وأراد بـ (القلة): قلة المال، بحيث لا يكون له كَفاف من القُوت وَيعجَز عنه وظائف العبادات من الجوع وجوع العيال.
وأراد بـ (الذلة): أن يكون ذليلًا بحيث يستخفُّه الناس ويُحقِّرونه ويَعيبونه.
والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة.
* * *
١٧٧٧ - وعنه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بِكَ من الشِّقاقِ، والنِّفاقِ، وسُوءِ الأَخْلاقِ".
قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق".
(الشقاق): المشاقة، وهو المخالفة والمجادلة بالباطل؛ أي: من مخالفة الحق ومخالفة أهل الحق والنفاق إظهار شيء من النفس وإضمار خلاف ذلك في القلب، ويدخل في هذا الرياء في العبادات، وإظهار محبةِ أحدٍ وإبطان عداوته في القلب، كلُّ ذلك مذموم، بل ليكن المسلمُ ظاهره وباطنُه موافِقَين.
و (سوء الأخلاق): إيذاء أهل الحق، وإيذاء الأهل والأقارب، وتغليظ الكلام عليهم بالباطل، وعدم تحمُّلهم، وعدم عفو ما يجوز عفوه من خَطيئة صَدَرت منهم.
* * *
١٧٧٨ - وعنه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إني أعوذُ بِكَ من الجُوعِ، فإنه بِئْسَ الضَّجيعُ، وأعوذُ بكَ من الخِيانَةِ، فإنها بِئستِ البطانَةُ".
قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة".
стр. 1297
(الضجيع): المُضَاجع، وهو الذي ينام معك في فراش واحد؛ أي: بئس الصاحب.
وأراد بـ (الجوع) هنا: الجوع الذي يمنعه عن أداء وظائف العبادات، وليس المراد جميع أنواع الجوع؛ فإن الجوع في وقتٍ دون وقت محمودٌ؛ فإنه يكسِر النفس، وَيجْلي القلبَ، ويزيد الفِطنة، ويحصِّل الثواب.
و (البطانة): من تكون محبته في قلبك، وما كان يلازم قلبَك من محبةٍ شيءٌ واحد، ومن كان رفيقك في الخَلْوة؛ يعني: الخيانة بئس الشيء الذي يكون في قلب الإنسان، ويجري على خاطره.
(الخيانة): نقصان حق أحد من مال وعِرْض على الحقيقة.
* * *
١٧٧٩ - وعن أَنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أَعوذُ بكَ من البَرَصِ، والجُذامِ، والجُنونِ، ومِنْ سييِّء الأَسْقامِ".
قوله: "اللهم إني أعوذ بك من البَرَص والجُذام والجنون ومن سيء الأسقام".
(البرص): بياض الأعضاء على وجه العلة.
(الجُذام): علة يَذْهَبُ معها شعورُ الأعضاء، ويتفتَّت اللحم، ويجري الصَّدِيد من الأعضاء، ويُخْرِجُ الناسُ صاحبَ البرص والجذام مِنْ بينهم.
وأراد بـ (سيئ الأسقام): الأمراض الفاحشة؛ مثل الاستسقاء والسَّل والمرض الطويل.
والحاصل: أن كل مرض يحترز الناس من صاحب ذلك المرض، ولا ينتفعون منه ولا ينتفع منهم، ويعجَز بسبب ذلك المرض عن حقوق الله
стр. 1298
وحقوق المسلمين = يستحب الاستعاذة من ذلك المرض.
* * *
١٧٨٠ - وعن قُطْبة بن مالكٍ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يقولُ: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ من مُنْكَراتِ الأَخلاقِ، والأعمالِ، والأهواءِ".
قوله: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء".
(المنكرات): جمع منكر، وهو ما لا يُعرف حُسْنُه في الشرع، ويُستعمل فيما عُرف قُبحه في الشرع؛ يعني: اللهم إني أعوذ بك من كل فعل وقول وخُلق قبيح.
و (الهوى): المحبة والاشتهاء.
روى هذا الحديثَ قُطْبة بن مالك.
