وشكر نعم الله تعالى، وحفظ اللسان عما لا يجوز، وأداء الأمانات، وترك الخيانة، وتحريم النفوس؛ يعني: لا يُقتَل أحدٌ بغير حق.
وتحريم الفروج، وقبض اليد عن الحرام، وترك أكل الحرام، وترك الغلَّ والحسد، وتحريم أعراض الناس؛ يعني: لا يغتابُ أحدًا.
وإخلاص العمل لله تعالى، والتوبة، وطاعة أولي الأمر؛ يعني: تجب على الرعية طاعة السلطان إذا لم يأمر بمعصية، وإذا أمر بمعصية لا يطيعه، ولكن لا ينكر عليه بالسيف، بل ينكر عليه بالقلب فيما هو معصية، وينصح له إن قدر على نصحه باللطف.
والتمسك بالجماعة؛ يعني: يقتدي بما اجتمع عليه أئمة أهل السنة من أحكام الدين، والحكم بين الناس؛ يعني يجب أن يكون في كل ناحية قاضٍ يقضي بين الناس بالعدل.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصرة المسلمين؛ يعني: بدفع الظالم عن المظلوم.
والحياء، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحق المماليك؛ يعني: يجب على السيد أداء ما عليه من حقوق عبده وأمته؛ من الكسوة، والنفقة، وترك إيصال المشقة إليهم.
وحق السادة؛ يعني: يجب على العبد والأمة أن يؤدَّيا ما عليهما من خدمة سيدهما.
وحقوق الأهلين؛ يعني: يجب على الرجل أداء ما عليه من حقوق زوجته وأولاده وآبائه وأمهاته وإن علوا؛ من نفقتهم وكسوتهم إذا كانوا محتاجين إليه.
وحق الزوجة واجب على الزوج، وإن كان لها مالٌ كثير.
وإفشاء السلام؛ يعني: يستحب السلام على من عرفه ومن لم يعرفه.
стр. 107
ورد السلام، وعيادة المريض، والصلاة على موتى المسلمين إلا الشهيد في سبيل الله، وتشميت العاطس، ومعاداة الكفَّار، وإكرام الجار، وإكرام الضيف، والستر على الناس، والصبر؛ يعني: يرضى بقضاء الله تعالى فيما أصابه من الفقر والمرض وموت الأقارب وغير ذلك، ويرجو الثواب على صبره من الله تعالى.
والغيرة؛ يعني: يكره ما لا يرضاه الله تعالى فيما يجري على نفسه وغيره.
والجود؛ يعني: لا يكون بخيلًا في أداء الزكاة، بل يؤديها على الطوع والرغبة، ويعطي أيضًا بقدر وسعه من الصدقات غير الواجبة.
ورحم الصغير والكبير؛ يعني: ليكن له شفقة ورحمة على المسلمين من الصغار والكبار.
والإصلاح بين الناس، ومحبة الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه سبع وسبعون شعبة، وهي التي أرادها النبي ﵇ في قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، وكلُّ أمر ونهي من أوامر الله ونواهيه غير ما ذكرنا، فهو مندرجٌ في هذه الأعداد.
قوله: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، (الأدنى) أفعل التفضيل من دنا يدنو: إذا قَرُب، ويحتمل أن يكون أصله: (أدنؤها) بالهمزة، فقُلِبت الهمزة ألفًا للتخفيف، من دَنَأ يَدْنَأ دَنَاءةً، إذا فعل فعلًا حقيرًا، وصار حقيرَ القوم، والمراد بأدناها ها هنا: الأقل.
(الإماطة): الإبعاد.
يعني: أقل شعب الإيمان إبعادُ الأذى من طريق المسلمين، وهو: إبعاد شوك، أو حجر، أو عظم، أو غصن شجر يتأذَّى به من يمشي في الطريق.
стр. 108
ومنه: أن لا يفعل ولا يلقي في الطريق ما يتأذَّى به المارُّ، كحفر حفرةٍ في الطريق، أو إلقاء قشرِ بطيخ، أو التغوط والبول في الطريق، وما أشبهَ ذلك، فإنه لو أمرته نفسه بشيء من هذه الأشياء، ثم لم يفعل ما أمرته نفسه به لله، فيكون هذا من الإيمان أيضًا.
ومنه: دفع الظلم والمضرة عن المسلمين؛ لا يؤذي أحدًا، ولا يترك أحدًا، أن يؤذيَ أحدًا إن قدر.
قوله: "والحياء شعبة من الإيمان"، (الحياء): انقباض النفس، وتركها الشيء الذي يستحي الرجل منه؛ احترازًا من اللوم وغيره.
والحياء نوعان: نفساني، وإيماني.
نعني بالنفساني: الجبلي الذي خلقه الله تعالى في جميع النفوس من الكافر والمسلم، نحو: كشف العورة، ومباشرة الرجل المرأة بين الناس؛ فإن كلَّ أحد يستحي من هذين الشيئين وشبههما.
ونعني بالإيماني: ما يمنع الإيمانُ الشخصَ من فعله، كترك الرجل الزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الأفعال المحرمة؛ استحياء من الله تعالى، وهذا الحياء ليس جِبِلِّيًا، بل إيماني؛ لأن الكفار ومن إيمانه ناقص من المسلمين قلَّما يستحيون من هذه الأشياء، وهذا القسم من الحياء هو الذي ذكر النبي ﵇: أنه من الإيمان في قوله: "والحياء شعبة من الإيمان".
وقال بعض المشايخ: الحياء على وجوه:
أحدها: حياءُ الجناية، كحياء آدم ﵇ لمَّا أكل الشجرة طَفِق - أي: أقبل - يتردَّدُ، ويسعى إلى كلِّ جانب، قال الله تعالى له: أفرارًا مني؟ فقال: لا، بل حياء منك.
والثاني: حياء التقصير، كحياء الملائكة حيثُ قالوا: ما عبدناك حق عبادتك.
стр. 109
والثالث: حياء الإجلال، كحياء إسرافيلَ حيثُ تسربلَ بجناحه؛ أي: ستر وجهه بجناحه، لم يرفع رأسه حياء من الله تعالى.
والرابع: حياء الكرم، كحياء النبي ﵇، كان يستحي من الصحابة إذا دخلوا بيته أن يقول لهم: اخرجوا، فقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ أي: ولا تشتغلوا بالحديث بعد الفراغ من الطعام، فتجعلوا النبيَّ ملولًا، بل اخرجوا.
ولا (مستأنسين) محله جر بالعطف على (ناظرين)؛ أي: غير ناظرين وغير مستأنسين؛ يعني: إذا دعاكم النبي ﵇ إلى طعام ادخلوا غير ناظرين إلى جوانب البيت؛ كي لا يقع نظركم على امرأة، وغير مستأنسين بحديث.
والخامس: حياء حِشْمة، كحياء علي ﵁ حين أمر المقداد ﵁ حتى سأل رسول الله ﵇ عن حكم المذي؛ لكون فاطمةَ بنت النبيَّ ﵇ زوجتَهُ.
والسادس: حياء الاستغفار، كحياء موسى ﵇؛ قال لربه: إنه لتعرض إليَّ الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك يا رب؟ فقال الله تعالى: سلني حتى مِلْحَ عجينِكَ، وعلفَ شاتِكَ.
والسابع: حياء الربِّ ﷻ ، فإنه يدفع إلى بعض العباد كتابًا مختومًا بعدما عبر الصراط فإذا فيه: فعلتَ ما فعلتَ، ولقد استحييتُ أن أظهر عليك، فاذهب فقد غفرتُ لك.
* * *
٤ - وقال: قال رسول الله ﷺ : "المُسلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمون مِنْ لِسانِهِ ويدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجَرَ ما نَهى الله عنه".
стр. 110
قوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"؛ يعني: المسلمُ الكاملُ في إسلامه من لا يؤذي أحدًا بلسانه بالشتم والغيبة والبهتان، ولا يأخذُ مالَ أحد، ولا يضربُ أحدًا بغير حق، ولا يمدُّ يده إلى امرأة ليست منكوحة ولا مملوكة له.
وإنما اختص اللسان واليد؛ لأن أكثرَ الإيذاء والضرر يحصلُ بهذين العضوين، وإلا يمكنُ إيذاءُ الناس بالعين والرجل بأن ينظر إلى بيت أجنبي، أو يمشي إلى موضع يتأذَّى أهل ذلك الوضع من دخوله عليهم.
ومراد النبي بهذا الحديث: أن مَنْ ترك إيذاء الناس من جميع الوجوه مع أداء الفرائض بصحيح الاعتقاد، فهو مسلم كامل، ومن لم يترك إيذاء الناس، فهو مسلم ناقص.
ومن أجرى هذا الحديثَ على نفيِ أصل الإسلام، وقال: من لم يترك إيذاء الناس فليس بمسلم أصلًا، فهو مبتدع.
قوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، (المهاجرة): ترك الرجل وطنه، والانتقال إلى موضع آخر، وفي الشرع: ترك الرجل وطنه الذي كان بين الكفار والانتقال إلى دار الإسلام لله تعالى ولرسوله ﵇.
والمهاجر ليس من هاجر من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة فقط، بل الهجرة باقية إلى يوم القيامة؛ لأن الهجرة هي الانتقال من الكفر إلى الإسلام، ومن ديار الكفر إلى ديار المسلمين، ومن المعصية إلى الطاعة، وهذه الأشياءُ باقيةٌ أبدًا.
والمهاجر في هذا الحديث هو المهاجر الكامل؛ لأن من هاجر من دار الكفر، وانتقل إلى دار المسلمين، فهو مهاجر، وإن لم يُهاجرْ ما نهى الله تعالى عنه من الذنوب، ولكنه مهاجر غير كامل، ومن هاجر جميع ما نهى الله تعالى
стр. 111
عنه، فهو مهاجرٌ كامل.
راوي هذا الحديث: أبو محمد "عبد الله بن عمرو" بن العاص بن وائل.
فإن قيل: لم قدِّم الراوي على الحديث في بعض الأحاديث، وأخَّر الراوي في بعضها؟
قلنا: لا فرقَ بين تقديم الراوي وتأخيره؛ لأنَّ كل حديث أُخِّر الراوي عن الحديث في هذا الكتاب، فقد قُدِّم في كتاب "شرح السنة"، ومصنفهما واحد، ولعل المصنف كتب رواة بعض الأحاديث في حاشية الكتاب، فكتبها الناسخون في المتن؛ بعضها مقدَّمًا، وبعضها مؤخَّرًا.
* * *
٥ - وقال: "لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى كون أحبَّ إليهِ مِنْ والدِهِ، وولدِهِ، والناس أجمعين"، رواه أنس.
