٥ - باب مَنْ لا تَحِلُّ له المَسْألة ومَنْ تَحِلُّ له
(باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له)
مِنَ الصِّحَاحِ:
(من الصحاح):
١٢٩٧ - عن قَبيصَةَ بن مُخارقٍ قال: "تَحمَّلْتُ حَمالَةً، فَأَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ أَسألُه فيها، فقال: "أَقمْ حتى تأْتيَنا الصَّدَقةُ، فنأْمرَ لكَ بها، ثم قال: "يا قَبيصَةُ، إنَّ المسأَلةَ لا تحَلُّ إلا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٌ تحمَّلَ حمالَةً، فحلَّت له المَسألةُ حتى يُصيبَها ثم يُمسِكُ، ورجلٌ أصابَته جائحةٌ اجتاحَت مالَه، فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيْشٍ - أو قال سِدادًا من عَيْشٍ - ورجلٌ أصابَته فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أَصابَتْ فُلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسأَلَةُ حتى يصيبَ قِوامًا من عَيْشٍ - أو قال سِدادًا من عيْشٍ - فما سِواهنَّ من المَسألةِ - يا قَبيصةُ - سُحْتٌ يأْكْلُها صاحبُها سُحْتًا".
قوله: "تحملت حمالة"، (الحمالة): الدَّين الذي استدانه أحدٌ ليُصلح بين طائفتين كما ذكرنا.
قوله: "ثم يمسك"؛ يعني: فإذا أخذ من الزكاة ما أدى به ذلك الدَّين لا يجوزُ له أن يأخذ شيئًا آخر من الزكاة.
قوله: "أصابه جائحة"؛ أي: آفةٌ وحادثة.
"اجتاحت ماله"؛ أي: أهلكت تلك الجائحةُ ثمارَ بستانه وزرعه، أو غيرَها من الأموال.
"فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من
стр. 1017
عيش"، (القوام) بكسر القاف: ما يقوم به الشيء، و (قوامٌ من عيش)؛ أي: ما يكون به العيش من قُوتٍ ولباس، و (السداد) بكسر السين: ما يسدُّ به الفقر؛ أي: يدفع.
قوله: "ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه"، (الفاقة): الفقر، (الحجى): العقل؛ يعني: أصابه فقرٌ ظاهرٌ بحيث يَعلم حالَه جيرانُه وأقاربه، وشهد مَن علم حاله أنه فقيرٌ محتاج، فحينئذٍ يجوز له أن يسأل الزكاة؛ لأن الرجل لا تحل له الزكاة إلا إذا كان فقيرًا أو مسكينًا، وغيرهما من المذكورين في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ٦٠].
هذا بحثُ سؤالِ الزكاة.
فأما سؤالُ صدقة التطوع: فإن كان لا يقدر على كسب؛ لكونه زمنًا، أو ذا علة أخرى، جاز له السؤال بقَدْرِ قوتِ يومه، ولا يدَّخر، وإن كان يقدر على الكسب، فإن ترك الكسب لاشتغاله بتعلم العلم تجوزُ له الزكاة وصدقة التطوع، وإن ترك الكسب لاشتغاله بصلاة التطوع وصيام التطوع، لا تجوز له الزكاة، وتكره له صدقة التطوع.
فإن جلس واحد أو جماعة في بقعة واشتغلوا بالطاعة ورياضة الأنفس وتصفية القلوب، يستحبُّ لواحدٍ أن يسأل صدقة التطوع وكسراتِ الخبز واللباس لأجلهم، وينبغي أن تكون نيةُ السائل كفافَ أسباب هؤلاء، لا كفافَ نفسه، فإذا كانت نيته كفافَهم وأكلَ معهم لم يكره له.
وشرط السائل تركُ الإلحاح والمبالغةِ في السؤال، بل ليقل إذا طاف في الأسواق أو السكوك: مَن يعطي شيئًا لرضا الله، من غير أن يواجه أحدًا، أو يُغلظ القول في الخطاب، فإن أعطاه أحدٌ ليدْعُ له، وإن لم يعطه أحدٌ فلا يجوز له أن يغضب ويشتم أحدًا، أو يغلظ القولَ على أحد، فإن السائل بهذه الصفة
стр. 1018
إثمه أكثر من أجره.
فإن حفظ السائل ما ذكرنا من الشروط فهو ممن قال لهم رسول الله ﵇: "الساعي على الأرملة والمسكين كالساعي في سبيل الله".
وأما الزكاة المفروضة لا تجوز لهم البتة إذا قدروا على الكسب؛ لزجر السائل عن السؤال.
قوله: "يأكلها صاحبها سحتًا"، (السحت): الحرام، (سحتًا) منصوبٌ بدل الضمير في (يأكلها).
وجدُّ قبيصة: عبد الله، روى هذا الحديث: معاوية بن شداد الهلالي.
* * *
١٢٩٨ - وقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سأَلَ النَّاسَ أَموالَهم تَكَثُّرًا؛ فإنَّما يَسْألُ جَمْرًا، فليَستَقِلَّ أو ليَسْتكْثِرْ".
قوله: "تكثرًا"؛ أي: أكثر من قَدْرِ قوته، "فإنما يسأل جمرًا"؛ (الجمر): الفحم قبل أن تخبو نارها؛ يعني: لا يجوز له أن يأخذ الزكاة والصدقة أكثر من قوته، فإذًا لا يجوز له أخذها، ولو أخذها يكون ذلك سببًا لنار جهنم.
قوله: "فليستقل أو ليستكثر"؛ يعني: إذا علم أنه نارٌ: إن شاء أكثر السؤال، وإن شاء أقلَّ، هذا تهديدٌ ووعيد.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
١٢٩٩ - وقال: "ما يَزالُ الرَّجلُ يَسْألُ الناسَ حتى يأْتيَ يومَ القِيامةِ ليسَ في وجْههِ مُزْعَةُ لَحْمٍ".
стр. 1019
قوله: "ليس في وجهه مزعة لحم"؛ أي: قطعة لحم.
قال الخطابي: هذا يحتمل أن يكون معناه الإذلال؛ يعني: كما أذلَّ نفسه في الدنيا وأراق ماء وجهه بالسؤال يكون يوم القيامة ذليلًا.
ويحتمل أن يجيء يوم القيامة ولحم وجهه ساقطٌ: إما عقوبةً له، وإما ليكون ذلك علامةً له يعرفه الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا.
روى هذا الحديث ابن عمر ﵄.
* * *
١٣٠٠ - وقال: "لا تُلْحِفوا في المَسأَلةِ، فوالله لا يَسألُني أَحَدٌ منكُم شيئًا فتُخرِجُ له مَسأَلتُه منِّي شيئًا وأَنا لهُ كارِهٌ، فيُبارَكَ لهُ فيما أَعطيتُهُ".
قوله: "لا تلحفوا في المسألة"، (الإلحاف): الإلحاح في المسألة؛ أي: في السؤال.
روى هذا الحديث معاوية.
* * *
١٣٠١ - وقال: "لأَنْ يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَهُ فيأْتيَ بحِزْمَةِ حطَبٍ على ظَهْرِه، فيبيعَها، فيَكُفَّ الله بها وجْهَهُ؛ خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَسأَلَ الناسَ أَعطَوهُ أو مَنَعوه".
قوله: "بحزمة حطب"، (الحزمة): قَدْر ما يحمله الرجل بصدره بين عضديه، ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب وما أشبهه.
قوله: "فيكف الله بها وجهه"، (الكف) المنع؛ يعني: فيمنع الله وجهه عن أن يريق ماءه بالسؤال.
روى هذا الحديثَ عروةُ بن الزبير.
* * *
стр. 1020
١٣٠٢ - وقال حَكِيْمُ بن حِزَامٍ: سألتُ رسولَ الله ﷺ فأَعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال لي: "يا حَكِيْمُ!، إنَّ هذه المَال خَضرةٌ حُلْوٌ، فمن أخذَه بِسَخَاوَةِ نفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَنْ أَخذَه بإشرافِ نفْسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأْكْلُ ولا يَشْبَعُ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفْلى"، قالَ حكيمٌ: فقلت: يا رسولَ الله!، والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بعدَك شيئًا حتى أُفارقَ الدُّنيا".
قوله: "إن هذا المالَ خَضرٌ حلوٌ"، (الخَضر): يكون في العين طيبًا، و (الحلو): يكون في الفم طيبًا، ولا تملُّ العينُ من النظر إلى الخَضر، ولا يملُّ الفم من أكل الحلو، فكذلك النفسُ حريصةٌ بجمع المال لا تملُّ منه.
قوله: "بإشراف نفسٍ"، (الإشراف): الاطِّلاع على الشيء والنظر إليه، والمراد هنا: كراهته من غير طيب النفس بالإعطاء.
قوله: "واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى"، (اليد العليا): المُعطِية، و (اليد السفلى): الآخِذة؛ يعني: اكتَسِبِ المالَ وأَعطِه، ولا تتركِ الكسبَ فتطمعَ في أموال الناس؛ فإن المعطي خيرٌ من السائل.
قوله: "لا أَرْزَأُ أحدًا"، (الرُّزْء): إيصال المصيبة إلى أحدٍ؛ يعني: لا أسألُ أحدًا بعد هذه المرة إلى أن أموتَ.
وجدُّ "حكيم": خُوَيلد بن أسد القرشي.
* * *
١٣٠٣ - وقال: "اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى".
١٣٠٤ - واليدُ العُليا هي المنفقةُ، والسُّفلى السَّائلة.
قوله: "اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى"، و (اليد العليا): هي المُنفِقة، و (السفلى): هي السائلة، (المُنفِقة): المعطية.
стр. 1021
روى هذا الحديثَ ابن عمر.
* * *
١٣٠٥ - وقال أبو سعيد: إنَّ أُناسًا من الأَنصارِ سأَلوا رسولَ الله ﷺ ، فأَعطاهُم، ثمَّ سأَلُوه فأَعطاهم، حتَّى نَفِذَ ما عندَه، فقال: "ما يكونُ عِنْدي مِنْ خَيرٍ فلَنْ أَدَّخرَه عنكُم، ومَن يَستعِفَّ يُعِفُّه الله، ومن يَستَغْنِ يُغنِهِ الله، ومَن يَتَصبَّرْ يُصبرْه الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأَوسعَ مِن الصَّبرِ".
