بيانه في كتاب العموم، وصوم رمضان هو المتكرر في الشرع في كل عام في حق كل مسلم، وما سواه كالنادر الشاذ بالقياس إليه، فلا يحمل مثل هذا اللفظ العام على الصور النادرة قصرا عليها كما قدمناه في المسألة التي قبل هذه. وأضرب أبو المعالي عن الكلام على الحديث من هذه الجهة مع زفر، وتشاغل بالوجه الثاني، فلعله لما رأى طرق التأويل في الوجه الثاني أبعد، لأجل أن المراد عند بالحديث بيان محل النية، لا بيان ما تثبت فيه النية وما لا تثبت. وأما الوجه الثاني فإن فقهاء الأمصار اختلفوا في محل النية، فعند مالك أن جميع أنواع الصوم التي قدمناها محل النية فيها قبل الفجر في الليلة التي صبيحتها لليوم الذي يصام، ووافقه الشافعي إلا في التطوع، فإنه أجاز إيقاع النية في نهار يوم الصيام، على اختلاف عندهم؛ هل يشترط في ذلك أن يوقع النية قبل الزوال، أو يجوز إيقاعها في سائر أزمان النهار، على خلاف عندهم فيما انقضى من النهار قبل إيقاعه، هل يثاب عليه ثواب الصائم أو يقصر الصوم وثوابه على ما بعد زمان النية. وأما أبو حنيفة فإنه يرى أن كل صوم مضمون في الذمة كقضاء ما وجب صيامه، أو صوم نذر مطلق غير معين يفتقر إلى نية، وما سوى ذلك من الصيام الواجب المعين وغيره يصح فيه إيقاع النية في نهار الصوم قبل الزوال تمسكا منهم بصوم عاشوراء، فإن الخبر ورد بالأمر يصومه في خلال النهار، فاقتضى ذلك ترك اشتراط التبييت في الصوم المعين. وأجيبوا عن هذا بأن وجوب صوم يوم عاشوراء نسخ فسقط التعلق بجملة أحكام. ولما رد عليهم ما قالوه فيما توعده بقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، تأوله على أن المراد به ما ذكروه من الصوم المضمون. ورد أبو المعالي هذا بالطريقة المتقدمة، ورأى أن هذا اللفظ عام بالغ في التعميم، فلا يحمل على هذا الجنس من الصوم الذي يشذ ويندر، كما تقدم بسطه في مسألة النكاح بغير ولي. وقد علم أن شهر رمضان هو المكرر المعروف المألوف، فلا يظن بالنبي عليه السلام

стр. 330

أنه لم يرد بمثل هذا الخطاب، وأراد ما سواه مما يشذ ويندر. وقد تأولوه أيضا على نفي الكمال في الصوم، لا نفي الإجزاء. ورد أبو المعالي هذا بأن الصوم (ص ١٦٩) عندهم يتنوع كما قدمناه، فلا يصح أن تنصرف لفظة واحدة إلى نفي الإجزاء عن نوع، ونفي الكمال [عن] نوع، وهذا التحكم في التأويل ليصح مذهب بني عليه مما لا سبيل إليه. وذكر عن الطحاوي أنه حمل الحديث على أن المراد به النهي عن تقدمة النية في النهار الذي يليه يوم الصوم، وإنما الحكم تأخيرها إلى مغيب الشمس، حتى توقع في الليل، فهذا حكم النية في سائر أنواع الصيام. ورد أبو المعالي هذا بأن تخصيص هذا النوع لا معنى له، والنهي عن التقدمة فيه كالنهي عن التقدمة على يوم الصوم بسنة، ورأى أن القصد بالحديث النهي عن الغفلة والتشاغل عن النية، والمبادرة إلى أن توقع بالليل قبل أن يصبح، فمقصود الحديث النهي عن تأخير النية بعكس ما قدره الطحاوي من أن القصد النهي عن تقدمتها. مسألة في تأويل الحديث الوارد فيمن أسلم عن أكثر من أربع نسوة اعلم أن هذه المسألة مبنية على النظر في أنكحة المشركين؛ هل هي فاسدة، والإسلام يصححها لهم أم لا؟ وهذا مبسوط في الفقه. وقد زعم أبو حنيفة أن المشرك إذا تزوج عشر نسوة في عقد واحد، فإنه إذا أسلم نسخ نكاح جميعهن، وإن تزوجهن واحدة بعد واحدة صح نكاح الأربع الأوائل، وفسخ نكاح الست الأواخر. وذهب مالك والشافعي إلى تخييره في الاستمساك بأربع منهن، كن أولاء الأربع أوائل أو أواخر، كان العقد على جميعهن واحدا أو كانت عقود متفرقة. والأحاديث الواردة حجة على أبي حنيفة، فمنها قوله ﷺ للذي أسلم على عشرة: "أمسك أربعا وفارق سائرهن"، وقوله ﷺ للذي أسلم على ثمان: "اختر أربعا"،

стр. 331

وقوله للذي أسلم على خمس: "فارق واحدة". وخرج الترمذي عن فيروز الديلمي أنه أسلم على أختين فقال له ﵇: "اختر أيتهما شئت". ولأصحاب أبي حنيفة تأويلات في هذا: - منها قولهم: المراد بقوله: "أمسك أربعا" أي أمسكهن باستئناف عقد عليهن، بعد فسخ نكاح الجميع. وهذا تأويل باطل لا يسمع، لأن العبارة عن استئناف تزويج وابتداء عقد بقوله: "أمسك" بعيد لا يستعمل، لا سيما والخطاب لقوم حديثي عهد بالإسلام غير راسخين في العلم بسائر الأحكام، فلو كان هذا المراد لبينه بلفظ يسبق المراد به إلى الأفهام. وأيضا فقد قابل قوله: "أمسك" بقوله: "فارق"، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الإمساك ضد الفراق، ولا تحصل المضادة إلا بالتمادي على ما كان عليه من ملك العصمة. وأيضا فلو كان المراد استئناف العقد على أربع لم يكن لتخصيص أربع من هؤلاء العشرة معنى، لأن نساء العالم مثلهن في الإباحة للعقد على أربع منهن. ومن تأويلاتهم أن المراد إمساك الأوائل. وهذا باطل، واللفظ يرده، لأن ما ذكرناه من لفظ التخيير ينافي القصر على الأوائل، لأن القصر على معينات ينافي التخيير. ومن تأويلاتهم أن القصر على أربع لم يكن في أول الإسلام، بل كان نكاح العشر وما زاد مطلقا، وإنما حرم بعد ذلك، فمن الممكن أن يكون عقد هؤلاء الذين كانوا مشركين كان في تاريخ الإطلاق والإباحة، فلهذا لم يفسخ نكاح الجميع، لأن الفسخ إنما يجب في عقد محرم. وهذا مردود عند أبي المعالي، لأجل أن التحريم ثابت الآن، والأمور على ما هي عليه، ومن زعم أنها لم تكن على ما هي عليه الآن في القديم فعليه الدليل، وهو مدع لأمر عليه إثباته. فإن قيل: هذا ممكن والاحتمال مما يسمع في الظواهر. قيل: ذلك تأويل لأمر محتمل عضده الدليل، وأما مجرد التجويز والإمكان فلا يسقط المعلوم من الأحكام، ولو قيل مثل هذا التجويز وأصغي إليه لبطل التمسك بمعظم ظواهر الشرع، ونحن نعلم أن الماضيين لا يلتفتون إلى مثل هذا التجويز، ولا يتركون الظواهر من أجله، كما لا يتركون الظواهر لإمكان أن تكون منسوخة. فإن نقل أن هذا كان من المباح في أول الإسلام حسنت المطالبة بكون عقد هؤلاء وقع في زمن التحريم لثبوت أمرين، تحليل وتحريم مع الشك في زمن العقد؛ هل وقع في هذه الحالة أو في هذه. لكن هذا يرد عليهم من جهة أن طريان التحريم على العقد يؤثر فيه، كما يؤثر في ابتدائه، كطريان الرضاع على المتزوجة، على ما بسط هذا في كتب الفقه (ص ١٧٠).

стр. 332

مسألة في عتق الأقارب اختلف الناس فيمن يعتق من الأقارب إذا ملك، فالمشهور من مذهبنا أن العتق يختص بعمودي النسب، وبالإخوة، فعمود النسب هم الآباء، والأجداد، والأمهات، والجدات، كانوا من جهة الأبوة أو الأمومة، ويعبر عنهم بالأصول، والبنون وبنوهم، ذكرانا كانوا أو إناثا، ويعبر عنهم بالفصول، لكونهم منفصلين، ويلحق الإخوة في هذا الحكم بعمودي النسب سواء كان الإخوة ذكرانا أو إناثا. وقد روي عن مالك ﵁ رواية شاذة أن العتق يختص بالأصول والفصول خاصة دون الإخوة، وبهذه الرواية قال الشافعي. وروي عنه أيضا رواية شاذة أن العتق يختص بمن ذكرنا من عمودي النسب والإخوة، ويضاف إليهم كل ذي رحم محرم، وبهذه الرواية قال أبو حنيفة، واعتمد الذاهبون إلى هذه الرواية الثالثة على الحديث الوارد بأن "من ملك ذا رحم محرم فهو حرا". وذكر أبو المعالي أن تأويل هذا على عمودي النسب خاصة باطل قطعا، لأجل أن الخبر ورد ببيان حكم الشرع وتأصيله، ولم يرد مطابقة لحكاية حال، ولا جوابا عن سؤال، فيحسن فيه توخي مطابقة السؤال أو الحال، مع تثقيفه هذا المقال وتقييده للإرسال بأن ذكر وصفا وهو المحرمية، قيد بها ذكر الرحم، ليشير بذلك إلى أنه كالقاصد إلى ضبط من يعتق وتحريره. وهذا الذي ذكره أبو المعالي ليس بقرينة دالة على التعميم فلابد، والقائلون بالخصوص لا يسلمون كون مثل هذه الأمور قرائن تقتضي التعميم، كيف وقد تقدم في كتاب العموم ذكرنا ما نقل عن شيخ الواقفية عن إنكاره وجود لفظ اللسان دال على العموم، ولو سلمت الواقفية مثل هذا وزداته دلالة على العموم لكانت مسلمة لمذاهب المعممين، وأكثر ما وقع في الشرع أحكام مبتدأة، وبينات موصلة، لم يجعل ذلك أصحاب الخصوص والوقف قرينة دالة على التعميم، وكذلك التقييد ليس بقرينة أيضا عندهم، كيف وقد قدمنا إنكار جماعة من الأئمة لدليل الخطاب، ولكون الوصف والتقييد يدل على أن ما عداه بخلافه. وإن أراد أبو المعالي أن الذاهبين للعموم ينكرون حمل مثل هذا اللفظ على عمودي النسب بمجرد الدعوى والتحكم، دون دليل يعضد دعواهم فذلك صحيح، وهو غير مسموع

