(الأسانيد): جمع إسناد، وهو: رواية واحد عن أصحاب الحديث عن واحد هكذا متصلًا إلى رسول الله ﵇.
(الحذر): الاحتراز، (حذرًا)؛ أي: للحذر.
(الإطالة): أصله إطوال، فنُقِلت فتحة الواو إلى الطاء، وقُلِبت ألفًا، ثم حُذِفت إحدى الألفين، وأدخلت الهاء عوضًا عن الألف المحذوفة، ومعناه: التطويل.
(الاعتماد): الاكتفاء بأحدٍ والاتكاء عليه؛ يعني تركت ذكر رواة كلِّ حديثٍ بيني وبين رسول الله ﵇ لشيئين:
أحدهما: كيلا يطولَ الكتاب.
والثاني: اكتفاءً بإيراد الأئمة الذين استخرجتُ هذه الأحاديث عن كتبهم.
ذكر الرواة؛ يعني: إذا أورد الأئمة رواة الأحاديث بينهم وبين رسول الله ﵇ وصحَّحوا الأحاديث، فلا حاجةَ لي إلى أن أذكر الرواة.
"وربما سميتُ في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﵇".
(ربما): كلمة التقليل، كما أن (كم) كلمة التكثير، فهذا اللفظ يدلُّ على أن أكثرَ أحاديث هذا الكتاب لم يورد المصنف الصحابي الذي يرويها، وأقلَّها أورد الصحابي الذي رواها عن رسول الله ﵇، ونحن نجدُ بخلاف ذلك؛ لأنا نجد أكثرَ أحاديثه مذكورًا فيه الصحابي وأقلَّها لم يكن الصحابي فيها مذكورًا، ولعل المصنفَ ذكر قليلًا من الصحابة (١) في متن الكتاب، وكتب بعضًا من الرواة عن رسول الله ﵇ في الحواشي، فكتب النساخون في المتن ما كتبه المصنف
стр. 72
في الحواشي، فصار الرواة المذكورون في متن الكتاب كثيرًا، والمتروكون ذكرهم قليلًا، فإذا كان كذلك فقد صحَّ قول المصنف: وربما سميت في بعضها الصحابي؛ لأن ما أورده كان قليلًا، فكثَّره النساخون في المتن، والدليل على هذا وِجْداننا نسخَ هذا الكتاب مختلفةً في ذكر الرواة؛ فبعضُ النسخ يكون فيه راوٍ، ولم يكن ذلك الراوي في نسخة أخرى، ولذلك أكثر النسخ متفاوتة.
"لمعنى دعا إليه"؛ يعني: لا حاجة إلى أن أذكر الصحابي ولا غيره من الرواة؛ لأن رواة أحاديث كتابي هذا مذكورة في كتب الأئمة، ولكن ذكرت لبعض الأحاديث الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﵇ لما في ذكره [من] احتياج، وذلك الاحتياجُ يكون من وجوه:
أحدها: أن يكونَ للحديث رواةٌ كثيرة من الصحابة بألفاظ مختلفة، كلُّ واحد يرويه بلفظ آخر، فإن لم أذكر الصحابي، لم يُعرَف أن هذه العبارة روايةُ أيِّ صحابي من الذين يروون ذلك الحديث، فلأجل أن يُعلم أن ذلك الألفاظ رواية أيهم، ذكرت صحابيَّ ذلك الحديث.
والثاني: أن يروي الحديثَ جماعةٌ، وفي رواية بعضهم ضعف أو إنكار؛ إما بجهالة الراوي، أو يكون الحديث مرسلًا أو منقطعًا وغير ذلك، وليس في رواية بعضهم ضعف وخلل، فحينئذ لا بدَّ من ذكر الصحابي حتى يعلمَ المحدثون أن هذا الراوي من الذين في روايتهم ضعف، أم من الذين ليس في روايتهم ضعف.
والثالث: أن يكون الحديثُ يعارضه حديثٌ آخر، ويكون أحدُ الحديثين المتعارضين منسوخًا، فلا بد ههنا من ذكر الصحابي حتى يُعلَم كونه متقدمًا في الإسلام أو متأخرًا، مثل أن يروي أحدٌ حديثًا، ومات في السنة الثانية من الهجرة، وأسلم في السنة الثالثة أحدٌ، وروى حديثًا يعارض حديث الصحابي
стр. 73
الذي مات في السنة الثانية، فيُعلَم أن حديثَ الصحابيِّ الذي أسلم في السنة الثالثة ناسخٌ لحديث الصحابي الذي مات في السنة الثانية إذا كان الحديثان متناقضين؛ لأن التناقضَ في الشرع غيرُ جائز.
والرابع: أن يروي أحد حديثًا فيه حكمٌ مطلق، ويروي آخر ذلك الحديث، وقد قيَّد في روايته هذا الحكم الذي كان مطلقًا في رواية ذلك، فلا بدَّ من ذكر الصحابي حتى يتميَّز راوي الحديث المقيد من راوي الحديث المطلق، مثاله: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "وكاءُ السهِ العينان، فمن نامَ فليتوضَّأ"، أطلق الحكمَ في هذا الحديث، ولم يبيِّن أن الوضوء على من نام قاعدًا أو مضطجعًا.
وروى ابن عباس: أن النبي ﵇ قال: "إن الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجعَ استرخَتْ مفاصلُهُ"، فقيَّد في هذا الحديث وجوبَ الوضوء على من نام مضطجعًا.
"وتجدُ أحاديثَ كلَّ باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان".
و (تجد)؛ أي: وتجد أيها المخاطب، (منها)؛ أي: من الأحاديث المجموعة في هذا الكتاب؛ يعني: تجد أحاديث كل باب من الأحاديث المجموعة في هذا الكتاب ينقسم على قسمين: أحدها: صحاح، والآخر: حسان، وقد ذكر الأحاديث الصحاح والحسان قبل هذا في مقدمة الكتاب.
"أعني بـ (الصحاح): ما أخرجه الشيخان، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ﵀" أشار بقوله: (أعني) [إلى] أن الصحاح والحسان اصطلاحٌ وضعه هو، وليس شيئًا وضعه المتقدمون؛ لأنه لو كان شيئًا وضعه المتقدمون لقالَ: عنوا، وما قال: أعني.
стр. 74
ومعنى (أعني): أريد، من (عني يعني عناية): إذا أراد، وأكثرُ استعماله في إرادة المعاني من الألفاظ يقال: عنى فلان بما تكلم هذا المعنى.
(أخرجه الشيخان)؛ أي: أورده الشيخان، وجمعه الشيخان، والضمير في (أخرجه) راجعٌ إلى صحاح.
و (الجعفي): نسبة إلى جُعفة، وهي اسم بلد، ونُسِب البخاريُّ إلى جُعفة وإلى بُخارى؛ لكونهما وطنين له.
و (قشيرٌ): اسم قبيلة، نسب مسلم إليه.
في "جامعيهما"؛ أي: في كتابيهما (الجامع): الكتاب، سمي الكتاب جامعًا؛ لأنه يجمع أحاديث أو كلمات متفرقة في موضع واحد.
يعني: سميت الأحاديث التي أوردها الشيخان في كتابيهما أو أوردها أحدهما في كتابه صِحاحًا.
"وأعني بـ (الحسان): ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم"؛ يعني: سميت الأحاديث التي أوردها أصحاب الصحاح السبعة غير البخاري والمسلم حِسانًا.
وقد ذكر أسامي أصحاب الصحاح السبعة في مقدمة الكتاب، فكلُّ واحد منسوبٌ إلى بلد إلا القُشيري؛ فإنَّ القشيرَ اسم قبيلة.
و (الحسان): جمع حسن كـ (جِمَال).
"وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علوِّ الدرجة من صحة الإسناد"
و (أكثرها)؛ أي: أكثر الأحاديث الحسان؛ يعني: لا يُظنَّ أن الأحاديث الحسان ليست معتبرة مرضية، بل كلها صحيحة منقولة عن العدول، ولكن لم
стр. 75
تبلغ غاية شرط الشيخين اللذين هما صاحبا الصحاح، وشرط أصحاب الحسان في مقدمة الكتاب.
"إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن"؛ يعني: الأحاديث الحسان التي أوردها الأئمة الخمسة المذكورة كلُّها مرتبة على أبواب الأحكام: من الطهارة، والوضوء، والغسل، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والبيع، والنكاح، والجنايات، وغير ذلك من الأحكام، والأحكامُ لا تثبت إلا بحديث منقول عن العدول، وهذا بخلاف من رتَّب أحاديث كتابه بإسناد كل واحد من الصحابة والتابعين؛ فإنه إذا أراد أن يذكر جميع ما يرويه أبو هريرة مثلًا، لا بدَّ أن يذكر كلَّ حديث يرويه أبو هريرة سواء كان راويه من التابعين أو أتباع التابعين أو غيرهم عدلًا أو غير عدل، فمن رتَّب كتابه على هذا الترتيب، لا يمكنه أن يذكر في كتابه الأحاديث المنقولة في الكتب المعتبرة المصنفة قبله.
و (إذ) في قوله: (إذ أكثر الأحكام) للعلة؛ يعني: علة قولي: و (أكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل): أن أحاديث هذه الأئمة مرتبة على الأحكام، والأحكام لا تثبت إلا بأحاديث معتبرة. هذا ما قاله أحدٌ في شرح قوله: إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله: إذ (أكثر الأحكام) أن أحكام الشرع التي أجمع عليها الأئمة مثل الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة وأتباعهم ليس كلها ثابتة بالأحاديث المروية على شرط البخاري والمسلم، بل أكثر الأحكام ثابتة بالأحاديث المروية على شرط أصحاب الحسان. "وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه"؛ يعني: للأحاديث ألقاب كالضعيف، والغريب، والمرسل، والمنقطع، والمنكر، وغير ذلك، فكلُّ واحد من هذه الألقاب قد ذُكِرَ في مقدمة الكتاب.
стр. 76
قوله: (أشرت إليه)؛ يعني: يُثبَتُ كلُّ حديث: أنه مرسل أو ضعيف أو غير ذلك، كلٌّ واحد في موضعه، وكلُّ حديث لم أذكر: أنه ضعيف، أو غريب، أو غير ذلك من ألفاظ، فاعلم أنه متصل الإسناد، وليس فيه ضعف بوجهٍ من الوجوه.
