← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * مِنَ الحِسَان: ١٧٠٢ - وقال: "إنَّ مثَلَ الذي يعمَلُ السيئاتِ، ثمَّ يعمَلُ الحسَناتِ كمثَلِ رجُلٍ كانتْ عليهِ دِرْعٌ ضَيقةٌ قد خنقَتْهُ، ثم عمِلَ حسَنةً فانفكَّتْ حَلْقَةٌ، ثم عمِلَ أخرَى فانفكَّت حَلْقَةٌ أُخْرَى حتى تَخْرُجَ إلى الأَرضِ". قوله: "إنَّ مَثَل الذي يعمل السيئاتِ ثم يعملُ الحسناتِ كمثَل رجلٍ كانت عليه دِرْعٌ ضيقة ... " إلى آخره. يعني: عمل السيئات يضيق صدرَ الرجل ورزقَه، ويحيره في أمره فلا ييسر له أموره ويسوِّد قلبه، ويبغِّضه في أعين أحبائه، وإذا عمل الحسناتِ تزيلُ حسناتُه سيئاتِه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فإذا زالت سيئاتُه انشرحَ صدرُه، وتوسَّع رزقُه، وطاب قلبُه، وتيسَّرَ له كلُّ أمرٍ، وصار محبوبًا في قلوب الناس، فهذا هو المراد من الحديث. "خَنَقْته"؛ أي: عُصِرَ حَلْقُه وتَرقُوته من ضيق تلك الدِّرع. "فانفكت"؛ أي: انحلَّت وتوسَّعت. "حتى تخرج إلى الأرض"؛ أي: حتى يسقُطَ الدِّرع إلى الأرض ويخرج ذلك الرجل من ضيق تلك الدرع. روى هذا الحديثَ عُقبةُ بن عامر. * * * ١٧٠٣ - عن أبي الدَّرداءِ ﵁: أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقُصُّ على المِنْبَرِ

стр. 1262

وهو يقولُ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟، فقالَ الثانيةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ الثانيةَ: وإنْ زنى وإنْ سرَقَ؟ فقالَ الثالثةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ الثالثةَ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟ قال: "وإنْ رَغِمَ أَنْفُ أبي الدَّرداء". قوله: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، (مقام ربه)؛ أي: خاف من القيام بحضرة ربه يومَ القيامة؛ يعني: مَنْ يخاف الله في معصيته فتركها يعطِه الله بستانين في الجنة، وإن زنى وإن سرق في وقت وتاب لم يُبْطِلْ زناه وسرقتُه ثوابَ خوفِه من الله في معصية أخرى غيرِ تلك الزَّنْية والسَّرِقة. * * * ١٧٠٤ - عن عامرٍ الرَّامِ أنه قال: بينا نحنُ عندَه - يَعني: عندَ رسول الله ﷺ إذ أَقْبَلَ رجلٌ عليهِ كِساءٌ وفي يدِهِ شيءٌ قد التَفَّ عليهِ، فقال: يا رسولَ الله!، مَرَرْتُ بغَيْضَةِ شجَرٍ، فسمعتُ فيها أصواتَ فِراخِ طائرٍ، فأَخذتُهنَّ، فوَضعتُهنَّ في كِسَائي، فجاءَتْ أُمُّهنَّ، فاستدارَتْ على رأْسِي، فكشَفتُ لها عنهنَّ، فوَقَعَت عليهنَّ، فلفَفْتُهنَّ بكِسائي، فهُنَّ أُولاءِ معي، فقال: "ضَعْهنَّ"، فوضعتُهنَّ، وأَبَتْ أُمُّهنَّ إلَّا لُزومَهنَّ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أتَعجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفراخِ فِراخَها؟ فَوَالذي بعثَني بالحقِّ لَلَّهُ أرحمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الأَفْراخِ بفِراخِها، اِرْجِعْ بهِنَّ حتَّى تضَعَهنَّ مِن حَيْثُ أَخَذْتَهنَّ، وأُمُّهنَّ معهنَّ"، فرَجَعَ بهنَّ. قوله: "بغَيضَةِ شجرٍ"، (الغيضة): الغابة وهي مجتَمع الأشجار. والشجر: اسم الجنس يقع على القليل والكثير، وواحدها: شجرة. "الفراخ" جمع فَرخ، وهو: ولد الطير. "فاستدارت" بمعنى: دارت.

стр. 1263

"فكشفتُ لها عنهنَّ"؛ أي: فأذهبتُ الكِساء عن وجه الفِراخ حتى رأتْهُنَّ أمُّهنَّ. "وأبَتْ أمُّهنَّ إلا لزومَهنَّ"؛ يعني: فلما وضعها عند رسول الله ﵇ فكشف الكِساء عن الطائر وفِراخِها، فما طارت أمُّها، بل ثبتت معهن من غاية رحمتِها بهنَّ، والله أعلم. * * * ٦ - باب ما يقُول عند الصَّباح والمَسَاء والمَنام (باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام) ١٧٠٥ - عن عبد الله ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أَمسَى قال: "أَمسَيْنا، وأَمسَى المُلكُ للهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله وحدَه لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ، ولهُ الحَمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ إنَّي أسألُكَ مِن خَيْرِ هذهِ الليلةِ وخَيْرِ ما فيها، وأَعُوذُ بكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فيها، اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ مِن الكَسَلِ، والهرَمِ، وسُوءِ الكِبْرِ، وفِتنْةِ الدُّنيا، وعَذابِ القَبْرِ"، وإذا أَصبَحَ قالَ ذلكَ أيضًا: "أصبحنا، وأصبَحَ الملكُ للهِ"، وفي روايةٍ: "ربِّ أعوذُ بكَ مِن عَذابٍ في النَّارِ، وعَذابٍ في القَبْرِ". "أمسينا وأمسى المُلك لله، والحمد لله"، و (الحمد لله) عطف على (أمسينا وأمسى الملك): إذا دخل في المساء وهو أول الليل، وأمسى: إذا صار؛ يعني: دخلنا في المساء، وصِرْنا نحن وجميع المُلك وجميع الحمد لله. قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكَسَل والهرَم وسوء الكِبَر"، (الكسل): عدم نهوض النفس إلى الخير، وقلة الرغبة فيه مع وجود الاستطاعة، فالعاجز

стр. 1264

معذور؛ لأنه لا استطاعة له، والكسلان غير معذور لوجود الاستطاعة له. و (الهرم) و (الكبر) - بفتح الباء -: طول العمر، وأعاذ النبيُّ ﷺ من الهرم وسُوءِ الكِبَر، والمراد بهما: طول العمر بحيث يصير الرجل خَرِفًا، وإن صار خرفًا يصير حقيرًا ذليلًا عند الناس، ويصير عاجزًا عن الحركة ويحتاج إلى معاونة الناس، وهو مَرَضٌ، بل أشدُّ الأمراض. قال الخطَّابي رحمة الله عليه: وروي "سوء الكِبْر" بسكون الباب، والأول أصح. هذه عبارته؛ يعني: الرواية الصحيحة "وسوء الكِبر" بفتح الباء لا بسكونها، ومن روى بسكون الباء: معناه التكبر، وهو مذموم أيضًا. قوله: "وإذا أصبح قال ذلك أيضًا"؛ يعني قال: (أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ... إلى قوله: من الهرم والكبر) إلا أنه أبدل الليلةَ باليوم فقال: (اللهم إني أسألك من خير هذا اليوم وخير ما فيه). قوله: "وفي رواية: رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر"؛ يعني: قرأ بعد قوله: (من الهرم والكبر): (رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر). * * * ١٧٠٦ - عن حُذيفةَ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِن اللَّيلِ وضَعَ يدَه تحتَ خدِّه، ثم يقول: "اللهمَّ باسمِكَ أَموتُ وأَحيا"، فإذا استَيْقَظَ قالَ: "الحمدُ للهِ الذي أَحيانا بعدَ ما أَماتَنا، وإليهِ النُّشورُ". قوله: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا"، قال الخَطَّابي: هذا مجاز؛ لأن الحياة غيرُ زائلة عند النوم، لكن جعل السكون عن الحركات وزوال القوة عند النوم بمنزلة الموت فقال: (بعدما أماتنا)؛ أي: رَدَّ علينا القوة والحركة بعد أن أزالهما مِنَّا بالنوم.

стр. 1265

"وإليه النشور"؛ أي: وإليه المآب والرجوع بعد الموت للحساب والجزاء يومَ القيامة. * * * ١٧٠٧ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا أَوَى أحدُكم إلى فِراشِهِ، فليَنْفُضْ فِراشَه بداخِلةِ إزارِه، فإنَّه لا يَدري ما خلَفَهُ عليهِ، ثم يقول: بِاسْمِكَ ربي وضَعتُ جَنْبي، وبكَ أرفعُهُ، إنْ أَمسكتَ نفْسي فارحَمْها، وإنْ أَرسلْتَها فَاحْفَظْها بما تَحفَظُ بهِ عِبَادَك الصَّالحين". وفي روايةٍ: "ثم لْيَضْطَجِعْ على شِقِّهِ الأَيمَنِ، ثم ليقل: باسمِكَ". وفي روايةٍ: "فليَنفُضْهُ بصَنِفَةِ ثَوبه ثلاثَ مرَّاتٍ، وليَقُلْ: إنْ أَمسكْتَ نفْسي فاغْفِر لَها". قوله: "إذا أوى"؛ أي: إذا دخل. "فلينفُضْ فراشه"؛ أي: فليحرِّكه ليسقُطَ ما فيه من ترابٍ وغيرِه، وإنما قال هذا لأنَّ رسم العرب تركُ الفراش في موضعه ليلًا ونهارًا. "بداخلة إزارِه"؛ أي: بالوجه الذي يلي الباطنَ من إزاره المشدودِ في وسطه وبذيل قميصه، وإنما قيَّد نفضَ الفراش بداخلة إزاره؛ لأنَّ الغالبَ في العرب إن لم يكن لهم إزارٌ أو ثوبٌ غيرُ ما عليهم، وإنما قيد نفض الفراش بداخلةِ الإزار؛ لأن هذا أيسر، ولكشف العورة أستر. قوله: "فإنه لا يدري ما خلفه عليه"، (خلفه): إذا قام مقامه بعده. "عليه"؛ أي: على الفراش؛ يعني: لا يدري ما وقع وحصل في فراشه بعدما خرج هو منه إلى أن يعودَ إليه؛ يعني: يمكن أن يكون في الفراش تراب أو قَذَاة أو شيء من الهَوامَّ المُؤْذِية.