стр. 333

عندهم ولا مقبول، وإن عضد التأويل بدليل، نظر في ذلك الدليل بحسب ما قلناه في تخصيص العموم. وقد تقدم كلامنا على تخصيص العموم بالقياس، وتخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد، وسنتكلم على تعارض الأقيسة والأخبار، ونبين أن الواجب تقدمة القياس على خبر الواحد، والإنصاف اتباع هذه المسالك، والنظر في الحديث بعرضه على هذه الأصول. لكنا لا ننكر تفاوت صيغ العموم وكون بعضها يكاد يلحق بالنصوص في إفادة الاستيعاب، وكون بعضها على طرف نقيض من هذا حتى تكون دلالته على الاستيعاب تلوح تارة، وتخفي أخرى، وكون بعضها متوسطا بين هاتين المرتبتين، وتختلف أيضا مراتب هذا المتوسط بالقرب من الحاشية الأولى أو الثانية اختلافا لا يكاد ينضبط على حسب ما تقدم بيانه في كتاب العموم. وقد ذكر أبو المعالي هاهنا أن مثل هذه الأخبار على ثلاثة أقسام: منها ما لا يسمع فيه تأويل، ولا يصغى إلى عاضده بدليل، ورأى هذا الحديث وأمثاله من كل ما لاح فيه قصد صاحب الشرع إلى التعميم [من هذا النوع]، وقد بينا نحن ما عندنا في هذا، وأن ما عده قرينة لا يسلمه له إلا من صار إلى حمل الألفاظ على الاستيعاب، وإن لم تقارنها قرائن تدل على الاستيعاب. والقسم الثاني: يسمع فيه التأويل وإن لم يعضد بدليل، وهو ما لاح فيه ترك القصد إلى التعميم، وعد في مثل هذا قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" الحديث، وأنكر أصحاب أبي حنيفة الاستدلال به في إثبات الزكاة في الخضراوات، لكونها تسقيها السماء، أو تسقي بالدالية في عموم الحديث، ورأى أن قصد الرسول ﷺ بمثل هذا تعليم حيث يؤخذ العشر، وحيث يؤخذ نصف العشر، ولم يقصد التعرض إلى ما يزكى وما لا يزكى، فيستدل بذلك على إثبات ذلك في الخضراوات، والاستدلال بالخير على حكم لاح من قصد الرسول ﷺ أنه لم يقصد إليه ممنوع. وهذا كمثل قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، فإنه (ص ١٧١) لم يقصد به بيان النصب، بل بيان جنس ما يزكى، فلم يتعلق به في إثبات الزكاة فيما دون النصاب، وإنما أطلقه الرسول ﷺ تعويلات على ما بين من أصحاب النصب. وعد من هذا القبيل إزالة النجاسة بالخل واللين وغيرهما من المائعات، فإن أصحاب

стр. 334

أبي حنيفة إن تعلقوا بقوله تعالى: (وثيابك فطهر)، منعوا من هذا القبيل، وقد رد الشافعي هذا عليهم بأن القصد بالآية الأمر بالطهارة على الجملة، لا بيان ما يتطهر به. وهذا مثل قوله تعالى في آية الوضوء: (فاسعلوا وجهكم)، ولم يبين ما يغسل به، لما كان القصد سواه، ثم مع هذا لم يستدل به في إباحة الوضوء في كل مائع، بل كان الحكم الاقتصار على الماء فقط. قال: وأما القسم الثالث فهو ما لم يلح فيه القصد إلى التعميم ولا إلى نقيضه، بل وقع مطلقا، فذكر أن هذا موضع الموازنة ما بين الظن المستفاد من اللفظ الدال على الاستيعاب، وما بني الظن المستفاد من قياس دل على التخصيص وصد عن الاستيعاب، فما رجح من الظنين قدم على صاحبه، إما الاستيعاب المستفاد من اللفظ، أو التخصيص المستفاد من الاستنباط. إن تساوي الظنان في النفس فرأى القاضي أن لا يقدم أحدهما على صحبه، ويطلب الحكم من غيرهما، ورأي أبي المعالي أنه يقدم الظن المستفاد من اللفظ جريا على ما تقدم من تقدمة الخبر على القياس، وأن ذلك عادة الصحابة ﵃ في تركهم الالتفات إلى الأقيسة والبحث عنها مع وجود الأخبار عن النبي عليه السالم، هذا معلوم من مذهبهم على الجملة. ومثل أبو المعالي هذا القسم الذي تلوح فيه قرينة تدل على التعميم أو التخصيص بقوله ﵇: "الأعمال بالنيات"، فإذا خرجت منه بعض الأعمال بالتأويل كإخراج أبي حنيفة الوضوء، نظر في الدليل العاضد لتأويل مع دلالة اللفظ على الاستيعاب، ووزن الناظر في المسألة بينهما، واستعمل ما قلناه. والذي أراه أن ما أورده من مثل هذا الباب وتقاسيمه فيه اضطراب، وقد نبهت في صدر هذا الباب على أن القائلين بالعموم يستغنون عن تطلب قرينة تقتضي الاستيعاب، بل يرون مجرد اللفظ دالا على قصد العموم. والقائلون بالوقف لا يرون ما ذكره أبو المعالي من القرائن قرينة توجب الاستيعاب، وتنقلهم عن مذاهبهم في الوقف، وإذا وقفوا فلا ظن عندهم مستفاد من اللفظ حتى يوازن

стр. 335

بينه وبين القياس على حسب ما ذكره أبو المعالي. فهذه المثل والتقاسم كما ترى، والتحقيق منها ما نبهناك عليه، ولا شك أن مراتب الظن المستفاد من الألفاظ تتفاوت تفاوتا لا يكاد ينضبط، والحق فيما عارض هذه الظنون الموازنة بين المتعارضين حتى يترجح أحدهما فيقدم، ومطلوب الفقيه ظنون تحصل له، فإذا حصلت علق الأحكام عليها، ولكن لا يطلق الفقيه هواجس خواطر يسرح فيها كيف شاء، ولكن لابد أن يجري خواطره على مضمار مسالك السلف في الاستنباط واستفادة الظنون. فهذا هو الحق، وما ذكره أبو المعالي في قوله: "فيما سقت السماء العشر" لائح وجهه لوث ثبت أن النبي ﵇ صدر منه هذا اللفظ عند سؤال قوم علموا جنس ما يزكى وما لا يزكى مما تنبته الأرض، وجهلوا مقدار الزكاة، وأما إذا خرج مبتدأ غير جواب عن سؤال، ولا مطابقة لحكاية حال، فلا يقطع أن الرسول ﷺ يقصد به العموم، ولكن إن حمل على العموم فمرتبة هذا الظن تتقاصر عن مراتب ظنون أخر بعمومات أخر. وكذلك بقية ما أورده في هذا الباب من المثل، مثل بها سائر الأقسام، ينبغي أن تنتبه فيها لما قلناه، وتجري كل حديث على ما بيناه، وتضعه موضعه في إفادة الاستيعاب حتى لا تغلي فيه ولا تقصر، وهذا يعرفه كل كاشف لأسرار اللغة والأصول. مسألة تأويلية متعلقة بالصناعة النحوية اعلم أنه لا يسمع تأويل المتأول إذا أخرج الكلام بتأويله عن مجراه المألوف في اللسان، وعن الفصيح من اللغات، حتى يصير التأويل متعسفا مستكرها، يلحق كلام صاحب الشرع بغث الكلام وركيكه، لأن ردئ الكلام ومستهجنه إنما يقع فيه المتكلم إما عن جهل به، وهذا لا يضاف إلى صاحب الشرع، وإما عن إيثار الأدنى، والقصد إلى الأدنى من غير عذر ولا ضرورة، والعقل يقتضي إيثار الأفضل مع السعة والاختيار، كما يسامح في العدول عنه مع الاضطرار، كتسامح أهل اللسان بما يقع في القوافي من إقواء وغيره من عيوب، ويتسامحون بصرف ما لا ينصرف، إلى غير (ص ١٧٢) ذلك مما عليه ضرورة الشعر وضيق الوزن، على خلاف بينهم في بعض ما يتسامح به في مثل هذا مما هو مبسوط في كتبه. فإذا قال القائل: إن غسل الرجلين مما اختلف الناس فيه، فالذي عليه أئمة الفقهاء وجمهور المسلمين في سائر الأمصار على كرور الأعصار أن فرض الرجلين في الوضوء