فإن قيل: قد قال: إن أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، ونحن نجد في الحسان الحديث الضعيف والمرسل والمنقطع، فكيف يثبت الحكم بحديث ضعيف أو مرسل أو منقطع؟ قلنا: جوابه من وجهين:
أحدهما: أن الحديثَ الضعيف ما يكون ضعيفًا عند واحد، وقويًا عند آخر، فيحكم به الذي كان قويًا عنده، ولا يحكم به الذي كان ضعيفًا عنده، وكذلك المرسل قد يكون مرسلًا بطريق، ومتصلًا بطريق آخر؛ لأن الرواة كثيرة، فإن فرضنا الحديث أنه مرسل البتة، ولم يثبت اتصاله عند أحد، ففي العمل بالحديث المرسل خلاف بين الأئمة؛ فبعضهم يراه حجة، وبعضهم لا يراه حجة، والشافعي يرى مراسيل سعيد بن المسيب حجة فقط.
والوجه الثاني: أن قوله: إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، تقديره بالأحاديث الحسان التي ليست بضعيفة.
"وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا"؛ يعني: ما أوردتُ في هذا الكتاب حديثًا منكرًا أو موضوعًا.
فإن قيل: ذكر المصنف ﵀: أني أعرضت عن ذكر ما كان منكرًا، وقد أورد الحديث المنكر!
قلنا: ذكر حديثًا هو منكرٌ عند بعض المحدثين وغيرُ منكر عند بعضهم، وأما ما كان منكرًا باتفاق بين المعتبرين من أهل هذه الصنعة فلم يذكر البتة.
قوله: "والله المستعانُ، وعليه التكلانُ"، (المستعان): الذي يُطلَب منه
стр. 77
العون، وهو النصرة، و (التكلان): أصله: وكلان، فأُبدلت الواو تاء لقُربِ مخرجهما، كـ (تجاه) و (وجاه)، ومعناه: الاعتماد والاتِّكاء، وهو من (وكل يكل): إذا فوَّض الرجلُ أمَره إلى أحد ليقضيه.
قوله: "إنما الأعمال بالنيات ... " إلى آخره.
استحبَّ جماعةٌ من أهل العلم أن يُورِدوا هذا الحديث في أول كتبهم، وقال عبد الرحمن بن مَهدي: ينبغي أن يجعل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" رأسَ كلِّ بابٍ.
وقال الشافعي ﵁: يدخل في هذا الحديث ثلثُ العلم.
وغرضُهم في الابتداء بهذا الحديث الإعلامُ بأن تصنيف الكتاب وقراءته ليكنْ عن الإخلاص وصدق النية ورجاء الثواب من الله الكريم، ولتقوية الدين وإرشاد المسلمين عليه، لا عن الرياء وإظهار الفضل والمفاخرة على الناس.
وراوي هذا الحديث: أبو حفص، "عمر بن الخطاب" بن نُفيل ابن عبد العُزَّى بن عبد الله العَدَوي.
قوله: "إنما الأعمال بالنيات": (إنمَّا) مرَّكبٌ من كلمة النفي والإثبات، فالإثباتُ (إن)، والنفي (ما)، بحيث تكون (إنما) تعملُ الإثبات والنفي؛ يعني: تثبت المذكورَ وتنفي غيرَ المذكور، وسَّمى الأصوليون هذه الكلمة كلمةَ الحصر؛ يعني: ينحصر الحكمُ في المذكور وينتفي عن غير المذكور، كما تقول: إنما العالمُ زيدًا، أثبتَّ العلمَ لزيد، ونفيت العلم عن غير زيد.
(النَّيات): جمع: نِية، وهي: القصد، من (نوى ينوي)؛ إذا قصد أمرًا بقلبه وعزمه
يعني: صحة الأعمال الدينية وانعقادها منحصرةٌ بالنية.
стр. 78
والمراد بالأعمال ههنا: العبادات، لأن الأعمال التي ليست بعبادة لا يُفتقَر فيها إلى النية، ألا ترى أنه لو رمى رجلٌ سهمًا إلى هدف، فأصاب إنسانًا، فقتله = تجب عليه الديةُ، ولا يقال: إنه إذا لم يقصده لا تجب عليه الدية، بل لو ضرب نائم أو سكران رِجْلَه على أحد، فقتله، تجب عليه الدية، وكذلك لو غسل أحد ثوبًا نجسًا بالماء المطلق لطهر الثوب، وإن كان الغاسل سكرانًا، أو مجنونًا، أو صبيًا لم يبلغ إلى سن التمييز، وكلُّ غسل هو عبادةٌ لا بد له من نية.
واتفق العلماء على أنه لو ترك أحدٌ الأكلَ يومًا أو أكثر قبل الصبح إلى الغروب، ولم يقصد الصوم، لم يحصل له الصوم، وكذلك لو صلى أحد صلاة رياء أو خوفًا، ولم يقصد الثواب والطاعة، لم يحصل له الثوابُ، فقد علمنا أن النيةَ لا بد منها في العبادات.
واختلف العلماء في النية؛ فبعضهم يقول: النية على القصد؛ فإذا حضرَ المصلي، وعرف أنه يصلي، وقال: الله أكبر، فقد انعقدت صلاته، وبعضهم يقول: لا بد للمصلي أن يُحضِر صفات الصلوات من تعيين الوقت وتعيين الصلاة في قلبه، ويقارن هذا القصد بالتكبير، وكذلك اختلافهم في كيفية النية في غير الصلاة من العبادات، وشرح هذا مكتوب في كتب الفقه، وليس هذا موضعه.
قوله: "وإنما لامرئٍ ما نَوَى"؛ أي: وإنما لكلِّ رجلٍ من عمله ما نوى، وإن كان غرضُه من عمله رضا الله عنه وطاعتَهُ، حصل له الثواب، وإن كان غرضه من ذلك العمل شيئًا آخرَ لا طاعة الله، لا يحصل له ثوابٌ من الله، كما إذا جلس أحد في المسجد لشُغلٍ من الأشغال الدنيوية، فلا يحصل له ثوابٌ من الجلوس في المسجد لشغل من الأشغال، وإن جلس للاعتكاف أو انتظار الصلاة، يحصل له الثواب بقدر جلوسه في المسجد.
стр. 79
قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرتُهُ إلى الله وإلى رسولهِ"، الهجرة في اللغة: المفارقة وترك الوطن والذهاب إلى موضع آخر؛ يعني: فمن ترك وطنه من مكة وذهب إلى المدينة لنصرة دين رسول الله ولموافقته ولرضاء الله، فهجرتُهُ إلى ما هاجر إليه مقبولةٌ، مرضيةٌ، مُثابٌ عليها عن الله ورسوله.
قوله: "ومن كان هجرته إلى دُنيا يُصيبها"، (دنيا): وزنه (فُعلى) بضم الفاء، ولا يجوزُ دخولُ التنوين فيها؛ لأنها غيرُ منصرفٍ في المعرفة والنكرة، وهي تأنيث (أدنى)؛ يعني: (دنيا) نعت المؤنث، كما أن (أدنى) المذكر، و (أدنى) أفعل التفضيل من (دنا يدنو دنواً) , وأراد بدنيا ها هنا: متاعًا من متاع الدنيا.
(يصيبها)؛ أي: يجدها.
يعني: من كانت هجرته من مكّة إلى المدينة لأجل مالٍ يحصل من غنيمة، أو تجارة، أو اقتضاء دين له على رجل في المدينة وغير ذلك، فلا يحصلُ له إلا ما قصده.
قوله: "أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، قال ابن مسعود ﵁: خطب رجل بمكة امرأةً، فأبت أن تتزوج به بمكة، وهاجرت إلى المدينة، فهاجر ذلك الرجل إلى المدينة، وتزوج بتلك المرأة، ويقال لتلك المرأة: أم قيس. قال ابن مسعود: يقال لذلك الرجل: مهاجر أم قيس؛ أي: الذي هاجر لأم قيس، لا لله ورسوله، فحدَّث رسول الله ﵇ بهذا الحديث زجرًا له ولغيره أن يقصد شيئًا ظاهرُهُ طاعةٌ، وفي نيتهم غيرُ طاعة الله ورضاه.
° ° °
стр. 80
١ - كِتابُ الإيمَانِ
стр. 81
[١]
(كِتابُ الإيمَانِ)
(كتاب الإيمان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١ - قال عمرُ بن الخَطَّاب ﵁: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ إذْ طلعَ علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعرِ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يعرفُهُ منا أحدٌ، حتَّى جلسَ إلى النبيِّ ﷺ ، وأسندَ رُكبتَيْه إلى رُكبتَيْهِ ووضَعَ يدَيْهِ على فَخِذَيْهِ، فقال: يا محمَّدُ! أخبرني عن الإِيمان، فقال: "الإيمانُ أنْ تُؤمنَ بالله وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيرهِ وشرِّه"، فقال: صدقتَ، قال: فأخبِرْني عن الإِسلام، قال: "الإسلامُ أنْ تشهدَ أن لا إلهَ إلاّ الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً"، قال: صدقتَ، قال: فأخبِرْني عن الإِحسان، قال: "الإحسانُ أنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنَّ لمْ تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ"، قال: فأخبرني عنِ السَّاعة، قال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائلِ"، قال: فأخبِرْني عن أَمَاراتِها، قال: "أنْ تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها, وأنْ ترى الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتطاولونَ في البنيانِ" ثمَّ انطلقَ، فلبِثْتُ مليًّا، ثمَّ قال لي: "يا عمرُ! أتدري مَنِ السَّائلُ؟ "، قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال:
стр. 82
"فإنَّهُ جبريلُ أتاكُمْ يُعلِّمُكُم أَمْرَ دينِكُم".
ورواه أبو هريرة ﵁، وفي روايته: "وأنْ ترَى الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكمَ مُلوكَ الأرض في خمسٍ لا يَعلمُهُنَّ إلَّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية".