قوله: "ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم"، (ما) خبرية؛ أي: كل شيء لي من المال أُعطيكم، و (لن أدَّخرَه عنكم)؛ أي: ولن أمنعَه عنكم.
قوله: "ومَن يَستَعِفَّ يعفَّه الله"؛ أي: ومَن طلبَ العِفَّةَ من الله تعالى رزقَه الله العفةَ، والإعفاف: إعطاءُ العفةِ أحدًا وجعلُه عفيفًا، والعفة: حفظ النفس عن المَنهيَّات؛ يعني: مَن قنعَ بأدنى قُوتٍ وتركَ السؤالَ يُسهِّلُ الله عليه القناعةَ.
قوله: "ومَن يَستَغْنِ"؛ أي: ومَن أظهرَ عن نفسه الغنى وتركَ السؤال، وحفظَ ماءَ وجهِه يَجعلْه الله غنيًا.
"ومن يتصبَّر"؛ أي: ومَن أمرَ نفسه بالصبر ووضعَ الصبرَ على نفسه بالتكلُّف يُسهِّلِ الله عليه الصبرَ.
* * *
١٣٠٦ - قال عُمر بن الخَطَّاب ﵁: كَانَ النبيُّ ﷺ يُعطيني العَطاءَ، فَأقولُ: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، فقال: "خُذْهُ فتَمَوَّلْهُ، وتَصدَّقْ به، فما جاءَكَ مِنْ هذا المَالِ وأنتَ غَيرُ مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ، وما لا فلا تُتْبعْه نفْسَكَ".
стр. 1022
"أفقرَ"؛ أي: أحوجَ.
قوله: "فتموَّلْه"؛ أي: اقبَلْه وأَدخِلْه في مالك ومُلكك.
قوله: "فما جاءَك من هذا المال وأنتَ غيرُ مشرفٍ"، (من هذا المال): إشارة إلى جنس المال.
ويحتمل أن يكون إشارةً إلى ذلك المال الذي أعطاه رسولُ الله ﵇؛ يعني: من هذا المال الحلال، (وأنت غيرُ مُشرفٍ)؛ أي: غيرُ مطلعٍ وغيرُ ناظر إليه؛ يعني: لا تنظُرْ إلى أموال الناس ولا تطمَعْ فيها، فإن جاءَك من غير أن تطلبَه فاقبَلْه وتصدَّقْ به إن لم تكن محتاجًا إليه.
قوله: "وما لا"؛ أي: وما لا يأتيك من غير طلبك فلا تطلُبْ ولا تتعَبْ؛ أي: ولا توصل المشقةَ إلى نفسك في طلبه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٠٧ - قال رسول الله ﷺ : "المَسائلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بها الرجلُ وجهَهُ، إلا أنْ يَسأَلَ ذا سُلْطانٍ، أو في أَمرٍ لا يَجِدُ منه بُدًّا".
قوله: "المُسائِل كَدُوح"، (الكدوح) بفتح الكاف: مبالغة، مثل: صَبُور، وهو من: الكدح؛ بمعنى: الجرح.
"يَكدَح بها الرجل"؛ أي: يُريق بالسؤال ماءَ وجهه، ومَن أراقَ ماءَ وجهِه فكأنه جرحَه.
قوله: "إلا أن يَسألَ ذا سلطانٍ"؛ يعني: إلا أن يَسأل ذا حُكمٍ ومُلكٍ بيده بيتُ المال؛ فإنه يجوز له أن يسأل حقَّه من بيت المال.
стр. 1023
قوله: "أو في أمرٍ لا يجد منه بُدًّا"؛ يعني: إلا أن يكونَ من المذكورين في حديث قَبيصة.
روى هذا الحديثَ سَمُرة بن جُندب.
* * *
١٣٠٨ - وقال: "مَن سألَ الناسَ ولهُ ما يُغنيهِ جاءَ يومَ القيامةِ ومَسْأَلتُه في وجْهِهِ خُمُوشٌ، أو خُدُوشٌ، أو كُدُوحٌ"، قيل: يا رسولَ الله!، وما يُغْنيهِ؟، قالَ: "خَمْسونَ دِرْهمًا، أو قِيْمتُها مِنَ الذَّهَبِ".
قوله: "ومسألته في وجهه خُموشٌ أو خُدوشٌ أو كُدوحٌ": هذه الألفاظُ كلُّها متقاربةُ المعنى.
وشكَّ الراوي في أن رسولَ الله ﵇ تلفَّظ بأي هذه الألفاظ.
و (الخدوش) جمع: خَدْش، و (الخُمُوش) جمع: خَمْش، و (الكُدوح) جمع: كَدْح، وكلُّها بمعنًى واحدٍ.
"خمسون درهمًا": هذا ليس بعام، بل في حقِّ مَن كان يكفيه خمسون درهمًا، أما مَن كان له عيالٌ كثيرةٌ ولا يكفيه خمسون درهمًا ولا يَقدِر على كسب فيجوز له السؤالُ حتى يُحصِّلَ قُوتَه وقُوتَ عيالِه.
روى هذا الحديثَ ابن مسعودٍ.
* * *
١٣٠٩ - وقال: "مَنْ سأَلَ وعنده ما يُغنيهِ فإنما يستكثر من النارِ"، قالوا: يا رسول الله، وما يُغنيهِ؟، قال: "قدرُ ما يُغديه، أو يُعشِّيه".
وفي روايةٍ: "شِبَعُ ليلةٍ ويومٍ".
стр. 1024
وقال: "مَنْ سأَلَ منكم وله أُوقَّيةٌ أو عِدْلُها؛ فقد سأَلَ إلْحافًا".
قوله: "يستكثر من النار"؛ يعني: مَن جمع أموالَ الناس بالسؤال من غير ضرورة فكأنه يجمع لنفسه نارَ جهنم.
قوله: "قَدْرُ ما يغدِّيه ويعشِّيه"، (التغدية): إطعامُ طعامِ الغَداةِ أحدًا، و (التعشية): إطعامُ طعامِ العَشاء؛ يعني: مَن كان له قُوتُ غدائه وعَشائه لا يجوز له أن يسألَ في ذلك اليوم صدقةَ التطوع، وإنما يسأل إذا لم يكن له قُوتٌ، وهو مضطرٌ، فيجوز له السؤالُ بقَدْر ما يأكل، ولا يدَّخر.
وأما الزكاةُ المفروضةُ فيجوز لمَن هو مستحقٌّ للزكاة أن يسألَها بقَدْر ما يتمُّ له نفقةُ سَنةٍ لنفسه وعياله وكسوتهم؛ لأن تفريقَ الزكاة لا يكون في السَّنة إلا مرةً.
روى هذا الحديثَ سهل ابن الحنظلية، واسم أبيه (١): الربيع بن عمرو ابن عدي الأنصاري.
قوله: "من سأل منكم وله أوقيةٌ أو عِدْلُها"؛ يعني: مَن كان له أربعون درهمًا مَن الفضة، "أو عِدْلها"؛ أي: مِثْلُها من ذهبٍ أو مالٍ آخرَ، وسألَ "فقد سأل إلحافًا"؛ أي: إلحاحًا؛ أي: إسرافًا من غير اضطرارٍ، وهذا في حق مَن يكفيه أربعون درهمًا.
روى هذا الحديثَ: عطاء، عن رجلٍ من بني حُبْشيِّ بن جُنادة السَّلُولي.
* * *
١٣١٠ - وقال: "إنَّ المَسأَلةَ لا تَحِلُّ لغنيِّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ إلا لذي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أو لذي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ومَنْ سأَلَ الناسَ ليُثريَ بهِ مالَه كانَ خُموشًا في وجهِهِ
стр. 1025
يومِ القيامةِ، ورَضْفًا يأكلُه مِن جهنمَ، فمن شاءَ فليُقِلَّ، ومن شاءَ فليُكثر".
قوله: "إلا لذي فقر مُدْقِع"؛ أي: فقر شديد، (المُدقِع): اسم فاعل من (أَدَقَعَ): إذا ألصقَه بالدَّقْعَاءِ، وهو التراب من عدم الفراش.
قوله: "أو غُرْمٍ مُفظِع"؛ (المُفظِع): اسم فاعل من (أَفظَع) إذا صار فظيعًا؛ أي: شديدًا غايةَ الشدةِ؛ يعني به: دَينًا ثقيلًا، هذا لفظ الحديث، ولكن الحكمَ جوازُ السؤال لأداء الدَّين، وإن كان الدَّينُ قليلًا.
قوله: "ليُثرِي"؛ أي: ليُكثِر.
"الرَّضْف": الحَجَر المُحمَّى، والمراد به: التحريق.
روى هذا الحديثَ حُبْشيُّ بن جُنَادة السَّلُولي.
* * *
١٣١٢ - ويُروي: "إنَّ المَسألةَ لا تَصلُحُ إلا لثَلاثةٍ: لذي فَقْرٍ مُدْقِع، أو لِذِيْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أو لذي دَمٍ مُوجِعٍ".
قوله: "أو دمٍ مُوجعٍ"؛ يعني: أو دِيَةٍ تُوجعُ أولياءَ القاتلِ أو القاتلَ؛ بأن يَلزَمَه دِيَةٌ، وليس له ولا لأوليائه مالٌ، ولا يؤديها من بيت المال؛ فقد حصلت المخاصمة والفتنة بين أولياء القاتل والمقتول في طلب الدية؛ فيجوز لواحدٍ أن يسأل الناسَ حتى يُؤديَ الديةَ، ويقطعَ بينهم الخصومة.
* * *
١٣١٣ - وقال: "مَن أصابَتهُ فاقةٌ فأَنزلَها بالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلَها بالله أَوْشَكَ الله له بالغِنى، إمَّا بموتٍ عاجِلٍ، أو غِنًى عاجِلٍ".
قوله: "فأنزلها بالناس"؛ يعني: مَن عرضَ حاجتَه على الناس وطلبَ إزالةَ فقرِه من الناس لم يُصلحوا مالَه، ولم يُزيلوا فقرَه، بل لِيَعرِضِ العبدُ فقرَه
стр. 1026
على الله، ويسألْ منه قضاءَ الحوائج.
