← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

روى هذا الحديثَ أبو سعيد. * * * ١٦٥٥ - وعن أبي سَعيد الخُدْري، وأبي هُريرة ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلَاّ الله والله أكبرُ؛ صَدَّقَهُ ربُّه، قالَ: لا إلهَ إلَاّ أنا، وأنا أكَبَرُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَاّ الله وحدَهُ لا شريكَ له، يقولُ الله: لا إلهَ إلَاّ أَنا وحدِي لا شَريكَ لي، وإذا قالَ: لا إلهَ إلا الله لهُ الملكُ وله الحمدُ، قال: لا إلهَ إلَاّ أنا، ليَ الملكُ، وليَ الحمدُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَاّ الله، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله، قالَ: لا إلهَ إلا أنا، لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَاّ بيَ"، وكانَ يقولُ: "مَن قالَها في مرَضهِ، ثم ماتَ لم تَطْعَمْهُ النارُ". قوله: "وكان يقول"؛ أي: وكان رسول الله ﵇ يقول: "من قالها"؛ أي: من قال هذه الكلمة. * * * ١٦٥٦ - وعن سَعْد بن أبي وقَّاص ﵁: أنه دخلَ معَ النبيِّ ﷺ على امرأةٍ وبينَ يَدَيْهَا نَوًى، أو حَصًى تُسَبحُ به، فقالَ: "ألا أخبرُكِ بما هوَ أَيْسَرُ عليكِ مِن هذا وأفْضَل؟، سُبحانَ الله عدَدَ ما خلقَ في السَّماءِ وسبحانَ الله عددَ ما خلقَ في الأَرضِ، وسبحانَ الله عددَ ما بينَ ذلكَ، وسبحانَ الله عددَ ما هوَ خالِقٌ، والله أكبرُ مثْلَ ذلكَ، والحَمْدُ للهِ مثلَ ذلكَ، ولا إله إلَاّ الله مثلَ ذلكَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله مثلَ ذلكَ"، غريب. قوله: "وبين يديها نوى أو حصا تسبح به". (النوى): جمع نواة، وهي: عظمة التمر.

стр. 1227

و (الحصا): جمع حَصَاة، وهي: الحجرة الصغيرة. (تسبح به)؛ أي: تقول: سبحان الله، أو ذكرًا آخر بعدد كلِّ نَواة أو حَصَاة مرةً. قوله: "أو أفضل" شك الراوي أن رسول الله ﵇ قال: "أيسر عليك، أو قال: أفضل". قوله: "سبحان الله عدد ما خلق في السماء"؛ يعني: إذا قال هذه الألفاظ فكأنه قال: سبحان الله بعدد كل نفس، أو كل شيء في السماوات والأرض من المخلوقات مرة، فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى عَدِّ التسبيح بالنَّوى والحصا. * * * ١٦٥٧ - وقال: "مَن سَبَّحَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي كانَ كَمَنْ حَجَّ مائةَ حَجَّةٍ، ومَنْ حَمِدَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائة بالعَشِيِّ كانَ كَمَنْ حمَلَ على مائةِ فرَسٍ في سَبيلِ الله، ومَنْ هَلَّلَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي كانَ كَمَنْ أعتقَ مائةَ رقبةٍ مِن وَلَدِ إسماعيلَ، ومَن كبَّرَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي لم يأْتِ في ذلكَ اليومِ أحدٌ بأكْثرَ ممَّا أتَى به إلَاّ مَن قالَ مثلَ ذلكَ، أو زادَ على ما قالَ"، غريب. قوله: "ومن هلل الله"؛ أي: من قال لا إله إلا الله. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمر ﵄. * * * ١٦٥٨ - وقال: "التَّسبيحُ نِصْفُ الميزانِ، والحَمْدُ للهِ يَمْلَؤُهُ، ولا إلهَ إلَاّ الله ليسَ لها حجابٌ دونَ الله حتَّى تَخْلُصَ إليهِ"، غريب.

стр. 1228

قوله: "سبحان الله نصف الميزان"؛ يعني: ثواب قول الرجل: (سبحان الله) يملأ إحدى كِفَّتي الميزان، و (الحمد لله) يملأ الكِفة الأخرى. قوله: "حتى تخلص"؛ أي: حتى تصل. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو. * * * ١٦٥٩ - وقال: "ما قال عَبْدٌ: لا إلهَ إلَاّ الله مُخلِصًا قطُّ إلَاّ فُتِحَتْ له أبوابُ السَّماءَ حتَّى تُفضيَ إلى العَرشِ ما اجتَنَب الكَبَائرِ"، غريب. قوله: "حتى يفضي إلى العرش"؛ أي: حتى يصل إلى العرش، والحديث المتقدم يدل على أنه يجاوز من العرش حتى يصل إلى الله تعالى، والمراد بهذا وأمثاله: سرعة القبول وكثرة الثواب. قوله: "ما اجتنب الكبائر": قيَّدَ سرعة القَبول وكمال الثواب باجتناب الكبائر لأجل الثواب، فإن الثواب يحصل للقائل سواء اجتنب الكبائر أو لم يجتنب، ولكن ثواب من يجتنب الكبائر أكمل ممن لم يجتنب، فإن السيئة لا تُحْبط الحسنة، بل تحبط الحسنةُ السيئةَ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٦٠ - وقال: "لَقِيْتُ إبراهيمَ صلوات الله عليهما ليلةَ أُسريَ بي، فقال: يا محمدُ، أَقرِئْ أُمَّتَكَ مني السَّلامَ، وأَخبرْهم: أنَّ الجنَّةَ طَيبةُ التُّربةِ، عَذْبةُ الماءِ، وأنَّها قِيْعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سُبحانَ الله، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَاّ الله، والله أكبرُ"، غريب.

стр. 1229

قوله: "ليلة أسري بي"؛ أي: ليلة المعراج. "أقرأ أمتك مني السلام"؛ أي: أوصل. "طيبة التربة": التراب؛ أي: ترابها طيب. "عذبة الماء"؛ أي: ماؤها حُلْو طيب. "وأنها قيعان"، (القيعان): جمع القاع، وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر؛ يعني: الجنة طيبة ينبغي لكل أحد أن يرغَب فيها، وأشجارها وقصورها وجميع نعيمها يحصل بالعمل الصالح، فمن كان عمله الصالح أكثر يكون ملكه أكثر، ونعيمه في الجنة أكثر. روى هذا الحديثَ ابن مسعود. * * * ١٦٦١ - عن يُسَيْرةَ - كَانت مِنَ المُهاجِرَاتِ - قالت: قالَ لنا رسولُ الله ﷺ : "عليكنَّ بالتسبيح، والتَّهليل، والتقديسِ، واعْقِدْنَ بالأَنامِلِ، فإنَّهُنَّ مَسْؤُولاتٍ مُستَنْطَقَاتٌ، ولا تَغْفُلْنَ، فتُنْسَينَ الرَّحمَة". قوله: "عليكن" هذه كلمة التحريض والإغراء؛ يعني: الْزَمْنَ. "التسبيح والتهليل والتقديس". (التقديس): قول الرجل: سبُّوح قدوس رب الملائكة والروح. وليس المراد تحريضهن على هذه الألفاظ الثلاثة فقط، بل المراد منه جنس الذَّكر أيَّ لفظٍ كانَ. قوله: "واعقدن بالأنامل"؛ يعني: اعدُدن عددَ مرات التسبيح بأصابعكنَّ. "فإنهن مسؤولات"؛ أي: فإن الأصابع بل جميع الأعضاء المكتسبة يُسأل عنها يوم القيامة بأي شيء استُعملت، وهذا تحريض على استعمال الرجل

стр. 1230

أعضاءه في الخيرات وحفظِها عن السيئات. قوله: "مستنطقات"؛ أي: يخلق الله في الأعضاء النطق حتى تشهد بما عملت؛ كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، والمراد بالجلود هنا: الفُروج، وقال في آية أخرى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. قوله: "ولا تغفلن فتنسين الرحمة"؛ يعني: ولا تتركن الذَّكر، فإنَّكنَّ إنْ تركتنَّ الذكر حرمتنَّ ثوابَ الذكر، فإن الله تعالى قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. * * * ٥ - باب الاستِغفار والتَّوبة (باب الاستغفار والتوبة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٦٦٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "والله إِنِّي لأَستغفِرُ الله وأتوبُ إليهِ في اليومِ أكثرَ من سَبْعينَ مرَّةً". قوله ﵇: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه ﵇ مع كونه معصومًا، وكونه خيرَ المخلوقات يستغفر ويتوب إلى ربه في كل يوم أكثرَ من سبعين مرة، فكيف بالمذنبين؟ واستغفاره ﵇ ليس من الذَّنْب، بل من اعتقاده أن نفسه قاصرةٌ

стр. 1231

في العبودية عما يليق بحضرة الجلال، فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]. قيل في تفسيره: ما عرفوا الله حقَّ معرفته، وقيل: ما عظَّموه حقَّ تعظيمه، وما عَبَدُوه حقَّ عبادته. وقوله ﷺ خلفَ الصلوات المكتوبات: (أستغفر الله) ثلاث مرات، إشارة إلى أن الصلاة اللائقة بحضرتك يا ربي لا تصدر من عبادك المخلوقين، فإن المخلوقَ كيف يعرف الخالق حقَّ معرفته، وكيف يعظِّمه حق تعظيمه، وكيف يعبده حق عبادته؟ روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٦٣ - وقال "إنه لَيُغَانُ على قَلْبي، وإنِّي أَستَغْفِرُ الله في اليومِ مائةَ مرَّةٍ". قوله: "إنه ليغان على قلبي"، الضمير في (إنه) للشأن والحديث، (الغين): الستر، (يغان) مضارع مجهول، (على قلبي) مفعول أقيم مقام الفاعل؛ يعني: لَيستر قلبي ويمنعه عن الحضور شيءٌ من السهو الذي لا يخلو منه البشر والاشتغال بالأزواج والأولاد وما يجري في خواطر البشر. قال أهل التحقيق: معناه: كان رسول الله ﵇ يحب أن يكون قلبه أبدًا حاضرًا له تعالى بحيث لا يَغْفُل لَمْحة، فلما اشتغل بشيء من أحوال الدنيا كالتكلم مع أحد والأكل والشرب والنوم ومعاشرة الأزواج يلوم نفسه بترك كمال الحضور ويعده تقصيرًا ويستغفر منه. روى هذا الحديثَ والذي بعده أبو هريرة. * * *