стр. 1266

"فإن أمسكت نفسي"؛ أي: فإن قبضتَ روحي في النوم. "وإن أرسلتها"؛ أي: وإن رُددتُ إلى الحياة وأيقظتَني من النوم. "فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" من أهل الطاعة. قوله: "باسمك"؛ أي: يقول: "باسمك ربِّ وضعتُ جنبي .... " إلى آخر الدعاء. قوله: "بصَنِفة ثوبه"؛ أي: بطرف ثوبه. (الصَّنِفة): طرف الإزار الذي هَدَبٌ. قوله: "وإن أمسكت نفسي فاغفر لها"؛ يعني: إذا اضطجع يقول: "باسمك ... " إلى آخر الدعاء، إلا أنه يقول: "فإن أمسكتَ نفسي فأغفر لها" بدل قوله: "فارحمها". روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٧٠٨ - عن البَرَاء بن عازِبٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أَوَى إلى فِراشِه نامَ على شقَّه الأَيمنِ، ثم قال: "اللهم أَسلَمْتُ نفْسي إليكَ، ووَجَّهتُ وَجْهي إليكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إليكَ، وألجأْتُ ظَهْري إليكَ، رَغْبةً ورَهْبةً إلَيكَ، لا مَلْجَأَ، ولا مَنْجَا منكَ إلَّا إليكَ، آمنْتُ بكِتابكَ الذي أَنْزَلْتَ، وبنبيكَ الذي أَرسلتَ"، وقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن قالَهنَّ، ثم ماتَ تحتَ ليلَتِهِ ماتَ على الفِطْرةِ". وفي روايةٍ: قالَ رسولُ الله ﷺ لرجُلٍ: "إذا أويتَ إلى فِرَاشِكَ فَتوَضَّأ وُضُوءَك للصَّلاةِ، ثم اضْطَجِعْ على شقَّكَ الأَيمَنِ، ثم قلْ: اللهمَّ أسلَمْتُ نفْسي إليكَ - بهذا - وقال: "فإنْ مِتَّ مِنْ لَيلتِكَ مِتَّ على الفِطْرةِ، وإنْ أَصبْحَتَ أَصبْتَ خيرًا".

стр. 1267

قوله: "ثم قل: اللهم أسلمتُ نفسي إليك بهذا"؛ أي: ثم ادعُ بهذا الدعاء إلى أن تختم الدعاء. "الفطرة": الإسلام. * * * ١٧٠٩ - عن أنس ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أَوَى إلى فِراشِه قالَ: "الحَمْدُ للهِ أَطْعَمنا، وسَقانا، وكَفانا، وآوَانا، فكَمْ مِمَّن لا كافِيَ لهُ، ولا مُؤوِيَ له". قوله: "وكفانا"؛ أي: دفع عنَّا شرَّ المؤذيات، وحفظنا وهيَّأ أسبابنا. قوله: "وآوانا" بمد الهمزة؛ أي: جعل لنا مساكن، ورزقنا المساكن. قوله: "فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي"، (الكافي) و (المؤوي) هو الله؛ يعني: يكفي شر بعض الخلق عن بعض، ويهيئ لهم المأوى والمسكن؛ يعني: الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكم مِنْ خَلق الله لا يكفيهم الله شرَّ الأشرار، بل تَركَهم حتى غَلَبَ عليهم أعداؤهم، وكم مِنْ خلق لم يجعلِ الله لهم مأوى ومسكنًا، بل تركهم يتأذَّون في الصحارى في البرد والحر. * * * ١٧١٠ - وعن عليٍّ ﵁: أنَّ فاطِمَةَ أتَتِ النبيَّ ﷺ تَشْكُو إليهِ ما تَلْقَى في يَدِها مِن الرَّحا، وبَلَغها أنه جاءَهُ رَقيقٌ، فلم تُصادِفْه، فذكرَتْ ذلكَ لعائشةَ ﵂، فلمَّا جاءَ أخبرَتْه عائشةُ، قال: فجاءَنا وقد أَخَذْنا مَضاجِعَنا، فذهبنا نقُومُ، فقالَ: "على مَكانِكُما"، فجاءَ فقَعدَ بَيْني وبينَها، حتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِه على بَطْني، فقال: "ألا أدُلُّكُما على خَيرٍ مما سأَلتُما؟ إذا أخذْتُما مَضْجَعَكُما فسَبحا ثلاثًا وثلاثينَ، واحمَدا ثلاثًا وثلاثينَ، وكَبرا أربعًا وثلاثينَ، فهو خيرٌ لكُما مِن خادِمٍ".

стр. 1268

قوله: "ما تلقى في يدها من الرَّحى"؛ يعني: ما ترى وتجد من مشقة إدارة الرَّحى بيدها. قوله: "وبلغها"؛ أي: وبلغ فاطمةَ خبرُ حصول عَبيد من السَّبي عند رسول الله ﵇، فأتته لتسأله رقيقًا ليعينَها بالخدمة، فإنها تتأذى بتفرُّدها في خدمة أهل بيتها. "فلم تصادفه"؛ أي: فلم تجد فاطمةُ رسولَ الله ﵇. "فذكرت ذلك لعائشة"؛ يعني: فقالت فاطمة لعائشةَ: أخبري رسولَ الله ﵇ أني جئته لأسألَه رقيقًا. "فذهبنا نقوم"؛ أي: طَفِقْنا لنقوم من مضاجِعنا إلى خدمته. "فقال على مكانكما"؛ أي: فقال لهما رسول الله ﵇: كونا واثْبُتا على مكانكما ولا تقوما. "حتى وجدت برد قدمه على بطني"، هذا يدل على شيئين: أحدهما: أنهما كانا تحت لِحَاف واحد، والثاني: أن عليًا كان عُرْيانًا. "ألا أدلُّكما على خير مما سألتما"؛ أي: ممَّا طلبتما من رقيق، وهذا تحريض على الصبر على مشقة الدنيا ومكارِهها من الفقر والمرض وغير ذلك. * * * ١٧١٣ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ أبو بكرٍ: يا رسولَ الله!، مُرْني بشيءٍ أَقولُه إذا أصبحتُ وإذا أَمْسيتُ، قالَ: "قلْ: اللهمَّ عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، فاطِرَ السَّماواتِ والأَرضِ، رَبَّ كلِّ شيءٍ ومَلِيكَه، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أَنْتَ، أَعُوذُ بكَ مِن شرِّ نَفْسِي، ومِن شَرِّ الشَّيطانِ وشِرْكه، قُلْهُ إذا أصبحتَ، وإذا أمسَيْتَ، وإذا أَخَذْتَ مَضْجَعَك".

стр. 1269

قوله: "مليكه"، (المليك): القادر. * * * ١٧١٤ - وقال: "ما مِن عَبْدٍ يقولُ في صباحِ كلِّ يومٍ ومساءِ كلِّ ليلةٍ: باسم الله الذي لا يَضُرُّ مع اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ، ولا في السَّماءِ، وهو السميعُ العَليمُ، ثلاثَ مراتٍ، فيضرَّهُ شيءٌ". وفي روايةٍ: "لم تُصِبْه فَجْأةُ بلاءٍ حتى يُصْبحَ، ومَن قالَها حينَ يُصْبحُ لم تُصِبْه فَجأةُ بلاءٍ حتى يُمسِيَ". قوله: "لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء"؛ يعني: إذا ذكر الرجلُ اسمَه على طعام عن اعتقاد حَسَن ونية خالصة لا يضرُّه ذلك الطعامُ، ولو ذَكَر اسمَه على وجهِ عدُوٍّ لا يظفر عليه عَدُوُّه، وكذلك جميعُ الأشياء. روى هذا الحديثَ عثمان ﵁. * * * ١٧١٥ - وعن ابن عُمر ﵁ قال: لم يكُنْ رسولُ الله ﷺ يدَع هؤلاء الكلِمات حين يُمسي وحين يُصبحُ: "اللهمَّ إنَّي أسأَلُك العافيةَ في الدُّنيا والآخرة، اللهمَّ إنَّي أسألك العَفْوَ والعافيةَ في ديني ودُنيايَ وأهلي ومالي، اللهمَّ احفظْني من بين يديَّ ومِنْ خَلْفي، وعن يميني وعن شِمالي، ومنْ فوقي، اللهمَّ استُرْ عوراتي، وآمِنْ رَوعاتي، اللهم احفظْني مِن بين يديَّ ومِنْ خلْفي، وعن يميني وعن شمالي، ومِن فَوْقي، وأعوذُ بعظمتِكَ أنْ أُغتالَ مِنْ تحتي" يعني: الخَسْفَ. قوله: "ومن سوء الكفر"؛ أي: ومن شر الكفر، وذنب الكفر، وإثمه وشُؤمه. * * *

