← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأشار الطحاوي إلى طريقة أخرى في التأول تشعر بأنه يرى الحديث منسوخا فقال: غرامة اللبن، وهو دين في ذمة المشتري، والتعويض عنه بثمن في ذمته دين بدين، وقد نسخ جواز بيع الدين بالدين. فكأنه يشير إلى أن الدين بالدين كان جائزا، والحديث إنما ورد وقت جوازه، وهذا من الطراز الذي تقدم في غير هذه المسألة، حيث ذكرنا أنه لا يحسن أن يضاف إلى الشرع أمور بالتقدير، فإذا صادفنا الشرع على حكم فنحن على أنه لا يكون إلا كذلك، ومن أثبت خلافه لأجل الإمكان، ورأى ما نحن عليه ناسخا يضاهي من حاول نسخ ما نحن عليه بإمكان أن يكون قد نسخ. وهذا قد فرغ من الكلام عليه في مسألة إسلام المشترك وتحته عشرة نسوة. ومما يعتد به من أركان النظر في هذه المسألة أن أبا حنيفة يسلم أن من اشترط غزارة اللبن ثم لم يجده غزيرا، فإن له مقالا، فنقول نحن: إذا حفل شاته وصراها فلم يحلبها أيام قصدا لتغليط المشتري والتغرير به، حتى يظن أنها غزيرة اللبن، فإن هذا الفعل يحل عند العقلاء محل قول البائع: أبيعك إياها بشرط أن لبنها غزير، وهل بين هذا فرق وبين من اشترى عبدا وشرط أنه سالم الأصابع، فوجد أصبعه قد قطعت، أشترى عبدا ولم يتعرض لذكر أصابعه فوجد أصبعه مقطوعا، فإن المشتري له الرد سواء سكت أو نطق، وإنما كان له الرد وإن سكت، لأن غالب العبيد [صفتهم] السلامة من قطع الأصابع، فالمشتري إنما دخل على شراء عبد سالم الأصابع جريا منه على المألوف الذي هو الأكثر في بني آدم، فكذلك مشترى الشاة المصراة، وإن سكت عن غزارة اللبن، فإنه دخل على أن الغالب أن الشاة لا تصري، وأن الذي في ضرعها هو المعتاد من لبنها، فسكوته هاهنا كنطقه. وقد سلم أبو حنيفة هاهنا أن الاشتراط نطقا يوجب للمشتري مقالا، فكذلك السكوت الذي يحل محل المقال، ولكن يلزم على طرد هذا التعليل أن البائع لو لم يحفلها، وإنما اشتغل عن حلابها أياما ثم باعها غير قاصد للتدليس، ولا كان تاركا حلابها قصدا للتغرير للمشتري أن يكون للمشتري مقال في هذا أيضا على ما قررناه من أن السكوت في مثل هذا يحل محل النطق. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فطرد بعضهم هذا الأصل، ورأى أن للمشتري مقالا، وأباه بعضهم، ورأيت ابن القصار من أصحابنا هرب من طرد، وقال: لم يكن الرد للمشتري لأجل أن اللبن جاء بخلاف ما ظن، ولكن لأجل أن البائع دلس عليه، وفعل ما لا يحل، ورأى أن الاعتماد على التعليل بالتدليس يمنع من أن يوجه علينا ما وجهه أصحاب أبي حنيفة [إلى] من تابع علف بقرته حتى انتفخ بطنها فقدره المشتري جنينا، أو من بائع

стр. 352

باع غلاما بيديه قلم ودواة، وهو مسود الثياب، حتى ظنه المشتري كاتبا، فقال ابن القصار: لا يلزم الرد بهذا، لأن علف البقر ليس بحرام، فالبائع غير مدلس، ولا فاعل حراما، بخلاف المصري ناقته، فإنه فعل ما نهاه رسول الله ﷺ [عنه]، وهكذا إمساك الدواة والقلم، وتسويد الثياب ليس بحرام. وهذا الذي قاله ابن القصار لنا فيه تفصيل يطول، نمليه في كتبنا الفقيهة إن شاء الله. وقد ذكر أبو حامد الإسفراييني عن ابن أبي هريرة من أصحابهم أنه يرى أن ذكر الخيار بعد الثلاث في حديث المصراة، إنما وجهه أن خيار الثلاث اشترط فيه. وهذا منه مزاحمة لما أنكرناه وأنكروه على أصحاب أبي حنيفة من تقدير الإضمار (ص ١٨١). وذكر عن المروزي أنه إنما ذكر في الحديث الثلاث، لأن اللبن لا يتبين في أقل من الثلاث. وقد يقول أصحاب أبي حنيفة: إذا لم يستنكر تخصيص العموم بالقياس وهو نقص من اللفظ، فلا تستنكر زيادة بتقدير محذوف أثبتها القياس. ويجابون عن هذا بأنهم يرون الزيادة على النص نسخا بخلاف التخصيص، فقد كفونا مؤونة الفرق. وأيضا فإن استعمال اللفظ العام على غير جهة الاستيعاب شائع سائغ في اللسان، فالحمل عليه حمل على معروف اللسان، وإثبات زيادات في الكلام مستغني عنها، والتحكم في ذلك مهجور عند أهل اللسان مستنكر، والزيادات لا تكاد تنحصر وليست زيادة أحق من زيادة، فلو فتحنا هذا الباب لم نقف عند حد، والتخصيص عنده حد على ما سبق بيانه في مواضعه. مسألة تأويلية في خيار المجلس قد علم من مذهب مالك أنه لا يرى خيار المجلس، ويعتقد لزوم البيع بالقول وإن لم يفترق المتبايعان، وإن كان من راوي الحديث: "البيعان باخليار ما لم يفترقا"، ووافقه أبو حنيفة على مذهبه هذا، وعلم أيضا مخالفة الشافعي لهما وأخذه بإثبات خيار المجلس اتباعا لهذا الحديث المروي، وأكد هذا عنده أن راويه ابن عمر ﵁ كان يأخذ به، فأكد هذا وجوب العمل به. ولا يقدح في مخالفة مالك ﵁، لأن راوي الحديث إذا خالفه أخذ بروايته دون مذهبه على ما تذكر بعد هذا في موضعه، لا سيما إذا بدا عذر راويه في المخالفة. وعذر مالك في هذا أنه رأى العمل مضى بخلافه، وقد قال: ليس لذلك عندنا حد ولا أمر معمول

стр. 353

به، فأشار إلى كون الحديث مخالفا للعمل، وكان يرى اتباع أهل المدينة، وأنه حجة على غيرهم. وتبعه على هذه الطريقة قوم من أصحابه، فذكر ابن المعذل أن استمرار العمل بخلافه يقتضي بكونه منسوخا، وإلى هذا أشار ابن الماجشون أيضا، وإليه أشار أبو الفرج أيضا في أحد أجوبته عنه، وأكد أبو الفرج هذا الجواب بكون هذا مما تعم البلوى به، ثم مع عمومها استمرار العمل به بخلافه، وما ذاك إلا لنسخه. وهذه الطريقة التي أشار إليها أبو الفرج هي إحدى الطرق التي توجب عند أبي حنيفة ترك الأخذ بالخبر، لأنه من أصله أن لا يقبل خبر واحد فيما تعم البلوى به، وخيار المجلس مما تعم البلوى به، وإنما ورد بإثباته خبر واحد، فتعلقت المسألة من هذا الجانب بعلم الأصول من وجهين سيذكران إن شاء الله تعالى من زيادة هذا في كتاب الأخبار، أحدهما: مخالفة رأوي الخبر له، ولثاني: ورود خبر واحد فيما تعم البلوى به. وأما رده لاعتقاد نسخه فطريقة ثالثة فقهية، وقد ذكرنا من أشار إليها من أصحابنا. وأما الطريقة الرابعة وهي المقصودة في كتابنا هذا فالتنازع في قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يفترقا"، هل أراد بذلك ما لم يفترقا بالإيجاب والقبول، وإن كانا في مكانهما، أو ما لم يفترقا بالأبدان عن مكانهما؟ فيزعم الشافعي أن المراد ما لم يفترقا عن مكانهما، لا سيما وقد ذكر المكان في بعض طرق الحديث، يشير أبو المعالي إلى أن هذا هو المقصود بالحديث، وأن تأويله على الافتراق بالأقوال مما لا يقبل. ونحن ننبهك على طريقة المختلفين في هذا، فأما أصحابنا فإنهم يقولون: إذا وجب البيع وانعقد فلا يسمى المتبايعان متبايعين (حقيقة، وإنما الحقيقة أنهما) كانا [متبايعين] على الحقيقة حال تشاغلهما بالتبايع والتساوم، فالحمل على الافتراق بالأقوال تقتضيه المحافظة على التمسك بالحقيقة في لفظة المتبايعين، كما بيناه. وإن قلنا: إن حمل الافتراق على الافتراق بالأقوال مجاز، فإنما صرنا إليه لئلا يتجاوز بلظ متبايعين، وإذا كان لابد من مجاز في أحد اللفظين فالتجوز بذلك في الأقوال أولى من التجوز في تسمية المتبايعين، وقد ورد الشرع بهذا اللفظ في الأقوال، قال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب)، وقال: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)، والمراد الافتراق بالأقوال مذهبا أو طلاقا.

стр. 354

وتزعم الشافعية أن حقيقة الافتراق إنما يكون في الأجسام والجواهر التي تقبل الأكوان: الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، وأما أقوالنا فأعراض لا تقبل اجتماعا ولا افتراقا، فإن أطلق عليها ذلك فاستعارة وتشبيه، وتأويل الحديث على مثل هذه الاستعارة والتشبيه (ص ١٨٢) مستكره مستبعد لا يقبل ولا يسمع. وأما المتبايعان فهما متفاعلان، وإنما يسميان بذلك إذا حصل الفعل، كالمتضاربين والمتشاتمين، فإنهما إنما يسميان بذلك إذا حصل الضرب والشتم، فحقيقة المتبايعين من وقع بينهما تبايع، والتبايع هو انعقاد البيع، فالحمل على ذلك ليس بحمل على الاستعارة والمجاز كما صنعتهم في حملكم الافتراق على الأقوال مع ذكر المكان في بعض طرق الحديث. فهذا هو منشأ الخلاف في هذا التأويل، والالتفات إلى الاحتفاظ على حقيقة لفظة والتسامح في أخرى هو سبب التنازع كما أريناك. وهاهنا مثل هذه الطريقة من التأويل أيضا، وذلك أنه وقع في بعض طرق الحديث: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله"، فيقول أصحابنا: لو كان من حق كل واحد من المتبايعين الفسخ في المجلس من غير اختيار صاحبه لم يكن لقوله ﵇: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله" معنى، لأنه لا يفتقر حينئذ إلى الاستقالة التي تكون برضا صاحبه. فيقول أصحاب الشافعي: المراد هنا: لا يحل له أن يفر من صاحبه ويفارقه مخالفة أن يفسخ عليه بحق ما له من خيار المجلس. فيجابون عن ذلك أيضا بأن حمل الفسخ بالخبر على أن المراد بلفظ الاستقالة تعسف واستكراه في التأويل، وقد أنكرتم علينا مثله في حملنا الافتراق على الأقوال، فتساوت الأقدام. وقد نبهنا نحن في كتابنا "المعلم" على هذه الطريقة، فهذا هو المقصد الذي يليق بكتابنا هذا، وإليه أشار أبو المعالي. وقد رأيت أبا الفرج من أصحابنا يشير غلى طريق آخر في التأويل، ويقول: المراد بالحديث أن قبول الاستقالة والفسخ في المجلس سنة، وبعد الافتراق من المجلس تفضل. وفي هذا التأويل من الاستعباد ما نبهنا عليه، من حمل الفسخ جبرا على الاستقالة التي تكون بالمرضاة، وأبو الفرج إنما ذكر هذا جوابا في جملة أجوبة. وقد كان القاضي يحيى بن أكثم يتأول الحديث بالافتراق كما قلناه، ويعضد تأويله

стр. 355

بإجماع العلماء على أن من اشترى سلعة واشترط خيار بائعها أنه لا يحل له إتلافها والتصرف فيها حتى يرضى له بائعها بذلك، ورأيناهم أجمعوا على شرب الماء من السقاء، وهما بالمجلس لم يفارق الشارب من باع منه الماء، وما ذاك إلا لأنالسقاء لا خيار له في المجلس، ولو كان له الخيار ما ساغ له إتلاف مائة من قبل أن يرضى. ورأيت المغافي أشار إلى طريقة أخرى توجب العدول عن الحديث فقال: إن النبي ﵇ نهى عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة، لأنه لا يدري أمد وقوعها، فلو كان الخيار ثابتا في المجلس لكان من جنس ما نهى عنه، لأنه لا يدري متى يفترقان، وهذه الطريقة التي ذكر المغافي. والطريق الثاني التي أشار إليها يحيى بن أكثم لا تصفو لهما عن شوائب القدح، ولوا الإطالة لنبهناك على ما فيها. ومما يولع به أصحابنا مناقضة الشافعية بالنكاح، فإنهم لا يرون فيه خيار المجلس. والشافعية تجيب عن هذا بأن معظم البياعات تقع فجأة من غير روية، فكان من المصلحة والحكمة إثبات الخيار ما داما في المجلس ليتلافى به الغالط غلطه، فإذا افترقا فإن ذلك علم على أن كل واحد منهما روي وفكر فأبصر فاعل ما رأياه صوابا، ولو كان في مهلة من النظر لأمكن أن لا يفارق صاحبه، لأنه قد لا يلقاه بعد اليوم، والنكاح بخلاف ذلك. والمراد من النكاح الأعيان، بخلاف المعاوضة المالية، ألا ترى أن الوكيل يبيع وينعقد بيعه وإن لم يسم من وكله، ولا ينعقد إنكاحه حتى يسمي للزوجة من وكله فتعرفه، لأن القصد في النكاح الأعيان، فلابد أن يعرف، فإذا عرفت حصل المقصود. وقد التزم أصحاب الشافعي على هذا التعليل إثبات خيار المجلس من جانب الصداق، لكونه مالا، ولهم فيه اضطراب لا يليق إيراده بكتابنا هذا. مسألة تأويلية في أحكام العربة قد اشتهر الحديث الوارد في الصحيح في "أنه ﷺ أرخص في شراء العربة بخرصها تمرا إلى الجذاذ، إذا كانت خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق"، شك الراوي في هذا، وأخذ مالك بهذا الحديث، ولكنه لم يجز انتقاد التمر، بل شرط في جواز هذه المعاملة تأجيل التمر. والشافعي لم يشترط (ص ١٨٣) التأجيل في صحة العقد، وكلاهما أخذ بهذا الحديث في جواز هذه المعاملة على الجملة، وإن تضمنت التفاضل في ما لا يجوز التفاضل