* * *
١٧٨١ - عن شُتَيرِ بن شَكَلِ بن حُمَيدٍ، عن أبيه قال: قلتُ: يا نبيَّ الله!، علَّمني تَعْويذًا أتعوَّذُ به، قال: "قل: اللهم إنَّي أعوذُ بِكَ من شَرِّ سَمْعي، وشرِّ بَصرَي، وشرِّ لِساني، وشَرِّ قَلْبي، وشرِّ مَنِييِّ".
قوله: "قل أعوذ بك من شر سمعي"؛ يعني: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي حتى لا أسمع شيئًا تكرهه، وشرِّ بصري حتى لا أُبصر شيئًا تكرهه، وشرِّ لساني حتى لا أتكلم بشيء تكرهه، وشرِّ قلبي حتى لا أعتقد شيئًا تكرهه، وشر منيي؛ أي: وشر غلبة منيي حتى لا أقع في الزنا صغيرًا أو كبيرًا، فإنَّ المني إذا غَلَبَ يحمِلُ الرجل على النظر المحرَّم، وغير ذلك من مقدَّمات الزنا حتى يحمله على الزنا، وهذا استعاذة من صرف المني في الزنا.
стр. 1299
وأما في المنكوحة والجارية المملوكة فموجِبٌ للثواب، كما قال النبي ﵇: "وفي بُضْع أحدكم صَدقة"، وقد ذكر شرحه في: (باب فضل الصدقة).
روى هذا الحديثَ شُتَير.
* * *
١٧٨٢ - وعن أَبي اليَسَر: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يدعو: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من الهدْمِ، وأَعوذُ بِكَ مِنَ التَرَدِّي، ومن الغَرَقِ، والحَرَقِ والهَرَمِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ أَنْ يتَخَبَّطني الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ في سَبيلِكَ مُدبرًا، وأعوذُ بِكَ أَنْ أَموتَ لَدِيغًا"، وزِيْدَ في بعض الرِّوايات: "والغَمِّ".
قوله: "من الهدم"؛ أي: من أن يقع على جدار أو سقف أو غير ذلك.
"التردِّي": السُّقوط من علو إلى سفل.
"الحرق" - بفتح الحاء والراء -: النار، قاله أهل اللغة.
"وأن يتخبَّطني الشيطان عند الموت"، (التخبُّط): إفساد العقل والدين؛ يعني: وأن يُفْسِد الشيطانُ عليَّ ديني عند الموت بأن يُؤْيسني من رحمة الله، أو يؤمِّنني من عذاب الله، أو يوسوِسني بحيث أغفُل عن كلمة الشهادة، وما أشبه ذلك، وكان الرسل ﵈ مأمونين عن مثل هذه الأشياء، ولكن هذا تعليم لأمته من (أن أموت في سبيلك مدبرًا)؛ أي: من أن أفر من حرب الكفار وحيث لا يجوز الفرار، بأن لا يزيد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين.
"اللديغ"، فعيل بمعنى المفعول من اللَّدغ، وهو: لَسْع الحية.
روى هذا الحديثَ أبو اليَسَر.
* * *
стр. 1300
١٧٨٣ - عن مُعاذٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "استعيذُوا بالله من طَمَعٍ يَهْدي إلى طَبَعٍ".
قوله: "استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طبع"، قال أبو عبيدة: الطبع: العيب والدَّنسَ، وكلُّ شيئين في دين ودنيا فهو طبع؛ يعني: من الحرص الذي يجر إلى صاحبه الذُّلَّ والعَيب.
* * *
١٧٨٤ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: أخذَ النبيُّ ﷺ بيَدي، فنظرَ إلى القمَرِ، فقال: "يا عائشةُ، استعِيْذي بالله ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وهذا غاسِقٌ إذا وَقَبَ".
قوله لعائشةَ حين نظرَ إلى القمر: "استعيذي بالله ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، هذا غاسقٌ إذا وَقَبَ".
(غَسَقَ): إذا أَظْلَمَ، (وَقَبَ): إذا دخلَ ظلامُ الليل، تكون فيه الآفاتُ من تَفَرُّقِ الجِنِّ على أبواب البيوتِ والسِّكك، وَيخْطَفُون الناسَ، ويكون في الليل أيضًا السارق، ويكثر فِسْقُ الفُسَّاقِ، وغير ذلك، وإذا أظلمت السماءُ بكسوفِ الشمس أو خُسوفِ القمر، واشتدادِ السحابِ والرِّيح، لا يُؤْمَنُ من نزول العذاب، فإذا كانت الآفات والعذابُ غيرَ مأمونةٍ عند ظهور الظلام، فيُستحَبُّ الاستعاذةُ بالله من الآفات والعذاب عند ظهور الظلام.