стр. 1232

١٦٦٥ - وقالَ فيما يَروي عن الله تعالَى أنه قال: "يا عِبَادِي!، إنَّي حرَّمْتُ الظُّلمَ على نفْسي، وجعلْتُهُ بينَكم مُحرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادي!، كلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُوني أَهْدِكُم، يا عِبادِي!، كُلُّكُم جَائِعٌ إِلّا مَنْ أَطعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعمُوني أُطْعِمْكُم، يا عِبادي!، كلُّكم عارٍ إلَّا مَن كسَوْتُه، فاسْتَكْسُوني أَكْسُكُم، يا عِبَادي!، إنَّكم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ، وأنا أغفرُ الذُّنوب جميعًا، فاستغفروني أَغْفِرْ لكم، يا عِبَادي!، إِنَّكم لنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، ولنْ تَبلُغوا نفْعي فَتَنْفَعُوني، يا عِبَادي!، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكُمْ وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانُوا على أَتْقَى قَلْبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلكَ في مُلْكي شيئًا، يا عِبَادي، لو أنَّ أَوَّلَكم وآخِرَكُم وانْسَكُم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما نقَصَ ذلكَ من ملكي شيئًا، يا عِبَادي!، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَكم قامُوا في صَعيدٍ واحدٍ، فسأَلُوني، فأعطَيْتُ كلَّ إنْسانٍ مَسْأَلتَهُ، ما نقَصَ ذلكَ مما عِنْدي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البَحرَ، يا عِبَادي!، إنَّما هي أَعمالُكم أُحْصِيها علَيكُم، ثم أُوَفِّيكم إيَّاها، فمَن وجدَ خَيْرًا فليَحْمَدِ الله، ومَن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ إلَّا نفسَه" رواهُ أبو ذَرٍّ، وكان أبو إدريس الخوْلانيُّ إذا حدَّث بهذا الحديثِ جَثَا على رُكبتيْهِ. قوله: "حرمت الظلم على نفسي"؛ يعني: حرمت على نفسي أن أظلم أحدًا؛ يعني: أن أعذب أحدًا بلا ذنب، أو أضيع أجر المحسنين. قوله: "لن تبلغوا ضري فتضروني"؛ أي: فإنْ تضروني؛ يعني: لن تَقْدِروا أن تُوصلوا إليَّ ضرًا، ولن تقدروا أن توصلوا إليَّ نفعًا؛ يعني: إن أحسنتم يحصلْ نفعها لكم ولا نفع لي من عبادتكم، وإن أسأتم فعلى أنفسكم إثمُ سيئاتكم ولا يلحقني ضررُ سيئاتكم.

стр. 1233

قوله: "كانوا على أتقى قلب رجل"؛ يعني: كانوا على غاية التقوى، لا تزيد تقواكم في ملكي شيئًا. قوله: "كانوا على أفجر قلب رجل"؛ يعني: على غاية الكفر والفجور، لا يُنقص كفرُهم وفجورُهم من ملكي شيئًا. قوله: "الصعيد": وجه الأرض. "المخيط": الإبرة. قوله: "إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم"، (أعمالكم): تفسير لضمير المؤنث في قوله: (إنما هي)؛ يعني: إنما نحصي أعمالكم؛ أي: نَعُدُّ ونكتب أعمالَكم من الخير والشر. "ثم أفيكم إياها"؛ أي: ثم أُعطيكم جزاء أعمالكم. (التوفية): إعطاء حق أحد على التمام. "فمن وجد خيرًا فليحمد الله"؛ يعني: فليعلم أنه من فضل الله؛ لأنه هو الذي وفَّقَه حتى عمل الخير. "ومن وجد غير ذلك"؛ أي: وجد غير الخير؛ أي: شرًا. "فلا يلومنَّ إلا نفسه"؛ لأنه صَدَر من نفسه. روى هذا الحديثَ أبو ذر. * * * ١٦٦٦ - وقال: "كانَ في بني إسْرائيلَ رجلٌ قتَلَ تسْعةً وتِسْعينَ إنسانًا، ثم خَرَجَ يَسأَلُ، فاَتى راهِبًا، فسأَلَهُ، فقالَ لَهُ: أَلي تَوبةٌ؟، قال: لا، فقتَلَهُ، وجعَل يَسأَلُ، فقالَ لَهُ رجلٌ: ائْتِ قَريةَ كذا وكذا فإنَّ فيها قومًا صالحين، فأَدْرَكَهُ المَوتُ في الطَّريقِ، فَنَأَى بَصَدْرِهِ نَحوَها، فاختصمَتْ فيهِ ملائكةُ الرَّحمةِ

стр. 1234

وملائكةُ العَذابِ، فأَوْحَى الله إلى هذه: أنْ تَقَرَّبي، وإلى هذه: أنْ تَبَاعِدي، وقال: قِيسُوا ما بينَهما، فَوُجِدَ إلى هذه أقربَ بشبرٍ، فَغُفِرَ لهُ". قوله: "ثم خرج يسأل"؛ أي: ثم يخرج من بيته أو بلده يتردَّد البلاد ويسأل الناس أنه: "هل له توبة؟ "؛ أي: هل تُقبل توبتُه بعد أن قتل تسعة وتسعين إنسانًا؟ قول الراهب في جوابه: "لا"؛ أي: لا تقبل توبتك. في هذا إشكال؛ لأنا لو نقول: لا تقبل توبته، فقد خالفنا نصوص الشرع، فإنه تعالى يقول: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]. وإن قلنا: تقبل توبته، فقد خالفنا أيضًا أصل الشرع، فإن حقوق الآدميين لا تقبل فيها التوبة، بل توبته أداؤها إلى مستحقيها أو الاستحلال منها. ودَفْعُ الإشكالِ بأن نقول: تقبل توبة العبد وإن كان عليه حقوق لآدميين، ونعني بقبول توبته: أن الله تعالى لا يطرده من بابه بأن لا يقبل طاعته وحيراته بعد القتل المحرَّم وغيرِه من الذنوب، بل لا يضيع شيئًا من طاعته وخيراته التي عملها قبل القتل المحرم وغيره من الذنوب، ولا ما يعمله بعد ذلك، بل يُثيبه بما عمل من الطاعات والخيرات ويغفر الذنوب التي بينه وبينه تعالى. وأمَّا ما عليه من حقوق الآدميين فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء يُرضي بكَرَمٍ خُصماءه، كان شاء أخذه بحقوقهم. "ائت قرية كذا وكذا"؛ يعني: قال له أحد: ائت القرية الفلانية، فإن بها عالمًا يُفتيك بقَبول توبتك فقصد تلك القرية "فأدركه الموت"؛ يعني: فمات في الطريق قبل أن يصل إلى تلك القرية. "فَنَاء بصدره نحوها"، (ناء)؛ أي: بَعُدَ، وناء به: إذا أبعده، وناء بصدره، يعني: أبعد صدره عن القرية الأولى وأقبل إلى القرية الثانية؛ يعني:

стр. 1235

حوَّل صدره واستقبل بوجهه إلى القرية التي قصدها للتوبة. "فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب"؛ يعني: قالت ملائكة الرحمة نحن نذهب به إلى الرحمة لأنه تائب؛ لأنه توجَّه إلى هذه القرية للتوبة، وقالت ملائكة العذاب: نحن نذهب به إلى العذاب لأنه قتل مئة نفس ولم يتب بعد؛ لأنه لم يصل إلى القرية التي كان قصدها للتوبة. "فأوحى الله"؛ أي: أمر الله تعالى. "إلى هذه"؛ أي: إلى القرية التي قصدها إلى التوبة. "أن تقربي"؛ أي: تقربي من هذا الميت لتكون المسافة بينه وبينك أقل. "وإلى هذه"؛ أي: إلى القرية التي قتل فيها الراهب. "تباعدي"؛ أي: تباعدي لتكون المسافة بينه وبينك أبعد. "وقال قيسوا ما بينهما"، (قيسوا)؛ أي: قدِّروا وانظروا إلى أيِّ القريتين أقرب. "فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له"، (إلى هذه) إشارة إلى القرية التي قصدها للتوبة، وهذا تحريض للمذنبين على التوبة، ومَنْعُهم عن اليأس عن رحمة الله تعالى، بل لا مرجع ولا مآب للمطيعين والعاصين إلا باب مولاهم الكريم، فإنه لا مولى سواه، ولا نصيرَ ولا مخلِّصَ من العذاب سواه، ولا مجير، ولا تظننَّ أن الله إذا غفر له أضاع ما عليه من حقوق الآدميين، بل سيُرضي يومَ القيامة خصماءَه بفضله ورحمته. روى هذا الحديثَ أبو سعيد. * * * ١٦٦٧ - وقال: "والذي نفْسي بيدِهِ لِو لَمْ تُذْنِبُوا لَذهبَ الله بكم، ولَجَاءَ

стр. 1236

بقَومٍ يُذْنِبُونَ، فيستغفِرُونَ الله، فيغفِرُ لهم". قوله: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". الباء في (بكم) للتعدية، و (بقوم) للتعدية. لا يظنن قومٌ أن هذا الحديث يحرض الناس على الإذناب، ويُجوِّز الإذناب، بل سبب صدور هذا الحديث من رسول الله ﵇: أن الصحابة ﵃ كان قد غلب عليهم خوف الله، واستولى على قلوبهم تعظيم الله تعالى، بحيث اشتغلوا بالكلَّية بالعبادة والتقوى، حتى قال جماعة: نحن نَفِرُّ من بين الناس إلى رؤوس الجبال كي لا يَشْغَلَنا الناسُ عن عبادة الله، ولا يحدثوننا فيحصل لنا إثمٌ بالمحادثة، وقال جماعة: نحن نَخْصي أنفسنا، وقال جماعة: نحن نعتزل النساء، وقال جماعة: نحن لا نأكل الأطعمة اللذيذة ولا نلبس الثياب الجديدة. وقال بعضهم: أنا أصلي الليل ولا أرقدُ، وقال بعضهم: أنا أصوم النهار ولا أفطر، فزجرهم رسولُ الله ﵇ عن هذه الأشياء بقوله ﵇: "ليس منَّا مَنْ خصى ولا منِ اخْتَصى". وبقوله: "مَنْ رَغِبَ عن سنَّتي فليس مني". وبقوله: "لا تشدِّدوا على أنفسِكم"، ثم قال لهم هذا الحديث؛ أعني: "لو لم تذنبوا" تسليةً لخواطرهم وإزالةً لشدة الخوف عن صدورهم، ومنعهم عن اليأس من رحمة الله، وتحريضهم على الرجاء إلى رحمة الله تعالى، وإظهار كرم الله ورحمته، وتعليمهم أنَّ الله تعالى يحبُّ الاستغفارَ والتوبة. روى هذا الحديثَ أبو هريرة.

