كيلا يراه الفقراء.
وقيل: معناه: ومن حقها أن يحلبها في اليوم الذي شربت فيه الماء، ولا يحلبها في يوم لم تَسْتقِ فيه الماء، ويكون عطشُها فيه؛ لأن العطش ضررٌ ومشقَّةٌ، وحلبها مشقةٌ أخرى، فيلحقها مشقَّتان.
قوله: "بُطح لها (١) بقاعٍ قرقرٍ"، (بطح) بضم الباء وكسر الطاء؛ أي: أُلقي على وجهه، (القاع والقرقر) كلاهما: الموضع المستوي، وذكر كِلَا اللفظين للتأكيد.
قوله: "أوفر"؛ أي: أَتمَّ ما كانت في الدنيا.
"لا يفقد"؛ أي: لا يَعْدَمُ ولا ينقص "منها فصيلًا"؛ أي: ولدًا، بل تحضر جميعها "تطؤه"؛ أي: تضربه الإبل "بأخفافها"؛ أي: بأرجلها، وأصل (تطأ): تَوْطَأ، فحُذفت الواو.
"وتَعَضُّه بأفواهها"؛ أي: وتأخذه بأسنانها، وتشقُّ جلده وتعذِّبه؛ لأنه لم يُخرج الزكاة منها.
قوله: "كلما مرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها" هكذا في "المصابيح"، وفي "شرح السنة"، وفي بعض الروايات المذكورة في كتاب مسلم.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أنه قال: "كلما مضى عليه أُخراها رُدَّت عليه أُولاها".
وفي رواية أبي ذر: "كلما جازت أُخراها ردَّت عليه أُولاها".
والروايتان الأخيرتان أقرب إلى المعنى؛ لأن الردَّ إنما يكون إذا انتهى مرور آخر قطار الإبل، فإذا مَرَّ الآخِرُ يعاد الأول.
стр. 982
يعني: أبدًا تمرُّ عليه إبلُه وتضربه بأخفافها وتعضُّه بأسنانها مرةً بعد أخرى في عرصة القيامة حتى يفرغ من حساب العباد.
قوله: "ليس فيها عقصاء"، (العقصاء): الشاة أو البقرة مال قرنُها إلى خلف أذنها، "الجلحاء": التي لا قرن لها، "العضباء": المكسورة القرن، يعني: بقره وغنمُه يوم القيامة ليست بهذه الصفات؛ لأنَّ الشاة التي لها صفةٌ من هذه الصفات لا تقدر على النطح، ولا يكون نطحها شديدًا، بل يكون لها يومئذٍ قرنان مستويان؛ ليكون نطحها لصاحبها شديدًا.
"النطح": الضرب بالقرن أحدًا، و"الوطء": الضرب بالرجل، "الأظلاف": جمع ظِلْفٍ، والظِّلْفُ للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس.
قوله: "والخيل ثلاثة"؛ يعني: رَبْطُ الرجلِ الخيلَ على ثلاثة أنواع.
قوله: "في سبيل الله"؛ أي: ليجاهد الكفار على ظهرها، "فأطال لها في مرج"، (المرج): المرعى؛ يعني (١): طوَّل حبلها لترعى في المرعى.
قوله: "فما أصابت في طيلها"؛ (الطيل) أصله: طِوْل - بالواو - فقُلبت الواو ياءً لأن الياء أخفُّ من الواو، و (الطيل): الحبلُ الذي يشدُّ أحد طرفيه إلى وتدٍ أو شجر، وطرفه الآخر إلى يد الفرس ليرعى في المرعى كي لا يفر، يعني: فما وجد من العلف في ذلك المرج يحصلُ لمالكها بذلك أجرٌ؛ لأن نيته في ذلك الجهاد، وهو طاعةٌ عظيمة.
قوله: "فاستنَّت"؛ أي: ركضت "شرفًا"؛ أي: طَلَقًا وشوطًا، وهو العَدْوُ من موضعٍ إلى موضع.
"آثارها"؛ أي: خطواتها.
стр. 983
"وأرواثها"؛ أي: ما يسقط من الروث، وهو السِّرْجين.
يعني: يحصل بجميع حركاتها وسكناتها لمالكها أجرٌ.
قوله: "ولم يُرِدْ أن يسقيها"؛ يعني: لو شربت الفرس بنفسها من غير أن يسقيها مالكها، يحصل له أيضًا ثواب.
قوله: "تغنيًا وتعفُّفًا"، (التغنِّي): إظهارُ الغنى، و (التعفُّف): إظهار العِفَّة، وهي حفظ النفس عن الفواحش والسؤال، يعني: رَبَطَ الفرس ليركبها إذا مشى في قضاء حوائجه كيلا يحتاج إلى أن يسأل مركوبًا أحدًا.
ويحتمل أن يريد به: ربطها للنتاج؛ ليحصل له بنتاجها استعناءٌ، وكلُّ ذلك مباح.
قوله: "ثم لم ينسَ حق الله تعالى" أراد به عند الشافعي: أنه لو طلبها أحد ليركبها إلى موضع، أو وَجَد مضطرًا عاجزًا في الطريق، لم يبخل بها، بل يُرْكِبه عليها.
وعند أبي حنيفة: المراد به الزكاة.
قوله: "فهي له ستر"، (الستر) هنا: ما يحفظه عن السؤال والاحتياج إلى مال أحد، بل يستغني بها وبنتاجها عن مال غيره.
قوله: "فخرًا ورياء"؛ يعني: يربط الخيل ليفخر بها على الفقراء، وليظهر عن نفسه التكبر والعظمة.
قوله: "ونواءً لأهل الإسلام"، النِّوَاء والمُناوَأة: المخاصمةُ المحارَبة، يعني: ليحارب المسلمين على ظهرها.
"فهي على ذلك وِزْرٌ"؛ يعني: تكون تلك الفرس على ذلك القصد والنية وزرًا لصاحبها.
стр. 984
قوله: "وسئل رسول الله ﵇ عن الحمر"؛ يعني: هل يجب الزكاة فيها أم لا؟، (الحمر): جمع حمار.
قوله: "ما أنزل عليَّ فيها"؛ يعني: ما أنزل عليَّ وجوبُ الزكاة فيها، إلا أنه داخلٌ في حكم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]؛ يعني: إنْ عاون بها أحدًا يجد ثواب ذلك، وذلك بأن يعطيها أحدًا عارية ليركبها، أو يحمل عليها حملاً.
قوله: "الفاذة"؛ أي: المنفردة؛ يعني: ليس في القرآن آيةٌ مثلُها في قلة الألفاظ، وجمع معاني الخير والشر فيها.
روى هذا الحديث - أعني: من قوله: "والخيل ثلاثة" إلى هنا - أبو هريرة.
* * *
١٢٤٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن آتَاهُ الله مالًا فلَم يؤدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعًا أقرعَ له زَبيبتانِ، يُطَوِّقُه، ثم يأخذُ بِلِهْزِمَتَيهِ - يعني شِدْقيه - يقول: أنا مالُكَ أنا كنزُكَ"، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠].
قوله: "مثِّل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان"، (مُثِّل): ماضٍ مجهولٌ من التمثيل، وهو جَعْلُ شيءٍ مثلَ شيءٍ آخَرَ، (الشجاع): الحية الذَّكَر، (الأقرع): الذي ذهب الشعر من رأسه من غاية سمِّه، (الزبيبتان): نكتتان سوداوان فوق عينيه، وكلُّ حيةٍ لها زبيبتان فهي أخبثُ الحيات، يعني: جُعل له مالُه حيةً تُطْبقُ على عنقه وتَلدَغُه؛ لأنه لم يُخرج الزكاة منها.
* * *
стр. 985
١٢٤٧ - وعن جَريرٍ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أَتاكُم المُصَدِّقُ فليَصْدُرْ عنكم وهو عنكم راضٍ".
قوله: "إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو عنكم راض"، (المصدق): الساعي، وهو الذي يجمع الزكاة للمستحِقِّين، (فليَصْدُر)؛ أي: فليرجع؛ يعني: حصِّلوا رضاه.
روى هذا الحديث جرير بن عبد الله.
* * *
١٢٤٨ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أتَاه قومٌ بِصَدَقَتِهِمْ قال: "اللهم صَلِّ على آلِ فُلانٍ"، فأَتاهُ أَبِي بصدقتِه فقال: "اللهم صلِّ على آلِ أبي أَوْفَى".
وفي روايةٍ: إذا أتى الرجلُ النبيَّ ﷺ بصدقته فقال: "اللهم صَلِّ عليه".
قوله: "إذا أتاه قوم بصدقتهم"؛ يعني: إذا أعطى أحدٌ الزكاة "قال" رسول الله ﵇: "اللهم صل على آل فلان" أو: "على قوم فلان".
هذا يدلُّ على أن المستحبَّ للساعي أن يدعو لمعطي الزكاة، بأن يقول: آجَرَكَ الله فيما أعطيت، وبارك فيما أبقيتَ، وجعله لك طهورًا، ولا يقول: اللهمَّ صل على فلان؛ لأن الصلاة على النبي، وله أن يقول لغيره [أما نحن] فلا يجوز لنا أن نصلِّي إلا على نبينا وغيره من الأنبياء، وكذلك يجوز على الملائكة.
* * *
١٢٤٩ - عن أبي هريرة أنَّه قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عُمرَ على الصَّدقةِ، فقيل: منعَ ابن جَميلٍ وخالدُ بن الوَليد والعبَّاسُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما ينقِمُ ابن جَميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسولُه؟، وأما خالدٌ فإنكم تَظلِمُونَ
стр. 986
خالدًا، قد احتبسَ أَدراعَهُ وأَعتُدَه في سبيلِ الله، وأما العبَّاسُ فهي عليَّ ومثلُها معها"، ثم قال: "يا عمرُ، أَمَا شَعرتَ أنَّ عمَّ الرجلِ صِنْوُ أبيه".