قوله: "بينما ... " إلى آخره، (بين): كلمة معناه: الوسط، يقال: جلس بين القوم؛ أي: في وسطهم، وتُشبَع فتحة النون حتى يتولَّدَ منها ألفٌ، فيقال: (بينا)، ويزاد عليه (ما)، فيقال: (بينما)، ومعنى ثلاثتها واحد، وثلاثتُها ظرفٌ، فقد يكون ظرفَ مكان كقولك: جلس بين القوم وبين الدار، وقد يكون ظرفَ زمان كما ها هنا، وحقيقته: بين الزمان الذي "نحن" كنا "جالسين عند رسول الله ﵇، طلع"؛ أي: ظهر ودخل "علينا رجلٌ" ثيابُهُ بيضٌ على غاية البياض، وشعرُهُ أسودُ على غاية السواد، وظهور جبريل ﵇ على هذه الهيئة يدل على أشياء:
أحدها: أن الملك ممكنٌ خروجُهُ بصورة البشر بأمر الله تعالى، وليس ذلك باختياره وقوله، بل بتصييره الله إياه على أيِّ شكل شاء الله.
فإن قيل: هل يمكن لجميع الملائكة الخروجُ بصورة البشر أم لا؟
قلنا: هذا من علم الغيب، لا يعلمه أحدٌ إلَّا بطريق الوحي، وصاحبُ الوحي نبينا ﵇ أخبر عن نزول الملائكة على صورة البشر راكبين على الأفراس يوم البدر، ويوم حُنين، وفي غزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، فما وجدنا فيه نصًا نعتقده ونتحدث به، وما لم نجدْ فيه نصًا نَكِلُ علمه إلى الله تعالى وإلى الرسول، ولا نتكلم به، ولا عبرة بأقوال الحكماء وأصحاب المعقول، فإن الدينَ سمعيٌّ عن صاحب الشريعة، وليس فيها للعقل استقلالٌ واهتداءٌ بنفسه دون إخبار صاحب الشريعة.
والثاني: أن النظافةَ وبياضَ الثوب سنةٌ مرضية لله تعالى؛ لأنه لو لم يكن
стр. 83
مرضيًا لم يصيِّر الله تعالى جبريل على تلك الهيئة.
والثالث: زمان طلب العلم هو زمان الشباب؛ لأن سواد الشعر يكون في زمان الشباب؛ فإن الشابَّ إذا صرف مدة من عمره في طلب العلم، تبقى مدة أخرى من عمره إلى زمان الشيخوخة يعمل بذلك العلم ويعلمه الناس.
وفي الجملة: طلبُ العلم قدرَ ما يعرف به الرجل صحةَ ما يجب عليه وفسادَه فريضةٌ على كل بالغ عاقل من الرجال والنساء والشبان والشيوخ، وأما قدرُ ما زاد على ما يجبُ عليه فمستحبٌّ أيضًا للشبان والشيوخ، إلا أنه في حق الشبان أكثر استحبابًا.
وفي الجملة: طلبُ العلم بقدرِ ما يصير الرجل صاحبَ الإفتاء والاجتهاد والقضاء فرضٌ على الكفاية، ينبغي أن يكون بكلِّ ناحية رجلٌ واحد بهذه الصفة حتَّى يفتيَ ويقضيَ ويقومَ ويحفظَ أمورَ الشرع، وإن لم يكن في ناحية واحدٌ بهذه الصفة، عصى جميعُ أهل تلك الناحية حتى يبلغَ واحدٌ منهم إلى هذه الصفة في العلم.
قوله: "لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد"؛ يعني: تعجَّبنا من كيفية إتيانه، ووقع في خاطرنا: أنه ملك، أم من الجنِّ؛ لأنَّه لو كان بشرًا؛ إما إن كان من المدينة أو غريبًا، ولم يكن من المدينة؛ لأنا لا نعرفه، ولم يكن آتيًا من بُعدٍ؛ لأنه لم يكن عليه أثرُ السفر من الغبار وغيره.
قوله: "حتى جلس"، لفظُهُ: (حتَّى) متعلقٌ بمحذوف، وتقديره: أستأذنَ وأتى حتى جلس عند النبي ﵇.
و (جلس إليه)؛ أي: وجلس بقربه.
"أسند": إذا اتكأ أحدٌ على شيء، أو وصل والتصق شيءٌ إلى شيء.
و (أسند ركبتيه)؛ أي: وضع جبريلُ ركبتيه متصلتين بركبتي رسول الله عليه
стр. 84
السلام، وإنَّما جلس جبريل عند النبي ﵇ هكذا؛ ليتعلم الحاضرون كيفيةَ جلوس السائل عند المسؤول؛ لأن الجلوس على الركبة أقربُ إلى التواضع والأدب، واتصال ركبة السائل بركبة المسؤول يكون أبلغَ في استماع كلَّ واحدٍ من السائل والمسؤول كلامَ صاحبه، وأبلغَ في حضور القلب، وألزمَ في الجواب؛ لأن الجلوس على هذه الهيئة دليلٌ على شدة حاجة السائل إلى المسؤول، وتعلق قلبه واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا عرف المسؤولُ هذا الحرصَ والاحتياجَ من السائل يُلزِم على نفسِهِ جوابَهُ، وبالغ في الجواب أكثر وأتم مما سأل السائل.
قوله: "ووضع يديه على فخذيه"، الضمير راجعٌ إلى النبي؛ أي: وضع جبريل يديه على فخذي رسول الله ﵇، هكذا فَسَّر هذين الضميرين مصنفُ الكتاب في كتابه المسمَّى بـ "الكفاية"، وأورد إسماعيل بن أبي الفضل التيمي هذا الحديث في كتابه المسمى بـ "الترغيب والترهيب"، ولفظه: وضعَ يديه على فخذي رسول الله ﵇؛ طلبَ إحضار رسول الله ﵇؛ يعني: ليكون أبلغَ في استماع رسول الله إلى كلام جبريل ﵇.
وقيل: كلا الضميرين راجع إلى جبريل؛ يعني: وضع جبريل يديه على فخذي نفسه، وهذا أقرب إلى التواضع والأدب، وكلُّ ذلك لتعليم الناس هيئة الجلوس والسؤال والجواب عند السادات والعلماء.
قوله: "أخبرني"، (الإخبار): الإعلام.
"فقال: يا محمد! أخبرني عن الإيمان"؛ يعني: قال جبريل: يا محمد! أخبرني عن الإيمان ما هو؟ فأجابه رسول الله ﵇ بأن الإيمان صفةٌ للقلب، وجعل القلب ساكنًا مطمئنًا بحقيقتِهِ وصدقِ هذه الأشياء الستة - أي: يؤمن بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره - بحيث لا يخطرُ بقلبه شكُّ وترددٌّ في شيء منها، فمن شكَّ في شيء منها فهو كافر.
стр. 85
و (الإيمان): من الأمن وسكون النفس وزوال الخوف عن القلب، (أَمِنَ زيد): إذا زال عنه الخوف، وزال عن قلبه التحرك والقلق الذي كاد عليه من الخوف، و (آمَنَ زيدٌ عمرًا) على وزن أَفْعل: إذا أزال عنه الخوفَ، وأَسكنَ قلبه عن التحرك من الخوف، و (المؤمن): اسم فاعل منه، وهو: الذي أمِن قلبه؛ أي: جعل قلبه ساكنًا مطمئنًا بما أخبره المخبر من غير أن يجعل للشك أو التردد في قلبه سبيلًا.
وإنما يكون الإيمانُ ثابتًا في قلب المؤمن إذا حصل له يقينٌ بما أخبره المُخبِر، واليقينُ ضدُّ الشَّك والظن، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من ظنٍّ أو شكٍّ فيما أخبر به المخبر، فليس بمؤمن البتة، ومن ضرورة تصديق المخبر قَبولُهُ جميعَ أوامر الشارع ونواهيه عن الطوع والرغبة، ومن ترك مأمورًا أو فعل منهيًا فانظر، فإن كان تركَهُ المأمورَ وفعلَهُ المنهيَّ عن تكذيبه المُخبِر في ذلك فهو كافر، وإن تركَ المأمورَ تكاسلًا، وهو يعلم أنه حق، فليس بكافر، ولكنه عاصٍ مستحقٌ للعقوبة؛ إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عاقبه، وكذا فعل المنهي.
وأما الأشياءُ الستة التي أخبر رسول الله ﵇ جبريل:
فأحدها: الإيمانُ بالله، ومعنى الإيمان بالله: أنك تعتقد أن الله تعالى قديمٌ أزليٌّ أبديٌّ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وليس القديم إلَّا ذاته وأسماؤه وصفاته، وما سوى الله وأسمائه وصفاته فهو مخلوقٌ خلقَهُ الله.
والثاني: الإيمان بملائكته، وهو: أن يعتقد أن الملائكةَ عبادُ الله، يعبدونه ولا يشركون به شيئًا، ولا يعصونه لحظة، ولا يَفترون عن عبادته لمحة، ومن قال: ليس لله ملائكة، فهو كافر، ومن قال: الملائكة موجودون، ولكنهم بنات الله، فهو كافرٌ أيضًا، بل هم روحانيون مخلوقون، ولا يأكلون ولا يشربون، وهم داخلودن تحت قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فهم يَهلِكون
стр. 86
بأمر الله تعالى، ويعودون إلى ما كانوا قبل الهلاك من الحال، كما أن الإنس والجن وغيرهم يُحشَرون.
والثالث: الإيمان بكتبه، وهو: أن يعتقد أن جميعَ ما أنزل على رسله من الكتب كلامُ الله القديم غيرُ مخلوق، وصار جميعُها منسوخًا بحكم الله تعالى إلَّا القرآن، فإنَّه مُحكَمٌ لا يُنسَخ إلى يوم القيامة؛ لأنَّه لا نبيَ بعد محمد ﵇.
ومن رأى كتابًا من كتب الله غير القرآن فلا يجوز أن ينظر إليه بالحقارة، فإن حقر منها شيئًا صار كافرًا، بل يجب إعزازها وإكرامها؛ لأنها كتب الله، ولكن لا يجوز العمل بها، فهل يجوز إتلافها أم لا؟ فانظر؛ إن كان لحربي، يجوز إتلافها عليه، كما يجوز إتلافُ سائر أمواله وقتلُ نفسه، وإن كان لذمي، لا يجوز إتلافه عليه، كما لا يجوز قتلُ الذمي ولا إتلافُ ماله؛ لأنَّ كتبهم مالٌ كما أن مصحف القرآن عندنا مالٌ؛ يباع ويشترى، وطريقُ إتلاف كتب الحربي بغسلها؛ لأنه ليس فيه تحقير، وأما التحريق بالنار فالأدبُ أن لا يُحرَّق، فإن حَرَّق لم يأثم في أصح القولين.