قوله: "أوشك الله له بالغنى"؛ يعني: قَرُبَ أن يحصل الله غناه؛ إما بأن يُميتَه، أو يُعطيَه مالًا.
روى هذا الحديثَ: عبد الله بن مسعود ﵁.
* * *
٦ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك
(باب الإنفاق وكراهية الإمساك)
مِنَ الصِّحَاحِ:
(من الصحاح):
١٣١٤ - قال رسول الله ﷺ : "لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَيَسُرُّني أنْ لا يمُرَّ عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ، إلا شيءٌ أَرْصُدُه لِدَيْنٍ".
"أُرصدُه" بضم الهمزة: هذا نفس متكلم من (أَرصَدَ شيئًا): إذا أعدَّه وهيَّأه؛ يعني: إلا ما حفظتُه لأداء دَينٍ كان عليَّ، هذا يدل على أن أداءَ الدَّين مقدَّمٌ على الصدقات.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣١٥ - وقال: "ما مِن يومٍ يُصبحُ العِبادُ فيه إلا مَلَكانِ ينزِلانِ فيقول أحدُهما: اللهمَّ أَعْطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقولُ الآخرُ: اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تلَفًا".
قوله: "اللهم أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا"؛ (الخَلَف) بفتح اللام: العِوَض الصالح؛
стр. 1027
يعني: اللهم أَعطِ مَن صرفَ مالَه في الخيرات ولم يُمسِكْه عِوَضًا، وكَثِّرْ مالَه، ومَن لم يُنفِقْ مالَه في الخيرات أَتلِفْ مالَه.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣١٦ - وقال ﷺ لأسماء: "أَنفِقِيْ، ولا تُحصِي، فيُحصِيَ الله عليكِ، ولا تُوعِيْ فيُوعِيَ الله عليكِ، ارْضَخِي ما استطعتِ".
قوله: "ولا تُحصي فيُحصي الله عليك"، (الإحصاء): العَدُّ؛ يعني: ولا تُعطي مالَكِ الفقراءَ بالعَدِّ والقلة؛ فإنك لو أَعطيتِ القليلَ يعطيك الله القليلَ، وإن أعطيتِ الكثيرَ بغيرِ حسابٍ يعطيك الله الكثيرَ بغيرِ حسابٍ.
قوله: "ولا تُوعي"؛ أي: ولا تجعلي مالَكِ في الوعاء؛ أي: الظَّرف؛ يعني: لا تَمنعي مالَكِ في الوعاء عن الفقراء؛ فيمنع الله عنك نِعَمَه.
روت هذا الحديثَ: فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵃ أجمعين.
* * *
١٣١٧ - وقال: "قال الله تعالى: يا ابن آدمَ، أَنْفِقْ أُنفِقْ عليك".
قوله: "أَنْفِقْ يا ابن آدمَ أُنْفِقْ عليك"؛ يعني: أعطِ الناسَ ما رزقَك حتى أَرزُقَك.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣١٨ - وقال: "يا ابن آدمَ، إنك أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خيرٌ لك، وأَنْ تُمسِكَهُ
стр. 1028
شَرٌّ لك، ولا تُلامُ على كفَافٍ، وابدأ بمَنْ تَعُولُ".
قوله: "لا تُلَامُ على كَفَافٍ"؛ يعني: إن حفظتَ من مالك قَدْرَ قُوتِك وقُوتِ عيالك لا لومَ عليك، وإن حفظتَ أكثرَ من ذلك، ولم تتصدق بما فَضَلَ عن قُوتك فأنت بخيلٌ، والبخيلُ غيرُ محمودٍ، بل هو مذمومٌ.
روى هذا الحديثَ أبو أمامة.
* * *
١٣١٩ - وقال: "مثَلُ البَخيلِ والمُتصَدِّقِ: كمثَلِ رجلَينِ عليهما جُنَّتانِ من حديدٍ، قد اضْطُرَّت أَيديهِما إلى ثُدِيهِمَا وتَراقِيْهما، فجَعَلَ المتصدِّقُ كلَّما تَصَدَّقَ بصدقةٍ انبسطَتْ عنه، وجَعَلَ البخيلُ كلَّما همَّ بصدقةٍ قَلَصَتْ وأخذتْ كلُّ حلْقةٍ بمَكانِها".
قوله: "كمَثَل رجلَين عليهما جُنَّتان"، (الجُنَّة) بضم الجيم وبعدها نون: الدِّرع، وفي بعض الروايات: "جُبَّتان" بالباء.
قال بعض أصحاب الحديث: بالباء تصحيفٌ وسهوٌ.
قوله: "قد اضطُرت"؛ أي: عُصِرَتْ وضُمَّتْ.
قوله: "فجعل"؛ أي: طَفِقَ.
"انبسطت"؛ أي: توسَّعت.
"همَّ"؛ أي: قَصَدَ.
"قَلَصَتْ"؛ أي: اشتدت والتصقت الحِلَق بعضها ببعض؛ يعني: السَّخِيُّ المُوفَّقُ إذا قصد التصدُّقَ يَسْهُلُ عليه ويطاوعُه قلبُه، كمَن عليه دِرعٌ ويدُه تحت الدِّرع، فأراد أن يخرج يدَه من الدِّرع وينزع الدِّرع يَسْهُلُ عليه، والبخيلُ إذا أراد أن يتصدَّقَ لا يطاوعه قلبُه ويَعسُر عليه، كمن عليه دِرعٌ ضيقةٌ ويدُه تحت الدِّرع،
стр. 1029
فأراد أن يُخرجَ يدَه من الدِّرع وينزعَ الدِّرعَ فلا يُمكنه.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٢١ - وقال: "تصدَّقوا، فإنه يأْتي عليكم زمانٌ يَمْشي الرجلُ بِصدقتِهِ، فلا يجدُ من يَقبلُها، يقولُ الرجلُ: لو جئْتَ بها بالأَمسِ لَقَبلْتُها، فأما ليومَ فلا حاجةَ لي بها".
قوله: "فأما اليومَ فلا حاجةَ لي بها"؛ يعني: يصير الناسُ راغبين في الآخرة تاركين للدنيا، ويقنعون بقُوت يومٍ، ولا يدَّخرون المال.
في كل زمان قد وُجد جماعةٌ من المتوكِّلين بهذه الصفة، ولكن عامةَ الناس لم يكونوا بهذه الصفة إلا في زمان المهدي ونزول عيسى ﵉، فإن الناسَ يصيرون كلُّهم بهذه الصفة.
روى هذا الحديث حارثة بن وَهْب.
* * *
١٣٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله!، أَيُّ الصدقةِ أَعظمُ أجرًا؟، قال: "أنْ تَصَدَّق وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ تخشَى الفقرَ وتأْمُلُ الغنى، ولا تُمهِلْ حتى إذا بلغتْ الحلقومَ قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد كانَ لفُلانٍ".
قوله: "وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ"؛ أي: في حال صحتك؛ لأن الرجلَ في حال الصحة يكون شحيحًا؛ أي: بخيلًا يخشى الفقرَ، تقول له نفسه: لا تُتلِفْ مالَكَ؛ كي لا تصيرَ فقيرًا، فتحتاج إلى الناس، بل اتركْ مالَكَ في بيتك؛ لتكونَ غنيًا، ويكون لك عِزَّةٌ عند الناس بسبب غناك؛ فإن الصدقةَ في هذه الحالة أفضلُ مراغمةً للنفس.
стр. 1030
قوله: "ولا تُمهِل حتى إذا بلغتِ الحلقومَ"؛ أي: ولا تُؤخِّر الصدقةَ إلى أن بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلقومَ؛ يعني: إلى أن قَرُبْتَ من الموت وتعلم مفارقتَك من الدنيا، فتقول لوَرَثَتِك: أعطُوا الفقيرَ الفلاني كذا من مالي، واصرفوا في عمارة المسجد الفلاني كذا من مالي.
قوله: "وقد كان لفلان"؛ يعني: في هذه الحالة ثُلثا مالِكَ لوَرَثَتك، ولا يجوز تصرُّفُك في هذه الحالة فيما زاد على ثُلث مالِكَ، وأنتَ تأمرُ في هذه الحالة بصرف جميع أموالك في الخيرات، فكيف تُقبَل صدقةٌ من مالٍ ليس لك فيه حكمٌ، وهو ثُلثا مالِكَ.
* * *
١٣٢٣ - وعن أبي ذرٍّ قال: انتهيتُ إلى النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في ظِلِّ الكعبةِ، فلمَّا رآني قال: "هُمُ الأَخسرونَ وربِّ الكَعْبةِ"، فقلتُ: فِداكَ أَبِي وأُمي، مَن هم؟، قال: "هم الأكثرونَ أموالًا إلا مَنْ قال هكذا وهكذا وهكذا من بينِ يديهِ، ومِن خلفِه، وعن يميِنه، وعن شِمالِه، وقليلٌ ما هم".
قوله: "هم الأخسرون"، (هم) ضمير عن غير مذكور، ولكن يأتي تفسيره، وهو قوله: "هم الأكثرون أموالًا"؛ يعني: مَن كان مالُه أكثرَ، وإثمُه أكثرَ، وخسرانُه أكثرَ.
"إلا من قال هكذا"، (قال) هنا من قولهم: (قال بيده): إذا أشار بيده إلى جانب؛ يعني: إلا مَن حرَّك وأَعملَ يدَه في صرف ماله في الخيرات من جانب يمينه ويساره وخلفه وقُدَّامه؛ يعني: يعطي مَن سألَه ومَن رأى من المحتاجين، فمَن كان بهذه الصفة ليس من الخاسرين، بل هو من الفائزين.
قوله: "وقليل ما هم"، (ما) زائدة، و (هم) مبتدأ، و (قليل) خبره مقدَّم عليه؛ أي: هم قليلٌ؛ يعني: مَن يصرف مالَه في الخيرات صرفًا كثيرًا قليلٌ.
* * *
стр. 1031
من الحسان:
١٣٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "السَّخيُّ قريبٌ من الله قَريبٌ مِن الجنةِ قريبٌ من الناسِ بعيدٌ من النارِ، والبخيلُ بعيدٌ من الله بعيدٌ من الجنةِ بعيدٌ من الناسِ قريبٌ من النارِ، ولَجَاهِلٌ سَخيٌّ أحبُّ إلى الله من عابدٍ بخيلٍ".