стр. 356

فيه، وهو بيع الرطب بالتمر، وتضمنت أيضا مزابنة وهو بيع معلوم بمجهول، لأن الرطب إنما يباع بخرصه تمرا، وتضمنت النسيئة فيما لا يجوز النساء فيه، وهو بيع الطعام باطلعام إلى أجل. وقد عفا الشرع عن هذه الوجوه المحرمة، وأخرج هذه البيعة عن إجرائها على هذه الأصول المقررة، إما لنفي الضرر، وإما للرفق والإحسان، واتباع معروف بمعروف على ما عرف في كتب الفقه من الاختلاف في علة جواز ذلك، وسبب استثنائه من الأصول المقررة. وأبو حنيفة لا يرى هذا بيعا مستثنى من الأصول كما تخيله الإمامان، وإنما يقدر أن المعري وهب ثمرات نخله، والهبة لا تجب عنده إلا بالقبض، وأما بمجرد القول فلا تستقل في اللزوم، ولا يجبر الواهب على تسليم ما وهب، فإذا وهبه ثمرات نخيله، وكان من حقه أن يرتجعها إذا شاء، فإن التمر الذي يبذله عوض ما ارتجع من الرطب إنما هو هبة ثانية وليست بمعاوضة عن الأولى، حتى يقدر فيها من وجوه التحريم ما قدره الإمامان مالك والشافعي ﵄. وهذا التأويل فيه تعسف ظاهر، وكان لاحقا بما كنا فيه من المسائل التي تقدمت هذه المسألة، لأن الخبر ورد بأنه "نهى عن المزابنة، وأرخص في بيع العربة بخرصها ... " الحديث، وتصدير الراوي مقاله بأنه نهى عن بيع المزابنة، معناه أنه نهى عن معاوضة وتبايع فيه مزابنة، وهذا المنهي عنه لا امتراء ولا شك في كونه عقدا وبيعا، ثم بنى على ما قاله هذا وأرخص في بيع العربة، فيسمى ما يصنع فيها بيعا، ولا بيع عند أبي حنيفة كما قررناه، ففي تأويله تعطيل لفظة البيع، وإبطال معناها، ومنافرة بين هذا العطف والمعطوف عليه، وقطع ما بينهما من الارتباط، لأن المراد أن هذه المعاوضة في العربة مزابنة، وكان الواجب لا تجوز لما صدر الراوي به كلامه من أنه ﷺ هى عن المزابنة، لكنه أخبر بأن ههذ المعاوضة مستثناة من بياعات المزابنة، ورخصة من الرخص سامح الشرع بها. ولا خفاء عمن أنصف أن هذا هو المفهوم من سياق هذا الكلام، لا ما تأوله أصحاب أبي حينفة، وقد رأيت الطحاوي تخيل في الاعتذار عن هذا بأن ذكر قولين فيه: - أحدهما: أن الرخصة إنما ساقها الراوي هاهنا، لأجل أن الواهب مندوب إلى أن لا يرجع في هبته، لكن هذا رخص فيه في العرية للضرورة أو للرفق. - والثاني: أن سنة المعاوضة وحقيقتها نقل ملك إلى ملك على جهة المقابلة، هذا بهذا، والثمن والمثمون هاهنا من عند واحد، وهو المعري، لأجل أن الرطب وهبه ثم ارتجعه ثم وهبه الثمن، فكلاهما ملكه وماله، فحقيقة المعاوضة غير حاصلة فيه. وهذا الذي اعتذر به ليس بشيء، أما اعتذاره بأن الرخصة في إرجاع الهبة، فالسياق يبطل هذا التأويل، وقد ذكرنا أنه صدر الحديث بأن قال: "نهى عن المزابنة"، ثم عطف

стр. 357

عليه قوله: "وأرخص في بيع العرية"، والمفهوم من هذا قطعا أن الرخصة بالإخراج لهذا الحكم عن أحكام المزابنة، ولو لم يكن ذلك، لم يكن لتصدير الخطاب بذكر المزابنة معنى. ونحن وإن لم نعد عطف جملة على جملة لا تعلق بينهما كقول الراوي: نهانا عن سبع، وذكر لبس القسي، والشرب في آنية الذهب، إلى غير ذلك مما ذكره، فإن هذا لما عبر الراوي بلفظ الرخصة عقيب ما صدر الخطاب به اقتضى ذلك الإشارة إلى أن المراد أن هذه رخصة مما تقدم، ولا يسمى الشيء رخصة إلا إذا استثنى من ممنوع، ولا ممنوع هاهنا سوى ما ذكره الراوي، لو كان المراد ما ذكره هذا المتأول لقال: نهى عن الرجوع في الهبة، وأرخص في العرية، ولم يقل: في بيع العرية، وهذا ظاهر لا يمتري فيه لبيب. وأما التأويل الثاني، وهو أن هذه العبارة إنما حسنت لأجل عدم حقيقة التعاوض لكون الرطب والتمر لمالك واحد، فإن هذا باطل بهذا الذي قدمناه، لأنه لا بيع هاهنا عند هذا المتأول، وكأنه يشير إلى الرخصة في التسمية، وهذا لا يقوله محصل، لأن الراوي لم يشتغل في هذا بنقل اللغة وحقائق التسميات، وإنما اشتغل بنقل الأحكام وبيان الشرائع، فالمنع والترخيص إنما يراد به هاهنا الأحكام (ص ١٨٤) والحلال والحرام، لا التسميات. ولا تحسبن العبارة أيضا عمن تجوز في لفظ أو برزت منه استعارة أن يقال: أرخص في كذا. وبالجملة فقد قال: بيع العرية، وهذا تعطيل اللفظ جملا وتفصيلا، فلحق بالمسائل التي قدمناها من ههذ الجهة. هذا الذي أظنه أراد أبو المعالي بإيراد هذه المسألة هاهنا، من غير ذكر جواب عنها، ولم أقف له فيها على مقال، وقد أبدينا نحن ما يمكن أن يقال. ومن مستهجن التأويل أيضا بما تعلق بخلال هذه المسألة، لأنا ذكرنا أن العربة من الاستثناء عن الأصول، بيع الرطب بالتمر وهو ممنوع عندنا وعند الشافعي، وأجازه أبو حنيفة كيلا بكيل مع ورود الحديث المشهور، وقد سئل عنه ﷺ فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن"، فاشار ﵇ إلى أن المماثلة المطلوبة في الربويات المساواة حال الادخار، وذلك إنما يكون بعد الجفاف. وقد تعسف بعض من ينتصر لأبي حنيفة على هذا الحديث بتأويل لا خفاء بركاكاته، فقال: المراد: فلا إذا، أي لا تبيعوا الرطب إذ جف، فصار تمرا بتمر آخر إلا مثلا بمثل.

стр. 358

ومثل هذا التأويل لا يصح أن تسود الصحف بذكره، وإنما ذكرناه لتعلقه بأذيال هذه المسألة التي نحن فيها، وأقل ما فيه من الفساد أن هذا جهل باللسان، لأن هذه اللفظة إذا وردت آخر الكلام كانت ملغاة في إعمال الإعراب، وواردة مورد التعليل على ما قدمناه في كتاب الحروف، وهي بخلاف "إذا" الذي لا تنوين فيها، لأن "إذا" ظرف زمان مستقبل، فقد جهل هذا المتأول أحكام الإعراب والرواية أيضا، لأنه لم يقل: فلا إذن، أي إذا جف الرطب وصار تمرا، فلا تبيعوه بالتمر متفاضلا، وحذف هذه الجملة كلها بعد "إذن" فإن إخراج كلام النبي ﵇ عن الإفادة، وإلحاقه بمن سئل عن شيء، فأجاب عن غيره، وهذا يحاشي منه الفقهاء، فكيف بالنبي ﷺ . يضاف إليه أنه سئل عن شيء فترك الجواب عنه، وأجاب عن غيره والمسألة تبسط في الكتب الفقيهات، وإنما ذكرنا منها هذه الجملة المتعلقة بالتأويل الذي نحن بصدده. مسألة تأويلية في بعض المسائل الربوية قد قررنا فيما أمليناه من الفقهيات اختلاف فقهاء الأمصار في علة الربا، وسبب اختلافهم في ذلك. والمتعلق من ذلك بما نحن فيه الآن مسألة أشار إليها أبو المعالي على الجملة، وأحال جوابها على كتب له أخرى، وهي مسألة بيع الحفنة بالحفنتين، فقد علم أن العلة عند مالك في تحريم التفاضل في البُر وما في معناه: الاقتيات والادخار، وعند الشافعي الطعم، وعند أبي حنيفة الكيل والوزن؛ فإذا سئل الشافعي عن بيع ما لا يكال من الطعام لقلته كالحفنة قال: لا يجوز بيعها بمثليها، ولا يباع إلا مثلا بمثل، لأن العلة الطعم، والطعم حاصل فيها وإذا سئل عن ذلك مالك قال: لا يجوز، لأنها مما تدخر وتقتا، ولو قل الطعام حتى لا تكون فيه كفاية في التغذي، لم يخل من أن تكون له حصة في التغذي والتقوت، والتعليل للجنس، فوجب تحريم التفاضل. وأما أبو حنيفة فيقول: العلة الكيل، وما لا يكال لقلته فجائز بيعه متفاضلا بجنسه كالحفنة بالحفنتين. فيتحاكم القول إلى الحديث، فيقول: قال عليه [السلام]: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل" الحديث كما وقع، فيقول أبو حنيفة: ذكره ﵇ الكيل، يشعر بأن علة الربا الكيل، على ما عرف من بسط الكلام في هذا في كتب الفقه، وإذا ثبت أن اللفظ مشعر بأن العلة الكيل، فالحفنة مما لا يكال، فوجب أن يكون لا ربا فيها لزوال علة الربا منها.

стр. 359

فيقول له الآخرون: هذا تعليل وتأويل فيه تخصيص للفظ، وتخصيص اللفظ تعطيل لبعض المسميات، وتعطيل بعض مسميات اللفظ كتعطيل جملته، وقد قدمنا أن كل تأويل يؤدي إلى تعطيل اللفظ فإنه لا يسمع ولا يقبل، ومن هذه الجهة حسن إدخال هذه المسألة في هذا الكتاب وإيرادها في هذا الباب، لأن أبا حنيفة تأول تأولا، وعلل تعليلا استنبطه من لفظ، عاد ذلك لتعطيل بعض مسميات اللفظ، وذلك [أن] قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر" جملة مفيدة، مستقلة بنفسها، لو اقتصر عليها لأفادت تحريم بيع البر بالبر على أي حال (ص ١٨٥) كان قليلا أو كثيرا، متساويا أو متفاضلا، لكنه لما قال: "إلا كيلا بكيل"، استثنى من هذا العموم ما تساوى كيله خاصة، وبقي الباقي على عمومه في المنع، فدخلت الحفنة بالحفنتين في المنع بحق هذا العموم، فإذا عاد يستنبط من اللفظ علة تجيز بيع الحفنة بالحفنتين صار مخصصا للفظ بتأويل وتعليل استنبطه منه. وقد تقدم بياننا لمنع تخصيص اللفظ لعلة مستنبطة منه، إذ التعليل إنما يكون بعد فهم معنى اللفظ، والإحاطة بمضمونه في اللغة. ولكن أبا حنيفة يعتذر عن هذا بأن المقصود من الحديث تعليم حكم التعليل، وإنما ورد التحريم فيه على جهة التبعية، والوصلة إلى النطق بالمقصود، ويتنزل ذلك منزلة قوله ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، و"لا عمل إلا بنية"، و"لا صلاة إلى بطهور"، فإن الجملة الأخيرة المستثناة لا المستثنى منه، وهو النفي، وإنما ورد النفي ليتوصل به إلى النطق بما بعده من إثبات الطهارة، وتعليم الحاجة إليها في الصلاة، وإلى فاتحة الكتاب، وإلى غير ذلك من أمثاله، وإذا ثبت أن هذا المقصود: فقوله: "لا تبيعوا البر بالبر" غير مقصود، وما ليس بمقصود لا يدعى فيه العموم. وقد تقدم لنا نحن مثل هذا في قوله: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالنضج نصف العشر"، ورددنا على أبي حنيفة، فقوله: إن الخضراوات [لا تزكى] ترك لعموم قوله: "فيما سقت السماء العشر"، بأن هذا الحديث: المقصود منه تعليم ما يعشر وما يؤخذ منه نصف العشر، لا تعليم ما يزكي وما لا يزكي، وما ليس بمقصود لا يتعلق بعمومه. فهذا نهاية ما يعتذر به أبو حنيفة عن هذا الحديث، ولكنه يخالف فيما اعتقد من هذا، ويقال له: بل المقصود الجملة الأولى، وهي قوله: "لا تبيعوا البر بالبر"، وإنما ما استثني

стр. 360

بعدها في حكم التبع الوارد لتخصيص الجمل والتحرز فيها، فشبيه ذلك ما يزيده القايس من تقييد في العلة ليتحرز من النقض، ومقصوده مع ذلك في التعليل ما سوى هذا اللفظ المزيد، فكذلك قوله: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل"، المقصود تعليم التحريم، ثم يستثنى منه ما يحل على جهة التبعية للفظ، وليس المقصود تعليم التحليل، والمحرم ذكر كالوصلة كما قال أبو حنيفة. وإذا ثبت أن الجملة الأولى هي المقصودة، صح التعلق بعمومها، ومنع أبو حنيفة من تخصيص هذا العموم بتعليل يستنبطه منه، وتصير هذه الجملة كقوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان ... " الحديث، فالمقصود الجملة الأولى، وهي تعليم تحريم الدماء، والذي استثنى من هذه الجملة في حكم التبع الوارد لتحصينها وتقييدها، فهذا موضع التنازع ومنشؤه. وتلخيصه: هل الجملة الأولى مقصودة والغرض تعليم التحريم، حتى يمنع أبو حنيفة من تخصيص المقصود بعلة مستنبطة منه، [أو] المقصود الجملة الثانية؟ حتى لا يحتج على أبي حنيفة بعموم الأولى. ويمكن عندي أن يظن ظان بهذا الحديث مذهبا ثالثا غير ما قاله هؤلاء، وهو كون الجملتين جميعا مقصودتين، وقصد الشارع بيان ما يحل ويحرم معا في التبايع بالبر بعضه ببعض. ولا شك أنه ربما وردت جمل كلها مقصودة، ومثل هذا القسم بقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا)، فإن الجملتين جميعا مقصودتان، والقصد تعليم التحليل في البيع والتحريم في الربا. ولكن هذا المثال ناء عما كنا فيه، لأن هاتين جملتان لا تفتقر إحداهما إلى الأخرى، مثل ما مثلنا به فيما المقصود آخره، وهو قوله: "لا صلاة إلى بطهور"، وما المقصود أوله كقوله: "لا يحل دم المرئ مسلم ... " الحديث، فلابد أن يوضح الصحيح من هذه الآراء، هل المقصود في الحديث الذي تكلمنا عليه الجملة الأولى وهي منع التبايع في البر بالبر، أو الأخيرة، أو المقصود مذهب ثالث وهو اعتقاد قصد الرسول ﷺ إلى تعليم التحليل والتحريم جميعا، ويكثر الشكل من هذا النوع، ومنه قوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس

стр. 361

حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... "، هل المقصود بيان الأمر بالقتال، وما بعده في حكم التبع، أو المقصود ما بعد حرف الغاية، والأولى في حكم الوصلة؟ والمسألة عندي لا تصفو جارية على الأسلوب من النظر إلا بعد أن تحقق أحكام هذه العلل، والنظر في الكيل (ص ١٨٦) والوزن؛ هل ينوب أحدهما عن الآخر في أحكام الربا إذا تعذر الآخر؟ وهل يراعى الوزن في التمر في بلاد اعتادوا وزنه، أو الكيل؟ وهكذا البر. وإنما أشرنا إلى هذا لأن ما امتنع كيله لا يمتنع وزنه، هذا أيضا ولابد لكل مبيع أن يكون مقدرا، ولا بُعْدَ في اتخاذ معيار لذلك المقدار يصطلح عليه وإن قل، ولا يمتري أحد في إمكان اتخاذ ميكال بقدر الحفنة، حتى يلحق بما اعتيد كيله، وهذا كله إنما ينظر فيه الفقيه، وبسطه إنما يحسن في كتب الفقه. فصل يشمل المعنى الكلي المحيط بجميع ما تقدم في كتاب التأويل اعلم أنا كنا قدمنا في مواضع تنبيهات، إن انتبهت إليها أغنتك عن مطالعة هذا الفصل، فمن ذلك أنا كنا قدمنا أن المطلوب في أكثر الفقيهات الظنون، والتطرق إليها من جهات لا تكاد تنحصر، ولكن هذه الجهات يعرض فيها التنافر والتعارض، فيحصل في النفس عند النظر فيها خواطر تتدافع أيضا وتتنافر، فإذا عرض للفقيه هذا، وقد علم أن المطلوب حصول غلبة الظن، فإنه يجب أن يستعمل ميزانا من فكرة يزن به بين الظنين المتدافعين فمهما رجح عنده قدمه. فإذ ورد عن النبي ﵇ لفظ، وكان نصا لا احتمال فيه فلا شك، أنه لا يدفعه ظن يناقضه من جهة تأويل له، لأن التأويل إنما يكون لأمر محتمل، ويعضد المتأول تأويله المحتمل بعاضد، والنص لا احتمال فيه فيؤول، فانحصر الأمر إلى أن التأويل إنما يكون في الظواهر، وقد تقدم معنى الظاهر وحقيقته، فإذا تأول المتأول الكلام على معنى أخرج الكلام عن إفادته الظاهرة فيه، فإن ذلك لا يسمع منه بمجرد دعواه، فإن استدل عليه نظرنا في الدليل عليه، ومقدار ما أفاد من الظن بصحته، ووازنا بينه وبين الظن المستفاد من الظاهر السابق إلى النفس من جهة اللفظ، أن النبي ﵇ أراده، فإن كان الظن المستفاد من ناحية اللفظ وظاهره أقوى وأغلب في النفس وجب العمل به، وإن كان النظر الآخر الذي أبداه المتأول أقوى وأغلب رجع إليه، وإن تقابلا وتوازنا حكم فيهما بأحكام ما يتعارض، وسيرد حكم التعارض. وقد قدمنا نحن ما يقال في هذا إذا تعارض، وذكرنا أن الخروج عن الظاهر بقياس

стр. 362

استنبط الفقيه علته لا يحسن، لأن الظن المستفاد من نطق النبي ﵇ من جهةه دلالة اللفظ والصيغ أولى من ظن يستفاد من قياس مستند إلى علة ظن الفقيه أنها مراد صاحب الشرع، وسيتضح هذا عند إقامة الدلالة على تقدمة الخبر على القياس. وقد ذكر أبو المعالي أن اللفظ إذا كان ظاهره التعليل ولم يكن نصا فيه لا يترك بتأويل عضد بقياس استنبطه الفقيه، لأجل هذه العلة التي نبهنا عليها، ومثل هذا بقوله ﵇: "أينقص الرطب إذا جف؟ ". وقد تقدم كلامنا نحن على هذا الحديث، لكن لو عضد تأيوله بقياس مستند إلى تعليل استفيد من لفظ صاحب الشرع، ودل نطق صاحب الشرع عليه دلالة الظواهر للحق هذا بما يتعارض من الأخبار، وسيرد حكم ما تعارض منها. وذكر أبو المعالي أنه إذ ألف من عادة علماء الشرع حملهم نواهي وردت في عقود على الفساد، فإنه لا يحسن تأويل خبر ورد فيما يناسبها على غير ما جرى عليه أمثاله، ومثل هذا بالنهي عن نكاح الشغار، وذكر أن الشافعي يمنع من تأويل هذا الخبر وحمله على الكراهة، ولم يسلم أبو المعالي هذه الطريقة في هذا، ورأى أن مثل هذا التأويل لا يبلغ في التعسف والإبعاد المبالغ التي ذكرناها في تأويلات المسائل السابقة، لا سيما وإن ألف هذا من الماضين في نواهي وردت في عقود البياعات، فإنه قد علم أن عقود النكاحات كأصل آخر في الشرع لا يراعي فيه ما يراعي في البياعات، وكثيرأ ما يفسد البيع ولا يفسد النكاح، هذا لا يعرفه الفقهاء، وهذا الذي قاله صحيح وله تعلق بأمر آخر يؤكده، يذكر في باب الأخبار، وهو قول الراوي: نهى ﵇ عن كذا، وأمر بكذا، فإن هذا لحذاق الأصوليين فيه تنبيه ذكروه، ليس هذا موضعه. وختم أبو المعالي كتاب التأويلات، فذكر رتبة أجزاء الكتاب (ص ١٨٧)، وأخبر أن أصول الفقه أدلته، وأدلته نطق صاحب الشرع، والإجماع، ومستنبط من نطق الشرع، فتعلق بنطق الشرع النظر في كتاب الأوامر، وكتاب العموم، وقد تقدم ذكرهما، وذكر أحكام النص، والمجمل، والظاهر، وذكر التأويلات، وسنذكر أحكام الأخبار، ثم الإجماع، والقياس، ثم الترجيح، ثم النسخ، ثم أوصاف المفتي، ثم نختم الغرض من الكتاب بالنظر في تصويب المجتهدين. وهذا الذي اختاره أبو المعالي في الترتيب من تقدمة كتاب القياس على كتاب النسخ مما جرى الرسم بخلافه، لأن النسخ نظر في الأقوال الصادرة من صاحب الشرع، والقياس نظر فيا استنبط من أقواله. ولعله أخر ذلك لما كان المنسوخ بطل كونه دليلا، والقياس لم تبطل دلالته، والخطب في هذا يسير، والأمر هين، ونحن نجري في الترتيب على رسمه، فلا يختلف علم مطالع الكلام على جزء من أجزاء هذا العلم باختلاف وضعه في التأليف على هذه الطرق التي أشرنا إليها.

стр. 363

كتاب الأخبار الكلام في مقدمته منثلاثة أوجه:- الكلام في التسمية، وفي الحد، وفي الاعتراض عليها. فأما التسمية فقد علم فيما تقدم مذهبنا في إثبات كلام النفس، ووسعنا الكلام في ذلك بيننا وبين المعتزلة والفلاسفة، وذكرنا ما يقال لكل مذهب وعليه، وأشرنا إلى الاختلاف في تسمية الكلام الصوتي كلاما، هل ذلك حقيقة أو مجاز، فكذلك يختلف أئمتنا في تسمية الخبر الصوتي خبرا؛ هل يسمى بذلك حقيقة أو مجازا؟ مع اتفاقهم على أن ما في النفس من الكلام يسمى كلاما وخبرا حقيقة، ومع اتفاقهم على أن العبارة عما في النفس بإشارة إن سميت كلاما وخبرا فذلك مجاز وليس بحقيقة، فمن سئل عن شيء: هل كان؟ فإنه يقدم في نفسه وضميره خبرا عنه بأنه كان أو لم يكن، فهذا المقدم في النفس يسمى خبرا حقيقة، فإن نطق بلسانه بقد كان، أو قال لم يكن، فإن هذا يسمى خبرا، وهل يسمى بذلك حقيقة أو مجازا؟ فيه اختلاف. وإن أشار بيده أو برأسه خافضا رأسه، ليفهم منه أنه لم يكن، فإن سمي هذا خبرا فإنما ذلك مجاز. هذا الكلام في الوجه الأول. وأما الوجه الثاني وهو الحد فإن المشهور في حده أنه ما دخله الصدق والكذب، وسائر أنواع الكلام من الأمر، والنهي، والاستخبار، والترجي، والتمني، وغير ذلك من أنواع الكلام لا يدخلها صدق ولا كذب، وإنما يختص بالصدق والكذب نوع من أنواع الكلام، وهو الخبر، فحد بما ذكرناه. وقد أصلح القاضي هذا الحد بأن زاد فيه: ما يدخله الصدق أو الكذب، فأتى بحرف "أو" بدلا من "الواو"، لأنه اعتقد أن الحد بالواو يوهم اجتماع الصدق والكذب في خبر واحد، حتى يقول القائل: قام زيد، دخل خبره الصدق والكذب معا. وهذا محال، فعدل عنه إلى أن قال: ما دخله الصدق أو الكذب، ليخلص بحرف "أو" من هذا الاعتراض. وقد دوفع عن اعتراضه من وجهين: - أحدهما: إبطال ما تصور. - والثاني: عكس اعتراضه عليه. فأما إبطال ما تصور، فإنه إنما فصل الحادون بحرف الواو، حد جنس الخبر كله، لا

стр. 364

حد خبر بعينه. ومعلوم أن الأخبار بأسرها ما كان منها وما سيكون، بعضها صدق، وبعضها كذب، فالتعرض للجنس لا لواحد بعينه، يدفع الاعتراض للعلم بدخول الصدق والكذب معا في جملة الأخبار على الجملة. وهذا عندي انفصال منهم لا يشفي، لأن الحاد لجملة الشيء من حق حده أن يتصور حقيقته في كل واحد من آحاد المحدود، ألا ترى أنا إذا حددنا الحركة بالانتقال، فلابد أن تكون كل حركة على حيالها انتقالا، فكذلك يجب أن يكون كل خبر على حياله يدخله الصدق والكذب، وإذا وجب هذا فيه، تصور على الحد الإبهام الذي قاله القاضي. وأما العكس، فإنه قيل له: ولو أثبت حرف "أو" لم يسلم حدك من الاعتراض، لأنه يوهم أيضا أن كل خبر على حياله يوهم دخول الكذب فيه بدلا من الصدق، والصدق بدلا من الكذب، على مقتضى حرف، ونحن نعلم أن من قال مناة إني إنسان، فإن خبره صدق ولا يمكن دخول الكذب فيه، ومن قال: ما أنا إنسان، فإن خبره كذب لا يمكن دخول الصدق فيه، فقد صار هذا الحد بعد إصلاحه (ص ١٨٨) غير متخلص من الإيهام لمحال أيضا. وقد أشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى اختيار حد جار على هذا الأسلوب مشعر بدفع هذا العكس، بأن يعترض لدفع الصيغة، وحده بأنه: ما احتملت صيغته الصدق أو الكذب. وقال: إن هذه الأخبار المعلوم صدقها من صدق الرسول الذي يستحيل كونها كذبا صيغتها محتملة من ناحية اللسان، ومقتضى وضعها للصدق والكذب، وتعين أحدهما من ناحية العقول لا يرفع [أن] مجرد الصيغة محتملة لهذا. والنظر معه في هذا الذي قال يطول، وقد عدل بعضهم على سائر المسالك بأن قال: الخبر ما لا يخلو إما أن يكون صدقا أو كذبا، وكل خبر على حياله يتصور فيه حقيقة هذا الحد. وقد يعترض على هذا أيضا بأن من الأخبار ما لا يخلو عن الصدق والكذب جميعا على رأي قوم، وهو الخبر الذي لم يتعمد من أخبر به الخلف، ولكنه غلط في اعتقاد، كمن اعتقد أن زيدا في الدار، فقال: زيد في الدار، فإن لم يكن في الدار، فإنه لا يوصف خبره بأنه صدق لأن خبره لم يطابق مخبره، ولا بكونه كذبا لأن الكذب عند هؤلاء: الإخبار عن الأمر بخلاف ما هو عليه مع القصد إلى ذلك، وهذا الغالط غير قاصد للخلف. وهذا إنما يقدح به على أصل من ذهب إلى هذا، ورأى أن الكذب يتضمن الذم واللوم، والغالط هاهنا غير مذموم ولا ملوم، ونحن نبطل هذا الأصل، ونرى أن هذا كاذب

стр. 365

في هذا الخبر، وارتفاع اللوم والذم لا ارتباط بينه وبين هذه الحقيقة التي كون هذا الخبر على خلاف المخبر عنه. ولو شئت أن تأتي بعبارة جارية على هذا المسلك من التحديد، وتنتظم المذهبين لقلت: حد الخبر ما لا يخلو أن يكون مخبره على ما ليس هو عليه أو على ما هو عليه. وهذا المعنى من مطابقة الخبر لمخبره، أو مخالفته له متفق على أنه لابد منه، وإن وقعت المناقشة في تسمية ما يخالف مخبره كذبا إذا لم يقصد إليه، ومر بأنه لا يخلو عن أن يكون صدقا أو كذبا، فمعنى هذه العبارة أراد. وقد يتعلق من ينصر مذهب من ذهب إلى اشتراط القصد في حقيقة الكذب بقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسول والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، فأكذبهم مع قولهم مقالا حقا، لما لم يقولوه عن اعتقاد. وهذا لا حجة فيه، لأنه وإن لم يكن صدقا عندهم لأجل عدم الاعتقاد فليس بكذب أيضا، لأن مخبره ليس بمخالف لخبره. وإنما يحصل الكذب مع المخالفة ويبقى التنازع في مراعاة انضمام القصد إليها، فإن قيل: أكذبهم فيما أخبروا به من اعتقادهم، لأنهم قالوا: نشهد بذلك، وهم لا يشهدون به. قيل: قد رجع الأمر إلى مخالفة مخبره، وهذا واضح. وقد حكى عن قوم من أهل العربية أنهم لا يصفون قول القائل: أتيتك غدا، بأنه صدق ولا كذب، فإن أضافوا إلى هذا أنه ليس بخبر، لم ينتقض حد الخبر الذي ذكرناه على أصلهم، وإن سلموا كونه خبرا، ومنعوا وصفه بالصدق أو الكذب، فالحد منتقض على أصلهم ولا وجه لمنع تسميته خبرا، وإن كان محالا، فكم من محال اتفق على تسميته خبرا، ولا نزاع في كونه كذبا، وليس في هذا أكثر من إيراد معنى متنافر. والإخبار عن فعل تقضي وذهب زمانه بأنه فعل في زمان مستقبل، والعقل يحيل هذا وينكره، ولكنه بالجملة تضمن إفادة، ولكنها محال لا تتصور. ولعلنا أن نوسع هذا في تقسيم المخبرات إن شاء الله، وهذا الكلام على التسمية، والحد، والاعتراض عليه. وأما الاعتراض على اصطلاح هذا الباب فإنه يقال: أطلق الناس تسمية ما روي عن النبي ﷺ أخبار، ومعظم ما قد نقل الرواة عنه ﷺ أوامر ونوهي، والأوامر النواهي ليست بأخبار.