والرابع: الإيمان برسله، وهو: أن يعتقد أن جميع رسل الله مبعوثون إلى الخلق بالحق، والإيمانُ بهم واجب، وهم خير البشر، وأدنى الأنبياء خيرٌ من أكمل الأولياء.
وقولنا: (أدنى الأنبياء) أردنا به: أنَّ الأنبياء بينهم تفاوتٌ، فبعضُهُم أفضل من بعض، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ولا يجوز لأحد أن يفضِّلَ نبيًا على نبي من تلقاء نفسه؛ لأن فضل أحد على أحد شيء لا يعلمه أحد إلا أن يُنبئَهُ الله تعالى في كلامه أو يبيَّنَهُ الرسول ﵇، فما وجدنا في القرآن والحديث من فضل نبي على نبي نقول به، وما لم نجده
стр. 87
لا نقول به، بل نقول: لا نفرِّق بين أحد من رسله، ولكن يجوز أن نقول: الرسول خير من النبي، ونبينا محمد خير من جميع الرسل والنبيين.
والخامس: الإيمان باليوم الآخر، والإيمان به: أن يعتقد أن الله يبعث الخلق بعد الموت، ويقفهم في عرصات يوم القيامة، ويضع الميزان، ويحاسب الخلق بالحق، ولا يظلم أحدًا؛ فبعضهم يدخلهم الجنةَ بفضله، وبعضهم يدخلهم النارَ بعدله.
والسادس: الإيمان بالقدر خيره وشره، ومعنى القدر: ما قدَّر الله تعالى وقضى به، فالمسلِّمون به على طوائف في القدر؛ فطائفة تقول: كلُّ ما يجري في العالم من الأقوال والأفعال والحركات والسكنات كلها بقضاء الله تعالى وقدره، لا اختيارَ للعباد فيه، وسُمِّي هذه الطائفة: جبرية، ومعنى الجبر: القهر والإكراه على الفعل، يقولون: أجرى الله تعالى على عباده أفعالهم وأقوالهم بغير اختيارٍ منهم فيها وهذا المذهب باطل، فإن قالوا هذا القولَ؛ ليسقطوا عن أنفسهم التكليفَ، ويُشبِّهوا أنفسهم بالصبيان والمجانين في عدم جريان الخطاب بهم = فقد كفروا بهذا القول، وهذا القولُ مُفضٍ إلى إبطال الكتب والرسل؛ لأنه إذا لم يكن للعباد اختيارٌ فلا يكونون مكلفين، ومجيءُ الكتب والرسل إلى غير المكلف غيرُ صواب، وإن قالوا هذا القولَ لا عن اعتقاد إبطال الكتب والرسل، بل لتعظيم الله وتحقير أنفسهم وعجزهم عن دفع قضاء الله = فليسوا بكافرين بهذا القول، ولكن صاروا مبتدعين فاسقين؛ لأنهم خالفوا الإجماعَ في الاعتقاد.
والطائفة الثانية: القدرية، وهم يقولون: إن ما يجري في العالم من الأفعال والأقوال، من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان = الاختيارية، كلها بأفعال العباد واختيارهم، لا تقديرَ لله تعالى فيها.
وهذا المذهب أيضًا باطل؛ فإن قالوا هذا القول عن اعتقادِ جريانِ العجز
стр. 88
وجوازه على الله تعالى، صاروا بهذا القول كافرين؛ لأن العجز على الله تعالى غيرُ جائز البتة، وإن قالوا هذا القول لا عن اعتقاد تجويز عجزٍ على الله تعالى بل، عن خطِأ ظنونهم واجتهاداتهم في هذا القول، ولتنزيهِ الله تعالى عن تقديرِ أفعالهم القبيحة، ولأنهم لا يُجوِّزون أن يخلق الله تعالى فعلًا قبيحًا، فليسوا بكافرين بهذا القول، ولكن صاروا مبتدعين فاسقين؛ لأنهم خالفوا الإجماعَ، ومن هذه الطائفة قوم يقولون: الخير بتقدير الله تعالى، والشر ليس بتقديره، وهذا أيضًا خطأ.
والطائفة الثالثة: هم أهل السنة والجماعة، وهم يقولون: جميعُ ما يجري في العالم من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وغير ذلك، كلها بتقدير الله تعالى وقضائه، ولكن للعباد اختيارها، فالتقدير من الله، والكسب من العباد، ويخلق الله تعالى الأفعالَ في العباد كلَّ فعل في الوقت الذي قدَّره في الأزل، والتقدير والفعل يجريان معًا، لا يجري الفعل بدون تقدير الله، ولا التقدير بحصول الأفعال في العباد بدون اختيارهم واكتسابهم، فهم مثابون بالخير ومعاقبون بالشر بسبب أن لهم اختيارًا في الفعل.
ومن لم يكن له اختيارٌ كالمجنون والصبي والنائم والمغمى عليه والمكره، فهم كالمُرتَعِشِ في أنه لا مؤاخذة عليهم بأفعالهم فيما هو حقُّ الله تعالى، وأما ما هو حقُّ العباد، كإتلاف المال وقتل النفس، فهم يؤاخذون بالغُرْم.
والمُرتَعِشُ: هو الذي تتحرَّك أعضاؤه بغير اختياره من علَّةٍ، والثوابُ والعقابُ يتعلقان بما في العبد من الاختيار.
وعلةُ تكريره ﵊ لفظة (تؤمن)، فقال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" للتأكيد؛ لأن الإيمانَ بالقدر أحوجُ إلى المبالغة فيه؛ لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ظاهرٌ مشهور عند المسلمين، وأمَّا الإيمانُ بالقدر لا يعلمه كلُّ أحد إلَّا حاذقٌ في علوم الدين، فلأجلِ هذا أكَّد وكرَّر لفظة: (تؤمن) عند لفظ (القدر).
стр. 89
وعلة قول جبريل ﵇ للنبي ﵇: "صدقت": أنه إذا قال: (صدقت) صار هذا الجوابُ آكدَ وأحكمَ في قلوب السامعين؛ لأنَّه لو لم يقل جبريل ﵇: (صدقت) ربمَّا توهَّم واحد أن السائلَ لم يوافقه الجوابُ، ولم يكن عنده صحيحًا حتى لا يصدق المسؤول، فإذا صدَّق المسؤولَ، زال هذا التوهم عن قلوب الحاضرين.
ولأنه إذا سمع القوم هذه الأشياء من رسول الله، وسمعوا التصديق من جبريل، فكأنهم سمعوا هذا الحديث من اثنين، ولا شكَّ أن الشاهدين آكد من شاهد واحد.
ويحتمل أنه قال جبريل: (صدقت) ليعلم القومُ أن السائل لم يسأل هذه المسألة لأجل نفسه، بل لأجل أن يحفظها الحاضرون؛ لأنه إذا صدَّق السائلُ المسؤولَ عُلِمَ أن السائل يعلم المسألة؛ لأن من لا يعلم المسألة لا يصدِّقُ مُخبِرَه فيه، بل يقبل الجواب، ويسكت.
قوله: "فأخبرني عن الإسلام"، (الإسلام): الانقياد والطاعة عن الطوع والرغبة من غير اعتراضٍ، والإسلامُ في الشرع: اسمٌ لفعلِ هذه الأشياء الخمسة، كما أن الإيمان اسمٌ لتصديق القلب الستة المذكورة، و (المسلم): اسم فاعل من (أسلم).
ومن صدَّق بقلبه تلك الستةَ المتقدمة، وقَبِلَ هذه الخمسة، وعمل بها، فهو مؤمن مسلم، ولكن بشرط أن لا ينكر فرضًا، ولا يعتقد ما هو حرامٌ حلالًا، ولا ما هو حلالٌ حرامًا.
(الشهادة): الخبر القاطع، شهد بكذا؛ أي: أدَّى ما عنده من الشهادة، وشاهد: إذا رأى معاينة، وشرطُ الشهادةِ: أن يشهد بشيء وقعَ عليه علمه، فقال رسول الله ﵇: "إذا علمتَ مثلَ الشمسِ فاشهدْ" وقولُ المسلم: أشهد
стр. 90
أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله = إشارةٌ إلى أني رأيتُ بقلبي وحصلَ لي اليقينُ وعلمٌ قاطعٌ بأن لا إله إلَّا الله، وبأن محمدًا رسول الله.
والفاء في قوله: (فأخبرني) للتعقيب، وهو إشارةٌ إلى أن الإيمانَ متقدمٌ على الإسلام؛ لأن من قال بلسانه كلمتي الشهادة، وعمل الصلاة وغيرها من الطاعات، ولم يكن في قلبه الستة المتقدمة، فهو منافق، والمنافقُ أشدُّ عذابًا من الكافر الذي يظهر كفره.
"وتقيم" مضارع من (أقام إقامة)، وإقامة الصلاة: عبارةٌ عن أدائها في أوقاتها، والمداومة بها.
"وتُؤتي" مضارع من (أتى)، وأصله من (أءتى) بوزن أفعل، فقُلبت الهمزة الثانية ألفًا، ومعناه: أعطى.
صام الفرس يصوم صومًا: إذا وقفَ وتركَ السير، وصام النهار: إذا انتصف؛ يعني: وقفت الشمس لحظة عن السير، والمراد من الصوم في الشرع: ترك الأكل والشرب وغير ذلك مما يبطل الصومَ، ولكن بشرط نيةِ الصوم.
حج يحج حجًا: إذا قصد، والحجُّ في الشرع: زيارة الكعبة مع وقوف عرفة ومراعاة غيره من أركان الحج.
والمراد بالبيت هنا: الكعبة.