стр. 1270

١٧١٧ - وعن بعضِ بناتِ النبيِّ ﷺ : أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُعَلِّمُها فيقولُ: "قُولي حينَ تُصبحينَ: سبُحانَ الله وبحمدِه، لا قوةَ إلا بالله، ما شاءَ الله كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لم يَكُنْ، أَعلَمُ أنَّ الله على كلَّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ الله قد أَحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلْمًا، فإنَّه مَن قالَها حينَ يُصبحُ حُفِظَ حتى يُمْسِيَ، ومَن قالَها حينَ يُمسِي حُفِظَ حتى يُصبحَ". قوله: " ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ "؛ أي: نزِّهوه عما لا يليق بعظمته وكبريائه، وقولوا ما به تعظيمٌ له، وقيل: صلوات الله " ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ "؛ أي: صلاة المغرب والعشاء، " ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ": أي: صلاة الصبح. " ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ": أي: هو محمود عند أهل السماوات والأرض، وقيل: معناه: أنه يحمَدُه أهلُ السماوات وأهلُ الأرض. " ﴿وَعَشِيًّا﴾ "؛ أي: صلاة العصر. " ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ "؛ أي: حين تدخلون في وقت الظهر؛ يعني: صلاة الظهر. " ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ "؛ أي: الإنسان من النطفة، والدجاجَ من البيضة، والنخل من النَّواة، والمؤمن من الكافر. " ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ "؛ أي: النطفة من الإنسان، والبيضة من الدجاج، والنواة من النخل، والكافر من المؤمن. " ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ "؛ أي: يُخرج النبات منها بالمطر بعد يَبَسِها. " ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ "؛ أي: كإخراج الحي من الميت، وكإحياء الأرض بعد موتها، تُخرجون من قبوركم يومَ القيامة. قوله: "أدرك ما فاته في يومه ذلك"؛ يعني: يحصل ثواب ما فات

стр. 1271

منه من وِرْد وخير. * * * ١٧١٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن قالَ إذا أَصبحَ: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلَّ شيءٍ قديرٌ؛ كانَ لهُ عِدْلُ رقَبةٍ مِن ولدِ إِسْماعيلَ، وكُتِبَ لهُ عَشْرُ حسَنات، وحُطَّ عنه عشرُ سَيئاتٍ، ورُفِعَ له عَشْرُ درَجاتٍ، وكانَ في حِرْزٍ مِن الشَّيطانِ حتى يُمسِيَ، وإنْ قالَها إذا أَمسَى كانَ لهُ مِثْلُ ذلك حتى يُصْبحَ". قوله: "أسر إليه"، الإسرار والإعلان والإخفاء، وهو من الأضداد، وكلا المعنيين مُحتمل ها هنا. قوله: "اللهمَّ أجِرْني"، هذا أمر مخاطب مِنْ: أجار يُجير إِجارةً: إذا خَلَّصَ أحدًا مما يخاف. قوله: "كتب له جوار منها"، (الجوار): البراءة التي تكون مع الرجل في الطريق، حتى لا يمنَعه أحدٌ المرور، والمراد به ها هنا: أنه خلَّصه الله منها. * * * ١٧٢٠ - عن الحَارِث بن مُسلِم بن الحَارِث التَّميميِّ، عن أَبيه، عن رسول الله ﷺ : أنه أَسَرَّ إليهِ فقالَ: "إذا انصَرفْتَ مِن صلاةِ المَغربِ فقُلْ قبلَ أنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا: اللهمَّ أَجِرْني من النارِ سَبْعَ مرَّاتٍ، فإنَّكَ إذا قُلْتَ ذلكَ ثُم مِتَّ في ليلتِكَ كُتِبَ لكَ جِوَارٌ منها، وإذا صلَّيْتَ الصُّبحَ فَقُلْ كذلكَ، فإنك إذا مِتَّ في يَومِكَ كُتِبَ لكَ جِوَارٌ منها". قوله: "يَدَع"؛ أي: يترك. "استر عوراتي"؛ أي: ما فيَّ من العيوب والخَلَل والتقصير.

стр. 1272

"وآمن رَوعاتي"؛ أي: مما أخافه. (الروع): الخوف. "اللهمَّ احفظني من بين يدي ... " إلى آخر الكلمات؛ يعني: اللهم ادفعْ عنِّي المُؤْذيات والبلاء من الجوانب السِّتَّة. "أُغتال"؛ أي: أَهْلَك. * * * ١٧٢١ - وقال: "مَنْ قالَ حينَ يُصبحُ: اللهمَّ أَصبَحْنا نُشهِدُكَ ونُشهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وملائكَتَكَ وجَميعَ خَلْقِكَ: أنَكَ أنتَ الله، لا إلهَ إلا أنتَ، وَحْدَكَ لا شَريكَ لكَ، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُكَ ورسولُك، إلا غفَرَ الله لهُ ما أصابَهُ في يومِه ذلكَ مِن ذَنْبٍ، وإنْ قالَها حينَ يُمسي غفَرَ الله لهُ ما أَصابَ في تلكَ اللَّيلةِ مِن ذَنْبٍ"، غريب. قوله: "نشهدك"؛ أي: نجعلكَ شاهدًا على إقرارنا بوحدانيَّتك في الأُلوهية والرُّبوبية. روى هذا الحديثَ أنسٌ. * * * ١٧٢٢ - وقال: "ما مِن عَبْدٍ مُسلمٍ يقولُ إذا أَمسَى وإذا أَصبَحَ ثلاثًا: رَضيْتُ بالله ربًّا، وبالإسلامِ دِيْنًا، وبمُحمَّدٍ ﷺ نبَيًّا إلا كانَ حقًا على الله أنْ يُرضيَهُ يومَ القيامةِ". قوله: "كان على الله حقًا أن يُرضيه يومَ القيامة"، (حقًا) خبر (كان)، و (أن يُرضيه) اسم (كان)، والتقدير: كان إرضاؤه حقًا على الله يوم القيامة، وحقًا معناه: واجبًا، ولا يجب على الله تعالى شيءٌ إلا أنه إذا وَعَدَ بشيء، أو إذا

стр. 1273

قال شيئًا لا يُخْلِفُ وعدَه، فيكون كالواجب عليه، وإذا عَمِلَ عبدٌ عملًا صالحًا يعطيه ثوابَ عملِه تفضُّلًا ورحمةً منه، كمن يؤدِّي واجبًا. روى هذا الحديثَ ثَوبانُ مولى رسولِ الله ﵇. * * * ١٧٢٦ - وقال: "مَن قالَ حينَ يَأْوي إلى فِرَاشِه: أَستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هوَ الحيَّ القَيُّومَ، وأتوبُ إليه، ثلاثَ مرَّاتٍ؛ غَفَرَ الله له ذنُوبَه، وإنْ كانَتْ مِثْل زَبَدِ البحرِ، أو عَددَ رَمْلِ عالِجٍ، أو عددَ ورَقِ الشَّجَرِ، أو عددَ أيامِ الدُّنيا"، غريب. قوله: "أو عددَ رملِ عَالِج": اسم وادٍ بعيدِ الطُّول والعَرْض، كثيرِ الرَّمْل من أرض العرب. روى هذا الحديثَ أبو سعيد. * * * ١٧٢٧ - وقال: "ما مِن مُسلِمٍ يأخذُ مَضْجَعَهُ بقِراءةِ سُورةٍ مِن كتابِ الله إلا وكَّلَ الله به مَلَكًا، فلا يَقْرَبُهُ شَيءٌ يُؤْذيهِ، حتى يَهُبَّ متى هَبَّ". قوله: "حتى يهب"؛ أي: حتى يستيقظَ من النوم. روى الحديثَ شَدَّادُ بن أَوس. * * * ١٧٢٨ - عن عبد الله بن عَمْرٍو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَلَّتانِ لا يُحصِيهما - وفي روايةٍ: لا يُحافِظُ عليهما - رجُلٌ مُسلِمٌ إلا دَخَلَ الجنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسيرٌ، ومَنْ يَعملُ بهما قليلٌ: يُسَبحُ الله في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عَشْرًا، ويحمدُه

стр. 1274

عَشْرًا، ويُكبرُه عَشْرًا"، قال: فأَنا رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَعقِدُها بيدِهِ، قال: "فتلكَ خَمْسونَ ومائةٌ باللِّسانِ، وألفٌ وخَمْسمائةٍ في المِيزانِ، وإذا أَخَذ مَضْجَعَهُ يُسَبحُه ويحمدُه وبُكَبرُه مائةً". وفي روايةٍ: "يكبرُ أَربعًا وثلاثينَ، ويحمدُه ثلاثًا وثلاثينَ، ويسبحُ ثلاثًا وثلاثينَ، فتلكَ مائةٌ باللَّسانِ، وألفٌ في المِيْزانِ، فأَيُّكم يَعمَلُ في اليومِ واللَّيلةِ ألفَينِ وخمسمائةِ سَيئةٍ؟ " قالوا: فكيفَ لا نُحصِيْها؟ قال: "يأْتي الشَّيطانُ أَحَدَكم وهو في صَلاتِهِ فيقولُ: اذكُرْ كذا، اذْكُرْ كذا، حتى يَنفَتِلَ، فلَعَلَّهُ أنْ لَا يفعَلَ، ويأتيهِ في مضجَعِهِ فلا يَزالُ يُنَوِّمُهُ حتى ينامَ". قوله: "خُلَّتان"؛ أي: خصلتان. "لا يحصيهما"؛ أي: لا يعمل بهما، أراد بالخُلَّتين الذِّكر بهؤلاء الكلمات الثلاثِ خلفَ الصلواتِ المكتوبة، وعند الاضطجاع، فتلك خمسون ومئة باللسان؛ يعني: التسبيح عشر خلف الصلوات الخمس يكون خمسين، والتحميد مثله، والتكبير مثله، يكون المجموع مئة وخمسين. قوله: "وألف وخمس مئة في الميزان"؛ يعني: تكون الحسنة بعشر أمثالها، فالمئة تكون ألفًا، والخمسون تكون خمس مئة. قوله: "فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مئة سيئة"؛ يعني: إذا أتى بهؤلاء الكلمات خلف الصلوات وعند الاضطجاع يحصل له ألفا حسنةٍ وخمس مئة حسنة، فيعفى عنه بعدد كل حسنة سيئة، فأيكم يكون ذنبه في كل يوم وليلة ألفين وخمس مئة؛ يعني: يصير مغفورًا. قوله: "فيقول اذكر كذا"؛ يعني: يوقع الشيطان في قلبه الوساوس والنسيان والأشغال الدنيوية.

