← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

"أنه ﵇ أمر بلالا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة"، وقد تكلمنا على هذا في تواليفنا في الفقهيات، شرح التلقين وغيره. ومن ذلك قولهم: وقع اختلاف النقلة في نكاحه ﵇ ميمونة، هل نكحها وهو محرم أم حلال؟ وهذا ليس باعتراض يلتفت إليه، ولا يلحق بهذه الاعتراضات المتقدمة، لأنه لا يخفى على عاقل أن نكاحه ميمونة يصح أن يقع منه بحضرة اثنين أو ثلاثة لا أكثر، وكيف يدعى أن هذا مما يجب أن يشتهر. هذا، وقد اعتذر بعض الفقهاء عن اختلاف النقلة فيه بأن من روى أنه كان محرما، فمعناه حال بالحرم، لا أنه عاقد بحج أو عمرة، حرصا من هذا المتأول على تطابق الروايتين، حتى يكون من روى أنه كان حلالا، لا يخالفه من روى أنه كان حراما. ولا يختلف أهل اللغة في أنه يقال لمن كان بالحرم: محرم، كما يقال للحاج أو المعتمر: محرم. وهذا يتأوله من يقول من المعسن المحرم لا يصح نكاحه حتى لا يكون عليه في رواية من روى أنه كان محرما بحجة. وهكذا اعتراض من اعترض بخلاف ابن مسعود في المعوذتين، فإنهما مما يجب اشتهار نقلهما اشتهارا لا يندرس ولا يختلف فيه، كما جرت الحال في غيرهما من سور القرآن. فإنان نقول له: الأمر كما قلت في وجوب اشتهارهما، وهكذا جرى الأمر أنهما مشتهرتان، وإنما خالف ابن مسعود في إثباتهما في المصحف بالكتبة، لا في كونهما قرآنا، وقد بسط القاضي ابن الطيب الكلام على خلافه هذا في كتابه المترجم بالانتصا لنقل القرآن. وأنت إذا تقرر لديك هذا الأصل الذي قدمناه، علمت منه بطلان نقل اليهود عن موسى (ص ٢٠١) أن شريعته مؤبدة، لأنهم في عصر النبي ﵇ لم يوردوا عليه هذا ويحاجوه به، ويقولن: أنت أمرتنا بطاعة من أمرنا بعصيانك، ومثل هذا لو حاجوه به وخصموه وأسكتوه عنهم، لوجب اشتهار نقله، طردا للاصل الذي قدمناه، فإذا لم يشتهر فإنه لم يقل، وإذا لم يقل فإنه باطل. فاقتضى هذا أن القول إنما ادعي بعد عصر النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكرنا لهذا، وذكرنا أيضا ادعاء الإمامية النص على علي ﵁، لأنه قد جرى في سقيفة بني ساعدة يوم اجتمع الصحابة، للنظر فيمن يولونه ما قد اشتهر ونقل فيه ما جرى من بيعتهم لأبي بكر ﵁، وما جرى من علي ﵁ وغيره. ولو كان عندهم نص على عليّّ ما تطابقوا على مخالفته ومعصية الله سبحانه فيه ورسوله فيه، ولا صح أيضا تطابقهم على

стр. 387

كتمانه لما قدمناه، وهذا مما علم أنه لم يكن، ولا أنه أيضا كان ثم اندرس، ولم تكن خلافة أبي بكر أيدت بشوكة وتغلب، كيف وإلى الآن متحزبون لعلي ﵁ ولخلافته، وهم غير مقهورين ولا محمولين على الكتمان؟. وهكذا كان الأمر فيما قيل، ولو اتفق سبب يحمل على الكتمان لم يعم ذلك سائر الأقاليم، و [من] قد رأى نقل السير وما دون منها، وما ناقله الناس فيها، علم صحة ما قلناه من مقتضى العادة في مثل هذه المسألة. وأما قول النصارى: إنكم تزعمون أن عيسى صلوات الله عليه تكلم في المهد، ونحن أقعد منكم وأقرب إلى الاطلاع على هذا، ثم ها نحن لا نعلمه، وهو مما يجب أن يشتهر، فيقال لهم: لو تكلم طفلا في المهد بحضرة الخلق العظيم لوجب أن يشتهر كما قلتم، ومتى ورد آحادا كذب إذا كان الخبر مما لا يندرس، وممكن في العقول أن يكون عيسى تكلم بحضرة آحاد، واطلع الله سبحانه عليه، وأخبرنا نحن به على لسان نبيه ﷺ في كتابه العزيز، كما أخبرنا رسوله بكلام طفلين آخرين في المهد اطلع الله سبحانه على ذلك وأوحى به إليه، ولكنا لا نقطع على كلام هذين الطفلين الآخرين، كما نقطع على كلام عيسى ﵇، لأجل أن كلام عيسى ذكر في القرآن ونحن نقطع على صحته، وكلام الآخرين وإن ذكره البخاري وغيره من أهل الصحيح فلا يبلغ القطع واليقين مثل كلام عيسى ﷺ ، مع أن كلام هذين الآخرين لا يقطع على كذب الرواة فيه، وإن نقلوه آحادا، لأنه وإن كان من العجائب فهو مما يصح أن يندرس، ومثل هذه العجائب متى لم تتماد الدواعي إلى نقلها، فإنها تضمحل وتندرس، أو ينقلها الآحاد، وكلما تقادمت العصور والأزمنة استحكم الاندراس للأخبار. وأما انشقاق القمر، وإن كان الباري سبحانه تكلم به، كما أجبتم بكلام عيسى، وهو أيضا مما يجب أن يشتهر، فما باله لم يشتهر؟ فإن هذا الاعتراض والمحافظة على الأصل الذي قررناه أدى الحليمي إلى أن تأول القرآن، وقال: معنى: (وانشق القمر)، أنه ينشق، وقد يعبر عن المستقبل الكائن عن قريب، فلابد بصيغة الماضي الذي وقع، وتقضي تأكيدا وتحقيقا لوقوعه، ألا ترى قوله سحبانه: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)، معناه سيأتي، وهذا معنى قوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر)، أي اقتربت الساعة وانشقاق القمر.

стр. 388

وهذا التعسف لا حاجة بنا إليه، لأنا نجد جوابا مما قاله المعترض على ذلك الأصل، وذلك أن القمر حدث ذلك فيه بالليل، والناس نيام، ومن كان يقظانا فربما كان في مضجعه، أو في مكان غير بارز إلى السماء، ولو كان بارزا لأمكن أن يكون غير ناظر للقمر في تلك اللحظة التي انشق فيها ثم عاد، ولو كان ناظرا إليه تلك اللحظة لأحال ذلك على فساد وقع في تخيله، أو علة في بصره لا محالة، كما نجد الآن فينا لو تصور لنا في الجو خيالات صور، يعلم أنها لا تكون، فإنا نرجع بذلك إلى أنه عارض خيال فسد، لا سيما إذا كانت أمور تذهب عن قرب حتى لا يمكن تثبت البصر لها، وشدة تحديق المبصر إليها، وذلك أشد وآكد في اعتقاد أن ذاك الذي أدرك ليس على حقيقة ما تخيل. وقد يقدره كوكبا، أو شهابا شق وسط القمر، أو غير ذلك من الأمور التي تفزع إليها نفوس العقلاء ضبطا لعقولها عن الانقلاب إلى ما استمرت أمور العقول على خلافه. وهذا الذي قلناه واضح لكل من تدبر العوائد، فإذا أمكن في العادة هذا لم يكن هدما للاصل الذي قررناه، وإذا لم ينهدم الأصل الذي قررناه فلا حاجة للتعسف على تأويل القرآن بحمله على ما يبعد في حكم المساق. ومتى ورد عليك (ص ٢٠٢) أمثال هذه المسائل فاسلك فيها هذه المسالك التي أريناك طرق الجواب [عنها] تأصيلا وتفصيلا. فصل في خبر الواحد الكلام في هذه المسألة من أربعة أوجه: - أحدها: تحقيق عبارات أطلقها حملة الشرع. - والثاني: هل يثمر خبر الواحد العلم أو الظن؟ - والثالث: يجب العمل به أم لا؟ - والرابع: سبب الاختلاف في وجوب العمل به. فأما الوجه الأول فإن القوم يطلقون هذه العبارة، ومرادهم بها كل خبر قصر عن أن يقع العلم به، ولا يتلفتون إذا لم يقع العلم به إلى كون راويه واحدا أو أكثر منه، ما لم تبلغ الكثرة إلى خبر التواتر الموجب للعلم، فإذا وقع العلم بالخبر لم يسموه خبر واحد، ولو كان راويه واحدا، إذا وقع العلم بخبره ضرورة أو استدلالا، ومقتضى اللغة يسمى مثل هذا خبر واحد وإن وقع العلم به، كما أن مقتضاها منع تسمية ما رواه الجماعة خبر واحد، وإن لم يقع عن خبرهم العلم، فالاصطلاح وقع بخلاف مقتضى اللغة طردا وعكسا.

стр. 389

وهاهنا عبارة ثانية يطلقونها، فيقولون: خبر الواحد يوجب العمل، ورأى أبو المعالي أن في هذه العبارة تساهلا، لأن نفس الخبر لو أوجب العمل لعلم ذلك منه، فيصير حينئذ الخبر قد استفيد منه علم بمعلوم ما، وخبر الواحد لا يثمر علما على حال من الأحوال، وإنما وجب العمل عند سماعه بأمر سواه، وهو الأدلة التي نذكرها فيما بعد. وهذا الانتقاد في هذه العبارة لا يبلغ مبلغ الانتقاد في العبارة الأولى، لأن قولهم في خبر الأربع أنه خبر واحد، كالمخالف للغة حسا وضرورة، على مقتضى تسمية الواحد واحدا في اللغة، وقولهم: خبر الواحد يوجب العمل، ليس بتصريح بالدال على الوجوب، وإذا أمر الشرع بالعمل بخبر الواحد، حسن أن يقال على مقتضى اللغة خبر الواحد يوجب العمل، ولكن من أين قيل: إنه يوجيه؟ ليس في العبارة تصريح به نصا، والأمر في هذا قريب، وإنما نبهناك على تفاوت مراتب الانتقاد في هاتين العبارتين. وأما الوجه الثاني وهو الكلام على ثمرة خبر الواحد فقد تقدمت الإشارة إليه مرارا، وذكرنا مذهب النظام وأنه يراه قد يقع العلم الضروري به، وحققننا مذهبه في ذلك. وقد ذهب ابن خويز منداد إلى إطلاق القول بأنه يوجب العلم، وأضاف هذا المذهب إلى مالك ﵁، وذكر أنه نص عليه، ورأيته أطال في كتابه الكلام على هذا المذهب. ولباب ما يتحصل من مذهبه فيه أنه يراه يوجب العلم الضروري، ولكنه يرى مراتب الأخبار مختلفة تواترا كانت أو آحادا، فيرى أن أعلى مرتبة في الأخبار المتواترة ما تحدث به جميع الناس، ككون بغداد بلدا معمورا، ومكة بلدًا محجوجا إليه. ويلي هذه المرتبة من أخبار التواتر ما لم يتطابق الناس على الحديث به، ولكن إنما حدث به قوم لا يحصرهم عدد كالخبر عما يجري في بعض البلاد بين أهلها من العظائم أو ما في معنى ذلك. ويرى خبر الواحد متفاوتا أيضا، فمنه ما اشتهر وانتشر كما يقع في بعض الأخبار التي خرجها أصحاب الصحيح عن النبي ﷺ . ومنه ما لم يشتره مما قصر على روايه، وهذا هو المرتبة الأخيرة في الأخبار. ويرى أن خبر الواحد لا يقع العلم الضروري به على الإطلاق، دون مضامة أسباب تقويه وتعضده، حتى يثمر الدق ضرورة، ككون راوي الخبر محصلا معروفا بالصدق في أحاديثه، منتفيا عنه مظان التهم في الأخبار، من كونه لا يجر بالخبر نفعا إلى نفسه أو إلى من يتهم عليه ولا يدفع بذلك ضرا ولا غرض له يسهل الكذب عليه. فمجموع أمثال هذه الأحوال يراها كالقرينة المضامة لخبر الواحد المقتضية للعلم الضروري.

стр. 390

وأبهم فرق ما بين مذهبه وبين مذهب النظام، فإنا كنا أشرنا إلى أنه يرى وقوع العلم بخبر واحد عند هذه القرائن، ولكنا مثلنا القرائن هناك بمثل هو أعلى طبقة من هذا الذي حكيناه عن ابن خويز منداد، وقلنا: إن الرجل الرئيس الملحوظ بعين الجلال والكمال في النفس، المحاذر مما يقدح في حفظ الرتبة، إذا خرج من داره حاسرا رأسه، حافيا، يضرب بيد على أخرى، وعبرته لا تكف، مسترجعا، حزينا، يخبر بموت ولده، فإنه يعلم ضرورة صدقه، وذكرنا هناك أن أمثال هذه القرائن ربما دلت على الفجعة بمحبوب على الجملة، وإن كان لم يصحبها نطق ولا إخبار، ونبهناك على أن الخبر قد يستغنى عنه في أمثال هذه الأحوال. وأما العدالة وانتفاء الأغراض، فمجرد هذا لا يستقل قرينة في إثمار العلوم الضروري (ص ٢٠٣)، هذا مما لا أظن النظام يذهب إليه عند من حكى عنه أنه يرى وقوع العلم بخبر الواحد عند القرائن. وأنت ترى فرق ما بين المذهبين، هذا يرى التجرد من القوادح في الخبر كالقرينة المثمرة للعلم، والعلم لا يقتصر على مجرد التجرد من القوادح، بل يعتبر وجود قرائن حسية على ما أخبرناك به. وقد جعل ابن خويز منداد أحد شواهده على أن خبر الواحد يقع به العلم أن الإنسان يضرب الباب على صديقه فيفتح له الخادم الباب، ويقول: قد أذن لك في الدخول فادخل، فيقع له العلم الضروري بصدقها. وكذلك إذا زفت إليه العروس وأخبره بعض أهله أو أهلها، أنها التي عقد النكاح عليها، فإنه يعلم صدق ذلك ضرورة، وأراد أن يجعل وجود هذه الأسباب لها قرائن مثمرة للعلم دالة على التجرد من طريق التهم في قرينة أيضا تثمر العلم. فهذا تحقيق مذهب الرجل، قد كشفناه لك. وذهب قوم إلى أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر دون الباطن. فأما الرد على هذه المذاهب فإنا كنا قدمنا في الرد على النظام ما يغنيك عن إبطالها بوجوه أخر، فاعتمد على ما قدمناه. ويخص ابن خويز منداد القائل بما حكيناه من أن خبر الواحد يثمر العلم على الإطلاق، وقد حكي هذا المذهب عن ابن حنبل أيضا، بأن تقول له: لا أحد من الآحاد أقرب إلى الصدق وأبعد عن الكذب عقلا، وسمتا، وهمة، وحكمة من الرسل صلوات الله عليهم، ونحن لم نصدقهم إلا بعد إقامة المعجزات على تصديقهم، ثم بعد وقوع المعجزات لم نعلم صدقهم، وإنما علمناه بالاستدلال، ولهذا اختلف العقلاء فيهم؛ فمنهم من آمن،