стр. 1237

١٦٦٨ - وقال: "إنَّ الله يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ لِيتوبَ مُسِيءُ النهارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسيءُ اللَّيلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ مِن مَغْرِبها". قوله: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار". (بسط اليد) عبارة عن الطلب؛ لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئًا من أحد يبسُط إليه كَفَّه، فخاطب رسول الله ﵇ الصحابةَ بما هو المتعارَفُ بينهم؛ يعني: يدعو المذنبين إلى التوبة في الليل والنهار ما لم تطلُع الشمس من المغرب، فإذا طلعت الشمس من المغرب لا تقبل التوبة. روى هذا الحديثَ أبو موسى. * * * ١٦٦٩ - وقال: "مَن تابَ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغرِبها تابَ الله عليهِ". قوله: "إذا اعترف"؛ أي: إذا أقرَّ بكونه مذنبًا وعَرَفَ ذنبَه. "ثم تاب"؛ أي: ثم ندم على ما فعل من الذنوب الماضية، وعزم فيما بعد ذلك أنه لا يعود إلى الإذناب. "تاب الله عليه"؛ أي: قبل الله تعالى توبته وغفر ذنبه. روت هذا الحديثَ عائشةُ. * * * ١٦٧٠ - وقال: "إنَّ العَبْدَ إذا اعتَرفَ، ثمَّ تابَ؛ تابَ الله عليهِ". قوله: "من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه"، روى هذا الحديث أبو هريرة.

стр. 1238

مفهوم هذا الحديث وأشباهه: أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من المغرب، واختلف الأئمة في هذا؛ فقال جماعة: إنه لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة، ودليلهم: مفهوم هذا الحديث وأشباهه من الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا المعنى. وقال جماعة: بل هذا مخصوص لِمَنْ شاهد طلوع الشمس من المغرب، فمن شاهد لا تقبل توبته إن كان مذنبًا، ولا يقبل إيمانه إن كان كافرًا؛ لأن الإيمان والتوبة بالغيب مقبول، وأمَّا بالمشاهدة غير مقبول، فإن جميع الأمم التي أُهلكت بالعذاب؛ كقوم ثمودَ وصالح ولُوط وغيرِهم آمنوا حين رأَوا عذابَ الله ولكن لا يقبل إيمانهم، وقد آمن فرعونُ حين غَرِق في البحر، ولكن لم يقبل إيمانه، بل أجيب بقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وتقديره: الآن تؤمن وقد عصيتَ قبلُ. فعند القائلين بأن هذا مخصوص لمن رأى طلوع الشمس من المغرب: لو وُلد بعد ذلك شخصٌ أو كان في ذلك الوقت شخصٌ غيرُ بالغ ثم بلغ، أو كان كافرًا فآمن أو مذنبًا فتاب = فيقبل إيمانه وتوبته؛ لأنه لم يشاهد طلوع الشمس من المغرب حتى يكون إيمانه وتوبته عن مشاهدة. وقد جاء في بعض الروايات عن رسول الله ﵇: أن الشمس تطلع من المغرب ثلاثة أيام، والأصحُّ أنها تطلع يومًا واحدًا ثم تطلع من المشرق على حالها إلى يوم القيامة، ولا يكون بين طلوعها من المغرب وبين القيامة، فلم يثبت حديث متواتر بحيث يحصل العلم واليقين به، ولكن قد جاء في بعض الروايات: أن رجلين شبيبين يلتقيان فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقول: أخبرني أهلي: ولدت حين طلعت الشمس من المغرب. وقد جاء في حديث صحيح: أن: "أولُ الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها".

стр. 1239

والمختار من هذين القولين: أن من رأى طلوع الشمس من المغرب، أو ولد بعد ذلك وبلغ وسمع من جماعة حصل له يقين بقولهم: إن الشمس طلعت من المغرب = لا يقبل إيمانه ولا توبته. ومن لم ير طلوع الشمس من المغرب ولم يسمع طلوعها من المغرب من جماعة حصل له يقينٌ بقولهم = يُقبل إيمانه وتوبته. * * * ١٦٧١ - وقال: "لَلَّهُ أَشدُّ فَرَحًا بتوبةِ عبْدِهِ حينَ يَتُوبُ إليه مِن أَحدِكم كانَ مَعَهُ راحلَتُهُ بأَرضٍ فَلَاةٍ، فانفلَتَتْ منهُ، وعليها طَعامُهُ وشرابُهُ، فأَيسَ منها، فأَتَى شجرةً، فاضطَجَعَ في ظِلِّها قد أَيسَ مِنْ راحِلَتِهِ، فبَينَما هوَ كذلك إذ هُوَ بها قائمةً عندَهُ، فأَخَذَ بخِطَامِها، ثم قالَ مِن شدَّة الفَرَحِ: اللهمَّ أنتَ عَبْدي، وأنا ربُّكَ، فأخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفرَحِ". قوله: "لله أشد فرحًا"، (الفرح) في صفة الله تعالى والضحك: عبارة عن الرضا؛ يعني: لله أشد رضًا بتوبة عبده مِنْ فرحِ أحدكم إذا وجد راحلته بعد اليأس منها. "بأرض فلاة"؛ أي: مَفَازة بعيدة. "فانفلتت"؛ أي: نَفَرت وفَرَّت. "وعليها طعامه وشرابه"؛ يعني: زاده وماؤه على ظهرها؛ يعني: يكون حزنه على غاية الشدة بذهاب الراحلة وخوف هلاك نفسه من عدم الزاد والماء. "إذ هو بها قائمة"، (إذ) للمفاجأة، و (قائمة) حال من الراحلة؛ يعني: حضر الرجل بتلك الراحلة في حال كونها قائمة عنده من غير تردُّد في طلبها. "بخطامها"؛ أي: بزِمامها.

стр. 1240

"أخطأ من شدة الفرح"؛ يعني: أراد أن يحمَد الله بما أنعم عليه من رد راحلته إليه وقصد أن يقول: (اللهم أنت ربي وأنا عبدك) فسبق لسانُه وأخطأ وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) من غاية الفرح؛ يعني: كما أن فرح هذا الرجل على غاية الشدة، فكذلك رضا الله بتوبة عبده. روى هذا الحديثَ أنس. * * * ١٦٧٢ - وقال: "إنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فقالَ: ربِّ، أذَنَبْتُ ذنْبًا، فاغفِرْهُ، فقالَ ربُّه: أَعَلِمَ عَبْدي أنَّ لهُ رَبَّاً يغْفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ بِهِ؟، غفرتُ لعَبْدي، ثم مكَثَ ما شاءَ الله، ثم أَذْنَبَ ذَنْبًا، فقال: ربِّ، أذنبتُ ذَنْبًا آخر، فاغفِرْهُ لي، فقالَ: أَعَلِمَ عَبْدي أن لهُ ربًّا يغفِرُ الذَّنبَ، ويأْخذُ بِهِ؟، قد غَفَرتُ لعَبْدي، ثمَّ مكَثَ ما شاءَ الله، ثم أَذنَبَ ذَنْبًا، فقال: ربِّ أذنَبْتُ ذنبًا آخرَ، فاغفرهُ لي، فقالَ: أَعَلِمَ عبدي أنَّ لَهُ ربًّا يغفرُ الذَّنْبَ ويأخذُ به؟، غفرتُ لعبدي، فليَعمَلْ ما شاء". قوله: "إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: رب أذنبت فأغفر لي". هذا وما تكرر من هذا الجنس في هذا الحديث وأشباهه: توبة من ذلك العبد، ومعنى التوبة: الندامة على ما فعل، والعزم على أن لا يعود إلى مثل ما فعل، فإذا كان نيةُ المذنبِ هذا فقد صحَّت توبتُه وغُفِرَ ذنبُه إن لم يكن من حقوق الآدميين، فإن تاب أحدٌ على هذه الصفة ثم اتفق وقوعُه في الذنب ثم تاب = غُفِر له، وإن فعل ذلك ألفَ مرَّةٍ وأكثر، بشرط أن تكون نيته في التوبة أن لا يعودَ إلى الذنب. قوله: "فليعمل ما شاء"؛ يعني: فليعمل ما شاء من الذنوب التي بينه