قوله: "سبيلاً" منصوبٌ على التمييز، وكان في الأصل: إن استطعت إلى سبيله، والضمير عائد إلى البيت، ثم أخَّر السبيل ونكَّر ونصب، فصار: "إن استطعت إليه سبيلاً"؛ يعني: إن استطعت وقدرت على الذهاب إلى الكعبة.
واختلفوا في الاستطاعة؛ فمذهب الشافعي: الاستطاعةُ وجدانُ الزاد والراحلة، فإن كان له قوة يحج بنفسه، وإن لم تكن له قوة يعطي المال إلى من يحجُّ عنه.
стр. 91
ومذهب أبي حنيفة ﵀: الاستطاعة هي الزاد والراحلة والقوة، فلا يجوزُ عنده أن يحجَّ أحدٌ من أحدٍ ما دام حيًا، وإن كان ضعيفًا.
ومذهب مالك: الاستطاعة القوة فقط.
(الاستطاعة): استفعالٌ من (طاع يطوع): إذا سهل الأمر.
ولكل واحد من هذه الأركان شروط وفروض وسنن، وليس هذا موضع بيان استيفائها؛ لأنه يأتي كل واحد في بابه في هذا الكتاب، ولأنها مذكورة في كتب الفقه.
قوله: "فأخبرني عن الإحسان": حَسُنَ الشيء بنفسه: إذا جَمُل، وأحسنه غيره: إذا أجمله وزينه، ومصدره: الإحسان.
يعني: قال جبريل للنبي ﵉: أخبرني عن الشيء الذي هو تزيينُ أركانِ الإسلام وإحسانُها وإكمالُها.
فقال النبي ﵇: "أن تعبد الله كأنك تراه"؛ يعني: الشيء الذي يُكمِل أركانَ الإسلام ويحسنها هو الإخلاص، والإخلاص: أن تقف في عبادة الله تعالى كأنك تراه؛ يعني: تحضر قلبك، ولا تلتفت بقلبك إلى وسوسةٍ مشاغلةٍ لك، ولا يجري بخاطرك: أنك تصلي أو تصوم ليراك أحد، وليقول الناس: إنك رجل صالح متعبد، ولا تنظرْ بعينك إلى يمينك وشمالك، ولا تعبثْ بيدك، ولا تخطو برجليك؛ لأن من يرى مولاه حاضرًا يغلب عليه خوفٌ بحيث لا يقدر على شيء من هذه الأشياء، ومن وقفَ بين يدي سلطان، والسلطانُ ينظر إليه، يتغيَّر وجهه من الخوف، وتقلُّ قوى يديه ورجليه من الخوف، ولا يقدر أن يدفع الذباب من وجهه من الخوف، فإذا كان هذه حال واقفٍ بين يدي مخلوقٍ، فكيف كان حال واقفٍ بين يدي خالق المخلوقات؟
قوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ يعني: لا تقصِّرْ في العبودية،
стр. 92
ولا تعملْ بالرياء من أجل أنك لا تراه بعينك، فإنه إن لم تكن تراه، فإنه يراك، ويرى ما في قلبك من الإخلاص والرياء، فإنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور.
أعلم أنه لا يرى أحدٌ الله تعالى في الدنيا، ومن قال: إن أحدًا يرى الله تعالى، فقد أخطأ، فإن النبي ﵇ قال: "فإنَّه لن يَرَى أحدُكم ربَّه حتَّى يموتَ"، وقال ﵇ أيضًا: "الموتُ قبلَ لقاءِ الله تعالى"، وهذا إجماعُ أهل العلم، ومن قال بخلاف هذا، فهو جاهل، وتجوز رؤية الله تعالى في النوم.
والأصحُّ أن رسول الله ﵇ رأى ليلة المعراج، وهو مخصوصٌ به ﵇، لم تكن لأحد قبله، ولا تكون لأحد بعده في الدنيا.
فإن قيل: لمَ لمْ يقل جبريل ﵇: صدقت؟
قلنا: قد جاء في كثير من الروايات أيضًا ها هنا قول جبريل ﵇ للنبي: صدقت، ولعل الراوي لم يذكر ها هنا اختصارًا أو نسيانًا.
قوله: "فأخبرني عن الساعة"، (الساعة): القيامة.
الضمير في "عنها" راجع إلى الساعة، وأراد النبي ﵇ بالمسؤول: نفسه، وأراد بالسائل: جبريل ﵇، و (ما) في "ما المسؤول" للنفي؛ يعني: لست أنا أعلم منك يا جبريل بعلم القيامة، بل العلم بوقت مجيء القيامة مختصٌّ بالله تعالى.
قوله: "فأخبرني عن أماراتها"، الأمارات: جمع أمارة، بفتح الهمزة في الواحد والجمع، وهي العلامة.
"تلد" مضارع من ولد يلِد ولادةً.
"الرب": السيد، والرب هو الله تعالى، وحيث يكون الرب بغير إضافة لا يطلق إلَّا على الله تعالى، وإطلاقُ الرب على غير الله تعالى لا يجوز إلَّا بالإضافة، يقال: رب البيت، ورب المال؛ أي: مالكه وسيده.
стр. 93
يعني: إذا لم تعلم علمَ القيامة، فأخبرني عن علاماتها، فقال رسول الله ﵇: "أن تلد الأمة سيدها"؛ يعني: يطأ الرجل أمته، وتلد تلك الأمة من سيدها ولدًا، فيكون الولد سيدًا لأمه؛ لأن ملكَ الوالد يعود إلى الولد بعد موته، فيكون الولد سيد أمته ومولاها، لا بمعنى: أنَّ أمَّه تكون ملكًا له؛ لأن الأمَّ صارت أمَّ ولد للسيد، وتعتقُ بعد موت السيد، ولكن بمعنى: أنه مولى أمه، وله ولاؤها، فإذا أرادت الأمُّ أن تتزوج وليس لها وليٌّ من النسب، فوليها ولدها بحكم الولاء، فقد ثبت أنها ولدت سيدها.
فإن قيل: هذا الشيء قد كان قبل النبي ﵇، فإن إبراهيم ﵇ خليلَ الله وَطِئَ أمته هاجر، وولدت إسماعيل صلوات الله عليهم، فكيف يكون هذا من علامات القيامة؟
قلنا: صيرورةُ الجارية التي هذه صفتها أمَّ الولد وعتقَها بعد موت السيد من علامات القيامة، لا مجرد ولادة الأمة من سيدها ولدًا؛ لأنه لم يكن قبل نبينا ﵇ وإلى مدة من أول الإسلام عتقُ أم الولد، بل جاز في أول الإسلام بيعُ أمهات الأولاد، ثم حكم النبي ﷺ بعتق أمهاتِ الأولاد بعد موت سادتهن، ونهى عن بيعهن.
وأما التاء في "ربَّتها" فيها ثلاث احتمالات:
أحدها: أن التاء لتأنيثِ لفظٍ، وهو مؤنَّثٌ مقدَّر، تكون (ربتها) صفةً لها، فعلى هذا تقديره: وأن تلد الأمة نفسًا هي ربتها، فتكون (ربتها) صفة للنفس، والنفس مؤنث، أو يكون تقديره: وأن تلد الأمة نسمة هي ربتها، وما أشبه ذلك ممَّا يكون تقديره من الألفاظ المؤنثة، والنسمة: الإنسان، فعلى هذا الاحتمال يتناول لفظُ (ربتها) الابن والبنتَ.
والاحتمال الثاني: أن المراد بـ (ربتها): البنت، فيكون الابن داخلًا
стр. 94
بالطريق الأولى؛ لأن البنت أخسُّ وأنقص رتبة من الابن، فإذا كانت الأمة بولادة البنت تصيرُ أمَّ ولد، وتصير بنتها سيدةَ الأم، فالابن أولى بهذا الشيء، وكان ذكرُ البنت مغنيًا عن ذكر الابن.
والاحتمال الثالث: أن التاء في (ربتها) إنما كان لتمييز ما يطلق على المخلوقات مما يطلق على الله؛ فإن (الرب) يطلق على الله تعالى، وقد جاء في الحديث: أن العبد لا يقول لسيده: ربي، ولكن ليقل: سيدي، فهذا نَهْي أن يقول أحدٌ لأحد: ربي، ولكن قد جاء: رب المال، ورب الدار، وغير ذلك في الحديث، والأولى أن لا يقال لمخلوق: رب فلان، أو رب ذلك الشيء، بل يقال: صاحب مال، أو مالك ذلك الشيء، فالتاء في (ربتها)؛ لأجل أن لا يقال: (الرب) لمخلوق.
فإن قيل: قد جاء في الحديث الصحيح برواية أبي هريرة: "وأن تلد الأمة ربَّها"، فإذا كان كذلك، فلا يصحُّ على ما قلتَ من الاحتمال الثالث.
قلنا: إن (ربتها) أصح من (ربها)؛ لأن قول عمر بن الخطاب ﵁ أولى بالقبول؛ لأنه كان قد حضر عند سؤال جبريل النبي ﵉ في الحديث، ولأن من هو مُقدَّم في الخلافة أولى بقَبولِ قوله من غيره، ولأن النبي ﵇ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر"، ولأنا إذ قلنا: ربتها، يكون أولى لأنَّ هذا اللفظ لا يطلق على الله تعالى، ولفظ الرب يطلق على الله تعالى، هذا ما بينا أن رواية (ربتها) أكثر صحة.
ومع ذلك نقول: إنا قد قررنا الاحتمالات الثلاث على قول من روى هذا الحديث بالتاء في (ربتها)، أما من رواه (ربها) بغير تاء، فلا يحتاج إلى تقدير شيء من هذه التأويلات.
قوله: "وأن ترى الحفاة" (الحُفاة): جمع الحافي، و"العُراة": جمع العاري،
стр. 95
والعراة: المتجردون عن الثياب، والحافي: متجرد القدم عن النعل.
"العالة": أصله عَوَلة، فقُلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو جمع: عائل، وهو الفقير، مِنْ عال يعول عولًا: إذا افتقر، وحقيقة العَوْل: الغلبة، وصيرورة الرجل كثير العيال.
"الرعاء": جمع الراعي، "الشاء": جمع الشاة، والشاء: اسمُ الجنس، كالغنم.
"يتطاولون في البنيان"؛ أي: يتفاخرون في طول بيوتهم ورفعتها، تطاول الرجل: إذا تكبر، وتطاول: إذا مدَّ عنقه إلى جانب شيء؛ لينظر إليه.