стр. 391

ومنهم من كفر، ولو كان معلوما ضرورة ما اختلف العقلاء فيهم. وقد أشار هو إلى الانفصال عن هذا الإلزام، بأنه يرى أن من القرائن تجرد الخبر عن التهم، وقد يتهم الرسول في دعوى النبوة بالرغبة في الرياسة والطاعة، فلهذا افتقر إلى المعجزة. وهذا يبطل عليه، ولو فرضنا الحال في مدع للنبوة، وقد علم ضرورة من قرينة حاله أنه لا يطلب علوا في الأرض ولا فسادا. فإنا لو فرضنا هذا لم نعلم صدقه حتى يأتينا بمعجزة، ويقال له: قد رفعت عنك المعجزة، وعند كل مسلم التهمة بالحرص على الرياسة، فيلحق خبرهم بخبر من لا يتهم، ويقع به العلم الضروري، ولو اتفق أن يسمع خبرهم من لا يخطر له التهمة بطلب الرياسة على بال لوجب على أصلك أن يعلم ضرورة صدقهم، وهو لا يعلمه حتى يأتوا بمعجزة تدل على صدقهم. وها نحن نرى المدعين للحقوق يردون على القضاء، كعدد الوبل في سائر الأعصار وفي سائر الأمصار، ولو ادعى أعبد أهل الزمان وأزهدهم بفلس على أرذلهم ما أعطى بدعواه، ولا وقع العلم بصدقه، ولكن مراتب الظنون تختلف في القوة والضعف حتى يكون منها ما يكاد يلحق بقوته العلم الملزم به، ولكن النفس مع هذا ملتفتة إلى التجويز والتشكيك، فمهما رأيت في نفسك في آحاد الصور من دعوى مدع، أو خبر مخبر ما يرتاب منه بصحة ما قال ابن خويز منداد، فاعلم أن ذلك ظن بلغ في قوته أعلى مراتب الظنون، فلا تغلط فيه فتختلط عليك الحقائق. وقد حكينا عنه ﵀ أنه قسم الأخبار على المراتب التي ذكرناها، وإذا كان جميعها عنده مثمرا للعلم الضروري لم يصح التقسيم، لأن العلم لا يتفاوت في نفسه، وقد قدمنا فيما سلف أنه لا تفاوت بين العلم الضروري والنظري في نفس تعلقهما بالمعلول على ما هو به، فكيف بعلوم ضرورية؟ تلك أبعد من أن تتفاوت في نفسها في تعلقها بالمعلوم على ما هو به، وقد ذكرنا عنه أنه أضاف القول الذي قال به إلى مالك ﵁، وذكر أنه نص عليه، ونحن لم نعثر على هذا النص، ولعله ﵀، رأى لمالك مقالة تشير إلى هذا، ولكنها متأولة، فقدرها نصا، فكيف وحذاق أصحابه ﵃ يعتذرون عن قوله: إن الصغير إذا بلغ وقام له شاهد بأن لأبيه على رجل دينا، فإنه يحلف معه ويقولون: كيف استجاز ﵁ أن يبيح للصغير الحلف على مغيب لا يعرف صحته ويقول في يمينه: لقد شهد شاهدي بالحق، وهو مع هذا يجوز أن يكون الشاهد كذب، ويقولون: إنما يحلف الصغير إذا تواتر عنده الخبر، حتى علم صدق الشاهد، ويشيرون إلى حمل كلام مالك ﵁ على هذا؛ ولو كان عندهم أنمالكا ﵁ يرى أن خبر الواحد يقتضي العلم لم يفتقروا إلى هذا التأويل المستنكره، ولقالوا: إنما سوغ اليمين لكون الصغير عِلمَ ضرورة صدق شاهده.

стр. 392

وأما من حكينا عنه أن خبر الواحد يثمر العلم الظاهر دون الباطن، فإن هؤلاء الظاهر عندهم (ص ٢٠٤) أنهم يشيرون إلى أنه يثمر الظن، وإنما عبروا عن ذلك بهذه العبارة إشعارا بقوة الظن وتأكده، ومزاحمته للعلم. وأما القطع على صحة مغيبة فبعيد عن التحصيل، وقد يتعلق هؤلاء بقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار)، والإيمان على الحقيقة هو اعتقاد في القلب، وما في سبحانه ثمرة الظن علما لنا بأنهن مؤمنات، فقال عز من قائل: (فإن علمتموهن مؤمنات)، ولولا أن خبر المرأة عن نفسها بأنها مؤمنة بقتضي أن يعلم السامع لهذا الخبر إيمانها، لم يقل سبحانه: (فإن علمتوهن مؤمنات)، بل يقول: فإن ظننتموهن مؤمنات. والتعلق بمثل هذا في مثل هذه الحقائق الجلية بعد عن التحقيق، والحقائق القطعية الجلية لا يعول فيها على إشارات تلوح من ظواهر خفية، ونحن نعلم قطعا أنا إذا فاجأتنا امرأة لم نرها قط، ولا نعرف قومهاه بإيمان ولا كفر، فقالت: إني مؤمنة، فإنا نجوز أن تكون كذبت وقالت ذلك لغرض لها، وإنكار تجويز هذا وكونه محسوسا في قلوب العقلاء مراغمة للحقائق. فإن اقترن بقولها قرائن، وطالت المصاحبة والانبساط والمكاشفة والبروح بما ترى الضمائر، فهاهنا يصح أن يذهب ذاهب إلى أنه يعلم إيمانها ضرورة من قرائن أحوال أخبرت عن إيمانها أو لم تخبر، ولاحظ في خبرها حينئذ للعلم، بل إنما الحظ كله للقرائن المصاحبة كصلواتها وصومها، وما يبدو من خوفها من الله سبحانه على وجه يعلم أنه غير مستعمل، بل راسخ في ضميرها، وغير بعيد تسمية النطق بالشهادتين إيمانا لما كانت علما على الإيمان، كيف وقد ذهب جماعة من حملة الشرع إلى عدها من جملة الإيمان وإذا صح بطلان هذه المذاهب صح ما ذهب إليه الجماهير من العلماء من كون خبر الواحد إنما يثمر الظن لا العلم. وأما الوجه الثالث وهو نقل المذاهب في العمل بخبر الواحد، فقال: اختلف الناس في ذلك: فقال بعضهم: لا يعمل به، ولا يجوز في العقل أن يتعبدنا الله سحبانه بالعمل به. وقال آخرون وهم الجماهير من علماء الأمة: بل يجوز من جهة العقول أن يتعبدنا الله سبحانه بالعمل به، واختلف هؤلاء؛ هل تعبدنا بذلك أم لا؟ فقال الشذوذ: منهم لم يتعبدنا الله به، واختلف هؤلاء الشذوذ أيضا، فمنهم من نفى

стр. 393

ذلك لعدم وجود دليل شرعي على العمل، ومنهم من نفى ذلك لأنه اعتقد ورود الدليل السمعي بمنع العمل به. وقال الدهماء من العلماء: بل تعبدنا الله سبحانه بالعمل به، واختلف هؤلاء أيضا في طريقة العلم بالتعبد به، فقال من شذ منهم: إن العقول دلت على وجوب التعبد به، وقال الجمهور: لا مدخل للعقول في هذا، وإنما علمنا بوجوب التعبد به بالدلالة السمعية، وشذ بعض هؤلاء أيضا فرأى أن الدلالة السمعية إنما وردت بالتعبد به على أحكام ما وردت به في الشهادة، فلا يقبل عنده خبر واحد عن النبي ﵇، وإنما يقبل خبر اثنين عدلين، أو رجل واشترط في النقل تضاعف العدد، فلا يقبل من التابعين إلا أربعة عن اثنين من الصحابة، ومن تابعي التابعين إلا ثمانية ليكونوا قد نقل اثنان عن كل واحد من الأربعة، والأربعة عن كل واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وهكذا التضعيف حتى يبلغ الأمر إلى عصرنا، وبذلك يخاطب من بعدنا من العصور، وهذا المذهب يضاف إلى الجبائي. وسائر من أثبت العمل بخبر الواحد يخالفه، ولا يشترط عددا في النقل في العصر الأول، ولا فيما بعده من الأعصار، وعلى هذا الأئمة من فقهاء الأمصار، فهذه جملة المذاهب المذكورة في هذا الباب. وأما الوجه الرابع وهو سبب اختلاف هذه المذاهب فلنبدأ بمذاهب المختلفين في جواز التعبد به عقلا، فنقول: ورود التعبد عند حصول ظن يظنه الإنسان لا إحالة فيه، وذلك أن الله سبحانه إذا قال: [إذا] رأيتم الشمس فصلوا، فلا امتراء في صحة التعبد بهذا، وهكذا إذا قال: إذا ظننتم أنا لشمس قد زالت فصلوا، ولا فرق بين أن يعلق وجوب الصلاة علينا على إحساسنا على خلقه في قلوبنا أو ظننا خلقه في قلوبنا أيضا، كيف وقد تعبدنا بذلك فقال (ص ٢٠٥) فقيه مجتهد عدل وقد استفتيته: هذا عليك حرام، وأنت لا تجد من تقلد سواه، فإن التحريم لازم، هذا والقاضي يجوز على الفقيه أن يكون غلط أو تعمد التحريف عن الحق، وهكذا يسمع الحاكم شهادة عدلين بأن هذا قتل هذا، فيأمر بإراقة دمه، فيبيح الدم ويريقه، ولم يحصل له إلا خبر شاهدين قد يكونان في الباطن فاسقين أو يكونان عدلين في الباطن، ولكنهما كذبا غلطا وسهوا. وهكذا الفقيه المجتهد يفتي في مسألة بتحريم أو تحليل لأجل قياس أو اجتهاد، ولا يحصل له منه إلا الظن. فمن ألفى الشرائع واردة بهذه الأنواع، وسلم أن العقول لم تمنع منها ولا أحالتها،

стр. 394

فكيف يطمع أن يتخيل ذو تحصيل من منع ورود التعبد بأن يقول الله سبحانه: إذا روي لك راو عدل أنه سمع النبي ﵇ يأمر بكذا، فاعمل على ما نقل لك عنه، وإن كنت تجوز الغلط على الناقل، فإني رفعت الحرج عنك فيه، وإن غلط وأنت ممتثل أمري في ذلك كامتثالك أمري فيما أمرتك به من اتباع رسولي فيما قاله لك شفاها، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى إطناب. ثم إن أمثل ما يورده هؤلاء المحيلون للتعبد بذلك، أن المصلحة في العبادات والجري على مقتضى الحكمة واجب، وليس من المصلحة والحكمة للخليقة إراقة دمائهم واستباحة أموالهم بخبر لا يعرف باطنه، ولا يدري سامعه هل هو صدق أم كذب. وأنت في جوابهم عن هذا بالخيار، فإما أن تمنعهم من نقلهم الفاسد في تعليق التكاليف على المصالح، وقد مضى في صدر هذا الكتاب في إبطال مذهبهم فيه، وإبطال ما بنوه عليه من التحسين والتقبيح العقلي ما فيه إيضاح للحق، وإما أن تسلمه لهم، وتمنعهم من كون خبر الواحد خروجا عن الحكمة والمصلحة، إذ لا يمتنع أن يكون صلاح العالم وانتظام أمورهم في قبولهم خبر العدول عن عدوهم لعدة التواتر في الأخبار، وقبوله ما يوجد منها معلوما علما ضروريا، وإما أن تناقضهم بما قدمناه من ورود التعبد بقبول شهادة شاهدين، وقبول قول مفت واحد عمل فيه بقياس مظنون، وتسألهم عن الفرق بين هذا كله، وبين خبر الواحد فلا يجدون فرقا إلا الخوض في خيالات واضحة الفساد، كقولهم إن المفتي والقاضي والشاهد أمورهم مقصورة على شخص بعينه، والخبر عن النبي ﷺ يتوجه على سائر الناس، وهذا فرق منهم من غير موضع الجمع، لأنا قلنا قد ورد التعبد بالمظنونات، ولم يكن ذلك تغريرا بالأحكام، ولا فسادا في الحكمة والمصلحة، فكذلك خبر الواحد في ورود التعبد به، وإن كان ظنا. هذا وقد يقضي القاضي، ويشهد الشاه، ويفتي المفتي بأمور تتعدى إلى الجماعات، وقد ينقل عن النبي ﷺ ما يخص فيلزم العمل به. وهكذا يجابون إن قالوا: إن الرسول ﷺ لا يقبل خبره إلا بمعجزة تثمر العلم بصدقه، فخبر غيره أولى أن لا يقبل، ونحن لا نعلم صدقه، لأن الرسول تعبدنا بأن نعلم صدقه، والظن لا يكفي عن العلم والقطع لكونهما ضدين، ونحن تعبدنا في خبر الواحد بالظن. هذا ونحن نقول: لم نعمل في خبر الواحد بالظن، بل عملنا بالعلم، وبما قام عليه

стр. 395

الدليل القاطع، وهو الإجماع على وجوب العمل بخبر الواحد عل ما ستقف عليه إن شاء الله . فمتعلق الظن غير متعلق [العلم]، فالمظنون صدق الخبر، والمعلوم المقطوع به وجوب العمل عند سماعه، فلم يعمل إلا بدليل قطعي أيضا. وهكذا إن قالوا: يجوز إثبات القرآن، وإثبات أصول الديانات، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد، وجوزوا أيضا العمل بخبر الفاسق. قلنا: أما العقول فتجوز ذلك فيها عندنا، ولو تعبدنا الله سبحانه بأن نعمل بمضمون آية رواها واحد، دون أن نقطع بصدقه لم يكن هذا محالا عندنا، كيف وقد صار إليه قوم من الأئمة، وإلى أن ذلك يعمل به كما سنحكيه في موضعه إن شاء الله، وهكذا العمل بخبر الفاسق، وبخبر العدل في أصول الديانات، فإنه لم يمنع عندنا عقلا، وإنما منع سمعا، هذا سبب الاختلاف في الإحالة والجواز. وأما سبب الخلاف؛ هل ورد التعبد به أم لا؟ فإنا كنا ذكرنا عن القوم الذين نفوا ورود التعبد به، أن منهم من نفاه لأنه لم يعلم دليلا سمعيا ورد به، ومنهم من نفاه لأنه علم ورود الدليل السمعي بالمنع منه، فأما من نفى ذلك وزعم أنه لم يعلم فنحن سنريه كيف ورد السمع به، حتى نزيل عنه ما شكاه من عدم العلم. وأما الآخرون الذي صمموا على نفي العمل، وزعموا أن السمع ورد بالمنع منه، فإن متعلقهم في ذلك كتاب وسنة واستقراء من (ص ٢٠٦) آثار الصحابة، على حسب ما سنسلكه نحن في نصرة مذهبنا، كما ستراه إن شاء الله. فأما متعلقهم من الكتاب فقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقوله: (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)، وقوله تعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين* إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، واستدل القاساني بقوله تعالى: (ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم)، وخبر الواحد لم يحكمه الله تعالى كما أحكم آياته، وعضد استدلاله في منع التعبد به أيضا بأن القياس والاجتهاد في فروع الدين واجب، فيجب أن تكون الأصول المقيس عليها محصورة حتى يصح القياس في المنتشر على المنحصر، وإذا كانت الأصول غير محصورة لم يصح القياس، وأخبار الآحاد لا تنحصر. وهذا الذي تعلقوا به لا يخفى ضعفه على محصل، أما قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، فإن سياق الآية يدل على أن القصد بهذا القول النهي عن المجازفة والهجوم