стр. 366

وقد أجيب عن هذا بأن أوامر النبي ﵇ ونواهيه ليست عن نفسه، وإنما هي خبر عن ربه بأنه أمر ونهى، فكل أمر منه تضمن خبرا عن ربه أنه أمر به، ولهذا صدق فيه وأطيع، لأنه استدل بالمعجزة على أن جميع أخباره حق وصدق، فمن هذه الجملة وجب أن يتبع في أمره ونهيه. وجواب ثانٍ أنهم لم يكونوا يسمون ما سمعوه عن النبي ﷺ من هذا خبرا، ولكن حدثت له هذه التسمية بعد ذلك، لما أن نقلته رواة، فصار إخبار (ص ١٨٩) الرواة عن رواة فيه حقيقة الخبر، فلم يخرج هذا الاصطلاح عن حقيقة ما ذكرناه. فصل في تقسيم الأخبار على الجملة اعلم أن المشهور الذي عليه الجمهور انقسام الأخبار إلى قسمين: تواتر وآحاد. والتواتر عبارة عن كل خبر رواه مخبرون، فعلم صدقهم في خبرهم ضرورة. والآحاد عبارة عما لم يحصل منه أكثر من غلبة الظن بصدق من أخبر، واحدا كان أو أكثر، ما لم تبلغ الكثرة إلى العدد الذي يقع العلم الضروري بصدقها في خبرها. وذهب قوم من الأئمة إلى زيادة قسم ثالث على هذين القسمين فقالوا: الأخبار ثلاثة، خبر واحد، وخبر مستفيض، وخبر متواتر، وجعلوا المستفيض منحطا عن طبقة المتواتر، مرتفعا عن طبقة الآحاد، ورأى هؤلاء أن إثبات هذا القسم لابد منه، لأجل وجود خبر يخرج عن هذين القسمين اللذين حصر الجمهور التقسيم فيهما، وهو الخبر الذي يقع عنه العلم بصدق المخبرين، لكن العلم الواقع علم نظر واستدلال، لا علم بديهة واضطرار. قال هؤلاء: فإذا كان التواتر عبارة عما يقتضي العلم الضروري، والآحاد عبارة عن يقتضي الظن، يقي هذا الصنف من الأخبار لا عبارة عنه، فاقتضى الحال وضع عبارة عنه تميزه عن القسمين، ونستوفي بوضعها تقسيم سائر الأقسم. وقد نوزع هؤلاء من وجهين: - أحدهما: يتعلق بوضع التسمية، وذلك أن المستفيض مأخوذ من الفيض، من قولهم: فاض الإناء يفيض فيضا، وهذا لمعنى إشعاره بحقيقة ما قلناه في الخبر المتواتر أولى، لأن الخبر المتواتر يفيد أعلى مرتبة تفيدها الأخبار، فهو من هذه الجهة قد زاد على غيره وفاض. وهذه مناقشة في عبارة واصطلاح، ولا طائل تحتها، ولا يناقش أهل الاصطلاح على عبارة يتفاهمون بها معنى في صناعتهم. كما يناقش المتكلمون على الحقائق، أو لا ترى الجمهور يطلقون خبر الواحد على ما رواه الاثنان، لما كان إنما يستفاد من الاثنين الظن لا أكثر منه، ولكن سومحوا بهذا لما كان قصدهم الاصطلاح.

стр. 367

والوجه الثاني من مناقشة هؤلاء الذين زادوا القسم الثالث، يتعلق بالمدافعة عن تصوير المذهب، وذلك أن أبا إسحاق الإسفراييني من جملة من أثبت هذا القسم الثالث الذي هو الخبر المستفيض، ومثله بالخبر عن النبي ﵇ الذي اشتهر عند أئمة الحديث، فلم ينكروه، ورأى هذا مما تعلم صحته علما نظريا، لا علما ضروريا، وكأنه استدل بالاشتهار مع التسليم، وعدم الإنكار على صحة الحديث، وقطع على صدقه. وقد أشار ابن فورك إلى طريقته هذه في صدر كتاب "مشكل الحديث" الذي صنفه، وتمثل في هذا بخبر: "في الرقة ربع العشر"، وبخير: "في مائتي درهم خمسة دراهم"، وشبه ذلك. وأنكر أبو المعالي أن يكون هذا طريقا إلى العلم، ورأى أن التسليم وعدم الإنكار من أئمة الحديث لا يقتضي أكثر من الظن، وذكر عن ابن فورك أنه قال في بعض مصنفاته: إن الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول يقطع بصدقه، وأنه فصل القول في ذلك أيضا في بعض مصنفاته، فذكر أن القطع إنما يتحقق إذا تلقوه بالقبول قولا وعملا، وأما مجرد العمل فلا يكون طريقا إلى القطع، لأنهم متعبدون بالعمل بخبر واحد، وذكر أن القاضي ابن الطيب لم يسلم القطع، ولو تلقوه بالقبول قولا، لأجل أن التلقي بالقبول وإظهار التصديق يكون مستندا إلى ما حصل لهم من غلبة الظن بصدق العدل فيما رواه، وتصديق العدول غير مستنكر. فقيل للقاضي: فلو صرحوا بأن التصديق لم يصدروه عن ظن بل عن قطع. فقال: هذا لا يقع، لأجل أن قطع الأمة على أمر مجوز من غير طريق يقتضى القطع خطأن والأمة معصومة عن الخطأ. وهذا الذي أورده أبو المعالي من التعقب فيما مثل به الإسفراييني صحيح. وأما الحكومة بين ابن فورك والقاضي ابن الطيب ﵄، فيما نقلناه عنهما، فإن ما أظهره القاضي صحيح من أن الأمة لا تجمع على خطأ، وما ذكره ابن فورك صحيح في أن إجماعها على أمر ما يتضمن القطع منا بصحة ما أجمعوا عليه فصحيح أيضا، ولكن الإنصاف [الـ]ـتفصيل في تصديق الخبر المروي، فإن لاح من سائر العلماء مخايل القطع والتصميم، وأنهم أسندوا التصديق إلى يقين فلا وجه للتشكيك، ويحمل عليهم أنهم علموا صحة الحديث من طريق خفيت عنا، إما أخبار (ص ١٩٠) نقلت تواترا واندرست، إن كان الخبر مما يصح اندراسه، أو من غير هذه الطريقة. وإن لاح منهم

стр. 368

التصديق مستندا إلى تحسين الظن بالعدول، وبدارا إلى القبول من جملة السنن، وانقيادا إليهم، فلا وجه للقطع. وقد رأيت ابن فورك في صدر كتاب مشكله الذي صنفه في الحديث أشار إلى غثبات هذا القسم قسما ثالثا، وصرف العبارة إلى كل خبر يعلم صدقه بالنظر، ويكون العلم الواقع عن ذلك الخبر علما مكتسبا نظريا. وقد يمثل في هذا الصنف بمثال يسلمه القاضي، وهو رواية أحد الصحابة أنه كان في غزاة كذا مع النبي ﷺ "فرآه يتوضأ والماء ينبع من بين اصابعه"، ويتوضا الناس، وأشار إليهم ولم ينكر عليه أحد ما قال، بل يطابق الخلق والجم الغفير على السكوت عن الإنكار عليه، فإن ذلك يستدل به على صحة خبره، وهذا مبسوط في كتب الأصول في الكلام في معجزات الرسول ﷺ . فصل في الخبر المتواتر القول في هذا من ثلاثة أوجه: - أحدها: هل يقع العلم عن الخبر المتواتر أم لا؟ - والثاني: كيفية وقوعه. - والثالث: شرط وقوعه. فأما وقوع العلم عنه فجميع أصحاب المقالات على اختلاف طرقهم مجموعون على وقوع العلم عنه، سوى طائفة تعرف بالسمنية، فإنهم أنكروا وقوع العلم عن الخبر المتواتر، وجمهور المصنفين الناقلين مذهبهم هذا يشيرون إلى أنهم مخالفون في ذلك لفظا ومعنى. وأبو المعالي يشير إلى تسهيل أمر مخالفتهم في هذا، أو يرى أنهم ينكرون وقوع العلم به على الجملة، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد الأخبار، بل إلى قرائن تضام الأخبار، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل، كالعلم الواقع بخجل الخجل، ووجل الوجل، وقد رد المصنفون الحاملون خلافهم على المخالفة في أصل وقوع العلم مذهبهم، فإن الإنسان يعرف أمه التي ولدته، ولا طريق له إلى معرفتها إلا الخبر المتكاثر بأنها ولدته، فإن جحد جاحد معرفة أمه سقطت مكالمته، وإن أقر بها سلم إفادة الخبر المتواتر وقوع العلم. وهكذا يضرب في هذا مثالا بمعرفة مكة وبغداد، ولا يظن أن هذه محاجة لهؤلاء، لأن النظريات فروع للضروريات، ومن جحد الضورية فلا سبيل إلى مخاطبته بالمعاني النظرية، وإنما نورد مثل هذا تشنيعا عليهم، وإيضاحا لقبح مذهبهم. وأما الوجه الثاني وهو كيفية وقوع العلم [به] فإنه ينظر فيه من نحوين مختلفين:

стр. 369

- أحدهما: هل العلم الواقع عن الخبر المتواتر ضروري أو نظري؟ - والثاني: لماذا يستند هذا العلم؟ فإما كونه ضروريا فإنه مذهب جميع أصحاب المقالات سوى الكعبي وأتباعه، فإنهم ذهبوا إلى افتقار هذا العلم إلى تقدم استدلال، فالكعبي وجماعة ممن تبعه يرون أن هذا الاستدلال المتقدم للعلم يثمر علما نظريا كغيره من العلوم النظرية. ويرى بعض اتباعه أن هذا الاستدلال يثمر علما ضروريا. وجمهور المصنفين يشيرون إلى مخالفة هذا المذهب أيضا لما عليه الجمهور لفظا ومعنى، وأبو المعالي حمله على مخالفة لفظية لا معنوية، ويرى أن المستمع للأخبار المتواترة لابد أن يصحب استماعه تأمل ما من تعري الأخبار عن التواطؤ عليها لغرض ما، أو لجامع وسائس ساس المخبرين حتى صاروا إليها، فهذا التأمل ضرب من الاستدلال وقع عنه العلم. فتلطف ابو المعالي في رد خلاف السمنية والكبيعة، إلى أمر قد يوافقون عليه، وأشار إلى تصحيح هذه المذاهب إن قصد أهلوها ما ظن بهم. وقد رد المصنفون على الكعبية بأن الصبيان ومن تقاصر عمره عن النهوض بالاستدلال يعرف المخبرات المتواترة، كيف يعرف الطفل أمه، وهو في سن يقصر عن النهوض بالاستدلال، فلو وقف هذا العلم على الاستدلال لما أدركه من لم تبلغ فيه درجة الاستدلال. وأيضا فإن ما يستدل عليه يختلف الناس فيه بالإبطاء والسرعة والتصرف في فنون المذاهب بحسب اختلاف القرائح والأفهام، وصحة التصور وفساده، وترى السامعين للأخبار المتواترة يتساوون في وقوع العلم مع اختلاف أفهامهم وطرائق استدلالالتهم، وما ذاك إلى لكونه علما غنيا عن الاستدلال. وأما التفات الذهن إلى أن في تأمل يستفاد به التعري (ص ١٩١) عن أسباب المواطأة وما في معناها مما يمنع وقوع العلم، فإنما ذلك أمر لطيف خارج عن كيفية الاستدلال، ونازل منزلة تحديق الأبصار للمبصرات، والإصغاء بالأسماع للمسموعات، ومثل هذا لا يسمى استدلالا. وقد تمسك الكعبي في تصحيح ما قال بأن هذا العلم لو علم على الضرورة لما خالف فيه هو أتباعه، فدل على أنه يعلم بالنظر، ومن البعيد أن يكون العلم بالمخبرات ضروريا، والعلم بنفس هذا العلم نظريا. ورد القاضي هذا بأنه استبعاد اقتصر عليه على الدعوى من غير حجة، والعلم الضروري يفتقر إلى النظر في إبطال طرق النظر التي توصل إليه، حتى يعلم انحسام مواد

стр. 370

النظر عنه أنه ضروري. ولو بشع على القاضي هذا بأنه يوجب أن العلم بالمستحيلات كلها ضروري، ومع هذا إنما يعرف كونه ضروريا بالنظر، لم يلتفت إلى هذا التبشيع، وسلك في الطريق التي أريناك. وقد عورض القاضي بأن العلم بكون العالم عالما هو عين علمه بالمعلوم من غير مزيد، فإذا كان ذلك العلم بعينه ضروريا فكيف يتصور من جهة أخر نظريا. وهذه معارضة لا تلزم، لأنا إنما ننكر التناقض المتزاحم على ذات واحدة من جهة واحدة، وأما من جهتين فلا، وكون العغلم علما جهة، وكونه نظريا أو ضروريا جهة أخرى، فلا يعد في تعدد الطرق بتعدد الجهات، وهذا إنما يحسن التدقيق فيه في كتب أصول الديانات. وأما كيفية الوقوع والنظر فيه من جهة الاستناد فإن الجميع أطلقوا القول بأن هذا العلم مستند إلى الأخبار المتواترة، وأنكر أبو المعالي هذا، ورأى أنه مستند إلى القرائن [و] وكثرة العدد الذين لا يمكن في العادة تواطؤهم، ولا الكذب، ولا اتفاق وقوعه منهم غلطا، وسمعوا مع عدم التواطئ، وما في معناه، فإذا حصلت هذه القرائن وقع العلم الضروري، فكثرة عدد المخبرين أحد أوصاف القرينة التي يقع العلم عندنا [بها]. وطرد أصله في هذا حتى لم يستنكر وقوع العلم الضروري بخبر واحد، فإذا إضامته قرينة، وتمثل في هذا برئيس وقور قد ألف من سيرته ما ملأ من هيبته الصدور، إذا خرج شاقا جيبه، لاطما وجهه، ناتفا شعره، ينادي: وا ثكلاه، وا ولداه، قد خلع رقبة الوقار التي اعتادها، وأخبر بموت ابنه، والغسال متشمر داخل، خارج للغسل، والجنازة حاضرة، فإن هذا يعلم ضرورة صدقه في موت ابنه. وجمهور أئمتنا ينكرون هذا، ويرون أن العادة كما أطردت بوقوع العلم الضروري عند الأخبار المتواترة، فكذلك طردت بعدم وقوع العلم عند خبر واحد، ولو صور في مقارنة خبره كل قرينة، ويرون أن هذا الذي تمثل به أبو المعالي ربما تحقق وقوعه من هذا الموصوف كذبا لغرض ما، بخلاف العدد المتواتر فإنه لا يتفق منهم مع الكثرة تعمد الكذب، ولو جمعهم عليه جامع لم يقع العلم، ولظهر ثاني حال منهم الإشعار بتواطئهم، ولو صور في هذا أيضا من المثل من لقيناه بقرب حمام، وسلطه بيده، ومئزره يقطر ماء، ووجهه محمر يتصبب العرق على وجهه، فذكر أنه خرج من الحمام فإنا نعلم صدقه ضرورة. ومثل هذا بعض المتأخرين بأن الضارب باب صديق له، فخرج إليه خادمه، فيقول له: قال لك: ادخل، فإن الدخول مباح له، وربما وقع العلم الضروري لسامع خبر الخادم بصدقها من قرينة حال شاهدها منها، وذكر عن هذا المتأخر أنه أفرط حتى زعم أنه يعلم

стр. 371

صدق بعض المدعين لحقوق لهم على غيرهم ضرورة، وقد أنكر هذا غيره من الأئمة، وقال: قد تكررت الدعاوى في مرور الأعصار في سائر الأمصار، ولا أحد من القضاة سمع منه أنه علم صدق مدع على الضرورة، وما ذاك إلا لاطراد العوائد، بما قلناه من أنه لا يقع العلم بخبر الواحد على حال. وهذه طريقة إنما سبق النظام [بها]، فذكر عنه أنه قال: يقع بخبر الواحد العلم، ونقل بعض المصنفين عنه هذا مقيدا إذا ضامته قرينة. ورأى أبو المعالي أن هذا النقل الثاني أولى وأشبه به. وذهب ابن خويز منداد من أصحابنا إلى أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر، ولعلنا أن نتكلم عن مذهبه فيما بعد. وبالجملة فإن هذه المثل ربما تصور في بعضها قرائن تقتضي العلم الضروري، وإن لم يصحب القرائن خبر، كمثال من لقيناه خارجا من الحمام على صفة ما ذكرناه، فإنه ربما كان [معه] قرائن تدل على أنه خرج من الحمام وإن لم (ص ١٩٢) يخبر بذلك الخبر، لاحظ له في هذا، وما صوره الآخرون من الشكوك والتجويز لا معنى له، لأن القرائن لا تنقل، وإن اعتمد النظام ومن واقه على مجرد الأوصاف التي وصفوا، غلطوا، وطرق الإمكان والتشكيك لها فيها مجال، لكن لا يبعد أن يكون هناك من الأوصاف التي ذكروا أحوال لا يعبر عنها، فيقضي مجموع ذلك العلم، ولا قدرة لألسن خلق الله وأقدرهم على التصور والتصوير أن يعبر عن جملة القرائن، ولا يبين بعبارة عن فرق ما بين شحوب المريض وشحوب الخائف. وقد ذكر الشافعي أن من شهد عند القاضي بأنه رأى طفلا التقم ثديا، وهو يمصه، ويتجرجر ما يمص، فإنه لا يثبت قضية بأن الطفل رضيع للمرأة حتى يقطع الشاهد الشهادة بأنه قد ارتضعته المرأة، معولا في ذلك على قرائن أحوال شاهدها ضامت هذه الأوصاف. وأما الوجه الثالث وهو شرط خبر التواتر الذي يقع العلم عنه، فإنا قدمنا مذهب أبي المعالي، ما يفهم منه أنه يرى اتحاد الشرط في هذا الفن، لأنه يسند وقوع العلم إلى القرائن، ولا يعتبر أن يكون المخبر واحدا أو آحادا، ويرى أن كثرة العدد أحد القرائن. فأما القرينة المضامة لخبر الواحد الذي يقع العلم عند خبره، فلا يمكن أن يشير إليها بعبارة تضبطها. وأما القرينة التي نشير إليها في خبر التواتر، فإن العبارة عنها أن الكثرة التي لا