يعني: من علامات القيامة أنْ ترى أهل البادية ممن ليس لهم لباس جميل ولا مَداسٌ، بل كانوا رعاء الإبل والشاء يتوطَّنون في البلاد، ويتخذون العقار، ويبنون الدور والقصور المرتفعة.
وقيل: معناه أن يصير الفقراء ورعاء الشاء والإبل ملوكًا وأمراءً، فتكون همتهم قاصرةً يتفاخرون في رفعة البنيان، وملوكُ العرب لا يلتفتون إلى طول البنيان ولا يتفاخرون به، بل تفاخرهم بالشجاعة والسخاوة والفصاحة، وليس من عادتهم أن يجعلوا من ليس له أصلٌ شريفٌ ملكًا أو أميرًا، بل إنما يجعلون من له استحقاق الإمارة والملك ملكًا وأميرًا، وإذا وقع الملك والإمارة إلى من لم يكن له أصلٌ شريف ولا استحقاقٌ له للإمارة والحكم، فقد يكون هذا من علامات القيامة.
قوله: "ثم انطلق"؛ أي: ذهب، "مليًّا" بياء مشددة؛ أي: زمانًا طويلاً، وهو من المَلاوة، وهي المدة، يقال: عشت مع فلان مَلاوةً من الدهر؛ أي: مدة طويلة.
يعني: قال عمر: ذهب السائل، فلبثتُ بعد ذهاب السائل زمانًا طويلاً
стр. 96
جالسًا عند النبي ﵇، فقال رسول الله ﵇ بعد ذهاب السائل:
"أتعلم من كان هذا السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل ﵇" آتيكم؛ ليسأل مني ما تحتاجون إليه من أمر دينكم؛ لتسمعوا ما أجيبه وتحفظوه.
وفي قول عمر: (الله ورسوله أعلم) فائدةٌ، وهي: أنه إذا قال لك أستاذك أو أحد أعلم منك: أتعلم كذا؟ لا تقل: نعم أعلم؛ لأنك إذا قلت: نعم، فإن لم تكن تعلم ذلك الشيء وقلت: نعم، فقد كذبت، وربما تظن أنك تعلم، ولا يكون ذلك الشيء كما تعلم، فإذا قلت: نعم، فقد كذبت أيضًا، وإن كنت تعلم ذلك الشيء كما ينبغي وقلتَ: نعم أعلم، لم تكن في هذا الجواب كاذبًا، ولكن حُرِمت من بركة لفظ أستاذك، ومن فائدة تفيدك، فإنك إذا لم تقل: نعم، وطلبت منه أن يعلمك ذلك، فربما يصدر من لفظه في البحث أكثر مما تعلم، فتكون فيه فوائدُ:
أحدُها: ما سمعتَ من الزيادة.
والثانية: يقدر ذلك الشيء في قلبك؛ فإنه تكرار لك، بل ما تسمع من أحد يكون أشد ثباتًا في القلب مما ترى في كتاب وتقرأ.
والفائدة الثالثة: بركة صوت أستاذك أو غيره، فإن الفضلاء والصلحاء لهم بركةٌ عظيمة يتشرَّف ويتبرَّك كلُّ واحد بألفاظهم ومجالستهم، وكان عادةُ الصحابة ﵃ إذا قال رسول الله ﵇ لأحد: أتعلم كذا؟ أن يقول: الله ورسوله أعلم.
وينبغي لغير الصحابة إذا قال له أستاذه أو أحد أعلم منه أو مثله: أتعلم كذا؟ أن يقول: الله أعلم، أو يقول: الله وأهل العلم أعلم.
وتقدير قول عمر: الله ورسوله أعلم؛ أي: أعلم من غيرهما.
стр. 97
وقوله ﵇: "أتاكم يعلمكم دينكم" يدُّل على أشياء:
أحدها: أن السؤالَ عن مسألة تعلم أن السامعين يحتاجون إليها مستحبٌّ اقتداءً بجبريل ﵇.
والثاني: أن العالم لا يجب عليه تعليمُ الناس إلا إذا سأله أحدٌ عن مسألة يحتاج إليها، أو رأى أحدًا يعمل أو يقول منهيًا، فيلزمه حينئذ تعليمه ما هو الحقُّ؛ لأن النبي ﵇ لم يُعلِّم الصحابةَ ما سأل جبريل قبل سؤال جبريل.
وهذا إذا ظن العالم أن الحاضرين عنده والمترددين إليه يعلمون ما هو فرضٌ عليهم، أما إذا علم أنهم لا يعلمون ما هو فرضٌ عليهم، فيجب عليه أن يعلمهم الفرائض.
والثالث: أن الرجل إذا ظن أنه لم يجب عليه شيءٌ غير ما علم، لم يأثمْ بترك تعلم غير ما علم؛ لأن رسول الله ﵇ ما عاب الصحابة وما نسبهم إلى الإثم بترك سؤالهم عما سأل جبريل قبل سؤال جبريل.
قوله: "رواه أبو هريرة"؛ أي: راوي هذا الحديث أبو هريرة أيضًا، كما رواه عمر ﵁، ولكن بينهما اختلاف في الألفاظ يأتي بعد هذا.
و (أبو هريرة): اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
"وفي روايته: وأن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوكَ الأرض".
(الصم): جمع أصم، وهو الذي به صمم، وهو ثقل الأذن بحيث لا يسمعُ، أو يسمعُ قليلًا.
و (البكم): جمع أبكم وهو الأخرس.
والمراد بالصم والبكم ها هنا: أهل البادية الذين ليس لهم فصاحة، وتفهّم كأنهم صم من غاية عدم إدراكهم وتفهم الكلام، وكأنهم بكم من غاية قلة
стр. 98
فصاحتهم ومعرفتهم بالعبادة.
يعني: في رواية عمر: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، وفي رواية أبي هريرة: "وأن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض"؛ الألفاظ مختلفة، والمراد واحد.
قوله: "في خمس لا يعلمهن إلا الله": هذا من تمام جواب النبي ﵇ لجبريل في سؤاله عن الساعة، ومعنى (في خمس): من جملة خمس، كما يقول في الدعاء: اللهم احشرنا في زمرة الصالحين، واجعلنا من جملتهم.
يعني: ما سألتني يا جبريل عن علم الساعة، ذلك من جملة الأشياء الخمسة التي لا يعلمهن إلا الله.
قوله: "الآية" هذا لفظ المصنف؛ لأن رسول الله ﵇ قرأ الآية إلى آخرها، والمصنف ذكر أولها، وقال للاختصار: الآية؛ يعني: إلى آخر الآية، ويجوز أن تكون (الآية) مجرورًا ومنصوبًا؛ فالمجرور على تقدير: إلى آخر الآية، فحذف حرف الجر والمضاف وهو (آخر)، وترك المضاف إليه وهو (الآية)، والمنصوب على أن معناه: اقرأ الآيةَ إلى آخرها.
يعني: الخمسة التي لا يعلمهن إلا الله مذكورةٌ في هذه الآية، وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وسبب نزول هذه الآية: أن الوارثَ بن عَمرو بن حارثة بن محارب من أهل البادية أتى النبي ﵇، فسأله عن الساعة ووقتها، وقال: إن أرضنا قد أجدبت - أي: يبست - فمتى ينزل الغيث؟ وتركتُ امرأتي حُبلى، فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت، فبأيِّ أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية.
قوله: " ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ "؛ أي: عنده علم قيام الساعة وظهورها.
стр. 99
قوله: " ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ "، (ينزل): فعل مضارع معروف، من أنزل إنزالًا، (الغيث): المطر؛ يعني: ويعلم متى يرسل المطر؟ ويجوز أن يكون (أن) مقدَّرًا، فيكون تقديره: وأن ينزل الغيث، و (أن) مع ما بعده على تقدير المصدر، فيكون معناه: وعنده علم الساعة وإنزال الغيث أيضًا.
قوله: " ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ "، (الأرحام): جمع رحم، وهو موضع الولد في بطن الأم، يعني: ويعلم ما في أرحام النساء من الأولاد أنها ذكور أو إناث، ويعلم وقت ولادتهن؛ لأنه الخالق الآمر، ويجوز أن يُقدَّر (أن) ها هنا أيضًا، فيكون تقديره بعد جعل (أن) وما بعده مصدرًا: وعنده علم ما في الأرحام.
قوله: " ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ "، (الدراية): العلم، من (درى يدري).
واختلف في (ماذا)؛ فبعضُ النحويين يجعله كلمة واحدة، فيكون معناه: أي شيء؟ وبعضهم يجعل (ذا) بمعنى: الذي، فعلى القول الأول يكون (ماذا) منصوبًا على أنه مفعول (تكسب)، وعلى القول الثاني (ما) مبتدأ، و (ذا) بمعنى الذي، وهو موصول، وصلته (تكسب)، تقديره على هذا القول تكسب، وهو صلة (ذا)، و (ذا) مع صلته خبر (ما).
و (غدًا): نصب على الظرف في القولين جميعًا.
يعني: لا يعلم أحدٌ ما يفعل في الزمان المستقبل، ولا يعلم حاله في ساعة أخرى؛ أن يصيبَهُ خير أو شر، ويعملَ خيرًا أو شرًا.
قوله: " ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ "؛ يعني: لا يعلم أحد أنه يموت في وطنه أو غير وطنه، في البر أو في البحر.
قوله: " ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ "، (الخبير): العالم، ذكرَ خبيرًا للتأكيد؛
стр. 100
يعني: أن الله عليم بهذه الخمس، ولا يعلم واحدًا منها غيرُ الله تعالى، ومن ادعى علم واحد منها، فهو كافر، إلا أن يقول أحد: علَّمني الله وقتَ ولادة فلانة، أو أنها تلد ذكرًا أو أنثى، أو موت فلان وما أشبه ذلك في النوم، أو هتف بي هاتف، أو قال نبي: أوحى لي ربي بشيء من هذه الأشياء، فإن كلَّ ذلك يجوز؛ لأن النبي ﵇ قد أخبر بكثير من علم الغيب، وجاء عن أولياء الله أنهم أخبروا عن موت أنفسهم، أو موت غيرهم.