قوله: "السَّخِيُّ قريبٌ من الله ... " إلى آخره، (القُرْب) هنا: قُرب من رحمة الله تعالى؛ يعني: السَّخاوةُ خَصلةٌ محمودةٌ عند الله وعند الناس، فلا جَرَمَ هو مستحقُّ الرحمةِ والحبِّ من الله ومن الناس، والبخيلُ بعكس ذلك.
قوله: "ولَجاهلٌ سَخِيٌّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابدٍ بخيلٍ"، يريد بـ (الجاهل) هنا: ضد (العابد)؛ لأنه ذكره بإزائه؛ يعني: رجلٌ يؤدي الفرائضَ ولا يؤدي النوافلَ، وهو سَخِيٌّ، أحبُّ إلى الله تعالى من رجلٍ يُكثر النوافلَ وهو بخيلٌ؛ لأن "حبَّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ"، والمراد بـ (حبِّ الدنيا): حبُّ المال.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٢٥ - وقال: "لأَنْ يَتَصدَّقَ المرءُ في حياتِه بدِرْهمٍ؛ خيرٌ له مِن أنْ يتصدَّقَ بمائةٍ عندَ موتِه".
قوله: "لأَن يتصدَّق المرءُ في حياته بدرهمٍ ... " إلى آخره؛ يعني: كلُّ فعلٍ يكون على النفس أشدَّ فثوابُه أكثرُ، والصدقةُ في الصحة على النفس أشدُّ من حال المرض، فلا جَرَمَ ثوابُه أكثرُ.
روى هذا الحديثَ أبو سعيد.
* * *
стр. 1032
١٣٢٦ - وقال: "مثَلُ الذي يتصدَّقُ عندَ موتِه أو يُعتِقُ كالذي يُهدي إذا شَبعَ"، صحيح.
قوله: "كالذي يُهدي إذا شبع"؛ يعني: الذي يُطعم الطعامَ في حال الجوع يكون على النفس أشدَّ، فثوابُه كثيرٌ، والذي يُطعم الطعامَ على الشبع لا يكون على النفس شديدًا؛ فلا جَرَمَ لم يكن ثوابُه كثيرًا، وكذلك التفاوتُ بين الصدقة في حال الصحة والمرض.
روى هذا الحديثَ أبو الدرداء.
* * *
١٣٢٧ - وقال: "خَصْلَتانِ لا تَجتمعانِ في مُؤمنٍ: البُخلُ، وسُوءُ الخُلُقِ".
قوله: "خَصلتانِ لا تجتمعانِ في مؤمنٍ"؛ أي: في مؤمنٍ كاملٍ.
روى هذا الحديثَ أبو سعيد الخُدْري.
* * *
١٣٢٨ - وقال: "لا يَجتمعُ الشُّحُّ والأيمانُ في قلْبِ عبدٍ أبدًا".
قوله: "لا يجتمع الشُّحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا": هذا تهديدٌ وزجرٌ عن البخل، وليس معناه: أن البخيلَ ليس بمؤمنٍ، ويحتمل أن يكون تأويله: لا يجتمع الشُّحُّ والإيمانُ الكاملُ.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٢٩ - وقال: "لا يدخلُ الجنَّةَ خِبٌّ، ولا بَخيلٌ، ولا مَنَّان".
قوله: "لا يدخلُ الجنةَ خبٌّ"؛ أي: مكَّارٌ مُفسِدٌ يَمكرُ بالمسلمين؛ أي:
стр. 1033
لا يدخل الجنةَ مع هذه الخصلة، حتى يُجعَلَ طاهرًا منها؛ إما بالتوبة في الدنيا، أو بأن يعفوَ الله عنه، أو بأن يُعذبَه ثم يدخل الجنةَ.
روى هذا الحديثَ أبو بكر الصدِّيق ﵁.
* * *
١٣٣٠ - وقال: "شرُّ ما في الرجلِ شُحٌّ هالِعٌ، وجبن خالعٌ".
قوله: "شرُّ ما في الرجل شُحٌّ هالِعٌ"، (الهالع): الجزع، فهو ضد (الصابر)؛ أي: بخلٌ يجزعُ صاحبُه عند إخراج الحق من ماله، و (هالع)؛ أي: ذو هَلَع.
قوله: "أو جُبن خالع"، (الخلع): نزع الشيء وإخراجه، و (الجبن): ضد الشجاعة؛ يعني: جبن يمنع الرجلَ من المحاربة مع الكفار، ويمنعُه من الدخول في الخيرات.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٧ - باب فضل الصدقة
(باب فضل الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
(من الصحاح):
١٣٣١ - قال رسول الله ﷺ : "مَن تَصَدَّقَ بعِدْلِ تَمْرةٍ من كَسْبٍ طَيبٍ - ولا يقبلُ الله إلا الطيبَ - فإن الله يتقبَّلُها بيمينِهِ، ثم يُرَبيها لصاحِبها كما
стр. 1034
يُرَبي أحدُكم فَلُوَّه حتى تكونَ مِثْلَ الجَبَلِ".
قوله: "العَدل" بفتح العين: ما يُعادل شيئًا؛ أي: يُماثل شيئًا، و (العِدْل) بكسر العين: المِثْل؛ يعني: مَن تصدَّق بتمرةٍ أو مِثْلِها من مالٍ آخرَ.
"الطيب": الحلال.
قوله: "فإن الله يتقبَّلها بيمينه"؛ أي: يَقبَلها بحسن قَبوله وحسن رضاه.
قوله: "ثم يُربيها"؛ أي: ثم يزيدها ولا يُضيعها ولا يَنقصها.
"كما يُربي أحدُكم فُلُوَّه" بفتح الفاء وتشديد الواو: المُهر، كما يربي أحدُكم مُهْرَه.
"حتى تكون مثل الجبل"؛ فكذلك يُضاعف الله جزاءَ الصدقة إلى سبع مئة ضعف، ويزيد.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٣٢ - وقال: "ما نقصَتْ صدَقةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ الله عبْدًا بعفْوٍ إلا عِزًا، وما تَواضَعَ أَحَدٌ للهِ إلا رَفَعهُ الله".
قوله: "ما نَقَصَتْ صدقةٌ من مالٍ"؛ يعني: لا ينقصُ المالُ بالصدقة، بل يزيد خيرُه وبركتُه، ويُرزَق صاحبُها أضعافَ ما أَعطَى.
قوله: "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عِزًّا"؛ يعني: لو ظلمَ أحدٌ أحدًا، وَيقدِر المظلوم على الانتقام من الظالم، فيعفو عنه يزيدُ الله عِزَّه بسبب هذا العفو.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
стр. 1035
١٣٣٣ - وقال: "مَن أَنْفَقَ زَوجَينِ من شيءٍ من الأشياءِ في سبيلِ الله دُعِيَ من أَبوابِ الجنةِ، وللجنةِ ثمانية أبوابٍ، فمَن كانَ مِن أهلِ الصلاةِ، دُعِيَ من بابِ الصلاةِ، ومَن كانَ مِن أَهلِ الجهادِ دُعيَ من بابِ الجهادِ، ومَن كان من أهلِ الصدقةِ دعُي من باب الصَّدَقةِ، ومَنْ كانَ مِن أهلِ الصِّيامِ دُعي من بابِ الرَّيانِ"، فقالَ أبو بَكْرٍ: ما على مَن دُعيَ من تلكَ الأبوابِ مِن ضرورةٍ، فهل يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟، قال: "نعم، وأَرجُو أنْ تكونَ مِنْهم".
قوله: "مَن أَنفق زوجَين من شيءٍ من الأشياء"، قد جاء في بعض الروايات: أنه قيل لرسول الله ﵇: "وما زوجان؟ قال: فَرَسَانِ أو عَبْدَانِ أو بَعِيرانِ من إبله"؛ معناه: مِن كل شيءٍ يُتصدَّق به يُشفَع من ذلك الجنس؛ أي: يُعطَى شيئَين لا شيئًا واحدًا، فإن أَعطَى الدرهمَ يُعطَى الدرهمَين، وإن أَعطَى ثوبًا يُعطَى ثَوبَين، وكذلك جميع الأشياء.
قوله: "فمَن كان من أهل الصلاة"؛ يعني: مَن كان يُكثر صلاةَ النافلة إذا قَرُبَ من الجنة نُودِيَ من باب الصلاة: يا عبدَ الله! ادخلِ الجنةَ من هذا الباب.
"ومَن كان من أهل الجهاد"؛ يعني: يُكثر الجهادَ نُودِيَ أيضًا من باب الجهاد، وكذلك جميع الخيرات.
قوله: "من باب الريَّان": ضد (العطشان)؛ يعني: يُسقَى الصائمُ من ذلك الباب شرابًا طهورًا قبل أن يدخلَ وسطَ الجنة؛ ليزولَ عطشُ الصيام عنه.
قوله: "ما على مَن دُعِيَ من تلك الأبواب من ضرورة"، (ما): نفي، و (مِن) في (من ضرورة): زائدة؛ لأن (مِن) بعد حرف النفي لا تكون إلا زائدة، إلا ما شذَّ، وتقديره: ما ضرورةٌ؛ أي: ليس ضرورةٌ على مَن دُعي من تلك الأبواب واحتياجٌ؛ يعني: لو دُعِيَ من بابٍ واحدٍ يحصل مرادُه، وهو دخولُ الجنة، وليس عليه ضرورةٌ واحتياجٌ إلى أن يُدعَى من جميع الأبواب،
стр. 1036
ومع أنه لا ضرورةَ عليه في أن يُدعَى من جميع الأبواب، فهل يكون أحدٌ يُدعَى من جميع الأبواب؟
"فقال رسول الله ﷺ : نعم": يكون جماعةٌ كثيرون يُدعَون من جميع الأبواب.
"وأرجو أن تكون منهم": فمَن كثرت صلاتُه وصيامُه وجهادُه وغيرُ ذلك من الخيرات نُودِيَ من كلِّ بابٍ: يا عبدَ الله! ادخلْ من هذا الباب.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٣٥ - وقال: "اتَّقُوا النارَ ولو بِشِقِّ تَمْرةٍ، فإنْ لم تَجدْ فبكلِمة طَيبةٍ".