قوله: "بعث رسول الله ﵇ عمر على الصدقة"؛ يعني: بعثه ليأخذ الزكاة من أرباب الأموال.
قوله: "فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس" جاء أحدٌ إلى رسول الله ﵇ وشكا من هؤلاء الثلاثة، وقال: لا يؤدُّون الزكاة، فعاب رسول الله ﵇ ابن جميل في منع الزكاة.
وقيل: لا عذر له في منع الزكاة، لكنه كفر نعمة الله تعالى عليه، فإنه كان فقيرًا فأعطاه الله تعالى المال، فجزاء هذه النعمة الرغبة في أداء الزكاة لا منعُ الزكاة.
قوله: "ما ينقم ابن جميل"، نقم الرجل أمرًا: إذا عدَّه قبيحًا، و (نقم): إذا غضب وكره شيئًا؛ يعني: ما يَغْضبُ ابن جميل على طالب الزكاة، وما يكره أداء الزكاة، إلا لكفران نعمة الله تعالى.
قوله: "أغناه الله ورسوله" إنما عطف ﵇ نفسَه على لفظة (الله)؛ لأنه ﵇ كان سببًا وهاديًا له إلى الإسلام ووجدانِ الغنيمة.
قوله: "فإنكم تظلمون خالدًا"؛ يعني: تطلبون منه من غيرِ أن تكون الزكاةُ عليه واجبةً، وهذا ظلم.
قوله: "قد احتبس أدراعه وأَعتُدَه في سبيل الله تعالى"، (احتبس)؛ أي: وقف، (الأدراع): جمع درع، و (الأعتد) بفتح الهمزة وبالتاء المنقوطة من فوقها بنقطتين وبضمها: جمع عتاد، وهو ما يعدُّ للحرب من السلاح، وما يعدُّ لأمرٍ آخر أيضًا.
وقصته (١): أن الساعي وجد عند خالد شيئًا من آلات الحرب وأفراسًا،
стр. 987
وقد سمع أو ظنَّ أن خالدًا جعل هذه الأشياء للتجارة، وطلب منه زكاة التجارة ولم يُعطه خالد، فشكى إلى رسول الله ﵇ مَنْعَ خالدٍ الزكاةَ، فقال رسول الله ﵇: ليست هذه الأشياءُ مالَ التجارة، بل جعلها خالدٌ وقفًا في سبيل الله تعالى، ولا زكاة في الوقف.
وقد قيل في تأويله غير هذا، ولكن المختار هذا.
قوله: "فهي عليَّ ومثلُها معها": قال أبو عبيدة: تأويله: أن رسول الله ﵇ أخَّر زكاةَ تلك السنة لعباس والسنةَ الثانية؛ لأنْ يؤدِّيَها في السنة الثالثة زكاة السنتين الماضيتين، لمَّا رأى احتياج عباس وضيقَ يده، قوله: "عليَّ"؛ أي: أنا ضامنٌ بوصول هذه الزكاة من عباس إلى المستحِقِّين.
وقيل: تأويله أنه ﵇ أخذ زكاة سنتين من العباس قبل وجوبها، فلما طلب الساعي الزكاة من العباس، قال رسول الله ﵇: قد وصلت إليَّ زكاتُه.
قوله: "ومثلها معها"؛ أي: زكاة هذه السنة ومثلُها؛ أي: زكاة السنة الثانية، وتعجيلُ زكاة سنةٍ جائزٌ، وفي السنة الثانية خلافٌ.
قوله: "أما شعرت"؛ أي: أما علمتَ، الهمزة للاستفهام، وما للنفي.
قوله: "صنو أبيه"، (الصنو): النخلة التي تَنبتُ بجنب نخلةٍ أخرى بحيث يكون أصلهما واحدًا، يعني ﵇: الرجل وأبوه كلاهما من أصلٍ واحد؛ يعني: إذا علمت أنه وأبي من أصلٍ واحد فلا تقلْ له ما يتأذَّى منه محافظةً لجانبي.
روى هذا الحديث أبو هريرة، وأبو الزناد.
* * *
стр. 988
١٢٥٠ - وعن أبي حُمَيْد السَّاعِدي قال: استعمل النبيُّ ﷺ رجلًا من الأَزْد يقال له: ابن اللُّتْبيَّةِ على الصدقةِ، فلمَّا قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهديَ لي، فخطبَ النبيُّ ﷺ ، فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: "أمَّا بعدُ، فإنِّي أَستعملُ رجالًا منكم على أُمورٍ ممَّا ولَاّني الله، فيأْتي أحدُهم فيقولُ: هذا لكم، وهذه هديةٌ أُهديتْ لي، فهلَاّ جلسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمِّه فينظرَ أَيُهدى له أم لا؟، والذي نفسي بيده لا يأْخذُ أَحدٌ منه شيئًا إلا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملُهُ على رقبَتِهِ، إنْ كان بَعيرًا له رُغاءٌ، أو بقَرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ"، ثم رفَعَ يديه حتى رأَينا عُفْرَةَ إبطَيهِ فقال: "اللهم هل بَلَّغتُ؟، ثلاثًا".
قوله: "استعمل رسول الله ﵇ رجلًا"؛ أي: جعله عاملًا في جمع الزكاة، "الأزد": قبيلة.
قوله: "ابن اللتبية" اسم هذا الرجل: عبد الله، و (اللُّتَب) بضم اللام وفتحِ التاء المنقوطة من فوقها بنقطتين وبعدها باءٌ منقوطةٌ من تحتها بنقطةٍ: اسم قبيلة.
و (اللتبية): اسم أمِّ هذا الرجل، وهي منسوبةٌ إلى قبيلة اللتب، وهذا الرجل مشهورٌ بإضافته إلى أمه.
قوله: "هذا لكم وهذا أهدي إلي"؛ يعني: قال لبعض ما معه من المال: هذا مال الزكاة، وقال لبعضه الآخر: هذا ما أعطانيه القوم بالهدية.
قوله: "ولاني الله"؛ أي: جعلني الله فيه حاكمًا.
قوله: "فهلا جلس"؛ أي: لمَ لمْ يجلس في بيته، فينظر هل أعطاه أحدٌ شيئًا أم لا؟ يعني: لا يجوز للعامل أن يقبل هديةً؛ لأنه لا يعطيه أحدٌ شيئًا إلا أن يطمع في أن يترك بعض زكاته، وهذا غيرُ جائزٍ منه؛ أي: من مال الزكاة.
قوله: "إن كان بعيرًا له رغاء"، (الرغاء): صياح البعير وصوته، (الخوار): صوتُ البقر، يَعَرَ المعز يَيْعَر: إذا صاح، يعني: مَن سرق شيئًا في الدنيا من مال
стр. 989
الزكاة وغيرها، يجيءُ يومَ القيامة وهو حاملٌ لِمَا سرق إن كان حيوانًا له صوت رفيع؛ ليعلم أهل العرصات حاله؛ لتكون فضيحته أشهر.
ويأتي تمام هذا الحديث في (قَسم الغنائم).
قوله: "عفرة إبطيه"؛ أي: ما نبت فيه الشعر من تحت إبطيه.
قوله: "اللهم هل بلغت" ذكر هذا تقريرًا وعِظةً على الناس؛ ليكون أكثر وقعًا وتعظيمًا وحفظًا في خواطرهم، يعني: الله تعالى شاهدي على تبليغ حال السرقة حتى لا ينكروا تبليغي يوم القيامة.
* * *
١٢٥١ - وقال: "مَن استعْمَلْنَاهُ منكم على عمَلٍ، فَكَتَمَنا مَخِيطًا فما فوقَه؛ كانَ غُلُولًا يأْتي به يومَ القيامةِ".
قوله: "فكتمنا مخيطًا"، (المخيط) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء: الإبرة، يعني: مَن أخفى منه شيئًا، وسرق منا شيئًا من ذلك المال حتى إبرةً فما فوقها، أو أقلَّ منها؛ يكون ذلك غلولًا؛ أي: خيانة، ويكون ذلك على رقبته إذا جاء يوم القيامة.
* * *
من الحِسَان:
١٢٥٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كَبُرَ ذلكَ على المسلمين فقالوا: يا نبيَّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابكَ هذه الآية، فقال: "إنَّه ما فرضَ الزكاةَ إلا ليُطَيبَ ما بقيَ من أموالِكم"، فكبَّر عمرُ، ثم قال: "أَلا أُخبرُكم بخيرِ ما يَكْنِزُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحةُ، إذا نظرَ إليها تَسُرُّه، وإذا أمرَها أطاعَتْهُ، وإذا غابَ عنها حَفِظَتْهُ".
قوله: "كبر ذلك على المسلمين"؛ يعني: خافوا من هذه الآية وقالوا:
стр. 990
لا بد لنا من ذخيرةٍ ندَّخرها ليومٍ نحتاج إليها، والذخيرةُ من جملة الكنز، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] فما لنا في الادخار؟
فقال رسول الله ﵇: "ما فرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم" ومعنى (ليطيب): ليُحِلَّ؛ يعني: مَن أدى الزكاة لم يكن في الكنز عليه إثم، ولم يكن من الذين قال الله تعالى لرسوله ﵇: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
قوله: "فكبر عمر"؛ يعني: ففرح عمر بذلك، وكبَّر حمدًا لله على أنْ دفع الله تعالى الإثم عن عباده بإعطاء الزكاة.