стр. 336

الغسل لا المسح، وشذ قوم فذهبوا إلى أن الفرض فيهما المسح، وانفرد الطبري فقال بالتخيير بين هذين المذهبين، فإن شاء المتوضئ عنده غسل وإن شاء مسح. فيحتج من ذهب إلى أن فرضهما المسح بقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيدكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) ـ بالخفض ـ في قوله: (وأرجلكم) على قراءة النحويين وابن كثير وأبي بكر، والخفض عطف على الرأس، والرأس منصوص على مسحه، فكذلك ما عطف عليه وهو الرجلان. فيجيب جماعة الفقهاء القائلون بأن الفرض الغسل خاصة بأن الخفض إنما وقع هاهنا على الاتباع والجوار، والخفض على الاتباع غير مستنكر، والعرب تتبع لفظة إعراب لفظة تجاورها، وتغير حكم الإعراب طلبا لاسترسال الكلام، وانبساط اللسان في التكلم، ومرور الصوت على السمع على مجرى واحد لا يتنافر على السمع باختلاف حركات الإعراب. ألا ترى وقد حكى الخليل عنهم أنهم يقولون: هذا حجر ضب خرب ـ بخفض لفظ "خرب" ـ إتباعا لإعراب اللفظة التي قبلها، وهو قوله "ضب" ـ بالخفض ـ ومعلوم أن الضب لا يخرب وإنما يخرب جحره، فالأصل أن يقال: "خرب" ـ بالرفع ـ نعتا للجحر الذي هو مضموم، وأنشدوا في هذا بيت امرئ القيس في قصيدته المعلقة: كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل وقد أجيب هؤلاء عن هذا التأويل، وهو حمل الآية على خفض الجوار بأربعة أجوبه: - أحدهما: أن ذلك إنما حسن في كلام علم السامع قطعا مراد المتكلم به ولم يلتبس معناه، لأجل تغيير إعرابه، ولهذا قالوا: هذا جحر ضب خرب، للعلم الضروري بأن الضب لا يوصف عندهم بالخراب في مثل هذا الكلام، وإنما يوصف بالخراب الأحجار والأبنية، وهكذا قوله "في بجاد مزمل" معلوم أن المراد بهذا كون كبيرة الأناس هو المزمل لا البجاد، لأن البجاد كساء مخطط بخطوط سود وبيض، وهذا لا يوصف بأنه يزمل، لكنه مما يزمل به. وقوله تعالى: (وأرجلكم) ليس في العقول مما يحيل التعبد بمسح الرجلين دون غسلهما، فلا يصح خفضهما على الجار، لأن في ذلك تلبيس معاني الكلام وإغراء السامع بأن يفهم من الكلام غير المراد به، كما لبس هذا على قوم وأغراهم حتى ذهبوا إلى أن الفرض مسح الرجلين. وجواب ثان وهو أن الجوار إنما ورد فيما ليس فيه حرف عطف، وأما مع دخول حرف

стр. 337

العطف فإنه لم يرد، لأجل أن في وروده بذلك إفسادا لحقائق العوامل الإعرابية. وقد ذكر في الاعتذار عن هذا بأنه قد قرى: (وحور عين) ـ بالخفض في حور، وبالرفع ـ وإحدى القراءتين على الاتباع، على ما ذكرناه فيما أمليناه من كتبنا الفقهية، وذكرنا هناك استشهادا آخر للخافضين على الجوار. وأجيب عن هذا بجواب ثالث، وذلك أن سيبويه قال: إنما حسن خفض خرب في قولهم: هذا جحر ضب خرب، لأجل أن قولك جحر، وقولك: ضب، كلمتان: مضاف ومضاف إليه، والمضاف والمضاف إليه يقدران كالكلمة الواحدة، وفي هذه الكلمة الواحدة إعراب بالخفض وهو الضب، فحسن اتباع اللفظة الأخرى لهذه، لأنها وما قبلها كلفظة واحدة، فكأنه باتباع اللفظة الثانية في الإعراب اتبع الأولى، لكون الثانية والأولى كالكلمة الواحدة. ويعضد سيبويه اعتلاله هذا بأن الخليل لما حكى في الإفراد حكى عنه في التثنية: هذان جحرا ضب خربان، فرجع في إعراب خرب إلى الأصل، لما ثناه لأجل أن "ضب" مفرد، والجحران اثنان، والاثنان خلاف الواحد، فلا يحسن أن يقدر الجحران وهما اثنان كبعض اللفظة الأخرى وهو الضب، وهي لفظة مفردة. وهذا الاعتذار الذي أورده سيبويه واعتل به في هذا، لا يوجد في قوله تعالى: (وأرجلكم)، وإن كان أيضا لا يوجد في بيت امرئ القيس. وأجيب عن هذا بجواب رابع وهو أن العرب تقول: تمسحت للصلاة بمعنى توضأت للصلاة، ويسمى الغسل مسحا، وقفت على هذا في كتاب "غريب الحديث" لابن قتيبة، ذكره عن بعض أئمة اللغة. وقد أجيب عن هذا بجواب خامس وهو الذي اختاره سيبويه، وهو كالبسط لهذا الجواب (ص ١٧٣) الرابع الذي حكيناه عنه، وذلك أنه زعم أن العرب تعطف اللفظ على اللفظ عند تناسب في المعنى واشتباه في المرمى، ولا تعطف على اختلاف ما يعرض لهذين المتناسبين حرصا منها على الاسترسال في الكلام، وانبساط اللسان فيه، وحمل مؤونة الاختلاف عن اللسان والسمع، ولهذا أنشدوا يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا

стр. 338

والرمح يعتقل ويتأبط ولا يتقلد به، ولكنه لما كان التأبط والاعتقال حملا للرمح، والتقلد حملا للسيف فتناسبا من ناحية كونهما محمولين، حسن هاهنا عطف الرمح على السيف، ومنه قول لبيد في معلقته: فعلا فروع الأبهقان وأطفلت ... بالجهلتين ظاؤها ونعامها يروى: فروع ـ بضم العين ـ ومعناه: عاشت الأرض وعاش ما فيها، ألا ترى قوله: وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها. ويروى ـ بنصب العين ـ ومعناه فعلا السيلُ فروع الأيهقان، والأيهقان: الجرجير البري، الواحدة: أيهقانة، والجلهتان: جانبا الوادي هما ما استقبلك منه، ومعنى البيت: إنه يصف أن هذه الديار قد خلت فكثر أولاد الوحش بها. والشاهد على غرضنا من البيت قوله: وأطفلت، والنعام لا يقال فيه: أطفل، وإنما يقال فيه: أفرخ وأرأل، ولكن الفرخ لما كان في معنى الطفل، حسن فيه الاتباع. ومما أجاب به بعض حذاق النحوية عن هذه الشواهد، وهو جواب سادس أن قول ارمرئ القيس على تقدير الحذف، والمراد في بجاد مزمل به الثبير، ثم حذف، وهذا كقول من يقول: كسيت جبة زيدا، والحذف يستعمل في هذا، كما تقول: مررت برجل فكسوته جبة، ثم تكني عن الجبة فتقول: مررت برجل فكسوته، ثم تحذف الهاء. وهكذا التقدير: هذا جحر ضب خرب جحره، ثم حذف جحره، وأبقى الإعراب على حاله. ومثل هذا التقدير الذي ذكرناه لا يتصور في قوله تعالى: (وأرجلكم). والمقصد من هذا كله أن حمل الآية على الخفض على الجوار تعسف في التأويل، وخروج الإعراب عن الأصل إلى ما لا يحسن إلا عند الضرورة. هذا مع أن التأويلات التي ذكرناها تمنع من تصوره وتقديره في الآية على كل حال، على حسب ما كشفنا لك عن علل تلك الشواهد نظرا، نظما ونثرا. فإن قيل: قد قال تعالى: (وأغلالا)، وفعالل الذي هو وزن سلاسل، وفعايل أيضا، لا ينصرف في معرفة ولا نكرة إلا في ضرورة، وقد جاء القرآن بصرفه على قراءة من قرأ بذلك من غير ضرورة. وعن هذا جوابان: أحدهما: أن في الغايات ومقاطع الآيات بعض أحكام القوافي، والألف في

стр. 339

"سلاسل" يحكي إطلاق القوافي، ثم قد تبدل العرب الألف نونا تستروح إلى غنتها استرواحها إلى استرسال الألف. والثاني: أن الأصل صرف كل اسم متمكن، ومنع الصرف في حكم تضييق طارئ على الكلام، فلم يبعد في فصيح الكلام رده إلى أصله. وأما الخفض على الجوار فخروج على الأصل والقانون، ولا يحسن الخرو عن الأصل إلى لضرورة. ولما ذكرنا ما تعلق بقراءة الكسر في قوله تعالى: (وأرجلكم)، فلنذكر ما يتعلق بقراءة النصب، فقد قال أيضا الصائرون إلى المسح أن النصب إنما ورد هاهنا على حكم العطف، على إعراب الرؤوس، قبل دخول حرف الجر علهيا، فكأنه قال: وامسحوا رؤسكم وأرجلكم، والمراد مسح الأرجل عطفا على موضوع إعراب الرؤوس قبل دخول حرف الجر عليها، ألا ترى قولهم: يا عمر الجواد، فإن المنادى المفرد، وإن كان مرفوعا في اللفظ فمحله النصب على ما عرف في كتب النحاة، فأجرى قولهم: "الجواد" على الإعراب المعنوي لا اللفظي. ولما رأى الطبري أن قراءة النصب وإن احتملت هذا فالأظهر إجراء إعرابها على حكم الظاهر، فالقرض على مقتضاها الغسل عطفا على المنصوب المتقدم، وهو الوجه واليدان، ورأى قراءة الخفض تفيد المسح كما بيناه، وأبطلنا ما تؤول سواه من الخفض على الجوار، ولم يراع التأويل الذي حكيناه عن سيبويه وعن بعض أهل اللغة، أثبت التخيير بين مقتضى هاتين القراءتين، وخير المتوضئ بين الغسل والمسح. وهذه الطريقة التي سلك لا تصفو له إلا بأن يبطل إيجاب فرض الغسل والمسح معا، ويرى أن المكلف لا يجب عليه الجمع بينهما، فيصار إلى التخيير عند هذا التأويل والتنافي المقدر بالدليل الذي يقيمه على منع إيجاب النوعين جميعا. وأما إن لم يقم دليلا على هذا فيقال له: الواجب على مقتضى طريقتك الإتيان بالغسل والمسح (ص ١٧٤) جميعا، إذ لا تنافي في العقل في الجمع بينهما. ومعتمد جمهور المسلمين على الغسل، ويستدلون على ذلك بما أوردناه وبسطناه في كتبنا الفقهية من الآثار وعمل السلف، والتحديد بالكعبين كما حد بالمرفقين، إلى غير ذلك مما ذكرناه مما ليس هذا موضعه.