стр. 372

يمكن في العادة أن يقع منهم الكذب اتفاقا منهم على تعمد، أو يتفق من جماعتهم وقوعه منهم سهوا وغلطا، مع انتفاء أسباب التواطى، وما في معناه من الأمور الحاملة للعدد الكثير على الكذب، فإن هذه الأوصاف هي المشار إليها بأنها قرائن على الجملة، فأنت ترى كيف صارت الكثرة أحد مجموع هذه القرينة المقتضية للعلم عند سماع الخبر المتواتر. وأما من سواه فإنهم تحزبوا أحزابا، فمذهب جماعة المحققين اعتبار ثلاثة شرائط: - أحدهما: كون المخبرين كثرة. - والثاني: كون المخبرين يخبرون عما علموه ضرورة، وقد عبر بعض الطائفة عن هذا الشرط الثاني، بأن قالوا: يجب أن يكونوا يخبرون عما علموه حسا، فأبدلنا قولنا: ضرورة بقولهم: حسا. وهذا متعقب عليهم، لأن المخبرين لو أخبروا عن خجل الخجل الذي علموه من قرائن الحال لوقع عن خبرهم [العلم]، إذ كانوا من الكثرة بحيث لا يتفقون على الكذب، وهذا العلم وإن استند إلى الحس على وجه ما، فمجرده المحسوس لا يكفي في وقوع العلم، لأن الحمرة إنما يدرك الحس ذاتها، وقد أخبرنا أن حمرة الخجل كحمرة الغضبان، يفرق بينهما بأمر يدق عن ضبطه بالعبارة، أو تحديده في الحس. وإنما شرطنا أن يكونوا مخبرين عما علموه ضرورة، لأن المسلمين والنصارى واليهود يبلغون من الكثرة إلى ما يفوت الإحصاء والعد، ويخبرون عن حدث العالم، ولا يقع العلم الضروري بصدقهم في خبرهم، لما كانوا قد أسندوه إلى دليل، فكيف يكونون وهم لا يعلمون ما يخبرون عنه بالضرورة، وهم أصل في هذا الخبر، ثم من سمعهم، وهم كالفرع عنهم، يعلم صدقهم بالضرورة، فيصير الفرع أقوى من أصله، وهذا محال. - والشرط الثالث: أن يستوي طرفا الخبر وواسطته، فإذا أخبرت الصحابة بظهور محمد ﷺ ، وقع لمن سمعهم العلم الضروري بصدقهم لأنهم كثرة أخبروا عن مشاهدة، وهكذا إخبار العصر الثاني الذي سمع منهم، إلى العصر الثالث، إلى أن تنتهي الأعصار إلينا، فيعلم ضرورة صحة هذا الخبر. فلو اتفق انحلال في أحد الأعصار الوسائط بيننا وبين الرسول ﵇، حتى لم يكونوا من الكثرة بحيث يوجب خبرهم العلم الضروري، لا يحل العلم الضروري لنا نحن لعدم الشرط في واسطة من هذه الوسائط، ولهذا قلنا: إن اليهود وإن كانوا من الكثرة بحيث لا يمكن اتفاقهم على الكذب، فإنهم وإن نظروا إلينا أن موسى ﷺ أخبرهم بتأبيد شريعتهم لا يقع العلم لنا بصدق ما قالوا، لأن الدخيلة دخلت على الكثرة من مبدأ الخبر، فإنه لم يكن عن كثرة. وقد قيل: إن ابن الراوندي لقنهم هذه الكذبة ليجادلوا بها المسلمين،

стр. 373

ويقولون لهم: أنتم تدينون بصدق موسى ﷺ ، وموسى الذي تصدقونه قد حذرنا منكم ومن دينكم. والدليل على أن خبر مؤتفك اختلف بعد ذهاب عصر النبي ﵇ أن هذا الخبر لو كان صحيحا لخصمت به اليهود محمدا ﷺ ، ولقالت له: (ص ١٩٣) أنت تأمرنا بتصديق موسى وطاعته، وموسى قد أمرنا بتكذيبك ومنافرتك، فلا يمكن أن يكون هذا الخبر عندهم، ويعدلون عن محاجة النبي ﵇ به إلى ترهان يوردونها عليه، ومسائل يمتحنونه بها، مما لا حظ لها في أن تكون من قوى الشبه، فضلا عن أن تكون حجة يخصم بها ﷺ . وهكذا اعتذارنا عن إطباق النصارى على أن عيسى قتل وصلب، فإنا لا نجد أنسنا مضطرة إلى العلم بصدقهم، وما ذلك إلا أن هذا الشرط الذي ذكرناه من استواه الطرفين والواسطة انحل عليهم، وتلقوه عن آحاد شبه عليهم. وهكذا يقال للإمامية في نقلهم النص عن علي ﵁، فإنهم إن قالوا: إنا من الكثرة بحيث لا يصح منا التواطؤ على الكذب. قلنا لهم: إنما دخلت عليكم الدخيلة من مبتدأ الخبر، لأنكم لم تنقلوه كثرة عن كثرة حتى تتصل الكثرة بالنبي ﷺ ، وأقل الكثرة منكم إنما تلقنته من آحاد، تعمد الكذب عليهم ممكن في العقول وفي العادة، فلهذا لم يقع العلم لنا بخبركم. وقد أنكر أبو المعالي عد هذا شرطا فيما نحن فيه، وإن كان القول في نسه صحيحا، وذلك أنه رأى [أن أهل] كل عصر مستقلون بأنفسهم في خبرهم، والناقل عنهم إن كان من الكثرة بحيث لا يكذب فقد صدق فيما نقل، ويقع لنا العلم بصدقه، وإن كان أهل ذلك العصر آحادا لم يقع للسامعين العلم بصدقهم، فقد صار هذا الشرط منحصرا فيما تقدم من اشتراط الكثرة، وإنما يحسن أن يترجم عن هذا بأن يقال: هل يندرس ما تواتر أولا يندرس؟ وينظر هذا في باب القول على ما يندرس من أخبارا لتواتر، ويشيع من أخبار الآحاد. وقد كنا ذكرنا أن الكثرة أحد الشرائط الثلاث في وقوع العلم بالخبر المتواتر، فأما ضبط الكثرة من ناحية النهاية والآخر، فلا سبيل إليه، ولم يذهب إليه ذاهب، ومحال أن يتصور، لأنا لو قدرنا أن مائة ألف يقع العلم بخبرهم وهم نهاية من يقع العلم بخبرهم لاقتضى هذا أن مائتي ألف لا يقع العلم بخبرهم، فيصير زيادة الكثرة وتضاعف الأعداد في المخبرين ضعفا في الخبر، وهذا عكس المعلوم قطعا. وأما ضبطهم بعدد ما [من] ناحية المبدأ والأول، فقد كثر اضطراب المتكلمين في هذه المسألة من سائر الطوائف، فنقلت في ذلك مذاهب، ولو سبق الأئمة لنقلها لاقتضى الحال الإضراب عن ذكرها، لإشعارها ببعد المذاهب إليها عن التحصيل. فمن ذلك قول أبي عبد الرحمن صاحب العلاف: أقل ما يقع بخبره العلم خمسة

стр. 374

مؤمنين أولياء الله معصومين، ولكن لابد أن ينضاف إليهم سادس من جملة الناس حتى لا يلتبس أمرهم ولا يتميز هؤلاء المعصومون للناس، وهذا نقله يغني من له أدنى فهم عن الاشتغال بنقضه. وإذا كان عند هذا الرجل لابد أن يكونوا معصومين، فما الحاجة مع العصمة إلى العدد، والعصمة في واحد بعينه تغنيه عن العدد، والرسول واحد، ولما كان معصوما عن الكذب لم يقف العلم بصدقه عن أن ينضاف إليه. وهب أنه تصور الحاجة إلى مضامة عدد، فما المقتضى كونهم خمسة؟ فإن مر في الاعتلال لكونهم خمسة على طريقة القاضي التي سنذكرها من أن الأربعة لا يقع العلم بخبرهم. قيل له: القاضي لا يشترط العصمة، وسنتكلم على الذي أداه إلى ما قال حتى يعلم منه أنه هذا الرجل لم يسلك مسلكه. ومن ركيك ما نقل عن هذا الرجل أنه قال: أقل ما يقع بخبره خمسة إلى عشرين، ولا يمكن عاقل أن يتصور وجها إلى جعل العشرين نهاية دون أن يقال: إلى الثلاثين، أو إلى الأربعين، أو إلى الألف، والألفين، وقد قدمنا أن الكثرة لا يصح أن تنضبط بنهاية وآخر. وهكذا اشتراط التباس الخمسة بدخول سادس معهم ليس منهم حتى يلتبس أمرهم لا تأثير له في ثبوت العلم أو نفيه، وإنما هذا قرع باب قوم آخرين من الإمامية الذاهبين إلى إمام معصوم لا يعلم متميزا بين الناس، أو قوم آخرين يرون إخفاء حال الولي وكونه في الأرض لا يعرف. وهذا كله لا معنى للتشاغل به، كما قدمناه. وهذا ما ذهب إليه العلاف، وهشام القوصي من أن أول عدد يقع بهم العلم عشرون مؤمنون أولياء الله، تمسكا بقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين). وهكذا من قال: أقلهم أربعون، لأنهم فيهم نزل قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، والآية نزلت لما (ص ١٩٤) كمل إسلام أربعين، وأيضا فإنه العدد الذي لا تقوم الجمعة بأقل منه على رأي من قال به من الفقهاء. وهكذا مذهب من ذهب إلى أنه يجب أن يكون أقلهم ثلاثمائة وثلاثة عشر كعدد أهل بدر. ومذهب من ذهب إلى أن عددهم ألف وسبعمائة كعدد أهل بيعة الرضوان.

стр. 375

هذه لا يخفى عن خواص العوام بعدها عن التحصيل، وبعد هذه التشبيهات، وأي مناسبة بين عدد جنس اتفق للإمام اللقاء به في حرب ما وبين وقوع العلم بصدق الأخبار، وكم غزا النبي ﷺ من غزوة، وكم أسرى من سرية، أعداد جميع ذلك مخالف بعضه لبعض، وكل ذلك مبني على الحاجة والمصالحة والكفاية في الحرب، والدعاء إلى الجهاد، وتحصيل الأجر والغنائم، وهذا ليس من وقوع العلم بالأخبار في ورد ولا صدر. وقد أدى قوما الإفراط إلى أن ذهبوا إلى أن أقلهم أن يكونوا بحيث لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد، وهذا إسراف، ونحن نعلم أن أهل مصر وبغداد إذا أخبروا عن شيء رأوه فإنه يقع للسامع العلم بخبرهم، وقد حواهم بلد ويمكن أن يحصروا بعدد، ولو جرينا إلى ما لوحوا به لقلنا به، ولو كانت مدائن كثيرة هي أكثر العالم لأمكن في العقول أن تعد، ولكن عند انتظام أمور يبعد في العادة اتفاقها. وبالجملة هذا المعنى يلوح لأنه لا مناسبة بينه وبين وقوع العلم، اللهم إلا أن يشيروا بكونهم لا يحويهم بلد إلى أن أهل البلد الواحد يمكن تواطؤهم لتجاورهم ولقاء بعضهم بعضا، فهذا قد يكون من الأمور المناسبة لوقوع العلم، لكن نفرض عليهم حالة لا يمكن تواطؤ أهل بلد فيها، أو حالة يمكن تواطؤ أهل بلد عليها، حتى يبطل ما قالوه طردا وعكسا. وأما الذاهبون إلى اشتراط كونهم مختلفي الأديان والآباء، أو الذاهبون إلى اشتراط كونهم مؤمنين، أو اليهود الذاهبون إلى اشتراط كون المخبرين أهل ذلة وصغار، أو الذاهبون إلى اشتراط ألا يكونوا محملوين على أن ينقلوا الخبر الذي أخبروا به فإن هذه شرائط جميعها ظاهر الفساد. وأما اشتراط اليهود أن يكون الناقلون أهل ذلة وصغار وجزية فباطل فباطل، لأنا نراهم أن المسلمين ينقلون ما يعلم صدقهم فيه ضرورة، وكذلك من اشترط كونهم أهل أديان مختلفة يبطل ايضا بانفراد المسلمين بالنقل وهم أهل دين واحد. ويقال لليهود: كنتم في أول أمركم لستم في ذلة وصغار، فيجب أن لا يقع لكم العلم بنقل أسلافكم الذين لم يكونوا في ذلة وصغار، فدينكم وأعلام شرائعكم على هذا غير معلوم عندكم، وهذا لا جواب لهم عنه. ويبطل اشتراط من اشترط كون الناقلين مؤمنين بأن يقع العلم بنقل سائر اليهود، أو سائر النصارى، لأمر ما شاهدوه، وهم ليسوا بمؤمنين. وأما اشتراط من اشترط ألا يكونوا محملوين على نقل ما نقلوه فلا معنى له، وصاحب هذا المذهب أشار إلى حقيقة، ولكنه لم يضعها موضعها.