стр. 396

على حقائق الديانات والعلوم بغير علم ولا نظر يؤدي إلى العلم، ونحن لا نثبت خبر الواحد مجازفة ورجما بالظنون واتباعا لما يخطر بالبال من وسواس النفس، بل إنما أثبتناه بالدليل القاطع الذي أدانا إلى العلم اليقين، فما اقتفينا إلا ما لنا به علم، ولا اتبعنا إلا أمرا تيقنا صحته. ويقال لهم: لم كانت هذه الآية دليلا علينا، دون أن تكون دليلا عليكم، بأن نقول لكم: أنتم في نفيكم العمل بخبر الواحد، ومصيركم إلى أنه لا يحل أن يعمل به في الدين قد افتفيتم ما ليس لكم به علم. فإن قالوا: بل اقتفينا ما لنا به علم. قيل لهم: فأوردوه من غير هذا الآية، واتركوها لا دليل فيها لنا ولا لكم على ما نحن فيه. وكذلك يجري في الجواب عن قوله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، لأنه ذكر فيما قبل النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وأشار إلى علة النهي، بأنه يدعونا إلى السوء والفحشاء، وأن نتقول على الله سبحانه الكذب وما لا نعلمه، ونحن قد علمنا أن الله سحبانه أمر بالعمل بخبر الواحد، فلم نقل على الله سبحانه إلا ما نعلم. وهكذا قوله: (إن تتبعون إلا الظن)، لأن الله سبحانه إنما ذكر هذا بعد أن ذكر عن الكفرة أنهم يسمون الملائكة تسمية الأنثى رجما بالظنون، وخيالات فاسدة لا أصل لها، ونحن إنما أثبتنا خبر الواحد بدليل أدانا إلى العمل اليقين، والظن ليس في وجوب العمل، وإنما الخبر نفسه هو المظنون صدقه، وكلامنا على العمل به، لا على حقيقة الصدق والكذب. وأما ما استدل به القاساني فلا مدخل له في هذه الآية، ورد في سياق الآية ما نعلم منه، أن ما نحن فيه ليس منها في ورد ولا صدر، وقد قال تعالى: (وما أرسلنا من قلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته)، والمراد إحكام آيات القرآن، وما نحن فيه خارج عن هذا. ولنا أن نقول له: سنتلو عليك من القرآن آيات محكمات تدل على وجوب العمل بخبر الواحد حتى يصير العمل به من جملة الآيات التي أحكمها الله سبحانه. وأما تعويله على كون الأصول يجب أن تكون محصورة، وخبر الواحد لا انحصار فيه، فهذا وإن كان خارجا عن التعلق بالقرآن، فإنما ذكرناه لكونه من كلام الرجل الذي نحن في مخاطبته. والجواب عنه أن خبر الآحاد محصورة، لأنا لا نقبل الخبر من كل من جاء به، حتى يشترط فيه صفات سنذكرها فيما بعد، وهؤلاء الرواة الموصوفون بهذه الصفات قد دون ما رووه ونقل عنهم، فالفقيه إذا حاول الاجتهاد في مسألة بحث عن جملة السنن والأخبار الواردة فيها، فإذا انضبطت له، نظر في أسانيدها ومتونها بحسب ما يعرفه النظار،

стр. 397

ومر على طرق النظر حتى يكملها، وإن جوز من ناحية العقول أن يكون من ذكر خبرا لم ينتبه إليه، فذلك ساقط عنه وهو غير متعبد بما لا يعلم، إذا أنهى الاجتهاد نهايته فما نظر إلا في أمور محصورة عنده. وأما تعلق هؤلاء بالسنن فإنهم يقولون قصة ذي اليدين مشهورة عند الفقهاء والمحدثين، وقد أخبر النبي ﵇ بأنه نقص من الصلاة فلم يرجع النبي ﵇ إلى خبره حتى استطيع أبا بكر وعمر ﵄، فلما صدقاه رجع إلى إكمال الصلاة، فلو كان خبر الواحد مقبولا لرجع النبي ﵇ إلى خبر ذي اليدين. وهذا استدلال ضعيف، لأن أحكام (ص ٢٠٧) الصلاة قد تقتضي ما فعل، وللفقهاء كلام طويل في وجوب رجوع الإمام إلى من خلفه إذا أخبره بأنه لم يكمل الصلاة؛ هل يراعي في ذلك خبر رجلين أو يراعي في ذلك خير جماعة كثير، وهل يرجع إلى بقيتهم وإلى ما أخبروه مع التصميم على غلطتهم في خبرهم، أو إنما يرجع إليهم إذا خامره [شك]، وهل يوجب عليه مخامرة الشك بعد سلامه دون جبران، فرجع إلى الباء على يقين، كما يفعل ذلك إذا شك قبل السلام أم لا؟ ومن عرف طرق الفقهاء في هذا علم تطرق الاحتمالات إلى هذا الاستدلال، إذا عرض الخبر الوارد على هذه الوجوه، فمن الممكن أن يكون النبي ﵇ بقي على تصميمه، وأنه أكمل الصلاة، فلما أخبره أبو بكر وعمر بخلاف ما عنده، خامره الشك فقام وأكمل. وقد مر ابن خويز منداد في الجواب عن هذا على ما قدمناه من أصله أن خبر الواحد يثمر العلم الضروري، وليس كل خبر يثمره، وإنما يثمره من الأخبار ما اقترنت به قرائن، ويرى التجرد من طرق الاسترابة قرينة، ولم يتجرد للنبي ﵇ عند خبر ذي اليدين بل استراب خبره، وأمكن عنده غلطه، حتى أخبره أبو بكر ﵄ فتجرد الخبر من الريبة، فوقع له العلم. ويقال لهم: أيضا لو كان خبر الواحد غير مقبول لم يرجع إلى الإكمال بخبر أبي بكر وعمر، لأن المخبرين ثلاثة، وقد قدمنا أنا إذا قلنا: خبر الواحد، فإنا نشير إلى الواحد، والاثنين، والثلاثة، والأربع، وإلى كل ما لا يقع العلم بخبره. وإنما قد يحسن أن يتعلق بهذا من قال: يقبل خبر الاثنين ولا يقبل خبر الواحد. وقد يتعلق هؤلاء بالحديث الوارد فيه عن النبي ﵇ أن ما جاء من الحديث عنه يقبل، إذا كان موافقا لكتاب الله، ويرد إذا لم يوافق، الحديث، ما ذكروه، وقد قيل: إنه

стр. 398

خبر غير صحيح، وبالجملة فلم يخرجه من المحدثين من اشترط واشتهر كتابه بها. هذا ولو صححناه فهم يردون خبر الواحد فكيف يطمعون أن يقبل منهم على أصلهم رد خبر واحد، ثم تقابل هذا بما روي أنه ﵇ قال: "لا أرى أحدا منكم يكذبني بعد موتي. فقيل له: كيف يكذبك بعد موتك يا رسول الله؟ قال يتكئ على أريكته، فإذا حدث عني قال: لا أجد هذا في كتاب الله" الحديث كما وقع، وهذا ظاهره مخالف لما ذكروه. وأما استقراؤهم من الصحابة ﵃ فإنهم يقولون قد رد الصديق خبر المغيرة، وعمر خبر أبي موسى، وعلي خبر أبي سنان، وعائشة خبر ابن عمر، إلى غير ذلك مما يذكرونه. ونحن نبطل هذا عليهم بأن نريهم أضعاف ما ذكروه من الأحاديث ممن قبلته الصحابة حتى تعارض ما أوردناه [مع] ما ذكروه، ونبين وجه المعاذير في رد ما ردوه، إذا انتهى إليه الكلام في كتابنا هذا. وأما القائلون بوجوب العمل به فسبب اختلافهم في طريقة الوجوب أن من صار منهم إلى أن مدرك الوجوب العقل، وهم شذوذ فإن هؤلاء يبنون مذهبم على القول بالمصالح في التكاليف، وإثبات التحسين والتقبيح العقلي، ونحن قد تكرر منا ذكر مخالفتهم في هذا الأصل، وأوضحنا بطلانه، على أنهم يتنازعون في تصور المصلحة فيه، فإن قالوا: التواتر يعز وجوده، فالحكمة تدعو إلى العمل بخبر واحد. قيل لهم: ولم عز وجوده؟ وفي مقدور الله سبحانه أن يجعل كل خبر متواترا، وأن يكلف نبيه ﷺ إلقاء كل حكم لجماعة من أصحابه، ويأمرهم بنقل ذلك عنه، ويأمر من بعدهم بذلك. وأما الصائرون إلى أن مدرك ذلك السمع دون العقل، فإنهم يتعلقون بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة ﵃. فأما الكتاب فتعلقوا منه بقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، وقد كثر من المخالفين لنا المدافعة عن التعلق بهذه الآية، وأمثل ما دافعوا به عنها، أن هذا تمسك بدليل الخطابب، ودليل الخطاب مختلف فيه بين الأصوليين، لا سيما وقد ذكر سبب نزول الآية، وذلك أن النبي ﷺ ولي رجلا عاملا على الصدقات، فعاد إليه فذكر له عن قوم أنهم منعوا الصدقة، وأرادوا قتله، وهم الرسول ﷺ أن يبعث إليهم الجيش، أنزل الله تعالى هذه الأية، آمرا فيها بالتثبت فيما نقله هذا. والقصد منها التنبيه على فسقه في الباطن، وأنه بخلاف ما ظن ﵇ به، من أنه عدل في الظاهر. وجوابنا عن هذا أن نقول: قد علم أن كثيرا من العلماء صائرون إلى القول بدليل

стр. 399

الخطاب، وإلى أن العموم (ص ٢٠٨) إذا نزل على سبب تعدي سببه وأخذ بحكم اللفظ وعمومه، فلا مطمع لهم في مدافعة هؤلاء. وأما الآخرون الذين ينكرون هذا، فإنا كنا قدمنا أن الوصف المتعلق به الحكم، إذا كان لفظا مشتقا من معنى مخيل بالحكم مناسبا له، فإنه يكون علة للحكم، وهذا اللفظ في هذه الآية واضح في الإخالة بالحكم، لأن الفاسق الذي لا دين له ولا مروءة، ولا يتقي عار الكذب وفضيحته، يعلم منه أنه لا زاجر له عن الكذب، وأنه يتساهل فيه فلا يوثق بخبره، ولا يجد الإنسان في نفسه الإصغاء إلى قوله والتعويل عليه، بخلاف ما يجده العقلاء في أنفسهم إذا أخبرهم العدل الورع المتحفظ على دينه، إنه دينه وروعه يزجره عن الكذب ويمنعه منه، والنفوس مائلة إلى قوله معتقدة صدقه، فلو كان الفاسق والعدل سواء، لم يكن لهذا المعنى المخيل بالحكم الذي هو رد للخبر معنى، ولا كان لذكره وجه ولا فائدة، ولكان الخطاب: إذا جاءكم واحد بخبر فتبينوا، أو إذا جاءكم العدل بخبر فتبينوا، لينبه بالعدل على أن الفاسق أولى بالتثبت في خبره، وإذا أمرنا بالتثبت فقد تضمن ذلك الرد لخبره وأنا لا نعمل به ولا نعول عليه. وهذا من جنس استدلال أئمتنا على أن المؤمنين يرون الله سبحانه يوم القيامة لقوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، فدل ذلك على أن المؤمنين غير محجوبين، لأن سياق هذه الآية وما قبلها يقتضي أن الكفار مهانون مخزيون مطردون عن ربهم لأجل كفرهم، فلو كان المؤمنون محجوبين أيضا لم يكن لهذا التخصيص بالهوان والطرد والخزي معنى يزجر الكفار عن كفرهم. ودافعونا أيضا عن الآية بأن قالوا: قال تعالى في سياق أمره بالتثبت في خبر الفاسق ما أشار به إلى التعليل لأمره فقال: (أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، والواحد العدل إذا أخبر بخبر، فإنا نجوز كذبه، وإذا عملنا بخبره خفنا أن نصيبب القوم بجهالة فنندم على ما فعلنا إذا اطلعنا على كذبه. فيقال لهم: إذا كانت العلة في رد خبره تجويز الكذب عليه، فلا تقبل شهادة عدول في شيء من الحقوق لجواز كذبهم، ولأن القاضي قد يطلع في ثاني حال على أنهم كذبوا فيندم على ما أراق بشهادتهم من دماء وأباح من فروج وأموال، ورد الشهادات في سائر الحقوق معلوم من دين الأمة ضرورة فساده. فإن قالوا: يلزم على هذا التعليل ما قلتموه، ولكن خص من هذا التعليل الشهود بالإجماع. قيل لهم: بين الأصوليين اختلاف في جواز تخصيص العلة الشرعية، فمن أحال ذلك منهم فلا مطمع لكم فيه أن يقبل هذا الانفصال، وأما من أجاز ذلك فإنه يقول: التقدير في التعليل غير ما قدرتموه، والجهالة هاهنا السفاهة والتهون في الأمور والهجوم عليها

стр. 400

بمقتضى أول خاطر من خواطر النفس ووسواسها، والفاسق قد قررنا أن خبره كالعدم، وأنه لا يظن صدقه في خبره، بل ربما ظن كذبه، فالهجوم على استباحة الدماء والأموال بخبره هجوم على ذلك بحكم خواطر النفس ورجم الظنون التي لا تستند إلى أصل، والقصد تنبيه النبي ﵇ على أن الرجل ليس بعدل في الباطن كما ظن به، وإذا ثبت عند النبي ﵇ أنه ليس بعدل بهذا الوحي، صار الإقدام على العمل بخبره هجوما على الأمور برجم الظنون، ولو كان المراد ما قالوه من أن كل من جوز العقل كذبه، فإن العمل بخبره جهالة لم يكن للتقييد بذكر الفاسق هاهنا معنى، بل كان يقول: إذا جاءكم واحد أو آحاد من الرجال فتثبتوا، لجواز كذبهم. وبالجملة فإنك إذا استمسكت بذكر الفسق هاهنا، ورأيت أن السياق يشهد على أنه علة في الرد، وأن العلة مخيلة مناسبة للحكم هان عليك إبطال ما حاجوك به مما ذكرنا، ومما لم نذكره في هذه الآية. وتعلق أصحابنا أيضا بآية ثانية وهي قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، والفرقة عبارة عن جماعة، وأقل الجماعة على أحد القولين ثلاثة، وطائفة الشيء بعضه، وبعض الثلاثة واحد، فخرج من هذا أن المراد بقيد فخرج واحد لينذر من رجع قومه، لا سيما إذا حملنا قوله تعالى: (قومهم) على أن المراد به إنذار كل واحد في نفسه لقومه، وإنما جمعوا بعد تقدير الافتراق في الإنذار، وأن واحدا إذا أنذر قومه ثم واحدا واحدا، حسن هاهنا الجمع في قوله: (ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم). وقد دافع المخالف عن هذه الأية أيضا (ص ٢٠٩) بأن قال: المراد إنذار جماعة لقومهم، ونحن قدمنا الانفصال عن هذا لما أريناك وجه الاستنباط من الآية، وأن الفرقة إذا كانت ثلاثة فبعضها واحد، فهذا انفصال عما دافعونا من هذا الوجه. ودافعوا أيضا بوجه ثان، وهو أن المراد فتوى من يفتي، والمفتي يصح أن يكون واحدا. وأجيبوا عن هذا بأنه عطف على ذلك: (ولينذروا قومهم)، والإنذار الإخبار بما يجب [أن] يحذر منه، وهذا خلاف الفتيا. فدافعوا عن هذا أيضا بأن قالوا: لو سلمنا هذا كله، لم يقتض أكثر من أمر الواحد بالإخبار والإنذار، ولكن لا يتضمن هذا أن المنذرين يجب عليهم القبول منه والعمل