قوله: "لا يؤمن أحدكم ... " إلى آخره، (لا) في قوله: لا يؤمن، لنفي أصل الإيمان، لا لنفي الكمال، والهمزة في (أكون) همزة نفس المتكلم، والهمزة في (أحبَّ) همزة أفعل التفضيل؛ يعني: لا يكون أحدكم مؤمنًا حتى أكون أنا أشد حبًا في قلبه من حبه نفسَهُ وآباءَه وأولاده وجميعَ الناس، ومن كان حبُّ شيء في قلبه أكثرَ وأشدَّ من حبي، فهو كافر.
وبهذا الحب يريد: الحبَّ الاختياري الحاصل من الإيمان، لا الحبَّ الجبلِّيَّ الطبعي، فإن كل أحد يحب نفسه من حيثُ الطبعُ والبشرية أكثر مما يحب غيره، وكذلك يحب ولده، ومن عشق بها من النساء أكثر من غيرها.
والحبُّ الذي هو الطبعيُّ ليس داخلًا تحت اختيار الشخص، فلم يُؤاخذْ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 112
والحبُّ الاختياري الحاصل من الإيمان، وهو: أن يبذلَ نفسه وماله وأولاده وجميع أقاربه في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، مثل أن يأمره الرسول بقتل أبائه وأمهاته وأولاده الكافرين يجب عليه أن يقتلهم، ولو أمره أن يلقي نفسه بين الكفار بالقتال لوجب عليه الطاعة، وإن علم أنه يقتله الكافر.
روى هذا الحديث "أنس" بن مالك بن نضر الأنصاري، خادم النبي ﵇.
* * *
٦ - وقال: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وجدَ حَلاوةَ الإيمانِ: مَنْ كانَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهُما، ومَنْ أحبَّ عبدًا لا يُحبُّهُ إلا لله، ومَنْ يكرهُ أنْ يَعُودَ في الكُفْر بعدَ إذْ أنقذَهُ الله منهُ كما يكرهُ أنْ يُلقى في النَّارِ"، رواه أنس.
قوله: "ثلاث من كن ... " إلى آخره، يقال: (ثلاثة) للذكور، و (ثلاث) للإناث بغير الهاء، والمراد ها هنا: الخصال؛ لأنها جمع: خصلة، وهي مؤنثة؛ يعني: ثلاث خصال من اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث وَجَدَ حلاوةَ الإيمان.
قوله: "من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما"، الحب ها هنا: هو الحب الاختياري، كما ذُكِر. (مما سواهما)؛ أي: مما سوى الله ورسوله، وقد جمع النبيُّ بين الله وبين نفسه بلفظ الضمير في قوله: "مما سواهما"، وكره ﵇ الجمعَ بين الله وبين نفسه بلفظ الضمير في قول الخطيب الذي قرأ خطبة بحضرته ﵇، وقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي ﵇: "اسكتْ؛ فبئسَ الخطيبُ أنت"، كره له قوله: ومن يعصهما.
قيل: علة كراهيته قوله: (ومن يعصهما) أنه جمع بين الله وبين رسوله فيما
стр. 113
هو حقُّ الله تعالى على الحقيقة؛ لأن الطاعة والعصيان حقُّ الله تعالى، فطاعة الرسول طاعة الله، وعصيان الرسول عصيان الله تعالى، فكره - النبي ﵇ أن يجمع بينه وبين الله تعالى بلفظ الضمير الذي هو (هما)، وأما ها هنا فقد جمع بين الله وبين نفسه في الحب، والحب شيءٌ يجوزُ أن يكون لله ولغيره.
هذا ما قيل في علة هذين الحديثين، والأولى أن لا يَجمَعَ أحدٌ بين الله تعالى وبين رسوله بلفظ الضمير في شيء من المواضع في الحب والطاعة والعصيان وغيرها، بل يقتصِرْ على ما جاء في الحديث.
قوله: "ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله"؛ يعني: إذا أحب أحدًا ينبغي أن لا يكون حبك إياه إلا لله تعالى، وإن كان ذلك الشخص هو أباك أو أمك أو ولدك أو غيرهما؛ يعني: تقول في نفسك: إني أحب أبي وأمي؛ لأن الله تعالى أمرني بالإحسان إليهما حيثُ قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وتقول أيضًا في نفسك: إني أحبهما لأنهما كانا سبب وجودي وولادتي، وربَّياني حتى بلغتُ إلى سنٍ أعبد الله تعالى وأطيعه، وتقول: أحب ولدي لأنه يكبر ويعبد الله تعالى ويطيعه، وإن أحببت أجنبيًا، فليكنْ حبك إياه لأجل صلاحه وتعبده، لا لأجل ماله ومنصبه ومعاونته إياك في الأمور الدنيوية.
قوله: "ومن يكره ... " إلى آخره: (الإنقاذ): التخليص والتنجية، إنما قال النبيُّ ﵇ هذا تحذيرًا وتخويفًا للصحابة؛ لأنهم كانوا كفارًا فأسلموا، وكان في بعض النفوس حبُّ ما كان فيها في الزمان الماضي، فقال ﵇: العود إلى الكفر كإلقاء الرجل نفسه في النار؛ لأن عاقبةَ الكفار دخولُ نار جهنم، ونقض التوبة والرجوع من التوبة إلى المعصية أيضًا كإلقاء الرجل نفسه في نار جهنم.
стр. 114
يعني: من كان فيه هذه الخصال الثلاث، فقد وجد فيه حلاوة الإيمان، وثبت الإيمان في قلبه، وكمل يقينه، ومن لم يكن فيه أحد هذه الخصال الثلاث، فانظر؛ فإن لم يكن حبُّ الله تعالى وحب رسول الله في قلبه أشدَّ وأكثر من حب سوى الله تعالى وسوى رسوله، فهو كافر، ونعني بهذا الحديث: الحب الاختياري.
وإن كان فيه ترك الخصلة الثانية، وهي أن لا يحب من أحبه من الناس لله، بل يحبه لخلة أو تعصب أو لمال أو لمنصب، لم يكن بترك هذه الخصلة كافرًا، بل يكون مسلمًا ناقصًا.
وأما الخصلة الثالثة، وهي: أن لا يكره العود إلى الكفر؛ فانظر؛ فإن مالت نفسه الشيطانية إلى الأشياء التي كان عليها في حال الكفر، وهو ينقضُ هذا الميل من نفسه، ويستعيذُ بالله من هذه الوسوسة، فلم يكن كافرًا بهذه الوسوسة؛ لأن النبي ﵇ قال: "إن الله تجاوزَ عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلَّم"، وإن عزم على العود إلى الكفر، ورضي به، صار كافرًا.
* * *
٧ - وقال: "ذاقَ طعْمَ الإيمانِ مَنْ رضيَ بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا"، رواه العبَّاس بن عبد المطَّلِب.
قوله: "ذاق طعم الإيمان ... " إلى آخره: (ذاق طعم الإيمان)؛ أي: وجد الإيمان.
"من رضي بالله ربًا"، يقال: رضيت به مصاحبًا، ورضيت عليه، ورضيت عنه؛ أي: رضيت بمصاحبته، ولا أطلبُ غيره.
قوله: (ربًا) منصوب على التمييز، وكذلك (دينًا) و (نبيًا).
стр. 115
يعني: من قال: من الآلهة حسبي الله، ومن الأديان حسبي الإسلام، ومن الأنبياء حسبي محمد ﵇.
يعني: من اطمأن قلبه بكونِ الله تعالى إلهه وربه، ولم يطلب إلهًا غيره، ولم يجعل له شريكًا في الملك، وكذلك رضي بكون الإسلام دينه، وكون محمد ﵇ نبيه، ولم يطلبْ دينًا سوى الإسلام، ولم يطلبْ نبيًا سوى محمد ﵇، فهو مؤمن، ومن لم يرضَ بواحد من هذه الثلاثة، فهو كافر.
روى هذا الحديث "عباس بن عبد المطلب" بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
* * *
٨ - وقال: "والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يهوديُّ أو نصرانيٌّ، ثمَّ يموتُ ولمْ يُؤمِن بالذي أُرْسِلْتُ بهِ إلَاّ كانَ مِنْ أصحابِ النَّار"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "والذي نفس محمد ... " إلى آخره، الواو في و (الذي) للقسم، وأراد بـ (الذي) الله تعالى.
(النفس): الروح والدم والجسد والعين.
(بيده)؛ أي: بقدرته وأمره، يقلبها ويصرفها كيف يشاء، سميت القدرة يدًا؛ لأن قوة الإنسان وقدرته وتصرفه باليد، فاُطلِق اسمُ اليد التي هي سبب القدرة والقوة على القوة والقدرة.
الباء في "لا يسمع بي" يحتمل أن تكون زائدة، فيكون تقديره: لا يسمعني، كما جاء: سمعته، وسمعتك، وسمعت فلانًا، وهذا كثير.
стр. 116
ويحتمل أن تكون الباء بمعنى (من)، كما يقال: اسمعْ مني، وسمعت هذا الحديث من فلان، فعلى هذا الاحتمال تكون الباء هنا كالباء التي في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الأنسان: ٦]؛ أي: عينًا يشرب منها.
وقد جاء الباء بمعنى (عن) أيضًا، كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾؛ أي: فاسأل عنه خبيرًا، و (من) و (عن) متقاربان في المعنى.
"الأمة": الجماعة التي تَؤُمُّ جهة واحدة؛ أي: تقصد، أو تؤم أمرًا واحدًا، ويقال لأهل زمان واحد: أمة، ولجماعة يتبعون نبيًا: أمة.
والأمة على قسمين: أمة دعوة، وأمة إجابة؛ فأمة الدعوة: هم الذين بعث عليهم نبي، ويدعوهم إلى الله تعالى، سميت تلك الأمة أمة الدعوة، سواء أجابوا ذلك النبي أو لم يجيبوا، وأمة الإجابة: هم الذين أجابوا ذلك النبي.
والمراد بالأمة في هذا الحديث: أمة الدعوة.
وإنما خُصَّت اليهود والنصارى في هذا الحديث بالذكر؛ لأنهما أهلا كتابي التوارة والإنجيل، وهم أشرفُ وأخصُّ ممن لم يكن لهم كتاب من الأمم الباقية، فإذا ذكر أن اليهودَ والنصارى يصيرون كفارًا بترك الإيمان بمحمد ﵇ مع زيادة شرفهم على غيرهم من الأمم، فأَنْ يصيرَ غيرهم من الأمم كفارًا بترك الإيمان بمحمد ﵇ أولى.