стр. 340

مسألة في مصرف الصدقات اختلف الناس في مصرف الزكاة؛ هل يجزي صرفها إلى إحدى الجهات التي ذكرها الله سبحانه في الثمانية أصناف أو لابد من توزيعها على سائر الحاجات، بأن يدفع إلى الثمانية أصناف. فذكر أبو المعالي أن المقتصر بالإعطاء على صنف واحد، مثل أن يعطي جميع زكاته للفقراء، أو يعطي جميعها للغارمين، معطل للفظ لا مؤول، وكل تأويل عطل اللفظ فإنه غير مسموع ولا متقبل من مؤوله. وقد اشتملت الآية على عد ثمانية أصناف عطف بعضهم على بعض بحرف الواو التي هي للجمع والتشريك، وأكد هذا المعنى فإنه قال: (إنما الصدقات للفقراء)، وهذه اللام تفيد التمليك كقولك: الدار لزيد، والثوب لعمرو، فإن هذا اللفظ يفيد الملك. وإذا أفادت اللام في قوله تعالى: (للفقراء) الملك، وعطف على ذلك ما ذكر بعده من الأنصاف بحرف الواو التي هي للتشريك، وجب اشتراك الجميع في ملك هذا المال الذي هو الصدقة. ويوضح كون هذه اللام وعطف أعداد عليها يوجب التمليك أن الموصي إذا قال: ثلث مالي للفقراء، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، فإنه لا يصح صرف ثلثه إلى واحد من هذه الجهات دون الأخر، وما ذلك إلا لإفادة هذه العبارة في اللسان التشريك في التمليك. وقد سلم بعض المتأخرين لزوم ما ألزمه الشافعي من الوصية لأعداد، فزعم أن الوصية بمثابة الصدقات يجوز صرفها إلى واحد من ذوي الحاجات، وهذا غلط، والوصايا يجب أن تنفذ على مقتضى لفظ الموصي، فإذا صرف واحد بعض ماله إلى جههة عددها وجب استيفاء تلك الجهات، كما لو صرفها إلى أشخاص معينين. وأنكر أبو المعالي أن يكون القصد بالآية التعرض للحاجة في جهة من الجهات المذكورة فيها، ورأى هذا كالتعطيل للفظ لا كالتأويل، واعتل بأن الحاجة أيضا قد لا تستمر في بعض الأصناف المذكورين كالعاملين، فإنهم لا يأخذون من جهة حاجتهم، وكالغارمين بسبب حمالة تحملوها لإصلاح ذات البين، ولا معنى لتخيل العامل على الزكاة لما كان محتاجا إلى كفايته ونيابته على المساكين وغيرهم، صار من هذا الجانب الدافع إليه كبعض جهات الحاجة المذكورة، لأن هذا تغيير مبناه على تحكم، واللفظ منتظم لذكر الحاجات انتظام تشريك وتمليك، ولو كان المراد تأوله المتأول لكانت التلاوة: "إنما الصدقات

стр. 341

للفقراء والمساكين"، ونحن نكتفي في هذه المسألة بكلامنا عليها في كتاب شرح التلقين، فمن أراد الاطلاع على ما يتعلق بهذه الجمل التي أوردناها، فليطلع على ذلك من ذلك الكتاب. مسألة جارية على أسلوب هذه التي قبلها اعلم أن خمس الغنيمة قد أنزل الله فيه سبحانه: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القرب واليتامى والمساكين وابن السبيل)، فهذا الخطاب أفاد صريحه من يصرف إليه الخمس، وأفاد ضمنه من يستحق الأربعة أخماس وهم الغانمون، وهذا كقوله تعالى: (وورثه أبواه فلأمه الثلث)، فإن صريحه يقتضي استحقاق الأم الثلث، وضمنه يقتضي استحقاق الأب الثلثين. وقد اختلف العلماء في هؤلاء المسمين لصرف الخمس فيهم، كما اختلفوا في المسمين لصرف الزكاة فيهم، كما قدمناه. فذهب أبو العالية إلى استحقاق جميع من ذكر في هذه الآية لهذا الخمس، فرآه يقسم على ستة أجزاء، جزء لله سبحانه ومصرف هذاالجزء في رتاج الكعبة لاستحالة صرفه إلى الله سبحانه على الحقيقة، وجزء آخر يصرفللنبي ﵇، وجزء آخر للذوي القربى، وجزء آخر للتيامى، وجزء آخر للمساكين، وجزء آخر لابن السبيل. ورأى الشافعي أنه يصرف إلى خمسة مصارف (ص ١٧٥) وأسقط من هذه الستة الجزء المضاف إلى الله سبحانه، لا يقال للشافعي: إنك هاهنا عطلت بعض اللفظ كما يقوله هؤللاء لأبي حنيفة في آية الزكاة، وقد تقدمت، لأن أبا العالية وغيره من العلماء قد سلموا أن الصرف إلى الله سبحانه على الحقيقة يستحيل، فلابد من تأويل اللفظ، فيقول أبو العالية: المراد به صرف إلى ما يقصد به وجه الله سبحانه، وهو رتاج الكعبة، ويول الشافعي: إنما ذكر اسم الله هاهنا تيمنا وتبركا وإشعارا بأنه سحبانه هو المقصد بالتقرب إليه بهذا المال. وأما سهم الرسول فاتق على سقوطه بوفاة النبي ﵇، ولكن اختلف القائلون: إنه كان ﵇ يستحقه أيام حياته، فيمن يصرف إليه بعد موته. فقال الشافعي: في مصالح المسلمين، وقال غيره: يرجع إلى أربعة أصناف

стр. 342

المذكورين معه: ذوي القربى ومن بعدهم. وقال غيره: بل يرجع إلى من يلي بعده. وذهب أبو حنيفة إلى قسمه على ثلاثة أصناف، فاسقط ما أضيف إلى الله سبحانه كما صنع الشافعي، وأسقط ما أضيف إلى النبي ﵇، وأسقط ما أضيف لذوي القربى، واختلف أصحابه؛ هل كانوا يستحقونه في حياة النبي ﵇؟ ولكن هذا الاستحقاق سقط بموته، أو كانوا غير مستحقين له أصلا. وذهب مالك إلى صرف الخمس إلى الأوكد فالأوكد من الأصناف المذكورين، فتلخص من هذا أن مالكا لا يعين له مصرفا ولا يعدده، وأن من سواه يعينه ويعدده. فأبو العالية صرفه في ستة، والشافعي صرفه في خمسة، وأبو حنيفة صرفه في ثلاثة. وتشعب من هذا الخلاف الثلاثة أقوال المذكورة، فيمن يصرف إليهم سهم النبي ﵇، فمن قال: يصرف سهم النبي ﵇ في مصالح المسلمين تعلق بقوله ﵇: "ليس ليس مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم". وتعلق من يراه يصرف إلى من يقوم بالأمر بعده بقوله: "ما أطعم الله نبيا طعمة إلا جعلها لمن يقوم بالأمر بعده" الخبر كما وقع. ومن يقول: يعود على بقية الأصناف يعتل بأن سائر الأصناف مستحقون لهذا المال، فإذا سقط حق بعضهم عاد على من سواه من المستحقين له المشاركين له في الاستحقاق. وأبو العالية يتعلق باللفظ، ويرى أن التنصيص على أصناف ذكروا بصفاتهم كالتنصيص على أشخاص ذكروا بأسمائهم، فكما لا يصح تعطيل بعض أسماء الأشخاص، فكذلك لا يصح تعطيل بعض أسماء الأصناف. ويرى الشافعي ما رآه، ولكنه أسقط ما ذكرناه لما حكيناه من القربى، ويرى أبو حنيفة ما يراه الشافعي في الإسقاط على الجملة، ولكن زاد في الإسقاط ذوي القربى، واعتقد أنهم إنما يعطون إذا كانوا فقراء محاويج، والقصد بالآية سد الخلة فيمن ذكر بعدهم، فكذلك القصد فيهم. فإن قيل له: لام عنى لذكر القرابة، لأن الفقير من قرابة النبي ﵇ عندك كالفقير ممن سواهم، فذكر القرابة على هذا لغو، والقصد إعطاء الفقير، ولا يحسن أن يكون قصد المتكلم الأمر بإعطاء الفقراء فيقول أبو حنية: لما كانت الزكوات حراما على هؤلاء الأقرباء، وإن كانوا فقراء أمكن الخمس حراما عليهم، وإن كانوا فقراء أيضا ـ