قوله: "هذا غاسقٌ إذا وقب"، هذا إشارةٌ إلى القمرِ، وأراد بقوله: (وَقَبَ) دخولَ القمرِ في موضعِ غيبوبته.
ذكر في "الفائق" أنه أراد بقوله: (إذا وقب): خسوفَ القمر، يعني إذا خَسَفَ استعيذي بالله من الآفات والبلاء.
* * *
стр. 1301
١٧٨٦ - عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُعلِّمُهم مِن الفَزَعِ: "أعوذُ بكَلِماتِ الله التامةِ من غضَبهِ وعقابهِ، وشَرِّ عِبادِهِ، ومِن هَمَزاتِ الشَّياطينِ، وأنْ يَحْضُرونِ".
قوله: "من همزات الشياطين"؛ أي: من وساوس الشياطين وإلقائهم الفتنةَ والاعتقاداتِ الفاسدةَ في قلبي.
قوله: "وأن يحضرون"؛ يعني: أن يجنِّبني الشياطينَ في الصلاة وقراءة القرآن، وقيل: عند الموت.
* * *
٩ - باب جامع الدُّعاءِ
(باب جامع الدُّعاء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٧٨٨ - عن أبي مُوسَى الأَشْعَري ﵁، عن النبيَّ ﷺ : أنه كان يَدعُو: "اللهمَّ اغْفِرْ لي خطيئَتِي، وجَهْلِي، وإسْرافي في أَمْري، وما أنتَ أعلَمُ بهِ مني، اللهمَّ اغْفِرْ لي جِدِّي وهَزْلي، وعَمْدِي، وكلُّ ذلك عِندي، اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ، وما أَعْلَنْتُ، وما أنتَ أَعلمُ بهِ مِنِّي، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ".
"اللهم اغفر لي جِدِّي وهَزْلي وخَطَئِي وعَمْدي".
(الجِدُّ): نَقِيضُ الهَزْل.
стр. 1302
(الهَزْلُ): المُزاحُ والتكلُّمُ بالباطلِ؛ يعني: اغفر لي ما ليس لك فيه رضًا من أفعالي وأقوالي وضمائري مما كان جدًا أو هزلًا أو خطأً أو عمدًا.
"وكلُّ ذلك عندي"؛ أي: كلُّ هذه الأنواع تَصْدُرُ عني.
* * *
١٧٨٩ - وعن أبي هريرة قال ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: "اللهمَّ أَصلِحْ لي دِيْني الذي هو عِصْمَةُ أَمْري، وأَصْلِحْ لي دُنْيايَ التي فيها مَعاشِي، وأصْلِحْ لي آخرتي التي فيها مَعادِي، واجعلْ الحَياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، واجعلْ الموتَ راحةً لي من كلَّ شَرًّ".
قوله: "اللهمَّ أصلِحْ لي ديني الذي هو عِصْمةُ أمري".
(العِصمَةُ): الحِفْظُ؛ يعني اللهم احفظْ ديني عن الخَطَأِ والزَّلَل والرِّياء، وعما لا يليقُ ولا تُحِبُّه، فإنه عِمادُ أمري، فإن فَسَدَ دينهُ فَسَدَ جميعُ أموره وخابَ وخَسِر.
"وأصلِحْ لي دنيايَ التي فيها مَعَاشي"؛ يعني: احفظْ من الفساد ما أحتاجُ إليه من الدنيا، وهذا سؤالُ إنباتِ الزَّرْع والأشجارِ والبركةِ فيها، ونماءِ المواشِي، ونبوعِ المياهِ من الأرض، ونزولِ المطر، واتِّباعِ الناسِ إياه، وإيقاعِ الأُلْفة والمَحَبَّةِ بينه وبين أزواجِه وأولادِه والمسلمين، ودَفْعِ أعدائِه، وغيرِ ذلك مما يَحتاجُ إليه في الدنيا.
"وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي".
(المَعَادُ): مصدرٌ مِيميٌّ، أو مكانٌ مِن (عاد) إذا رَجعَ؛ يعني: ارزقني عملًا يقربني إليك حتى يكونَ عيشي طَيبًا، يعني في الآخرة.
стр. 1303
"واجعل الحياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ"؛ يعني: اجعلْ حياتي سببَ زيادةِ طاعتي، يعني: اجعل عمري مصروفًا فيما تُحِبُّ، وَجنِّبني ممَّا تكرَهُ.
"واجعلِ الموتَ راحةً لي من كلِّ شَرًّ"؛ يعني: اجعلْ موتي بالشهادةِ والاعتقادِ الحسنِ والتَّوبةِ، وكلَّ نيةٍ وخصْلَةٍ تحبُّها، حتى يكونَ موتي سبب خلاصي من مشقَّةِ الدنيا وحصولي على راحةِ ما بعدَ الموت.
* * *
١٧٩١ - وعن عليًّ ﵁ قال: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : "قلْ: اللهمَّ اهدِني وسدِّدني، واذْكُرْ بالهُدَى: هدايتَكَ الطَّريقَ، وَبالسَّدادِ: سَدادَ السَّهْمِ".
قوله ﵇ لعليًّ ﵁: "اللهمَّ اهدِني وَسَدِّدْني، واذْكُرْ بالهُدَى: هِدايتَك الطريقَ، وبالسَّداد: سَدادَ السهم".
والسَّدادُ الأول مجرورٌ بالعطف على (بالهدى)، والسَّدادُ الثاني منصوبٌ لأنه مفعولُ (اذكر) وتقديرُه: واذكرْ بالسَّدَاد سَداد السَّهْم.
(السَّدَاد): الاستقامةُ؛ يعني: أسألُ الله الاستقامةَ، وإذا سألتَ الهُدَى فيكونُ في خاطرك: هدايتُك الطريقَ؛ أي: مشيُك واستقامتُك إذا مشيتَ إلى مَوْضعٍ؛ يعني: فكما إذا مشيتَ إلى موضعٍ لا تَعْدِلُ يمينًا ويسارًا، بل يكونُ مستقيمًا على الطَّرِيقِ، فكذلك اسْأَلِ الله الهُدَى الذي لا تَعْدِلُ معه عن طريقِ الشَّرْع إلى الباطل، وإذا سألتَ السَّدَاد في القَوْلِ والفِعْل، فليكُنْ في خاطِرك سَدادُ السَّهْمِ؛ يعني: فكما أنَّ السَّهْمَ يَقْصِدُ الهدفَ مستقيمًا لا يَعْدِلُ يمينًا ويسارًا، فكذلك اسأَلِ الله تعالى سَدادًا لا تَعْدِلُ معه عن الحقِّ إلى الباطل البتَّةَ، ذكر الخَطَّابيُّ هذا المعنى في شَرْحِ هذا الحديثِ.
* * *
стр. 1304
مِنَ الحِسَان:
١٧٩٤ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يَدْعُو يقولُ: "ربِّ أعِنِّي، ولا تُعِنْ عليَّ، واَنْصُرْنِي، ولا تَنْصُرْ عليَّ، وامكُرْ لي، ولا تَمْكُرْ عليَّ، واَهدِنِي، ويَسِّرْ الهُدَى لي، واَنْصُرْنِي على مَنْ بَغَى عليَّ، ربِّ اَجعلني لكَ شاكرًا، لك ذاكِرًا، لك راهِبًا، لك مِطْواعًا، لك مُخْبتَاً، إليك أوَّاهًا مُنِيبًا، ربِّ تقبَّلْ توبَتي، واَغسل حَوْبَتِي، وأَجِبْ دعوَتي، وثَبتْ حُجَّتِي، وسَدِّدْ لِساني، واَهدِ قَلْبي، واَسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْري".
قوله: "ولا تُعِنْ عليَّ"؛ يعني: ولا تغلِبْ عَلَيَّ أعدائي، أعان زيدٌ عَمْرًا إذا نَصَرَه، وأعان زيدٌ على عمرٍو إذا نَصَرَ أعداءَ عمروٍ حتى حاربوا عَمْرًا، ومثلُه: "وانصُرني ولا تَنْصُرْ عَلَيَّ".