стр. 1241

وبيني مما لا يتعلق بحقوق الآدميين ثم لِيتُبْ على الشرط المذكور فإنه يُغفر. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٧٣ - عن جُنْدُبٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ حدَّثَ: "إنَّ رجُلاً قال: والله لا يغفرُ الله لفُلانٍ، وإنَّ الله قالَ: مَنْ ذا الذي يتَأَلَّى عليَّ أَنَّي لا أَغفِرُ لفُلانٍ؟! فإنَّي قد غفَرتُ لفلانٍ، وأحبَطْتُ عَمَلَكَ"، أو كما قال. قوله: "من ذا الذي"؛ أي: مَنِ الذي "يتألَّى"؛ أي: يَحْلِف. قوله: "وأحبطت عملك"؛ أي: أبطلتُ قَسَمَكَ؛ أي: جعلتُ حلفَك كاذبًا أيها الحالف على أني لا أغفر عبدي فلانًا. وهذا الحديث يحكم بأنه لا يجوز الحكمُ بأن الله تعالى لا يغفر لفلان أو يعذِّب فلانًا، وكذلك لا يجوز أن يقال: يغفر الله لفلان جَرْمًا؛ لأن أحدًا لا يعلم مشيئةَ الله وإرادتَه في عباده، بل نرجو للمُطيع ونخاف على العاصي، وإنما نجزم القولَ في حقِّ مَنْ جاء فيه نصٌّ عن رسول الله ﵇. * * * ١٦٧٤ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "سيدُ الاستِغفارِ أنْ تقولَ: اللهمَّ أنتَ ربي، لا إله إلَّا أنت، خَلَقْتَني، وأنا عبدُك، وأنا على عَهْدِكَ ووعدِكَ ما استَطَعْتُ، أَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعتُ، أَبُوءُ لكَ بنعمتِكَ عليَّ، وأَبُوءُ بذَنْبي، فاغفِر لي، فإنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ، قالَ: ومَن قالَها مِن النَّهارِ مُوْقِنًا بها، فماتَ مِن يَومِه قبلَ أنْ يُمسيَ فهوَ مِن أهلِ الجنَّةِ، ومَن قالَها مِن اللَّيلِ وهو مُوقِنٌ بها، فماتَ قبلَ أنْ يصبحَ فهو مِن أهلِ الجنَّةِ".

стр. 1242

قوله: "وأنا على عهدك ووعدك"؛ أي: أنا مقيم على الوفاء بما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك وما عاهدتني؛ أي: أمرتني في كتابك وبلسان نبيك وأنا مُوقن بما وعدتني من البعث والنُشور وأحوال القيامة والثواب والعقاب. "ما استطعت"؛ أي: بقدْرِ طاقتي؛ أي: لا أقدِرُ أن أعبُدك كما تحبُّ وترضى، ولكن أجتهد بقدْرِ طاقتي. قوله: "أبوء لك بنعمتك علي"، (البوء): الإقرار؛ أي: أنا مُقِرٌّ ومعترف بأنك لَمُنْعمٌ عليَّ، وأبوء بأنَّي مذنبٌ. قوله: "موقنًا بها"، موقنًا: منصوب على الحال؛ يعني: مَنْ قرأ هذا الدعاءَ عن اليقين والاعتقاد ومات فقد مات مؤمنًا، ومن مات مؤمنًا يدخل الجنةَ لا محالة. روى هذا الحديثَ شدَّادُ بن أَوس. * * * مِنَ الحِسَان: ١٦٧٥ - قال: "قالَ الله تعالى: يا ابن آدمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني غفَرتُ لكَ على ما كانَ فيكَ، ولا أُبالي، يا ابن آدمَ، لو بلغَتْ ذنوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثم استغفرتَني غفَرتُ لكَ، ولا أُبالي، يا ابن آدمَ، إنَّك لو أَتيتَني بقُرابِ الأَرضِ خَطايا، ثم لَقِيْتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأَتيتُكَ بقُرابها مغفرةً"، غريب. قوله: "ما دعوتني ورجوتني"، (ما) للدوام؛ يعني: ما دُمتَ تدعوني وترجو مغفرتي ورحمتي ولا تَقْنَطُ من رحمتي فإنِّي أغفر لك. "ولا أبالي"؛ أي: ولا أتعظَّم على مغفرتك وإن كانت ذنوبُك كثيرةً.

стр. 1243

قوله: "على ما كان فيك"؛ أي: أغفر لك على ما كان فيك من الذنوب. "لو بلغت ذنوبك عنان السماء"، (العنان): جمع عَنَن، وهو ما ظهر منها؛ يعني: لو كانت ذنوبك بحيث تملأ ما بين الأرض والسماء. "قراب الأرض"؛ أي: مِلءَ الأرض. روى هذا الحديثَ أبو ذر ﵁. * * * ١٦٧٦ - وقال: "مَن عَلِمَ أَنَّي ذُو قُدرةٍ على مَغفرةِ الذُّنوبِ غَفَرتُ لهُ، ولا أُبالي، ما لم يُشركْ بي شَيئًا". قوله: "من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب". هذا الحديث يشير إلى أن اعتراف العبد بكون الله تعالى قادرًا على مغفرة الذنوب سببٌ لغفران الذنوب، وهذا نظير قوله: "أنا عند ظن عبدي بي"، وقد تقدم شرحُه في باب: ذكر الله تعالى. روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * ١٦٧٧ - وقال: "مَن لَزِمَ الاستِغفارَ جعَلَ الله لهُ من كلِّ ضيْق مَخْرَجًا، ومِن كلِّ همًّ فَرَجًا، ورَزَقَه مِن حيثُ لا يحتَسِبُ". قوله: "من لزم الاستغفار"؛ أي: من داوم على الاستغفار. "جعل الله له من كل ضيق مخرجًا"؛ أي: طريقًا؛ أي: يُخرجه من كل أمر عسير. "فرجاً"؛ أي: خَلاصًا وإذهابًا لغمه.

стр. 1244

"من حيث لا يحتسب"؛ أي: من حيث لا يرجو ولا يجري في خاطره. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عباس. * * * ١٦٧٨ - وقال: "ما أَصَرَّ مَن استَغفرَ وإِنْ عادَ في اليومِ سَبْعينَ مرَّةً". قوله: "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة". (الإصرار): الثبات والدوام على المعصية؛ يعني: من عمل معصية ثم استغفر وندم على ذلك خرج عن كونه مُصِرًّا على المعصية؛ لأن المصر هو الذي لم يستغفر ولم يندَم على الذنب. روى هذا الحديثَ أبو بكر الصديق ﵁. * * * ١٦٧٩ - وقال: "كلُّ بنيْ آدمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الخَطَّائينَ التوَّابُونَ". قوله: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". هذا لفظ يعُمُّ جميعَ بني آدم حتى الأنبياء، ولكن الأنبياء خارجون من هذا الحديث؛ لأن الأنبياء معصومون. واختلف الناس في أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر جميعًا، أم هم معصومون من الكبائر دون الصغائر؟ فمن قال: هم غير معصومين عن الصغائر، دليلهم: عصيانُ آدمَ ربَّه في أكل الشجرة، وكَذباتُ إبراهيمَ - كما يأتي في موضعه - وغيرُهما مما نُقل من زَلَاّت الأنبياء. ومن قال: بعضهم معصومون عن الصغائر كما هم معصومون عن الكبائر، حملوا هذه الزلات المنقولةَ عن الأنبياء ﵈ على الخطأ

стр. 1245

والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى الزلَّة، وهذا هو الأولى؛ لأن في هذا تعظيمًا للأنبياء ﵈، وقد أُمرنا بتعظيمهم وحُسْنِ الاعتقاد فيهم. روى هذا الحديثَ أنس. * * * ١٦٨٠ - وقال: "إنَّ المُؤمنَ إذا أذنَبَ كانتْ نُكتةٌ سَوداءُ في قَلْبهِ، فإنْ تابَ، واستَغْفرَ صُقِلَ قلْبُه، وإنْ زادَ زادَتْ حتى تَعْلُوَ قلْبَه، فذلِكُم الرَّانُ الذي ذكرَ الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ "، صحيح. قوله: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه"، (كان) تامة هنا، ومعناه: حدثت، (النكتة): الأثر؛ يعني: يحدُث من الذنب في القلب أثرٌ أسودُ مثلُ قطرة مِدادٍ تقطُر في القِرْطاس. "فإن تاب واستغفر صُقل قلبه"؛ أي: أُزيلت تلك النكتة عن قلبه، وإن لم يتب تقطر (١) بكل ذنب نكتة. "حتى تعلو قلبه"؛ أي: حتى يغلِبَ سوادُ تلك النكتِ على نور قلبه وتستُرَ ظلمةُ تلك النكت نورَ قلبه، فإذا صار نورُ قلبه مستورًا عَمِيَ قلبُه، ولا يُبصر شيئًا من العلم والحكمة، ولا يفهم خيرًا، وتزول عن قلبه الرحمةُ والشفقة، ويثبُتُ في قلبه الظلمُ والفتن وإيذاءُ الناس والجَرَاءةُ على المعاصي. قوله: "فذلكم الران"، ضمير المخاطَب في (ذلكم) للصحابة؛ يعني: أخاطبكم وأخبركم بأنَّ سَتْرَ سوادِ نكتِ الذنوب نورَ القلب هو الرَّانُ "الذي ذكره الله تعالى" في "قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ " - ران يَرِين رَينًا: إذا غلب الذنب على القلب -.