стр. 401

بإنذاره، وكم في الشريعة من حكم يختلف في مثل هذا، والشاهد الواحد يجب عليه أن يشهد إذا تعين ذلك عليه، ولا يجب على القاضي قبول ذلك منه والعمل بشهادته حتى ينضاف إليه الآخر. والمحارب إذا طلب المال وخاف المطلوب [منه] من القتل إن لم يبذل ماله، فإنه مأمور ببذل ماله، والمحارب منهي عن أن يقبل منه ما بذل. والجواب عن هذا أن سياق الآية يدفع هذا التأويل، لأنه سبحانه قال: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، فلو كان التعبد والتكليف إنما ورد على صفة ما قالوا، بأن تعبد الله هذا الواحد بأن ينذر قومه، وتعبد قومه بأن لا يقبلوا منه، كما تعبد القاضي بأن لا يقبل من الشاهد الواحد، لم يكن لقوله تعالى: (لعلهم يحذرون) معنى، لأنهم لم يجب عليهم الإصغاء إلى قوله وتصديقه حتى يحذروا ما حذرهم منه. وقد تعلق بعض أصحابنا بآية ثالثة، وهي قوله تعالى: (ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم)، والأذن هو الذي يسمع كل ما يقال، وجعل الله سبحانه ذلك خيرا لنا، فاقتضى ذلك قبول خبر الواحد. والتعلقُ يمثل هذا لا وجه له عندي لظهور ضعفه، وإنما يحسن التعلق بالآيتين اللتين قدمناهما، وأقواهما في التعلق آية الحجرات، على أنك قدر رأيت ما فيها من الاعتراضات والانفصالات عنها. فأما كونها ظاهرة في الاستدلال على قبول خبر العدل فلا شك فيه، وأما إلحاقها بمرتبة النصوص التي لا تحتمل التأويل، فهذا مما لا ينظر فيه، وقد قدمنا لك في كتاب التأويلات ما تزن به كل تأويل حتى تعلم ما يخرك عن كون ما تعلقت به نصا وما لا يخرجك عنه، وتعلم مرتبة اللفظ إن خرج عن كونه نصا في طبقة الظواهر. فإن خفت التشغيب عليك إذا تعلقت بهاتين الآيتين فلتتعلق بالسنن. وقد نبه الشافعي على وجه التعلق بها فقال: إن النبي ﵇ بعث رسله وعماله وسعاته إلى سائر الجهات والأقاطر مبلغين عنه ما أنزل عليه من الأحكام، فلو كانوا لا يجب القبول منهم لم يكن لإرسالهم معنى، وهذا الذي نبه عليه الشافعي استدلال صحيح، وقد تواترت الأخبار من جهة المعنى والمعقول على أن الرسول ﷺ أرسل رسله على الجملة بالشرائع والأحكام إلى جهات شتى، وفهم أن الغرض القبول منهم، والتسليم إليهم ما بعثوا فيهم. فإن قيل لك: هذا فعل من النبي ﵇، وأفعاله مقصورة عليه، أو ليست على الوجوب على [ما] تقدم ذكره في باب أحكام الأفعال؟، فإنك تقول [ذلك] هاهنا، أما من صار إلى التعلق بأفعاله فلا دافع له عن هذا الاستدلال، وأما من توقف فيها فإنه يرى أن المفهوم عن الصحابة والأمة العمل بمثل ما عمل به والاعتماد عليه، فحوجك هذا إلى أن تتمسك بالإجماع، وسنبينه.

стр. 402

وقد وقع في الحديث المشهور في موطأ الإمام ﵁ وفي غيره من الدواوين الصحاح، قوله ﵇ لأم سلمة: "ألا أخبرتيه أني اقبل وأنا صائم"، وكان الرجل بعث زوجته إلى أم سلمة لتسألها، فلولا أن قبوله خبر زوجته وتعويله على خبر الواحد كان مشهورا عندهم لما بعث زوجته، إذ لا فائدة له في بعثها إن لم يعمل بخبرها، وكذلك قوله ﵇ لأم سلمة: "الا أخبرتيها أني أقبل وأنا صائم"، فلو كان لا يلزم الرجوع إلى إخبار أم سلمة عن النبي ﵇، لم يكن لأمره ﷺ لها بأن تخبر الرجل بحكم القبلة في الصوم فائدة ولا معنى. وفيه أيضا أن يؤمر بها من سواه لأنه إنما أحاله على فعله. فأنت إذا التقطت أمثال هذا من غضون الأحاديث قد تجد في خلال ذلك ما يكثر حتى يصير كالمتواتر. وأما الاستدلال بالإجماع فاعلم أن ثبوت ذلك تواترا يكون تارة على الجملة، وتارة على التفصيل، فالذي ينقل تواترا على التفصيل يكثر تعداده، كنقل خلائق من الناس قتل رجل بعينه، أو لعطية أعطاها رجل لرجل، والذي نقل على الجملة يكثر تعداده أيضا كعلمنا بكرم حاتم، وحلم الأحنف، وفصاحة قس، وليس في الدنيا كلام متواتر يحفظ بعينه عن قس، ولا عطية معينة عن حاتم، وإنما حصل ذلك على آحادية كثيرة وقعت (ص ٢١٠) من حاتم دلت على كرمه، وهذا ما نحن فيه، لأنا نورد عليك أخبارا كثيرة أفرادها نقلت آحادا، ومجموعها صار متواترا، ومحصول مجموعها عمل الصحابة رضوان الله عليهم بخبر الواحد. - فمن ذلك رجوع الصحابة ﵃ في أن النبي ﵇ لا يورث إلى خبر الصديق ﵁ بذلك. - ورجوعهم لما اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين إلى أزواج النبي ﵇. ورجوع الصديق ﵁ في فسخ قضية أخبر بها إلى خبر بلال. - ورجوعه في توريث الجدة إلى خبر المغيرة ومحمد بن مسلمة. - ورجوعه في توريث المرأة من دية زوجها إلى الخبر الذي روي له في ذلك. - ورجوعه أيام الطاعون إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، بعد أن استشار الصحابة واختلفوا عليه، وكان عبد الرحمن غائبا في بعض حاجاته، فلما أتى فقص اختلاف الصحابة

стр. 403

عليه، فأخبره أن عنده من هذا علما، فحمد الله عمر، ثم انصرف. الحديث مشهور في الدواواين الصحاح. - وهكذا أيضا رجع إلى خبره في أخذ الجزية من المجوس لما أخبر بقوله ﵇: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". - وهكذا رجع ﵁ في دية الأصابع إلى خبر عمرو بن حزم في الديات بعد أن كان يرى اختلاف دية الأصابع، وأن في الإبهام خمسة عشر، وفي الخنصر خمس، وفي البنصر تسع، وفيما سوى هذه الثلاث عشر، عشر. - ورجع أيضا عثمان بن عفان ﵁ في خبر السكنى إلى الفريعة بنت مالك. - ورع علي ﵁ إلى خبر المقداد في خبر المذي، على أنا نبهنا في كتاب "المعلم" بما في حديث علي ﵁، وكان ﵁ يحلف من أخبره عن النبي ﵇ بخبر، وإذا أخبره الصديق لم يحلفه فيقول: أخبرني الصديق، أخبرني أبو بكر، وصدق أبو بكر. - وقد رجع ابن عمر ﵁ في المخابرة إلى رواية رافع بن خديج. - ورجع زيد بن ثابت في جواز أن تنفر الحائض قبل طواف الوداع إلى الحديث الذي روي له في هذا. وهذا لو تتبع خرج عن الحد والحصر، وأنت إذا طالعت ما صنف في هذا من كتب المحدثين والفقهاء التقطت من هذا الجنس ما لا يكاد يحصى، ومثل هذا يدل على أنهم ﵃ مجمعون على العمل بخبر واحد، لأن مثل هذه الكثرة من القصص لا تكاد تنكتم وتخفي، فكانوا ما بين راو لخبر، وعامل به، ومسلم للرواية والعمل، فصار ذلك منهم إطباق على العمل، إذ لو كان العمل به حراما لكانوا أجمعوا على خطأ ومعصية، لأنهم ما بين عامل وراض بالعمل مسلم له. وهذه عمدة يعول عليها في إثبات العمل بخبر الواحد، وهي معتمد الحذاق من الأصوليين. وقد رويت أخبار تتضمن ردهم لخبر الواحد، وهي سبب اختلاف من حكينا عنه اختلافهم في إجراء الخبر مجرى الشهادة، فلا يقبل فيه إلا اثنان. وقد ذكرنا أنه قد يتعلق بها أيضا من ينكر العمل بخبر الواحد جملة، وإن كان راوي الخبر رجلين، ويرون ذلك دلالة سمعية، ونحن نورد عليك الآثار تعلق بها هؤلاء، ثم نجيب عنها:

стр. 404

فمن ذلك قولهم: إن أبا بكر الصديق ﵁، لما سأل عن ميراث الجدة، فروى له المغيرة بن شعبة أن النبي ﵇ أطعمها السدس، لم يقبل ذلك منه، حتى روى له محمد بن مسلمة أن النبي ﵇ ورثها. - وهكذا عمر بن الخطاب ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة. - ورد خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان عليه ثلاثا، ثم انصرف، فرده واستعلم السبب منه فأخبره فتهدده إن لم يأت بآخر يخبر عن النبي ﵇ بمثل ما أخبر، حتى أتى أبو سعيد الخدري فأخبره بمثل خبره. - وهكذا رد الصديق وعمر ﵄ خبر عثمان بن عفان ﵁ على جلالته ـ لما أخبرها بأن النبي ﵇ أذن للحكم بن أبي العاص في رجوعه إلى المدينة. - وهكذا رد علي ﵁ [الخبر] الذي روي له في نكاح التفويض في قصة بروع بنت واشق. - وهكذا ردت عائشة خبر ابن عمر لما روى أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه. والجواب العام عن هذه الأحاديث أن نقول: قد أوردنا عليكم من الأحاديث المتضمنة لقبولهم خبر الواحد ما يكثر تعداده، وتواتر المعنى المراد منه، ورويتم أنتم أحاديث ردوها، فإذا كان النقلان صحيحين، فلابد أن ننظر في الذي يعول عليه منها، فنقول: إذا تعارضت الأخبار وأردنا رفع التناقض منها بنيناها وجعلناها وإرادة على اختلاف أحوال، فأنتم ليس عندكم لخبر الواحد حالان، بل إنما له حالة واحدة عندكم وهي (ص ٢١١) الاقتضاء برده على الإطلاق، فلا حيلة لكم في الاعتذار على أصلكم الفاسد في اختلاف هذه الأخبار، بل أنتم مضطرون إلى تكذيب روايتها، وهذا لا سبيل إليه، أو إضافة التناقض والاضطراب والوقع في الخطأ إلى الصحابة ﵃، ومعاذ الله منه، فكل مذهب أدى إلى هذين الأمرين فهو باطل. ونحن لا نقول إن كل خبر يقبل، ولا نقول: إن كل خبر يرد، بل نقول: يجب قبول بعض الأخبار إذا كانت على شروط وصفات، ولا يجب قبول بعضها إذا عدم منها تلك الشروط والصفات، فيحمل ما قبلوه على أنهم رأوه قد تكامل فيه قبول الصحة والقبول، ويحمل ما ردوه على أنه عري من ذلك، وفقدوا فيه شروط الصحة، فلا نضيف إلى الأخبار كذبا، ولا إليهم ﵃ تناقضا وغلطا، وهذا واضح قاطع في الجواب عن جميع ما قالوا، ولا يبقى عليه إلا سؤالان، إذا أجبنا عنهما لم يتخالج اللبيب شك في صحة ما قلناه.

стр. 405

فأحد السؤالين أن يقال: بينوا هذه المعاذير التي ردوا الأخبار بسببها، فنقول لهم: لا يلزمنا في حكم الجدل بيانها، وإنما يلزمنا أن نحيل على معاذير على الجملة، ونحيل تفصيلها ومعرفتها عليهم، وإذا كان فعل مستنكر في الظاهر، وعلم العاقل حذر فاعله على الجملة خرج بعلمه ذلك الفاعل عن أن يكون وقع في قبيح، كما يخرج الفاعل عن ذلك إذا علم عذره على التفصيل. وإن تطوعنا بالإشارة إلى تفصيل المعاذير فقد قيل: - أما الصديق ﵁ فيمكن أن يكون طلب الاستظهار في توريث الجدة بزيادة راو آخر، ولا حرج في الحاكم أن يتطلب مزيدا من البينات، وقد استقلت من ناحية الشرع، إذا طلب فيها زيادة الوضوح عنده، ويمكن أيضا المغيرة لما روي له أنه أطعمها السدس صار ذلك كحكم في شخص خاص شهد به، فأراد استعلام خبر يقوي به عنده إمضاء الحكم. - وأما عمر ﵁ فإنه قد قيل: إن أبا موسى الأشعري صار كالمطلوب بأمر لما تهدده عمر، فصارت روايته كالشهادة لنفسه بما ينفي عنه ما طلب منه وهدد به، فلهذا احتاج عمر ﵁ إلى خبر غيره. وغير هذا الاعتذار أولى منه، وهو أنه ﵁ طلب أيضا مزيدا في الاستظهار، وقد صرح بهذا فقال لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على النبي ﵇، فاشار إلى أن ذلك منه حسما لمواد الريب عن الأخبار، وأشار إلى التقليل منها ومجانبة الإكثار، إذا خيف الوقوع في الغلط والوهم. - وأما رد الصديق وعمر ﵄ خبر عثمان، فقد قيل: إنه كان مشهورا بشدة الميل لأقاربه، والحكم من أقاربه، وإنما نقل أن النبي ﵇ قضى لواحد من أقاربه بحق ما، وهو رجوعه إلى المدينة، وذلك كالشهادة على قاض بأنه قضى لإنسان بقضية، ألا تراهما ﵄ قالا له ﵃ إنما أنت شاهد واحد. - وقيل: إن عليا ﵁ إنما رد خبر أبي سنان لأنه استرابه، ولم يره ممن يقبل مثل هذا الخبر [منه]، وأخبره أنه لا يرجع إلى قول أعرابي بوال على عقبيه. - وهذا مثل العذر عن رد عمر ﵁ خبر فاطمة، لأنه قال: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري نسيت أو كذبت، وكانت أيضا قصتها معروفة، وسبب إخراجها في العدة بذاءة لسانها، فرأى أن مثل هذا الخبر لا يقبل منها لمخالفته كتاب الله عنده، ولأنه كان له سبب معلوم.