قوله: "ثم يموت ولم يؤمن" إشارةٌ إلى أن من آمنَ في آخر عمره يكون إيمانُهُ مقبولًا؛ لأنه آمن قبل أن يموت، فلم يمت كافرًا.
وقوله ﵇: "ولم يؤمن بالذي أرسلت به" إشارةٌ إلى أن الإيمانَ بجميع أحكام الإسلام واجبٌ، ومن قال: آمنت بأن محمدًا رسول الله، ولكن محمدًا رسول الله إلى بعض الناس، فهو كافر؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، قيل: تقديره: وما أرسلناك إلا لتكون رسولًا
стр. 117
للناس كافة؛ أي: جميعًا، فعلى هذا التقدير (كافة) حال للناس مقدم عليه، وقيل: بل (كافة) حال عن النبي ﵇، والتاء للمبالغة؛ يعني: لتكون مانعًا للناس عن الكفر، والكف: المنع.
ومن قال: آمنت أن محمدًا رسول الله على كافة الناس، ولكن أعظمَ أمرَ السبت، أو حرَّم لحم الإبل، كما كان في دين موسى ﵇، أو قال ما أشبه ذلك من تحليل حرام أو تحريم حلال، فهو كافر؛ لأنه لم يؤمنْ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، والسلم: الإسلام؛ يعني: اقبلوا جميعَ ما أمركم [به] محمد ﵇، واتركوا ما نهاكم عنه محمد ﵇.
و (كان) في قوله ﵇: "إلا كان من أصحاب النار" بمعنى: يكون.
فإن قيل: ينبغي أن لا يكون كافرًا من لم يدرك زمن النبي ﵇ ولم يسمع كلامَهُ بتركِ الإيمانِ به؛ لأن النبي ﵇ قال: "لا يسمع بي"، وهذا الرجلُ لم يسمع منه.
قلنا: ليس المراد من قوله: "يسمع بي" أن يسمع هو منه، بل المراد: وصول كلامه إليه ولو كان بواسطة كتاب أو شخص، ألا ترى أن من خالف كتاب سلطان أو رسوله يستوجبُ عقوبةَ ذلك السلطان؟
وتعظيمُ الرسول تعظيمُ الله تعالى وعصيانُهُ عصيانُ الله تعالى، فكذلك تعظيمُ ألفاظ رسول الله ﵇، وتعظيمُ العلماء الذين هم نوَّابه وورثته = تعظيمُ الله، وعصيانهمُ عصيانُ الله؛ لأنهم يدعون الخلق إلى الله تعالى، كما أن الرسول يدعو الخلق إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ألا ترى أنه ﵇ قال: "ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به"، ولم يقل: ثم يموت ولم يؤمن
стр. 118
بي، وحيث ذكر الإيمان بالرسول فالمراد منه: الإيمان بما جاء به الرسول، ولكنه لا يحصل الإيمان بما جاء به الرسول إلا بتصديق الرسول ﵇.
* * *
٩ - وقال: "ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ مِنْ أهلِ الكتابِ آمنَ بنبيِّهِ وآمنَ بمحمدٍ، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَواليهِ، ورجلٌ كانتْ عندهُ أمَةٌ يَطؤها، فأدَّبها فاحسنَ تأدِيبَها وعلَّمَها فأحسنَ تعليمَها، ثمَّ أعتَقَها فتزوَّجَها، فلهُ أَجران"، رواه أبو موسى الأَشْعَري ﵁.
قوله: "رجلٌ من أهل الكتاب" أراد به: النصارى لا غيرهم من أهل الكتاب؛ لأنَّ عيسى ﵇ نسخَ جميع الأديان التي كانت قبله، فكلُّ مَنْ عمل بدين منسوخٍ كيف يكون له أجر؟
وأراد بقوله: "لهم أجران" أحد الأجرين على العمل بدين نبيه والإيمان به، والأجر الثاني على الإيمان بمحمد ﵇، والعمل بدينه.
وقد قلنا: قد نُسِخت الأديان التي كانت قبل عيسى ﵇ بعيسى، فلا يُؤجَر من كان على دين غير عيسى، ثم لم يكنْ جميعُ من كان على دين عيسى يؤجر أجرين، بل من كان منهم متبعًا لعيسى ﵇، ولم يقل شيئًا كفر به في دينهم، كقول بعضهم: المسيح ابن الله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة، وما أشبه ذلك، فإن هذه الطائفة كفروا بعيسى ﵇ بقولهم هذه الأشياء، فلم يؤجروا بالعمل بدين عيسى.
وأما من كان على الحقِّ من النصارى، فيحصل له أجرٌ بالإيمان بعيسى والعمل بدينه إلى بعثة نبينا ﵇، ثم إذا آمن بنبيَّنا يحصلُ له أجرٌ آخر، ويكون له أجران؛ أجر على اتباع رسوله ﵇ وأجرٌ على اتباع نبينا محمد ﵇.
стр. 119
ثم لا يجوز لأحد التأخيرُ في الإيمان بالنبي إلا بقدر ما يمتحنُ النبيَّ ويعرف صدق كونه نبيًا، فإن أخَّر الإيمان به لأجل طلب الدلائل على نبوته، فهو معذور في هذا التأخير، وله الأجرُ على العمل بدين عيسى ﵇ في هذا الزمان؛ لأنه لم يكن كافرًا بالتأخير لطلب دلائل النبوة، وإن ثبتت عنده دلائلُ النبوة وأخرَّ الإيمان به ﵇، فهو كافر في زمان التأخير، ولم يكن له الأجرُ على العمل بدين عيسى ﵇ في زمان تأخير الإيمان بنبينا ﵇ بعد ثبوت دلائل النبوة عنده، فإذا آمنَ فله أجران؛ أحدهما: على العمل بدين عيسى ﵇ في زمان تأخير الإيمان بنبينا ﷺ بعد ثبوت دلائل النبوة عنده، والأجر الثاني على الإيمان بنبينا ﵇ واتباعه.
قوله: "والعبدُ المملوك إذا أدَّى حقَّ الله وحق مواليه"، قيَّد العبدَ بالمملوك احترازًا عن الحرَّ؛ لأن الحرَّ أيضًا عبدٌ، ولكنه عبد الله تعالى، لا عبدٌ مملوك لمخلوق، ولو قال: والعبد، توهَّم أحدٌ أنه يريد به: عبد الله، فيقع حينئذ على الحر والعبد.
والمراد بـ (حق الله): فرائض الله من الصلاةِ والصومِ والتكفيرِ بالصوم إن وجب عليه.
يعني: كل مملوك "أدَّى"؛ أي: قضى ما فرض الله تعالى عليه يحصل له أجرٌ، وإذا قضى خدمة سيده يحصل له أجر آخر.
ولا يجوز للسيد أن يمنعَ العبد من أداء فرائض الله تعالى، ولا يجوز للعبد أيضًا أن يترك فرائضَ الله تعالى لأجل خدمة السيد.
وإذا أدَّى فرائض الله تعالى لا يجوز له أن يتركَ خدمة السيد ويشتغلَ بعبادةٍ غير واجبة إلا أن يأذن له السيد فيها، حتى لو أحرم بالحجِّ يجوز لسيد أن يُخرجَهُ من الإحرام، ويمنعه من إتمام الحج، ولو أحرم بغير إذن السيد وحجَّ وفات عنه خدمته، أثمَ.
стр. 120
وكذلك للسيد أن يمنعه عن صلاة النفل، وصوم النفل، وعن تعلم غير التشهد والفاتحة وفرائض الصلاة والصوم؛ لأن هذه الأشياء واجبة عليه دون غيرها.
قوله: "رجل كانت عنده أمة يطأها"؛ أي: يجامعها.
"أدَّبها"؛ أي: علمها الأدب، و (الأدب): حسن الأفعال في القيام والقعود، وحسن الأخلاق، واجتماع الخصال الحميدة في الشخص، وأدَّبَ أيضًا: إذا منع أحدًا عن فعل القبيح، وكلا المعنيين حسنٌ في قوله: و"أدَّبها".
قوله: "فأحسن تأديبها"؛ أي: أدبها من غير عنف وضرب، بل باللطف والتأني.
"وعلمها"؛ أي: علمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، وإن علمها باللطف من أحكام الشريعة أكثر مما يجب عليها فهو خيرٌ له.
وقوله: "فأحسن تعليمها"؛ أي: علمها بالرفق وحسن الخلق.
فإن قيل: هنا إشكالٌ من وجهين:
أحدهما: تقييده بقوله: كانت عنده أمة يطأها؛ يعني لو كان لم يطأها، أو عبد = لم يكن حكمها كذلك؟
والوجه الثاني: أنه ينبغي أن يقول: له أربعة أجور؛ أحدها بتأديبها، والثاني بتعليمها، والثالث بإعتاقها، والرابع بتزويجها، فلمَ قال: فله أجران، ولم يقل: أربعة أجور؟
قلنا: المراد بحصول الأجرين له ها هنا بالإعتاق والتزويج؛ لأن التأديب والتعليم موجبان الأجرَ في الأجنبي والأولاد وجميع الناس، فلم يكن مختصًا بالإماء، فإذا كان حصول الأجرين له يكون بالإعتاق والتزويج، فلم يكن العبد داخلًا في هذا الحديث.
стр. 121
وأما تقييده بقوله: "أمة يطؤها" المراد بهذا اللفظ: أمة يريد وطأها، ويحل له وطؤها، سواء كانت الأمة موطؤة له قبل الإعتاق أو لم تكن موطوة له.
وإنما قال: "فأدبها، فأحسن تأديبها، وعلمها، فأحسن تعليمها"؛ لأن هذا أفضلُ وأكملُ للأجر، وتزوجُ المرأة التي وجدت التأديب والتعليم أكثرُ بركة وأقرب إلى أن تُعينَ زوجَها على دينه، فلأجل هذا قيَّد بالتأديب والتعليم.
روى هذا الحديث "أبو موسى" عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَار "الأشعري".
* * *
١٠ - وقال: "أُمِرتُ أنْ أُقاتلَ النَّاسَ حتَّى يَشهدوا أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤْتوا الزَّكاة، فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقَّ الإسلام، وحسابُهم على الله"، رواه ابن عمر ﵄.
قوله: "أمرتُ": هذا فعلٌ ماضٍ مجهول، والتاء مفعول ما لم يُسمَّ فاعله، والفاعل غير مذكور، وهو الله تعالى؛ أي: أمرني الله تعالى.
"أن أقاتل الناس"؛ أي: أحارب الناس وأقتلهم.