стр. 1246

هذه الآية مذكورةٌ في حق الكفار، ولكن ذكرها رسول الله ﵇ في هذا الحديث تخويفًا للمؤمنين لكي يحترزوا عن كثرة الذنوب كي لا تسوَدَّ قلوبُهم كما اسودَّت قلوبُ الكفار، فإن المؤمن لا يصير كافرًا بكثرة الذنوب، ولكن يصير قلبُه مسوَدًّا بكثرة الذنوب، وإذا صار قلبُه مسودًا بكثرة الذنوب، فقد شابه الكافرَ في اسوِداد القلب من الذنوب، ولم يشابهْهُ في الكفر. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٨١ - وقال: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ". قوله: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". (ما) للدوام، و (غرغر): إذا تردد الروح في الحلق؛ أي: ما لم تصل روحه إلى حلقه. قبضُ الروحِ يبتدأ من أصابع رجليه وينزع إلى حلقه حتى يخرج من رأسه، وإنما يبتدئ قبض الروح من الرجل ليكون نزع الروح من قلبه ولسانه آخِرًا ليكون لسانُه ذاكرًا، وليتوب ولِيوصِ ويستحل من الناس عن المظالم والغيبة ليكون آخِرَ عُمُرِه بالخير، فإن الرجل إذا عرف أَمَارت الموتِ لا شك أنه يَفْزَعُ إلى التوبة والاستحلال والوصية وذكرِ الله تعالى. قال ابن عباس ﵄: يقبل التوبة ما لم يعاينِ الرجلُ ملكَ الموتِ؛ يعني: ما لم يتيقنِ الموتَ، فإذا تيقن الموتَ بأن رأى مَلَكَ الموت أو عَلِمَ خروجَ الرُّوحِ من بعض أعضائه لا تُقبل توبته، وهذا مثلُ البحث المذكور في طلوع الشمس من مغربها، فقد تقدَّم في هذا الباب. وقال محيي السنة في "معالم التنزيل": في ﴿وَلَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ ...﴾ إلى

стр. 1247

آخر الآية: أنه لا يقبل توبةَ عاصٍ، ولا إيمانَ كافرٍ إذا تيقن الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وكذلك لم يقبل إيمانَ فرعونَ حين أدركه الغرقُ. وهكذا ذكر في "تفسير اللباب" و"الوسيط". وقيل: يقبل التوبة ما لم تبلغ الروح الحلقوم. وهذا الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحل أحدًا عليه له مظلمة فحلَّله، صحَّ تحليلُه بلا خلاف، وكذلك لو أوصى بشيء، أو نَصَّبَ أحدًا على أطفاله، أو عَمَلِ خيرٍ، صحَّت وصيَّتُه بلا خلاف. وتأويل (ما لم يغرغر) على قول ابن عباس ومَنْ تابعه: أنه ما لم يتيقنِ الموتَ؛ لأن كثيرًا من الناس لم يَرَوا ملكَ الموت ولم يعلموا خروجَ الروح من أعضائهم حتى تبلغ الروح الحلقوم، فمن لم يعرف قبض روحه تقبل توبته وإيمانه بلا خلاف ما لم يتيقن الموت، وإن بلغت الروح الحلقوم. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمرو. * * * ١٦٨٢ - وقال: "إنَّ الشَّيطانَ قال: وَعِزَّتِكَ يا ربِّ، لا أَبْرحُ أُغْوي عبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهم في أَجْسادِهم، فقالَ الربُّ : وعِزَّتي وجَلالي، وارتفاعِ مكاني، لا أَزالُ أَغفِرُ لهم ما استَغْفرُوني". قوله: "لا أبرح"؛ أي: لا أزال؛ أي: أبدًا. "أغوي عبادك": أي: أُضلُّهم وآمرهم بالكفر والعصيان. روى هذا الحديثَ أبو سعيد. * * *

стр. 1248

١٦٨٣ - وقال: "إنَّ الله تعالى جعَلَ بالمَغربِ بابًا عَرْضُه مَسِيْرةُ سَبْعينَ عامًا للتَّوبةِ، لا يُغْلَقُ ما لم تَطْلُعِ الشَّمسُ مِن قِبَلِهِ، وذلكَ قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ". قوله: "إن الله جعلَ بالمغرب بابًا ... " إلى آخره. يعني: تدخل توبة التائبين في ذلك الباب، فمن تاب قبل أن يُغْلق ذلك البابُ تترك توبتُه حتى تدخلَ في ذلك الباب، ومن تاب بعد أن أغلق تردُّ توبته. "من قِبَله"؛ أي: من جانب الباب. قوله: " ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ "؛ أي: بعض العلامات التي يُظْهِرُها ربُّك إذا قَرُبت القيامة. قوله: " ﴿أوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ "؛ يعني: لا ينفع نفسًا أن تعمل طاعةً وتوبةً في ذلك الوقت. روى هذا الحديثَ صفوانُ بن عَسَّال. * * * ١٦٨٤ - وقال: "لا تَنْقطِعُ الهِجْرةُ حتى تَنقطِعَ التَّوبةُ، ولا تَنْقَطِعُ التَّوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ مِن مغربها". قوله: "لا تنقطِعُ الهجرةُ حتى تنقطع التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مغربها". أراد بالهجرة ها هنا: الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة. روى هذا الحديثَ معاوية. * * *

стр. 1249

١٦٨٥ - وقال: "إنَّ رجلَينِ كانا في بنيْ إسرائيلَ مُتحابَّيْنِ، أحدُهما مُجتهِدٌ في العِبادَةِ والآخرُ مُذْنِبٌ، فجعَلَ المُجتهِدُ يقولُ: أَقْصِرْ عمَّا أنتَ فيهِ، فيقولُ: خَلِّني وَرَبي، حتى وجَدَهُ يومًا على ذنْبٍ استعظمَهُ، فقال: أَقْصِرْ، فقالَ: خَلِّني وَرَبي، أَبُعِثتَ عليَّ رَقِيبًا؟ فقال: والله لا يغْفرُ الله لكَ أبدًا، ولا يُدخِلُكَ الجنَّةَ، فبعثَ الله إليهما مَلَكًا، فقبَضَ أَرواحَهما، فاجتمعا عنْدَه، فقالَ للمُذنِبِ: اُدخُلْ الجنَّةَ برحمتي، وقالَ للآخرِ: أتَستطِيعُ أنْ تَحْظُرَ على عَبْدي رحمتي؟ فقالَ: لا يا ربِّ، قال: اذهبُوا بهِ إلى النارِ". قوله: "متحابين"؛ أي: يجري بينهما المودة والمحبة. "مجتهد"؛ أي: مُبالغ. "في العبادة، والآخرُ يقول مذنب"؛ أي: يقول الآخر: أنا مذنب، ويحتمل أن يكون معناه: ويقول النبيُّ ﵇: الآخرُ مذنب. قوله: "فجعل"؛ أي: طَفِق ذلك المجتهد في العبادة يقول للمذنب: "أقصِرْ"؛ أي: اترك "ما أنت عليه" من الإذناب. "فيقول"؛ أي: فيقول المذنب: "خلِّني وربي"؛ أي: مع ربي، فإنه غفور رحيم. "أبعثت علي رقيبًا؟ "؛ يعني: أُرسلتَ عليَّ حافظًا؟! استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ يعني: ما أمرك الله أن تحفظني. "فقال"؛ أي: فقال الزاهد للمذنب: "والله لا يغفر الله لك أبدًا"؛ لأنك مذنب. "فبعث الله إليهما مَلَكًا فقبض أرواحَهما"، وهذا تصريح بأنه تعالى قد يأمر مَلَكًا غيرَ ملكِ الموت بقبض بعض الأرواح؛ لأنه قال: (بعث إليهما ملكًا) ولم يقل: ملك الموت.

стр. 1250

"فاجتمعا عنده"؛ أي: أُحْييا بعد الموت كما يُحْيا سائرُ الأموات في القبور لجواب المنكر والنكير. "وقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي"، أنا عند ظنِّ عبدي بي، فإذا ظننتني غفورًا رحيمًا فقد غفرتُ لك ورحمتُك. "أن تحظُر"؛ أي: أن تحرِّم. قوله: "اذهبوا به إلى النار"، والضمير في (اذهبوا) ضمير للملائكة، [و] إدخاله النار لمجازاته على قَسَمه بأن الله تعالى لا يغفر المذنب، لأن هذا حكم على الله، وجعل الناس آيسًا من رحمة الله، وحكم بكون الله غير غفور، فإن اعتقد أنه يعلم الغيب بأن الله لا يغفر فقد كَفَر، ويخلَّد في النار، وإن لم يكن اعتقاده هذا فقد أذنب ذنبًا كبيرًا بأن جعل أحدًا آيسًا من رحمة الله تعالى، فيبقى في النار بقدر هذا الذنب، ثم يخرج منها ويدخل الجنة كسائر المذنبين. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٨٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قوله: ﴿إلَاّ اللَّمم﴾: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغفرْ جَمَّاً ... وأَيُّ عَبْدٍ لكَ لا أَلَمَّا" غريب. قوله: " ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ": هذا استثناء من قوله: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾؛ (كبائر الإثم): كل ذنب فيه حَدٌّ، و (الفواحش): الزنا خاصة، و (اللمم): الصغائر؛ يعني: ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوه، فإن الأمم غير معصومين عن الصغائر، والصغائر تُغفر لهم بالتوبة والطاعات.

стр. 1251

قوله: "إن تغفِرِ اللهمَّ تغفر جَمًّا ... وأي عبد لك لا ألمَّا" (جمًا)؛ أي: كثيرًا، (ألم): إذا نزل بالذنب، و (ألم): إذا فعل اللَّمم؛ يعني: اللهم إن تغفرْ ذنوبَ عبادك فقد غفرتَ ذنوبًا كثيرة، فإنَّ جميعَ عبادِك كلَّهم خطَّاءون. وهذا مثل قوله: "كلُّ بني آدمَ خَطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائين التوابون"، وقد ذكر بحثه قبيل هذا، وهذا البيت؛ أعني: إن تغفر اللهمَّ، من أشعار أُميةَ بن أبي الصَّلت قرأه رسولُ الله ﵇ استشهادًا بأن المؤمن لا يخلو من اللَّمم. * * * ١٦٨٨ - عن أبي ذَرًّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يقولُ الله تعالى: يا عبادِي!، كلُّكم ضالٌّ إلَّا مَنْ هدَيْتُهُ، فَسَلوني الهُدَى أَهْدِكم، وكلُّكم فُقراءُ إلَّا مَن أَغْنَيتُ، فَسَلُوني الرِّزْقَ أَرزُقْكم، وكلكُّم مُذنِبٌ إلا مَنْ عافَيْتُ، فمَن عَلِمَ منكم أني ذُو قُدرةٍ على المغفرةِ فاستغفرَني غَفَرتُ لهُ، ولا أبالي، ولو أنَّ أَوَّلَكم وآخِرَكم، وحَيَّكم وميتكم، ورَطْبَكم ويابسَكم، اجتمعُوا على أَتْقَى قلْبِ عبدٍ مِن عِبَادي ما زادَ ذلكَ في مُلْكي جَناحَ بعَوضَةٍ، ولو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وحَيَّكم ومَيتَكم، ورَطْبَكم ويابسَكم اجتمعُوا على أشقَى قلْبِ عبْدٍ مِن عبادي ما نقصَ ذلكَ من مُلْكي جَناحَ بَعُوضَةٍ، ولو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وجِنَّكُم وإِنْسَكم، ورَطْبَكم ويابسَكم اجتمعُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسأَلَ كلُّ سائلٍ مِنكم ما بلغَتْ أُمنيَّتهُ، فأَعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم مَسْأَلتَهُ ما نقَصَ ذلكَ مِن مُلْكي إلَّا كما لو أنَّ أحدكم مَرَّ بالبَحرِ، فغَمَسَ فيه إبرْةً، فَرفَعَها، ذلكَ بأنَّي جَوادٌ ماجدٌ، أَفْعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعَذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردتُ أنْ أقولَ لهُ: كُنْ، فيكونُ".