стр. 406

- وهكذا عائشة ﵂ إنما عولت في رد خبر ابن عمر على قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وذكرت أن خبره ورد في معنى مخصوص. وقد ذكرنا أن من الأخبار ما لا يقبل لعلل فيه، وربما كانت العلة من ناحةي سنده، وربما كانت من ناحية متنه أو من ناحية قيام أدلة بخلاف. وهذا كاف في الجواب عن هذه الأخبار، وإذا اتضح الجواب عنها جملة وتفصيلا، بطل تعلق من تعلق بها في مصيره إلى إنكار العمل بخبر الواحد على الإطلاق، وبطل أيضا تعلق من تعلق بها في أنه لا يقبل [خبر] واحد، وإنما يقبل اثنان على ما فصلنا مذهبه في ذلك، وفي هذا كفاية. وقد أشرنا في تفصيل مذهبه إلى أنه يرى تضاعف الأعداد بقدر تكرار الأعصار، وهذا المروي على أصله يعطل جل أحكام الشرع، فإنا بيننا وبين عصر النبي ﵇ اعصر كثيرة، فإن قدرنا أن الخمسمائة عام التي بيننا وبين النبي ﵇ خمس أعصر لم نقبل خبرا حتى يكون عدد رواته لنا اثنين وثلاثين رجلا، ولو قدرنا أنا في العصر السابع مثلا لم نقبل خبرا حتى يكون رواته مائة وثمانية وعشرين رجلا، وهذا إسراف يؤدي إلى تعطيل الشرع وعدم الفائدة بكل ما في الدنيا من كتب الأحاديث، وهذا واضح البطلان. والسؤال الثاني أن يقال: دفعتم أحاديثنا، فإنهم إنما ردوها لعلل وأعذار، كما أنكرتم أن يقال: إنهم لم يعملوا بأحاديثكم التي رويتموها، وإن عملوا بأدلة ضامتها. وقيل: هذا معلوم (ص ٢١٢) بطلانه قطعا من جهة ما فهم من النقل عنهم، وكما قطعنا من جهة النقل على أنهم عملوا بأخبار الآحاد، فكذلك قطعنا من جهة الفهم لهذا النقل، على أنهم إنما عولوا في العمل عليها دون ما سواها، كيف وعمر ﵁ كان يرى الجنين إذا خرج ميتا أنه لا شيء فيه، فلما روي له حديث المغيرة رجع إليه، وقال: كدنا أن نقضي فيه برأينا، وهكذا فعل في حديث الطاعون، فإنه رجع عند سماع حديث عبد الرحمن، وهذا مفهوم من طريق النقل وسياق الحديث. وهكذا ما جرى للصديق ولغيره ﵁ من وقف على سياق الأخبار وتتبع ألفاظها، علم قطعا أنهم لم يرجعوا إلا إليها، ولم يبحثوا عما سواها بعد سماعها، وقد رجعوا في كثير منها بعد أن وقوفا وأعياهم البحث والنظر فلم يعثروا على شيء، وهذا كتاب الله تعالى موجود بني أظهرنا، وليس فيه دلالة على حكم كثير مما رجعوا إليه عند سماع الأخبار، ولو كان فيه دلالة ما استشار الصديق الصحابة، ولا استشارهم عمر أيضا، وهذا واضح يستغنى بوضوحه عن الإطناب فيه.

стр. 407

فصل فيما يقبل أو يرد من أخبار الآحاد قد مضى الكلام في تقسيم الأخبار إلى التواتر والآحاد، ومضى الحكم على مقتضى أخبار الآحاد من ظنون أو إعمال، وذكر أبو المعالي أن الذي يبقى بعد هذا أربعة فصول: أحدها القول في صفة الرواة، والثاني: الإرسال والإسناد، والثالث: في كيفية التحمل، والرابع في كيفية الرواية. فأما الفصل الأول وهو الكلام في صفة الرواة فاعلم أن الاتفاق قد حصل على أنه لم يجب قبول كل خبر على الإطلاق، كما لا يجب رد كل خبر على الإطلاق، فلابد من فاصل يفصل بين ما يرد وما يقبل، والأصل الجامع لما نحن فيه أن المطلوب الثقة بالخبر المسموع وسكون النفس، وهذا لا يوجد في كل خبر، كما لا يقال: إنه يعري منه كل خبر. وأما تفصيل هذا القول الجامع فإن مالكا ﵁ قد روى عنه معنى أنه قال: لا يؤخذ الخبر من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم: سفيه معلن بالسفه، وصاحب بدعة يدعو إلى ضلالته، ومن يعرف بالكذب على الناس، وإن كان يصدق في حديثه عن رسول الله ﷺ ، ومن كان لا يعلم هذا الشأن ولقد أدركت بين هذه الأساطين سبعين رجلا لو اؤتمن أحدهم على بيت مال لأدى أمانته، فما أخذت عن أحد منهم حرفا، فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لأنهم لم يكونوا يعرفون هذا الشأن. وهكذا ذكر عن الشافعي أنه تعرض لتفصيل هذا أيضا، فذكر الثقة والأمانة، وعلم ما يروي، والضبط له، إلى غير ذلك مما ذكره مما في معنى هذا. وأما الأصوليون فإنهم ذكرا ما ذكره أبو المعالي من اشتراط العقل، والبلوغ، والعدالة، ولكن بعضهم أسقط ذكر اشتراط العقل هاهنا ورآه من الكلام الفارغ، لأن العدالة لا تحصل إلى بعد حصول العقل، فذكرها يتضمن كون الراوي عاقلا. كما لا يحسن أن يشترط كونه حيا لأجل العلم بأن وصفنا إياه راويا يتضمن كونه حيا، وهذا سلكه القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الانتقاد على هؤلاء في اشتراطهم العقل هاهنا، وما أرى الأمر ينتهي إلى ما أشار إليه من كون هذا الكلام فارغا، لأنا قد نعرف رجلا بالعدالة فيتغير ميزه، ويفسد عقله في حال، فيتحدث حينئذ ويروي رواية، فإنا لا نقبلها منه، وإن كان موصوفا حينئذ بأنه عدل. ولا شك أن إطلاق هذه التسمية عليه حينئذ وإن كان ينظر فيها من جهة أخرى، هل إطلاقها عليه حقيقة أو على جهة المجاز؟ بمعنى أنه كان قبل فساد عقله عدلا، والأمر في

стр. 408

هذه المناقشة قريب، والغرض متفق عليه، وهو أن لابد من كون الراوي قاصدا لما يرويه، عارفا بصيغ ما يورد، وهذا لا يصح [إلا] مع سلامة العقل، فهذا الكلام في الشرط الأول وهو العقل. وأما اشتراط البلوغ فإنه لا يغني عنه اشتراط العقل، عند من رأى أن المراهق عاقل، وقد قدمنا مذهب القاضي في هذا، ومذهب غيره. فأما اعتبار البلوغ فعلى وجهين: أحدهما اعتباره حين تحمل الرواية، والثاني اعتباره حين أدائها. فأما اعتباره حين التحمل فالذي عليه المشاهير من الفقهاء والأصوليين أن ذه لا يعتبر، وأن الصغير إذا سمع حديثا قبل بلوغه أو تحمل شهادة حينئذ، ثم بلغ فروى ما سمع، وشهد بما كان علم به أن ذلك مقبول منه، ويعمل بروايته، ويقضي بشهادته إن كان عدلا. وذهب قوم إلى أن ذلك لا يقبل منه حتى يكون سماعه لما يعيه ومعاينته لما يشهد به، إنما كان ذلك منه بعد بلوغه، وهذا مذهب ضعيف، لأن المعتبر في المحتمل إمكانه (...) (ص ٢١٣) به. وقد قدح في هذا الاستدلال أن خبر العبد يقبل ولو أقر على نفسه بما يؤدي إلى غرامته وهو غير مأذون له لم يقبل، وهذا يدل على أن الخبر عن الغير لا يقاس على الخبر عن النفس، هذا أيضا، ولم يسلم من القحد فهو قياس من جنس أقيسة الفقهاء فتحري فيه على ما قلناه من رده إن كانت المسألة قطعية. وأما الشرط الثالث وهي العدالة فإنا سنتكلم فيما بعد عن حقيقة العدالة وما يتعلق بها. وأما اشتراطها في الراوي على الجملة فإن الراوي لا يخلو من ثلاثة أقسام؛ إما أن يكون معلوم العدالة، أو معلوم الفسق، أو مجهول الحال. فأما معلوم العدالة فلا كلام في قبول شهادته. وأما المعلوم الفسق فلا يخلو من أن يكون فسقه واقعا منه عن عمل منه بأنه فسق كالزنا والسرقة وقتل النفس المحرمة، وإما أن يكون وقع منه عن تأويل كاستباحة الخوارج للأموال والدماء، أو كنفي المعتزلة علم الله سبحانه وقدرته مع مصيرهم إلى أنه عالم قادر على أحد القولين عندنا في أن ذلك لا يقتضي تكفيرهم، وإنما يقتضي تفسيقهم. ولا شك أن الخوارج والمعتزلة معتقدون أنهم مصيبون فيما قالوه وفعلوه، متقربون إلى الله سبحانه، فلم يقع منهم

стр. 409

هذا الفسق أو الكفر إلا عن تأويل. فأما الفسق المقصود إليه عن علم بكونه فسقا كالزاني وقاتل النفس، فإن الاتفاق حصل على أنه يوجب رد الرواية. وذكر أبو المعالي أن أصحاب أبي حنيفة، وإن باحوا بقبول شهادة الفاسق فإنهم لم يبوحوا بقبول روايته، والذي أشار إليه من قبولهم شهادة الفاسق كثر الاضطراب في نقل هذا المذهب عنهم، ولا شك في أنهم صرحوا بصحة انعقاد النكاح مع حضور شاهدين فاسقين، لم يحضره من الشهود سواهما، وخالفوا في ذلك الشافعي في مصيره إلى أن النكاح لا ينعقد ولا يصح إذا اقتصر فيه على حضور شاهدين فاسقين. وبعض أئمتهم ينكر إثبات النكاح بشهادة فاسقين، وبعضهم يرى أن شهادة الفاسق تثبته، وتوجب القضاء به عند التجاحد. وذكر أبو المعالي في بعض مصنفاته الفقهية، أن الذي تحصل له من مذاهب القوم أنهم يصرفون قبول شهادة الفاسق إلى اجتهاد القاضي، فإن غلب على ظنه صدقه مضى شهادته، وإن مضى على ظنه كذبه رد شهادته. وإلى هذه المعاني أشار أبو المعالي بقوله: "وإن باحوا بقبول شهادة الفاسق فإنهم لم يبوحوا بقبول روايته". فأما الشافعي فلا يحتاج إلى اعتذار عن مذهبه، لأنه ساوى بين الأمرين في شهادة الفاسقين، فقال: لا يثبت انعقاد النكاح بحضورهما، ولا يقضي به عند التجاحد بشهادتهما، لأنه يرى الشهادة في النكاح شرطا فيه كالولي عندنا لورود الحديث عنده بذلك، كما ورد في الولي. والمفهوم من الشرع أن حضور الشاهدين إنما يقصد به الاحتياط للفروج، والقضاء بالنكاح عند التجاحد، وهذا لا يصح إلا أن يكون الشاهدان ليسا بفاسقين. وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم يرون أن ورود الشرع باشتراط حضور شاهدين حين العقد تعبد غير معقول المعنى، والفاسقان يسميان شاهدين، فدخلا في الظاهر، بخلاف لو حضر النكاح صبيان، أو عبدان، وأو ذميان، فإن هؤلاء لا يسمون شهودا. وأما من اجترأ منهم على القضاء بالنكاح عند التجاحد بشهادة فاسقين ليطرد اصله، حتى لا يفرق بين حال الانعقاد وحال القضاء، فإن ذلك غلو وإسراف ومراغمة لما مضى به عمل المسلمين من اعتبار العدالة في القضاء بشهادة الشهود على الجملة. وقد ذكر عنهم أنهم سلموا [أن] حد الزنا لا يقام بشهادة الفساق، وسلموا أن الراوي إذا كان فاسقا لا تقبل روايته، وهذا ينقض عليهم ما ذكروه من القضاء بشهادة فاسقين بثبوت النكاح، وقد وقع التجاحد فيه. فهذا الكلام في الفسق الواقع عن عمد وقصد.

стр. 410

وأما الفسق الواقع على جهة التأويل كما ذكرناه في اعتقاد المعتزلة والخوارج، فإن الأصوليين مختلفون في قبول رواية مثل هؤلاء، فمنهم من رأى أن ذلك لا يمنع من قبول الرواية، لأنه إنما وقع وفاعله يعتقد أنه مما يقربه إلى الله سبحانه، فلم يظهر منه من قلة مبالاته بالدين ما يتهم به في روايته، بخلاف الزاني وقاتل النفس. ويحتج هؤلاء بأنه كإجماع من الصحابة، لأنهم قبلوا شهادة من قاتل عثمان وروايته، وقبلوا رواية الخوارج أيضا. ومن الناس من رأى أن ذلك يمنع من قبول الرواية، وهذا الذي نصره القاضي أبو بكر ابن الطيب. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: الواجب قبول ذلك منهم، إلا أن يكون فسقا يؤدي إلى البراءة والضلال، والكفر الواقع على جهة التأويل كمذاهب الخوارج إذا كفرناهم بها على أحد القولين، يجري على هذا الاختلاف المذكور، وقد اختلف الفقهاء في قبول شهادة الكافر أو الفاسق على جهة التأويل، فمنهم من قبلها، وإلى ذلك صار الشافعي في أهل الهوى (ص ١١٤)، واستثنى منهم الخطابية من الرافضة لأجل أنهم يرون الشهادة لمن وافقهم عمن خالفهم، ومنهم من ردها، ومنهم من فرق بين الكافر بالتأويل والفاسق بالتأويل، فرد شهادة الكافر بالتأويل، وقبل شهادة الفاسق بالتأويل. ويجب أن يجري هذا الخلاف في رواية الراوي، وقد ذكرنا اختلاف القاضي أبي محمد عبد الوهاب، وأنه رأى أن من كان فاسقا من جهة الحكم، فإن روايته مقبولة، إلا أن يقضتي ذلك البراءة والضلال، فإن كان أشار بهذا إلى التفرقة بين الكافر المتأول والفاسق المتأول فهو المذهب الثالث الذي حكيناه. وهذا الذي وقع في هذا الفصل من هذه العبارة هو لفظ جرى على ألسنة العلماء، وإما فكل كافر متأول، واليهود والنصارى متأولون، لأجل أنهم يعتقدون أنهم مصيبون في مذاهبهم، ويستدلون على صحتها، لكنهم لا تطلق عليهم هذه العبارة، وإنما يطلقها العلماء على من كان من أهل القبلة، فاعتقد اعتقادا أداه إلى كفر أو فسق، وإذا تحققت أن كل كافر متأول حتى اليهود والنصارى، فإن لك أن تجعل الاتفاق على رد رواية اليهود والنصارى حجة في رد رواية الكافر المتأول، لما نبهناك عليه من أن الكل متأولون في كفرهم. وتدين الرهبان المنطقعين عن الدنيا من أهل الكفر، وتحريهم الصدق في أحاديثهم لا يبيح قبول روايتهم، فكذلك ما اعتل به من قال من أصحابنا بقبول رواية الفاسق المتأول من أنه يدين بتحريم الكذب، ويتحرى الصدق، لأن الرهبان بهذه الصفة، ومع هذا فخبرهم غير مقبول.