قوله: "ثم قال: ألا أخبرك"؛ أي: ثم قال رسول الله ﵇ لعمر: ألا أخبرك؟ إنما يكنز الرجلُ المال لينتفع به، وكلُّ ما فيه النفعُ أكثر فهو خير وأولى للادِّخار، فالمرأة الصالحة خيرُ ما يدَّخِرُ الرجل؛ لأن النفع فيها أكثر؛ لأنه إذا نظر إليها تسرُّه، يعني: يحصل له منها تلذُّذٌ، فتُكسر الشهوة، ويُدفع الزنا، وهذه منفعةٌ كثيرة.
ثم إذا أمرها بأمرٍ أطاعته وخدمت، فهذا أيضًا منفعةٌ، وإذا غاب الرجل عنها حفظته؛ أي: حفظت حقَّه وإنعامه عليها، فلم تَخُنْه بأنْ تُسْلِم نفسَها إلى أجنبي، بل تدوم على عفَّتها وصلاحها، وحفظِ بيت زوجها ومالِه وأولاده، فهذه أيضًا منفعةٌ كثيرة.
وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى ترك الكنز وجمع المال، والاختصارِ إلى اتخاذ منكوحةٍ صالحة.
* * *
١٢٥٣ - وقال: "سَيأْتيكُم رَكْبٌ مُبَغَّضونَ، فإذا جاؤوكم فرحِّبوا بهم،
стр. 991
فَخلُّوا بينَهم وبينَ ما يَبتغُون! فإنْ عَدَلُوا فلأِنفُسِهِمْ، وإنْ ظَلَمُوا فعليها، فأَرْضُوهم، فإنَّ تَمامَ زكاتِكم رِضاهُم، ولْيَدْعوا لكُم".
وفي روايةٍ: "أَرْضُوا مُصَدِّقيكم"، قالوا: وإنْ ظلَمُونا يا رسولَ الله؟، قال: "أرضوا مصَدِّقيكم وإنْ ظُلِمْتُمْ".
"ركبٌ مبغَّضون" أراد بهم: الذين يجمعون الزكاة، يعني: قد يكون بعض العاملين سيئَ الخُلُق متكبرًا، فاصبروا على سوء خلقهم.
(المبغَّض) بفتح الغين وتشديدها: الذي جُعل بغيضًا في قلوب الناس، والبغيض: مَن كرهه الناس، وهو ضدُّ الحبيب، يعني: العاملين الذين لهم خلقٌ سيئٌ يكرههم الناس لسوء خلقهم.
ويجوز: (مُبْغَضون) بسكون الباء، وهو مفعولٌ، من أَبغض الرجل أحدًا: إذا كرهه.
وكِلَا الوجهين - أعني: تشديد الغين وتخفيفها - ممكنٌ هنا.
قوله: "فرحِّبوا بهم"؛ أي: قولوا لهم: مرحبًا وأهلًا؛ أي: احفظوا عزَّتهم وتعظيمهم.
قوله: "وخلُّوا بينهم وبين ما يبتغون"؛ أي: يطلبون، يعني: كيفما يأخذون الزكاة لا تمنعوهم، وإن ظلموكم؛ لأن مخالفتهم مخالفةُ السلطان؛ لأنهم مأمورون من جهته، ومخالفةُ السلطان غيرُ جائزٍ.
قوله: "فإن عدلوا فلأنفسهم"؛ يعني: إن عَدَلوا في أخذ الزكاة أكثرَ ممَّا وجب وتركوا الظلم، فلهم الثواب.
قوله: "وإن ظلموا فعليها"؛ أي: وإن أخذوا الزكاة أكثرَ ممَّا وجب عليكم فعليها؛ أي: فعلى أنفسهم إثمُ ذلك الظلم، وليس عليكم إثمٌ بظلمهم، بل يكون لكم الثواب بتحمُّل ظلمهم.
стр. 992
قوله: "فإن تمام زكاتكم رضاهم"؛ يعني: أعطوهم وإن طلبوا أكثر مما يجب عليكم، فإنكم لو لم تُعطوهم ما طلبوا لعصيتم أولي الأمر.
وتمام الزكاة بشيئين: بأداء الزكاة، وطاعةِ أولي الأمر؛ فمَن ترك واحدًا منهما لم تكن زكاته تامةً.
روى هذا الحديث جابر بن عَتِيكٍ الأنصاريُّ.
* * *
١٢٥٤ - وقال بشيرُ بن الخَصَاصِيَّة: قُلنا: إنَّ أهلَ الصدقةِ يعتدونَ علينا، أَفَنَكْتُم مِن أموالِنا بقدرِ ما يعتَدون علينا؟، فقال: "لا".
قوله: "يعتدون علينا"، (الاعتداء): مجاوزةُ الحد؛ يعني: يأخذون منا أكثر مما يجب علينا.
قوله: "أفنكتم من أموالنا بقَدْرِ ما يعتدون علينا"؛ يعني: إذا علمنا أنهم يأخذون عن خمسٍ من الإبل شاتين، مع أن واجبها شاةٌ واحدة، فإن كان لنا عَشْرٌ من الإبل فهل يجوز أن نكتم خمسًا، ونقولَ لهم: ليس لنا إلا خمس، حتى إذا أخذوا شاتين عن خمسٍ لا يكون علينا ظلم؟
قوله ﵇ في جوابهم: "لا"، وإنما لم يرخِّص في كتمان شيء من المال؛ لأنه لو رخَّص لهم في كتمان شيء لكان بعض الناس كتموا بعض أموالهم مع أن العاملين لا يظلمون عليهم، ولأن كتمان بعض المال خيانةٌ، والخيانةُ كذبٌ ومكر.
روى هذا الحديث بشير بن الخَصَاصِيَة السدوسي.
* * *
стр. 993
١٢٥٥ - وقال رسول الله ﷺ : "العاملُ على الصدقةِ بالحقِّ، كالغازي في سبيلِ الله حتى يرجعَ إلى بيتِهِ".
قوله: "العامل على الصدقة بالحق"؛ يعني: عامل الزكاة إذا لم يظلم أرباب الأموال، ولم يأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم، ولم يأخذ أقلَّ مما يجب عليهم، فهو كالغازي في الثواب.
روى هذا الحديث رافع بن خديج.
* * *
١٢٥٦ - وقال: "لا جَلَبَ، ولا جَنَب، ولا تُؤخَذ صدقاتُهم إلا في دُورِهم".
قوله: "لا جلب"، (الجلب): الجذبُ والجمع؛ يعني: لا يجوز للعامل أن ينزل إلى موضع بعيدٍ من موضع أرباب الأموال ويأمرَ أربابَ الأموال أن يجتمعوا ويجمعوا أموالهم عنده ليأخذ زكاتهم؛ لأن في إتيانهم وسَوْقِ مواشيهم من مواضعهم إلى الموضع الذي نزل فيه العامل مشقةٌ عليهم، بل يأتي العامل إلى مواضع أرباب الأموال ويأخذ زكاتهم في موضعهم، وهذا معنى قوله: "لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".
قوله: "ولا جنب"، (الجنوب): التباعُدُ؛ يعني: لا يجوز لأرباب الأموال أن يَبْعُدوا من مواضعهم المعهودة إلى مواضع بعيدةٍ بحيث يكون على العامل مشقةٌ في إتيانهم.
روى هذا الحديث عبد الله بن عمر.
* * *
١٢٥٧ - وعن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن استفادَ مالًا فلا زكاةَ فيهِ
стр. 994
حتى يَحولَ عليهِ الحَولُ"، والوقْف على ابن عمرَ أَصحُّ.
قوله: "من استفاد مالًا"؛ أي: مَن وجد مالًا وعنده نصابٌ من ذلك الجنس، مِثْلَ أن يكون للرجل ثمانون شاةً، ومضى عليها ستةُ أشهر، ثم اشترى أحدًا وأربعين شاة، فإذا مضى ستة أشهر يجب عليه شاةٌ للثمانين؛ لأنه تمَّ حولُها، ولا يجب عليه للأحد والأربعين التي اشتراها شيءٌ حتى يتم عليها حولٌ من وقت الشراء، فإذا تم عليها حولٌ من وقت الشراء يجب عليه شاةٌ لها؛ لأن المستفاد لا يكون تبعًا للمال الموجود في ملكه قبل المستفاد، هذا قولُ الشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكون المستفاد تبعًا للمال الموجود في ملكه، فإذا تم حول الثمانين يجب عليه شاتان للثمانين وللأحد والأربعين، كما أن النتاج تبعٌ للأمهات.
قوله: "والوقف على ابن عمر أصح"؛ يعني: بعض الرواة يروي هذا الحديث عن ابن عمر عن رسول الله ﵇، وبعضهم يرويه: عن ابن عمر، ولا يقول ابن عمر: قال رسول الله ﵇، وهذا هو الأصح.
* * *
١٢٥٩ - عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ وَلِيَ يتيمًا له مالٌ فَلْيَتَّجِرْ فيهِ، ولا يَتْركْه حتى تأْكْلَه الصَّدَقَةُ"، ضعيف.
قوله: "ولا يتركه حتى تأكله الصدقة"؛ يعني: لو لم يتَّجر في ماله حتى يحصلَ الربح ويؤدِّيَ الزكاة من ماله، ينقص كلَّ سنةٍ من أصل ماله بقَدْرِ الزكاة، فيَفْنَى ماله، ووجوبُ الزكاة في مال الصبي مذهبُ الشافعي ومالك وأحمد.
وأما مذهب أبي حنيفة: فلا زكاة في مال الصبي، إلا في مالٍ يجب فيه العُشر؛ فإنه يقول بوجوب العشر كالباقين.
стр. 995
٢ - باب ما تجب فيه الزَّكاةُ
(باب ما تجب فيه الزكاة)
من الصحاح:
١٢٦٠ - قال رسول الله ﷺ : "ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسُقٍ من التمرِ صدَقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسِ أَوَاقٍ من الوَرِق صدَقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسٍ ذَوْدٍ من الإبلِ صدقةٌ".
قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسقٍ من التمر صدقة"، (فيما دون)؛ أي: فيما هو أقلُّ من خمسة أوسق.
(الأوسق): جمع الوَسْق - بسكون السين - وهو ستون صاعًا، قَدْرُ خمسة أوسُقٍ ثمان مئة منٍّ، كلُّ منٍّ مئتا درهم وستون درهمًا، وهذا هو النصاب في النبات والتمر والزبيب.
وما لم تبلغ الحبوبُ والتمر والزبيب نصابًا لا تجب فيه الزكاة عند الشافعي.
وأما عند أبي حنيفة: تجب الزكاة في القليل والكثير من الحبوب والتمر والزبيب وغيرها من النبات.
قوله: "وليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة"، (الأواقي): جمع أُوقية، وهي أربعون درهمًا، ومجموعها مئتا درهم، و (الورق): الفضة.
قوله: "خمس ذود": أي: خمسة رؤوس (١) من الإبل، و (الذود): من الثلاثة إلى العشرة من الإبل.
стр. 996
ولا خلاف في أنه لا تجب الزكاة في الورق حتى يكون مئتي درهم، وفي الذهب حتى يكون عشرين دينارًا، وفي الإبل حتى تكون خمسة رؤوس.
روى هذا الحديث أبو سعيد.
* * *
١٢٦١ - وقال: "ليسَ على المُسلِم صَدَقةٌ في عبْدِه ولا فَرَسِه".
قوله: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه".
* * *
١٢٦٢ - وقال: "ليسَ في العبدِ صدقةٌ إلا صَدَقةُ الفِطْرِ".
قوله: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
روى هذين الحديثين أبو هريرة.
يعني: لا زكاة في الفرس والعبيد، إلا أنه تجب زكاة الفطر عن العبيد، هذا عند الشافعي ومالك.
وأما عند أبي حنيفة: تجب الزكاة في الفرس إذا كان أنثى، في كلِّ فرس دينار، وإن شاء مالكها قوَّمها وأخرج من كلِّ مئتي درهم خمسةَ دراهم.
* * *
١٢٦٣ - عن أنس: أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كتبَ له هذا الكتابَ لَمَّا وجَّهَه إلى البَحْرينِ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضةُ الصَّدَقةِ التي فَرَضَ رسولُ الله ﷺ على المُسلمين، والتي أَمرَ الله بها رسولَه، فمَنْ سُئلَها من المُسلمين على وَجْهِها فليُعْطِها، ومَنْ سُئلَ فوقَها فلا يُعطِ: في أربعٍ وعشرينَ من الإبلِ فما دونَها من
стр. 997
الغنم في كل خمسٍ شاةٌ، فإذا بلغَتْ خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثينَ ففيها بنتُ مخَاضٍ أُنثى، فإذا بلغتْ سِتَّاً وثلاثين إلى خمسٍ وأَربعين ففيها بنتُ لَبُونٍ أُنثى، فإذا بلغَت سِتًا وأَربعين إلى ستين ففيها حِقَّةٌ طَرُوقةُ الجمَلِ، فإذا بلغتْ واحدةً وستين إلى خمسٍ وسبعينَ ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بلغتْ ستًا وسَبْعين إلى تِسْعين ففيها بنتا لَبُونٍ، فإذا بلغتْ إحدى وتِسْعين إلى عِشْرين ومائةٍ ففيها حِقَّتان طَرُوقَتَا الجمَلِ، فإذا زادتْ على عشرين ومائةٍ ففي كلِّ أربعين بنتُ لَبُونٍ، وفي كل خمسين حِقَّةٌ، ومن لم يكن معه إلا أربعٌ مِنَ الإبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إلا أنْ يشاء ربُّها، فإذا بلغت خمسًا ففيها شاةٌ، ومن بلغت عندَه من الإبل صدقةُ الجَذَعَةِ وليست عندَه جذَعَةٌ وعنده حِقَّةٌ فإنها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجعلُ معها شاتين إنْ استَيْسَرَتَا، له أو عشرين درهمًا، ومَن بلغتْ عندَه صدقةُ الحِقَّةِ ليستْ عندَه الحِقَّةُ، وعندَه الجَذَعَةُ، فإنّها تُقْبَلُ منه الجَذَعَةُ ويُعْطيهِ المُصَدِّقُ عشرين دِرْهَمًا أو شاتَيْنِ، ومَنْ بَلَغَتْ عِنْدِهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وليستْ عندَه إلا بنتُ لَبُونٍ فإنها تُقبل منه بنتُ لبونٍ، ويُعطي معها شاتين أو عشرينَ درهمًا، ومَن بلغت صدَقَتُه بنتَ لَبُونٍ وعِنْدَهُ حِقَّةٌ فإنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، ويُعْطيهِ المُصَدِّقُ عشرينَ دِرْهَمًا أو شاتَيْنِ، ومَنْ بَلَغَت صَدَقَتُه بنتَ لَبُونٍ وليستْ عندَه وعندَه بنتُ مَخَاضٍ فإنها تُقبلُ منه بنتُ مخاضٍ، ويُعطي معها شاتين أو عشرينَ درهمًا، ومَنْ بلغتْ صدقَتُه بنتَ مَخَاضٍ وليست عندَه، وعندَه بنتُ لَبُون فإنها تُقبلُ منه، ويعطيه المُصَدِّق عشرينَ درهمًا أو شاتينِ، فإنْ لم يكنْ عنده بنتُ مَخَاضٍ على وجهِها، وعندَه ابن لَبُونٍ فإنه يُقبلُ منه، وليسَ معَه شيءٌ، وفي صدقةِ الغنَمِ في سائِمَتِها إذا كانت أربعينَ إلى ومائةٍ وعشرين شاةٌ، فإذا زادَت على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتينِ ففيها شاتانِ، فإذا زادَت على مائين إلى ثلاثمائةٍ ففيها ثلاثُ شياهٍ، فإذا زادَت على ثلاثمائة ففي كل مائةٍ شاةٌ، فإذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعينَ شاةً واحدةٌ فليسَ فيها صدقةٌ إلا أنْ يشاءَ ربُّها، ولا تُخرَجُ في الصدقةِ
стр. 998
هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ إلا ما شاءَ المُصَدِّق، ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجتَمِعٍ خشيةَ الصدقةِ، وما كانَ مِن خَليطينِ فإنهما يتراجَعَانِ بينَهما بالسَّويَّةِ، وفي الرِّقَةِ ربعُ العُشرِ، فإنْ لم تكنْ إلا تسعينَ ومائة فليسَ فيها شيءٌ إلا أنْ يشاءَ ربُّها.
قوله: "بنت مخاض"؛ أي: التي لها سنةٌ واحدة، و (المخاض): الحوامل من النوق، وليس لهذا الجمع واحدٌ من لفظه، بل واحده: خَلِفَةٌ؛ أي: حامل، سمِّي الولد الذي له سنةٌ بنتَ مخاض؛ لأن أمه حملته؛ يعني: مضى على الولد سنة، ثم حملت أمه.
وأما تقييده بالأنثى في قوله: (بنت مخاض أنثى)، مع أن (بنت مخاض) تكون أنثى، قال فيه بعض الأئمة: إنما قُيدَ بالأنثى لأن البنت في الآدمي لا تقال إلا في الأنثى، والابن في الذكر، وأما في غير الآدمي قد يقال: البنت، ويراد به الجنس لا الأنثى خاصةً، وكذا الابن قد يراد به الجنس نحو قولهم: ابن عُرْسٍ، وهو جنسٌ فيه الذكر والأنثى، وكذلك ابن الماء، وبنت الفلاة لمَا يقطع به المفازة من الإبل؛ أي: يُركَب ويُسافَر به، وقد يكون مؤنثًا ومذكرًا، وإذا قال: (بنت مخاض أنثى) ارتفع هذا الاشتباه.
قوله: "ففيها بنت لبون"؛ أي: التي لها سنتان، أضيفت إلى اللبون؛ لأن اللبون: الناقة التي لها لبن، وإنما يكون لناقةٍ لبن إذا مضى على ولدها الذي ولدته قبل هذه الولادة سنتان؛ لأنها تُرضع ولدها سنةً ثم تحمل، ومضى عليها حولٌ بعد أن حملت، ثم تلد.
قوله: "ففيها حقَّةٌ طَرُوقةُ الجمل"؛ أي: التي لها ثلاث سنين، سمِّيت التي لها ثلاث سنين: حِقَّةً؛ لأنها استحَقَّتْ أن يُحمل عليها الحمل، وأن يُطرق عليها الفحل.
стр. 999
و (الطروقة): فَعولةٌ بمعنى مفعولة؛ أي: التي نزل (١) عليها الفحل.
قوله: "ففيها جذعة"؛ أي: التي لها أربع سنين.
قوله: "فإذا زادت على عشرين ومئة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
اعلم أنه إذا زاد على عشرين ومئة واحدٌ يجب فيها ثلاثُ بناتِ لبون، فإذا زاد على هذا عددٌ دون العشرة لا يجب فيها غير ثلاث بنات لبون، فإذا زاد عليها عشرة؛ يعني: إذا بلغ مئة وثلاثين استقر الحساب؛ ففي كل أربعين بنتُ لبون، وفي كل خمسين حِقَّةٌ، فإذا زاد تسعةً لا يتغير الحساب، بل لا يجب في زيادة تسعٍ شيءٌ حتى يزيد عشرة، وفي مئة وثلاثين حِقَّةٌ وبنتا لبون، وفي مئة وأربعين حِقَّتان وبنتُ لبون، ويجب بهذا الحساب.