стр. 1252

قوله: "حيَّكم وميّتَكم ورَطْبكُم ويابسَكم"، يحتمل أن يريد بالرطب: البحر، وباليابس: البَر؛ يعني: أهل البر والبحر، ويحتمل أن يريد بالرطب: الصَّغار، وباليابس: الكبار؛ يعني: صغاركم وكباركم، ويحتمل أن يريد بالرطب: النبات والشجر، وباليابس: الحجر والمَدَر؛ يعني: لو صار كلُّ ما في الأرض من النبات والشجر والحجر والمَدَر آدميًا. قوله: "ما بلغت أمنيته"، (الأمنية): الاشتهاء والإرادة؛ يعني: كل حاجة تجري في خاطره. قوله: "ذلك بأنَّي جواد ماجد"، (ذلك) إشارة إلى قضاء حوائجهم. (الجواد): كثير الجُود والكرم. (الماجد): واسع العطاء؛ يعني: إنما أقضي حوائجَ العباد؛ لأن من صفاتي (الجواد الماجد)، فكيف لا يقضي حوائجهم من هو جواد ماجد؟! قوله: "عطائي كلام وعذابي كلام"؛ يعني: لا ينقُص من خزائني شيء، ولا يلحقني بأن أقضي حوائجَ العباد وأوجدَ المعدومات تعبٌ؛ لأن إيجادي المعدومَ وإعطائي السائلَ ما يريدُ وتعذيبي الكفارَ وغيرَ ذلك مما أُرِيْدُ فعلَه ليس إلا الأمر، والمراد بالكلام: الأمر؛ يعني: إذا أردتُ شيئًا أقول له: كن فيكون، من غير تأخير. * * * ١٦٨٩ - عن أنَسٍ ﵁، عن النبيَّ ﷺ : أنه قَرَأَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، قال: "قالَ ربُّكم: أنا أَهْلٌ أنْ أُتَّقَى، فمَن اتَّقاني فأَنا أهل أَنْ أَغفِر لهُ". قوله: " ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ "؛ يعني الله هو المستحق أن يتقيه

стр. 1253

المخلوقات؛ أي: يخافونه ويحذرون مخالفتَه، وهو أهل أن يغفر لِمَنْ خافه. (الاتقاء): الحذر. * * * ١٦٩١ - ورُوي عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن قالَ: أَستغفِرُ الله الذي لا إلهَ إلَّا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ، وأتوبُ إليهِ؛ غُفِرَ لهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِن الزَّحْفِ"، غريب. قوله: "من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". (الحي) و (القيوم): منصوبان؛ لأنهما صفتان للفظة (الله)، وهو منصوب بانه مفعول (أستغفر)، ولا يجوز أن يكونا صفتين للضمير في (إلا هو)؛ لأن المضمَر لا يوصف. قوله: "غفر له وإن كان فر من الزحف"، و (الزحف): اجتماع الجيش في وجه العدو، والمراد ها هنا بقوله: (وإن كان فر من الزحف) يعني: وإن كان فر من حرب الكفار، حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد عددُ الكفار على مِثْلَي عددِ جيش المسلمين، والفرارُ من الكفار - حيث لا يجوز الفرار - من الكبائر. وهذا الحديث يدلُّ على أن الكبائر تُغفر بالتوبة والاستغفار. روى هذا الحديثَ أبو يَسَار مولى النبيَّ ﵇، واسمه زيد. * * * فصل (فصل) مِنّ الصَّحَاحِ: ١٦٩٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ؛ كتبَ كِتابًا فهوَ عندَهُ

стр. 1254

فَوْقَ عَرْشِه: إنَّ رَحْمتِي سَبقَتْ غَضَبي". وفي روايةٍ: "غلَبَتْ غَضَبي". قوله: "لما قضى الله الخلق"؛ أي: لمَّا قدر الله المخلوقات. قوله: "كتب كتابًا"؛ يعني: كتب في اللوح المحفوظ: "إن رحمتي سبقت غضبي"، ومعنى (سبقت): [أكثر]؛ يعني: رحمتي أكثر من غضبي؛ يعني: ما أغفر من ذنوب المؤمنين أكثر ممَّا أعذِّبهم به. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٩٣ - وقال: "إنَّ للهِ مائةَ رَحْمةٍ، أَنْزَلَ مِنها رحمةً واحدةً بينَ الجنِّ والإِنْسِ والبَهائِم والهَوامَّ، فَبها تتعَاطَفُونَ، وبها تتَراحمُونَ، وبها تَعطِفُ الوحشُ على وَلَدِها، وأخَّر تِسْعًا وتسعينَ رحمةً يَرحَمُ بها عِبادَهُ يومَ القِيامةِ". وفي روايةٍ: "فإذا كانَ يومُ القِيامةِ أَكْمَلَها بهذهِ الرَّحمةِ". قوله: "فبها يتعاطفون"؛ أي: يُوصل الرأفةَ والشفقةَ بعضُهم إلى بعض، (التعاطف) مثل التراحمُ؛ يعني: كل راحة ورحمة تصل من آدمي إلى آدمي أو من جِنٍّ إلى جن، أو من حيوان إلى آخر من جنسه أو غير جنسه، كلُّ ذلك نتيجة تلك الرحمة التي أنزلها الله بين خلقه. قوله: "أكمَلَها بهذه الرَّحمة"؛ يعني: يضم الرحمة التي أنزلها في الدنيا إلى التسعة والتسعين من الرحمة التي أخَّرها حتى يصيرَ المجموعُ مئةَ رحمة، فيرحم بها عباده من الأنبياء والمؤمنين. روى هذا الحديثَ سَلْمان الفارسيُّ.

стр. 1255

١٦٩٤ - وقالَ النبيُّ ﷺ : "لو يَعلَمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العُقوَبَةِ ما طَمِعَ بجنَّتهِ أَحدٌ، ولَو يَعلمُ الكافِرُ ما عندَ الله مِن الرحمةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتهِ أحدٌ". قوله: "لو يعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طَمِعَ بجنَّته أحدٌ". جاء هذا الحديث في بيان كثرة عقوبته ورحمته كي لا يغترَّ المؤمن برحمته فيأمَن من عذابه، فإنه لو أمن من عذابه يصير كافرًا، أو قال بعد هذا: (ولو يعلم الكافر ...) إلى آخره: كي لا ييأس مؤمن من رحمته بكثرة ذنوبه، وكي لا يخاف كافرٌ من الإيمان بعد سنينَ كثيرةٍ كان في الكفر، فإنه يُغفر له ما فعل في الكفر في سنين كثيرة إذا دخل في الإسلام، وليس المراد منه: إن مات في الكفر يُغفر [له]، أو يُخرج من النار في وقت من الأوقات، بل لا يخرج من النار أبدًا وإن كانت رحمة الله كثيرة واسعة، بل لا ينال رحمتَه يومَ القيامة إلا المؤمنون. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٩٥ - وقال: "الجنةُ أَقْربُ إلى أحدِكُم من شِرَاكِ نَعْلِه، والنَّارُ مثْلُ ذلكَ". قوله: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك"؛ يعني: من عمل عملًا صالحًا تكون الجنة قريبةً منه، ومن عمل سوءًا تكون النار قريبةً منه. روى هذا الحديثَ ابن مسعود. * * * ١٦٩٦ - وقال: "قالَ رجلٌ لَمْ يَعملْ خَيْرًا قطُّ لأهلهِ، وفي روايةٍ: أَسَرفَ

стр. 1256

رجلٌ على نْفسِه، فلمَّا حضَرَهُ المَوتُ أَوصَى بنيهِ: إذا ماتَ؛ فحَرَّقوهُ، ثم اذْرُوا نصْفَه في البرِّ، ونصفَهُ في البَحرِ، فَوَالله لئِن قَدَرَ الله عليهِ ليُعذِّبنهُ عَذابًا لا يُعذِّبُه أَحَدًا مِن العالَمينَ، فلمَّا ماتَ فعَلُوا ما أَمَرَهم، فأَمرَ الله البَحْرَ، فجمعَ ما فيهِ، وأَمرَ البرَّ، فجمَعَ ما فيهِ، ثم قالَ لهُ: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: مِن خَشْيَتِكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلمُ! فغَفَرَ لهُ". قوله: "ثم اذْرُوا نصفه"؛ أي: ثم فرِّقوا نصف رَماده؛ ذَرَا يَذْرو: إذا فرَّق البَذْر والتراب على وجه الأرض. قوله: "لئن قدر الله عليه"، وهذا الرجل كان مبتدعًا؛ لأنه اعتقد بأن الله تعالى ليس بقادر على الجزئيات؛ أي: على الأشياء الحقيرة القليلة مثلِ جمع ما في وجه الأرض وما في وجه الماء من الأجزاء المحترقة لهذا الشخص وإحيائه على هذه الصفة. قوله: "فغفر له"، وهذا يدل على أن غفران المبتدعين جائز، ولا يجوز القطع على تعذيب المبتدعين، بل هم في مشيئة الله إن شاء عذَّبهم وإن شاء غفر لهم، وكان سببَ مغفرةِ هذا الرجل خوفُه من الله تعالى وتعظيمُه لله وتحقيرُه للمذنب، وتحقيرُ المذنب نفسَه وتعظيمُ ربه وصفٌ يحبُّه الله، فلهذا غفر له. روى هذا الحديثَ معاويةُ بن جُنْدُب. * * * ١٦٩٧ - وقال عُمر بن الخَطَّاب ﵁: قَدِمَ على النبيِّ ﷺ سَبْيٌ، فإذا امرأةٌ مِنَ السَّبْي قد تَحَلَّبَ ثَديُها تَسعَى، إذا وَجَدَتْ صبيًا في السَّبْي أخذَتْهُ، فأَلصَقَتْهُ ببَطْنِها، وأرضعَتْهُ، فقالَ لنا النبيُّ ﷺ : "أترَوْنَ هذهِ طارِحَةً ولدَها في النارِ؟ "، قلنا: لا وهي تقدرُ على أنْ لا تَطْرَحَهُ، قال: "لَلَّهُ أرحمُ بعبادِهِ من هذه بولدِها".