стр. 343

فالقصد بذكرهم رفع هذا الإشكال العارض. وهذا لا ينجيه من كون تأويله معطلا للفظ، لأجل أنه يجوز حرمانهم وصرف هذا النصيب إلى فقراء غيرهم، وهو إذا صرف إلى من سوادهم صار اللفظ معطلا، وكل تأويل عطل اللفظ فإنه غير مقبول. هذا، وهو يرى أن الزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون القياس، وقد قال الله سبحانه: (ولذي القربى)، ولم يقل فقيرا ولا غنيا. فإذا قال أبو حنيفة: المعنى: ولذي القربى الفقراء. قيل له: هذا تقييد لمطلق، وزيادة على نص بقياس مستنبط، وذلك مما يمنعه، كما منعته في اشتراط الإيمان في الرقبة لعتق في الظهار، فإن الله سبحانه يقول: (فتحرير رقبة) ولم يقل مؤمنة. فرأيت أنت أن قولنا وقول الشافعي لا يجزئ في الظهار إلا رقبة مؤمنة زيادة على النص، فلا يسوغ لنا عندك رد هذه الآية التي في الظهار إلى آية كفارة القتل لما قيد فيها بالإيمان، فقال: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فكذا يجب أن يقول بما قاله الشافعي: إن هذا النصيب (ص ١٧٦) من الخمس يجب أن يعطي لقرابة النبي ﵇ الأغنياء منهم والفقراء، يأخذونه على حد سواء. وقد وقع في هذه المسألة استدلالات أخر، تحتاج إلى حكومة بين المتأولين، فمن ذلك ما روي أن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ أتيا النبي ﷺ ، لما أعطى من الخمس بني هاشم وبني عبد المطلب وتركهما، فقالا: يا رسول الله: إنا لا ننكر فضل إخواننا من بني هاشم للمكان الذي وضعك الله فيه منهم، فما بال بني عبد المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة؟ فقال ﵇: "أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وبنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد، هكذا، وشبك بين أصابعه" الحديث كما وقع. وبسط هذا الحديث أن جد النبي ﵇ الخامس منهم عبد مناف، وذلك أنه ﷺ : محمد، بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف. وكان عبد مناف هذا له خمسة بنون، منهم واحد لم يعقب، وهو أبو عمرو، والأربعة عقبوا وهم: هاشم جد النبي ﵇، وعبد شمس جد أعلى لعثمان بن عفان، ونوفل جد أعلى لجبير من مطعم، والمطلب أخ لهؤلاء الثلاثة رجال، فقرابة عثمان وجبير ﵄ كقرابة بني المطلب، لأنهم أبناء رجال إخوة، فهذا معنى قولهما: قرابتنا وقرابتهم واحدة.

стр. 344

وأما بنو هاشم فهم كما قالوا له: هم أقرب إليه، لأنهم وإياه أولاد جد، وهاشم وهؤلاء أولاد إخوة هاشم، فتنازع الإمامان في هذا الحديث، فيقول أبو حنيفة: أضرب ﵇ في هذا الحديث على التعليل بالقرابة وقصد إلى التعليل بالنصرة والمشادة، ألا تراه بقول: "أنا وبنو عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام"، ومثل المشابكة التي بينهم في المعاضدة بمشابكة الأصابع بعضها ببعض، فأشعر بذلك أن القرابة ليست بسبب في استحقاق هذا المال. ويقول الشافعي: ليس الأمر كذلك، وإنما ذكر النصرة والمعاضدة ترجيحا لقرابة على قرابة، وإن كانت النصرة بمجردها لا توجب استحقاقا في هذا النصيب، ومثل ذلك في الشريعة أن الأخ الشقيق يحوز المال إذا انفرد، وكذلك الأخ للأب يحوز المال إذا انفرد، فإن اجتمعا أسقط الشقيق الأخ من الأب، وإن كانا جميعا أخوين من الأب، لزيادة الشقيق القربى من جهة الأم، وإن كانت هذه الزيادة لو انفردت لم توجب تعصيبا، لكنها إذا ضامت التعصيب أكدته ورجحته، وكذلك نصرة هؤلاء لما ضامت قرابتهم، أكدت قرابتهم ورجحتها. ويبطل ما تخيله أبو حنيفة من تأويل هذا الحديث أنه ﵇ أقرهم على اعتلالهم بالقرابة، وإشارتهم إلى أنهم يستحقون, وهو ﵇ لا يقر على باطل، فلو كانت القرابة ليست بسبب هاهنا، وإنما السبب الفقر لأنكر عليهم اعتلالهم بالقرابة، ولما سلم أخذ بني هاشم بالقرابة. ومن هذه الجهة يكاد هذا التأويل للحديث يلحق بما نحن [فيه]، لأنه ﵇ إذا اقر على التعليل للاستحقاق صار كأنه هو الناطق به، والتحيل على التعليل يبطل حكم نطقه لا سبيل إليه. وهكذا صنع القوم أيضا في قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القربى* فلله وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، فذكر الستة الأصناف المذكورين في سورة الأنفال في خمس الغنيمة، وعلل استحقاقهم بأن لا يكون هذا المال دولة بين الأغنياء، وهذا التعليل يمنع إعطاء قرابة النبي ﵇ إذا كانوا أغنياء، وإذا امتنع ذلك بحق هذا التعليل فقد ثبت التقييد بالفقر والحاجة في ذوي القربى المذكورين في آية الانفال، وهذا هو المطلوب. وهذا من آكد ما يتعلق به أبو حنيفة. ويقول الشافعي: إني لا أخص المعنى من قرابة النبي ﵇ بهذا النصيب فأجعله

стр. 345

دولة بين الأغنياء، ولكني نعطي الغني كما نعطي الفقير، وليس هذا المال دولة بين الأغنياء خاصة، والآية إنما منعت من كونه دولة بين الأغنياء خاصة. وإذا انتهى التأويل إلى هذه الطبقة من الإشكال خرج عما نحن فيه، وإن كان موضع بسط كتب الفقه. واعلم أن مما يتعلقبهذه النكتة التي نحن فيها، أنها تعاليل مستنبطة من لفظ، عادت بتخصيص اللفظ، والعموم لا يخص بعلة مستنبطة منه، لأن العلل إنما تستنبط من الألفاظ بعد تحصيل مضمونها (ص ١٧٧) وكمال فائدتها، فإذا استقرت فائدتها وما يفيد لفظها، بحث الباحث عن سبب القول بعد تحصيله، فيتحصل من هذا أن العلة تابعة لتحصيل معنى اللفظ وما يفيده، وهذا يمنع التخصيص بعلة مستنبطة منه، لأنا نقدم قبل النظر في علة إفادته للاستيعاب، فإذا كان مفيدا للاستيعاب نظرنا في سبب إفادته للاستيعاب، وهذا يناقض التخصيص منه فيه. لكن لو كان التخصيص باستنباط علة من اصل آخر ولفظ سواه لكان فيه الخلاف الذي قدمناه في بابه، وذكرنا سبب الخلاف فيه أيضا. وبهذا يرد بعض الحذاق ما صنعه أبو حنيفة في مسألة ذوي القربى ومسألة الزكاة، فإنه استنبط علة من تعداد هذه الأصناف، أسقط بها بعض اللفظ المشتمل على بعض الأصناف. وهذا كمنعه من التعليل للربا بالكيل لكون اليسير من البُر الذي لا يكتال ليسارته فيه الربا لعموم قوله: "البُر بالبُر"، واستنباط الكيل من هذا اللفظ يخص هذا اللفظ. وهكذا صنع في إجازة افتتاح الصلاة باللفظ الذي فيه تعظيم الله سبحانه قياسا على التكبير لما كان فيه تعظيم، فاستنبط من التكبير الوارد به الشرع علة عطل! بها لفظ الاختصاص الوارد به من قوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وهكذا صنع في التسليم وأجاز الخروج بغير لفظ التسليم. وهكذا أباح الاقتصار في الصلاة على بعض الآي سوى أم القرآن تخيلا أن القصد قراءة قرآن ما، فعطل ما ورد من الاختصاص بأم القرآن. وهكذا أجاز إخراج قيمة شاة عن أربعين شاة، فعطل اللفظ الوارد بالشاة، بأن استنبط منه أن القصد سد خلة المحاويج بهذا المقدار، وإن كان في مذهبنا نحن اختلاف في إخراج القيم في الزكاة ذكرناه وذكرنا سبب الخلاف فيه في كتاب "شرح التلقين".

стр. 346

ومن نظر إلى أن الزكاة وجبت لأجل أن الإسلام قرابة، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقد وجب في الشرع النفقة على القريب على الجملة مواساة له، فكذلك قرابة الإسلام، لكنها من عام إلا عام لكونها قرابة عامة، فصار المستحقون للزكاة من الأصناف المذكورين كالمستحقين بقرابة النسب، فلا ينوب بعضهم عن بعض، ترجح عنده ما قاله الشافعي. ومن نظر إلى أن الله سبحانه له على عبده نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، فشكر عن صحة البدن والانتفاع بأعضائه باستخدام الأعضاء في الصلاة والحج وغيره من العبادات، وشكر نعمة الانتفاع بالمال بالخروج عن جزء منه إلى الله سبحانه، والله سبحانه لا يناله لحومها ولا دماؤها، لكن أعطيت الزكاة للمحاويج نيابة عن الله سبحانه فيما تكفل لهم به من أرزاقهم، فالمقصود بشرعها شكر النعمة بالمال وجنس ما يعطى، ومن يعطي كالدلالة في تأدية شكر هذه النعمة، ترجح عنده جانب من رأى إجزاء صرف الزكاة إلى أحد الأصناف. وكتب الفقه أحق ببسط هذا من كتابنا، لكن بسطنا هذه النكت بعض البسط، لأجل أن اختصرنا ما أمليناه في مصرف الزكاة مما قدمنا في هذا الكتاب. مسألة تأويلية في الكفارة الإطعامية ذكر الله سحبانه في كفارة الظهار الإطعام فقال: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)، فقدر من يطعم بعدد محصور، ولم يقدر قدر الإطعام. وقد اختلف الناس في الوجهين جميعا أما قدر الطعام في كفارة الظهار فإن لمالك فيه أربعة أقوال: أحدها: أن الذي يطعمه كل مسكين مد بمد النبي ﵇، وبهذا قال الشافعي. والثاني: مد وثلث. والثالث: مد وثلثان. والرابع مدان. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان الطعام برا كان مدين، وإن كان تمرا أو شعيرا كان الأطعام صاعا. وأما عدد من يعطي هذا الطعام فمذهب مالك والشافعي مراعة العدد الذي ذكر الله سحبانه وهو ستون مسكينا، فلا يجزئ عندهما أن يعطي الكفارة لأقل من ستين مسكينا، كما لا يجزئ أن يعطي كفارة اليمين بالله لأقل من عشرة مساكين.