قوله: "ويَجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا"؛ أي: إن أعطى شيئًا أنقصَ ممَّا يجب عليه يُعطي بدلَ كلِّ سنٍّ أنقصَ إلى العامل شاتين أو عشرين درهمًا، وهو مخيَّر بين إعطاء شاتين وعشرين درهمًا، وإن أعطى شيئًا أعلى مما يجب عليه أخذ من العامل بدل السن الزائد شاتين أو عشرين درهمًا، والعامل مخيَّر بين إعطاء الشاتين وعشرين درهمًا.
قوله: "فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها" هذا يحتمل على ثلاثة صور:
أحدها: أن يكون معناه: أن لا يكون عنده بنت مخاضٍ أصلًا.
والثاني: أن لا تكون بنتَ مخاضٍ صحيحةً، بل تكون مريضةً، فإذا كانت مريضةً؛ فهي كالمعدومة.
стр. 1000
والثالث: أن لا يكون عنده بنت مخاض متوسطة، بل ليس له إلا بنت مخاض على غاية الجودة، فلا يلزمه إعطاءُ ما هو على غاية الجودة.
ففي هذه الصور الثلاثة جاز إعطاء ابن لبون بدلًا من بنت مخاض، وكذلك هذا البحث في بنت اللبون والحِقَّة والجَذَعة، فإنه لا يقبل منه مريضةٌ، ولا يكلَّف إعطاءَ الجيدة على غاية الجودة.
قوله: "إلى ثلاث مئة" اعلم أنه تجب في مئتي شاةٍ وواحدةٍ ثلاثُ شياهٍ، إلى أربع مئة، فإذا بلغت أربع مئة يجب عليه أربعُ شياهٍ، ثم في كلِّ مئة شاة.
قوله: "هرمة"؛ أي: التي بلغت من الكبر إلى أن صارت ضعيفةً كالمريضة، أما لو كانت كبيرة السن وليس بها ضعفٌ وعجز، لا بأس.
"ولا ذات عوار" بضم العين؛ أي: ولا ذات عيبٍ.
قوله: "ولا تيس"، (التيس): فحل المعز؛ يعني: لا يؤخذ منه فحلٌ؛ لأنه يحتاج إلى الفحل، وربما لا يطيبُ قلبه بإعطاء الفحل.
قوله: "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" هذا دليلُ جَعْلِ الخلطةِ مالَ الشريكين كمالِ الرجل الواحد.
وفي هذا الحديث: نهى الشارع العامل بأن يفرِّق الأموال المجتمعة لتكثر زكاتُها، مِثْلَ أن يكون لواحد أربعون شاة ولآخر أيضًا أربعون شاة، وخلطا ماليهما، ومضى عليها سنة، فيجب عليها شاة لأن الكل ثمانون، فجاء العامل وأمرهما بالتفريق ليأخذ من كلِّ واحدٍ شاةً؛ لأن ماله أربعون، هذا لا يجوز، بل إذا كان مالُهما مختلطًا من أول السنة إلى آخرها لا يؤخذ منها إلا شاةٌ؛ لأن ماله أربعون (١).
وقد نهى أيضًا المالكَيْنِ أن يجمعا ماليهما لتقليل الزكاة، مثل أن يكون
стр. 1001
لكلِّ واحد من الرجلين أربعون شاة، ولم يخلطا حتى مضى عليها سنة، ثم خلطاها في آخر السنة لتكون زكاتها شاةً واحدة = هذا لا يجوز، بل إذا كانا منفردين وجب على كلِّ واحدٍ شاةٌ، هذا مثالُ جمع المتفرِّق لتقليل الزكاة.
وكذلك لو كان لواحد مئةٌ وواحدة، ولآخَرَ مئةٌ، وكان مالاهما مجتمعين من أول السنة إلى آخرها، وجب عليهما ثلاث شياه؛ لأن المجموع مئتا شاة وواحدة، فلا يجوز لهما أن يفرِّقا ماليهما؛ ليجب على كل واحد منهما شاةٌ واحدة، هذا مثال تفريق المجتمع لتقليل الزكاة.
قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"؛ يعني: إذا أخذ الساعي الزكاة واتَّفق أن ما أخذه كان لأحد الشريكين، يأخذ الشريك الذي أُخذت الزكاة من ماله من الشريك الآخر بقَدْرِ ما يكون نصيبه من الزكاة.
قوله: "وفي الرِّقة"؛ يعني: وفي الفضة، وأصله: وَرِق، فحذفت الواو وعوِّض منها التاء.
قوله: "فإن لم يكن إلا تسعين ومئة"؛ يعني: نصاب الفضة مئتا درهم، فإن نقص عن مئتي درهم - وإن كان شيئًا قليلًا - لا تجب فيها الزكاة.
* * *
١٢٦٤ - وعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقَتْ السَّماءُ والعُيونُ أو كان عَثَرِيَّاً العشرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ نصفُ العُشرِ".
قوله: "فيما سقت السماء"؛ أي: فيما كان ماؤه ماءَ المطر.
قوله: "أو كان عَثَريًا"، (العثري) بفتح العين والثاء: ما يسقى بالمطر، ولكن قالوا: المراد منه ها هنا: ما يَشرب بالعروق؛ يعني: ما يُزرع في أرضٍ أبدًا رطبة؛ لقربها من الماء، فلا تحتاج إلى السقي.
стр. 1002
"وما سقي بالنضح نصف العشر"، (النضح): ما يسقى من بئرٍ بالبعير والبقر وغير ذلك.
يعني: ما يحتاج في السقي إلى مؤونةٍ كثيرة يجب فيه نصف العشر، وما لا يحتاج إلى مؤونة كثيرة يجب فيه العشر.
* * *
١٢٦٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخمُسُ".
قوله: "العجماء جرحها جبار"، (العجماء): الدابة.
"جبار"؛ أي: هدر؛ يعني: إذا أَتلفت دابةٌ شيئًا ولم يكن معها صاحبها، لم يجب ضمانٌ على صاحبها، وإن كان معها صاحبها؛ فما أتلفت يجب الضمان على صاحبها.
قوله: "والبئر جبار"؛ يعني: إذا حفر أحدٌ بئرًا في ملكه، أو في مَوَاتٍ، لا في الطريق، ووقع فيها أحدٌ أو دابة، لا يجب الضمان على حافرها؛ لأنه لم يكن متعدِّيًا في حفرها.
قوله: "والمعدن جبار"؛ يعني: إذا حفر واحدٌ موضعًا فيه الذهب والفضة ليُخرج منه الذهب والفضة، ووقع فيه أحدٌ أو دابةٌ، لم يجب عليه الضمان؛ لأنه غير متعدٍّ في الحفر، وكذلك معدن الفيروزج، والطين، وغيرِ ذلك.
قوله: "وفي الركاز الخمس"، (الركاز): ما يوجد في الأرض من مال الكفار من ذهب أو فضة، فزكاتُه خُمسُه.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
стр. 1003
مِنَ الحِسَان:
١٢٦٦ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عَفَوتُ عن الخَيلِ والرَّقيقِ، فَهاتُوا صدَقةَ الرِّقَةِ مِنْ كلِّ أربعينَ درهمًا درهمٌ، وليسَ في تسعين ومائةٍ شيءٌ، فإذا بلغَتْ مائتينِ ففيها خمسة دراهمٍ، فما زادَ فعلى حِسابِ ذلك، وفي الغنَمِ في أربعينَ شاةً شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدةً فشاتانِ إلى مائتينِ، فإنْ زادتْ فثلاثُ شياهٍ إلى ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة؛ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ، فإنْ لم تكُنْ إلا تِسْعًا وثلاثينَ فليسَ عليكَ فيها شيءٌ، وفي البقَرِ في كلِّ ثلاثين تَبيْعٌ، وفي الأَربعين مُسِنَّةٌ، وليسَ على العَوامل شَيٌ".
قوله: "في كل ثلاثين تبيع"، (التبيع): الذكر الذي له سنةٌ واحدة من البقر، والمُسِنَّة: الأنثى التي لها سنتان.
قوله: "وليس على العوامل شيء"، (العوامل): جمع عاملة، وهي البقر أو الجمل الذي يعمل عملًا كالحراثة وسقي الماء، لا زكاة فيها وإن كانت نصابًا، عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد.
وقال مالك: تجب فيها الزكاة.
* * *
١٢٦٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "المُعْتَدي في الصَّدَقةِ كمانِعِها".
قوله: "المعتدي في الصدقة كمانعها"، (الاعتداء): مجاوزةُ الحد؛ يعني: العامل الذي يأخذ في الزكاة أكثر من القَدْرِ الواجب ويظلمُ أرباب الأموال هو في الوزر كالذي لا يعطي الزكاة؛ لأن الذي لا يعطي الزكاة يظلم الفقراء بمنع الزكاة عنهم، فكذلك العامل يظلم أرباب الأموال بأخذ الزيادة منهم.
روي هذا الحديث أنس.
* * *
стр. 1004
١٢٧٠ - عن موسى بن طَلْحة قال: كَانَ عندَنا كتابُ مُعاذِ بن جبَلٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، أنه إنَّما أَمرَه أنْ يأخُذَ الصدقةَ مِن الحِنْطةِ، والشَّعيرِ، والزَّبيبِ، والتَّمرِ. مُرسَلٌ.
قوله: "إنما أمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر" ليس معنى هذا أنه لا يجب الزكاة إلا في هذه الأربعة فقط، بل الزكاةُ واجبةٌ عند الشافعي فيما ينبته الآدميون إذا كان قوتًا.
وعند أبي حنيفة: فيما تنبته الأرض سواءٌ كان قوتًا أو لم يكن.