قوله: "اتقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرة"؛ يعني: ادفعوا النارَ عن أنفسكم بالخيرات من الصدقات والصيام وغير ذلك.
"ولو بشق تمرة"؛ يعني: بنصف تمرة تتصدَّقون به؛ فإن الصدقةَ تدفع النارَ، وإن كانت قليلةً.
روى هذا الحديثَ عَديُّ بن حاتم.
* * *
١٣٣٦ - وقال: "يا نساءَ المُسلِماتِ، لا تحقِرَنَّ جارةٌ لِجَارتِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ".
قوله: "لا تَحقرَنَّ جارةٌ لجارتها، ولو فِرسِنَ شاةٍ"، (الفِرْسِن): لحم بين ظلفَي الشاة، تقديره: لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتها صدقة ولو فِرْسِنَ شاةٍ؛ يعني: لا ينبغي لامرأةٍ أن تتركَ الصدقةَ إلى جارتها وإن كانت تلك الصدقةُ شيئًا قليلاً، ولا ينبغي لها أن تستحي من الصدقة بشيء قليلٍ، فإن الله تعالى يقبَل القليلَ،
стр. 1037
ويَجزِي به جزاءً كثيرًا.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٣٧ - وقال: "كلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقةٌ".
قوله: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ"، (المعروف): ما عُرف من جملة الخيرات؛ يعني: كلُّ ما فيه رضا الله تعالى من الأفعال والأقوال فهو صدقةٌ.
روى هذا الحديثَ جابر.
* * *
١٣٣٨ - وقال: "لا تحقِرَنَّ من المَعْروفِ شيئًا ولو أَنْ تَلقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلِيْقٍ".
قوله: "لا تَحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تَلقَى أخاك بوجهٍ طليقٍ"، (الوجه الطليق): الذي فيه بشاشةٌ وفرحٌ؛ يعني: افعلِ الخيراتِ كلَّها قليلَها وكثيرَها.
ومن الخيرات: أن يكون وجهُك ذا بشاشةٍ وفرحٍ إذا رأيتَ مسلمًا، فإنه يَصِلُ إلى قلبه سرورٌ إذا تركتَ العُبوسَ وتتلطف عليه.
ولا شك أن إيصالَ السرورِ إلى قلوب المسلمين حسنةٌ.
روى هذا الحديثَ أيضًا جابر.
* * *
١٣٣٩ - وقال: "على كلِّ مُسلِم صدَقةٌ"، قالوا: فإنْ لم يجدْ؟، قال: "فيعملُ بيدَيهِ، فينفعُ نفْسَه، ويتصدَّقُ"، قالوا: فإنْ لم يستطِعْ أَوْ لم يفعلْ؟،
стр. 1038
قال: فلْيُعِنْ صاحِبَ الحاجةِ المَلْهُوف"، قالوا: فإنْ لم يفعلْ؟ قال: "فليَأْمُرْ بالخَيرِ"، قالوا: فإن لم يفعل؟، قال: "فليُمْسِكْ عَن الشَّرِّ، فإنَّه له صدَقةٌ".
قولهم: "فإن لم يجد"؛ يعني: فإن لم يجد كلُّ مسلمٍ صدقةً ماليةً؛ يعني: لا يجد من المال ما يتصدَّق به.
قوله: "فيُعين ذا الحاجة الملهوف" المتحيرَ في أمره، وصاحبَ الحزن.
روى هذا الحديثَ أبو موسى الأشعري.
* * *
١٣٤٠ - وقال: "كلُّ سُلامَى من الناسِ عليهِ صدقةٌ، كلَّ يومٍ تطلُعُ فيه الشَّمسُ يعدِلُ بين الاثنينِ صدقةٌ، ويعينُ الرجلَ على دابَّتِهِ، فيَحمِلُ عليها أو يرفعُ عليها مَتاعَه صدَقةٌ، والكَلِمةُ الطَّيبةُ صدَقةٌ، وكلُّ خُطْوةٍ يَخطُوها إلى الصَّلاةِ صدَقةٌ، ويُميطُ الأذَى عن الطَّريقِ صدَقةٌ".
قوله: "كلُّ سُلَامَى من الناس عليه صدقةٌ"، (السُّلَامى): عَظْم الإصبع، السّلاميات: جمع؛ يعني: على كل واحدٍ من الإنسان بعددِ كلِّ مِفْصَلٍ في أعضائه صدقةٌ؛ شكرًا لله تعالى بأن جعلَ في عظامه مفاصلَ يَقدِر على قبضِ أصابعه ويدَيه ورجلَيه وغير ذلك وبسطِها، فإن هذه نِعَمٌ عظيمة؛ فإذنه لو جَعلَ أعضاءَه بغير مِفْصَلٍ يكون كلوحٍ أو خشبٍ لا يَقدِر على القبض والبَسط والقيام والقعود والاضطجاع.
قوله: "يَعدِل بين الاثنين"؛ يعني: تُصلح بين الخصمَين وتَدفع ظلمُ ظالمٍ عن المظلوم.
قوله: "ويُميط الأذى"؛ أي: وتَدفع وتُبعد ما يؤذي الناسَ عن طريق المسلمين.
стр. 1039
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٤١ - وقال: "خُلِقَ كلُّ إنسانٍ من بني آدمَ على ستِّينَ وثلاثمائةِ مَفْصِلٍ، فمَنْ كبَّر الله، وحَمِدَ الله، وهَلَّلَ الله، وسبَّح الله، واستغفرَ الله، وعزَلَ حجَراً عن طَريقِ النَّاسِ، أو شَوكةً، أو عَظْمًا، أو أَمرَ بمَعْروفٍ أو نَهَى عن مُنْكَرٍ عَددَ تِلكَ الستينَ والثلاثمائةِ فإنَّه يَمْشِي يومَئذٍ وقد زَحْزَحَ نفسَهُ عن النَّارِ".
قوله: "وعزلَ حَجَرًا"؛ أي: أَبعدَ حَجَرًا.
قوله: "عدد تلك الستين وثلاث مئة"، يعني: عدَّ بعدد كلِّ مِفْصَلٍ صدقةً؛ أي: فقد فعلَ بعدد كل واحدٍ منها خيرًا.
قوله: "زحزح نفسَه عن النار"؛ أي: أَبعدَ نفسَه.
روت هذا الحديثَ عائشة ﵂.
* * *
١٣٤٢ - وقال: "إنَّ بِكلِّ تَسْبيحةٍ صدقةً، وكلِّ تَكْبيرةٍ صدَقةٌ، وكلِّ تَحْميدةٍ صدقةٌ، وكلِّ تَهْليلةٍ صدَقةٌ، وأَمرٍ بالمَعروفِ صدَقةٌ، ونَهْيٍ عنْ مُنكرٍ صدَقةٌ، وفي بُضْعِ أحدِكم صدقةٌ"، قالوا: يا رسولَ الله!، أيأْتِي أَحدُنا شهوتهُ ويكونُ له فيها أجرٌ؟، قال: "أَرأَيتُم لَو وَضَعَها في حَرامٍ، أكانَ عليهِ فيهِ وِزْرٌ؟، فكذلكَ إذا وضَعَها في الحَلالِ كانَ له أجْرٌ".
قوله: "إن بكل تسبيحةٍ صدقةً"، تقديره: أي تحصل للرجل بكل تسبيحة صدقةٌ؛ أي: كلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ.
قوله: "وفي بُضْعِ أحدِكم صدقةٌ"، (البُضع): الفَرْج؛ يعني: إذا جامَعَ
стр. 1040
الرجلُ منكوحتَه أو مملوكتَه تحصل له صدقةٌ.
روى هذا الحديثَ أبو ذر الغِفَاري.
* * *
١٢٤٣ - وقال: "نِعْمَ الصَّدَقةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشَّاةُ الصَّفيُّ مِنحةً، تَغْدُو بإناءٍ، وتَرُوحُ بآخَرٍ".
قوله: "نِعمَ الصدقةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنحةً"، (اللِّقحة): الناقة ذات اللبن، (الصَّفِيُّ): كثيرة اللبن، (مِنْحةً): نصب على التمييز، والمِنْحَة: الناقة التي يعطيها الرجلُ فقيرًا ليشربَ من لبنها مدةً، ثم يردها إلى مالكها؛ فمدح رسولُ الله ﵇ هذا الفعل.
قوله: "تغدو بإناءٍ وتروح بآخرَ"؛ يعني: تحلب من لبنها ملءَ إناءٍ في وقت الغداة، وملءَ إناءٍ آخرَ في وقت المساء.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٤٤ - وقال: "ما مِن مُسلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرعُ زَرْعًا، فيأكْلُ منهُ إنسانٌ أو طَيْر أو بَهيْمةٌ إلا كانتْ له صدَقةٌ".
ويروى: "ما سُرِقَ منه لهُ صدَقةٌ".
قوله: "ما من مسلم يَغرِس غَرسًا ... " إلى آخره؛ يعني: بأي سببٍ يُؤكَل مالُ الرجل يحصل له الثوابُ.
روى هذا الحديثَ أنس.
* * *
стр. 1041
١٣٤٥ - وقال: "غُفِر لامرأةٍ مُومِسَةٍ مرَّتْ بكلْبٍ على رأْسِ رَكيًّ يَلْهثُ، كَادَ يَقتلُه العَطَشُ، فنَزَعَتْ خُفَّها، فأوْثَقَتْه بِخِمارِها، فَنَزَعَتْ لهُ من الماءِ، فغُفِرَ لها بذلك"، قيل: إنَّ لَنا في البَهائِم أَجْرًا؟، قال: "في كلِّ ذاتِ كَبدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ".
قوله: "غُفِرَ لامرأةٍ مُومِسَة"، (المُومِسَة): الفاجرة.
"الرَّكِيُّ": البئر.
"يَلْهَث"؛ أي: يُخرج لسانَه من العطش.
"فأَوثقتْه"؛ أي: شدَّتْه.