стр. 347

وذهب أبو حنيفة إلى إسقاط مراعاة العدد، ورأى أن المقصود في الشرع سد الخلة بهذا المقدار، فإن أطعم طع أم ستين مسكينا لمسكين واحد لأجزأه، لأنه حصل في ذلك ستين خلة. ونقل أبو المعالي هذا المذهب عن أبي (ص ١٧٨) حنيفة نقلا مطلقا يغتر به قارئ كتابه، ويظن أن مذهب الرجل جواز إعطاء هذه الكفارة لمسكين واحد في يوم واحد، والرجل لم يقل ذلك، ولكنه اشترط في تكرير ذلك على مسكين واحد تكرر الأيام، فرأى أنه إذا أعطى مسكينا صاعا أو نصف صاغ في يومه، وأمهل حتى صار بالغداة أعطى ذلك المسكين بعينه صاعا أو نصف صاع في يومه، وأمهل حتى صار بالغداة أعطى ذلك المسكين بعينه صاعا أو نصف صاع، ثم يمهل إلى الثالث فيعطيه كذلك حتى يستوفي ستين يوما، فيكون كالمطعم ستين مسكينا، هكذا مذهب الرجل لا ما أطلقه أبو المعالي في حكايته عنه. وبهذا التقييد الذي حكيناه عنه يوجد إلى الاعتراض عنه سبيل، ولا تبلغ المسألة إلى إفراط أبي المعالي في تأنيبه، قوله: من عذيرنا فيه، إذا عطل النص بتأويل فاسد، لأن الرجل إنما تخيل أن الله سبحانه أمر بإعطام ستين مسكينا، ولم يعين مسكينا من مسكين، ولاخلاف بين العلماء أن المساكين غير معينين، فإذا لم يعينوا وأطعم هذا مسكينا، ثم كرر إطعامه بالغداة، وهو بالغداة مسكين، فكأنه أطعم مسكينا، لكونه هذا المسكين يصير كل يوم من جملة المساكين الذين لا يعينوا. وإذا انتهى التأويل بهذا الرجل إلى هذا التقدير، فلا وجه للإفراط في تأنيبه وإضافته إلى تعطيل النص، لأنه إنما قدر أنه مستعمل للنص بهذا التكرار، وأنه غير مخل بالعدد المنصوص عليه، لكونه المساكين غير معينين، فإنما تحكام إلى مقتضى اللسان، وهل تسمى العرب هذا الإنسان المكرر على مسكين واحد ستين يوما مطعما لستين مسكينا أم لا؟ فالرجل على هذا التقدير غير مسقط للنص، وإنما ظن أن النص مشتمل عليه، وتخيل أن الغرض سد الخلة بهذا المقدار، فلا فرق بين أن يسد خلة مسكين واحد ستين يوما، أو يسد خلة ستين مسكينا في يوم واحد. وقد أفسد عليه هذا بأن اتباع هذا الغرض الذي تخيل يجوز أن يكون على المسكين الواحد الإطعام إذا سرق ما أعطيه أولا، عاد بسرقته منه محتاجا لسد جوعته، وكان يجب على هذا إذا بقى عند هذا المسكين ما أعطيه من الطعام في يوم إلى غده ألا يكرر عليه، وهو لم يلتزم هذا الذي اقتضاه طرد اعتلاله، وقد احتج له بجواز تكرير الطعام بأن يشتري من المسكين، ثم يعطي لآخر، ولم يمنع ذلك من الإجزاء، فكذلك تكرير الإعطاء لمسكين واحد بتكرير الأيام.

стр. 348

وأجيب عن هذا بأن الطعام لا غرض صحيح في النظر في من يملك عنه الطعام، ومن القصود الصحيحة مراعاة عدد من المساكين، ولا ينكر أحد أنه يمكن القصد إلى اعتبار العدد، وأن ذلك بخلاف اعتبار من يملك عنه الطعام، إذا تساوت جهة الملك. وأخذ أبو المعالي في الرد عليه من جهة أخرى أورد فيها نكتا نحوية، وذلك أنه قد علم أن الفعل المتعدي إلى مفعولين، يختلف حال المفعولين، فتارة لا يجوز الاقتصار على أحدهما، وذلك إن كانا اسمين يصح أن يكون أحدهما مبتدأ، والآخر خبرا عنه، لأن الاقتصار على المبتدأ دون خبره لا يصح، وكذلك الاقتصار على أحدهما خبره دونه، ألا تراك تقول: زيد عالم، فتأتي باسمين أحدهما مبتدأ، وهو قولك: زيد، والآخر خبر عنه، وهو قولك: عالم. ولو اقتصرت على إحدى اللفظتين، فقلت: زيد: أو قلت: عالم لم يكن كلاما مفيدا، فإذا تعدى الفعل إلى هذا النوع من الأسماء لم يصح الاقتصار على أحدهما دون الآخر، ولابد من ذكرهما جميعا، حتى إذا كان المفعولان بخلاف ذلك، فيجوز الاقتصار على أحدهما، إذ لا ارتباط بين الاسمين، ولا يكون أحدهما مبتدأ والآخر خبره، ألا تراك لا تقول: زيد درهم، فلما لم يكن بينهما ارتباط صح حذف أحدهما إذا علقتهما بفعل، فتقول: أعطيت درهما ولا تذكر من أعطيته، فلهذا عمل الفعل في هذا في هذا النوع مقدما ومؤخرا، لكونه مقصودا في الخطاب معتنى به، فنقول: أعطيت زيدا درهما، وتقول: زيد درهما أعطيته، ولا يحسن هذا في النوع الآخر، فلا تقول: زيدا عالما ظننته، وإنما تقول: زيد عالم ظننته، على وجه إلغاء الفعل، لأنك إذا قدمته أشعرت تقدمته بتأكيده فعمل، فإذا أخرت أشعر تأخيره باطراحه فلم يعمل، ولو وسطته لجاز لك الوجهان: الرفع والنصب، فتقول: زيدا ظننت عالما، فتعمل الفعل، وتقول: زيد ظننت عالم، فتلغي الفعل. فاستفيد من هذه الجملة أن العرب تراعي في كلامها الأهم، وتعتبر المقصود، فقوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينا) الإطعام هاهنا مصدر (ص ١٧٩) والمصدر يعمل عمل الفعل، فيتعدى إلى مفعولين، والتقدير فإطعام طعام ستين مسكينا، فطعام أحد المفعولين، ولكنه حذف لأن هذا الفعل مما يصح حذف أحد مفعوليه. فاعتبر أبو حنيفة المفعول المحذوف وجعله المقصود في الخطاب، حتى علق الحكم به، فقال: لو كانت التلاوة: فإطعام طعام ستين مسكينا، لكان إذا أخرج قدر طعام ستين مسكينا أجزأه، فإذا لم تكن التلاوة هكذا، ولكن المحذوف مقدر وجب تعليق الحكم بتقديره، فرآه أبو المعالي غالطا خارجا عن قانون اللسان، إذ جعل المحذوف هو المراد المعلق الحكم به، والمذكور المنصوص كالملغي. وقد أخبرنا نحن في أول المسألة بعذره عن ذلك، هذا أيضا وقد يزاحم أبا المعالي

стр. 349

فيما تعلق به من صناعة النحو، فيقول ما قاله سيبويه: إن المصدر يقدر بـ "ما"، ويقدر بـ "أن"، فإذا قدرنا المصدر هاهنا بمعنى "ما" اقتضى ذلك ما قاله أبو حنيفة، ويكون التقدير: فمن لم يستطع فما يطعم ستين مسكينا، وهو التقدير الآخر، يخرج به إلى ما لا يريد. فأنت ترى كيف أريناك أن له متعلقا بصناعة النحو م وجه آخر، ذكره الإمام الأول وهو سيبويه، وذكر في تقدير المصادر ما حكيناه عنه، وأحد تقديريه فيها يخرج أبا حنيفة إلى ما أراد، فمع إمكان تعلقه بالظاهر من هذه الجهة النحوية، ومن تلك الجهة الفقهية، كيف يفرط في التغليظ عليه فيما ذهب إليه، والأولى أن لا يطرق إلى إمام أدنى ذام أو ملام، ما وجد سبيلا إلى صرف ذلك عنه، ولم نشر بهذا إلى تصحيح ما ذهب إليه في هذه المسألة، ولكن أريناك طرقه فيها، وفي هذا كفاية. مسألة تأويلية في خبر التصرية ذكر أبو المعالي، [و] أشار بذكرها إلى انخراطها في سلك ما هو فيه، ولم يورد جوابا عنها، وأحال على كتب متقدمة بسط الكلام فيها على هذه المسائل، فرأينا أن لا نخلي كتابنا هذا من تفصيل ما أجمل، وإحضار ما أحاله على غائب. فمن ذلك الخلاف المشهور بين فهقاء الأمصار في المصراة، فقد علم أن مذهب مالك ﵁ والشافعي ﵁، أن من باع ناقة أو بقرة أو شاة، ودلس في لبنها، بأن ترك حلابها أيام حتى كثر درها، وتكاثر لبنها في ضرعها، ليوهم مشتريها أنها غزيرة اللبن، أن ذلك عيب دلس به البائع، وفعل فيه ما لا يحل، وهو بالخيار إذا اطلع على أن لبن الشاة أو البقرة بخلاف ما ظن، بين أن يمسكها أو يردها، وإن ردها فعندنا أنه يرد معها صاعا من تمر، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﵇: "لا تصروا الإبل، ولا البقر، فمن اشترى مصراة فهو بخير النظرين"، الحديث. وقد ترك الأخذ به أبو حنيفة، واختلفت النقلة عنه، فلاذي يضيف إليه من تقدم من أصحابه أن التصرية عيب، ولكن منع الرد به تصرف المشترى في المبيع، وهو البقرة أو الشاة، والذي يقوله المتأخرون من أصحابه أن ذلك ليس بعيب عنده.