стр. 1275

"حتى ينفتل"؛ أي: ينصرف ويفرُغ من صلاته، فينسى هذا الذكر فلا يأتي به. قوله: "ينوَّمه"؛ أي: يلقي النوم عليه حتى ينام، فلا يأتي بهذا الذكر. * * * ١٧٢٩ - عن عبد الله بن غَنَّام: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن قالَ حينَ يُصبحُ: اللهمَّ ما أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وحْدَكَ لَا شَريكَ لك، فَلَكَ الحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكرُ، فقد أَدَّى شُكْرَ يَومِهِ، ومَن قالَ مثلَ ذلكَ حينَ يُمسي فقد أدَّى شُكْرَ لَيلَتِهِ". قوله: "ما أصبح بي من نعمة"؛ أي: ما حصل لي من نعمة، أو حصلت لأحد من جميع المخلوقات، فهو منك وشاكرك عليه. * * * ١٧٣٠ - عن أبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : أنه كانَ يقولُ إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ: "اللهمَّ ربَّ السَّماواتِ، وربَّ الأرضِ، وربَّ كلِّ شيءٍ، فالِقَ الحَبَّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوراةِ والإِنْجيلِ والقُرْآن، أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ كلِّ ذي شرًّ أنتَ آخِذٌ بناصيتها، أنتَ الأَوَّلُ فليسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدَك شيءٌ، وأنت الظَّاهِرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ، اقْضِ عني الدَّيْنَ، وأَعِذْنِي مِنَ الفَقْرِ". قوله: "فالق الحَبِّ والنَّوى"، (الفلق): الشق، و (النوى): جمع نواة، وهي عَظْم النخل؛ يعني: يا من شَقَّ الحَبَّ والنَّوى، فأخرجَ منها الزرع والنخيل.

стр. 1276

قوله: "أنت آخذٌ بناصيته"، هذا عبارة عن القدرة والغَلَبة؛ يعني: أعوذ بك من شرِّ كلِّ شيء أنت قادر عليه؛ أي: من شر جميع الأشياء؛ لأن الله تعالى قادر على جميع الأشياء، وإنما كنَّى عن القدرة بقوله: (أنت آخذ بناصيته)؛ لأنَّ مَنْ أخذ بناصية أحد، فقد قَهَره وقَدَر عليه غايةَ القدرة. * * * ١٧٣١ - عن أبي الأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أخذَ مَضْجَعَهُ من اللَّيلِ قال: "بسمِ الله وضعتُ جَنْبي، اللهمَّ اغفرْ لى ذَنْبي، واخْسَأْ شَيْطاني، وفُكَّ رِهَاني، وثَقِّلْ مِيْزاني، واجعَلْني في النَّدِيِّ الأَعلَى". قوله: "اخسأ شيطاني": أي: أبعد شيطاني. "وفك رهاني": أمر مخاطب من الفك وهو تخليص الرهن عن يد المرتهن. (الرهان): جمع رهن، والرهن: هو المال المحبوس عند المرتهن في حقه؛ يعني: خلص رقبتي عن حقوق الآدميين، وعن حقوقك يا ربَّ، وعن الذنوب. "واجعلني في النَّدِيِّ الأعلى"، (النَّديَّ): المجلس، والمراد به: أهل الندي الأعلى، وهم الملائكة، والندي الأعلى: السماوات؛ يعني: واجعلني مع الملائكة، ويُروى لا من الطريق هذا الكتاب: "في النداء الأعلى"، والمراد به: نداء أهلِ الجنةِ أهلَ النار في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]. والنداء الأسفل: نداء أهل النار أهلَ الجنة في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].

стр. 1277

وأراد به في هذه الرواية: أن يجعله الله من أهل الجنة مع الأنبياء. روى هذا الحديثَ أبو الأزهر الأَنْماري. * * * ١٧٣٣ - عن بُرَيْدَة ﵁ قال: شَكَا خالدُ بن الوليدِ إلى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله!، ما أَنامُ اللَّيلَ مِن الأَرَقِ، فقال النبيُّ ﷺ : إذا أَوَيتَ إلى فِراشِكَ فقلْ: "اللهمَّ ربَّ السَّماوَاتِ السَّبْع وما أَظَلَّتْ، وربَّ الأرضَيْنَ وما أَقَلَّتْ، وربَّ الشَّياطينِ وما أَضَلَّتْ، كُنْ لي جارًا مِنْ شرِّ خَلْقِكَ كُلَّهم جميعًا، أنْ يَفْرُطَ عليَّ أحدٌ منهم، أو أنْ يَبغِيَ، عزَّ جارُك، وجلَّ ثَنَاؤُكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ، لا إله إلَّا أنتَ"، ضعيف. قوله: "ما أنام الليل من الأَرَق"، و (الأرق): مفارقة النوم الرجل من وسوسة أو حزن أو غير ذلك. قوله: "وما أظلت"؛ أي: ما أوقعت السماوات ظلَّهن عليه. قوله: "وما أقلت"؛ أي: وما رفعته الأرضون؛ أي: ما خلق على الأرضين. قوله: "وما أضلت"؛ أي: وما أضلهم الشياطين من الإنس والجن، ومن وسوسة الشياطين في صدورهم. "كن لي جارًا"؛ أي: حافظًا. "أن يفرط عليَّ أحدٌ منهم، أو أن يبغي"، (الفَرَط): الإسراع، ويعدى بـ (على)، يقال: فَرَط عليه: إذا قصده مسرعًا. وبغى يبغي: إذا ظلم؛ يعني: احفظني أن يسرع عليَّ أحدٌ من خلقك

стр. 1278

بالإيذاء، أو أن يظلِمَني. "عز جارك"؛ أي: مَنِ التجأ إليك صار عزيزًا محفوظًا عن شر الأشرار. * * * ٧ - باب الدَّعَوَاتِ في الأَوْقاتِ (باب الدعوات في الأوقات) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٧٣٤ - قال النبيُّ ﷺ : "لو أنَّ أَحَدَهُمْ إذا أرادَ أنْ يأتيَ أهلَه قال: بسمِ الله، اللهمَّ جَنِّبنا الشيطانَ، وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتَنَا، فإنه إنْ يُقَدَّر يينَهما ولدٌ في ذلك لم يَضُرَّهُ شيطانٌ أبدًا". "إذا أراد أن يأتي أهله"؛ أي: إذا أراد أن يجامع زوجته. روى هذا الحديث ابن عباس. * * * ١٧٣٥ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ عندَ الكَرْبِ: "لا إله إلا الله العَظيمُ الحَليمُ، لا إلة إلا الله ربُّ العَرْشِ العَظيمُ، لا إلهَ إلا الله ربُّ السَماواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ". قوله: "عند الكرب:"؛ أي: عند الغم. "لا إله إلا الله العظيم الحليم ... " إلى آخره، وهذا الذكر في وقت الغم إعلام بأنه لا يقدِرُ أحدٌ أن يُزيل الغمَّ إلا الله. * * *

стр. 1279

١٧٣٦ - عن سُليمان بن صُرَد أنه قال: استَبَّ رجُلانِ وأَحدُهما يسُبُّ صاحبَه مُغْضَبًا قد احمَرَّ وَجْهُه، فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي لأَعلَمُ كلمةً لو قالَها لَذَهَبَ عنهُ ما يَجِدُ: أَعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرجيم". قوله: "استب رجلان"؛ أي: يسبُّ أحدُهما الآخر؛ أي: يشتُمه. قوله: "لذهب عنه ما يجد" من الغضب. روى هذا الحديث سليمان بن صُرَد. * * * ١٧٣٧ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا سمِعْتُم صياحَ الدِّيَكةِ فسَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ، فإنَّها رأَتْ مَلَكًا، واذا سَمِعتُم نَهيقَ الحِمارِ فتعوَّذوا بالله مِن الشَّيطانِ الرَّجيمِ، فإنَّها رأَتْ شيطانًا". قوله: "إذا سمعتم صياح الديكة ... " إلى آخره. (الديكة): جمع الديك. هذا الحديث يدلُّ على نزولِ الرحمة والبركة عند مرور أهل الصلاح؛ فيستحب عند ذلك طلب الرحمة والبركة من الله الكريم، ونزولِ الغضب والعذاب على أهل الكفر فيستحب الإعاذة عند مرورهم خوفَ أن يصيبَه شؤمُهم. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٧٣٨ - عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا استَوَى على بَعيرِهِ خارِجًا إلى السفَرِ كبَّرَ ثلاثًا، ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، اللهمَّ إنَّا نسأَلُكَ في سَفَرِنَا هذا البرَّ والتَّقَوْى،