فإن قيل: فإذا كان معناهما واحدًا، فأيُّ فائدةٍ في التكرار؟.
قلنا: أكثرُ استعمالِ الإعانةِ في الدعاءِ في طلبِ إعانةِ الله على الذَّكرِ والطاعة، وأكثرُ استعمالِ النُّصرةِ في طلبِ النُّصْرَةِ على الأعداء.
فقوله: "أعنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ"؛ معناه وفِّقْني لذكرِك وشُكرِك وعبادتِك، ولا تُغَلَّبْ عليَّ مَن يَمنعُني عن طاعتِك من شياطينِ الإنس والجِنَّ.
قوله: "وانصُرْني ولا تَنْصُرْ عليَّ"؛ معناه: اللهم غَلِّبني على الكفَّارِ ولا تُغَلَّبْهم عليَّ.
"وامكُرْ لي ولا تَمْكُرْ عليَّ".
(المَكْرُ): الحِيلةُ والتفكُّرُ في دَفْعِ العدوَّ على وجهٍ لا يَعرِفُ العدوُّ طريقَه.
ومعنى هذا الكلام: اللهم اهدني على طريقِ دفعِ العَدُوِّ، ولا تَهْدِ العدوَّ على طريقِ دَفْعٍ عن نَفْسِه.
стр. 1305
"الراهبُ": الخائفُ، مِن رَهِبَ يَرْهَبُ: إذا خاف.
(المِطْوَاعُ): كثيرُ الطَّوْعِ، وهو الطَّاعة.
"المُخْبتُ": المتضرِّعُ والمتواضعُ.
"الأَوَّاه": الذي يُكْثِرُ قولَ (أَوَّهْ)، وهذا اللفظُ يقولُه النادِمُ على فعل الذنوبِ والمُقَصِّرُ على الطاعة.
(المُنِيب): الذي يَرْجِعُ إلى الله ويلتجِئُ إليه، (أواهًا منيبًا) منصوبان معطوفان على (شاكرًا مخبتًا) وما قبلَه، وتقديرُه: اجعلني أَوّاهًا مُنيبًا إليك.
(الحوبة): بفتح الحاء: الزَّلَّةُ والخطيئة، و (الحَوْبُ) بفتح الحاء وبضمِّها: الإثمُ، هكذا قال أهل اللغة.
(الحُجَّةُ) ما يَغْلِبُ به الرجلُ على خَصمِه من الدليل على قوله، يعني: اللهمَّ قَوِّ دليلي وبرهاني على إثبات الدِّين، وسَدِّد لساني؛ أي: سَدِّد وَقوِّمْ لساني على التكلُّم بالصدق والصَّواب.
"واسْلُلْ"؛ أي: أخرجْ وانزِعْ سخيمة صدري - أي: حِقْدَ صدري - والبغضَ الموجودَ في قلبي على المسلمين.
* * *
١٧٩٥ - عن أبي بكر ﵁ قال: قامَ رسولُ الله ﷺ على المِنْبر، ثمَّ بَكَى فقال: "سَلُوا الله العفوَ والعافيةَ، فإنَّ أحدًا لم يُعْطَ بعدَ اليقين خيرًا مِنَ العافية"، غريب.
قوله: "قامَ رسولُ الله ﵇ على المِنْبرِ ثمَّ بَكَى فقال: سَلُوا الله العَفْوَ والعافيةَ"، ذُكِرَ بحثُ العافية في (كتاب الدَّعَوات)، وبكاؤُه كان لِما عَلِمَ بعِلْمِ الوَحْي من وقوعِ الأمةِ في الفتن وغَلَبةِ الشهوةِ عليهم، وحِرصِهم على جمعِ المالِ
стр. 1306
والجاه، وسألهم أن يَلْتَجِئوا إلى الله بأن يسألوا العفوَ والعافيَة ليعصمَهم من الفتن.
قوله: "بعدَ اليقين"؛ أي: بعدَ الإيمان.