стр. 1257

قوله: "قد تحلَّب ثَدْيُها"؛ أي: تكثَّر لبن ثديها بحيث يجري اللبن من ثديها. قوله: "إذا وجدت صبيًا في السَّبي أخذته وألصقتْهُ ببطنها"؛ يعني: من غاية رحمتها وشفَقَتها بولدها الغائب إذا وجدت صبيًا أجنبيًا أخذته وأرضعته. قوله: "أترون هذه طارحةً وَلدَها"، (الطرح): الإسقاط؛ يعني: أتظنون وتعلَمون أن هذه المرأة تُلقي ولدها في النار مع شدة شفقتها وحنينها. قولهم: "وهي تقدر على أن لا تطرحه"، الواو في (وهي) للحال؛ يعني: في حال اختيارها لا تُلقيه في النار. * * * ١٦٩٨ - وقال: "لن يُنجيَ أَحَدًا منكم عملُه! "، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا، إلَّا أنْ يتغمَّدَنيَ الله منهُ بِرَحْمتِهِ، فسدِّدوا، وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشيئًا مِن الدُّلْجةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا". قوله: "لن ينجي أحدًا منكم عملُه"؛ يعني: لن يتخلَّص أحدٌ منكم من النار بعمله، ولن يدخل الجنةَ بعمله إلا بفضلِ الله ورحمته. اعلم أن اعتقادَ أهلِ السنة: أن الكسبَ ليس سببَ جلب الرزق، بل الرزق من الله تعالى، فَرُبَّ مُكْتسبٍ ومُبالغٍ في الكسب لا يحصُل له الرزقُ إذا لم يرزقه الله، وربَّ تاركٍ للكسب ومشتغل بالعبادة وغيرِها فيرزقه الله رزقًا حسنًا، ولكنَّ الناسَ مأمورون بالكسب لمعاونة بعضهم بعضًا، ولتكون أسبابُهم الدُّنيوية مُهيَّأة من الزراعة والعمارة والحِرَف وغيرها من غير أن يعتقدوا حصولَ الرزق من الكسب، بل بحصول الرزق من الله الكريم. فكذلك الناسُ مأمورون بالأعمال الصالحة من غير أن يعتقدوا التخليصَ من الجحيم، ودخول جنة النعيم بأعمالهم، بل بفضل الله ورحمته، فإن جميعَ

стр. 1258

طاعات الرجل لو قُوبلت بشَربة ماء سقاه الله إيَّاها في الدنيا لنقَصَ عملُه عنها، فإذا نقصَت طاعتُه عن شكر أقل ما رزقه الله في الدنيا، فكيف يدخل الجنة بعمله؟ قوله: "إلا أن يتغمدني الله"، (التغمُّد): الستر؛ يعني: إلا أن يُلْبسني الله لباسَ رحمتِه فأدخلَ الجنةَ برحمته. "فسددوا"؛ أي: اجعلوا أعمالكم مستقيمةً على طريق الحق. (التسديد): جعل الشيء مستقيمًا. "وقاربوا"؛ أي: اطلبوا قربة الله بطاعته بقدْر ما تطيقون؛ يعني: لا تشددوا على أنفسكم بالمبالغة في الطَّاعات بأن لا تناموا ولا تستريحوا ولا تأكلوا، فإنَّ أحدكم لن يدخلَ الجنةَ بعمله، فإذا لم يكن دخولُه الجنة بعمله فَلِمَ يشدِّد على نفسه في الطاعات، بل يكون كمسافرٍ قصد سفرًا بعيدًا فإنه لو عَدَا عَدْوًا شديدًا لتعب وانقطع عن السفر ولم يبلغ المَقْصِد، بل طريقه أن يمشي في أوَّل النهار إلى ارتفاع الشمس، ثم يستريح إلى بعد العصر، ثم يمشي إلى الليل، ثم يستريح، ثم يمشي في آخر الليل، فإذا قطع المسافة على هذه الصفة يبلُغُ المقصدَ، فكذلك المؤمن فليعمل الفرائض والسنن وشيئًا من التطوعات ويستريح ساعة فساعة. (المقاربة): طلب القربة من أحد، والدُّنو منه. معنى (اغدوا): امشُوا في أول النهار. "وروحوا"؛ أي: امشوا في آخر النهار. "وشيء من الدُّلجة"؛ تقديره: وليكن في مشيكم شيءٌ من الدُّلجة؛ أي: ليقع بعض طاعتكم في الليل. (الدُّلجة) - بضم الدال -: آخر الليل.

стр. 1259

"القصدَ القصدَ تبلُغوا"؛ أي: الزموا القصد في العمل حتى تبلُغوا المنزل. و (القصد): الوسط؛ أي: لا تفريط ولا إفراط في العمل؛ يعني: التفريط والإفراط مذمومان، وخيرُ الأمورِ أوساطُها. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٩٩ - وقال: "لا يُدْخِلُ أَحدًا منكم عملُهُ الجنَّةَ، ولا يُجيرُه مِن النَّارِ، ولا أنا، إلا برحمةِ الله تعالى". قوله: "ولا يجيره"؛ أي: لا يخلَّصه ولا يُنجيه. روى هذا الحديثَ جابر. * * * ١٧٠٠ - وقال: "إذا أَسلَمَ العبْدُ فحَسُنَ إسلامُهُ يُكفِّرُ الله عنهُ كلَّ سيئةٍ كانَ زلَفَها، وكانَ بَعْدُ القِصاصُ: الحسَنةُ بعَشْرِ أَمثالِها إلى سبعمائةِ ضعْفٍ، والسَّيئةُ بمِثْلِها إلا أنْ يَتَجاوَزَ الله عنها". قوله: "فحسُنَ إسلامُه"؛ يعني: يكون الإسلام محبوبًا ومرضيًا له ظاهرًا وباطنًا، ولم يكن النفاق في قلبه، فإذا كان كذلك "يكفِّر الله"؛ أي: يستر الله ويعفو "كلَّ سيئة" من الكفر والمعاصي والقتل وأكل أموال الناس بالباطل. "كان زَلَّفها" - بتشديد اللام -؛ أي: قدَّمها على الإسلام؛ أي: ما فعله قبل الإسلام. قوله: "وكان بعدُ القصاصُ" بضم الدال، (والقِصَاصُ) - بضم الصاد -

стр. 1260

والتقدير: كان بعدَ الإسلامِ القصاصُ؛ يعني: قد غفر له ما فعل قبل الإسلام ولكن يطالب بعد الإسلام بما فعل من السيئات وما عليه من حقوق الآدميين. قوله: "والحسنة بعشر أمثالها"؛ يعني: وكانت الحسنة بعد الإسلام بعشر أمثالها؛ بخلاف قبل الإسلام؛ فإنه إذا عمل حسنةً في الكُفر ثم أسلم يعطى بكلِّ حسنة ثواب حسنة واحدة. * * * ١٧٠١ - وقال: "إنَّ الله كتبَ الحسَناتِ والسِّيئاتِ، فمَنْ همَّ بحسنةٍ فلمْ يَعملْها كتَبها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ همَّ بها فعمِلَها كتبَها الله لهُ عندَهُ عشرَ حسَناتٍ إلى سَبْعمائةِ ضعْفٍ إلى أَضعافٍ كثيرةٍ، ومَنْ همَّ بسِّيئةٍ فلم يعمَلْها كتبَها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ هوَ همَّ بها فَعَمِلَهَا كتَبها الله له سيئةً واحدةً". قوله: "إن الله كتب الحسنات والسيئات"؛ يعني: إن الله كتب في اللوح المحفوظ. "فمن هَمَّ"؛ أي: قصد أن يعمل حسنة. "فلم يعملها" لعذرٍ؛ مثل أن ينوي إعطاء صدقة فلم ييسر له ذلك لعدَم المال، أو لعدم الفقير، أو لعذرٍ آخرَ، كتب الله ذلك الهمَّ والقصدَ حسنة، وإن عملها كتب الله له عشر حسنات ويزيد إلى ما شاء الله. "ومن همَّ أن يعمل سيئة فلم يعملها" خوفًا من الله، كتب تلك السيئة حسنة؛ لأن تركَ السيئةِ من خوف الله حسنةٌ، كان عَمِلَ تلك السيئةَ كتب له سيئة واحدة؛ بخلاف الحسنة؛ فإنه إذا عَمِلَ الحسنةَ كتَبَ له بكلِّ حسنة عشرَ حَسَنات إلى سبع مئة ضعف ويزيد، وإنما كان كذلك؛ لأنَّ رحمتَه أكثرُ من غضبه.