стр. 376

قد كنا نحن قدمنا أن انتفاء التواطؤ والأسباب التي تحل محله شرط في وقوع العلم، ولكننا مع هذا لا نحيل أن يكون أمر عايشته الجماعة الكثيرة، ونقلوه عن أمر ننقله، وحمل على إشاعته يقع عند العلم، بل نقول، ولو لم يحملوا على نقله لنقوله إذا كانوا من الكثرة، والخبر في نفسه بحيث لا يمكن معه الكتمان، لو اتفق فيه الكتمان لهبة أو سبب ما لظهر الخبر عند زوال السبب فلا معنى لرد هذا شرطا في وقوع العلم، وإنما يكون الحمل والجبر سببا لاجتماع الكثرة على أمر لولاه لما اجتمعوا عليه، ومن تحسس إلى العادات، وتصور أحكام المشاهدات علم صحة ما نقلناه. وأما القاضي فإنه قطع القول بأن الأربعة لا يقع العلم بخبرهم أصلا، واعتمد في هذا على أنهم عدد الشهود في الزنا، وقد جاء الشرع بطلبه القاضي بشهادتهم أن يبحث عن عدالتهم، وأمر الشارع بهذا أمرا عاما في كل عصر ومصر، وما ذاك إلا لأنهم ممن لا يقع العلم بخبرهم، ولم يُر حاكم قط قد زعم أنه استغنى عن البحث عن العدالة فيهم، لأنه وقع له العلم بصدقهم، فصار هذا أيضا كعادة مطردة فيهم، كما اطردت العادة بأنا نسمع دعوى المدعين، ويسمع ذلك القاضي في مجلس حكومته، ولم يقع لأحد من القضاة أو غيرهم العلم بصدق دعوى مدع، وما ذاك إلا لاطراد العادة أيضا يكون خبر الواحد لا يقع [به] العلم. وقدم حجة عند هؤلاء على من صار إلى وقوع العلم بخبر الواحد على ما لا قدمناه، ولو كان الأربعة يقع العلم بخبرهم لكان (ص ١٩٥) إذا شهد أربعة بالزنا عند قاض فلم يقع له العلم، فإنه لا يقبل شهادتهم لعلمه أنهم كاذبون، أو فيهم كذبة، وهذا خلاف الإجماع. وهذه عدمة يعتمدوها القاضي مرورا منه على أصله، إذ من أصله أن الكثرة الذين يقع بهم العلم لا يصح قبول حتى يقع بهم مرة، ومرة لا يقع. وقد وافق القاضي أبو المعالي على القطع بأن الأربعة لا يقع العلم بخبرهم، ولكنه استشعف حجة القاضي بالشهادة على الزنا، وقال: إن الشرع إذن للقاضي في الاستظهار بطلب شهادة خامس، حتى يدخل الخامس في جملة البينات. ومقتضى هذا على اعتلال القاضي أن يقطع القول بأن الخمسة لا يقع العلم بخبرهم كما لا يقع بخبر الأربعة، لأجل إذن الشرع بإلحاق خامس بأربعة في حكم البينة، وهو لا يقول بذلك، بل تردد في الخمسة، هل يقع العلم بخبرهم أم لا.

стр. 377

وقطع أبو المعالي القول بأنهم ليسوا بحد يقع العلم بخبرهم فلابد، لاطراد العادة في الخمسة والستة أنهم قد يكذبون، وعلى هذا عول في الأربعة أيضا، وتمسك في الجميع بالعادة. ولما قطع القاضي القول بعدد ينتفي عن خبره وقوع العلم، وتردد فيما زاد عليه، ورأى أنه لا سبيل إلى تحديد أقل العدد الذين يقع بهم العلم، أراك طريقة تعلم منها تحديد هذا العلم الذي هو الأقل، فقال: يسمع السامع خبر الأربعة فلا يقع له العلم لأجل ما قدمناه، ثم يسمع خبرا آخر زائدا عليهم، ويحس ما يقع في نفسه ويرجع إلى عقله، فيحكمه، فما دام يرى في نفسه تخالج الشكوك في صدق الخبر، فإنه لا يثبت له ذلك العدد أول عدد التواتر، حتى إذا زالت الشكوك، وانحسمت مواد التردد والتجويز عن نفسه ووقع له العلم اتخذ ذلك العدد مذهبا له في أنه أقل عدد يقع به العلم، ولا يقول له أن يخبر عدد مثله مرة أخرى، ولا يقع العلم لأن الكثرة الذين يقع بهم العلم لا يصح أن يقع بهم مرة، ومرة أخرى لا يقع، ولو صح هذا لجوزنا أن يخبر أهل بغداد يوما ما عن خبر ما ولا يقع بخبرهم العلم، وهذا معلوم بطلانه من جهة العادة. وأبو المعالي ينكر هذه الطريقة، ويشير إلى أنه قد يختلف حال العدد باختلاف أحوال المخبرين، وأحوال الخبر في نفسه، فلا يمكن اتخاذ هذا الذي قاله القاضي قانونا في معرفة حد أقل التواتر. والمذهب الحق عندي في هذا أن الأمر لا ينضبط، ولكن العاقل إذا سمع خيرا فإن نفسه (إنما يغلب عليها التشوف إلى تجويز تعمد الكذب على المخبر لغرض ما له في الخبر)، يقوي ظنها بصدقه تارة عند انتقاء الأغراض الحاملة له على الكذب [و] ضعف الظن بإذا شك في انتقائها]، وإذا انتفت كلها قوي الظن، ويتوسط الأمر بحسب توسطها واختلاف أقدارها، ولهذا رد الشرع شهادة العدل فيما بدت فيه أغراض ظاهرة، كشهادة لولده، أوعلى عدوه، حتى إذا انتفت هذه الأغراض كلها، ودينه يمنع أن يتساهل في ركوب الآثام قبل شهادته الشرعُ، وإذا لم يكن له دين، قوي التجويز لكذبه، وضعف الظن فلم يقبله. وهكذا حال الكثرة، فإذا انضاف إلى الواحد آخر، وجاءا معا، وكان معروفين عند السامع بالتطابق عن أهوائها، والتعاون على أغراضها، لم يجد في نفسه ذاك النهوض في الظن. ولو جاءا مفترقين حينا بعد حين، بحيث يكون الظاهر عند السامع أنهما لم يتلاقيا، وعرفهما بأنهما غير متطابقين، ولا يعرف بعضها بعضا، فإنه يجد في نفسه نهوضا في الظن

стр. 378

بقصدهما، ويقوى الصدق في نفسه قوة ما بحسب ما ظهر له من إمكان تطابقهما على الخبر، قبل أن يراهما، أو بعد هذا الإمكان، ويجد في النفس تجويزا لاتفاقهما عليه غلطا، إن كان ذلك مما يمكن في العادة، أو اتفاقهما على غرض وإن كان لم يتطابقا عليه. فإذا انضاف إليهما ثالث بعد في نفسه وقوعهم في غرض واحد على جهة الاتفاق، والتواطؤ أيضا لكونهم عنده متباعدين بعضهم عن بعض، فلا يزال هكذا ونفسه تنهض إلى التصديق، وتشوف النفس إلى الأسباب التي أشرنا إلى كونها داعية للكذب تضعف حتى يمحي آثاره من النفس، فلا تقبل عليه النفس و [لا] تنعطف إلا بعد أن تعطف كما تعطف عن أمورها الطبيعية، التي يحس الإنسان فيها بالكلفة، وهذا عندي هو العلم الاستدلالي الواقع بالاختيار. ثم يتكاثر عليه المخبرون بتفاوت أزمان واختلاف قرائن أحوال [حتى] يقطع العقل بأول وهلة على (ص ١٩٦) انتفاء الأسباب الاتفاقية كلها، كما أشرنا إليها، فيقع العلم الضروري حينئذ. ولو حاول السامع لمثل هذه الأخبار أن يعطف نفسه إلى تجويز الكذب فيها، أو يقدر إمكان التفاق تلك الأسباب التي أشرنا إليها لوجد نفسه آبية عن ذلك، غالبة له عليه، حتى لا يمكن مدافعتها عنه، وهذا هو العلم الضروري الذي لا يمكن الشك فيه ولا الارتياب. وإليه أشار الجمهور في النظر في انتفاء هذه الأسباب، وحسم مواد تشوف النفس إليها، وقع إليها اختلاف المذاهب، فاشار كل قوم إلى حالة من هذه الأحوال التي فصلناها، ووقف عند الحال التي بني عليها ولم يتعدها، وآخر تعداها فبنى مذهبه عليها. وأنت إذا علمت هذا علمت أن قد تبلغ الأعداد إلى أن يمكن أن يقع العلم الضروري بخبرهم مرة، ومرة أخرى لا يقع، وعلمت أن من الكثرة ما يمكن أن يقع بخبرهم العلم مرة، ومرة لا يقع، وذلك أن [من] الأسباب التي أشرت إليها ما يقطع بأنه لا يجوز على مقدار من الكثرة قد تبلغ إلى حد عظيم من الانتشار والافتراق في الأزمان والأغراض والأسباب التي أشرنا إليها. ومنها ما يجوز على مقدار ما من الكثرة حتى تبقى النفس متشوقة إلى النظر في ارتفاع تلك الأسباب والأغراض تارة، وتنحسم عنها مواد التشوف أخرى. هذا هو المسلك الحق في هذا الباب، وإليه ترجع المحققات من المذاهب التي نقلناها فيه. وأبو المعالي وإن كان أشار إلى اتخاذ هذا الأسلوب مذهبا له وطريقة، فإنما أضفناه إلينا ونسبناه إلى اختيارنا، لأنه كان مذهبا لنا مشهورا قبل أن نقف على كتابه هذا.

стр. 379

وإذا علمت ما أخبرناك به من طريقة القاضي التي يطلب بها ضبط العدد الذي هو أقل ما يقع به العلم، فإنه يقطع على أن الأربعة لا يقع بهم العلم كما قدمناه، وإذا وقع له العلم بخمسة قطع على أصله أنه أول العدد، وإن سمع خبر ستة فوقع له العلم لم يقطع على أنهم أول العدد لجواز أن يكون لو سمع خمسة لوقع له العلم، وإذا انتفى وقوع العلم على عدد لم يقض بأنهم ليسوا بأقل العدد، لجواز أن يكون العلم إنما لم يقع لكونهم فيهم كذبة، أو كلهم كاذبون. فقد تحصل من مذهبه أن وقوع العلم يصح أن يجعله معتبرا لإثبات هذا العدد الذي هو الأقل، ونفي العلم لا يجعله معتبرا لنفي كونه الأقل، لأن من شروط الخبر أن يكونوا عالمين بما أخبروا به، وقد يكون في هؤلاء كذبة. فإن كانوا من القلة بحيث يمكن أن يتواطؤوا على الكذب جوز أن يكون جميعهم كذبة، وإن كانوا من الكثرة بحيث لا يمكن هذا منهم، جوز أن تكون طائفة منهم يمكن أن تتواطأ على الكذب كذبت، وتبقى الطائفة الأخرى صادقة، ولكنها مقصرة عن أقل عدد التواتر، فلهذا لم يقع العلم. فاضبط مذهبه في اتخاذه وقوع العلم علما، وفي إضرابه عن اتخاذ انتفاء العلم علما. وأما نحن فقد قدمنا طريقتنا التي نعرف بها الحق في هذا وفي غيره، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما. فصل في تقاسيم الأخبار من جهة متعلقاته قد كنا قدمنا تقاسيم الأخبار من ناحية طرقها والمخبرين بها، وهذا تقسيمها من ناحية متعلقاتها. فاعلم أنها تنقسم من هذه الجهة إلى ثلاثة أقسام: - أحدها: القطع بالصدق. - والثاني: القطع بالكذب. - والثالث: التجويز للصدق والكذ ب. وهذا القسم الثالث في التحقيق إنما يرجع إلى اعتقادات السامعين للخبر لا إلى كون الخبر صدقا في نفسه أو كذبا، لأن من قال: زيد قام، ولا علم عند السامع بصدقه أو كذبه، فخبره في نفسه لا يخلو أن يكون صدقا أو كذبا، وإنما وقع التردد من جهة السامع لا لكون الخبر يصح خلوه عن الصدق والكذب. فإذا تقرر هذا فاعلم أن الأخبار يعلم صدقها عقلا، ويعلم صدقها سمعا، وكذلك يعلم كذبها عقلا، ويعلم أيضا سمعا.

стр. 380

فالذي يعلم من هذين القسمين من صدق أو كذب بالعقل إما أن يعلم بضرورة البداهة، كقول القائل إذا كان صادقا: الضدان لا يجتمعان، أو قوله إذا كان كاذبا: الضدان يجتمعان. ويعلم أيضا بضرورة الحس والمشاهدة قول القائل: فلان قد خجل، والسامع يرى ما رآه القائل من قرائن الخجل، أو يقول ذلك كذبا، فيعرف (ص ١٩٧) السامع أيضا كذبه. وقد يستند العلم الضروري إلى العادة كقول القائل: أظلم الجو لما غابت الشمس، وإما أن يعلم من ناحية العقل الصدق والكذب من جهة الاستدلال كقول القائل: العالم محدث، إذا كان صادقا. وقول الآخر: بل هو قديم، إذا كان كاذبا. وقد يعترض [على] هذا التقسيم بأن الصدق والكذب مستند إلى الدليل وإلى البداهة، سواء أخبر مخبر عن ذلك أو لم يخبر، فالخبر لم يفد العلم بالصدق أو الكذبن وأنه أفاده مما نسبنا هذه الأمور إليه من ضرورة أو استدلال. وهذا اعتراض صحيح، ولكن قصد القوم تقسيم متعلقات الأخبار التي يكتسب الخبر بها كونه صدقا أو كذبا، فهذا لا طائل تحت المناقشة فيه. وقد ألحق أثمتنا بالنوع الذي يعرف بالاستدلال خبر الواحد إذا أخبر عن أمر يشاهده، وادعى على جماعة أهل تواتر لا يمكن تواطؤهم على الكذب أنهم شاهدوا ما شاهد، فلم ينكروا ذلك عليه، وهم سامعون لما قال، لا مانع يمنعهم من الإنكار، ولا عذر يقتضي السكوت عنه من تواطؤ أو اتفاق على غرض ما. وبهذا أثبتنا القطع بنوع من أنواع معجزات الرسول ﷺ ، كتكثير الماء، والطعام، وغير ذلك مما نقل أته جرى له في المحافل والمجامع. إذا قال الصاحب: كنت في غزاة كذا، فجرى للنبي عليه السالم بحضرتي وبحضرة سائرهم كذا وكذا، وأشار إلى عجب خارق للعادة، وزعم أن الجماعة شاهدوه كما شاهده، فلم ينكروا ذلك عليه، فإنا نقطع على صحة خبره، ولو أن القوم نطقوا كما نطق وأخبروا كما أخبر على حسب ما يخبر أهل التواتر، لوقع العلم الضروري لسامع خبرهم، ولا مطمع للفرق بين المسألتين من ناحية العقول، حتى يقال: لو وقع [العلم] عند سكوتهم الدال على تسليمهم الخبر [لوقع] العلم الاستدلالي عند نطقهم، وإنما يفترق ذلك من جهة العادة. وقد أخبرنا أن وقوع العلم الضروري عند سماع الخبر المتواتر بعادة اطردت، لا لأمر عقلي، وهذه العادة إنما اطردت مع نطق المخبرين لا مع سكوتهم، والعوائد لا تعلل، ولا يناقض بعضها ببعض. إلى هذا أشار بعض أئمتنا، ولكني لا أرى ما رأوا من ذلك، بل أقول: إنه قد يقع العلم الضروري عند سكوت قوم عن الإنكار كما يقع عند نطقهم سواء بسواء، فلو أن رجلا