стр. 1280

ومِنَ العمَلِ ما تَرْضَى، اللهمَّ هَوِّنْ علَينا سفَرَنا هذا، واطْوِ لَنَا بعدَه، اللهمَّ أنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَليفَةُ في الأهلِ، اللهمَّ إني أَعُوذُ بكَ مِن وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكآبَةِ المَنْظَرِ، وسُوءِ المُنْقَلَبِ في المالِ والأهلِ"، وإذا رجَعَ قالَهُنَّ، وَزَادَ فيهنَّ: "آيبونَ تائبُونَ عابدُونَ لربنا حامِدُونَ". قوله: " ﴿كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ "، (الإقران): الإطاقة؛ يعني: لا طاقة لنا ولا قوة لنا بركوب الدواب لولا تسخير الله إيَّاها لنا، فنسبحه ونحمَدُه على مِنَّة النعمة، كما نسبحه ونحمده على سائر النعم. قوله: "واطو لنا بُعْدَهُ"، طوى يطوي: إذا لَفَّ الثوب وغيره؛ يعني: قَرِّبْ لنا بُعْدَ هذا السفر. "أنت الصاحب في السفر"؛ أي: أنت حافظنا ومُعيننا في السفر. "والخليفة في الأهل"، (الخليفة): من يقوم مقام أحد في إصلاح أموره؛ يعني: أنت الذي تصلح أمورنا في أوطاننا، وتحفظ أهل بيوتنا في غَيبتنا. "الوَعْثاء": المشقة. "وكآبة المنظر، وسوء المُنقلب": في المال والأهل، وتقدير هذا: وكآبة المنظر في المال والأهل وسوء المنقلب في المال والأهل. (الكآبة): الغم، (المنظر): النظر، (المُنْقلب): الرجوع؛ يعني: نعوذ بك من أن يصيبنا غَمٌّ بسبب أن نرى في أهلنا وأموالنا مكروهًا بتلف بعضهم أو مرضهم وغير ذلك من المكاره، ونعوذ بك من سوء المنقلب إلى الأهل بأن يصيبنا خسرانٌ في سفرنا، أو يصيبنا مرض وموت في طريقنا عند رجوعنا إلى أهلينا. قوله: "قالهن"؛ يعني قال: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر ... " إلى قوله: "في المال والأهل"، وزاد على هذه الكلمات:

стр. 1281

"آيبون"؛ أي: نحن آيبون؛ أي: راجعون من السفر بالسلامة، ونحن "تائبون" إلى ربنا، ونحن (عابدون) ربنا، و"لربنا حامدون" على هذه النعم. * * * ١٧٣٩ - عن عبد الله بن سَرجِس ﵁ أنه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا سافرَ يَتَعَوَّذُ مِن وَعْثاءِ السَّفَر، وكآبَةِ المُنْقَلَبِ، والحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ، ودَعوةِ المَظلومِ، وسُوءِ المَنْظرِ في الأَهل والمالِ. قوله: "والحَور بعد الكَور"، (الحور): النقصان، (والكور): الزيادة؛ أي: نعوذ بك من نقصان الحال والمال بعد زيادتها وتمامها؛ أي: من أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء، ومن الصحة إلى المرض. * * * ١٧٤٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن نزلَ مَنزلًا، ثم قال: أعوذُ بكَلِماتِ الله التامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ، لم يَضُرَّه شَيءٌ حتَّى يرتَحِلَ من مَنْزلِهِ ذلك". "أعوذ بكلمات الله التامات"؛ أي: بأسمائه وصفاته؛ لأن كل واحد من أسمائه وصفاته تام لا نقص فيه؛ لأنها قديمة، والنقصان إنما يكون في المُحْدَثات لا في القديم. روت هذا الحديثَ خولة بنت حكيم. * * * ١٧٤١ - وقال أَبو هُريرةَ ﵁: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله!، ما لَقِيْتُ من عَقْربٍ لَدَغَتْنِي البارحةَ!، قال: "أمَا لو قلتَ حينَ أَمسَيْتَ: أَعُوذُ بكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خلَقَ؛ لم تَضُرَّك".

стр. 1282

قوله: "ما لقيت": (ما) ها هنا للاستفهام؛ بمعنى التعظيم؛ أي: لقيت شدة عظيمة من لَدْغ عقرب. * * * ١٧٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا كانَ في سَفَرٍ وأَسْحَرَ يقولُ: "سَمعَ سامِعٌ بحمدَ الله وحُسْنِ بَلائِه علَينا، رَبنا صاحِبنا، وأَفْضلْ عَلَينا، عائذًا بالله من النَّارِ". قوله: "أن النبي ﵇ إذا كان في سفر وأسحر يقول: سمع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا ربنا صاحبنا، وأفضل علينا عائذًا بالله من النار". (أسحر): إذا دخل في وقت السحر. قال في "كتاب الغيث": معنى (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه)؛ أي: شهد شاهد، وحقيقتُه: ليسمع السامع، وليشهد الشاهد على حمدنا لله على نعمه. هذه عبارته. البلاء ها هنا النعمة، الواو في (وحسن بلائه) عطف على (بحمد الله)، واللام في (ليسمع السامع وليشهد الشاهد) لام الأمر؛ يعني: ليسمع وليشهد من يسمع أصواتنا بحمد الله تعالى، وباعترافنا على حسن نعمه علينا، وبأنه هو المنعم المتفضل علينا. قوله: "ربنا صاحبنا"؛ يعني: يا ربنا! كن معنا بالحفظ والنصرة. قوله: "عائذًا"؛ أي نحمَدُك ونسبحك في حال كوننا عائذين بك من النار. * * * ١٧٤٣ - وقال ابن عُمر: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قفَلَ من غَزْوٍ أو حَجٍ أو عُمْرة يُكَبرُ على كلِّ شَرَفٍ من الأَرضِ ثلاثَ تكبيراتٍ، ثم يقولُ: "لا إلهَ إلا

стр. 1283

الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهُوَ على كل شيءٍ قديرٌ، آيبُونَ تائبُونَ عابدُونَ ساجِدُونَ، لِرَبنا حامِدُونَ، صدَقَ الله وَعْدَهُ، ونصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَم الأَحزابَ وَحْدَه". قوله: "قفل"؛ أي: رجع على كل شَرَف؛ أي: كل موضع مرتفع. "آيبون"؛ أي: نحن آيبون؛ أي: راجعون من السفر إلى أوطاننا، وكذلك تقدير ما بعده. * * * ١٧٤٥ - قال عبد الله بن بُسر: نَزَلَ رسولُ الله ﷺ على أَبي، فَقَرَّبنا إليهِ طَعامًا ووَطْيةً، فأكلَ منها، ثمَّ أُتِيَ بتَمْرٍ، فكانَ يأكُلُه، ويُلْقِي النَّوَى بينَ أُصبَعَيْهِ ويجمعُ السَّبابَةَ والوُسْطَى، وفي روايةٍ: فجَعَل يُلْقي النَّوَى على ظَهْرِ أُصبعَيْهِ السَّبابة والوُسطَى، ثم أُتِيَ بشَرابٍ، فَشَرِبَهُ، فقال أَبي - وأخَذَ بِلِجامِ دابَّتِهِ -: ادْعُ الله لنا، فقال: "اللهمَّ بارِكْ لهم فيما رزقْتَهم، واغفر لهم، وارْحمْهم". قوله: "طعامًا ووطيئة"، قال صاحب "المغيث": الناس يروون هذا اللفظ (وطبة) بالباء المنقوطة تحتها بنقطة، وهذا تصحيف، وإنما هي (وطيئة) بوزن وثيقة. قال الجبان: هي طعام من التمر كالحيس، سميت بذلك؛ لأنه يوطئ باليد؛ أي: يضرب ويدلك، و (وطيئة) ها هنا صفة لقوله (طعامًا). "فجعل يلقي"؛ أي: فطَفِق يُسْقِط نوى التمر بظهر إصبعيه؛ أي: يضعها من فيه على ظهر إصبعيه السبابة والوسطى ثم يلقيها.

стр. 1284

مِنَ الحِسَان: ١٧٤٦ - عن طَلْحة بن عُبيد الله ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رأَى الهلالَ قال: "اللهمَّ أَهِلَّهُ علينا بالأمنِ والإِيمانِ، والسَّلامةِ والإِسلامِ، ربي ورَبُّكَ الله"، غريب. قوله: "أهِلَّه"؛ أي: أطْلِعْه وأخرجه من مطلعه. "علينا بالأمن والإيمان" هذه الباء يحتمل أن تكون باء السبب؛ أي: واجعله سبب أمن وإيمان، وأراد بالإيمان ها هنا: ثبات الإيمان ودوامه، ويحتمل أن تكون باء المصاحبة والمعية؛ أي: أهلَّه علينا مع الأمن ودوام الإيمان؛ أي: اجعله مصاحبًا للأمن علينا. * * * ١٧٤٧ - عن عبد الله بن عُمر، عن أَبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن رجُلٍ رأى مُبتَلًى فقال: الحمدُ لله الذي عافَاني ممَّا ابتلاكَ بهِ، وفضَّلنِي على كثيرٍ ممَّن خَلَقَ تَفْضيلًا إلَّا لم يُصِبْهُ ذلكَ البلاءُ كائنًا ما كان"، غريب. قوله: "كائنًا ما كان"، (كائنًا): نصب على الحال؛ أي: في حال ثباته وبقائه، ما كان؛ أي: (ما كان) باقيًا في الدنيا. * * * ١٧٤٩ - عن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن جلَسَ مَجلِسًا فكثُرَ فيهِ لَغَطُهُ، فقالَ قبلَ أنْ يقُومَ: سُبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ، أستغفِرُكَ، وأتوبُ إليك إلَّا غُفِرَ لهُ ما كانَ في مَجْلسِهِ ذلك". قوله: "فكثُر فيه لَغَطُه"، (اللغط): الصوت؛ يعني: تكلم بما فيه إثم،