قوله: "في كل ذاتِ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ"؛ يعني: بإطعامِ كلِّ حيوانٍ وسَقْيه يحصل لك أجرٌ، بشرط ألا يكون الحيوانُ مأمورًا بقتله كالعقرب والحية وغيرهما.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٤٦ - وقال: "عُذَّبت امرأةٌ في هِرَّةٍ أَمْسَكَتْها حتى ماتَتْ مِنَ الجُوعِ، فلم تكنْ تُطْعِمُها، ولا تُرسلُها فتأكلَ من خَشاشِ الأَرضِ".
قوله: "في هِرَّة"؛ أي: في أمرِ هِرَّةٍ وسببها.
"خَشَاش الأرض" بفتح الخاء: هوامُّ الأرض وحشراتها، و (الخِشَاش) بكسر الخاء: الخشب الذي يُجعَل في أنف البعير.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٤٧ - وقال: "مرَّ رجلٌ بغُصْنِ شَجَرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ، فقالَ: لأُنحَّينَّ
стр. 1042
هذا عن طريقِ المُسلمينَ لا يُؤْذيهم، فأُدخِلَ الجنَّةَ".
"لأُنحيَنَّ"؛ أي: لأُبعدَنَّ.
قوله: "لايؤذيهم"؛ أي: كي لا يؤذيهم.
قوله: "فأُدخلَ" الجنةَ؛ أي: فأَبعدَ ذلك الغصنَ عن طريق المسلمين، فأُدخِلَ الجنةَ بهذا الخير.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٤٨ - وقال: "لَقَدْ رأَيتُ رجُلاً يتقلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرةٍ قطَعَها مِن ظَهْرِ الطَّريقِ، كانتْ تُؤذي النَّاسَ".
قوله: "في شجرة"؛ أي: في أمرِ شجرةٍ وسببها؛ يعني: إذا أَبعدَ شجرًا أو غصنَ شجرٍ عن طريق المسلمين، فأُدخِلَ الجنةَ.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٥٢ - وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَّدَقةَ لَتُطفِئ غضَبَ الرَّبِّ، وتَدفَعُ مِيْتةَ السُّوءِ".
قوله: "وتدفع مِيتةَ السوء"، و (الميتة) أصله: مِوْتَة، فقُلبت الواوُ ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، وهي اسمٌ من (مات يموت)، و (مِيتة السوء): ما تعوَّذ منه رسول الله ﵇ في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي، ومن الغَرَق والحَرْق والهَرَم، وأعوذ بك من أن يتخبَّطني الشيطانُ عند الموت، وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مُدبرًا، وأعوذ بك من أن أموتَ لديغًا".
стр. 1043
روى هذا الحديثَ الذي فيه (ميتة السوء): أنس، ورَوى هذا - أعني: "اللهم إني أعوذ بك ... " إلى آخره -: أبو اليَسَر.
* * *
١٣٥٣ - وقال رسول الله ﷺ : "الصَّدَقةُ تُطْفِئُ الخَطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النَّارَ".
قوله: "الصدقةُ تُطفِئ الخطيئةَ"؛ أي: الصدقةُ تُزيل الذنوبَ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
روى هذا الحديثَ معاذ بن جبل.
* * *
١٣٥٤ - وقال: "كلُّ مَعْروفٍ صَدَقةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقَى أَخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ، وأنْ تُفرِغَ من دَلْوِكَ في إِناءِ أَخيكَ".
قوله: "وأن تُفرِغَ من دَلْوِكَ في إناء أخيك"؛ يعني: إذا استقيت الماءَ من بئرٍ وجاءك مسلمٌ على رأس البئر، فتعطيه ماءَك؛ كي لا يحتاجَ إلى تعبِ الاستقاء، ثم استَقيتَ مرةً أخرى لنفسك يكون لك هذا صدقةً.
روى هذا الحديثَ جابر.
* * *
١٣٥٥ - وقال "تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخيكَ صَدقةٌ، وأَمرُكَ بالمَعروفِ صدَقةٌ، ونهيُكَ عن المُنكَرِ صدَقةٌ، وإِرشادُكَ الرَّجلَ في أَرضِ الضَّلالِ لكَ صدَقةٌ، ونَصْرُكَ الرَّجلَ الرَّديءَ البصَرِ لكَ صدَقةٌ، وإِماطتُكَ الحجَرَ والشَّوكَ والعَظْمَ عن الطَّريق لك صدَقةٌ، وإفْراغُكَ من دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخيكَ لكَ صدقةٌ"، غريب.
стр. 1044
قوله: "في أرض الضلال"؛ أي: في أرضٍ لا علامةَ فيها للطريق يَضلُّ فيه الرجل.
قوله: "الرديء البَصَر"، (الرديء) ضد (الجيد)، والمراد منه: الذي لا يُبصر أو يُبصر قليلاً.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٣٥٧ - وقال: "أَيُّمَا مُسلِمٍ كَسَا مُسلِمًا ثَوبًا على عُريٍ؛ كسَاه الله مِن خُضْرِ الجنَّةِ، وأَيُّما مُسلمٍ أَطْعَمَ مُسلمًا على جوعٍ أَطعَمَهُ الله مِنْ ثِمَارِ الجنَّة، وأَيُّما مُسلمٍ سَقَى مُسلِمًا على ظَمَأٍ سَقاهُ الله من الرَّحيقِ المَخْتُومِ".
قوله: "على ظمأ سَقَاه الله تعالى من الرحيق المختوم"، (الظمأ): العطش، (الرحيق): الخمر، (المختوم): الذي وُضعَ عليه الختمُ؛ كي لا يصلَ إليه أحدٌ غير أصحابه.
روى هذا الحديثَ أبو سعيد.
* * *
١٣٥٨ - وقال: "إِنَّ في المَالِ لَحَقَّاً سِوى الزَّكاةِ، ثم تلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآيةَ".
قوله: "إن في المال لَحقًّا سوى الزكاة"، (حق المال): ألا يُحرَم السائلُ، وألا يَمنَع متاعَ بيته من استعارةٍ، كالقِدْر والقَصْعَة وغيرهما، ولا يَمنَع أحدًا الماءَ والملحَ والنارَ.
روت هذا الحديثَ فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية.
* * *
стр. 1045
١٣٦٠ - وقال: "مَنْ أَحيَا أَرضًا مَيْتةً فله أَجْرٌ، وما أَكلَتْ العافيَةُ منهُ فهوَ له صدَقةٌ".
قوله: "وما أكلتِ العافيةُ"، (العافية): كلُّ طالبٍ رزقًا من إنسان ودوابَّ وطيرٍ.
روى هذا الحديثَ جابر.
* * *
١٣٦١ - وقال: "مَن مَنَحَ مِنْحَةَ وَرِقٍ، أو أَهدى زُقَاقًا، أو سَقَى لَبنًا؛ كان له كعِدْلِ رقَبةٍ أو نَسَمةٍ".
وفي روايةٍ: "كانَ لهُ مِثْلُ عِتْق رقَبةٍ".
قوله: "مَن مَنَحَ مِنْحَةَ وَرِقٍ"؛ أي: مَن أعطَى عطيةً، "أو هدى - بتخفيف الدال - زُقاقًا"؛ يعني: أو دلَّ ضلالًا إلى زُقاقٍ، وهي السِّكَّة؛ يعني: يدلُّه إلى سِكَّتِه أو بيتِه.
ورُوي: "هدَّى زُقاقًا" بتشديد الدال؛ يعني: مَن وقفَ بسِكَّةٍ من النخل؛ أي: صفًا وبستانًا، أو تصدَّق بها.
"العدْل" - بكسر (١) العين -: المِثْل.
قوله: "أو نسمة": شكٌّ من الراوي في أن النبي ﵇ قال: (كعدْلِ رقبةٍ، أو قال: كعدْلِ نسمة)، (النسمة): الإنسان، والمراد بالرَّقبة والنَّسمة: العبد.
روى هذا الحديثَ البراء.
* * *
стр. 1046
١٣٦٢ - عن أبي تَمِيْمَةَ الهُجَيْمي، عن أبي جُرَيًّ جابرِ بن سُلَيم قال: رأيتُ رجلاً يصدرُ الناسُ عنْ رأْيهِ، قلتُ: مَن هذا؟، قالوا: رسولُ الله ﷺ قلتُ: عليكَ السَّلامُ، يا رسولَ الله مرَّتين، قال: "لا تقلْ: عليكَ السلامُ، عليكَ السلامُ تحيةُ الميِّتِ!، قلْ: السَّلامُ عليكَ"، قلت: السلامُ عليكَ، قلتُ: أنتَ رسولُ الله؟، قال: "أنا رسولُ الله الذي إذا أَصابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كشَفَ عنكَ، وإِنْ أصابَكَ عامُ سَنةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لك، فإذا كنتَ بأرضٍ قَفْرٍ أو فَلاةٍ فَضَلَّتْ راحلَتُكَ فدعوتَه ردَّها عليكَ"، قلتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، قال: "لا تَسُبن أحدًا"، فما سبَبْتُ بعدَه حُرًّا ولا عَبْدًا ولا بَعْيرًا ولا شاةً، قال: "ولا تحقِرَنَّ شيئًا من المَعْروف، وأنْ تُكلِّم أخاكَ وأنتَ مُنبسِطٌ إليه وجهُك، إِنَّ ذلكَ مِنَ المَعروفِ، وارفَعْ إزارَكَ إلى نِصْفِ السَّاقِ، فإنْ أَبَيْتَ فإلى الكَعْبَينِ، وإيَّاكَ وإسبالَ الإِزارِ، فإنَّها من المَخِيْلةِ، وإِنَّ الله لا يحبُّ المَخِيْلةَ، وإنِ امرؤٌ شتمَكَ وعيَّرَكَ بما يعلمُ منكَ فلا تُعَيرُهُ بما تعلَمُ منه، فإنَّما وبالُ ذلكَ عليهِ".
وفي رواية: "فيكونُ لكَ أجرُ ذاكَ، ووبالُهُ عَليهِ".
قوله: "رأيت رجلاً يَصدُرُ الناسُ عن رأيه"؛ يعني: يعملُ الناسُ ما يأمر، ويقولون ما يأمر، ولا يخالفون أمره.