* * *
٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحجِّ، وصَوْمِ رمضان".
قوله: "بني الإسلام"، (بني) ماض مجهول، من بنى يبني بنيًا وبناء، ومعناه معروف.
يعني: جعل هذه الأركان الخمسة أصولًا للإسلام، وما عدا هذه الخمسة من أحكام الشريعة فَرْعًا لها، ومثال الإسلام كقصر، وهذه الأركان الخمسة كالأسطوان لذلك القصر، وما بقي من أحكام الشريعة كجدار سطح ذلك القصر، وكالجُدُرِ التي حواليه، وكتزيينه بأنواع النقوش، فمن حفظ هذه الأركانَ الخمسة وسائرَ أحكام الشريعة يكون قصر إسلامه تامًا كاملًا مزينًا، ومن لم يحفظ هذه الأركان الخمسة، ولم يحفظ سائرَ أركان الشريعة يكون قصر إسلامه بغير جدار سطحه، وبغير جدار حواليه، وأما من ترك ركنًا من هذه الأركان فنبيِّنُ بحثه في الحديث الذي يأتي بعد هذا الحديث، إن شاء الله تعالى.
قوله: "شهادة": يجوز بجرِّ (شهادة) وجرِّ الكلمات التي بعدها على أنها بدلٌ من قوله: (على خمس)، ويجوز برفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي:
стр. 101
فهي شهادة أن لا إله إلا الله، وقد ذُكِر معنى هذه الكلمات في الحديث المتقدم.
فإن قيل: لم قدَّم ذكر الصوم على ذكر الحجِّ في الحديث الأول، وقدَّم ذكرَ الحج على ذكر الصوم في هذا الحديث؟
قلنا: الواو لا توجب الترتيب، فلا يعلم ترتيبُ هذه الأركان من لفظ هذين الحديثين؛ لأن هذه الأركان في هذين الحديثين ذكرت بلفظ الواو، والواو لا توجب الترتيب، وقد عُلِمَ ترتيبُ وجوبِ هذه الأركان مما روى الوَالبِي عن ابن عباس: أنه قال: بعث الله تعالى نبيه ﵇ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدَّق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا به زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين هكذا.
ذكر أبو الحسين عليُّ الواحديُّ في تفسيره المسمى بـ "الوسيط": فحيث ذُكِرت هذه الأركان على هذا الترتيب فلا إشكالَ فيها؛ لأنها ذكرت على ترتيب وجوبها، وان ذكرت على خلاف هذا الترتيب، فيحتاج إلى الجواب.
والجواب: أن الواو لا توجب الترتيب، فيكون تقديم الحجِّ على الصوم في هذه الأحاديث كتقديم السجود على الركوع في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ومعلوم أن الركوعَ مقدَّمٌ على السجود.
* * *
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِيمانُ بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأَذى عن الطَّريق، والحياءُ شُعبةٌ مِنَ الإِيمانِ".
стр. 102
قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة ... " إلى آخره، وقد جاء في بعض الروايات: بضع وستون، فاختار صاحب الكتاب أتمَّ الروايات.
و (البضع) بكسر الباء: اسم لعدد مبهم من الثلاثة إلى التسعة؛ يعني: يقال للثلاثة: بضع، ولأربعة: بضع، وكذلك الخمسة، والستة، وسبعة وثمانية وتسعة، ويذكر البضع مع عقود العشرات إلى ما دون المئة، ولا يذكر مع المئة والألف، ولا يقال: بضع ومئة، أو بضع وألف.
ونصب (شعبة) على التمييز، و (الشعبة): غصنُ الشجرة، وفرعُ كلَّ أصل.
يعني: الإيمانُ أقلُّ من ثمانين وأكثر من سبعين شعبة، ولكن لم تعلم بالتعيين أنها سبعة وسبعون، أو ستة وسبعون، أو خمسة، أو أربعة، أو ثلاثة، أو اثنان، أو واحد وسبعون، وقد جاء في بعض الروايات: الإيمان سبع وسبعون شعبة، فعلى هذا لا إشكالَ فيه.
واختلف العلماءُ في أركان الإيمان؛ فعند الشافعي ﵀: الإيمان له ثلاثة أركان: تصديقٌ بالجنان - وهو القلب -، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان؛ يعني بتصديق الجنان: أن يعتقدَ الصدق وحقيقةَ ما أخبر به النبي ﵇ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
ويعني بالإقرار باللسان: قول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
ويعني بالعمل بالأركان: أن يأتي بأداء الصلاة والزكاة والصوم والحج، وغير ذلك من الواجبات.
وعند أبي حنيفة ﵀: الإيمان: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان فقط، وأما العمل بالأركان فمن حقوقِ الإيمان عنده، لا من الإيمان.
ومعنى الأركان: الأعضاء.
стр. 103
فمن أنكر فرضًا من الفروض، أو اعتقد شيئًا حرامًا أنه حلال، أو شيئًا حلالًا أنه حرام، كفر بالإجماع.
أما من لم ينكر شيئًا من الواجبات، ولم يعتقد استحلالَ محرَّم، ولا تحريمَ حلال، فانظر؛ فإن لم يقرَّ بلسانه بكلمتي الشهادة، فهو كافر أيضًا بالإجماع، ولو أقر بلسانه بكلمتي الشهادة، واعتقد بقلبه فرضية ما هو فرض عليه، ولم يعمل بالأركان، فهو مؤمن عند أكثر أهل السنة والعلم، ولكنه مؤمنٌ ناقصٌ عند الشافعي ﵁؛ لأن عنده جميعُ شعب الإيمان من الإيمان، فيكون المؤمن ناقصًا بقدر ما ينقص من عمله، والإيمانُ عنده يزيدُ وينقصُ؛ يزيد بالعمل الصالح، وينقص بالمعصية.
وعند أبي حنيفة ﵀: هو مؤمنٌ من غير أن يكون في إيمانه نقصانٌ، بل هو ناقصُ العمل، لا ناقص الإيمان، والإيمان لا يزيد بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية؛ لأن شعبَ الإيمان عنده ليست من الإيمان، بل هي من حقوق الإيمان.
ولكلَّ واحدٍ منهما حججٌ وأدلة كثيرة على قوله، وليس هذا موضع ذكرها.
قوله: "فأفضلها قول: لا إله إلا الله"، فها هنا بحثان:
أحدهما: أن الضمير راجع إلى (بضع وسبعين شعبة)، وهذا عند الشافعي ﵀ يستقيم، لأنه جعل ما سوى قول: (لا إله إلا الله) من الشعب الباقية من جملة الإيمان، فإذا كان جميعها من الإيمان، فتكون (لا إله إلا الله) منها، فيجوز أن يقال: أفضلها: لا إله إلا الله، كما يقال: أفضل القوم زيد.
وبيان أن قول: (لا إله إلا الله) أفضلُ من الشعب الباقية؛ لأن من لم يقل: لا إله إلا الله، فهو كافر، ومن ترك الشعب الباقية لا عن اعتقادٍ، فهو مؤمن ناقص.
стр. 104
وأما عند أبي حنيفة ﵀: [فـ]ـلا يستقيم قوله: فأفضلها: لا إله إلا الله؛ لأن الشعب الباقية عنده ليست من الإيمان، فإذا لم تكن الشعب الباقية من الإيمان، لم يكن قول: (لا إله إلا الله) من جنس الشعب، فيكون هذا كقول أحد: أفضل الأنعام زيد (١).
هذا هو الظاهر من مذهبه، ولكنه هو يقول: ليس تسميةُ الإيمان مختصةً بتصديق الجنان، بل يجوز أن يسمى ما هو من حقوق الإيمان إيمانًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا، فإذا كان كذلك، فقول: (لا إله إلا الله) من جنس شعب الإيمان؛ لأن كل شعبة منها إيمان، كما أن الصلاة سماها الله تعالى إيمانًا، فيجوز أن يقال: أفضلها قول: لا إله إلا الله.
البحث الثاني: قوله ﵇: "فأفضلها قول: لا إله إلا الله" يريد بها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ لأنه قد كان كثير من اليهود والنصارى يقولون: (لا إله إلا الله) في زمن النبي، ولم يحكمْ ﵊ بإسلامهم ما لم يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
ذكرُ الشعب البضع والسبعين وبيانُها: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر؛ خيره وشره، وسؤال منكر ونكير، وأحوال القبر من العذاب والراحة، وبعث يوم القيامة، والحساب، والميزان، وشفاعة النبي ﵇ لمن شاء الله من أهل الكبائر، وشفاعة النبيين والمؤمنين لمن شاء الله تعالى، وكذلك الملائكة تشفع لبعض المؤمنين، ولا شفاعةَ لأحد قبل نبينا ﵇، والصراط، والجنة، والنار، ورؤية الله تعالى في الجنة للمؤمنين، وقول كلمتي الشهادة، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والحج، والجهاد، والحب
стр. 105
في الله، والبغض في الله، والخوف من الله، والرجاء من الله، وحب النبي ﵇، وتعظيم القرآن، والاعتقاد بقدمه، والتوكل، وأقلُّه: أن يعتقد أن لا دافعَ للبلاء ولا معطيَ للعطاء إلا الله تعالى، وأنواع التوكل كثيرة، وليس هذا موضع استقصائها.
وشحُّ الرجل بدينه، والشحُّ البخل، وهو نوعان:
أحدهما: الشحُّ بأصل دينه، وهو: أن لا يترك أن يفوتَ عنه شيء مما يتعلق بأصل دينه.
والثاني: الشحُّ بكمال دينه، وهو: أن لا يترك أن يفوتَ عنه مما يتعلق بكمال دينه، وهذا الأصل للكمال لا يقدرُ عليه كلُّ واحد.
وطلب العلم، وهو نوعان:
أحدهما: طلب ما فرض عليه، والثاني: طلب ما زاد على الفرائض.
ونشر العلم، وهو: أن يعلم الناس ما يحتاجون إليه من أحكام الشريعة، كالطهارة، وهو الوضوء، والغسل، وغسل الأعضاء والثياب، والتيمم منها.
والاعتكاف، وهو نوعان: فرض وسنة؛ والفرض: إذا نذر، والسنة: في غير النذور.