стр. 381

من أهل الحجيج قال وقد أفاض من عرفات: قد جاء جيش لعرفة، فحارب أهلا، وقتل منهم خلقا، ثم كل من أفاض من عرفات سمعوا كلامه ولم ينكروا عليه، وفهم رأيهم، وشاهد حالهم، وسامع هذا المقال [يشعر] أنهم قد نطقت قلوبهم به، وألسنتهم كالمفصحة به، وإن لم تفصح، فإنه يعلم بالضرورة صحة هذا الخبر، كما يعلم صحته لو نطقوا به أجمعون. ومهما وجد السامع لهذا الخبر في نفسه تشوفا إلى امتراء فيه، فإنما ذل تشوف منه إلى الأسباب التي لا يعلم صدق الخبر إلا عند العلم بارتفاعها، فقد تشوف نفسه إلى أن القوم لم يسمعوا قول هذا المخبر، أو إلى أنهم اتقوا من الإنكار عليه تقاة، أو إلى غير ذلك من الأغراض، ونحن إنما فرطنا حصول العلم عند القطع على ارتفاع هذه الأسباب، وهذا كما قدمناه من أن العلم الضروري إنما يحصل عند سماع الخبر المتواتر، مع القطع بارتفاع الأسباب الحاملة على الكذب، وهذا الذي قلناه لا ينكره من رجع إلى نفسه، وحكم عقله في وجدان ما يجد عند سماع هذه الأخبار، إما نطقا و [إما] إفهاما. وبالجملة فإنا إذا نظرنا فيما تقدم أن المعتمد في ذلك كله على القرائن، وهي مما لا ينضبط، وقد يتفق فيها مع اسكوت ما لا يمتري عاقل فيه أنه وقع له العلم الضروري على حسب ما وقع له عند نطق هؤلاء المشار إليهم بالسكوت. وقد عد في القسم الذي يعلم الكذب فيه بالاستدلال خبر واحد، أخبر أهل التواتر الذين لا يصح أن يكونوا بضد ما أخبر به، وهذا في عده من هذا النوع نظر، لأن الواحد إذا قال: لم يمت زيد. وقال ألوف من الناس لا يصح أن يتواطؤوا على الكذبك بل مات، فإنه إذا كان خبر هؤلاء يقع به العلم الضروري، فمن ضرورة العلم الضروري، فإنه قد مات، [و] كونه قد كذب من قال: إنه لم يمت [ظاهر]، لكن هؤلاء الجمع لم يخبروا بنفس ما أخبر هذا الكاذب، وإنما أخبروا بضده، ومن ضده علم كاذب خبر هذا، فإن كان المراد بعده من هذا القسم هذا المعنى، فغير مستنكر إلى من جهة مناقشة في تحقيق عباراته، ونظر في تعداد علوم ومعلومات مما يتعلق بعلم الكلام. وقد عد أيضا من الأقسام التي يعلم فيها الكذب بالدليل خبر من ادعى النبوة ولم (ص ١٩٨) يأت بمعجزة، فإن عدم المعجزة دليل على كذبه. هكذا أطلق أئمتنا هذا المقال، ونحا فيه أبو المعالي إلى نحو من التفضيل، فقال: أما إن لم يطالب هذا الرجل الناس بشريعة واتباعه على تكاليف، فإنا لا نقطع على كذبه من ناحية عدم المعجزة، وأما إن كلف الناس باتباعه والتزام لوازم ويعرضها عليهم، وامتثال أوامر ونواهٍ فإنا نقطع على كذبه، لأنه جاء بتكليف ما لا يطاق [وهو] محال. ومر على أصله

стр. 382

الذي قدمناه في أول الكتاب، لما تكلمنا على المذاهب في تكليف ما لا يطاق. ولو سكلنا في الإحالة هذا المسلك الذي أشار إليه أبو المعالي لم نقطع بكذب هذا الرجل، لأجل أن أئمتنا لا يحيلون من ناحية [العقل] تكليف ما لا يطاق، لكن أئمتنا قطعوا على تكذيب هذا المدعى النبوة، وإن كانوا يجوزون تكليف ما لا يطاق، من أجل ما قام عندهم من الأدلة القاطعة، وتمهد من أمر الشريعة أنه لا يصح أن يبعث الله رسولا يكلف الناس، ولا يؤيده بمعجزة، لا سيما أنه إذا قال: إن أرسلني وأخبرني أنه يظهر على يدي معجزة تدل على صدقي فلم تظهر على يديه، فإنه افتضح أمره بما افتضح فيه، وبان كذبه، لأنا نعلم أن الله سبحانه لو قال له ذلك لم يكذب ولأظهر المعجزة على يديه، فثبت أن الكذب من جهته تصور، فقد حصل الغرض المطلوب من تكذيبه. وغير بعيد أن يدعي في مثل هذه الصورة التي صورناها من القول والدعوى، وقرائن تصحب ذلك أن العلم يقع بكذبه من قرائن اجتمعت وانتظمت بحاله ودعواه، ونحن وإن لم نشترط انعكاس الدليل، فنقول: إذا دلت المعجزة على الصدق وجب أن تدل على الكذب، كما تقول: إذا دل وجود العالم على وجود الله سحبانه، فإنه لا يدل عدم العالم على عدمه تعالى، وكذلك إذا دل إحكام على المحكم، فإن عدم الإحكام لا يدل على الجهل. وقد يدعي الإنسان أنه يحسن الكتابة فيمتحن فيكتب خطا جيدًا فيعلم منه أنه كاتب، وقد يكتب خطا قبيحا لعلة وغرض سنح له أداه إلى إخفاء أمره، وهو مع هذا عالم بالكتابة، فلا يدل خطه الدنيء على أنه لا يحسن الخط الجيد، لكن ربما تصورت قرائن في بعض المجالس تقطع على ارتفاع الأسباب التي تدعوه إلى الإخفاء، ويعلم منها ضرورة أنه لو كان عالما بالخط الجيد لكتبه، فيصير عدم كتابته مع القرائن دلالة على جهله. وتنخرط في هذا السلك مسألة أخرى، وهي متعلقة بالقول في كرامات الأولياء، ولا مطمع في استقصائها هنا لأنها متعلقة بفن الكلام، وفي كتب الكلام يبسطها العلماء، لكن نشير إلى ما أشار إليه أبو المعالي، وذلك أنه يقول: يجب أن يتشكك الإنسان أيضا في خبر من أخبره عن تقلع جبل، أو ما في معناه من خوارق العادات، لتجويزه أن يكون ذلك الخرق لولي. وأجاب عن ذلك بعد استخارته الله سبحانه بأنه يقطع على بطلان مثل هذه الأخبار، ما دامت العوائد المطردة على ما هي عليه، والعلوم الضرورية لازمة للقلوب بكون هذه المخلوقات على ما هي عليه، حتى إذا صار الإنسان إلى زمن تشوشت علومه الضرورية المستندة للعادات، وشاهد كثيرا من انخراقها، فإنه حينئذ يأتي منه التجويز لصدق هذا

стр. 383

الخبر، ونحن الآن والعادة مطردة تجوز الكرامة تجوبزا لو وقع لكان خارقا. وأما تجويز إيجاد موجود، والآخر تشكك في وقوعه. وقد تقدم في صدر كتابنا هذا الإشارة إلى فرق ما بين تردد العقل تردد حيرة ووقف، وتردد تجيوز وإمكان، مع القطع على ذلك. ومما يتعلق بأحكام الإخبار النظر فيما يعلم كونه بالضرورة المستندة للعادات، وقد ذكرنا هذا القسم ومثاله على الجملة فيما تقدم من التقسيم، ولكن أفردنا هاهنا الكلام على فرع من فروعه لاتساع القول فيه، وذلك أنك تعلم أن العادة مطردة بأن الخطب الجسيم، والثناء العظيم، والحادثة المجهولة التي تطيش لها الأحلام، يمكن إذا شاهدها الخلق العظيم والجم الغفير، أن ينفرد منهم واحد بالإخبار عنها، دون سائر الناس كخطيب قام على منبره يخطب للجمعة في مصر عظيم كبغداد وأمثالها، وقد غص الجامع بجميع أهل المصر، فإنه لو تزلزل بالخطيب منبره، وتنقل من مكانه، أو صعد إليه من قتله، فخرج الناس من الجامع، وأخبر واحد منهم وقال: جرى على الخطيب كذا (ص ١٩٩) وكذا، ولم يسمع ذلك إلا منه، فإن هذا الخبر يقطع على كذبه، للعلم الضروري بأن مثل هذا لا يتفق لسائر من بالجامع على أن لا يذكره واحد منهم، إذا لم يكن سبب يحملهم على كتمانه، وهذا معلوم بالعادة أن تطابقهم على السكوت عن الحديث بمثل هذا، والإخبار به لمن لقوه خارجا من الجامع ممن لا علم عنده من جملة الناس، فإن هذا ممتنع في العادة كما يمتنع اتفاقهم على خبر كاذب على حسب ما قدمناه وبسطناه، والعادة إليها التحاكم في هذا، وكل عاقل [يدرك] أنها كما أطردت بامتناع اجتماعهم على خبر كاذب، فكذلك يمتنع اجتماعهم على السكوت عن ذكر هذا الخبر الصادق، وهذا لا إشكال فيه، وإنما أوردناه لمسائل صورت عليه كالقادحة فيه. ونحن نقدم لك قبل ذكرها جوابا عامًا لجميعها، فلتعلم أن العلوم الضرورية لا يصح أن تفسد، ويحاج على بطلانها، لأن الحجج والنظر فروع مستندة للعلوم الضرورية، فإذا بطلت الأصول بطلت الفرع التي بنيت عليها، فلهذا لم يسمع من أحد الحجة بفرع على إبطال أصل، لكونه معترفا ببطلان حجته ببطلان أصلها. فإذا تقرر هذا فكل مسألة ألقيت عليك فلا تلتفت إليها وامتنع من تصورها، فإذا لم تجد بدا من تسليم تصورها، فاعلم أنها لم تتصور على حسب ما اعتقد المعترض بها، ولكن قارنتها أمور أخرجتها عن هذه العادة التي قررناها، ويكفيك أن تجيب بالإحالة على أمور مجهولة، وتعتمد في ذلك على ما تقرر من العلوم الضرورية، وإن شئت تعرضت لتفصيل هذه الأمور، فمن ذلك قول بعض المعترضين على النقل لحجة النبي ﷺ هل كانت قرآنا أو

стр. 384

إفرادا، أو كان قدم قبلها عمرة، حتى صار متمتعا على حسب ما صار إليه الفقهاء الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة من كون الإفراد أفضل، أو غايره على حسب ما ذهب إليه مالك. فيقول المعترض هاهنا: حجة النبي ﷺ واحدة، واجتمع إليه فيها سائر المسلمين، وحجوا معه، فما بالهم اختلفوا في الذي فعل، ومن حقه على أصلكم التطابق على نقله، والتطابق يقتضي اتفاق النقل، لأن أهل التواتر لا يكذبون، ولا يخالف تواتر تواترا. والجواب عن هذ أنا نقول: مقدار ما يتعلق بما ذكرتموه قد تطابقوا عليه، على نقله ولم ينكتم، ولا اختلفوا فيه، بل جروا فيه على الأصل الذي قررناه، وهو كون النبي ﷺ خرج من المدينة وأتى مكة، وطاف وسعى، ووقف بمعرفة، ونزل بالمزدلفة، وهذا الذي لم ينازع فيه مسلم مسلما، والزيادة عليه ليست جارية على الأصل الذي قررناه، لأن صورة حج المنفرد، وحج القارن سواء بسواء، لا يختلفان في فعل أصلا مشاهد محسوس، تعم مشاهدته على رأي مالك ﵁ الذي يرى أن القارن يطوف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا لحجة وعمرة، وإنما يختلفان من ناحية النية وعقد الضمير، وهو أن المفرد ينوي بفعله الحج خاصة، والقارن ينوي بفعله الحج والعمرة معا، والنية لا يطلع عليها ولا يشاهدها خاص من الناس ولا عام، ونحن نصحح الحج، وإن لم ينطق الحاج بما أضمره منها، ولو فرضنا نطقه بذلك لم نشترط أيضا أنه مما يجب أن يشتهر، أو يجب أن يتكرر تكرارا يدركه الخاص والعام، وهذا لا يشك في صحته عاقل عارف بأحكام العادات. ولو سلمنا أنه ﵇ كان قارنا ونطق بذلك لكان العذر عند أصحاب هذا المذهب أن يكون سمع سامع منه أحد اللفظتين، وهو تلبيته بالعمرة، وذهب عنه قبل أن يسمع التبية بالحج، فظنه متمتعا، وسمع آخر تلبيته بالحج خاصة فظنه منفردا، وسمعه آخر فاعتقد أنه قارن. فإذا تصور طريق عذر يعلم منها سبب اختلافهم، فلا وجه للقدح في أصل عظيم علم بالضرورة بمثل هذا السؤال. وقد ذكرنا جملة المعاذير التي قيلت فيه في كتابنا المترجم بالمعلم. وقد يضعف السؤال على أصل من قال من العلماء: إن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، ولكن له أن يجيب عن هذا بأنه قد لا يلزم من جهة اشتهار العادة [أن يعلم] كل طواف يطوف، وإنما يلزم في العادة اشتهار الطواف على الجملة. وقد يقال: تدخل الدخيلة في النقل، لأجل اعتقاد من يعتقد أن الطواف المتكرر تطوع، والتطوع لا يهم أمره، فينقل كما ينقل الفرض (ص ٢٠٠). وقد قيل: إن الاهتمام بحقيقة هذه الحجة لا يسلم اطراد العادة به، لأن الجميع من إفراد وقران وتمتع سائغ، وإنما اختلاف العلماء في أيهم أفضل، وقد لا يهتم نقل الأفضل، كما يهم نقل الفروض.

стр. 385

ومن ذلك أيضا سؤال ثاني وهو الاختلاف في الإقامة للصلاة، هل يوردها المؤذن مثنى مثنى، أو فرادى؟ فيقول المعترض: قول ينادي به على المنابر، ويكون خمس مرات في ليل ونهار، كيف يصح الاختلاف في نقل ما كان بلال يفعل فيه بحضرة النبي ﵇ وأصحابه؟ وهذا السؤال من أصعب ما يوردونه في هذا الباب، وقد أهم القاضي أمره حتى نحا فيه إلى أن بلالا كان يفعل هذا وهذا، يثني تارة ويفرد أخرى، فالنقل عنه لم يقع فيه كذب، ولا مخالفة للعادة، فأداه اعتراض هؤلاء إلى القطع بأنه كان يفعل ذلك. واعترض هذا أبو المعالي بأنه يجب أن يتواتر اختلاف فعله ويشتهر، حتى لا يختلف النقلة عنه في أنه كان يفعل هذا وهذا، والنقل لم يرد كذلك. والمعتمد عند أبي المعالي في الجواب أن هذا يمكن أن يكون نقل نقلا واحدا متفقا متواترا، ولكن اندرس نقله بعد تطاول زمان وحدوث فتن وحروب، وحدوث تواتر وأيمة، كل إنسان يقيم الجماعة ما يتعلق بها على رأيه ومذهبه، وهذا من الأمور المتعلقة بالأمراء والسلاطين، فمن حينئذ حدث الخلاف، واندرس التواتر عند وجود سبب دعا إلى اندراسه. والأخبار التي تتعلق بهذا الأصل الذي قدمناه منها ما يصح اندراسه إذا ذهبت الدواعي الداعية لنقله واشتهاره، وما دامت الدواعي باقية، فالأمر باق على ما هو عليه من وجوب اشتهاره، ما دام السبب الداعي إلى اشتهاره باقيا، ولهذا اشتهرت معالم الدين في النقل أولا، وتمادى اشتهاردها إلى الآن، لحاجة أهل كل عصر إلى تلقي ذلك ممن قبلهم كتلقيهم أفعال الصلوات، وتعيين شهر رمضان من بين شهور السنة، إل غير ذلك من أمثاله، ولو صح أن تذهب الأسباب الداعية للنقل لاندرس النقل، كما كان ذلك في سير رسل تقدموا. هذا أيضا مع كون الأفضل من إفراد وتثنية في الإقامة لا يهم مثل الفروض المؤكدة، كيف وكثير من العلماء على أن الإقامة للصلاة ليست بفرض، ولو تكرها المصلي أصلا في نفسه لصحت صلاته. وهذه الطريقة أيضا تسلك إن اعترض في الإقامة بما بين الشافعي ومالك في المشهور عنه من اختلاف في قوله: قد قامت الصلاة، هل تقال مرتين كما ذهب إليه الشافعي، وروي عن مالك ذلك أيضا رواية شاذة، إو إنما يقال مرة واحدة، كما ذهب إليه مالك في مذهبه المشهور عنه، فإن الطريق في الجواب طريقة واحدة، ولا سيما وهذه نقطة واحدة، وأمرها أقرب إلى الخفاء من خفاء ما وقع في سائر ألفاظ الإقامة. وفي صحيح البخاري وغيره