"فإذا فعلوا ذلك" إشارةٌ إلى مذكر غائب مقدر، وهو: ما أمرهم به، وما أقاتلهم لأجله، وما أشبه ذلك مما يمكن تقديره؛ يعني: فإذا فعلوا ما آمرهم به وما أقاتلهم لأجله من الإقرار بكلمتي الشهادة وأداء الصلاة وإيتاء الزكاة "عصموا"؛ أي: حفظوا، من (عصَم - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عِصمة): إذا حفظه.
"إلا بحق الإسلام"؛ يعني: إذا فعلوا هذه الثلاثة لا أقتلهم ولا آخذ أموالهم إلا بحق الإسلام، مثل أن يقتل مسلمٌ مسلمًا عمدًا عدوانًا فأقتله بالقصاص، أو
стр. 122
يقطع الطريق ويقتل أحدًا فأقتله، أو زنى وهو محصن فأرجمه، وما أشبه ذلك من الأحكام الشرعية.
"وحسابهم على الله تعالى"؛ يعني: أنا أحفظ وأراعي أفعالَهم الظاهرة، لا أترك أحدًا أن يترك شيئًا من فرائض الله تعالى، ولا أترك أحدًا أن يظلمَ أحدًا، وأما ما في نياتهم وعقائدهم [التي] ليس لي اطلاع فهو إلى الله، وهذا مثلُ قوله ﵇: "أنا أقضي بالظاهر، والله يتولى السرائر"؛ أي: هو الذي يعلم السرَّ وأخفى.
فإن قيل: لمَّا لم يذكر الصومَ والحجَ ها هنا، فينبغي أن لا يقاتل أحدًا ممن لا يصوم ولا يحج!
قلنا: قيل: لهذا جوابان:
أحدهما: أن النبي ﵇ إنما خصَّ هذه الأركان الثلاثة لعظم شأنهما؛ لأن الشهادة أفضلُ شعب الإيمان وأولها، والصلاة واجبة في كل يوم خمس مرات، وهي مجمع جميع العبادات؛ لأن فيها تلاوة القرآن والقيام والركوع والسجود والتسبيح والتكبير وترك الأكل والشرب الذي هو نوع من الصوم وما أشبه ذلك من الخضوع والتذلل، وأما الزكاة فهي حقوق الفقراء وسبب معاشهم وقيامهم بعبادة الله تعالى والقوة على الجهاد، وأيضاً الزكاةُ أشدُّ شيءٍ على النفس؛ لأن النفس؛ مجبولةٌ على حب المال، فأوجب الله تعالى الزكاةَ؛ ليخالف الرجل نفسه، ويختار أمر الله تعالى على ما أحبته نفسه.
بخلاف الصوم والحج؛ فإن الحج مؤخَّر إلى آخر عمر الرجل، فإذا كان للرجل التأخير في أداء الحج إلى آخر عمره، فكيف يقاتله أحد على ترك أداء الحج؟
وأما الصوم فمُسقطاتُهُ كثيرة، وهي: المرض والكبر الذي يضعف به عن
стр. 123
الصوم والسفر وإن كان يجب القضاء، وهذه الأشياء ليست بمسقطات الصلاة والزكاة، فإذا كان كذلك، لم يكن الصوم مثل الصلاة والزكاة في التأكيد.
ويجوزُ أن يُخصَّصَ ما هو الأكملُ بالذكر (١)، وتخصيصُ هذه الأشياء بالذكر لا يدلُّ على نفي وجوب غيرها، بل يعلم وجوب غير هذه من حديث آخر، وإذا ثبت وجوبُ غير هذه الأركان بحديث آخر، فتكون كهذه الأركان في توجُّهِ المطالبة إلى تاركه.
* * *
١١ - وقال: "مَنْ صَلَّى صلاتَنا، واستقبلَ قِبلتَنا، وأكلَ ذَبيحتَنا، فذلكَ المسلمُ الذي لهُ ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسولِهِ، فلا تُخْفِرُوا الله في ذِمَّتهِ"، رواه أنَسٌ ﵁.
قوله: "من صلى صلاتنا"؛ أي: من صلَّى صلاةً، مثل صلاتنا، وهذه الصلاة لا توجد إلا من مسلم؛ لأنَّ أهل الكتاب يصلون، ولكن لا يصلون مثل صلاتنا، وغير أهل الكتاب لا يصلون.
"واستقبل قبلتنا"؛ أي: توجَّه إلى الكعبة في الصلاة، وهذا بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، واستقبالُ الكعبة أيضًا علامةُ الإسلام؛ لأنه لم يستقبل الكعبة أهل الكتاب.
"وأكل ذبيحتنا"، (الذبيحة): فعيلة بمعنى: المفعول؛ أي: المذبوح، والتاء ليست للتأنيث، بل هي للجنس، كالتاء في (شاة).
يعني: من أكل لحم ما ذبحه المسلمون من الشاة والبقر والإبل وغيرها مما يحلُّ أكلُهُ، فهو مسلم.
والمراد بهذا: أهل الكتاب؛ لأنهم هم الذين لا يأكلون ذبيحتنا، ويعتقدون
стр. 124
تحريمَ ما ذبحه المسلمون، فإذا أكلوا ذبيحة المسلمين، واعتقدوا حلَّه، فهو دليلُ إسلامهم.
وأما غير أهل الكتاب لم يكن أكلُهم ذبيحةَ المسلمين دليلَ إسلامهم؛ لأنهم لم يعتقدوا تحريمَ ذبيحة المسلمين، ولم يمتنعوا من أكل ذبيحة المسلمين، فلم يكونوا (١) تاركين لدينهم بأكلهم ذبيحة المسلمين، بخلاف أهل الكتاب.
"فذلك المسلم الذي له ذمةُ الله تعالى وذمةُ رسوله ﵇"؛ يعني: من فعل هذه الأشياء المذكورة فهو مسلم، وحصل له عهدُ الله ورسوله، وأمان الله تعالى وأمان رسوله ﵇.
(الذمة): الأمان والعهد.
"فلا تخفروا الله في ذمته"، خفر - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - خَفْرًا وخِفارة: إذا وفَّى بالعهد، وأعطى أحدًا الأمان ومنعه عن القتل والظلم، و (الخُفرة) بضم الخاء: العهد، و (أخفر): إذا نقض العهد، (فلا تخفروا الله تعالى)؛ أي: فلا تنقضوا عهد الله وأمانه، فحذف المضاف ها هنا وهو العهد والأمان، ونصب المضاف إليه - وهو الله تعالى - مكان المضاف، والضمير في (ذمته) راجعٌ إلى المسلم الذي له ذمة الله تعالى وذمة رسوله.
يعني: لا تقتلوا، ولا تؤذوا من فعل هذه الخصال؛ فإنكم لو قتلتموه لنقضتم عهد الله وحاربتم الله بسبب قتله.
فإن قيل: لم لم يذكر من الأركان غير الصلاة في هذا الحديث؟
قلنا: لأنه معلومٌ أن الكافر لا يصلي صلاتنا، ولا يستقبل قبلتنا، فمن
стр. 125
صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فقد اعترفَ بنبوة محمد ﵇ وقبلَ قولَهُ، فإذا صدَّقه على الرسالة، وقبل قوله في الصلاة، واستقبلَ القبلة، فالظاهرُ والغالبُ أنه لا ينكرُ شيئًا مما أمره النبي ﵇ من أحكام الدين، فإذا كان كذلك، فلا حاجةَ إلى ذكر جميع الأركان؛ لأن ذكر ما في هذا الحديث يدلُّ على الباقي.
* * *
١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ فقال: دُلَّنِي على عَملٍ إذا عملتُهُ دخلتُ الجنّةَ، قال: "تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ"، فقال: والذي نفسي بيدِهِ، لا أزيدُ على هذا، ولا أنقُصُ منه، فلما ولَّى قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى رجلٍ مِنْ أهلِ الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا".
قوله: "أتى أعرابي"، ففي بعض النسخ: "أتى أعرابي النبي ﵇" وفي بعضها: "أتى أعرابي إلى النبي ﵇"، وكلاهما بمعنى واحد. "دُلَّ" بضم الدال وفتح اللام: أمرُ مخاطب؛ من دَلَّ يدُل دلالة: إذا أرشد أحدًا إلى صراط مستقيم أو إلى أمر.
"قال: تعبد الله"؛ أي: قال رسول الله ﵇: العمل الذي إذا عملته دخلت الجنة أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، ولا تقول بوجود إله سوى الله، بل تقول وتعتقد أن لا إله إلا الله، وأن تخلص العبادة له، وتحترزَ عن الرياء؛ فإن الرياءَ شركٌ خفي.
فإن قيل: لم لم يكن في الحديث ذكر: محمد رسول الله، ولا يصحُّ الإيمان إلا بالإقرار برسالة محمد ﵇؟
стр. 126
قلنا: لأن الرجل كان مسلمًا مقرًا برسالته؛ لأنه لو لم يكن مسلمًا، لم يسأل النبي شيئًا، ولم يصدقه فيما قال، فلما قبل ما قال له النبيُّ ﵇ في هذا الحديث عُلِمَ أنه كان مسلمًا.
فإن قيل: لو كان مسلمًا، فلم قال له النبي ﵇: "لا تشرك بالله شيئًا"؟
قلنا: إنما قال له النبي ﵇ هذا إما ليحترزَ عن الرياء في العبادة، أو ليحترز عما قالت اليهود والنصارى من قولهم: عزيرٌ ابن الله، والمسيح ابن الله، وما أشبه ذلك.
"وتقيم الصلاة المكتوبة"؛ أي: المفروضة؛ يعني: وتؤدي الصلوات الخمس التي فرضها الله تعالى على عباده.
"وتؤدي الزكاة المفروضة"، وقيدُ (المفروضة) ها هنا احترازٌ عن صدقة التطوع؛ لأن الزكاة تُطلَق على إعطاء المال على سبيل التبرع.
"ولَّى"؛ أي: أدبر وذهب.
"سره"؛ أي: فرَّحه؛ أي: من أراد "أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" الرجل، فإنه من أهل الجنة.
اعلم أن أصحاب الحديث قالوا: هذا الحديث والحديث الذي يرويه طلحةُ بن عبيد الله واحد، ولكن عبارات الرواة فيه مختلفة، فنذكر هذا الحديث برواية طلحة بن عبيد الله عقيب هذا الحديث، وإن كان في بعضِ نسخ "المصابيح" هو مكتوبٌ بعد حديث سفيان الثقفي، وإنما نذكر حديث طلحة بن عبيد الله عقيبَ هذا؛ لأنا قد قلنا: هما حديث واحد، فنذكر شرح ألفاظ ما في رواية طلحة، ثم نذكر ما في الروايتين من السؤال والجواب.