стр. 1285

مما لم يكن غيبة إنسان أو بهتانًا. * * * ١٧٥١ - وعن ابن عُمَرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ إذا ودَّعَ رجلًا أَخَذَ بيدِهِ، فلا يَدَعها حتى يكونَ الرَّجلُ هُوَ يدَعُ يدَ النبيَّ ﷺ ، وَيَقُولُ: "أَستَودِعُ الله دِينَكَ، وَأَمانَتَكَ، وَآخِرَ عَمَلِك"، وفي روايةٍ: "وخَواتِيمَ عَمَلِكَ". قوله: "فلا يدعها"؛ أي: فلا يترك رسولُ الله ﵇ يَد ذلك الرجلِ من غاية التواضع حتى يترك ذاك الرجلُ يدَ رسول الله ﵇. قوله: "أستودع الله دينك وأمانتك وآخر عملك"، (الاستيداع): طلب حفظ الوديعة من أحد؛ يعني: أسأل الله أن يحفظ دينك وأمانتك وآخر عملك حتى يَختِم عملك بالخير؛ أي: حتى تموت بالإيمان والعمل الصالح. * * * ١٧٥٣ - وعن أنَسٍ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله!، إني أُريدُ سَفَرًا، فَزَوِّذنِي، فقال: "زَوَّدَكَ الله التَّقوى"، قال: زِذني، قال: "وغفرَ ذنبَكَ"، قال: زِدنِي بأَبي أنتَ وَأُمَّي، قال: "ويَسَّرَ لك الخَيْرَ حيثُما كُنْتَ"، غريب. قوله: "فزودني"، هذا أمر مخاطبة من التزويد، وهو إعطاء الزاد؛ يعني به ها هنا: أودع لي. * * * ١٧٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا سافَرَ، فأقبلَ الليلُ؛ قال: "يا أَرضُ، ربي وربُّكِ الله، أَعوذُ بالله مِن شَرَّكِ، وشرَّ ما فيكِ،

стр. 1286

وشَرِّ ما خُلِقَ فيكِ، وشرِّ ما يَدِبُّ علَيكِ، وأَعوذُ بالله مِن أسدٍ وأَسْوَدَ، ومِن الحَيَّةِ والعَقْربِ، ومِن ساكنِ البلَدِ، ومِن والدٍ وما ولَدَ". قوله: "يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ... " إلى آخره. يعني: إذا كان خالقي وخالقُك هو الله تعالى، فهو المستحق أن نلتجئ إليه، ونعوذ به من شر المُؤذيات، (من شرك): أراد من الخسف ومن السُّقوط عن موضع مرتفع. قوله: "ومن شر ما فيك"؛ أي: من شر ما فيك من الضُرِّ بأن يخرج منك ماء فيهلك أحدًا، أو يخرج نبات فيصيب أحدًا ضررٌ من أكله، أو تخرج أعضاء أحد بشرك. "ومن شر ما خلق فيك"؛ أي: ومن شر حيوان مؤذٍ في بطنك. قوله: "ومن شر ما يَدِب"؛ أي: من شر ما يمشي على ظهرك من الحيوانات. قوله: "وأسود، ومن الحية والعقرب"، أراد بالأسود: الحية الكبيرة السوداء، وأراد بالحية: كل حية غير الأسود، وأراد بساكن البلد: الجن، البلد: كل موضع بلد فيه حيوان؛ أي: أقام فيه حيوان وإن لم يكن هناك عمارة، وأراد بـ (الوالد): إبليس عليه اللعنة، (وما ولد): الشياطين. * * * ١٧٥٦ - عن أنَسٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا غَزا قال: "اللهمَّ أنتَ عَضُدِي ونصَيْري، بكَ أَحُولُ، وبك أَصُولُ، وبك أُقاتِلُ". قوله: "أنت عضدي ونصيري"، (العضد): القوة والمعين؛ يعني: أنت قوتي وناصري.

стр. 1287

"بك أحول وبك أصول"، (الحول): الفرق بين شيئين، والحول: التردُّد أيضًا. و (الصول): الحملة على العدو؛ يعني: بقوتك ونصرتك إياي أفرق بين الحق والباطل، والكفر والإسلام، وأتردد وأحمل على الكفار. * * * ١٧٥٧ - وعن أَبي مُوسَى ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا خافَ قومًا قال: "اللهمَّ إنَّا نجعلُكَ في نُحورِهم، ونَعوذُ بِك من شُرورِهم" قوله: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم"، (النحور): جمع نحر، وهو الصدر؛ يعني: اللهم إنا نجعلك في إزاء أعدائنا حتى تدفعهم عنا، فإنه لا حول ولا قوة لنا، بل القوة والقدرة لك. * * * ١٧٥٨ - عن أُم سلمة ﵂: أنَّ النبي ﷺ كانَ أذا خرجَ من بيتِهِ قال: "بسمِ الله، توكَّلْتُ على الله، اللهمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ نَزِلَّ أو نضَلَّ، أو نظْلِمَ، أو نُظْلَمَ، أو نَجْهلَ أو يُجْهَلَ علينا"، صحيح. وفي روايةٍ: قالتْ أُم سلَمة ﵂: ما خرَجَ رسولُ الله ﷺ مِن بيتي قَطُّ إلَّا رَفَعَ طَرفَهُ إلى السَّماء فقال: "اللهمَّ إنِّي أَعوذُ بكَ مِنْ أنْ أَضلَّ أو أُضَلُّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ". قوله: "أو نجهل"، (الجهل): نقيض العلم؛ يعني: أو نجهل أمور الدين، أو معرفة الله، أو حقوق الله وحقوق الناس، أو نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء، وإيصالِ الضرر إليهم.

стр. 1288

قوله: "أو يجهل علينا"؛ يعني: أو يفعل الناس بنا فعل الجهال من إيصال الضرر إلينا. * * * ١٧٦٢ - عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا تَزَوَّجَ أحدُكم امرأةً أو اشتَرى خادِمًا فليقلْ: اللهمَّ إنَّي أسألُكَ خيرَها وخَيْرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأعوذُ بكَ مِنْ شرِّها، ومِنْ شرِّ ما جَبَلْتَها عليهِ، وإذا اشترى بَعيرًا فلْيَأْخذْ بِذِروةِ سَنامِهِ وليقلْ مثلَ ذلك". ويُروى في المَرأةِ والخادمِ: "ثمَّ لْيَأْخُذْ بناصِيَتِها، وليدْعُ بالبَرَكَةِ". قوله: "جبلتها": خلقتها. "بذروة سنامه"؛ أي: بأعلى سنامه. * * * ١٧٦٣ - عن جابرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا سَمِعتُم نُبَاحَ الكِلابِ ونَهِيْقَ الحَمِيْرِ بالليلِ فتعَوَّذُوا بالله من الشيطانِ، فإنَّهنَّ يَرَيْنَ ما لا تَرَوْنَ"، صحيح. قوله: "فإنهن يَرين ما لا ترون"؛ أي: فإنهن يرين إبليس والشياطين والجن وأنتم لا ترونهم، فإذا سمعتم أصواتهن فتعوَّذوا بالله من الشيطان الرجيم حتى يحفظكم الله من شر ما يرين. * * * ١٧٦٤ - عن أبي بَكْرَة، عن رسولِ الله ﷺ قال: "دَعَواتُ المَكْروبِ: اللهمَّ رحمتَكَ أَرجُو، فلا تَكِلْنِي إلى نفْسي طَرفَةَ عَيْنٍ، وأَصلِح لي شَأْني كلَّهُ، لا إلهَ إلا أنتَ".

стр. 1289

"دعوات المكروب"، (المكروب): المحزون، أراد بالدعوات: الكلمات التي يدعو بهنَّ مَنْ أصابه غمٌّ لينفرج غمُّه. "فلا تكلني إلى نفسي"، وَكَل يَكِل: إذا فوَّض أمره إلى أحد؛ يعني: احفَظني عن الآفات والمؤذيات، واقضِ حوائجي، ولا تتركني إلى نفسي لحظة؛ فإن نفسي أشد عداوةً لي من جميع الأعداء، وإن نفسي عاجزة لا تقدِر على قضاء حاجتي. * * * ١٧٦٥ - عن أبي سَعيد الخُدْري ﵁ قال: قَالَ رجلٌ: همومٌ لَزِمَتنيِ وديونٌ يا رسولَ الله؟ قال: "أفلا أُعَلِّمُكَ كلامًا إذا قُلْتَه أَذْهَبَ الله هَمَّكَ، وقَضَى عَنْكَ دينَكَ؟ قال: قلتُ: بلىَ، قال: "قل إذا أَصبَحتَ وإذا أَمسَيْتَ: اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ من الهَمِّ والحَزَنِ، وأعوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وأَعوذُ بك من الجُبن والبُخْلِ، وأَعوذُ بكَ مِنْ غَلبةِ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجالِ"، قال: ففعلْتُ ذلك، فأذهَبَ الله هَمِّي، وقَضَى عني دَيْنِي. قوله: "هموم لزمتني وديون"؛ أي: هموم وديون لزمتني. (الهموم): جمع هم، وهو الحزن. * * * ١٧٦٦ - وعن عليًّ ﵁: جاءَهُ مكاتَبٌ فقال: إنَّي قد عَجزْتُ عن كِتَابتي، فَأَعِنِّي، قال: ألا أُعَلَّمُكَ كلِماتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رسول الله ﷺ ، لو كَانَ عليكَ مثْلُ جبَلٍ كبيرٍ دَينًا أدَّاه الله عنكَ؟ قل: "اللهمَّ اكفِني بحَلالِكَ عن حَرامِك، وأَغنِنِي بفَضْلِكَ عمَّن سِواكَ". قوله: "عَجَزْت عن كتابتي"، (الكتابة): المال الذي كاتب به السيد عبده؛