стр. 411

ونحن وإن كنا قدمنا أن المطلوب من الرواية حصول الثقة، فإنا لا نقتصر على مجرد هذا، بل نقيده بإضافة شرائط إليه تعبدية الشرع، وكم من صبي وبعد يوثق بما يقول، ويعلم منه اعتياده الصدق، ثم مع هذا لا تقبل شهادته، وإن حصلت الثقة بقوله. ولهذا نبه مالك ﵁ في الكلام الذي قدمناه على هذه المعنى لما ذكر الأربعة الذين لا تقبل روايتهم، فعد منهم من يكذب على الناس، وإن كان يصدق في الحديث عن رسول الله ﷺ ، فرأى أن اعتياده الصدق في حديث عن النبي ﵇ لا يوجب قبول حديثه عنه لجرحته بالكذب على الناس، فمجرد الثقة عمدة معتبرة، ولكن مع إضافات تضاف إليها. ولقد كنت أسمع في سن الحداثة من إمام أئمة اللغة أشياء من اللغة، وكنت أراه من تحرية الصدق في محكيه، وهروبه إذا استثبت في لفظة عن النطق بها لأدنى شك يعرض له، ما كان يربى فيه على كثير من العدول المتحفظين، لكنه غير ثابت العدالة، وفي نفسي إلى الآن سكون شديد إلى ما كان يخبرني به من اللغة، وثقة أكيدة، لكني لم أدخل شيئا من كلامه في كتبي المتعلقة بهذا الشأن، دون اختباره من الدواوين، لأجل ما قدمته من أن الثقة وسكون النفس إلى الخبر لا يستقل ذلك بمجرده، دون شرائط تنضاف إليه، ولأجل قول مالك في مثل هذا الرجل أن اعتياد الصدق فيما يحكي من العلوم لا يقتضي القبول مع التلطخ بجرحه تقتضي التهمة. وبالجملة فإن الثقة التي أشرت إليها في هذا الرجل لا تلحق بالثقة فيما يحكيه العدل الورع إذا التفت النفس إلى تذكار الفاسق، وأن فسقه قد يخفف عليه ركوب الكذب، لكن متى تعامت النفس عن ذكر الجرحة، ونظرت إلى اعتياد الصدق سكنت إلى الخبر. وأما اعتماد من اعتمد على قبول الصحابة لرواية قتلة عثمان، ورواية الخوارج، فإنا لا نسلم له إجماع الصحابة على ذلك، ولا نمنع أن يكون بعضهم قبل ذلك، لأنا ذكرنا أن قبول ذلك مختلف فيه بين الأئمة. وأما المجهول الحال وهو يسمى في العرف مستورا، فإنما العلماء مختلفون في روايته وشهادته، فأصحاب أبي حنيفة يقبلون روايته ويقبلون شهادته ولكن إذا شهد في الأموال، وأما إن شهد في الحدود أو الفروج فإن شهادته لا تقبل. وذكر بعض الناس عن الشافعي أنه يرى قبول روايته، وتمسك في هذا بأن الشافعي يرى انعقاد النكاح بشهادة المتسورين بخلاف الفاسقين، وبعض أصحاب الشافعي ينكر هذا، ويقول: قبول الرواية يتنزل منزلة القضاء بالناح، لا منزلة انعقاد النكاح، والنكاح لا نقضي فيه عند التجاحد بشهادة مستورين، فكذلك لا تقبل رواية المستورين. وقد حكى المحاملي أن عندهم اختلافا في صحة انعقاد النكاح بشهادة المستورين، فذكر أن بعض أصحابهم قال: لا ينعقد النكاح بحضورهما، فهؤلاء أبطلوا الأصل الذي

стр. 412

استقرأ منه هذا ما استقرأه في الرواية، ويرى هؤلاء أن القصد بحضور شاهدين القضاء عند التجاحد، فإن كان لا يقضي بشهادة المستورين فلا ينعقد بحضورهما. وبعض أصحاب الشافعي يرى أنه ينعقد بشهادة المستورين، وهو ظاهر مذهبهم، ويرى هذا أن من اقتصر على حضور فاسقين فقد أخل بالحزم، وترك الاحتياط لما يتوقع من جحود، والمستوران قد يعدلهما إذا احتاج (ص ٢١٥) إليهما، فما أضاع من اقتصر عليهما الحزم، كما أضاعه من اقتصر على فاسقين. وقد احتج من قبل رواية المستور بأن النبي ﵇ "قبل شهادة الأعرابي في الهلال". وأجيب عن هذا ثلاثة أجوبة: - أحدها: أنه أخبر واحد فلا مدخل له في المسألة أصلا. - والثاني: أن النبي ﵇ علم عدالته، ولم يذكرها الراوي، كما علم إسلامه ولم يذكره الراوي. - والثالث: أنه يمكن أن يكون أدى الشهادة حين اسلم، ولم يقترف بعد إسلامه ذنبا. واحتج أصحاب هذا المذهب أيضا باستصحاب الحال، وأن الإنسان عند بلوغه لا ذنب له، فيجب أن يبقى على هذا الحكم، وهذا ضعيف لأن استصحاب الحال لا مدخل له في هذه المسألة، كيف وقد كنا على يقين أنه لم يذنب، ونحن الآن شاكون فيه؛ هل أذنب أم لا؟ فقد حُرِمنا ما كنا عليه من يقين، فلا معنى لاستصحاب مثل هذا. واتحجوا أيضا بأنا مأمورون بتحسين الظن بالمسلمين، والوقف عن خبر المستور إساءة ظن بهم. وأجيب عن هذا بأن المراد بهذا الأمر ألا تطلق الألسنة فيهم بقبيح، ولا نضيف إليهم معصية، ولا نغتابهم. وأما خبر من يجهل حاله فإنا لم نؤمر به، واحتج من لم يقبل رواية المستور بأن الصحابة صلى الله عليهم كانوا لا يقبلون إلا خبر من علموا عدالته، ومعلوم من حالهم أنهم كانوا لا يبادرون إلى العمل بخبر كل من جاءهم ممن لا يعرفونه، ولا رأوه قبل خبره. وقد اعتمد أبو المعالي على هذا، وقد لا يسلم له هذا الإجماع. وقد رأيت الشيخ أبا بكر بن فورك في كتابه الذي ألفه في أصول الفقه اختار قبول خبر المستور، وأشار إلى أنه مذهب الصحابة. قال: وكانوا يقبلون خبر الأعرابي، وقبل

стр. 413

النبي ﵇ خبر الأعرابي بالهلال. فأنت تراه كيف أشار إلى إجماع الصحابة بعكس ما أشار إليه أبو المعالي، فأولى أن نعتمد على طريقة أخرى فلنقول: إن العمل بخبر الواحد لا توجبه العقول، فإنما صرنا إليه لأجل دلالة السمع عليه، والمعتمد في الدلالة السمعية إجماع الصحابة على العمل به، ولم يثبت إجماعهم على العمل إلا بخبر العدل، وأما خبر المستور فلم يثبت عنهم فيه إجماع، فإذا فقد الدليل على العمل به، لم يجب العمل به، إذ لا يجب العمل إلا بدليل سمعي. وقد ذكر أبو المعالي أن الواجب عنده التوقف عن إمضاء خبر المستور أو رده، حتى يبحث عنه، ولكن أيام البحث عنه يجب أن يكف عن الفعل إن تضمنت روايته تحريم ذلك الفعل، فإذا أيس من العلم بحاله، والاطلاع على عدالته أو فسقه، لم يتأبد وجوب الكف، لكن ينتقل الحكم بعد الإياس إلى الكراهية للإقدام على الفعل، ويشير إلى أن الصحابة كانت تكف عن الفعل حتى تبحث عن حال الراوي. وبالجملة فالأظهر عندي في هذا الذي قاله من الكف أن يناط الحكم فيه باجتهاد سامع الخبر، وما يتوسم من حال المخبر، وينقدح في نفسه من صدقه أو كذبه، وحال الفعل، ومشقة الكف عنه أو سهولة ذلك عليه، وقوة التحريم الذي رواه أو ضعفه، وملاحظة أصول الشرع لخبره بقوة أو ضعف، إلى غير ذلك مما يعلمه المجتهدون. والقاضي أبو بكر بن الطيب ممن ينصر نفي وجوب العمل بروايته، ومما اعتمد عليه فيه أن الحدود لا تقبل فيها شهادة المستور فتقاس الرواية عليها، وأشار إلى الاتفاق على أن الشهود إذا نقلوا عن شهود آخرين ولم يعدلوهم، ولا يعلم القاضي حالهم، فإن الشهادة غير مستقلة، وإن كان الناقلون عدولا، وما ذاك إلا لأن ظاهر الإسلام لا يكفي في القبول للرواية دون حصول العدالة، ولو اكتفي بظاهر الإسلام لقضي بشهادة هؤلاء الناقلين عن قوم مجهولين، ولا يدفع هذا الاستدلال إلا أن يكون الناقلون علموا فسق المنقول عنهم، لأن الأصل عند هؤلاء عدم الفسق، واستصحاب البراءة من المعاصي، وهذا الذي استدل به القاضي لا يستقل دليلا في المسألة، لأنه قياس فقهي فلا يستدل به، إلا أن تعد هذه المسألة من مسائل الاجتهاد. وقد رأيت الشيخ أبا بكر بن فورك في كتابه في الأصول حكى عن القاضي إسماعيل بن إسحاق أنه صار إلى أن الراوي إذا نقل عن مجهول عمل بخبره. قال: وكذلك عنده إذا شهد عدول على شهادة قوم مجهولين، فإن الشهادة يقضي بها. فأنت ترى مخالفة ابن فورك للقاضي فيما أشار إليه من الاتفاق.

стр. 414

فصل أدرجه أبو المعالي في صفة الرواية وذكر فيه التعديل والتجريح ونحن نذكر في هذا الفصل سبع مسائل: - المسألة الأولى: ما العدالة والجرح؟ (ص ٢١٦) - المسألة الثانية: ما العبارة المطلوبة في الشرع عنهما؟ - المسألة الثالثة: هل تقوم بعض الأفعال مقام العبارة عنهما؟. -المسألة الرابعة: عدد من يثبتها. - المسألة الخامسة: هل يكشف المعدل والمجرح عن طريق علمهما؟. - المسألة السادسة: اختلاف من يثبتها. - المسألة السابعة: هل يستغنى بعض الأشخاص عن البحث عن ثبوتها؟ أما المسالة الأولى: فاعلم أن العدالة عند أهل الشرع: هي اتباع أوامر الله سبحانه على الجملة، وقد يتبع الإنسان أمر الله سبحانه في فعل من الأفعال، فيكون في ذلك الفعل خاصة عدلا، ويعصي الله سبحانه في فعل آخر فيكون في ذلك غير عدل. ويجري على الإنسان تسمية عدل مجازا واتساعا، لأن العدل مصدر، تقول: عدل يعدل عدلا، وتسمية الشخص باسم فعله مجاز. وقد قيل: إن هذه التسمية من أسماء الأضداد، لأنك تقول: عدل السهم إذا جار وانحرف عن القصد، وتقول [عدل] الرجل إذا سلك القصد واتبع المنهج الذي أمر به. فهذا ذكر العدالة على الجملة من ناحية اللغة. وأما من ناحية الشرع، فاعلم أنه لا مطمع لأحد في إيراد صيغة على صيغ الحدد حاصرة للعدالة مبنية لها على التعيين والتفصيل، ولما أيس العلماء من العثور على هذا القول الجامع المانع، عدلوا إلى ذكر رسوم مبننة عنها على الجملة؛ فقال الشافعي: لا أحد يطيع الله سبحانه حتى لا يعصيه، كما لا أحد يعصيه حتى لا يطيعه، فلا سبيل إلى رد الجميع ولا قبول الجميع، فلابد من فاصل، فمن كان الأغلب عليه الاستقلال بالفرائض وأوامر الله سبحانه، والكف عن زواجره، والتحلي بالمروءة فإنه عدل، ومن كان بالعكس فإنه غير عدل، فمن لم يمتثل أمر الله سبحانه، أو وقع فيما يسقط مروءته وقدره في الناس، فذلك ساقط الشهادة والرواية. وقال بعض العلماء: لا شك في أن متفرقة الكبائر كالزنا وقتل النفس مستجرح، والمتوالي على فعل الصغائر غير مقبول القول، لأن ذلك يتنزل منه منزلة مقارفة الكبيرة، والواقع في صغيرة واحدة غير مردود القول، إلا أن يكون تعمد الكذب فإن هذا يوجب التوقف عن قبول قوله، لأنا وإن فرضنا كذبة واحدة وقعت منه من الصغائر، فإنها تؤثر في

стр. 415

المقصود المطلوب منه، وهو سكون النفس إلى خبره، والاطلاع على ذلك يمنع من سكون النفس إلى خبره. وهذا الذي أشار إليه هذا الرجل مما حكيناه عنه أنه أراد به تعمد الكذبة في حديث النبي ﵇ تتعلق به أحكام، أو في شهاد زور أباح بها الدماء والفروج، فلا يصح أن يعد ذلك من الصغائر، بل هو كبيرة اقترفها ويعود حكمها إلى ما قدمناه في مقترف الكبيرة. وإن كان ذلك في أحاديث المفاكهة والمؤانسة فيما لا يحدث ضررا في دين ولا دنيا، فإن هذا فيه نظر. وأما القاضي ابن الطيب فإنه أشار إلى مسلك قريب من مسلك الشافعي، فرأى أن من عرف بالقيام بالفرائض، واتباع أوامر الله سبحانه، واجتناب مزاجر الشرع، وتوقي ما يمرض القلوب فيه ويحدث فيها تهمة، وسوء ظن بدينه، فإن هذا هو العدل المقبول الشهادة والرواية. فإذا سئل عمن قارف كبيرة كالزنا، وقتل النفس، قال: قد قيدت قولي بأن كل ما يؤثر في النفوس تهمة فإنه يوجب رد الشهادة والرواية، ولا شك أن من سهل عليه ارتكاب الزنا وقتل النفس فقد تسهل عليه شهادة الزور ورواية الكذب عن النبي ﵇، وكذلك لو فرضناه سرق حبلا أو بيضة وما لا قدر له من المكاسب، فإن هذا وإن كان محتقرا في نفسه، فإنه يؤذن بخساسة همة سارقه، ورذالة نفسه، ومن بلغ في الخساسة وسقوط المروءة إلى ركوب الخطر في سرقة مثل هذا النزر المحتقر، فإنه يتهم في شهادته وروايته، أن تحمله خساسة النفس على الوقوع في ذلك وعلى أن لا يبالي بالناس متى أطلعه على كذبه وزوره. وهذه الطراق التي ذكرناها عن أئمة الفقهاء والأصوليين حتى واضح، ومسلكنا في قبول خبر الواحد والعمل به اتباع الصحابة ﵃، ونحن نعلم قطعا أنهم كانوا لا يقبلون الرواية عن النبي ﵇ ممن اطعلوا على وقوعه فيما ذكرناه من المحرمات والخساسات، وملابسة أمثال هذه الدناءات. فلا يبقى للأصولي والفقيه إذن نظر فيما يقبلانه بعد هذا الإشكال إلا في سؤال واحد، وهو أنا لو فرضنا وقوع إنسان قد حصل ما ذكرناه من طرق العدالة فياجتناب المعاصي، لكنه [وقع] في مباحات تفسد النواميس، وتهتك حجاب الهيبة، وتخلط فاعلها بخلعه ثوب الوقار والمروءة، كمداعبة تقع من الأفاضل، والعلماء، ورؤساء الدين، والنساك، والمنتصبين للشهادات مع بعض العوام والأرذال، والانخراق في الضحك