وترك الفرار من الزحف؛ يعني: لا يجوز لمسلم أن يفرَّ من الكافرين عند القتال.
والعتق، وهو نوعان: فرض، وغير فرض؛ فالفرض: في الكفارات والنذور، وغير الفرض: فيما عداها.
وإخراج خمس الغنيمة، وأداء الكفارات والنذور، والوفاء بالعقود، وهو: العقود بين الناس.
стр. 106
وشكر نعم الله تعالى، وحفظ اللسان عما لا يجوز، وأداء الأمانات، وترك الخيانة، وتحريم النفوس؛ يعني: لا يُقتَل أحدٌ بغير حق.
وتحريم الفروج، وقبض اليد عن الحرام، وترك أكل الحرام، وترك الغلَّ والحسد، وتحريم أعراض الناس؛ يعني: لا يغتابُ أحدًا.
وإخلاص العمل لله تعالى، والتوبة، وطاعة أولي الأمر؛ يعني: تجب على الرعية طاعة السلطان إذا لم يأمر بمعصية، وإذا أمر بمعصية لا يطيعه، ولكن لا ينكر عليه بالسيف، بل ينكر عليه بالقلب فيما هو معصية، وينصح له إن قدر على نصحه باللطف.
والتمسك بالجماعة؛ يعني: يقتدي بما اجتمع عليه أئمة أهل السنة من أحكام الدين، والحكم بين الناس؛ يعني يجب أن يكون في كل ناحية قاضٍ يقضي بين الناس بالعدل.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصرة المسلمين؛ يعني: بدفع الظالم عن المظلوم.
والحياء، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحق المماليك؛ يعني: يجب على السيد أداء ما عليه من حقوق عبده وأمته؛ من الكسوة، والنفقة، وترك إيصال المشقة إليهم.
وحق السادة؛ يعني: يجب على العبد والأمة أن يؤدَّيا ما عليهما من خدمة سيدهما.
وحقوق الأهلين؛ يعني: يجب على الرجل أداء ما عليه من حقوق زوجته وأولاده وآبائه وأمهاته وإن علوا؛ من نفقتهم وكسوتهم إذا كانوا محتاجين إليه.
وحق الزوجة واجب على الزوج، وإن كان لها مالٌ كثير.
وإفشاء السلام؛ يعني: يستحب السلام على من عرفه ومن لم يعرفه.
стр. 107
ورد السلام، وعيادة المريض، والصلاة على موتى المسلمين إلا الشهيد في سبيل الله، وتشميت العاطس، ومعاداة الكفَّار، وإكرام الجار، وإكرام الضيف، والستر على الناس، والصبر؛ يعني: يرضى بقضاء الله تعالى فيما أصابه من الفقر والمرض وموت الأقارب وغير ذلك، ويرجو الثواب على صبره من الله تعالى.
والغيرة؛ يعني: يكره ما لا يرضاه الله تعالى فيما يجري على نفسه وغيره.
والجود؛ يعني: لا يكون بخيلًا في أداء الزكاة، بل يؤديها على الطوع والرغبة، ويعطي أيضًا بقدر وسعه من الصدقات غير الواجبة.
ورحم الصغير والكبير؛ يعني: ليكن له شفقة ورحمة على المسلمين من الصغار والكبار.
والإصلاح بين الناس، ومحبة الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه سبع وسبعون شعبة، وهي التي أرادها النبي ﵇ في قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، وكلُّ أمر ونهي من أوامر الله ونواهيه غير ما ذكرنا، فهو مندرجٌ في هذه الأعداد.
قوله: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، (الأدنى) أفعل التفضيل من دنا يدنو: إذا قَرُب، ويحتمل أن يكون أصله: (أدنؤها) بالهمزة، فقُلِبت الهمزة ألفًا للتخفيف، من دَنَأ يَدْنَأ دَنَاءةً، إذا فعل فعلًا حقيرًا، وصار حقيرَ القوم، والمراد بأدناها ها هنا: الأقل.
(الإماطة): الإبعاد.
يعني: أقل شعب الإيمان إبعادُ الأذى من طريق المسلمين، وهو: إبعاد شوك، أو حجر، أو عظم، أو غصن شجر يتأذَّى به من يمشي في الطريق.
стр. 108
ومنه: أن لا يفعل ولا يلقي في الطريق ما يتأذَّى به المارُّ، كحفر حفرةٍ في الطريق، أو إلقاء قشرِ بطيخ، أو التغوط والبول في الطريق، وما أشبهَ ذلك، فإنه لو أمرته نفسه بشيء من هذه الأشياء، ثم لم يفعل ما أمرته نفسه به لله، فيكون هذا من الإيمان أيضًا.
ومنه: دفع الظلم والمضرة عن المسلمين؛ لا يؤذي أحدًا، ولا يترك أحدًا، أن يؤذيَ أحدًا إن قدر.
قوله: "والحياء شعبة من الإيمان"، (الحياء): انقباض النفس، وتركها الشيء الذي يستحي الرجل منه؛ احترازًا من اللوم وغيره.
والحياء نوعان: نفساني، وإيماني.
نعني بالنفساني: الجبلي الذي خلقه الله تعالى في جميع النفوس من الكافر والمسلم، نحو: كشف العورة، ومباشرة الرجل المرأة بين الناس؛ فإن كلَّ أحد يستحي من هذين الشيئين وشبههما.
ونعني بالإيماني: ما يمنع الإيمانُ الشخصَ من فعله، كترك الرجل الزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الأفعال المحرمة؛ استحياء من الله تعالى، وهذا الحياء ليس جِبِلِّيًا، بل إيماني؛ لأن الكفار ومن إيمانه ناقص من المسلمين قلَّما يستحيون من هذه الأشياء، وهذا القسم من الحياء هو الذي ذكر النبي ﵇: أنه من الإيمان في قوله: "والحياء شعبة من الإيمان".
وقال بعض المشايخ: الحياء على وجوه:
أحدها: حياءُ الجناية، كحياء آدم ﵇ لمَّا أكل الشجرة طَفِق - أي: أقبل - يتردَّدُ، ويسعى إلى كلِّ جانب، قال الله تعالى له: أفرارًا مني؟ فقال: لا، بل حياء منك.
والثاني: حياء التقصير، كحياء الملائكة حيثُ قالوا: ما عبدناك حق عبادتك.
стр. 109
والثالث: حياء الإجلال، كحياء إسرافيلَ حيثُ تسربلَ بجناحه؛ أي: ستر وجهه بجناحه، لم يرفع رأسه حياء من الله تعالى.
والرابع: حياء الكرم، كحياء النبي ﵇، كان يستحي من الصحابة إذا دخلوا بيته أن يقول لهم: اخرجوا، فقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ أي: ولا تشتغلوا بالحديث بعد الفراغ من الطعام، فتجعلوا النبيَّ ملولًا، بل اخرجوا.
ولا (مستأنسين) محله جر بالعطف على (ناظرين)؛ أي: غير ناظرين وغير مستأنسين؛ يعني: إذا دعاكم النبي ﵇ إلى طعام ادخلوا غير ناظرين إلى جوانب البيت؛ كي لا يقع نظركم على امرأة، وغير مستأنسين بحديث.
والخامس: حياء حِشْمة، كحياء علي ﵁ حين أمر المقداد ﵁ حتى سأل رسول الله ﵇ عن حكم المذي؛ لكون فاطمةَ بنت النبيَّ ﵇ زوجتَهُ.
والسادس: حياء الاستغفار، كحياء موسى ﵇؛ قال لربه: إنه لتعرض إليَّ الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك يا رب؟ فقال الله تعالى: سلني حتى مِلْحَ عجينِكَ، وعلفَ شاتِكَ.
والسابع: حياء الربِّ ﷻ ، فإنه يدفع إلى بعض العباد كتابًا مختومًا بعدما عبر الصراط فإذا فيه: فعلتَ ما فعلتَ، ولقد استحييتُ أن أظهر عليك، فاذهب فقد غفرتُ لك.
* * *
٤ - وقال: قال رسول الله ﷺ : "المُسلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمون مِنْ لِسانِهِ ويدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجَرَ ما نَهى الله عنه".
стр. 110
قوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"؛ يعني: المسلمُ الكاملُ في إسلامه من لا يؤذي أحدًا بلسانه بالشتم والغيبة والبهتان، ولا يأخذُ مالَ أحد، ولا يضربُ أحدًا بغير حق، ولا يمدُّ يده إلى امرأة ليست منكوحة ولا مملوكة له.
وإنما اختص اللسان واليد؛ لأن أكثرَ الإيذاء والضرر يحصلُ بهذين العضوين، وإلا يمكنُ إيذاءُ الناس بالعين والرجل بأن ينظر إلى بيت أجنبي، أو يمشي إلى موضع يتأذَّى أهل ذلك الوضع من دخوله عليهم.
ومراد النبي بهذا الحديث: أن مَنْ ترك إيذاء الناس من جميع الوجوه مع أداء الفرائض بصحيح الاعتقاد، فهو مسلم كامل، ومن لم يترك إيذاء الناس، فهو مسلم ناقص.
ومن أجرى هذا الحديثَ على نفيِ أصل الإسلام، وقال: من لم يترك إيذاء الناس فليس بمسلم أصلًا، فهو مبتدع.
قوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، (المهاجرة): ترك الرجل وطنه، والانتقال إلى موضع آخر، وفي الشرع: ترك الرجل وطنه الذي كان بين الكفار والانتقال إلى دار الإسلام لله تعالى ولرسوله ﵇.
والمهاجر ليس من هاجر من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة فقط، بل الهجرة باقية إلى يوم القيامة؛ لأن الهجرة هي الانتقال من الكفر إلى الإسلام، ومن ديار الكفر إلى ديار المسلمين، ومن المعصية إلى الطاعة، وهذه الأشياءُ باقيةٌ أبدًا.
والمهاجر في هذا الحديث هو المهاجر الكامل؛ لأن من هاجر من دار الكفر، وانتقل إلى دار المسلمين، فهو مهاجر، وإن لم يُهاجرْ ما نهى الله تعالى عنه من الذنوب، ولكنه مهاجر غير كامل، ومن هاجر جميع ما نهى الله تعالى