وحديث طلحة:
* * *
стр. 127
١٤ - عن طلْحة بن عُبيد الله ﵁ قال: جاءَ رجلٌ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسِ، نسمعُ دَويَّ صوتِه ولا نفقَهُ ما يقولُ، حتَّى دنا، فإذا هو يسألُ عنِ الإِسلامِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خمسُ صلَواتٍ في اليومِ والليلةِ"، فقال: هلْ عليَّ غيرهُنَّ؟ فقال: "لا، إلَّا أنْ تطوَّعَ"، قال: "وصيامُ شهرِ رمضانَ"، قال: هلْ عليَّ غيرُه؟ قال: "لا، إلَاّ أنْ تَطوَّعِ"، قال: وذكرَ لهُ رسولُ الله ﷺ الزَّكاةَ، فقالَ: هَلْ عليَّ غيرُها؟ فقال: "لا إلاّ أنْ تَطَوَّعَ". قال: فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أفلَحَ الرَّجلُ إنْ صدقَ".
قوله: "جاء رجل من أهل نجد ثائرَ الرأس"؛ أي: ثائر شعر الرأس، وحذف المضاف؛ أي: متفرق شعر الرأس، من ثار يثور ثورًا وثورانًا: إذا ارتفع الغبار وتفرق عن مكانه، و (ثائر الرأس) نصب على الحال.
"الدوي": الصوت الذي لا يُفهَم منه شيءٌ كصوتِ النَّحْل.
(فقه) - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - فقهًا: إذا فهم، وأدرك شيئًا.
دنا يدنو: إذا قرب.
"فإذا هو" (إذا) للمفاجأة؛ يعني: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، نسمعُ من البعدِ صوته، ولا نفهم ما يقول، حتى قَرُبَ من النبي ﷺ ، فإذا قرب سمعنا وفهمنا.
قوله: "وهو يسأل عن" أركان "الإسلام" كم هي؟ "فقال رسول الله: الصلوات الخمس، فقال: هل عليَّ غيرهن؟ "؛ يعني: أحد أركان الإسلام الصلوات الخمس، فقال الرجل: هل عليَّ صلاة مفروضة غير الصلوات الخمس؟
"فقال رسول الله ﵇: لا، إلا أن تطوع"؛ يعني: ليس عليك غير الصلوات الخمس إلا أن تصلي تطوعًا.
стр. 128
و (التطوع): ما يفعله الرجل من الصلاة والصوم والصدقة وغيرها عن طوعه ورغبته، من غير أن يُوجِبَ الشرعُ ذلك الفعل.
وقوله: "إلا أن تطوع" كان أصله: تتطوع، يجوز حذف إحدى التاءين، ويجوز إدغام التاء الثانية في الطاء، فمن حذَفَ إحدى التاءين يقول: تَطَوَّع بتخفيف الطاء، ومن أدغمها يقول: تَطَّوَّع بتشديد الطاء.
"قال: وصيام شهر رمضان"؛ يعني: قال رسول الله ﵇: الركن الثاني: صيام شهر رمضان، قال: هل عليَّ صوم فرض سوى شهر رمضان؟ قال: لا إلا أن تطوع. مضى شرح هذا.
"قال: وذكر له رسول الله ﵇ الزكاةَ"؛ أي: قال الراوي: ذكر رسول الله ﵇ للرجل: أن الركن الثالث الزكاة.
قال: "فأدبر الرجل"؛ أي: قال الراوي: ذهب الرجل، "وهو" يحلف و"يقول: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقصُ منه".
قيل: معناه: لا أزيد على هذا السؤال، بل يكفيني هذا السؤال، ولم يبقَ فيما سألت إشكالٌ وشكٌّ، حتى احتاج إلى زيادة سؤال. "ولا أنقص منه"؛ أي: ولا أترك شيئًا ممَّا أمرني به، بل آتي بجميعه.
وقيل: هذا الرجل اسمه ضِمام بن ثعلبة، أرسله قومه بنو سعد بن بكر إلى رسول الله ﵇؛ ليسأله عن أركان الإسلام، ويرجع إليهم، ويخبرهم بما قاله رسول الله ﷺ ، فعلى هذا معناه: أُبَلِّغُ قومي ما سمعتُ بحيث لا أزيدُ على ما قال رسول الله ﵇، ولا أنقص منه.
قيل: معناه: والله لا أزيد على أداء الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وأداء الزكاة وهذا التأويلُ مستقبحٌ؛ لأن النبي ﵇ كان يأمر الناس بأداء السنن والنوافل من الصلاة والصيام والصدقة، ويحرَّضهم عليها، فكيف
стр. 129
يرضى ويستحسن قول رجل يقول: والله لا أزيد على هذا، ويمدحه عليه بقوله في رواية أبي هريرة: "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظرْ إلى هذا"، وفي هذا الرواية بقوله: "أفلح الرجل إن صدق"؟!
و (الإفلاح): وجدان الفلاح، و (الفلاح): وجدان المراد في الدنيا والآخرة، وقيل: الفلاح أربعة أشياء: بقاءٌ بلا فناء، وغنًى بلا فقر، وعزٌّ بلا ذل، وعلمٌ بلا جهل.
فإن قيل: لم لم يذكر الشهادة والحج؟
قلنا: أما الشهادة فلأن الرجل كان مسلمًا، فلم تكن به حاجة إلى عرض الشهادة عليه.
وأما الحج فهو مذكور في رواية ابن عباس؛ لأن هذا الحديث يرويه ابن عباس، كما يرويه أبو هريرة وطلحة بن عبيد الله، وبينهم اختلاف في ألفاظ، ولم يسمع أبو هريرة وطلحة لفظ الحج، أو سمعاه ولكنهما نسياه؛ لأن سؤال ضمام هذا السؤال في السنة الخامسة من الهجرة في قول، وفي السابعة في قول، وفي التاسعة في قول، ووجوب الحج كان في السنة الخامسة، فإذا كان كذلك، فترجيحُ رواية ابن عباس أولى؛ لأن كون الحج مذكورًا في حديثه زيادةُ علم، ولزيادةِ الراوي بعلمِ لفظٍ ترجيح وقوةٌ عند أصحاب الحديث.
فإن قيل: لمَ قال ﵇ في رواية طلحة: "أفلح الرجل إن صدق"؛ حَكَمَ للرجل بالفلاح بلفظ: إن صدق، وهو للشكِّ في صدقه، وحكم بكونه من أهل الجنة مطلقًا بغير شكًّ في رواية أبي هريرة؟!
قلنا: يحتمل أنَّ قوله ﵇: "أفلح الرجل إن صدق" كان قبل أن يخبره الله تعالى بحال الرجل، ثم أخبره الله تعالى صدقَ الرجل وإخلاصَ نيته وكونَهُ من أهل الجنة، فقال رسول الله ﵇: "من سرَّه أن ينظر إلى رجل
стр. 130
من أهل الجنة، فلينظرْ إلى هذا".
ويحتمل أن يكون قوله ﵇: "أفلح الرجل إن صدق" بحضورِ الرجل؛ كي لا يغترَّ ويتَّكِلّ على كونه من أهل الجنة، فلما ذهبَ قال ﵇: "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظرْ إلى هذا".
وجَدُّ "طلحةَ": عثمانُ بن عمرو بن كعب القرشي.
* * *
١٣ - عن سُفيان بن عبد الله الثَّقَفِي قال: قلتُ: يا رسولَ الله! قُلْ لي في الإِسلامِ قولًا لا أَسألُ عنهُ أحدًا غيركَ، قال: "قُلْ: آمنتُ بالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
قوله: "قل: آمنت بالله ثم استقم"، (استقم): أمر مخاطب من استقام يستقيم استقامة: إذا قام مستويًا وداوم وثبت على الحق.
يعني: قلت: يا رسول الله! أخبرني عمَّا هو كمالُ الإسلام بحيث تكون أصول الإسلام وفروعه داخلةٌ فيه بحيث لا أحتاجُ إلى أن أسأل أحدًا غيرَك عنه، فقال له رسول الله ﵇: قل: آمنت بوحدانية الله وقدمه، وجميع أمره ونهيه ووعده، ثم اثبتْ على جميع هذه الأشياء بحيث يكون ظاهرك وباطنك فيها موافقين.
وقوله ﵇: "ثم استقم" لفظٌ جامعٌ للإتيانِ بجميع الأوامر، والانتهاءِ عن جميع المناهي؛ لأنه لو ترك أمرًا لم يكن مستقيمًا على الطريق المستقيم، بل عدل عنه حتى يرجع إليه، ولو فعل منهيًا، فقد عَدَلَ عن الطريق المستقيم أيضًا حتى يتوبَ، ولهذا قال رسول الله ﵇: "شيبتني سورة هود" يعني: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ لأن الاستقامة كما يحبُّ الله
стр. 131
ويرضى شديدةٌ، وقال رسول الله ﵇: "استقيموا ولن تحصوا"؛ أي: ولن تطيقوا أن تستقيموا بالكلية، ولكن جاهدوا واجتهدوا في طاعة الله تعالى بقدر ما تطيقون.
"وجَدُّ سفيان بن عبد الله": أبو ربيعة بن الحارث الثقفي.
* * *
١٥ - وعن ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ وفدَ عبدِ القَيْسِ لمَّا أَتَوا النبيَّ ﷺ قال: "مَنِ القومُ - أو: مَنْ الوفدُ -؟ "، قالوا: ربيعةُ، قال: "مرحبًا بالقومِ - أو: بالوفدِ - غيرَ خَزايا ولا نَدامَى"، قالوا: يا رسولَ الله! إنّا لا نستطيعُ أنْ نأتيكَ إلَاّ في الشهر الحرام، وبيننا وبينكَ هذا الحيُّ من كُفارِ مُضَرَ، فَمُرنا بأمرٍ فَصْلٍ نُخبرُ بهِ مَنْ وراءنَا، وندخُلُ بهِ الجنَّةَ، وسأَلوهُ عنِ الأشربةِ، فأمرهُم بأربعٍ، ونهاهُم عن أربع: أمرهُمْ بالإيمانِ بِالله وحدَه، فقال: "أتدرونَ ما الإِيمانُ بِالله وحده؟ "، قالوا: الله ورسولهُ أعلمُ، قال: "شهادةُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصِيامُ رمَضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغْنَم الخُمُس"، ونهاهُمْ عن أربَعٍ: عنِ الحَنْتَمِ، والدُّبَّاءِ، والنَّقيرِ، والمُزفَّت، وقال: "احفظوهنَّ، وأخبِروا بهنَّ مَنْ وَراءَكم".