стр. 350

وإنما نيطت هذه المسألة بما نحن فيه لأجل أن أبا المعالي ذكر أن كل تأويل عطل اللفظ لا يسمع، ولو عضد بدليل، فآخر ما أجرى من هذه المسألة كفارة المظاهر بالإطعام، فإنه رأى أن مذهب أبي حنيفة إذا صار إلى أن المظاهر إذا لم يقدر على الإعتاق ولا الصيام، فإنه يطعم طعام ستين مسكينا واحدا كما قدمناه، وظن به أنه علق الحكم بلفظ محذوف، وعطل اللفظ المنصوص من قوله: (ستين مسكينا) على ما بيناه فيما قدمناه، فكذلك ما نحن فيه. زعم بعض من ينتصر لأبي حنيفة أن تأويل الحديث فيمن اشترى مصراة، واشترط غزارة اللبن، وإثبات هذا الاشتراط محذوف علق الحكم به، وعطل ظاهر اللفظ، وهو ﷺ إنما علق النهي على التصرية، وبنى عليها الحكم في من اشتراها، فمن هذه الجهة انخرطت هذه المسألة في سلك ما نحن فيه. وأما من رأى أن أبا حنيفة إنما لم يقل بهذا الحديث لأجل مخالفته لقياس الأصول، لأن فيه إثبات غرامة مقدرة عن متلفات مختلفة، فلبن الناقة ليس كلبن البقرة، ولبن البقرة ليس كلبن الشاة، ثم مع هذا الاختلاف جاء الحديث بأن على متلف هذه الألبان المختلفة صاعا من تمر. وقد اعتذر عن هذا بأن النبي ﷺ إنما شرع هذا رفعا للخصام والتشاجر. وقد قال عيسى بن أبا، لا يصح أن ترد الشاة دون لبنها المبيع معها، ولبنها المبيع معها لا يتميز عن اللبن الذي حدث [أثناء] ملك المشتري، فلما لم يتميز هذا من هذا، ووجب رد بعض هذا الذي لا يتميز، وخيف من التشاجر والاختلاف فيه، قطع التشاجر برد صاع عوض الكل. (ص ١٨٠) إلى هذا أشار عيسى بن أبان، وإن كان لم يبسط التعرض لذكر الخصام، وإنما بسطه غيره فقال: ولا يستنكر هذا في الشريعة، ألا ترى أن الجنين إذا ضرب بطن أمه فألقته، فـ"إن النبي ﵇ حكم فيه بالغرة"، ولم يفرق بين أن يكون الجنين المطروح ذكرا أو أنثى، مع اختلاف دية الذكر والأنثى، وإنما ذلك لرفع الخصام. وكذلك جاء الشرع في الموضحة، وهي الجرح الذي كشف عن العظم بأن فيه نصف عشر الدية، ولم يفرق بين كون هذا الجرح صغيرا أو كبيرا، فقد جاء في الأصول إثبات غرامة واحدة مع اختلاف حال المتلف. وقال أصحاب أبي حنيفة ايضًا في مخالفة الأصول: غرامة التمر عن اللبن، والأصول تقتضي ألا يغرم المتلف خلاف ما أتلف. وقد اعتذر عن هذا بأن غرامة اللبن توقع في الربا والتفاصيل في اللبن، فعدل عن ذلك لأجل الاحتياط للربا إلى أن غرم خلاف الجنس.

стр. 351

وأشار الطحاوي إلى طريقة أخرى في التأول تشعر بأنه يرى الحديث منسوخا فقال: غرامة اللبن، وهو دين في ذمة المشتري، والتعويض عنه بثمن في ذمته دين بدين، وقد نسخ جواز بيع الدين بالدين. فكأنه يشير إلى أن الدين بالدين كان جائزا، والحديث إنما ورد وقت جوازه، وهذا من الطراز الذي تقدم في غير هذه المسألة، حيث ذكرنا أنه لا يحسن أن يضاف إلى الشرع أمور بالتقدير، فإذا صادفنا الشرع على حكم فنحن على أنه لا يكون إلا كذلك، ومن أثبت خلافه لأجل الإمكان، ورأى ما نحن عليه ناسخا يضاهي من حاول نسخ ما نحن عليه بإمكان أن يكون قد نسخ. وهذا قد فرغ من الكلام عليه في مسألة إسلام المشترك وتحته عشرة نسوة. ومما يعتد به من أركان النظر في هذه المسألة أن أبا حنيفة يسلم أن من اشترط غزارة اللبن ثم لم يجده غزيرا، فإن له مقالا، فنقول نحن: إذا حفل شاته وصراها فلم يحلبها أيام قصدا لتغليط المشتري والتغرير به، حتى يظن أنها غزيرة اللبن، فإن هذا الفعل يحل عند العقلاء محل قول البائع: أبيعك إياها بشرط أن لبنها غزير، وهل بين هذا فرق وبين من اشترى عبدا وشرط أنه سالم الأصابع، فوجد أصبعه قد قطعت، أشترى عبدا ولم يتعرض لذكر أصابعه فوجد أصبعه مقطوعا، فإن المشتري له الرد سواء سكت أو نطق، وإنما كان له الرد وإن سكت، لأن غالب العبيد [صفتهم] السلامة من قطع الأصابع، فالمشتري إنما دخل على شراء عبد سالم الأصابع جريا منه على المألوف الذي هو الأكثر في بني آدم، فكذلك مشترى الشاة المصراة، وإن سكت عن غزارة اللبن، فإنه دخل على أن الغالب أن الشاة لا تصري، وأن الذي في ضرعها هو المعتاد من لبنها، فسكوته هاهنا كنطقه. وقد سلم أبو حنيفة هاهنا أن الاشتراط نطقا يوجب للمشتري مقالا، فكذلك السكوت الذي يحل محل المقال، ولكن يلزم على طرد هذا التعليل أن البائع لو لم يحفلها، وإنما اشتغل عن حلابها أياما ثم باعها غير قاصد للتدليس، ولا كان تاركا حلابها قصدا للتغرير للمشتري أن يكون للمشتري مقال في هذا أيضا على ما قررناه من أن السكوت في مثل هذا يحل محل النطق. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فطرد بعضهم هذا الأصل، ورأى أن للمشتري مقالا، وأباه بعضهم، ورأيت ابن القصار من أصحابنا هرب من طرد، وقال: لم يكن الرد للمشتري لأجل أن اللبن جاء بخلاف ما ظن، ولكن لأجل أن البائع دلس عليه، وفعل ما لا يحل، ورأى أن الاعتماد على التعليل بالتدليس يمنع من أن يوجه علينا ما وجهه أصحاب أبي حنيفة [إلى] من تابع علف بقرته حتى انتفخ بطنها فقدره المشتري جنينا، أو من بائع

стр. 352

باع غلاما بيديه قلم ودواة، وهو مسود الثياب، حتى ظنه المشتري كاتبا، فقال ابن القصار: لا يلزم الرد بهذا، لأن علف البقر ليس بحرام، فالبائع غير مدلس، ولا فاعل حراما، بخلاف المصري ناقته، فإنه فعل ما نهاه رسول الله ﷺ [عنه]، وهكذا إمساك الدواة والقلم، وتسويد الثياب ليس بحرام. وهذا الذي قاله ابن القصار لنا فيه تفصيل يطول، نمليه في كتبنا الفقيهة إن شاء الله. وقد ذكر أبو حامد الإسفراييني عن ابن أبي هريرة من أصحابهم أنه يرى أن ذكر الخيار بعد الثلاث في حديث المصراة، إنما وجهه أن خيار الثلاث اشترط فيه. وهذا منه مزاحمة لما أنكرناه وأنكروه على أصحاب أبي حنيفة من تقدير الإضمار (ص ١٨١). وذكر عن المروزي أنه إنما ذكر في الحديث الثلاث، لأن اللبن لا يتبين في أقل من الثلاث. وقد يقول أصحاب أبي حنيفة: إذا لم يستنكر تخصيص العموم بالقياس وهو نقص من اللفظ، فلا تستنكر زيادة بتقدير محذوف أثبتها القياس. ويجابون عن هذا بأنهم يرون الزيادة على النص نسخا بخلاف التخصيص، فقد كفونا مؤونة الفرق. وأيضا فإن استعمال اللفظ العام على غير جهة الاستيعاب شائع سائغ في اللسان، فالحمل عليه حمل على معروف اللسان، وإثبات زيادات في الكلام مستغني عنها، والتحكم في ذلك مهجور عند أهل اللسان مستنكر، والزيادات لا تكاد تنحصر وليست زيادة أحق من زيادة، فلو فتحنا هذا الباب لم نقف عند حد، والتخصيص عنده حد على ما سبق بيانه في مواضعه. مسألة تأويلية في خيار المجلس قد علم من مذهب مالك أنه لا يرى خيار المجلس، ويعتقد لزوم البيع بالقول وإن لم يفترق المتبايعان، وإن كان من راوي الحديث: "البيعان باخليار ما لم يفترقا"، ووافقه أبو حنيفة على مذهبه هذا، وعلم أيضا مخالفة الشافعي لهما وأخذه بإثبات خيار المجلس اتباعا لهذا الحديث المروي، وأكد هذا عنده أن راويه ابن عمر ﵁ كان يأخذ به، فأكد هذا وجوب العمل به. ولا يقدح في مخالفة مالك ﵁، لأن راوي الحديث إذا خالفه أخذ بروايته دون مذهبه على ما تذكر بعد هذا في موضعه، لا سيما إذا بدا عذر راويه في المخالفة. وعذر مالك في هذا أنه رأى العمل مضى بخلافه، وقد قال: ليس لذلك عندنا حد ولا أمر معمول