وإنما أمره أن يأخذ الزكاة من هذه الأربعة؛ لأنه لم يكن ثَمَّ غيرُ هذه الأربعة.
* * *
١٢٧١ - عن عَتَّاب بن أَسِيد: أن النبيَّ ﷺ قال في زكاةِ الكُرومِ: "إنَّها تُخرَصُ كما تُخرَصُ النَّخلُ، ثم تُؤدَّى زكاته زَبيْبًا كما تُؤدَّى زكاةُ النَّخلِ تَمْرًا".
قوله: "الكروم إنما تخرص كما تخرص النخل"، (الكُروم): جمع الكَرْم، وهو شجر العنب؛ يعني: إذا ظهر في العنب وتمر النخل حلاوةٌ، يُخرص على المالك، ويقدِّر الخارص أن هذا العنب إذا صار زبيبًا كم يكون؟ وكذلك الرطب إذا كان تمرًا كم يكون؟
ثم انظر؛ فإذا كان نصابًا يجب عليه زكاته، وإن لم يكن نصابًا لم يجب عليه.
روى هذا الحديث: عتَّابُ بن أَسِيدٍ، جدُّ عتَّابٍ: أبو العِيص بن أميةَ القرشي الأموي.
* * *
стр. 1005
١٢٧٢ - عن سَهْل بن أبي حَثْمَة ﵁ حدَّث أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول: "إذا خَرَصْتُم فَدَعوا الثُّلُث، فإنْ لم تدَعوا الثُّلُث فدَعوا الرُّبُع".
قوله: "إذا خرصتم فجذُّوا (١) ودعوا الثلث" سقط من كتاب "المصابيح" في هذا الحديث لفظ: "فجذُّوا (١) "، وفي "كتاب أبي داود": "إذا خرصتم فجذُّوا (١) ودعوا الثلث" بالجيم، يعني: إذا قطعتم الثمار فاتركوا للمالك الثلثَ أو الربع، وبهذا قال: ولا تأخذوا من الثلث والربع الزكاة.
وفي "كتاب النسائي": "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث" بالخاء والذال المعجمتين، يعني: إذا أخذتم الزكاة فلا تأخذوا زكاة الثلث أو الربع، وبهذا قال أحمد وإسحاق.
وأما عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك: لا يترك شيئًا من الزكاة، وتأويل هذا الحديث عندهم: أن هذا الحديث إنما كان في حق يهود خيبر، فإن رسول الله ﵇ ساقاهم على أن يكون لهم نصف الثمرة، ولرسول الله ﵇ نصفُها، فأمر الخارص أن يترك لهم الثلث أو الربع مسلَّمًا لهم، ويقسم الباقي نصفين، نصف لهم، ونصف لرسول الله ﵇.
* * *
١٢٧٣ - وقالت عائشة ﵂: كان النبيُّ ﷺ يَبعَثُ عبدَ الله بن رَواحةَ إلى يهودَ، فَيَخْرُصُ النَّخلَ حينَ يطيبُ قبلَ أن يُؤكلَ منه.
قولها: "يبعث"؛ أي: يرسل.
قولها: "إلى يهود"؛ أي: إلى يهود خيبر.
стр. 1006
قولها: "حين يطيب"؛ أي: حين تظهر في الثمار الحلاوة.
* * *
١٢٧٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "في العَسلِ في كلِّ عشرةِ أَزُقٍّ زِقٌّ".
قوله: "في عشرة أزق"، (الأَزُقُّ) بفتح الهمزة وضم الزاي: جمع زق، وهي ظرفٌ من جلد يُجعل فيه العسلُ والسمن وغيرهما.
لا زكاة في العسل عند الشافعي ومالك.
وأما عند أبي حنيفة وأحمد: يجب فيه العشر.
* * *
١٢٧٥ - وقال النبيُّ ﷺ : "يا مَعْشرَ النِّساءِ!، تصدَّقْنَ ولو من حُلِيكُنَّ، فإنكنَّ أكثرُ أهلِ جهنَّمَ يومَ القيامةِ".
قوله: "تصدقن ولو من حُليكن"؛ يعني: أخرجوا زكاة أموالكنَّ حتى من حليكن، وبهذا قال أبو حنيفة، وأحد قول الشافعي.
وأما مالك وأحمد والشافعي في أظهر قوليه: لا يوجبون الزكاة في الحلي المباح.
روت هذا الحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود.
* * *
١٢٧٧ - عن أُمِّ سلَمة قالتْ: كنتُ أَلبَسُ أَوْضَاحًا من ذهبٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أكَنزٌ هو؟، فقال: "ما بلَغَ أنْ تؤدَّى زكاتُه فزُكِّيَ فليسَ بكَنْزٍ".
стр. 1007
قولها: "ألبس أوضاحًا"؛ أي: حليًا، واحدة: (وَضَح) التي بفتح الواو والضاد.
قولها: "أكنز هو"؛ يعني: استعمال الحلي كنزٌ من الكنوز التي بشَّر الله صاحبها بالنار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ٣٤] أم لا؟
* * *
١٢٧٨ - عن سَمُرَة بن جُندب: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يأْمرُنا أنْ نُخرِجَ الصَّدَقةَ مِنَ الذي نُعِدُّ للبيعِ.
قوله: "نعد للبيع"؛ أي: نهيئ للتجارة.
* * *
١٢٧٩ - وروى ربيعةُ عن غيرِ واحدٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَقْطَعَ لبلالِ بن الحارثِ المُزَني مَعادِنَ القَبَليةِ، وهي مِنْ ناحيةِ الفُرْعِ، فتلكَ المعادنُ لا يؤخذُ منها إلا الزكاةُ إلى اليومِ.
قوله: "معادن القبلية"؛ (قبلية) بفتح القاف والباء: اسم موضعٍ من ناحية الفُرع، و (الفُرع) بضم الفاء: اسم بلدٍ بينه وبين المدينة خمسةُ أيام أو أقل.
يعني: أعطى رسولُ الله ﵇ معادن القبلية بلال بن حارث ليعمل فيها، ويُخرج منها الذهب والفضة لنفسه.
قوله: "لا يؤخذ منها إلا الزكاة" يعني بالزكاة: ربع العشر، كزكاة الذهب والفضة الحاصلان من غير المعدن، وهذا مذهب مالك وأحمد وأحدُ قولي الشافعي.
وأما أبو حنيفة وقول الشافعي: يوجبان الخمس في المعدن.
стр. 1008
والقول الثالث للشافعي: إن وجده بتعبٍ ومؤونة يجب فيه ربع العشر، وإن وجده بلا تعب ولا مؤونة يجب فيه الخمس.
* * *
٣ - باب صدَقة الفِطْر
(باب صدقة الفطر)
من الصِّحاح:
(من الصحاح):
١٢٨١ - وقال أبو سعيد الخُدْريُّ: كُنَّا نُخرِجُ زكاةَ الفِطْرِ صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شَعيرٍ، أو صاعًا من تَمْرٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من زَبيبٍ.
قوله: "من أقط"، (الأقط): الكشك إذا كان من اللبن، والفطرةُ تجب على كلِّ واحدٍ من غالب قُوْته يوم العيد، فإن كان قوتُه أَقِطًا فهل يجوز أن يؤِّدي منه الفطرة؟
وفيه خلافٌ، ظاهر الحديث يدلُّ على جوازه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٢٨٢ - عن ابن عباس ﵄ قال في آخِر رمَضان: أَخرِجُوا صدَقةَ صَوْمِكم، فَرَضَ رسولُ الله ﷺ هذه الصَّدَقةَ: صاعًا من تَمْرٍ أو شَعيرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ من قَمْحٍ، على كل حرٍّ أو مَملوكٍ، ذكرٍ أو أنثى، صَغيرٍ أو كَبيرٍ.
стр. 1009
وقوله: "أو نصف صاع قمح"، (القمح): الحنطة.
عند أبي حنيفة: إن أخرج الرجل الفطرة من الحنطة أجزأه نصفُ صاع، وإن أخرجها من غير الحنطة لم يُجزئه إلا صاعٌ.
وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يجزئه إلا صاعٌ سواءٌ كان من الحنطة أو غيرها.
والصاع عند أبي حنيفة: أربعة أَمْناءٍ.
وعند غيره: خمسة أرطال وثلثُ رطلٍ.
* * *
١٢٨٣ - وقال: فرضَ رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطرِ طُهْرَةً للصائمِ من اللَّغوِ والرَّفَثِ وطُعْمَةً للمساكينِ.
قوله: "وقال: فرض رسول الله ﵇ زكاة الفطر طهرة للصائم"؛ أي: وقال ابن عباس: فرض رسول الله ﵇ زكاة الفطر على الصائم؛ لتكون سببًا لتطهيره من ذنوبه اللغو والرفث؛ لأن الحسنات يُذهبن السيئات.
"الرفث": الكلام القبيح.
قوله: "وطعمة للمساكين"؛ أي: ليكون قُوتُ المساكين في يوم العيد مهيَّأً (١)؛ ليكون الفقير والغني متساويين في وجدان القوت يوم العيد.
* * *
стр. 1010
٤ - باب من لا تحلُّ له الصَّدَقة
(باب من لا تحل له الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٨٤ - قال أنس ﵁: مرَّ النبيُّ ﷺ بتمْرةٍ في الطَّريقِ، فقال: "لولا أنِّي أخافُ أن تكونَ من الصَّدَقةِ لأَكَلْتُها".
قوله: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها".
اعلم أن الزكاة حرامٌ على النبي ﵇ وعلى بني هاشم وبني المطلب، وأما على مَن أعتقه النبي ﵇، أو بنو هاشم، أو بنو المطلب، هل تحرم عليه الزكاة أم لا؟.