قوله: "عليك السلامُ تحيةُ الميت"، كان الرجل لا يعرف الفرقَ بين: السلام عليك، وبين: عليك السلام، فقال رسول الله ﵇: (عليك السلامُ تحيةُ الميت)؛ يعني: هذا اللفظ يقال في المقابر؛ لأنه لا يُتوقَّع الجوابُ من الميت، وأما الحيُّ يُتوقَّع الجوابُ منه، فقُل: (السلام عليك)، ليقول هو لك: وعليك السلام.
стр. 1047
قوله: "عامُ سَنَةٍ"، أي: عامُ قحط، وعامٌ لا تُنبت الأرضُ شيئًا.
"بأرضٍ قَفْرٍ"، (القَفْر): الفلاة الخالية من النبات والشجر، والمراد منه: المفازة البعيدة.
قوله: "اعهَدْ إليَّ"؛ أي أَوصِنِي.
قوله: "ولا تَحقِرَنَّ شيئًا من المعروف"؛ أي: ولا تتركَنَّ شيئًا من المعروف.
قوله: "وأنت منبسطٌ إليه"؛ أي: وأنتَ ذو بَشَاشةٍ تتواضع إليه، ويتطيَّب كلامُك له، حتى يفرحَ قلبُه بحسن خُلقك.
قوله: "وارفع إزارَك"؛ أي: ليكن سراويلُك وقميصُك قصيرَين.
"فإن أبيتَ"؛ يعني: فإن تركتَ جعلَ إزارك قصيرًا إلى نصف الساق فاجعلْه أسفلَ من نصف الساق، ولكن بشرط ألا يكونَ أسفلَ من الكعب.
قوله: "وإياك وإسبالَ الإزار"؛ يعني: (وإياك)؛ أي: فاحذَرْ من إطالة الذَّيل؛ فإنها من التكبُّر.
قوله: "عيَّرك": أي: عَذَلَكَ ولامَكَ بما يعلم من عيبك، فلا تَعْذِلْه بما تعلم من عيبه.
* * *
١٣٦٣ - عن عائشة ﵂: أنهم ذَبَحوا شاةً، فقالَ النبيُّ ﷺ : "ما بقيَ منها؟ "، فقالت: ما بقِيَ إلا كَتِفُها، قال: "بقِيَ كلُّها غيرَ كتِفِها"، صحيح.
قوله: "ما بقي منها؟ "، (ما) للاستفهام.
стр. 1048
قوله: "بقي كلُّها إلَاّ كتفَها)؛ يعني: ما تُصدِّقَ به فهو باقٍ، وما بقي عندك فهو غيرُ باقٍ، كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
* * *
١٣٦٥ - عن عبد الله بن مَسْعود - يرفعُه - قال: "ثلاثةٌ يُحبهم الله: رجلٌ قامَ من اللَّيل يَتلُو كتابَ الله، ورجلٌ يتصدَّقُ بصدَقةٍ بيمينِهِ يُخفيها - أُراهُ قالَ مِن شِمَالِهِ، ورجلٌ كانَ في سَرِية، فانهزَمَ أَصحابُه، فاستْقَبلَ العَدوَّ", غريب.
قوله: "أُراه" بضم الهمزة؛ أي: أظنُّه، قال: يخفيها من شماله.
* * *
١٣٦٦ - عن أبي ذَرًّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثةٌ يُحِبُّهم الله، وثلاثةٌ يُبغِضُهم الله، فأَما الذين يُحِبُّهم الله: فرجلٌ أَتَي قَومًا، فسأَلهَم بالله ولم يسألْهم لقَرابةٍ بينَهُ وبينَهم فَمَنَعُوه، فتَخَلَّفُ رجلٌ بأَعقابهم فأعطاه سِرًّا، لا يعلمُ بعطيَّتِهِ إلا الله والذي أَعطاهُ، وقومٌ سَارُوا ليلَتَهم حتى إذا كَانَ النَّومُ أحبَّ إليهم مما يُعدَلُ، به فَوَضَعُوا رؤُوسَهم، فقامَ سِرًّا، يتمَلَّقُني ويتلُو آياتي، ورجلٌ كانَ في سَرِيةٍ، فلَقُوا العَدوَّ، فهُزِمُوا، فأَقبلَ بصَدْرِهِ حتى يُقتلَ أو يُفتَحَ له، والثلاثةُ الذين يُبغِضهُم الله: فالشيخُ الزَّاني، والفَقيرُ المُخْتَالُ، والغَنيُّ الظَّلُومُ".
قوله: "ولم يَسأَلْهم لقرابةٍ"؛ يعني: يقول السائل: أَسأَلُكم وأَعطُوني بالله، ولم يقل: أسألكم بحق قرابةٍ بيني وبينكم؛ يعني: إذا سألَ بالله وَجَبَ إجابتُه؛ تعظيمًا لاسم الله، فإذا منعوه فقد احترموا أجرًا عظيمًا، فإذا أعطاه واحدٌ سرًّا فيه فضيلتان، إحداهما: أنه عظَّم اسم الله، والثانية: أنه تصدَّق سرًّا، وصدقةُ السِّرِّ لها فضيلةٌ.
стр. 1049
قوله: "فتخلَّف رجلٌ بأعيانهم"؛ أي: تأخَّر واستتر من بينهم إلى جانبٍ حتى لا يَرَوه، ثم أعطى الفقيرَ سرًّا.
(العَين) لها معانٍ كثيرةٌ، ومن جملتها: النفس، يقال: عينُ فلانٍ؛ أي: نفسُه وذاتُه، وهو المراد هنا، (بأعيانهم)؛ أي: بأنفسهم.
قوله: "مما يُعدَل به"؛ أي: مما يقابل بالنوم؛ يعني: غلب عليهم النوم حتى صار النومُ أحبَّ إليهم من كل شيء يعطونه في مقابلة النوم.
قوله: "يتملَّقُني"؛ أي: يتواضع إليَّ ويتضرَّع، ويبكي من خشيتي.
قوله: "في سَرِيَّة"؛ أي: في جيش.
"المختال": المتكبر، "الظَّلُوم": كثيرُ الظلمِ.
* * *
١٣٦٧ - عن أَنَسٍ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "لَمَّا خلَقَ الله الأرضَ جَعلَتْ تَمِيدُ، فخلَقَ الجِبَالَ فقال بها عليها، فاستقرَّتْ، فعجِبَتِ المَلائكةُ من شِدَّةِ الجِبالِ، فقالوا: يا ربَّ، هل مِنْ خلْقِكَ شيءٌ أشَدُّ من الجبالِ؟، قال: نَعَم، الحديد فقالوا: يا ربَّ، هَلْ من خلْقِكَ شيءٌ أَشدُّ من الحديدِ؟ قال: نَعَم، النارُ، فقالوا: يا ربَّ، هل مِنْ خلْقِكَ شَيْءٌ أشدُّ مِنَ النارِ؟، قال: نعم، الماء، فقالوا: يا ربِّ، هل مِنْ خلقِكَ شيءٌ أشدُّ من الماء؟، قال: نعم، الريحُ، فقالوا: يا ربِّ، فهل مِنْ خلقِكَ شيءٌ أشدُّ مِنَ الريحِ؟، قال: نعم، ابن آدم تَصَدَّقَ صدقةً بيمينِهِ يُخفيها مِنْ شِمالِهِ"، غريب.
قوله: "جعلَتْ تَمِيدُ"، (جعلت)؛ أي: طَفِقَتْ، (تميد): أي: تتحرَّك ولا تستقرُّ.
стр. 1050
"فقال بها عليها"، الباء في (بها) تحتمل أن تكون بمعنى اللام، وحينَئذٍ مفعوله محذوف، وتقديره: أمر الله تعالى الملائكة بوضع الجبال على الأرض.
قوله: "الحديد"، وشدةُ الحديد من أجل أنه يَكسِر الحَجَرَ، فتكون أشدَّ من الجبال، وشدةُ النار من أجل أنها تُذيبُ الحديدَ، وشدةُ الماء من أجل أنه يُطفِئ النارَ، وشدةُ الريح من أجل أنها تَقطَع الماءَ وتشقُّه وتفرِّقه.
وكونُ تصدَّق بني آدم سرًّا أشدُّ من الريح؛ إما لعظم ثوابه، فإن ثوابَ التصدُّق في حال السرَّ أعظمُ من هذه الأشياء، وإما لأنه مخالفةُ النفس وقهرُ الشيطان، وهذان الوصفانِ أعظمُ أيضًا من هذه الأشياء، وإما لأنه تحصيلُ رضا الله تعالى وتبعيدُه من الرياء، ولا شك أن تحصيلَ رضا الله تعالى والإخلاصَ أعظمُ من هذه الأشياء.
* * *
٨ - باب أَفْضَل الصَّدَقة
(باب أفضل الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٦٨ - قال النبيُّ ﷺ : "خيرُ الصَّدقةِ ما كانَ عن ظَهْرِ غِنًى، وابدأْ بمَنْ تَعُولُ".
قوله: "خيرُ الصدقة ما كان عن ظَهرِ غِنىً"، (الظَّهر): زائدة في المعنى؛ أي: عن غِنًى، وإما كان: خيرُ الصدقة ما كان عن ظَهر غِنًى؛ لأن معنى (غنى) هنا: أن يترك قُوتَ نفسه وعياله، ويتصدَّق بالفضل، فيكون التصدُّقُ بما فضل عن قُوتِه وقُوتِ عياله أفضلَ من أن يتصدَّقَ بجميع ماله، ويتركَ نفسَه وعيالَه في الجوع والشدة.
стр. 1051
رواه أبو هريرة.
* * *
١٣٦٩ - وقال: "إذا أَنفقَ المُسلِمُ على أهلِهِ نفقةً وهو يَحتَسِبُها كانتْ له صدقةً".
قوله: "وهو يحتسبها"، (الاحتساب): طلب الثواب من الله تعالى؛ يعني: إذا أَنفقَ على عياله ويطلب من الله الثوابَ يحصل له الثواب, وإن أنفقَ لا لله، بل لأجل عشقٍ وشهوةٍ له مع زوجته أو ولده، أو ينفق عليهم لا لله ولطلب الثواب، بل يؤذيهم ويمنُّ عليهم، ويظن الإنفاقَ عليهم ظلمًا؛ فلا يحصل له ثوابٌ من الله بهذا الإنفاق.