стр. 416

والتلاعب، والاستهزاء والمجانة، والجلوس على قوارع الطرقات للتنزه، والآكل (ص ٢١٧) بالأسواق، إلى غير ذلك مما أضربنا عن ذكره تفصيلا، وهو داخل فيما ذكرناه على الجملة، من كونه هادما للمروءة، واضعا للقدر، فإن هذا القسم الذي ذكرناه من جماعة من الائمة على أنه يحل محل التجريح في وجوب التوقف عن قبول الرواية والشهادة. ومر القاضي ابن الطيب فيه على أنه معلق بالاجتهاد في حال فاعل هذا الجنس من الأفعال، فإن لاح من مخائله أنه إنما يبعثه على ذلك دناءة الهمة، واستخفاف سقوط المنزلة، وقلة المبالاة بما يضع من القدر، فإن ذلك يوجب رد شهادته وروايته، وإن كان إنما بعثه على ذلك غرض صحيح، أو تأويل تأوله من إيثاره التجلي وممازحة الناس، واستئلافهم، والتحبب إليهم، وخلع ثوب الرياء والكبر، فإن هذا لا يوجب رد الشهادة ولا الرواية، وما أرى الأئمة الذي أطلقوا القول برد الشهادة والرواية في هذا الصنف إلا يوافقون القاضي ابن الطيب ﵀ على أن ذلك لا يوجب رد الشهادة والرواية، إذا ذهب [إلى] أن الباعث على هذا الفعل غرض صحيح، غير خارج عن منهج آداب أهل الدين والدنيا وسدادهم. وهذه الطريقة هي الصحيحة، ولكن الانحراق في مثل هذه المعاني، والتفرغ لها، وقطع الأزمنة بها مع كل من جالس الإنسان أو لقيه سخف وخرق يبعد في مثله أن يبعث عليه غرض صحيح أو تأويل سديد، وإنما يقع الاجتهاد في قلة تقع من هؤلاء الصنف المرموقين بعين الجلالة مع بعض الأشخاص، وهذا محل الاجتهاد في التعدل والتجريح الذي لا يققبل إلا من أهل الذكاء والتحصيل، ومن شدا أطرافا من علوم الحقائق التي يستعان بها على ما يقبح من هذا ويحسن. وأما الوقوع في الكبائر فالشهادة به غير مقبولة على الإطلاق إذا حكى الشاهد على معاينته ضبطها. وأما أبو المعالي فإنه تعرض لسائر هذه الفصول التي بسطنا القول فيها، فجمعها في كلام وجيز، فقال: إن الثقة هي المعتمد عليها، فمهما حصلت الثقة بالخبر قبل، وهذا مفهوم من عادة الأولين، وهذا على إيجازه هو الطريقة التي حكيناها عن الأئمة، لأن ما ذكرناه من المعاصي والانخراق في مداعبة الأرذال التي تخرم الثقة، وتخلخل سكون النفس إلى خبر من كانت هذه حاله. ولكنه أشار إلى زيادة في هذا فقال: لم يرد الشرع بتعبد في الأخبار، ومراعاة شرائط، كما ورد في الشهادة، فمجرد الثقة بالشهادة لا يغني دون أن يسمع ذلك من حر، أو ذكر،

стр. 417

أو اثنين، أو أربع، على حسب تفاصيل الشرع في هذا، وهذه التقييدات زيادات في التعبد مع حصول الثقة، بخلاف الخبر فإنه يقبل من العبد والمرأة. وقد كنا نحن قدمنا لك إشارة إلى ورود تعبد في الخبر مع حصول الثقة، لأنا أريناك أنهم ردوا خبر من لا يكذب في حديثه عن النبي ﵇، ولكنه يكذب على الناس، وخبر من لم يبلغ، وإن اعتيد منه الصدق والتحري. فأما أبو المعالي فإنه على أصله هذا يدافع في حصول الثقة بخبر هؤلاء، ويرى أن الكاذب على الناس لا يوثق بخبره عن النبي ﵇، وإن اعتيد منه الصدق فيه، وكذلك من لم يبلغ الحلم، فإن سلكت طريقته فقد أوضحناها لك، وإن خفت من التشغيب والمنازعة في هؤلاء، قلت: لا يبعد أن يكون التعبد ورد بأن لا يقبل خبر هؤلاء، وقد كنا حكينا عن مالك ﵁ أن لا يقبل حديث من يكذب على الناس وإن كان يصدق على النبي ﷺ ، وذكر أنه أضاف إلى ذلك من كان سفيها معلنا بالسفه، وقد تأول بعض أصحابنا البغداديين كلامه هذا على الإشارة إلى ما قدمناه من رد شهادة المخرق في المداعبة والتمازح، ولقوله: المعلن بالسفه، وهذا التقييد إشارة إلى ما قلناه من كون الإنسان معروفا بالمجون، والعيارة، ومداعبة الأرذال. وأما لو أراد بالسفه غير هذا وهو مقارفة الكبيرة، فإنه لا يقيد حينئذ بالإعلان بالسفه، لأن من شهد عليه بقتل نفس مسلمة عمدا ظلما وعدوانا ترد شهادته، وإن لم يعلن بذلك، وكذلك من زنا سرا. فهذا منتهى القول في حقيقة العدالة والجرح، قد كشفنا لك حقائقه جملة وتفصيلا، لغة وشرعا. وأما المسألة الثالثة أما الجرح فإنا سنتكلم فيما بعد على وجوب استفسار المجرح، ولا عبارة مطلوبة في الجرح أكثر من إخبار الشاهد [عن القـ]ـصة التي عول عليها في التجريح، كقوله: رأيته أربى، أو رأيته شرب خمرا. وأما التعديل المطلق فالحذاق على أنه لا تشترط [فيه] عبارة مخصوصة، وإنما المطلوب من المعدل أن يورد عبارة يفهم منها عنه أن الراوي والشاهد عنده عدلان، والمشهور عن مالك ﵁ اشتراط عبارة مخصوصة، وهو أن يقول (ص ٢١٨) المعدل: الشاهد هو عدل رضي. وقال الشافعي: بل المطلوب أن يقول هو عدل مقبول القول لي وعلي، إن كان التعديل لراو، أو يقول: هو عدل مقبول الشهادة لي وعلى إن كان التعديل لشاهد.

стр. 418

وقد قيل: إن هذين الإمامين لو سئلا عن تعديل وقع بعبارة تؤدي إلى معنى هذه العبارة التي اشترطها هذان الإمامان لقبلا ذلك وعولا عليه، وكأنه العبارة التي اخارها إنما سلكا فيها تخفيف المؤونة على المعدلين في النظر في صيغ العبارات المفيدة لهذا المعنى، وإنما اشترط التعرض لمعنيين هما العدالة، والمعنى الآخر ما أضيف إليه من الرضا، أو من قبول القول، لأنه قد يكون الإنسان عدلا، ورعا، متنزها عن الدناءات، ملحوظا بعين الصلاح، ولكنه من البلة والغفلة بحيث لا ينبغي أن تقبل روايته ولا شهادته. وقد ذكرنا فيما تقدم عن مالك ﵁ أنه قال: "أدركت بين هذه الأساطين سبعين رجلا لو اؤتمن أحدهم على بيت مال لأداها، فما أخذت عن أحد منهم حرفا"، فأشار إلى أن هذا قصر بهم عن قبول روايتهم قلة علم، لا قلة دين، وهذا هو المعنى الذي زيد لأجله في التعديل قولنا: "رضي"، حتى يثبت مع العدالة وصلاح الدين كون الشاهد مرضيا لقبول الشهادة، ليس بمغفل ولا أبله. وقد ذكر الباري سبحانه في الشاهد هاتين العبارتين، قال: (وأشهدوا ذوى عدل منكم)، وقال في آية أخرى: (ممن ترضون من الشهداء)، ولهذا توخي مالك هاتين العبارتين وأثرهما على ما سواهما. وهذا [هو] المعنى الذي يشر إليه الشافعي أيضا بقوله: "مقبول الشهادة لي وعلي"، لكن عبارة مالك ﵁ أقرب إلى التحرير، لأنه قد يكون لا يقبل شهادته للمعدل، أو لا تقبل عليه لقرابته، أو تهمة بعداوة أو غيرها، فيقدح في العبارة التي اختارها الشافعي بهذا، ولكنها مع هذا القدح أكشف لهذا المراد الذي تكلمنا عليه، وذكرنا ما تعرضا له، ولما ذكرنا هاهنا وجه اشتراط هذه العبارة عن هذا المعنى الثاني، وأشرنا أن ذلك إخبار بكون الشاهد غير مغفل، وكذلك الراوي. فلتعلم أن الراوي المعتمد في روايته على حصول الثقة، وسكون النفس إلى صحة ما روى، واستيلاء الغفلة والبله عليه يخرم هذه الثقة، ويمنع من كون القلب مطمئنا إلى خبره، فإذا عرف بالتساهل في حديثه، والتسامح فيه، لم تقبل روايته، لأن هذا يلحق بمعنى الكذبب الذي هو جرحة، لكونه واقعا منه في المقصود المراد منه، وهو الرواية، فإذا كان ممن يتساهل فيها، ويخف عليه حذف ألفاظ من الرواية وزيادتها مما يغير المعنى، أو يظهر منه إذن في أن يروى عنه، ويعمل بها حدث به، وهو شاك فيه، ويبدي في كثير من الأحيان التصميم على إثبات ألفاظه في الحديث أو رواة، ومخايل الشك عليه في ذلك بادية،

стр. 419

ولكنه يفهم عنه أنه سهل ذلك عليه لغرض من الأغراض التي يجوز له اعتمادها، فإن ذلك يوجب رد خبره إذا عرف بذلك، أو وقع منه ما يدل على ضعف الدين، وقلة الورع، وركوب المعصية في مثل هذا. وأما إن لم يعرف بالتساهل، ولكن بدت منه غفلات وسهو، فإن ذلك وإن كان نادرا وقليلا في أحواله، فإن حديثه مقبول ما لم يلح للسامع منه ظهور مخايل الغفلة والسهو، وغلبت عليه، فاختلف في حديثه [على] أقوال: - أحدهما: أن ذلك لا يمنع من قبول حديثه، إلا أن يظهر في حديث بعينه عليه دلائل الغفله فيه. - والثاني: أن حديثه لا يقبل، لأن الظن أن الأقل لا حق بالأكثر، فإذا كان الأكثر من أحوله الغفلة في حديثه، قدر أنه مغفل في جميعها. - وقيل: إن ذلك مصروف إلى الاجتهاد والبحث عن الحديث الذي سمع منه حتى يظهر ضعفه من قوته، وهذا مذهب عيسى بن أبان، وهو اختيار القاضي أبي محمد عبد الوهاب، ومثل القاضي أبو محمد هذا الاجتهاد بمثل ما وقع في حديث أبي هريرة: "من أصبح جنبا فلا صوم له"، فلما بحث عن الخبر بسؤال أمير المؤمنين ﵄، ظهر من حال الرواية وما وقع في سندها ما كان خفيا. والقاضي أبو محمد قد يشير إلى ارتفاع الخلاف إذا تقارب أحواله فيها، ولميكن ممن الغالب عليه أحد الأمرين، إما التيقظ، وإما الغفلة، ويرى أن حديثه مقبول. وفي هذا الذي قال نظر، ولا شك أن الثقة تضعف بخبر من كان هذا وصفه. وهكذا ذكر ﵁ في الراوي إن كان قليل الضبط، فإنه إن كانت قلة الضبط هي الغالبة عليه، فإن حديثه يرد، ولم يذكر في ذلك خلافا، وإن تساوت أحواله في الضبط وفي الإهمال، فذكر في ذلك قولين. - أحدهما: رد خبره، لأن ذلك كأمر اجتمع فيه الحظر والإباحة، والحظر والإباحة إذا اجتمعا في أمر غلب الحظر. - وقيل: بل يجتهد في حال راويه مثل هذا، وهو الذي اختاره القاضي أبو محمد، وإن كان عدم الضبط (لـ ...) (ص ٢١٩) فيه اختلافا، ولم يذكر اختلافا في الغفلة إذا كانت قليلة كما تقدم.

стр. 420

وهذا الاختلاف الذي أورده في هذين النوعين يفتقر إلى بسط وتحقيق، فربما وقع في النفس أنهما سيان، وأنه لا وجه لتقسيمهما في الخلاف على المرتبة التي ذكر، والتشاغل بتحقيق هذا يفتقر إلى أمر يطول. المسألة الثالثة ذكر أبو المعالي أن التعديل يكون تصريحا، ويكون ضمنا، فأما التصريح فهو ما تقدمت العبارة عنه، كقولنا: عدل رضي، وأما الضمن فإن العلماء مختلفون في الراوي العدل إذا روي عن رجل سماه حديثا؛ هل تكون روايته للحديث عنه تعديلات له أم لا؟ فمنهم من قال: لا يكون تعديلا، وهو اختيار الحذاق، إلا أن يقول: لا أروي إلى عن عدل، أو يفهم ذلك عنه من عادة وقرينة حال، فيكون ذلك لاحقا بالتعديل التصريحي. وقيل: بل ذلك تعديل، وقد كنا قدمنا حكاية هذا المذهب عن القاضي إسماعيل. والرد على هذا المذهب أنا نقول: إذا كان من المجوز في العقول أن يروي الراوي الحديث عن العدل وعن الفاسق، فإن الرواية بمجردها تعديل مع هذا الاحتمال والتجويز، وقد عرف من جماعة من أئمة المحدثين أنهم يروون عن الثقة، وعن غير الثقة، وهذه دواوين الحديث لا تحصى كثرة ولم تشترط الصحة، إلا دواوين مشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم، فإن مالكا ﵁ قد علم أن كل من روى عنه حديثا عن النبي ﵇، وأدخله في موطئه ليعمل به، فإنه عنده ثقة عدل رضي للرواية عنه، وهكذا اشترط البخاري ومسلم هذا، وقد نوزعها في بعض ما رويا عنه على ما هو مذكور في كتب الحديث، وهذا أبو داود على كتاب يعول أكثر الفقهاء البغداديين قد ذكر عنه أنه أشار إلى أنه أدخل في كتابه العدل والمستور، وإنما جانب المستجرح، ومن وقف على دواوين الحديث علم صحة ما قلناه من رواية كثير منهم عمن لم تثبت عدالته. ومما يفيد في التعديل الضمني عمل راوي الحديث بالحديث الذي رواه، فإن من الناس من ذهب إلى أن عمله بما رواه يدل على تعديله لأشياخه الذين روى عنهم ذلك الحديث، إذا علم أنه عول على العمل بالحديث لا على دليل سواه. ومنهم من يقول لا يكون ذلك تعديلا، لجواز أن يكون من مذهبه الاقتصار على ظاهر الإسلام، وقبول رواية المستور والعمل به، ونحن قد رددنا مذهب من ذهب إلى العمل برواية المستور، فإذا جوزنا أن يكون القائل بالحديث ممن ذهب إلى هذا المذهب الذي رددناه لم يعول على عمله. وأجيب عن هذا بأنا نقبل تعديله التصريحي إذا قال: هو عدل رضي، ولا يرد ذلك لتجويز أن يكون من مذهبه التعديل على ظاهر الإسلام، وهكذا يستقصى في المسألة التي نذكرها بعد إن شاء الله.