стр. 1290

يعني: بَلَغَ وقتُ أداءِ الكتابة، وليس لي مالٌ. * * * ١٧٥٩ - عن أنَسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قال إذا خرَجَ من بيتِهِ: بسمِ الله توكَّلتُ على الله، ولا حَوْلَ ولا قوةَ إلا بالله العَليَّ العظيم؛ يُقالُ له: هُدِيتَ، ووُقيتَ، وكُفِيتَ، فَيتنحَّى عنه الشَّيطان، ويقولُ شيطانٌ آخَرُ: كيفَ لكَ برجُلٍ هُدِيَ، وكُفِيَ، ووُقِيَ". قوله: "فيقال له هديت"؛ أي: فينادي مَلَك: يا عبد الله! فإذا ذكرت اسم الله فقد هُديت؛ أي: رزقت إصابة الحق ووجدان الطريق المستقيم، ويسَّرَ لك أمورك. "وكفيت"؛ أي: ودفع عنك همك. "ووقيت"؛ أي: حُفِظت من شر أعدائك من الشيطان. "فيتنحى عنه الشيطان"؛ أي: يبتعد عنه إبليس عليه اللعنة، ويحتمل أن يريد بالشيطان ها هنا: شيطانه الموكل عليه. "ويقول شيطان آخر: كيف لك برجل هدي"؛ يعني: يقول شيطان آخر للشيطان الموكَّل على قائل هذه الكلمات: كيف تقدر على إضلال هذا الرجل؛ فإنه حُفِظَ من شر الشياطين ببركة اسم الله تعالى؟! * * * ١٧٦١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رَفَّأ الإنسان إذا تزوَّجَ قال: "باركَ الله لك، وباركَ عَليكَ، وجمَعَ بينَكما في خَيْرٍ". قوله: "إذا رفأ": إذا تزوج.

стр. 1291

(الترفئة) - مهموز اللام -: التهنئة، وهي أن يدعو لمن تزوج امرأة. * * * ٨ - باب الاستِعاذَة (باب الاستعاذة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٧٦٧ - عن أبي هُريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "تَعَوَّذوا بالله مِن جَهْدِ البَلاءَ، ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسوءِ القَضاءِ، وشَماتَةِ الأَعداءِ". "من الصحاح". قوله: "من جهد البلاء"، (الجهد) - بفتح الجيم -: بمعنى المشقة. قوله: "ودرك الشقاء"، (الدرك): واحد دَرَكات جهنم، والشقاء بمعنى الشَّقاوة؛ يعني: ونعوذ بك من موضع أهل الشقاوة وهو جهنم، أو من موضع يحصُل لنا فيه شقاق، والدَّرَك بمعنى: الإدراك أيضًا، وهو وجدان الشيء، وبلوغ شيء إلى شيء أو إلى مكان، فعلى هذا يكون معناه: ونعوذ بك من أنْ تبلغَنا الشقاوةُ. قوله: "وسوء القضاء"، هذا مِثْلُ قوله: "وقنا شر ما قضيت". "وشماتة الأعداء"؛ أي: نعوذ بك من أن تلحقنا مصيبةٌ في ديننا أو دنيانا يفرَحُ بها أعداؤنا. * * * ١٧٦٨ - وقال أنَسٌ ﵁: كان النبيُّ ﷺ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ مِن الهَمِّ

стр. 1292

والحَزَنِ، والعَجْزِ والكسلِ، والجُبن والبخلِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وغَلَبَةِ الرِّجالِ". قوله: "ضَلَع الدَّين"؛ أي: ثِقَل الدَّين. * * * ١٧٦٩ - وعن عائشة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يقولُ: "اللهمَّ إنِّي أَعُوذُ بك مِن الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَغْرَمِ والمَأْثَمِ، اللهمَّ إنَّي أَعُوذُ بكَ مِن عَذابِ النارِ، وفتنةِ النارِ، وفِتْنةِ القَبْرِ، وعذابِ القَبْرِ، وشرِّ فِتْنةِ الغِنَى، وشرِّ فِتنةِ الفَقْرِ، ومن شرَّ فِتْنةِ المَسِيْحِ الدَّجَّالِ، اللهمَّ اغسلْ خَطايايَ بِماء الثَّلْجِ والبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبي كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْني وبَيْنَ خَطايَايَ كما باعدْتَ بينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ". قوله: "والمغرم"، (المغرم): الغرامة، وهو وجوب خسران، أو نقصان مال، ولزوم دين على أحد. "المأثم": الإثم. "وفتنة النار" (الفتنة): التحريق؛ أي: من أن تحرقني النار. "وفتنة القبر"؛ أي: ومن التحيُّر في جواب المنكر والنكير. "وشر فتنة الغنى"، (الفتنة) هنا: الامتحان والبلاء؛ أي: ومن بلاء الغنى وبلاء الفقر؛ أي: ومن الغنى والفقر الذي يكون بلاء ومشقة، ومن أن يحصل منا شر إذا امتحَنَ الله إيَّانا بالغنى والفقر، بأن لا نؤدَّي حقوق الأموال، ونتكبر بسبب الغنى، وبأن لا نصبرَ على الفقر. * * * ١٧٧٠ - وعن زيد بن أَرقَم ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: "اللهمَّ

стр. 1293

إني أعوذُ بكَ من العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبن والبُخلِ والهَرَمِ، وعذابِ القبرِ، اللهمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكَّها أنتَ خيرُ مَنْ زكَّاها، أنت وَلِيُّها ومَوْلَاها، اللهمَّ إني أَعوذُ بِكَ من عِلْمٍ لا ينفَعُ، ومِن قلْبٍ لا يَخْشَعُ، ومِن نفسٍ لا تَشْبَعُ، ومِن دَعْوةٍ لا يُسْتجاب لها". قوله: "والجبن والبخل والهرم"، (الجبن): هذا ضد الشجاعة، وهو أن يخاف الرجل أن يدخل على محاربة الكفار، ومن خاف أن يطلب الأمور العظيمة المرضية في الشرع، مثل من خاف أن يحصل في العلم حتى يبلغ درجة الفتوى فهو جبان، إلا أن يكون له عذر من قلة التفهم والحفظ، واشتغاله بتحصيل القوت وغير ذلك. (البخل): ترك أداء الزكاة والكفارات والنذر، وترك ضيافة الأضياف، ورد السائلين، ومنع العلم إذا طلب الناس منه ما يحتاجون إليه في دينهم. والمراد بـ (الهرم): صيرورة الرجل خَرِفًا من كثرة السن. قوله: "آت نفسي تقواها"؛ أي: ارزقها الاحتراز عما يضرُّها ويُهْلِكها في الآخرة. "وزكها"؛ أي: طهِّرها عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة. قوله: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع"؛ يعني: مِنْ علمٍ لا أعملُ به، ولا أعلِّمه الناس، ولا تصِلُ بركتُه إلى قلبي، ولا تبدِّل أفعالي وأقوالي وأخلاقي المذمومة إلى المرضية، ويحتمل أن يكون مراده: ليس مما يحتاج إليه في الدين، وليس في تعليمه إذن في الشرع. "ومن قلب لا يخشع"؛ أي: لا يخاف الله. "ومن نفس لا تشبع"؛ أي: ومن نفس حريصة على جمع المال والمَنصب.

стр. 1294

١٧٧١ - وقال عبد الله بن عُمر ﵄: كانَ مِنْ دُعاءِ رسولِ الله ﷺ : "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ من زَوالِ نِعمتِكَ، وتَحَوُّلِ عافيتِكَ، وفُجاءَةِ نِقْمَتِكَ، وجميعِ سَخَطِكَ". قوله: "ومن تحول عافيتك"؛ أي: ومن تبدُّل ما رزقتني من العافية إلى البلاء. قوله: "وفجأة نِقمتك"؛ (الفجأة): الإتيان بغتة، (النقمة): الغضب والعذاب. * * * ١٧٧٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ مِن شرِّ ما عَمِلتُ، ومِن شرِّ ما لم أَعَمَلْ". قوله: "اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما عملت ومن شر ما لم أعمل": المراد من استعاذته من شرِّ ما عمل: طلب العفو والغُفران منه عما عمل، ومراده من الاستعاذة من شر ما لم يعمل: التجاؤه إليه ليحفظه من فعلٍ مذموم بعد ذلك اليوم. * * * ١٧٧٣ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "اللهمَّ لكَ أسْلَمْتُ، وبكَ آمنتُ، وعليكَ تَوَكَّلْتُ، وإليكَ أنَبْتُ، وبكَ خاصمْتُ، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بعِزَّتِكَ لا إلهَ إلا أنتَ أنْ تُضلَّني، أنتَ الحيُّ الذي لا يموتُ، والجنُّ والإنسُ يَموتُونَ". قوله: "وإليك أنبت"، (الإنابة): الرجوع إلى الله تعالى.

стр. 1295

"وبك خاصمت"؛ أي: وبإعانتك إيَّاي أخاصم أعداءك وأحاربهم. * * * مِنَ الحِسَان: ١٧٧٤ - قال أبو هريرة ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بِكَ من الأَربَعِ: من عِلْمٍ لا ينفعُ، ومِن قَلْبٍ لا يَخشعُ، ومِن نفْسٍ لا تَشبعُ، ومِن دُعاءٍ لا يُسْمَعُ". قوله: "ومن دعاء لا يسمع"؛ أي: لا يستجاب له. * * * ١٧٧٥ - وعن عُمر ﵁ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يتعوَّذُ مِن خمسٍ: مِن الجُبن، والبُخْلِ، وسُوءِ العُمُرِ، وفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وعذابِ القَبْرِ. قوله: "وسوء العمر"، (العمر): - بضم الميم وسكونها - وهو بمعنى: سوء الكِبَر، وقد مضى بحثه. "وفتنة الصدر"؛ أي: ومن قساوة القلب والوساوس وحب الدنيا، وما يجري على القلب من الخواطر المذمومة. * * * ١٧٧٦ - وعن أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من الفَقْرِ، والقِلَّةِ، والذِّلَّةِ، وأَعوذُ بِكَ من أنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ". قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذل"، (الفقر): الاحتياج والطلب، وأراد بالفقر ها هنا: فقر القلب، وكل قلب يطلب شيئًا، ويحتاج إلى شيء، ويحرص على شيء، فهو فقير وإن كان صاحبه كثير المال؛ يعني: من كان قلبه حريصًا على جمع المال، وهذا مثل قوله: "ونفس لا تشبع".