قوله: "إن وفد عبد القيس"، (وفد) - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - وفادةً: إذا أتى إلى الأمير من عند قوم برسالة، واسم الفاعل: وافد، والجمع: وفد، وأوفد زيدٌ عمرًا: إذا أرسله برسالة إلى أحد.
و (عبد القيس): اسم قبيلة معروفة عظيمة، وهم يتفرقون قبائل كثيرة، إحدى قبائلهم ربيعة.
ومعنى وفد عبد القيس: الجماعة الذين أرسلهم قومهم إلى النبيَّ عليه
стр. 132
السلام؛ ليتعلموا منه الدين، ويرجعوا إليهم، ويعلموهم ما تعلموا من رسول الله ﵇.
"قال: من القوم؟ أو: من الوفد؟ " يعني: لمَّا أُخبِر رسول الله ﵇ بقدوم وفد عبد القيس قال: "من القوم؟ " يعني: قبائل عبد القيس كثيرة، هؤلاء الذين جاءوني من أي قبائل عبد القيس؟ وأخبره أصحابه: أنهم من قبيلة ربيعة، و (أو) في قوله: "أو من الوفد" للشك؛ يعني: شك الراوي أن رسول الله ﵇ قال: "من القوم؟ " أو قال: "من الوفد؟ ".
وهذا دليلٌ على أنه لا يجوزُ تغييرُ ألفاظ رسول الله ﵇، بل يجب مراعاة ألفاظه؛ لأن في ألفاظه بركةً كثيرةً، وتحت كل لفظة من ألفاظه فائدةٌ يفهمهما أهل الحذاقة بالعربية، وأهل الفطنة والمعاني ولو غُيَّرَ لفظ من ألفاظه في حديث تزول منه بركةٌ وفائدةٌ كثيرةٌ من المعاني الداخلة تحت تلك اللفظة.
وقال قوم: يجوز رواية الحديث بالمعنى؛ يعني: ينبغي أن يروي الراوي معانيَ حديث النبي ﵇ بأيَّ لفظ شاء الراوي، وهذا مُستنكَرٌ عند أصحاب الحديث.
"مرحبًا" اسم موضع من رَحُبَ - بضم العين في الماضي والغابر - رحبًا ورحابة: إذا اتسعَ المكان، وهو منصوب بإضمار فعل، تقول لمن نزل بك من الأضياف: مرحبًا؛ أي: جئت موضعًا واسعًا، لا ضيقَ عليك في بيتي، ولا حزن، اجلس حيث شئت، وتقول لجماعة أيضًا: مرحبًا؛ أي: مكانًا واسعًا، ولا تغيَّرُ هذا اللفظ، وتقول: مرحبك الله ومرحبًا بك الله؛ أي: أتى بك مرحبًا؛ أي: مكانًا واسعًا، وقال لك الله: مرحبًا.
والباء في "مرحبًا بالقوم" وما أشبه ذلك يحتمل أن تكون للتعدية؛ أي: أتى الله بالقوم مرحبًا، ويحتمل أن تكون زائدة؛ أي: أتى القوم مرحبًا.
стр. 133
وهذا القول لتأنيس الضعيف وتأليف قلبه وإزالة الحزن والاستحياء عن نفسه.
"غير خَزَايا ولا نَدامى"، (الخزايا): جمع الخَزيان بفتح الخاء، وهو نعتٌ؛ من خَزِي يخزَى - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - خزاية؛ أي: استخجل واستحى.
و (الندامى): يحتمل أن تكون جمع: ندمان، وهو بمعنى: نادم، فتكون حينئذ جمعًا مستقيمًا على القياس كـ (خزايا) جمع الخزيان، ويحتمل أن يكون جمع: نادم، وعلى هذا يكون على خلاف قياس المجموع؛ لأن جمعَ (نادم) لا يجيء على (ندامى)، ولكن أُجرِي (ندامى) مجرى خزايا اتباعًا وازدواجًا له، وقياسه أن يكون (نادمين).
والمراد من قوله ﵇: "غير خزايا ولا ندامى": أن هذه القبيلة دخلوا في الإسلام عن طوعهم ورغبتهم من غير أن يلحقهم من رسول الله ﵇ حربٌ وسبيٌ؛ يعني: لم يحاربونا، ولم يقولوا فينا سوء، ولم يحصل بيننا عداوة وحقد، حتى يكونوا مستخجلين مستحيين.
ويحتمل أن يكون معناه: ما كنتم بالإتيان إلينا خاسرين خائبين، كبعض الأمراء إذا أتاهم وفدٌ لا يعطونهم حقهم، ولا يقضون حوائجهم، فيرجعون خاسرين خائبين مستخجلين مستحيين إلى قومهم، ونحن لا نفعل كذا، بل نقضي حوائجهم، وينقلبون من عندنا بالأجر والعلم.
و (غير خزايا): نصب على الحال.
قوله: "من كفار مضر"، (مضر): اسم قبيلة عظيمة، وكانوا أعداء للقبيلة التي هؤلاء الوفد منهم.
يعني: قال الوفد: يا رسول الله! لا نستطيع أن نأتيك في وقت من الأوقات غير الأشهر الحرم؛ لأن بيننا وبينك في طريقنا قبيلة مضر نازلون، وهم أعداءُنا،
стр. 134
وهم كفار يقتلوننا لو رأونا في الطريق في غير الأشهر الحرم، فإذا لم نقدر أن نأتيك في كلِّ وقت لنسألك ما نحتاج إليه من العلم، فإذا أتيناك فعلِّمنا علمًا شافيًا كافيًا.
وإنما قالوا: "في الشهر الحرام"؛ لأن العرب كلهم يعظَّمون حرمة الأشهر الحرم، لا يقاتلون فيها، ولو رأى أحدٌ عدوَّه في الأشهر الحرم لا يؤذيه.
وكذلك كان القتالُ مع الكفار منهيًا في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ثم صار منسوخًا بقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ووجه الاستدلال به: أنه تعالى لمَّا أمر بالقتل حيث وجد المسلمون الكفار قد يكون وجدانهم الكفار في الأشهر الحرم. وفي البلد الحرام.
ومعنى (ثقف): وجد.
قوله: "فمرنا" هذا أمر مخاطب من أمر يأمر "أمرًا فصل" صفة الأمر، وهو مصدر بمعنى الفاعل، من فصل يفصل فصلًا: إذا ميَّز وبيَّن؛ أي: أمرٌ فاصل مبيِّن بين الحق والباطل، والحلال والحرام، ومزيل للإشكالِ عن قلوبنا.
قوله: "نخبر به من وراءنا"؛ أي: نعلم قبائلنا وعشائرنا ما حفظناه منك من المسائل.
(وراءنا)؛ أي: خلفنا؛ أي: من كان تركناهم في أوطاننا.
ويجوز في (نخبر) الجزمُ على أنه جواب الأمر، وهو قوله: (فمرنا)، ويجوز فيه الرفع على أنه صفة (الأمر).
قوله: "وندخل، معطوف على (نخبر)، ويجوز فيه الجزم والرفع أيضًا، والباء في "به الجنة" باء السببية؛ أي: ندخل بسببه الجنة؛ أي: بسبب قبول أمرك وتعظيمه والعمل به ندخل الجنة.
فاعلم أنه لا يدخل الجنة أحد بعمله، بل بفضل الله تعالى؛ لأنه لا يجب
стр. 135
على الله تعالى شيءٌ، بل ما يعطي أحدًا يعطيه بفضله ولطفه تعالى، ولكنَّ العملَ سببٌ.
وهذا مثل حصول الرزق بسبب الكسب؛ فإن الله تعالى يعطي الرزق، ولكن العبد يسعى في طلبه بحرفة وغيرها.
وكذلك الشبع يحصل بسبب الطعام، ولكن المشبع في الحقيقة هو الله تعالى، ألا ترى أن الرجل يأكل قليلًا من الطعام ويشبع، وقد يأكل ذلك الرجل في وقت آخر قدرًا كثيرًا ولا يشبع؟ فلو كان المشبع هو الطعام لما اختلف قدر الطعام في الإشباع، وقد يمر على الإنسان أيام ولا يأكل شيئًا فيها ولا يجوع، وقد يأكل في يوم واحد مرارًا ثم يجوع.
وكذلك جميعُ الأشياء، لا مؤثر في الإحراق والإشباع والإعطاش والإمراض والقتل وغير ذلك إلا الله تعالى، ولكن هذه الأشياء أسباب وعلامات لحصول الأشياء.
قوله: "وسألوه عن الأشربة"، (الأشربة): جمع الشراب، وهو اسمٌ لكلِّ ما يُشرب؛ حذف ها هنا إما المضافُ إلى الأشربة وإما صفة الأشربة؛ أي: عن الأشربة التي تكون في الأنواع المختلفة من الأواني.
الفاء في "فأمرهم بأربع": للتعقيب؛ أي: بعد قولهم: "فمُرْنا بأمرٍ" أمرهم بأربع خصالٍ وبعد سؤالهم عن الظروف التي يشرب منها.
"نهاهم عن" ظروفِ "أربعة" وهي "الحَنْتَم" إلى آخر الحديث، ويأتي شرحه.
قوله: "أمرهم بالإيمان": إلى آخره ففي هذه إشكالٌ؛ لأنه لو قرئ و"إقام الصلاة" وما بعدها بالجر على أنها معطوفةٌ على قوله: (أمرهم بالإيمان) يكون المجموعُ خمسةَ، وهو الإيمان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان،
стр. 136
وأن تعطوا من المغنم الخُمس، وإن قرئ و"إقام الصلاة" وما بعدها بالرفع على أنها معطوفةٌ على "شهادة" يكون الجميع من الإيمان، فيكون الجميع واحدًا، فأين الثلاثة الباقية من قوله: "فأمرهم بأربع"؟.
قلنا: فسَّر ﵇ الإيمان بخمسة أشياءَ، وهي الشهادةُ إلى قوله: "وأن تعطوا من المغنم الخمس" ولكن ما أمرهم به من هذه الخمسة أربعةٌ وهي: إقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخُمس من المغنم.
وأما الشهادة فليست مما يأمرهم بها؛ لأنهم كانوا مسلمين مُقرِّين بكلمتي الشهادة، فقول الراوي: (أمرهم بأربع) يعني الأربعةَ التي هي: إقامُ الصلاة وما بعدها، وإنما قال: (أمرهم بأربع) وعدَّ خمسًا لأنه عَلِمَ أنه لا يَخْفَى على العلماء أن الشهادة ليست ممَّا يأمرهم النبي بها؛ لأنه قد ذكر في أول الحديث ما يدل على إسلامهم، وهو قولهُ ﵇: (مرحبًا) ولم يقل النبي ﵇ هذا اللفظ إلا للمسلمين، وقوله: (غير خزايا ولا ندامى): يدل على إسلامهم لأن الكفار يكونون خزايا وندامى، والمسلمون هم الذين غيرُ خزايا ولا ندامى محقَّقٌ في حقهم.