стр. 353

به، فأشار إلى كون الحديث مخالفا للعمل، وكان يرى اتباع أهل المدينة، وأنه حجة على غيرهم. وتبعه على هذه الطريقة قوم من أصحابه، فذكر ابن المعذل أن استمرار العمل بخلافه يقتضي بكونه منسوخا، وإلى هذا أشار ابن الماجشون أيضا، وإليه أشار أبو الفرج أيضا في أحد أجوبته عنه، وأكد أبو الفرج هذا الجواب بكون هذا مما تعم البلوى به، ثم مع عمومها استمرار العمل به بخلافه، وما ذاك إلا لنسخه. وهذه الطريقة التي أشار إليها أبو الفرج هي إحدى الطرق التي توجب عند أبي حنيفة ترك الأخذ بالخبر، لأنه من أصله أن لا يقبل خبر واحد فيما تعم البلوى به، وخيار المجلس مما تعم البلوى به، وإنما ورد بإثباته خبر واحد، فتعلقت المسألة من هذا الجانب بعلم الأصول من وجهين سيذكران إن شاء الله تعالى من زيادة هذا في كتاب الأخبار، أحدهما: مخالفة رأوي الخبر له، ولثاني: ورود خبر واحد فيما تعم البلوى به. وأما رده لاعتقاد نسخه فطريقة ثالثة فقهية، وقد ذكرنا من أشار إليها من أصحابنا. وأما الطريقة الرابعة وهي المقصودة في كتابنا هذا فالتنازع في قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يفترقا"، هل أراد بذلك ما لم يفترقا بالإيجاب والقبول، وإن كانا في مكانهما، أو ما لم يفترقا بالأبدان عن مكانهما؟ فيزعم الشافعي أن المراد ما لم يفترقا عن مكانهما، لا سيما وقد ذكر المكان في بعض طرق الحديث، يشير أبو المعالي إلى أن هذا هو المقصود بالحديث، وأن تأويله على الافتراق بالأقوال مما لا يقبل. ونحن ننبهك على طريقة المختلفين في هذا، فأما أصحابنا فإنهم يقولون: إذا وجب البيع وانعقد فلا يسمى المتبايعان متبايعين (حقيقة، وإنما الحقيقة أنهما) كانا [متبايعين] على الحقيقة حال تشاغلهما بالتبايع والتساوم، فالحمل على الافتراق بالأقوال تقتضيه المحافظة على التمسك بالحقيقة في لفظة المتبايعين، كما بيناه. وإن قلنا: إن حمل الافتراق على الافتراق بالأقوال مجاز، فإنما صرنا إليه لئلا يتجاوز بلظ متبايعين، وإذا كان لابد من مجاز في أحد اللفظين فالتجوز بذلك في الأقوال أولى من التجوز في تسمية المتبايعين، وقد ورد الشرع بهذا اللفظ في الأقوال، قال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب)، وقال: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)، والمراد الافتراق بالأقوال مذهبا أو طلاقا.

стр. 354

وتزعم الشافعية أن حقيقة الافتراق إنما يكون في الأجسام والجواهر التي تقبل الأكوان: الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، وأما أقوالنا فأعراض لا تقبل اجتماعا ولا افتراقا، فإن أطلق عليها ذلك فاستعارة وتشبيه، وتأويل الحديث على مثل هذه الاستعارة والتشبيه (ص ١٨٢) مستكره مستبعد لا يقبل ولا يسمع. وأما المتبايعان فهما متفاعلان، وإنما يسميان بذلك إذا حصل الفعل، كالمتضاربين والمتشاتمين، فإنهما إنما يسميان بذلك إذا حصل الضرب والشتم، فحقيقة المتبايعين من وقع بينهما تبايع، والتبايع هو انعقاد البيع، فالحمل على ذلك ليس بحمل على الاستعارة والمجاز كما صنعتهم في حملكم الافتراق على الأقوال مع ذكر المكان في بعض طرق الحديث. فهذا هو منشأ الخلاف في هذا التأويل، والالتفات إلى الاحتفاظ على حقيقة لفظة والتسامح في أخرى هو سبب التنازع كما أريناك. وهاهنا مثل هذه الطريقة من التأويل أيضا، وذلك أنه وقع في بعض طرق الحديث: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله"، فيقول أصحابنا: لو كان من حق كل واحد من المتبايعين الفسخ في المجلس من غير اختيار صاحبه لم يكن لقوله ﵇: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله" معنى، لأنه لا يفتقر حينئذ إلى الاستقالة التي تكون برضا صاحبه. فيقول أصحاب الشافعي: المراد هنا: لا يحل له أن يفر من صاحبه ويفارقه مخالفة أن يفسخ عليه بحق ما له من خيار المجلس. فيجابون عن ذلك أيضا بأن حمل الفسخ بالخبر على أن المراد بلفظ الاستقالة تعسف واستكراه في التأويل، وقد أنكرتم علينا مثله في حملنا الافتراق على الأقوال، فتساوت الأقدام. وقد نبهنا نحن في كتابنا "المعلم" على هذه الطريقة، فهذا هو المقصد الذي يليق بكتابنا هذا، وإليه أشار أبو المعالي. وقد رأيت أبا الفرج من أصحابنا يشير غلى طريق آخر في التأويل، ويقول: المراد بالحديث أن قبول الاستقالة والفسخ في المجلس سنة، وبعد الافتراق من المجلس تفضل. وفي هذا التأويل من الاستعباد ما نبهنا عليه، من حمل الفسخ جبرا على الاستقالة التي تكون بالمرضاة، وأبو الفرج إنما ذكر هذا جوابا في جملة أجوبة. وقد كان القاضي يحيى بن أكثم يتأول الحديث بالافتراق كما قلناه، ويعضد تأويله

стр. 355

بإجماع العلماء على أن من اشترى سلعة واشترط خيار بائعها أنه لا يحل له إتلافها والتصرف فيها حتى يرضى له بائعها بذلك، ورأيناهم أجمعوا على شرب الماء من السقاء، وهما بالمجلس لم يفارق الشارب من باع منه الماء، وما ذاك إلا لأنالسقاء لا خيار له في المجلس، ولو كان له الخيار ما ساغ له إتلاف مائة من قبل أن يرضى. ورأيت المغافي أشار إلى طريقة أخرى توجب العدول عن الحديث فقال: إن النبي ﵇ نهى عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة، لأنه لا يدري أمد وقوعها، فلو كان الخيار ثابتا في المجلس لكان من جنس ما نهى عنه، لأنه لا يدري متى يفترقان، وهذه الطريقة التي ذكر المغافي. والطريق الثاني التي أشار إليها يحيى بن أكثم لا تصفو لهما عن شوائب القدح، ولوا الإطالة لنبهناك على ما فيها. ومما يولع به أصحابنا مناقضة الشافعية بالنكاح، فإنهم لا يرون فيه خيار المجلس. والشافعية تجيب عن هذا بأن معظم البياعات تقع فجأة من غير روية، فكان من المصلحة والحكمة إثبات الخيار ما داما في المجلس ليتلافى به الغالط غلطه، فإذا افترقا فإن ذلك علم على أن كل واحد منهما روي وفكر فأبصر فاعل ما رأياه صوابا، ولو كان في مهلة من النظر لأمكن أن لا يفارق صاحبه، لأنه قد لا يلقاه بعد اليوم، والنكاح بخلاف ذلك. والمراد من النكاح الأعيان، بخلاف المعاوضة المالية، ألا ترى أن الوكيل يبيع وينعقد بيعه وإن لم يسم من وكله، ولا ينعقد إنكاحه حتى يسمي للزوجة من وكله فتعرفه، لأن القصد في النكاح الأعيان، فلابد أن يعرف، فإذا عرفت حصل المقصود. وقد التزم أصحاب الشافعي على هذا التعليل إثبات خيار المجلس من جانب الصداق، لكونه مالا، ولهم فيه اضطراب لا يليق إيراده بكتابنا هذا. مسألة تأويلية في أحكام العربة قد اشتهر الحديث الوارد في الصحيح في "أنه ﷺ أرخص في شراء العربة بخرصها تمرا إلى الجذاذ، إذا كانت خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق"، شك الراوي في هذا، وأخذ مالك بهذا الحديث، ولكنه لم يجز انتقاد التمر، بل شرط في جواز هذه المعاملة تأجيل التمر. والشافعي لم يشترط (ص ١٨٣) التأجيل في صحة العقد، وكلاهما أخذ بهذا الحديث في جواز هذه المعاملة على الجملة، وإن تضمنت التفاضل في ما لا يجوز التفاضل
следующие страницы →