стр. 1261

روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * مِنَ الحِسَان: ١٧٠٢ - وقال: "إنَّ مثَلَ الذي يعمَلُ السيئاتِ، ثمَّ يعمَلُ الحسَناتِ كمثَلِ رجُلٍ كانتْ عليهِ دِرْعٌ ضَيقةٌ قد خنقَتْهُ، ثم عمِلَ حسَنةً فانفكَّتْ حَلْقَةٌ، ثم عمِلَ أخرَى فانفكَّت حَلْقَةٌ أُخْرَى حتى تَخْرُجَ إلى الأَرضِ". قوله: "إنَّ مَثَل الذي يعمل السيئاتِ ثم يعملُ الحسناتِ كمثَل رجلٍ كانت عليه دِرْعٌ ضيقة ... " إلى آخره. يعني: عمل السيئات يضيق صدرَ الرجل ورزقَه، ويحيره في أمره فلا ييسر له أموره ويسوِّد قلبه، ويبغِّضه في أعين أحبائه، وإذا عمل الحسناتِ تزيلُ حسناتُه سيئاتِه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فإذا زالت سيئاتُه انشرحَ صدرُه، وتوسَّع رزقُه، وطاب قلبُه، وتيسَّرَ له كلُّ أمرٍ، وصار محبوبًا في قلوب الناس، فهذا هو المراد من الحديث. "خَنَقْته"؛ أي: عُصِرَ حَلْقُه وتَرقُوته من ضيق تلك الدِّرع. "فانفكت"؛ أي: انحلَّت وتوسَّعت. "حتى تخرج إلى الأرض"؛ أي: حتى يسقُطَ الدِّرع إلى الأرض ويخرج ذلك الرجل من ضيق تلك الدرع. روى هذا الحديثَ عُقبةُ بن عامر. * * * ١٧٠٣ - عن أبي الدَّرداءِ ﵁: أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقُصُّ على المِنْبَرِ

стр. 1262

وهو يقولُ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟، فقالَ الثانيةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ الثانيةَ: وإنْ زنى وإنْ سرَقَ؟ فقالَ الثالثةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ الثالثةَ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟ قال: "وإنْ رَغِمَ أَنْفُ أبي الدَّرداء". قوله: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، (مقام ربه)؛ أي: خاف من القيام بحضرة ربه يومَ القيامة؛ يعني: مَنْ يخاف الله في معصيته فتركها يعطِه الله بستانين في الجنة، وإن زنى وإن سرق في وقت وتاب لم يُبْطِلْ زناه وسرقتُه ثوابَ خوفِه من الله في معصية أخرى غيرِ تلك الزَّنْية والسَّرِقة. * * * ١٧٠٤ - عن عامرٍ الرَّامِ أنه قال: بينا نحنُ عندَه - يَعني: عندَ رسول الله ﷺ إذ أَقْبَلَ رجلٌ عليهِ كِساءٌ وفي يدِهِ شيءٌ قد التَفَّ عليهِ، فقال: يا رسولَ الله!، مَرَرْتُ بغَيْضَةِ شجَرٍ، فسمعتُ فيها أصواتَ فِراخِ طائرٍ، فأَخذتُهنَّ، فوَضعتُهنَّ في كِسَائي، فجاءَتْ أُمُّهنَّ، فاستدارَتْ على رأْسِي، فكشَفتُ لها عنهنَّ، فوَقَعَت عليهنَّ، فلفَفْتُهنَّ بكِسائي، فهُنَّ أُولاءِ معي، فقال: "ضَعْهنَّ"، فوضعتُهنَّ، وأَبَتْ أُمُّهنَّ إلَّا لُزومَهنَّ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أتَعجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفراخِ فِراخَها؟ فَوَالذي بعثَني بالحقِّ لَلَّهُ أرحمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الأَفْراخِ بفِراخِها، اِرْجِعْ بهِنَّ حتَّى تضَعَهنَّ مِن حَيْثُ أَخَذْتَهنَّ، وأُمُّهنَّ معهنَّ"، فرَجَعَ بهنَّ. قوله: "بغَيضَةِ شجرٍ"، (الغيضة): الغابة وهي مجتَمع الأشجار. والشجر: اسم الجنس يقع على القليل والكثير، وواحدها: شجرة. "الفراخ" جمع فَرخ، وهو: ولد الطير. "فاستدارت" بمعنى: دارت.

стр. 1263

"فكشفتُ لها عنهنَّ"؛ أي: فأذهبتُ الكِساء عن وجه الفِراخ حتى رأتْهُنَّ أمُّهنَّ. "وأبَتْ أمُّهنَّ إلا لزومَهنَّ"؛ يعني: فلما وضعها عند رسول الله ﵇ فكشف الكِساء عن الطائر وفِراخِها، فما طارت أمُّها، بل ثبتت معهن من غاية رحمتِها بهنَّ، والله أعلم. * * * ٦ - باب ما يقُول عند الصَّباح والمَسَاء والمَنام (باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام) ١٧٠٥ - عن عبد الله ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أَمسَى قال: "أَمسَيْنا، وأَمسَى المُلكُ للهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله وحدَه لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ، ولهُ الحَمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ إنَّي أسألُكَ مِن خَيْرِ هذهِ الليلةِ وخَيْرِ ما فيها، وأَعُوذُ بكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فيها، اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ مِن الكَسَلِ، والهرَمِ، وسُوءِ الكِبْرِ، وفِتنْةِ الدُّنيا، وعَذابِ القَبْرِ"، وإذا أَصبَحَ قالَ ذلكَ أيضًا: "أصبحنا، وأصبَحَ الملكُ للهِ"، وفي روايةٍ: "ربِّ أعوذُ بكَ مِن عَذابٍ في النَّارِ، وعَذابٍ في القَبْرِ". "أمسينا وأمسى المُلك لله، والحمد لله"، و (الحمد لله) عطف على (أمسينا وأمسى الملك): إذا دخل في المساء وهو أول الليل، وأمسى: إذا صار؛ يعني: دخلنا في المساء، وصِرْنا نحن وجميع المُلك وجميع الحمد لله. قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكَسَل والهرَم وسوء الكِبَر"، (الكسل): عدم نهوض النفس إلى الخير، وقلة الرغبة فيه مع وجود الاستطاعة، فالعاجز

стр. 1264

معذور؛ لأنه لا استطاعة له، والكسلان غير معذور لوجود الاستطاعة له. و (الهرم) و (الكبر) - بفتح الباء -: طول العمر، وأعاذ النبيُّ ﷺ من الهرم وسُوءِ الكِبَر، والمراد بهما: طول العمر بحيث يصير الرجل خَرِفًا، وإن صار خرفًا يصير حقيرًا ذليلًا عند الناس، ويصير عاجزًا عن الحركة ويحتاج إلى معاونة الناس، وهو مَرَضٌ، بل أشدُّ الأمراض. قال الخطَّابي رحمة الله عليه: وروي "سوء الكِبْر" بسكون الباب، والأول أصح. هذه عبارته؛ يعني: الرواية الصحيحة "وسوء الكِبر" بفتح الباء لا بسكونها، ومن روى بسكون الباء: معناه التكبر، وهو مذموم أيضًا. قوله: "وإذا أصبح قال ذلك أيضًا"؛ يعني قال: (أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ... إلى قوله: من الهرم والكبر) إلا أنه أبدل الليلةَ باليوم فقال: (اللهم إني أسألك من خير هذا اليوم وخير ما فيه). قوله: "وفي رواية: رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر"؛ يعني: قرأ بعد قوله: (من الهرم والكبر): (رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر). * * * ١٧٠٦ - عن حُذيفةَ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِن اللَّيلِ وضَعَ يدَه تحتَ خدِّه، ثم يقول: "اللهمَّ باسمِكَ أَموتُ وأَحيا"، فإذا استَيْقَظَ قالَ: "الحمدُ للهِ الذي أَحيانا بعدَ ما أَماتَنا، وإليهِ النُّشورُ". قوله: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا"، قال الخَطَّابي: هذا مجاز؛ لأن الحياة غيرُ زائلة عند النوم، لكن جعل السكون عن الحركات وزوال القوة عند النوم بمنزلة الموت فقال: (بعدما أماتنا)؛ أي: رَدَّ علينا القوة والحركة بعد أن أزالهما مِنَّا بالنوم.

стр. 1265

"وإليه النشور"؛ أي: وإليه المآب والرجوع بعد الموت للحساب والجزاء يومَ القيامة. * * * ١٧٠٧ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا أَوَى أحدُكم إلى فِراشِهِ، فليَنْفُضْ فِراشَه بداخِلةِ إزارِه، فإنَّه لا يَدري ما خلَفَهُ عليهِ، ثم يقول: بِاسْمِكَ ربي وضَعتُ جَنْبي، وبكَ أرفعُهُ، إنْ أَمسكتَ نفْسي فارحَمْها، وإنْ أَرسلْتَها فَاحْفَظْها بما تَحفَظُ بهِ عِبَادَك الصَّالحين". وفي روايةٍ: "ثم لْيَضْطَجِعْ على شِقِّهِ الأَيمَنِ، ثم ليقل: باسمِكَ". وفي روايةٍ: "فليَنفُضْهُ بصَنِفَةِ ثَوبه ثلاثَ مرَّاتٍ، وليَقُلْ: إنْ أَمسكْتَ نفْسي فاغْفِر لَها". قوله: "إذا أوى"؛ أي: إذا دخل. "فلينفُضْ فراشه"؛ أي: فليحرِّكه ليسقُطَ ما فيه من ترابٍ وغيرِه، وإنما قال هذا لأنَّ رسم العرب تركُ الفراش في موضعه ليلًا ونهارًا. "بداخلة إزارِه"؛ أي: بالوجه الذي يلي الباطنَ من إزاره المشدودِ في وسطه وبذيل قميصه، وإنما قيَّد نفضَ الفراش بداخلة إزاره؛ لأنَّ الغالبَ في العرب إن لم يكن لهم إزارٌ أو ثوبٌ غيرُ ما عليهم، وإنما قيد نفض الفراش بداخلةِ الإزار؛ لأن هذا أيسر، ولكشف العورة أستر. قوله: "فإنه لا يدري ما خلفه عليه"، (خلفه): إذا قام مقامه بعده. "عليه"؛ أي: على الفراش؛ يعني: لا يدري ما وقع وحصل في فراشه بعدما خرج هو منه إلى أن يعودَ إليه؛ يعني: يمكن أن يكون في الفراش تراب أو قَذَاة أو شيء من الهَوامَّ المُؤْذِية.
следующие страницы →