وقولهم: (يا رسول الله) أيضًا دليلٌ على إسلامهم؛ لأن الكافر لا يقول لمحمدٍ ﵇: يا رسول الله، فإذا تقَّدم هذه الأدلة على إسلامهم، لم يَخْفَ أن النبي ﵇ لم يأمرهم بالشهادة بل بغيرها ممَّا يذكر بعدها، إلا أن الراوي قال: (أمرهم بأربع) ثم قال: (أمرهم بالإيمان بالله تعالى وحده) وذكر الخَمس في تفسير الإيمان لزوال الخفاء أنَّ الشهادة ليست مما أمرهم به، فلا يجوز في "إقام الصلاة" وما بعدها إلا الرفعُ؛ لأنها معطوفةٌ على قوله ﵇: "شهادة أن لا إله إلا الله" هكذا ذكر الخطَّابي.
وقوله: "بالله وحده": (وحده) نصبٌ على الحال، وتقديره: الله
стр. 137
واحدًا لا شريك له.
"المغنم": الغنيمة، وهو ما يؤخذ من الكفار قهرًا.
قوله: "ونهاهم عن أربع": أي: عن ظروفٍ وأوانٍ أربع.
"الحَنْتَم" بالحاء غير المعجمة وفتح التاء: الجَرَّة الخضراء.
"الدُّبَّاء" بضم الدال وتشديد الباء وبالمد: القرع، واليقطين شجرتُهُ
"النقير": فَعيلٌ بمعنى المفعول، من نَقر - بفتح العين في الماضي وضمَّها في الغابر - نقرًا: إذا حفر حفرةً في الخشب والشجر، والنقير: أصلُ الشجر إذا نُقر حتى يصير مثل دنٍّ وخابيةٍ يجعل فيها الماء.
و"المزفَّت": ما طلُي بالزفت من سِقاءٍ أو زنبيل فيُجعل فيه الماء ويُشرب، والزِّفْت - بكسر الزاي وتشديد الفاء -: القير.
يعني سألوه عن ظروف الأشربة، وعن أن يخبرهم أنَّ أشربةَ أيَّ الأواني حلالٌ وأيِّها حرامٌ، وإنما سألوا عن الأشربة لأنهم كانوا يطرحون التمر والزبيب وغيرَ ذلك من الحلاوة في ظروف الماء ليصير ماؤهم حلوًا، وقد يصير مياه بعض الأواني مُسْكِرًا، وقد يصير بعضها قريبًا إلى المسكر، فما كان مسكرًا فهو حرام، وما قَرُب إلى الإسكار فهو مكروهٌ، وما لم يكن بهاتين الصفتين فهو حلالٌ غيرُ مكروه، فسألوا عنها ليتبيَّن لهم الحرامُ من غيره، فقال لهم رسول الله ﵇: اشربوا من الأواني كلها إلا من هذه الأربعة؛ لأن هذه الأربعة تصيَّر الماءَ مسكرًا عن قريبٍ؛ لأنها غليظةٌ لا منفذ للريح فيها، ولا يترشَّش منه الماء، فكلُّ ما كانت هذه صفته يَجعل الماءَ حارًا، وانقلابَ ما هو أشدُّ حرارةً إلى الإسكار أسرع وأقرب ممَّا كان أقلَّ حرارة، وكان النهي عن الشرب من هذه الأواني ثابتًا زمانًا ثم صار منسوخًا بقوله ﵇: "نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفًا لا يُحِلُّ شيئًا ولا يحرَّمه، وكلُّ مسكرٍ حرام".
стр. 138
يعني: اشربوا من جميع الظروف ما لم يكن فيها مُسْكرٍ، فإذا صار ما فيها مسكرًا فصبُّوه ولا تشربوه.
قوله: "احفظوهن وأخبروا بهنَّ مَن ورائكم"؛ يعني: قال رسول الله ﵇: احفظوا هذه المسائل ولا تنسَوهنَّ وعلَّموهن أقاربكم وعشائركم وغيرهم.
فإن قيل: يجب أن يكون التعلُّم والتعليم واجبين؛ لأنه ﵇ قال: "احفظوهن"، وهذا أمرٌ، فظاهر الأمر للوجوب إلا أن يدلَّ دليلٌ على أنه غير واجب، وكذلك قال: (أخبروا بهن من ورائكم)، وهو أمر أيضًا فما قولكم فيه؟.
قلنا: التعلُّم والتعليم قد يكونان واجبين وقد يكونان سنَّتين، أما التعلُّم الواجب فهو تعلُّم ما يجب على الرجل من أركان الشريعة وبيانِ الحلال والحرام بقَدْرِ ما يحتاج إليه، وأما التعلُّم الذي هو سنةٌ وفضيلة هو تعلُّم ما زاد على ما يحتاج إليه من الأحكام.
وأما التعليم الواجب فهو أن يعلِّم أهله وعياله ومَن يتردد عنده ما يحتاجون إليه من الفرائض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، يعني: احفظوا أنفسكم من النار بإتيان الأوامر والانتهاء عن المناهي، واحفظوا أهليكم بتعليمهم الفرائض والحلال والحرام وما يُنجيهم من النار.
وأما تعليم السنة والفضيلة فهو أن يعلِّم الناس من الأقارب والأباعد ما زاد على ما يحتاجون إليه من الأحكام وفي هذا بحث كثير يطول ذكره.
وراوي هذا الحديث ابن عباس ﵄، وحيث ذكر الابن من غير اسمه في الصحابة فاعلمْ أن اسمه عبد الله، فإذا قيل: ابن عباس فاعلم أنه عبد الله بن عباس، فإذا قيل: ابن عمر فهو عبد الله بن عمر ﵄، فإذا قيل: ابن الزبير فهو
стр. 139
عبد الله بن الزبير، وإذا قيل: ابن مسعود فهو عبد الله بن مسعود.
* * *
١٦ - وعن عُبادة بن الصَّامِت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عِصابةٌ من أصحابهِ: "بايعوني على أنْ لا تُشرِكوا بالله شيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا أَولادَكم، ولا تأْتوا ببُهتانٍ تفترونَهُ بينَ أيديكمْ وأرجُلِكُمْ، ولا تَعْصُوا في مَعْروفٍ، فمنْ وَفَى منكم فأَجْرُهُ على الله، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئًا فعُوقِبَ في الدُّنيا فهوَ كفَّارةٌ له، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئًا ثمَّ سَتَرهُ الله عليه فهُوَ إلى الله، إنْ شاءَ عَفا عنهُ، وإنْ شاءَ عاقَبَهُ، فبايعْناهُ على ذلك".
"وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﵇ وحوله عصابة".
الواو في "وحوله" للحال، و (حوله) نصبٌ على الظرف، وهو خبر المبتدأ الذي هو "عصابة".
و (العصابة) - بكسر العين -: الجماعة؛ أي: قال رسول الله ﵇ لأصحابه: بايعوني, وهذا المقال كان في وقتِ اجتماع جمعٍ كثير من أصحابه عنده.
وقوله ﵇: "بايعوني"؛ أي: اضمنوا وأقبلوا إليَّ وتعاهَدوا على هذه الأشياء، وبايع الرجل السلطان: إذا أوجب على نفسه طاعته، وبايع السلطان الرعية: إذا قبل القيام لمصالحهم، وأوجب على نفسه حفظَ نفوسهم وأموالهم عن أيدي الظالمين، سمي هذا الفعل مبايعةً لأنه كان عادةُ الناس أن يضعوا أيديهم على يد مَن بايعوه، وكان الرجل يمدُّ باعه، والباع: مدُّ اليدين.
"على أن لا تشركوا بالله شيئًا"؛ أي: لا تتخذوا إلهًا غيره، ولا تعملوا عملًا إلا خالصًا لله تعالى.
стр. 140
"ولا تسرقوا"؛ أي: لا تأخذوا مال أحدٍ بغير حقٍّ، لا سرًا ولا علانيةً، لا بطريقِ الغصب ولا بطريقِ السرقة والخيانة وغير ذلك.
"ولا تزنوا" والزنا في اللغة عبارةٌ عن المُجامعة في الفرج على وجه الحرام، ويدخل في الزنى اللواطةُ وإتيان البهائم.
"ولا تقتلوا أولادكم" كان عادةُ بعض العرب أنهم يقتلون أولادهم من خوف الفقر، ربما يكون الرجل كثير العيال فقيرًا يقتل أولاده أو بعض أولاده كي لا ينفق عليهم، وربما يقتل الرجل البنتَ لا من خوف الفقر بل من خوف لحوق العار به بظهور زنًى عليها وغير ذلك، فنهاهم الرسول عن قتلهم.
"ولا تأتوا ببهتان" الباء للتعدية، و (البهتان): الكذب.
"تفترونه"؛ أي: تَكْذِبونه، وأصله: تفتريونه، فنقلت ضمة الياء إلى الراء، وحذفت لسكونها وسكونِ واو الجمع، وهو من الفَرْي وهو القطعُ، يقال: افترى فلانٌ حديثًا؛ أي: قاله من تلقاء نفسه من غير أن يكون ذلك واقعًا.
وقوله: "بين أيديكم وأرجلكم"؛ أي: من عند أنفسكم ومن تلقاء أنفسكم، وذكرُ اليد والرجل عبارةٌ عن الذات والنفس إطلاقًا للبعض عن الكل، ولأن أكثر عمل الإنسان باليد والرجل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] أضاف الفعل إلى الأيدي والأرجل وأراد به الأنفس، يعني: لا تقولوا في حق أحدٍ كذبًا، من نسبته إلى الزنى وشرب الخمر والسرقة، وغير ذلك ممَّا يتأذى به.
"ولا تعصوا" أصله: ولا تَعْصيوا، فنقلت ضمة الياء إلى الصاد وحذفت؛ أي: ولا تخالفوا أمرَ من يأمركم بالمعروف، والمعروف مفعولٌ من عَرَفَ، يعني ما عُرف أنه من أوامر الشرع وما فيه خيرٌ وثواب.
قوله: "فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى"؛ يعني: فمَن وفى منكم
стр. 141
الأشياء ولم ينقص على ما عاهد الله فقد استحقَّ الأجر، وأجرُه على الله لا عليَّ، يعني طاعتي طاعةُ الله، فمَن أطاعني فليطلب الثواب من الله، ومن عمل عملًا صالحًا ليَعْمَل خالصًا لله ولْيَرْجُ الثواب من الله الكريم.