стр. 386

"أنه ﵇ أمر بلالا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة"، وقد تكلمنا على هذا في تواليفنا في الفقهيات، شرح التلقين وغيره. ومن ذلك قولهم: وقع اختلاف النقلة في نكاحه ﵇ ميمونة، هل نكحها وهو محرم أم حلال؟ وهذا ليس باعتراض يلتفت إليه، ولا يلحق بهذه الاعتراضات المتقدمة، لأنه لا يخفى على عاقل أن نكاحه ميمونة يصح أن يقع منه بحضرة اثنين أو ثلاثة لا أكثر، وكيف يدعى أن هذا مما يجب أن يشتهر. هذا، وقد اعتذر بعض الفقهاء عن اختلاف النقلة فيه بأن من روى أنه كان محرما، فمعناه حال بالحرم، لا أنه عاقد بحج أو عمرة، حرصا من هذا المتأول على تطابق الروايتين، حتى يكون من روى أنه كان حلالا، لا يخالفه من روى أنه كان حراما. ولا يختلف أهل اللغة في أنه يقال لمن كان بالحرم: محرم، كما يقال للحاج أو المعتمر: محرم. وهذا يتأوله من يقول من المعسن المحرم لا يصح نكاحه حتى لا يكون عليه في رواية من روى أنه كان محرما بحجة. وهكذا اعتراض من اعترض بخلاف ابن مسعود في المعوذتين، فإنهما مما يجب اشتهار نقلهما اشتهارا لا يندرس ولا يختلف فيه، كما جرت الحال في غيرهما من سور القرآن. فإنان نقول له: الأمر كما قلت في وجوب اشتهارهما، وهكذا جرى الأمر أنهما مشتهرتان، وإنما خالف ابن مسعود في إثباتهما في المصحف بالكتبة، لا في كونهما قرآنا، وقد بسط القاضي ابن الطيب الكلام على خلافه هذا في كتابه المترجم بالانتصا لنقل القرآن. وأنت إذا تقرر لديك هذا الأصل الذي قدمناه، علمت منه بطلان نقل اليهود عن موسى (ص ٢٠١) أن شريعته مؤبدة، لأنهم في عصر النبي ﵇ لم يوردوا عليه هذا ويحاجوه به، ويقولن: أنت أمرتنا بطاعة من أمرنا بعصيانك، ومثل هذا لو حاجوه به وخصموه وأسكتوه عنهم، لوجب اشتهار نقله، طردا للاصل الذي قدمناه، فإذا لم يشتهر فإنه لم يقل، وإذا لم يقل فإنه باطل. فاقتضى هذا أن القول إنما ادعي بعد عصر النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكرنا لهذا، وذكرنا أيضا ادعاء الإمامية النص على علي ﵁، لأنه قد جرى في سقيفة بني ساعدة يوم اجتمع الصحابة، للنظر فيمن يولونه ما قد اشتهر ونقل فيه ما جرى من بيعتهم لأبي بكر ﵁، وما جرى من علي ﵁ وغيره. ولو كان عندهم نص على عليّّ ما تطابقوا على مخالفته ومعصية الله سبحانه فيه ورسوله فيه، ولا صح أيضا تطابقهم على

стр. 387

كتمانه لما قدمناه، وهذا مما علم أنه لم يكن، ولا أنه أيضا كان ثم اندرس، ولم تكن خلافة أبي بكر أيدت بشوكة وتغلب، كيف وإلى الآن متحزبون لعلي ﵁ ولخلافته، وهم غير مقهورين ولا محمولين على الكتمان؟. وهكذا كان الأمر فيما قيل، ولو اتفق سبب يحمل على الكتمان لم يعم ذلك سائر الأقاليم، و [من] قد رأى نقل السير وما دون منها، وما ناقله الناس فيها، علم صحة ما قلناه من مقتضى العادة في مثل هذه المسألة. وأما قول النصارى: إنكم تزعمون أن عيسى صلوات الله عليه تكلم في المهد، ونحن أقعد منكم وأقرب إلى الاطلاع على هذا، ثم ها نحن لا نعلمه، وهو مما يجب أن يشتهر، فيقال لهم: لو تكلم طفلا في المهد بحضرة الخلق العظيم لوجب أن يشتهر كما قلتم، ومتى ورد آحادا كذب إذا كان الخبر مما لا يندرس، وممكن في العقول أن يكون عيسى تكلم بحضرة آحاد، واطلع الله سبحانه عليه، وأخبرنا نحن به على لسان نبيه ﷺ في كتابه العزيز، كما أخبرنا رسوله بكلام طفلين آخرين في المهد اطلع الله سبحانه على ذلك وأوحى به إليه، ولكنا لا نقطع على كلام هذين الطفلين الآخرين، كما نقطع على كلام عيسى ﵇، لأجل أن كلام عيسى ذكر في القرآن ونحن نقطع على صحته، وكلام الآخرين وإن ذكره البخاري وغيره من أهل الصحيح فلا يبلغ القطع واليقين مثل كلام عيسى ﷺ ، مع أن كلام هذين الآخرين لا يقطع على كذب الرواة فيه، وإن نقلوه آحادا، لأنه وإن كان من العجائب فهو مما يصح أن يندرس، ومثل هذه العجائب متى لم تتماد الدواعي إلى نقلها، فإنها تضمحل وتندرس، أو ينقلها الآحاد، وكلما تقادمت العصور والأزمنة استحكم الاندراس للأخبار. وأما انشقاق القمر، وإن كان الباري سبحانه تكلم به، كما أجبتم بكلام عيسى، وهو أيضا مما يجب أن يشتهر، فما باله لم يشتهر؟ فإن هذا الاعتراض والمحافظة على الأصل الذي قررناه أدى الحليمي إلى أن تأول القرآن، وقال: معنى: (وانشق القمر)، أنه ينشق، وقد يعبر عن المستقبل الكائن عن قريب، فلابد بصيغة الماضي الذي وقع، وتقضي تأكيدا وتحقيقا لوقوعه، ألا ترى قوله سحبانه: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)، معناه سيأتي، وهذا معنى قوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر)، أي اقتربت الساعة وانشقاق القمر.

стр. 388

وهذا التعسف لا حاجة بنا إليه، لأنا نجد جوابا مما قاله المعترض على ذلك الأصل، وذلك أن القمر حدث ذلك فيه بالليل، والناس نيام، ومن كان يقظانا فربما كان في مضجعه، أو في مكان غير بارز إلى السماء، ولو كان بارزا لأمكن أن يكون غير ناظر للقمر في تلك اللحظة التي انشق فيها ثم عاد، ولو كان ناظرا إليه تلك اللحظة لأحال ذلك على فساد وقع في تخيله، أو علة في بصره لا محالة، كما نجد الآن فينا لو تصور لنا في الجو خيالات صور، يعلم أنها لا تكون، فإنا نرجع بذلك إلى أنه عارض خيال فسد، لا سيما إذا كانت أمور تذهب عن قرب حتى لا يمكن تثبت البصر لها، وشدة تحديق المبصر إليها، وذلك أشد وآكد في اعتقاد أن ذاك الذي أدرك ليس على حقيقة ما تخيل. وقد يقدره كوكبا، أو شهابا شق وسط القمر، أو غير ذلك من الأمور التي تفزع إليها نفوس العقلاء ضبطا لعقولها عن الانقلاب إلى ما استمرت أمور العقول على خلافه. وهذا الذي قلناه واضح لكل من تدبر العوائد، فإذا أمكن في العادة هذا لم يكن هدما للاصل الذي قررناه، وإذا لم ينهدم الأصل الذي قررناه فلا حاجة للتعسف على تأويل القرآن بحمله على ما يبعد في حكم المساق. ومتى ورد عليك (ص ٢٠٢) أمثال هذه المسائل فاسلك فيها هذه المسالك التي أريناك طرق الجواب [عنها] تأصيلا وتفصيلا. فصل في خبر الواحد الكلام في هذه المسألة من أربعة أوجه: - أحدها: تحقيق عبارات أطلقها حملة الشرع. - والثاني: هل يثمر خبر الواحد العلم أو الظن؟ - والثالث: يجب العمل به أم لا؟ - والرابع: سبب الاختلاف في وجوب العمل به. فأما الوجه الأول فإن القوم يطلقون هذه العبارة، ومرادهم بها كل خبر قصر عن أن يقع العلم به، ولا يتلفتون إذا لم يقع العلم به إلى كون راويه واحدا أو أكثر منه، ما لم تبلغ الكثرة إلى خبر التواتر الموجب للعلم، فإذا وقع العلم بالخبر لم يسموه خبر واحد، ولو كان راويه واحدا، إذا وقع العلم بخبره ضرورة أو استدلالا، ومقتضى اللغة يسمى مثل هذا خبر واحد وإن وقع العلم به، كما أن مقتضاها منع تسمية ما رواه الجماعة خبر واحد، وإن لم يقع عن خبرهم العلم، فالاصطلاح وقع بخلاف مقتضى اللغة طردا وعكسا.

стр. 389

وهاهنا عبارة ثانية يطلقونها، فيقولون: خبر الواحد يوجب العمل، ورأى أبو المعالي أن في هذه العبارة تساهلا، لأن نفس الخبر لو أوجب العمل لعلم ذلك منه، فيصير حينئذ الخبر قد استفيد منه علم بمعلوم ما، وخبر الواحد لا يثمر علما على حال من الأحوال، وإنما وجب العمل عند سماعه بأمر سواه، وهو الأدلة التي نذكرها فيما بعد. وهذا الانتقاد في هذه العبارة لا يبلغ مبلغ الانتقاد في العبارة الأولى، لأن قولهم في خبر الأربع أنه خبر واحد، كالمخالف للغة حسا وضرورة، على مقتضى تسمية الواحد واحدا في اللغة، وقولهم: خبر الواحد يوجب العمل، ليس بتصريح بالدال على الوجوب، وإذا أمر الشرع بالعمل بخبر الواحد، حسن أن يقال على مقتضى اللغة خبر الواحد يوجب العمل، ولكن من أين قيل: إنه يوجيه؟ ليس في العبارة تصريح به نصا، والأمر في هذا قريب، وإنما نبهناك على تفاوت مراتب الانتقاد في هاتين العبارتين. وأما الوجه الثاني وهو الكلام على ثمرة خبر الواحد فقد تقدمت الإشارة إليه مرارا، وذكرنا مذهب النظام وأنه يراه قد يقع العلم الضروري به، وحققننا مذهبه في ذلك. وقد ذهب ابن خويز منداد إلى إطلاق القول بأنه يوجب العلم، وأضاف هذا المذهب إلى مالك ﵁، وذكر أنه نص عليه، ورأيته أطال في كتابه الكلام على هذا المذهب. ولباب ما يتحصل من مذهبه فيه أنه يراه يوجب العلم الضروري، ولكنه يرى مراتب الأخبار مختلفة تواترا كانت أو آحادا، فيرى أن أعلى مرتبة في الأخبار المتواترة ما تحدث به جميع الناس، ككون بغداد بلدا معمورا، ومكة بلدًا محجوجا إليه. ويلي هذه المرتبة من أخبار التواتر ما لم يتطابق الناس على الحديث به، ولكن إنما حدث به قوم لا يحصرهم عدد كالخبر عما يجري في بعض البلاد بين أهلها من العظائم أو ما في معنى ذلك. ويرى خبر الواحد متفاوتا أيضا، فمنه ما اشتهر وانتشر كما يقع في بعض الأخبار التي خرجها أصحاب الصحيح عن النبي ﷺ . ومنه ما لم يشتره مما قصر على روايه، وهذا هو المرتبة الأخيرة في الأخبار. ويرى أن خبر الواحد لا يقع العلم الضروري به على الإطلاق، دون مضامة أسباب تقويه وتعضده، حتى يثمر الدق ضرورة، ككون راوي الخبر محصلا معروفا بالصدق في أحاديثه، منتفيا عنه مظان التهم في الأخبار، من كونه لا يجر بالخبر نفعا إلى نفسه أو إلى من يتهم عليه ولا يدفع بذلك ضرا ولا غرض له يسهل الكذب عليه. فمجموع أمثال هذه الأحوال يراها كالقرينة المضامة لخبر الواحد المقتضية للعلم الضروري.

стр. 390

وأبهم فرق ما بين مذهبه وبين مذهب النظام، فإنا كنا أشرنا إلى أنه يرى وقوع العلم بخبر واحد عند هذه القرائن، ولكنا مثلنا القرائن هناك بمثل هو أعلى طبقة من هذا الذي حكيناه عن ابن خويز منداد، وقلنا: إن الرجل الرئيس الملحوظ بعين الجلال والكمال في النفس، المحاذر مما يقدح في حفظ الرتبة، إذا خرج من داره حاسرا رأسه، حافيا، يضرب بيد على أخرى، وعبرته لا تكف، مسترجعا، حزينا، يخبر بموت ولده، فإنه يعلم ضرورة صدقه، وذكرنا هناك أن أمثال هذه القرائن ربما دلت على الفجعة بمحبوب على الجملة، وإن كان لم يصحبها نطق ولا إخبار، ونبهناك على أن الخبر قد يستغنى عنه في أمثال هذه الأحوال. وأما العدالة وانتفاء الأغراض، فمجرد هذا لا يستقل قرينة في إثمار العلوم الضروري (ص ٢٠٣)، هذا مما لا أظن النظام يذهب إليه عند من حكى عنه أنه يرى وقوع العلم بخبر الواحد عند القرائن. وأنت ترى فرق ما بين المذهبين، هذا يرى التجرد من القوادح في الخبر كالقرينة المثمرة للعلم، والعلم لا يقتصر على مجرد التجرد من القوادح، بل يعتبر وجود قرائن حسية على ما أخبرناك به. وقد جعل ابن خويز منداد أحد شواهده على أن خبر الواحد يقع به العلم أن الإنسان يضرب الباب على صديقه فيفتح له الخادم الباب، ويقول: قد أذن لك في الدخول فادخل، فيقع له العلم الضروري بصدقها. وكذلك إذا زفت إليه العروس وأخبره بعض أهله أو أهلها، أنها التي عقد النكاح عليها، فإنه يعلم صدق ذلك ضرورة، وأراد أن يجعل وجود هذه الأسباب لها قرائن مثمرة للعلم دالة على التجرد من طريق التهم في قرينة أيضا تثمر العلم. فهذا تحقيق مذهب الرجل، قد كشفناه لك. وذهب قوم إلى أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر دون الباطن. فأما الرد على هذه المذاهب فإنا كنا قدمنا في الرد على النظام ما يغنيك عن إبطالها بوجوه أخر، فاعتمد على ما قدمناه. ويخص ابن خويز منداد القائل بما حكيناه من أن خبر الواحد يثمر العلم على الإطلاق، وقد حكي هذا المذهب عن ابن حنبل أيضا، بأن تقول له: لا أحد من الآحاد أقرب إلى الصدق وأبعد عن الكذب عقلا، وسمتا، وهمة، وحكمة من الرسل صلوات الله عليهم، ونحن لم نصدقهم إلا بعد إقامة المعجزات على تصديقهم، ثم بعد وقوع المعجزات لم نعلم صدقهم، وإنما علمناه بالاستدلال، ولهذا اختلف العقلاء فيهم؛ فمنهم من آمن،
следующие страницы →