стр. 1296

وأراد بـ (القلة): قلة المال، بحيث لا يكون له كَفاف من القُوت وَيعجَز عنه وظائف العبادات من الجوع وجوع العيال. وأراد بـ (الذلة): أن يكون ذليلًا بحيث يستخفُّه الناس ويُحقِّرونه ويَعيبونه. والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة. * * * ١٧٧٧ - وعنه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بِكَ من الشِّقاقِ، والنِّفاقِ، وسُوءِ الأَخْلاقِ". قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق". (الشقاق): المشاقة، وهو المخالفة والمجادلة بالباطل؛ أي: من مخالفة الحق ومخالفة أهل الحق والنفاق إظهار شيء من النفس وإضمار خلاف ذلك في القلب، ويدخل في هذا الرياء في العبادات، وإظهار محبةِ أحدٍ وإبطان عداوته في القلب، كلُّ ذلك مذموم، بل ليكن المسلمُ ظاهره وباطنُه موافِقَين. و (سوء الأخلاق): إيذاء أهل الحق، وإيذاء الأهل والأقارب، وتغليظ الكلام عليهم بالباطل، وعدم تحمُّلهم، وعدم عفو ما يجوز عفوه من خَطيئة صَدَرت منهم. * * * ١٧٧٨ - وعنه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إني أعوذُ بِكَ من الجُوعِ، فإنه بِئْسَ الضَّجيعُ، وأعوذُ بكَ من الخِيانَةِ، فإنها بِئستِ البطانَةُ". قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة".

стр. 1297

(الضجيع): المُضَاجع، وهو الذي ينام معك في فراش واحد؛ أي: بئس الصاحب. وأراد بـ (الجوع) هنا: الجوع الذي يمنعه عن أداء وظائف العبادات، وليس المراد جميع أنواع الجوع؛ فإن الجوع في وقتٍ دون وقت محمودٌ؛ فإنه يكسِر النفس، وَيجْلي القلبَ، ويزيد الفِطنة، ويحصِّل الثواب. و (البطانة): من تكون محبته في قلبك، وما كان يلازم قلبَك من محبةٍ شيءٌ واحد، ومن كان رفيقك في الخَلْوة؛ يعني: الخيانة بئس الشيء الذي يكون في قلب الإنسان، ويجري على خاطره. (الخيانة): نقصان حق أحد من مال وعِرْض على الحقيقة. * * * ١٧٧٩ - وعن أَنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أَعوذُ بكَ من البَرَصِ، والجُذامِ، والجُنونِ، ومِنْ سييِّء الأَسْقامِ". قوله: "اللهم إني أعوذ بك من البَرَص والجُذام والجنون ومن سيء الأسقام". (البرص): بياض الأعضاء على وجه العلة. (الجُذام): علة يَذْهَبُ معها شعورُ الأعضاء، ويتفتَّت اللحم، ويجري الصَّدِيد من الأعضاء، ويُخْرِجُ الناسُ صاحبَ البرص والجذام مِنْ بينهم. وأراد بـ (سيئ الأسقام): الأمراض الفاحشة؛ مثل الاستسقاء والسَّل والمرض الطويل. والحاصل: أن كل مرض يحترز الناس من صاحب ذلك المرض، ولا ينتفعون منه ولا ينتفع منهم، ويعجَز بسبب ذلك المرض عن حقوق الله

стр. 1298

وحقوق المسلمين = يستحب الاستعاذة من ذلك المرض. * * * ١٧٨٠ - وعن قُطْبة بن مالكٍ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ من مُنْكَراتِ الأَخلاقِ، والأعمالِ، والأهواءِ". قوله: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء". (المنكرات): جمع منكر، وهو ما لا يُعرف حُسْنُه في الشرع، ويُستعمل فيما عُرف قُبحه في الشرع؛ يعني: اللهم إني أعوذ بك من كل فعل وقول وخُلق قبيح. و (الهوى): المحبة والاشتهاء. روى هذا الحديثَ قُطْبة بن مالك. * * * ١٧٨١ - عن شُتَيرِ بن شَكَلِ بن حُمَيدٍ، عن أبيه قال: قلتُ: يا نبيَّ الله!، علَّمني تَعْويذًا أتعوَّذُ به، قال: "قل: اللهم إنَّي أعوذُ بِكَ من شَرِّ سَمْعي، وشرِّ بَصرَي، وشرِّ لِساني، وشَرِّ قَلْبي، وشرِّ مَنِييِّ". قوله: "قل أعوذ بك من شر سمعي"؛ يعني: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي حتى لا أسمع شيئًا تكرهه، وشرِّ بصري حتى لا أُبصر شيئًا تكرهه، وشرِّ لساني حتى لا أتكلم بشيء تكرهه، وشرِّ قلبي حتى لا أعتقد شيئًا تكرهه، وشر منيي؛ أي: وشر غلبة منيي حتى لا أقع في الزنا صغيرًا أو كبيرًا، فإنَّ المني إذا غَلَبَ يحمِلُ الرجل على النظر المحرَّم، وغير ذلك من مقدَّمات الزنا حتى يحمله على الزنا، وهذا استعاذة من صرف المني في الزنا.

стр. 1299

وأما في المنكوحة والجارية المملوكة فموجِبٌ للثواب، كما قال النبي ﵇: "وفي بُضْع أحدكم صَدقة"، وقد ذكر شرحه في: (باب فضل الصدقة). روى هذا الحديثَ شُتَير. * * * ١٧٨٢ - وعن أَبي اليَسَر: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يدعو: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من الهدْمِ، وأَعوذُ بِكَ مِنَ التَرَدِّي، ومن الغَرَقِ، والحَرَقِ والهَرَمِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يتَخَبَّطني الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ في سَبيلِكَ مُدبرًا، وأعوذُ بِكَ أَنْ أَموتَ لَدِيغًا"، وزِيْدَ في بعض الرِّوايات: "والغَمِّ". قوله: "من الهدم"؛ أي: من أن يقع على جدار أو سقف أو غير ذلك. "التردِّي": السُّقوط من علو إلى سفل. "الحرق" - بفتح الحاء والراء -: النار، قاله أهل اللغة. "وأن يتخبَّطني الشيطان عند الموت"، (التخبُّط): إفساد العقل والدين؛ يعني: وأن يُفْسِد الشيطانُ عليَّ ديني عند الموت بأن يُؤْيسني من رحمة الله، أو يؤمِّنني من عذاب الله، أو يوسوِسني بحيث أغفُل عن كلمة الشهادة، وما أشبه ذلك، وكان الرسل ﵈ مأمونين عن مثل هذه الأشياء، ولكن هذا تعليم لأمته من (أن أموت في سبيلك مدبرًا)؛ أي: من أن أفر من حرب الكفار وحيث لا يجوز الفرار، بأن لا يزيد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين. "اللديغ"، فعيل بمعنى المفعول من اللَّدغ، وهو: لَسْع الحية. روى هذا الحديثَ أبو اليَسَر. * * *

стр. 1300

١٧٨٣ - عن مُعاذٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "استعيذُوا بالله من طَمَعٍ يَهْدي إلى طَبَعٍ". قوله: "استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طبع"، قال أبو عبيدة: الطبع: العيب والدَّنسَ، وكلُّ شيئين في دين ودنيا فهو طبع؛ يعني: من الحرص الذي يجر إلى صاحبه الذُّلَّ والعَيب. * * * ١٧٨٤ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: أخذَ النبيُّ ﷺ بيَدي، فنظرَ إلى القمَرِ، فقال: "يا عائشةُ، استعِيْذي بالله ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وهذا غاسِقٌ إذا وَقَبَ". قوله لعائشةَ حين نظرَ إلى القمر: "استعيذي بالله ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، هذا غاسقٌ إذا وَقَبَ". (غَسَقَ): إذا أَظْلَمَ، (وَقَبَ): إذا دخلَ ظلامُ الليل، تكون فيه الآفاتُ من تَفَرُّقِ الجِنِّ على أبواب البيوتِ والسِّكك، وَيخْطَفُون الناسَ، ويكون في الليل أيضًا السارق، ويكثر فِسْقُ الفُسَّاقِ، وغير ذلك، وإذا أظلمت السماءُ بكسوفِ الشمس أو خُسوفِ القمر، واشتدادِ السحابِ والرِّيح، لا يُؤْمَنُ من نزول العذاب، فإذا كانت الآفات والعذابُ غيرَ مأمونةٍ عند ظهور الظلام، فيُستحَبُّ الاستعاذةُ بالله من الآفات والعذاب عند ظهور الظلام. قوله: "هذا غاسقٌ إذا وقب"، هذا إشارةٌ إلى القمرِ، وأراد بقوله: (وَقَبَ) دخولَ القمرِ في موضعِ غيبوبته. ذكر في "الفائق" أنه أراد بقوله: (إذا وقب): خسوفَ القمر، يعني إذا خَسَفَ استعيذي بالله من الآفات والبلاء. * * *
следующие страницы →