فالأصح أنها لا تحرم.
وأما صدقة التطوع: حرام على النبي ﵇؟ فالأصح: أنها لا تحرم على بني هاشم، وبني المطلب.
وهذا الحديث يدل على جواز أكل ما وجد في الطريق من الطعام القليل الذي لا يطلبه مالكه؛ لأن النبي ﵇ قصد أن يأكل التمرة، ولكن منعته خشية كونها من الصدقات.
* * *
١٢٨٥ - وقال أبو هُريرة ﵁: أخذَ الحسَنُ بن علي ﵄ تمرةً من تَمْرِ الصدقةِ، فجعلَها في فيهِ، فقال النبيُّ ﷺ : "كِخْ كِخْ" لِيَطرَحَها، ثم قال: "أَما شَعَرتَ أنَّا لا نأْكلُ الصَّدَقَةَ".
стр. 1011
قوله: "أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة"؛ أي: من تمر الزكاة.
وهذا يدل على أنه وجب على الآباء نهي الأولاد عما لا يجوز في الشرع.
* * *
١٢٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده وأكل معهم.
قوله: "فإن قيل هدية ضرب بيده وأكل" قال الخطابي: وإنما أكل رسول الله ﵇ الهدية ولم يأكل الصدقة؛ لأن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا، وكان رسول الله ﵇ يقبلها ويُثيب عليها، فتزول المنَّة عنه, والصدقة يراد بها ثواب الآخرة، فلم يجز أن تكون يدًا على مَن يدُه في ذات الله تعالى وفي أمر الآخرة.
قوله: (ضرب بيده)؛ أي: مدَّ يده إلى ذلك الطعام، وكأنه من (ضرب): إذا ذهب، والباء في (بيده) للتعدية؛ أي: أذهب يده إلى ذلك الطعام.
* * *
١٢٨٨ - وقالت عائشة ﵂: كانتْ في بَريرَةَ ثلاثُ سُنَنٍ: إِحدى السُّننِ أنها عَتَقَت، فَخُيرَت في زوجِها، وقال رسول الله ﷺ : "الوَلاءُ لمن أَعْتَقَ"، ودخلَ رسولُ الله ﷺ والبُرْمَةُ تَفُورُ بلَحْمٍ، فقُرِّبَ إليه خبزٌ وأُدْمٌ من أُدْمِ البيتِ، فقال: "أَلم أرَ بُرمةً فيها لَحْمٌ؟ "، قالوا: بلى، ولكنْ ذلكَ لحمٌ تُصُدِّقَ به على بَريرةَ، وأنتَ لا تأكلُ الصدقةَ، قال: "هو علَيها صَدَقةٌ، ولنا هديَّةٌ".
قول عائشة: "كان في بريرة ثلاث سنن"، (بريرة): اسم جاريةٍ اشترتها
стр. 1012
عائشة وأعتقتها، (ثلاث سنن)؛ أي: حصل بسببها ثلاثُ مسائلَ من شرع رسول الله ﵇.
قولها: "فخيرت في زوجها"؛ يعني: أن المرأة إذا كانت أمةً، فأعتقت وزوجُها عبدٌ، تكون مخيَّرةً: إن شاءت فسخت النكاح، وإن شاءت لا تفسخ.
قوله: "الولاء لمن أعتق" هذه المسألة الثانية؛ يعني: مَن أعتق عبدًا أو أمة كان ولاؤه له.
"ألم أر برمة"، (البرمة): القِدْرُ من الحجر؛ يعني: رأى قِدْرًا فيه لحمٌ، فلما لم يأت إليه من ذلك اللحم قال هذا الكلام، يعني: لمَ لمْ تأتوني بذلك الطعام واللحم.
قوله: "هو عليها صدقة ولنا هدية"؛ يعني: إذا أعطتنا بريرةُ شيئًا من ذلك الطعام يكون هدية، ونحن نأكل الهدية.
وهذا يدل على أن الفقير إذا أخذ الزكاة ودفعها إلى غيره بهديةٍ أو هبةٍ أو بيعٍ جاز قبولها.
* * *
١٢٨٩ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يَقبلُ الهديَّةَ، ويُثيبُ علَيها.
"ويثيب عليها"، أثاب يُثيب: إذا أعطى الثواب، وهو العِوَضُ؛ يعني: يعطي عوضَ تلك الهدية.
* * *
١٢٩٠ - وقال النبيُّ ﷺ : "لَو دُعيتُ إِلى كُراعٍ لأَجَبْتُ، ولو أُهدِيَ
стр. 1013
إلي ذِراعٌ لَقَبلتُ".
قوله: "لو دعيتُ إلى كُراعٍ لأجبت"، (الكراع): لمَا دون الركبة من الإنسان، ولمَا دون الكعب من الدوابِّ؛ يعني: إذا دعاني أحدٌ إلى ضيافةِ كُراعِ غنمٍ لأجبته.
هذا إظهارُ التواضع، وتحريضُ الناس على التواضعِ وإجابةِ مَن يدعوهم إلى ضيافةٍ.
قوله: "ولو أهدي إلي ذراع لقبلت"؛ يعني: لو أَرسل إليَّ أحدٌ ذراعًا من كِرْباس أو ذراعَ شاةٍ على رسم الهدية لقبلْته، وهذا أيضًا ترغيب الناس على قبول الهدية.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
١٢٩١ - وقال: "ليسَ المِسْكِينُ الذي يَطُوفُ على النَّاسِ تَرُدُّه اللُّقمةُ واللُّقْمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ، ولكنَّ المِسْكينَ الذي لا يَجِدُ غنًى يُغنيهِ، ولا يُفطَنُ به فيُتصدَّقَ عليه، ولا يَقُوم فيَسأَلُ الناسَ".
قوله: "تردُّه اللقمة واللقمتان"؛ يعني: ليس المسكين مَن يتردَّد على الأبواب، ويأخذ لقمة، فإن: مَن فَعَلَ هذا ليس بمسكين؛ لأنه يقدر على تحصيل قوته، وليس المراد من هذا أنَّ مَن فعل هذا لا يستحق الزكاة، بل يستحقُّها، ولكن المراد ذمُّ مَن هذا فعلُه إذا لم يكن مضطرًا، وإظهارُ فضل مسكينٍ لم يسأل الناس على مَن يسألهم.
قوله: "ولا يفطن له"؛ أي: ولا يُعلم حالُه أنه محتاجٌ حتى يتصدقَ عليه الناس، بل يُخفي حال نفسه.
стр. 1014
روى هذا الحديث أبو هريرة ﵁.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٢٩٢ - عن أبي رافعٍ: أن رسولَ الله ﷺ بعثَ رجلًا على الصَّدقة، فقالَ لأبي رافعٍ: اصحَبني كَيْما تُصيبَ منها، فانطلَقَ إلى النبيِّ ﷺ فسأَلَه، فقال: "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لنا، وإنَّ مَوالي القَومِ مِنْ أَنفُسِهِمْ".
قوله: "بعث رجلًا على الصدقة"؛ يعني: أرسل أحدًا ليجمع الزكاة فجمعها، فلمَّا أتى رأى أبا رافعٍ في طريقه فقال له: ائت معي إلى رسول الله ﵇ لأقول له أن يعطيك نصيبًا من الزكاة.
قوله: "إن موالي القوم من أنفسهم"؛ يعني: أنت عتيقُنا، فكما لا يحلُّ لنا الزكاة، فكذلك لا تحلُّ لمَن أعتقناه.
هذا ظاهر الحديث، ولكن قال الخطابي: فأمَّا موالي بني هاشم فإنه لا حظَّ لهم في سهم ذي القربى، فلا يجوز أن يُحرموا الصدقة، ويُشْبهُ أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيهًا له، وقال: (موالي القوم من أنفسهم) على سبيل التشبيه في الاستنان بهم؛ أي: في الاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس.
التنزيه: التبعيد، الاستنان: أخذ السنَّة.
يعني: كان أبو رافع يخدم رسول الله ﵇، ورسول الله ﵇ يعطيه ما يكفيه، فنهاه رسول الله ﵇ باجتناب أخذ الزكاة: إما لكونه غير محتاج، وإما لغاية تقواه، فإن الأولى له أن يوافق رسول الله ﵇ في ترك أخذ الزكاة.
* * *
стр. 1015
١٢٩٣ - وقال: "لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيًّ".
قوله: "ولا لذي مرة سوي"، (المِرَّة): القوة، (السَّوي): صحيح الأعضاء تامُّ الخلقة، يعني: لا تحل الزكاة لمَن أعضاؤه صحيحة، وهو قويٌّ يقدر على الكسب بقَدْرِ ما يكفيه وعياله.
روى هذا الحديث عبد الله بن عمرو.
* * *
١٢٩٥ - وقال: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغَارِمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مِسْكينٌ، فتُصُدِّق على المِسْكين، فأَهدى المِسْكِينُ للغنيِّ".
ويُروى: "أو ابن السَّبيل".
قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة"؛ يعني: لا تحلُّ الزكاة لغنيٍّ إلا أن يكون الغنيُّ واحدًا من هذه الخمسة المذكورة؛ فإنها تحلُّ له حينئذٍ.
قوله: "أو لغارم"؛ يعني: الغارم الذي استدان دينًا ليُصلح به بين طائفتين، مثلَ أن تطلب طائفةٌ من طائفةٍ ديةً أو دَينًا كان لهم عليهم، فيمنعون أداءه، وحصل بينهم الأمر إلى الضرب أو القتل، فيستدينُ رجلٌ ويؤدي ذلك الدَّينَ أو الدية، ويُصلح بينهم، فيجوز له أخذُ الزكاة ليؤدي ذلك الدَّين وإن كان غنيًا.
روى هذا الحديث عطاء بن يسار.