روى هذا الحديثَ أبو مسعود الأنصاري.
* * *
١٣٧٠ - وقال: "دِينْارٌ أنفقتَهُ في سَبيلِ الله، ودِينارٌ أنفقتَهُ في رقبةٍ، ودِينْارٌ تصدَّقتَ بِه على مِسْكينٍ، ودينارٌ أنفقتَهُ على أَهْلِكَ، أَعظَمُها أَجْرًا الذي أنفقتَهُ على أَهلِكَ".
قوله: "دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله"؛ أي: في الغزو.
"دينارٌ أنفقتَه في رقبة"؛ أي: في إعتاقِ رقبةٍ.
"أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك"، وإنما كان الإنفاقُ على الأهل أفضلَ؛ لأنه صدقةٌ وصلةُ الرحم.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
стр. 1052
١٣٧١ - وقال: "أَفْضَلُ دينارٍ ينفقُهُ الرجلُ: دينارٌ يُنفقُهُ على عيالِهِ، ودينارٌ يُنفِقُهُ على دابَّتهِ في سبيلِ الله، ودينارٌ يُنفقُهُ على أصحابهِ في سبيلِ الله".
قوله: "أفضلُ دينارٍ يُنفقُه الرجلُ ... " إلى آخره؛ يعني: الإنفاقُ على هؤلاء الثلاثة أفضلُ من الإنفاق على غيرهم.
روى هذا الحديثَ ثوبان مولى رسول الله ﵇.
* * *
١٣٧٣ - وعن زَيْنَبَ امرأةِ عبدِ الله بن مَسْعودٍ قالتْ: انطلقتُ إلى النبيَّ ﷺ ، فوجدتُ امرأةً من الأَنْصارِ على البابِ حاجتُها مثْلُ حاجتي، وكانَ رسولُ الله ﷺ قد أُلقِيَت علَيه المَهابةُ، قالت: فخرجَ علينا بلالٌ، فقلنَا له: ائتِ رسولَ الله، فأخبره أنَّ امرأَتينِ بالبابِ تسأَلانِكَ: أَتُجزِئُ الصَّدَقةُ عنهما على أَزواجِهما، وعلى أَيتامٍ في حُجورِهما، ولا تُخْبرْهُ مَن نحنُ، فدخلَ، فسأَلَهُ، فقال: "مَن هما؟ "، قال: زينبُ، قال: قال: "أَىُّ الزَّيانِب؟ "، قال: امرأةُ عبدِ الله بن مَسْعود، قال: "نعَمْ، لَهُما أَجرانِ: أجرُ القَرابةِ، وأجرُ الصَّدَقةِ".
قولها: "أُلقيت عليه المَهَابةُ"، (المهابة): العَظَمة والخوف؛ يعني: أَعطَى الله تعالى رسولَه مهابةً يخاف منه الناسُ.
قولها: "وعلى أيتامٍ في حجورهما"، (الحُجُور) جمع: الحِجْر، وهو من الثوب ما تحت الصدر إلى الذيل؛ يعني: على أولاد لهما، ليس لأولئك الأولاد أبٌ.
فإن قيل: قد قالت زينبُ لبلالٍ: "لا تُخبرْه مَن نحن"، ثم أَخبرَ بلالٌ رسولَ الله ﵇ مَن هنَّ؟
قلنا: لم يكن على بلالٍ طاعةُ زينبَ فرضًا حتى يأثمَ بمخالفتها، وكانت إجابةُ
стр. 1053
رسولِ الله ﵇ بما سأله فرضًا، وكذلك لو قال أحدٌ لأحدٍ: قُلْ هذا، أو افعَلْ هذا، أو: لا تقل، أو لا تفعل؛ لا يجب عليه طاعتُه إلا أن يُقسِمَ عليه بأن يقول: بالله عليك، أو أقسمتُ عليك أن تفعلَ كذا، فحينَئذٍ له أن يُطيعَه.
* * *
١٣٧٤ - وقالت مَيْمونة بنت الحارِث: يا رسولَ الله!، إني أَعتقتُ وَلِيدَتِي، قال: "أَمَا إنَّك لو أَعطيتِها أَخْوَالَكِ كانَ أَعظمَ لأَجْرِك".
قولها: "وليدتي"؛ أي: جاريتي.
"أما"؛ أي: اعلَمْ، يستوي فيه خطاب المذكر والمؤنث.
قوله: "كان أعظمَ لأجرك"، وإنما كان إعطاؤها أخوالَها أعظمَ لأجرها؛ لأن أخوالَها كانوا محتاجين إلى خادم، فلو أَعطَتْها أخوالَها كان صدقةً وصلةَ رَحِمٍ، والإعتاقُ شيءٌ واحدٌ، وهو الصدقة، ولا شك أن خيرَينِ أفضلُ من خيرٍ واحدٍ.
* * *
١٣٧٦ - وعن أبي ذَرًّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طَبخْتَ مرَقةً فأَكْثِرْ ماءَها، وتَعَاهدْ جيرانَكَ".
قوله: "وتَعَاهَدْ جيرانَك"، (الجيران) جمع: جار؛ يعني: أَعطِ جيرانَك من ذلك الطبخ نصيبًا؛ يعني: لا تجعلْ ماءَ قِدْرِك قليلًا؛ ليكونَ مرقُها كثيرَ اللذة؛ فإنك حينَئذٍ لا تَقدِر على تعاهُدِ جيرانك، بل اجعَلْ ماءَ قِدْرِك كثيرًا؛ ليبلغَ نصيبٌ منه إلى جيرانك، وإن لم يكن لذيذًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٧٧ - عن أبي هريرة أنه قال: يا رسولَ الله، أيُّ الصدقةُ أَفْضَلُ؟،
стр. 1054
قال: "جُهْدُ المُقِلِّ، وابدَأْ بمَنْ تَعولُ".
قوله: "جُهْدُ المُقِلِّ"؛ (الجهد) بضم الجيم: الطاقة والاستطاعة، و (المُقِلُّ): الفقير؛ يعني: أفضلُ الصدقة ما قَدرَ عليه الفقيرُ أن يعطيَه المسكينَ، والمراد بـ (المُقِل): الغني القلب.
والتوفيق بين هذا الحديث وبين قوله ﵇: "أفضل الصدقة ما كان عن ظَهر غِنًى": أنه يريد بهذا (المُقِل): الذي يصبر على الجوع، وإعطاء قُوته إلى الفقراء، وأراد بـ (الغني): الذي لا يصبر على الجوع والشدة، فمَن صبرَ على الجوع، وإعطاء قُوته، أو إعطاء ما فضل عن قُوت يومه إلى الفقراء فالإعطاءُ في حقِّه واختيارُ الجوعِ أفضلُ، كما مدحَ الله تعالى الأنصار ﵃ بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؛ أي: جوعٌ وفقرٌ.
وقد جاء في تفسير هذه الآية: أن ضيفًا نزل برسول الله ﵇، ولم يكن في حُجراته شيءٌ من الطعام، فقال ﵇: "مَن يعطي هذا الضيفَ طعامًا؛ فإنه ليس عند آل محمد طعام؟ " فقال رجل: أنا يا رسولَ الله، فذهب إلى بيته ولم يكن في بيته من الطعام إلا قَدْرُ كَفَافِ واحدٍ، وكان له امرأةٌ وأولادٌ، فقال لامرأته: اجعلي أولادك مشغولين من الطعام بأن تحدِّثيهم حتى يناموا، ففعلَتْ، فنام أولادها، ثم قال لامرأته: أَسْرِجي عند الضيف سراجًا، وأَحضرِي الطعامَ عنده، فإذا وضعتِ الطعامَ عنده فقُومِي إلى السراج بحيث يظن الضيفُ أنك تُصلِحينَ السراجَ، ثم أَطفِئي السراجَ بحيث لا يدري الضيفُ، ثم نقعد أنا وأنت عند الضيف في الظلمة، ونُحول ونُدير ألسنتَنا في أفواهنا حتى يظنَّ أنَّا نأكلُ معه، ولا نأكلُ حتى يشبعَ الضيفُ، ففعلَتْ كما أمرَها زوجُها، فأكل الضيفُ حتى شبعَ، ونام المُضيفُ وزوجتُه وأولادُه على الجوع، فلما أصبحَ المُضيفُ ذهبَ إلى رسول الله ﵇، فضحكَ النبيُّ ﷺ في
стр. 1055
وجهه، وتعجَّب بما فعل، فقرأ ﵇ هذه الآية، وقال: "نزلت فيك هذه الآية".
وأما مَن لا يصبر على الجوع فالأفضلُ في حقِّه: أن يتركَ قُوتَه ثم يتصدق بما فَضَلَ.
وفي الجملة: يَحرُم على الفقير والغني أن يصرفَ قُوتَ عياله على الفقراء، ويتركَهم على الجوع؛ إلا إذا رَضُوا وأَذِنُوا له بأن يصرفَ قُوتَهم على الفقراء لأجل الثواب.
* * *
١٣٧٨ - وقال: "الصَّدقةُ على المِسْكِين صدَقةٌ واحدةٌ، وهي علَى ذِي الرَّحِم ثنتانِ: صدَقةٌ وصِلَةٌ".
قوله: "الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وهي على ذي الرَّحِم ثِنْتَانِ؛ صدقةٌ وصِلَةٌ"؛ يعني: الصدقةُ على الأقارب أفضلُ؛ لأنها صدقةٌ وصلةُ الرحم.
روى هذا الحديثَ سلمان بن عامر ﵁.
* * *
١٣٨٠ - عن ابن عباس ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَلَا أُخبرُكم بخيرِ الناس؟، رجلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فرَسِهِ في سبيلِ الله، ألا أَخبُركم بالذي يتلُوهُ؟، رجلٌ معتزِلٌ في غُنَيْمَةٍ له يؤدَّي حقَّ الله - تعالى - فيها، ألا أُخبرُكم بِشرِّ الناسِ؟، رجلٌ يُسألُ بالله، ولا يُعطي بِه".
قوله: "بالذي يَتْلُوه"؛ أي: يتبعُه ويكون بعده في الدرجة.
"مُعتزِل"؛ أي: متباعِد ومنفرد عن الناس إلى موضعٍ خالٍ من الصحارى والبوادي.