стр. 421

واشترط أبو المعالي في قبول روايته، وكونه معدلا لأشياخه إذا ظهر تعويله على الحديث، بأن يكون ذلك العمل مما لا يؤخذ فيه بالاحتياط، حتى يجوز أن يكون الراوي احتاط للعمل بأن أخذ بالرواية. وهذا التقييد الذي اشترطه داخل في الجملة التي أجملناها أولا، حيث قلنا: إنا نشترط أن لا يكون عمل بدليل آخر غير الحديث، وكأنه هذا ضرب من ذلك، والأخذ بالاحتياط مسلك ثان غير مجرد الرواية. وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في التجريح الضمني، فإنه إذا روى حديثنا ولم يعمل به، وتحققنا أنه لم يترك العمل به لدليل آخر عارضه، فإن الظن به أنه ترك العمل به لكون شيخه فيه غير ثقة عنده، أو شيخ شيخه. ولا شك أن هذا مما يخرم الثقة بالخير. وقد كنا قدمنا مرارا أن المعتمد في هذا الباب حصول الثقة وسكون النفس إليه. وقد أجرى القاضي ابن الطيب هاهنا سؤالا جاريا على هذا الأسلوب، وهو أن القاضي إذا حكم بشهادة قوم، فإن ذلك حكم منه بتعديلهم، إذا عول في البحث عن حالهم على نسه، واختياره، وفحصه عن حالهم، بخلاف أن يزكوا عنده، فإن ذلك لا يكون حكما بتعديلهم. وهذه المسألة [سنذكر] تفصيلها في ما نميله من الفقيهات، ففيها نبسط المقال في قاض آخر، هل يكلف بالاجتهاد في حال الشهومد، واستئناف النظر [أو يضرب عن ذلك] صفحا، ويعول على القاضي الذي نفذ حكمه بتعديلهم على حسب ما ذكرناه. المسألة الرابعة (...) فيمن يزكى أو يجرح شاهدا أو مخبرا، فقالت طائفة: لا يقبل في تزكية المخبر أو الشاهد إلا اثنان [ولا يقبل] في ذلك قول رجل واحد. وقالت طائفة: أما المخبر فيقبل في وصف حاله رجل واحد بخلاف الشاهد (...) الشهادة، وعليه أكثر أهل المذاهب، فإنه يرى أن العدد لما كان معتبرا فيها وجب أن يعتبر فيما شرط في (ص ٢٢٠) قبولها أو ردها. ولما كان التعديل والتجريح مؤثرين في القبول والرد وجب اعتبار العدد فيها كما اعتبر ذلك في نفس الشهادة، وإذا ثبت هذا في تعديل الشهود أو تجريحهم قيس عليه تعديل المخبر أو تجريحه، لأنه شهادة بحاله على رأي من ساوى بين الأمرين. وأما على رأي من فصل بينهما فإنه لا يسلم هذا القياس، لأن القياس لا يصح إلا بعلة جامعة، ولا علة تجمع هاهنا بين الخبر والشهادة، وأما من ساوى بين الجميع في أنه لا يعتبر عددا في تزكية شاهد أو مخبر أو تجريحهاما بل يقبل في جميع ذلك قول رجل واحد، فإنه يعول على أن قدمنا إجماع الصحابة على العمل بخبر واحد عن النبي ﵇، وما ذاك

стр. 422

إلا لحصول الثقة بخبره، وغلبة الظن بصدقه، وكون الظاهر من حاله العدالة وتجري الصدق. وهذا المعنى يثبت في خبر العدل إذا عدله رجل آخر عدل، والنفس تسكن إلى خبر المعدل، كما تسكن لخبر المعدل، فوجب قبول الخبر عن التعديل، كما وجب قبوله عن النبي ﵇. والمفهوم عن الصحابة أنه لو روي لهم رجل خبرا عن النبي ﵇ وهم يعملون حاله، فقال لهم الصديق أو عمر ﵄: إنه ثقة صدوق، لبادروا الخبر بخبره، وعولوا على مقتضى ما يقول، وإذا ثبت هذا في الخبر قيست الشهادة عليه، والعلة الجامعة بين الشهادة والخبر عند هؤلاء أن الشهادة هي ما يختص به رجل واحد بعينه، أو قوم بأعيانهم، ويتطلب فيه فصل القضاء ويمكن الترافع فيها إلى الحكام والتخاصم، ألا ترى أن من شهد على رجل بدين، أو وديعة، أو نكاح، أو طلاق، أو عتاق، أو قتل، أو سرقة، أو قذف، فإن جميع هذا مما يختص ضرره بالمشهود عليه، وما يتطلب فيه فصل القضاء ويمكن فيه المرافعة إلى الحكام، يتطلب فيه الشرع العدد استظهارا لمزيد الظن وقوته، وانتفاء التهمة عنه، والخبر عن النبي ﵇ لا يختص ضرره بشخص واحد، ولا يقف حكمه على معين، بل يعم سائر المسلمين والمخبر بالخبر، وكل ما سواه، فحسن أن لا يتطلب فيه استظهارا بالعدد. وإذا تصورت هذه النكتة كما يجب، فمهنا ينشأ الخلاف في اعتبار العدد في المزكي والمجرح، وذلك أن من اعتبر العدد في ذلك قال: إن المقصود إثبات وصف رجل بعينه، وهو المخبر أو الشاهد، وإذا كان مضمون القول الاقتصار على ثبوت أمر معين في رجل معين، فهذا حقيقة الشهادة. وقد جاء الشرع باعتبار العدد في الشهادة، ومن لم يعتبر العدد في ذلك قال: إن هذا الوصف إذا حصل لهذا الرجل قبل قوله وخبره وشهادهت في جميع ما يخبر عنه أو يشهد عموما، فصار ذلك كقول تضمن عاما في سائر الناس، فجرى مجرى الخبر، فالالتفات إلى هذا السر في هذه المسألة هو سبب اختلاف الفقهاء والأصوليين فيها، وعلى المرور عليها مال الحذاق إلى تصويب من قال: إن الهلال يجب أن يقبل فيه خبر واحد، كان هلال صوم أو هلال فطر، لأن مضمون هذا الخبر عن الهلال يتضمن حكما عاما يخاطب به هذا المخبر عن الهلال وكل من سواه. وقد اختلف أئمتنا في قبول خبر الترجمان الذي يترجم للقاضي عن أهل اللغات الذين

стр. 423

لا يعرف القاضي لغتهم، وإنما سبب الخلاف ما أشرنا إليه أنه أقيم للترجمة مقام عام، ولكن إنما يرفع للقاضي خبرا مخبرا عن معين فمعين، إلى غير ذلك من المسائل الذي اضطرب فيه المذهب عندنا، وجميعها دائر على اعتبار النكتة التي نبهناك عليها. وقد قيل في الرد على من اعتبر العدد وعول في ذلك على القياس على الشهادة، بأنه قد ورد الشرع بأن الشرط في الشهادة قد يكون أخفض رتبة منها، ألا ترى أن الزاني لا يرجم بإجماع الأمة بأقل من شهادة أربعة، ولكنه لا يرجم حتى يثبت كونه محصنا، وإحصانه يثبت بشهادة رجلين، ولا يفتقر الإحصان إلى شهادة أربعة، وإن كان لا يصح الرجم إلا بعد ثبوته، فقد صار شرط الشهادة غير جار مجراها، فكذلك لا يبعد أن تكون الشهادة مشروطة بالعدد. والتعدل وإن كان شرطا فلا يفتقر إلى العدد كما قلناه في الإحصان والزنا، ويلزم القائلين بقياس التعديل على الشهادة ألا يقبلوا في تعديل شهود الزنا بأقل من أربعة، ولا في النقل عنهم، ولا في كتاب القاضي، حكمه في شهادتهم (...) اختلف المذهب عندنا في قبول شهادة شاهدين على حكم القاضي بالزنا، وفي النقل عن شهوده، إلى غير ذلك مما نبسط (...) إن شاء الله. المسألة الخامسة اعلم أن اختلاف العلماء في اللفظ المطلوب في تعديل المعدل (...) العدالة جملة وتفصيلا، فإذا عدل رجل شاهدا أو مخبرا، أو جرحها، فهل يكاشف ويباحث عن طريق (...). اختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال: - فمنهم من قال يستفسر المعدل والمجرح عن الأسباب التي عولا عليها (...) (ص ٢٢١) أو التجريح. - ومنهم من قال يقلدان ما تقلداه ولا يجب أن يكاشفا. - ومنهم من قال يكاشف المجرح عن السبب الذي جرح به ولا يكاشف المعدل، وبهذا قال الشافعي، وعليه الجمهور. - ومنهم من عكس ذلك فقال لا يكاشف المجرح ويكاشف المعدل، ذكر هذا المذهب أبو المعالي عن القاضي.

стр. 424

والأشهر عن القاضي عندنا أنه يرى ترك المكاشفة في التعديل والتجريح، إذا وثق بعلم العدل والمجرح، وعرف كونهما عارفين بأسباب التعديل والتجريح. وهذا الاشتراط للمعرفة في المعدل والمجرح تعرض إليه القاضي كما ذكرناه وأبو المعالي، وما رواه مما يخالفان فيه، ولا يحسن أن يذهب محصل إلى قبول ذلك مطلقا من رجل غمر جاهل لا يعرف ما يجرح به ولا ما يعدل به، وإنما يحسن الخلاف إذا وقع ذلك من عالم. وقد اعتمد من أوجب الاستفسار في التعديل والتجريح بما يدخل ذلك لما تقرر اختلاف العلماء في أمور كثيرة، هل يقع بها التجريح أم لا؟ وفي حقائق التعديل، وفي التعويل فيه على مجرد ظاهر الإسلام خاصة، وإن أمكن أن يصير المعدل أو المجرح إلى مذهب يخالف مذهب السامع له، وجب على السامع لخبره أن يكاشفه عن ذلك حتى يرى ما عوّل عليه؛ هل أصاب فيه عنده أم أخطأ، فهذه عمدة أصحاب هذه المذاهب. وعمدة الآخرين أن الحاكم يجب عليه قبول شهادة الشاهد، بأن فلانا عقد نكاح فلاننة، أو اشترى دار فلان، ويقضي بهذه الشهادة، وبإمضاء النكاح والبيع، مع اشتهار اختلاف العلماء في عقود الأنكحة والبياعات، ومع تجويز القاضي إذا كان مالكيا أن يكون الشاهد حنفيا يرى صحة النكاح من غير ولي، وكذلك إذا كان القاضي شافعيا يرى أن من شرط انعقاد النكاح حضور شاهدين، ويجوز أن يكون الشاهد مالكيا يرى صحة انعقاده مع عدم الشهادة، وكذلك إذا شهد عنده بيع داره، وكان الشاهد مالكيا يرى جواز بيع الغائب على الصفة. ثم مع هذا الاحتمال والتجويز يقضي القاضي بالشهادة غير ملتفت إلى هذا التجويز، فكذلك ما قوع من الخلاف في التعديل والتجريح، ولا يوجب ذلك مكاشفة المعدل والمجرح. وقد اشتهر الخلاف في مسألة المدونة فيمن شهد أن فلانا مولى فلان، لا يعلمون له وارثا غيره، فأوجب أصحاب مالك استفسار الشهود إذا حضروا، هل هو مولى أعلى، أو مولى أسفل. وصرح بعضهم بأنهم إذا غابوا وتعذر استفسارهم قضى له بالميراث جريا على ما قلناه من حمل الشهادة على ما يفيد، واجتناب تعطيلها بالتجويز. وأما من فرق بين التعديل والتجريح فإنه يعول على أن التجريح تمكن العبارة عنه بلفظ وجيز، فيقول: رأيته سرق أو سكر من الخمر، والتعديل تكثر أسبابه وتطول العبارة عنه، فدعت هذه الضرورة إلى ترك المكاشفة. هذا والاختلاف في معاصٍ تجرح أشد إشكالا من الاختلاف في حقائق العدالة. وأما ما ذكره أبو المعالي عن القاضي من عكس هذا المذهب، فإنه اعتمد على أن المعتبر في قبول الخبر الثقة به، والإخبار بالتجريح على الجملة يخرم هذه الجملة، ويمنع من سكون النفس إلى خبر هذا المجرح على الجملة، وكل ما خرم الثقة فإنه يقتضي رد

стр. 425

الخبر، وأشار أبو المعالي إلى أن هذا المذهب أوقع في مأخذ الأصول، لما قلناه من كون التجريح على الجملة يخرم الثقة، بخلاف الإخبار عن الثقة فإنه لا تحصل الثقة بخبر المخبر إلى عن مباحثته عن الأسباب التي علم منها ثقة المعدل، واطلع منها على دينه، وحسن حاله. وأما ما اعتمد عليه أبو المعالي، وذكرنا أن القاضي أشار إليه فإنه قال: العالم بوجوه التعديل والتجريح، الظاهر منه أنه لا يطلقها إلا بعد تحصيل اسبابها كيف يجب، بخلاف الجاهل فإنه لا يوثق بما يقول لجهله بأسباب التعديل والتجريح. وقد قيل: إن الشافعي إنما دعاه إلى المكاشفة عن التجريح خاصة، أنه علم بإنسان جرح إنسانا، فلما سئل عن طريق علمه بتجريحه، قال: رأيته يبول قائما. فقيل له: وإذا بال قائما ماذ عليه؟ فقال: قد يتطاير عليه البول. فقيل له: فهل رأيته صلى بعد هذا؟ فقال: لا. فدعا الشافعي إلى اشتراط المباحثة عن أسباب التجريح. وظاهر هذه الحكاية يقتضي أنه يوجب مباحثة من لا يوثق بعلمه بالتجريح. وما يتعلق بأحكام المباحثة أن التجرح [هل] نقل من المجرح سرا أو علانية؟. لأنه إذا قال: رأيته سرق أو شرب الخمر، فإن ذلك يخرم الثقة بقول السارق والشارب، سواء أسر المعدل هذا التجريح لمن أخبره به أو أعلنه. وأما التعديل فقد اختلف أصحاب الشافعي فيه على قولين: هل يقتصر فيه على تعديل (ص ٢٢٢) العلانية للمخبر، أو لابد من المباحة عن التعديل في السر؟ وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في جواز الاقتصار في تعديل الشاهد على العلانية دون تعديل السر، واختار بعض أشياخي ألا يقبل ذلك إلا بعد المباحثة في السر، لأن الإنسان لا يمكن غالبا أن يذكر في العلانية قبائح الإنسان المستورة، وإذا سئل في السر ذكرها. وقد يجري اختلاف أصحابنا هذا في تعديل المخبر عن النبي ﵇، لا سيما وقد قال كثير من الناس: إن المبالغة في البحث عن عدالة الراوي يجب أن تكون أشد من المباحثة عن تعديل الشاهد، لكون الراوي يعم خبره سائر المسلمين، بخلاف شاهد يختص ضرر شهادته بزيد أو عمرو، فعلى هذا قد يجري الخلاف في المخبر ما حكيناه عن أصحابنا في الشاهد، وإن كان قد رأيت بعض المصنفين قد يشير إشارات خفية إلى أن المخبر هاهنا أخفض مرتبة، لأن الخبر مبني على حسن الظن، ألا تراه يقبل من العبد والمرأة بخلاف الشهادة. وبالجملة فلا أعرف في الخبر نص خلاف بين أصحابنا، فإن لم يتخرج الخلاف فيه من الشهادة فقد ذكرنا الخلاف فيه بين أصحاب الشافعي.
следующие страницы →