* * *
стр. 1016
٥ - باب مَنْ لا تَحِلُّ له المَسْألة ومَنْ تَحِلُّ له
(باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له)
مِنَ الصِّحَاحِ:
(من الصحاح):
١٢٩٧ - عن قَبيصَةَ بن مُخارقٍ قال: "تَحمَّلْتُ حَمالَةً، فَأَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ أَسألُه فيها، فقال: "أَقمْ حتى تأْتيَنا الصَّدَقةُ، فنأْمرَ لكَ بها، ثم قال: "يا قَبيصَةُ، إنَّ المسأَلةَ لا تحَلُّ إلا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٌ تحمَّلَ حمالَةً، فحلَّت له المَسألةُ حتى يُصيبَها ثم يُمسِكُ، ورجلٌ أصابَته جائحةٌ اجتاحَت مالَه، فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيْشٍ - أو قال سِدادًا من عَيْشٍ - ورجلٌ أصابَته فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أَصابَتْ فُلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسأَلَةُ حتى يصيبَ قِوامًا من عَيْشٍ - أو قال سِدادًا من عيْشٍ - فما سِواهنَّ من المَسألةِ - يا قَبيصةُ - سُحْتٌ يأْكْلُها صاحبُها سُحْتًا".
قوله: "تحملت حمالة"، (الحمالة): الدَّين الذي استدانه أحدٌ ليُصلح بين طائفتين كما ذكرنا.
قوله: "ثم يمسك"؛ يعني: فإذا أخذ من الزكاة ما أدى به ذلك الدَّين لا يجوزُ له أن يأخذ شيئًا آخر من الزكاة.
قوله: "أصابه جائحة"؛ أي: آفةٌ وحادثة.
"اجتاحت ماله"؛ أي: أهلكت تلك الجائحةُ ثمارَ بستانه وزرعه، أو غيرَها من الأموال.
"فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من
стр. 1017
عيش"، (القوام) بكسر القاف: ما يقوم به الشيء، و (قوامٌ من عيش)؛ أي: ما يكون به العيش من قُوتٍ ولباس، و (السداد) بكسر السين: ما يسدُّ به الفقر؛ أي: يدفع.
قوله: "ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه"، (الفاقة): الفقر، (الحجى): العقل؛ يعني: أصابه فقرٌ ظاهرٌ بحيث يَعلم حالَه جيرانُه وأقاربه، وشهد مَن علم حاله أنه فقيرٌ محتاج، فحينئذٍ يجوز له أن يسأل الزكاة؛ لأن الرجل لا تحل له الزكاة إلا إذا كان فقيرًا أو مسكينًا، وغيرهما من المذكورين في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ٦٠].
هذا بحثُ سؤالِ الزكاة.
فأما سؤالُ صدقة التطوع: فإن كان لا يقدر على كسب؛ لكونه زمنًا، أو ذا علة أخرى، جاز له السؤال بقَدْرِ قوتِ يومه، ولا يدَّخر، وإن كان يقدر على الكسب، فإن ترك الكسب لاشتغاله بتعلم العلم تجوزُ له الزكاة وصدقة التطوع، وإن ترك الكسب لاشتغاله بصلاة التطوع وصيام التطوع، لا تجوز له الزكاة، وتكره له صدقة التطوع.
فإن جلس واحد أو جماعة في بقعة واشتغلوا بالطاعة ورياضة الأنفس وتصفية القلوب، يستحبُّ لواحدٍ أن يسأل صدقة التطوع وكسراتِ الخبز واللباس لأجلهم، وينبغي أن تكون نيةُ السائل كفافَ أسباب هؤلاء، لا كفافَ نفسه، فإذا كانت نيته كفافَهم وأكلَ معهم لم يكره له.
وشرط السائل تركُ الإلحاح والمبالغةِ في السؤال، بل ليقل إذا طاف في الأسواق أو السكوك: مَن يعطي شيئًا لرضا الله، من غير أن يواجه أحدًا، أو يُغلظ القول في الخطاب، فإن أعطاه أحدٌ ليدْعُ له، وإن لم يعطه أحدٌ فلا يجوز له أن يغضب ويشتم أحدًا، أو يغلظ القولَ على أحد، فإن السائل بهذه الصفة
стр. 1018
إثمه أكثر من أجره.
فإن حفظ السائل ما ذكرنا من الشروط فهو ممن قال لهم رسول الله ﵇: "الساعي على الأرملة والمسكين كالساعي في سبيل الله".
وأما الزكاة المفروضة لا تجوز لهم البتة إذا قدروا على الكسب؛ لزجر السائل عن السؤال.
قوله: "يأكلها صاحبها سحتًا"، (السحت): الحرام، (سحتًا) منصوبٌ بدل الضمير في (يأكلها).
وجدُّ قبيصة: عبد الله، روى هذا الحديث: معاوية بن شداد الهلالي.
* * *
١٢٩٨ - وقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سأَلَ النَّاسَ أَموالَهم تَكَثُّرًا؛ فإنَّما يَسْألُ جَمْرًا، فليَستَقِلَّ أو ليَسْتكْثِرْ".
قوله: "تكثرًا"؛ أي: أكثر من قَدْرِ قوته، "فإنما يسأل جمرًا"؛ (الجمر): الفحم قبل أن تخبو نارها؛ يعني: لا يجوز له أن يأخذ الزكاة والصدقة أكثر من قوته، فإذًا لا يجوز له أخذها، ولو أخذها يكون ذلك سببًا لنار جهنم.
قوله: "فليستقل أو ليستكثر"؛ يعني: إذا علم أنه نارٌ: إن شاء أكثر السؤال، وإن شاء أقلَّ، هذا تهديدٌ ووعيد.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
١٢٩٩ - وقال: "ما يَزالُ الرَّجلُ يَسْألُ الناسَ حتى يأْتيَ يومَ القِيامةِ ليسَ في وجْههِ مُزْعَةُ لَحْمٍ".
стр. 1019
قوله: "ليس في وجهه مزعة لحم"؛ أي: قطعة لحم.
قال الخطابي: هذا يحتمل أن يكون معناه الإذلال؛ يعني: كما أذلَّ نفسه في الدنيا وأراق ماء وجهه بالسؤال يكون يوم القيامة ذليلًا.
ويحتمل أن يجيء يوم القيامة ولحم وجهه ساقطٌ: إما عقوبةً له، وإما ليكون ذلك علامةً له يعرفه الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا.
روى هذا الحديث ابن عمر ﵄.
* * *
١٣٠٠ - وقال: "لا تُلْحِفوا في المَسأَلةِ، فوالله لا يَسألُني أَحَدٌ منكُم شيئًا فتُخرِجُ له مَسأَلتُه منِّي شيئًا وأَنا لهُ كارِهٌ، فيُبارَكَ لهُ فيما أَعطيتُهُ".
قوله: "لا تلحفوا في المسألة"، (الإلحاف): الإلحاح في المسألة؛ أي: في السؤال.
روى هذا الحديث معاوية.
* * *
١٣٠١ - وقال: "لأَنْ يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَهُ فيأْتيَ بحِزْمَةِ حطَبٍ على ظَهْرِه، فيبيعَها، فيَكُفَّ الله بها وجْهَهُ؛ خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَسأَلَ الناسَ أَعطَوهُ أو مَنَعوه".
قوله: "بحزمة حطب"، (الحزمة): قَدْر ما يحمله الرجل بصدره بين عضديه، ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب وما أشبهه.
قوله: "فيكف الله بها وجهه"، (الكف) المنع؛ يعني: فيمنع الله وجهه عن أن يريق ماءه بالسؤال.
روى هذا الحديثَ عروةُ بن الزبير.
* * *
стр. 1020
١٣٠٢ - وقال حَكِيْمُ بن حِزَامٍ: سألتُ رسولَ الله ﷺ فأَعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال لي: "يا حَكِيْمُ!، إنَّ هذه المَال خَضرةٌ حُلْوٌ، فمن أخذَه بِسَخَاوَةِ نفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَنْ أَخذَه بإشرافِ نفْسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأْكْلُ ولا يَشْبَعُ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفْلى"، قالَ حكيمٌ: فقلت: يا رسولَ الله!، والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بعدَك شيئًا حتى أُفارقَ الدُّنيا".
قوله: "إن هذا المالَ خَضرٌ حلوٌ"، (الخَضر): يكون في العين طيبًا، و (الحلو): يكون في الفم طيبًا، ولا تملُّ العينُ من النظر إلى الخَضر، ولا يملُّ الفم من أكل الحلو، فكذلك النفسُ حريصةٌ بجمع المال لا تملُّ منه.
قوله: "بإشراف نفسٍ"، (الإشراف): الاطِّلاع على الشيء والنظر إليه، والمراد هنا: كراهته من غير طيب النفس بالإعطاء.
قوله: "واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى"، (اليد العليا): المُعطِية، و (اليد السفلى): الآخِذة؛ يعني: اكتَسِبِ المالَ وأَعطِه، ولا تتركِ الكسبَ فتطمعَ في أموال الناس؛ فإن المعطي خيرٌ من السائل.
قوله: "لا أَرْزَأُ أحدًا"، (الرُّزْء): إيصال المصيبة إلى أحدٍ؛ يعني: لا أسألُ أحدًا بعد هذه المرة إلى أن أموتَ.
وجدُّ "حكيم": خُوَيلد بن أسد القرشي.
* * *
١٣٠٣ - وقال: "اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى".
١٣٠٤ - واليدُ العُليا هي المنفقةُ، والسُّفلى السَّائلة.
قوله: "اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى"، و (اليد العليا): هي المُنفِقة، و (السفلى): هي السائلة، (المُنفِقة): المعطية.