قوله: "أصاب"؛ أي: وصل ووجد "من ذلك": من هذه الأشياء المذكورة "عوقب" فعل ماضٍ مجهول، من عاقب معاقبةً: إذا أوصل وألحق عقوبةً وعذابًا إلى أحد، والمراد بالعقوبة في الدنيا: إقامةُ الحد عليه.
"الكفَّارة": الخصلةُ التي تكفِّر الذنب؛ أي: تستره وتغسله عن الرَّجل يعني: مَن فعل فعلًا قبيحًا وأقيم عليه حدُّ ذلك الفعل في الدنيا لم يكن له عقوبةٌ لأجل ذلك الفعلِ يوم القيامة.
ومثله عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﵇ قال: "من أصاب حدًا فعجِّل عقوبتَه في الدنيا فالله أعدلُ من أن يثنِّي على عبده العقوبةَ في الآخرة"
قوله: "ثم ستره الله"؛ يعني: مَن فعل شيئًا من ذلك - أي: مما بايع النبيَّ عليه - ثم يستره الله تعالى، ولم يهتك ستره بين الناس في الدنيا، ولم يُقَم عليه حدُّ ذلك الفعل، "فهو إلى الله"؛ أي: فهو راجعٌ وصائر إلى الله يوم القيامة.
"إن شاء الله عفا عنه" وغفر له، "وإن شاء عذبه": بقَدْر ذنبه، عفا يعفو عفوًا: إذا ترك العقوبة على الذنب.
واعلم أنه لا يجوز أن يُشهد بالجنة بلا عذابٍ لأحدٍ بعينه إلا مَن ثبت كونُهُ من أهل الجنة بالنص، كأصحاب الشجرة الذين نزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وهم أبو بكر، وعمر, وعثمان، وعلي، وطلحة، وزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهؤلاء أصحاب الشجرة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 142
وكذلك مَن شهد النبيُّ له بالجنة نحن نشهد له أيضًا بالجنة، وأما غيرهم من المسلمين فلا نشهد لواحدٍ بعينه أنه من أهل الجنة بلا عذابٍ، بل نقول: المسلمون من أهل الجنة على الإطلاق، ولكن لا نعيِّن واحدًا، بل أمرُ كلِّ واحدٍ في مشيئة الله تعالى: إن شاء أدخله الجنة بشفاعة الشفيع بلا عذاب، وإن شاء غفر له بلا شفاعةِ شفيعٍ، وإن شاء عذَّبه بقَدْرِ ذنوبه، وعاقبةُ كل واحدٍ من المسلمين الجنة، ولم يخلَّد مسلم في النار وإن كان له ذنبٌ عظيم، ولم يخلَّد في النار إلا بسبب الكفر.
قوله: "فبايعناه على ذلك"؛ يعني: لمَّا قال لنا رسول الله ﵇ من قوله: (بايعوني) إلى ها هنا بايعناه إلى ما قال، وقبلنا منه هذه الأشياء.
وجَدُّ (عبادة بن الصامت) قيس بن أصرم، وعبادةُ أنصاريٌّ.
* * *
١٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ أنه قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في أَضْحَى - أو: فِطْرٍ - إلى المُصلَّى، فمرَّ على النِّساءِ فقال: "يا معشرَ النِّساءِ! تصدَّقْنَ، فإني أُريتُكنَّ أكثرَ أهلِ النارِ"، فقُلْنَ: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال: "تُكثِرْنَ اللَّعْنَ، وتكفُرْنَ العَشيرَ، ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتِ عقلٍ ودِينٍ أذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازِم مِنْ إحداكنَّ"، قُلن: وما نُقصانُ دينِنا وعَقْلنَا يا رسولَ الله؟ قال: "أليسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ نصْفِ شهادةِ الرجل؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصان عَقْلِها"، قال: "أليسَ إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ، ولم تَصُمْ؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصانِ دينِها".
قوله: "في أضحى أو فطر ... " إلى آخره، (أو) ها هنا للشك، يعني شكَّ الراوي أن رسول الله ﵇ خرج في عيد الأضحى أو في عيد الفطر.
стр. 143
"إلى المصلى فمر على النساء"، (مر) يقدَّر بعلى وبالباء، يقال: مررتُ عليه، ومررتُ به.
يعني صلى رسول الله ﵇ صلاة العيد وخلفه الرجال، والنساءُ واقفاتٌ في البعد، فلما فرغ رسول الله ﵇ من الصلاة خطب الرجال ووعظهم، ولم تسمع النساء خطبة رسول الله ﵇ لبُعدهن من موضع رسول الله ﵇، فلما فرغ رسول الله ﵇ من خطبة الرجال أتى النساء ووقف عندهن ووعظهنَّ، ومِن وعظه إياهن قولُه ﵇: "يا معشر النساء تصدقن فإني أُريتكن أكثر أهل النار"، (المعشر): الجماعة، (تصدقن): أمُر مخاطبةِ جماعةٍ من النساء، مِنْ تَصدَّق: إذا أعطى الصدقة.
(أريتكن)، (أُري): إذا أُعلم وأُخبر، وله ثلاثةُ مفاعيل، و (النساء) في (أُريتُ) هو المفعولُ الأول أُقيم مُقامَ الفاعل، و (كنَّ) المفعولُ الثاني، و (أكثرَ أهل النار) هو المفعول الثالث يعني: أُخبرت وأُعلمت بأنكنَّ أكثر أهل النار، يعني: النساء أكثر دخولاً في النار من الرجال، ويأتي بعد هذا علَّةُ كثرة دخولهن في النار.
واعلم أن قوله ﵇: (أريتكن أكثر أهل النار) يريد أنه أراه الله تعالى جهنم ليلة أُسري به، ورأى أكثر أهلها النساءَ، فقال بعض أصحابه: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنْتَ إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قط".
"فقلن: وبم يا رسول الله؟ "، (وبم) أصله: وبما، (ما) للاستفهام، وإذا دخل حرف الجر على الاستفهام يجوز حذفُ ألفها فحذف ألفها ها هنا، والباء باء السببية؛ يعني: قالت النساء: بأيَّ سببٍ نكون أكثر أهل النار؟
стр. 144
فقال رسول الله ﵇: "تُكثرن اللعن" وأصل اللعن: الإبعاد من الخير، ويستعمل في الشتم والكلامِ القبيح لأحد، يعني: عادتُكنَّ كثرةُ الشتم وإيذاء الناس باللسان.
قوله: "وتكفرن العشير"، كفر يكفر كفرانًا: إذا جحد وأنكر النعمة وتَرَكَ أداءَ شكرها.
(العشير): المُعاشر، وهو المخالط، والعشرة: اسم من المعاشرة، وهي المخالطة، والمراد بـ (العشير) هنا: الزوج؛ يعني: تكفرن حقَّ أزواجكن ولا تؤدِّينَ حقَّ إنعامهم عليكن، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن لم يشكر الله تعالى يستحقُّ العذاب.
قوله: "أذهبَ لِلُبَّ الرجل الحازم"، (أذهبَ): أفعلُ التفضيل من (ذَهَب)، ولكن معناه: أذهبَ؛ لأنه صار متعدِّيًا باللام في قوله: (لِلُب): فمعناه حينئذ: أكثر إذهابًا.
(اللب): العقل.
(الحازم): اسمُ فاعلٍ من حَزَم يَحْزِم - بفتح العين في الماضي وكسرِها في الغابر - حزمًا: إذا شدَّ الشيء وضبط أمره واحتاط فيه، ويستعمل في كامل العقل وصاحب الاحتياط في الأمر.
يعني: كلُّ واحدةٍ منكن عقلُها ناقصٌ وتزيلُ عقل الرجل الكاملِ العقلِ، وإذهابُهن عقولَ الرجال بأن يعشق الرجل بامرأةٍ ويغلب عليه عشقُها حتى ينقص عقلُه، وربما يزول عقله ويصير مجنونًا، وربما تُغضبه بالتماسِ شيءٍ منه أو بترك الأدب أو بمنازعةٍ، حتى يزول أو يقلَّ عقلُه من الغضب.
"وما نقصان ديننا وعقلنا" اعلم أن العقل في الشرع عبارةٌ عن معنًى في الشخص يعقله؛ أي: يمنعه عن الهلاك والخسران في الآخرة، فمَن كان ذا
стр. 145
تجربةٍ في أمور الدنيا واحتياطٍ فيها، ويعرف النفع والضرَّ ودقائقَ الحساب وما أشبه ذلك، ولم ينته عمَّا هو سببُ هلاكه وخسرانه في الآخرة، فليس بعاقلٍ في الحقيقة؛ لأن الاحتراز عمَّا هو سبب الهلاك في الدنيا بالنسبة إلى ما هو سببُ الهلاك في الآخرة شيءٌ قليل، فمَن احترز عن هلاك الدنيا ولم يحترز عن هلاك الآخرة فهو كمَن يحترز عن أن يقع في حفرةٍ قعرُها قَدْرَ ذراعٍ مثلًا، ولا يحترز عن أن يلقي نفسه في بئرٍ قعرُه ألفُ ذراعٍ، فلا يَحكُم بكون هذا الرجل عاقلًا أحدٌ.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالعقل في هذا الحديث هو العقلُ الديني؛ لأنه ﵇ علَّل نقصان عقلهن بجعل امرأتين في الشهادة كرجلٍ واحد، والشهادةُ شيءٌ شرعيٌّ وهي عبادةٌ؛ يعني: مَن كان عقله الدينيُّ أكثرَ تكون تقواه أكثر، وإذا كان تقواه أكثر يكون أحفظَ وأوعى للشهادة؛ لأنَّ شهادة الزور تكون سبب الهلاك والخسران في الآخرة، ويحترزُ العاقل عن مثل هذا، ولمَّا كان عقل النساء أقلَّ جعل الشرع امرأتين بمنزلة رجلٍ في الشهادة.
ويحتمل أن تكون علةُ جعل امرأتين بمنزلة رجلٍ واحدٍ في الشهادة؛ لأن النسيان عليهن أكثر من الرجال، وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] (ممَّن ترضون)؛ أي: من العدول والصُّلحاء (أن تضل)؛ أي: أن تنسى إحداهما الشهادة، فتذكرها المرأة الأخرى الشهادة.
قوله: "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم"؛ أي: أليس الحكم أن المرأة تترك الصلاة في أيام حيضها ونفاسها، والرجلُ لا يترك الصلاة، ومَن يترك الصلاة في بعض الأيام يكون دينه أنقصَ من الذي لا يترك الصلاة.
واعلم أن الدِّين عبارةٌ عن جميع خصال الخير والانتهاءِ عن جميع المناهي،