* * *
١٧٩٨ - عن عبد الله بن يَزِيْدٍ الخَطْميِّ، عن رسولِ الله ﷺ : أنه كانَ يقولُ في دعائه: "اللهمَّ ارزقني حُبَّكَ، وحُبَّ مَن ينفعُني حُبَّهُ عندَكَ، اللهمَّ ما رزقتَني ممَّا أُحِبُّ فاجْعَلْهُ قوةً لي فيما تُحِبُّ، اللهم ما زَوَيْتَ عنِّي مما أُحِبُّ فاجْعَلْهُ فَراغًا لي فيما تُحِبُّ".
قوله: "ما زَوَيْتَ عنَّي مما أحبُّ فاجعلْه فراغًا لي فيما تُحِبُّ".
(زَوَيْتَ): أي صَرَفْتَ ومَنَعْتَ عني مما أُحِبُّ من المال والجاه والأولاد، فاجعلْه سببَ فراغي فيما تُحِبُّ من العبادة؛ يعني: اجعلْني مشتغِلاً في طاعتك، ولا تجعلْني مشتغِلاً في الدنيا.
روى هذا الحديثَ عبد الله بن يزيد الخَطْمِي.
* * *
١٧٩٩ - عن ابن عُمر ﵄ قال: قَلَّما كانَ رسولُ الله ﷺ يقومُ مِنْ مَجْلِسٍ حتَّى يَدعُوَ بهؤلاءِ الدَّعَواتِ لأصحابهِ: "اللهمَّ اقْسِمْ لنا مِنْ خَشْيِتِكَ ما تَحُولُ بِهِ بَيْنَنا وبيْنَ مَعاصِيْكَ، ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنْ اليَقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنا مُصِيبَات الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنا بأَسْماعِنَا وأَبْصارِنَا وقُوَّتِنَا ما أَحيَيْتَنا، واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنَّا، واجْعَلْ ثأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنا، وانْصُرْنَا على مَنْ عادانَا، ولا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنا في ديننا، ولا تَجْعَلِ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا، ولا تُسَلِّط علينا مَنْ لا يَرحَمُنا"، غريب.
قوله: "ما تَحُولُ"؛ أي: ما تفرِّقُ وتُبعِدُ به؛ أي: بذلك الخوفِ بيننا وبينَ
стр. 1307
المعاصي؛ أي: غَلِّبْ علينا خوفَك حتى لا نَعصِيَك من شدَّةِ خوفِك.
"تُهَوِّن"؛ أي: تُسَهِّل "به"، بذلك اليقين.
"علينا"؛ ما يصيبنا من الغَمِّ والمرضِ والجِراحَةِ وتَلَفِ المالِ والأولادِ، يعني: مَن عَلِمَ يقينًا أنَّ ما يصيبُه من المُصِيبات في الدنيا يُعطِيه الله تعالى عِوَضَه في الآخرة الثوابَ، لا يغتَمُّ بما أصابه من المصيبات في الدنيا، بل يفرَحُ بذلك من غايةِ حِرصِه على تحصيلِ الثوابِ، نسألُكَ مثلَ هذا اليقين.
"ومتِّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا"؛ يعني: اصرِفْ أعضاءَنا عن المعاصي، واستعمِلْها في طاعتك حتى يكونَ لنا بها نَفْعٌ.
"ما أَحْييتَنا"؛ أي: مدةَ حياتِنا.
"واجعلْه الوارثَ مِنَّا"، الضميرُ في (واجعلْه) يعودُ إلى مصدر (مَتِّعْنا)، وهو التمتيع، (الوارِثُ): الباقي من الأولاد والأقاربِ بعد الموت (١)، أراد بـ (الوارث) هنا: السمعَ والبصرَ، وبـ (الميت) فتور الأيدي والأرجل وسائر القوى، يعني: أبْقِ علينا قوةَ أسماعِنا وأبصارِنا بعد ضَعْفِ أعضائنا الأخرى إلى وقتِ الموتِ حتى لا نُحرَمَ من سماعِ كلامِك والمواعظِ والأخبارِ، وما في سماعِه لنا نَفْعٌ، ولذلك حتى لا نُحرَمَ مِن أبصارِنا ما فيه لنا خيرٌ واعتبار، وهذان العضوان أنفعُ الأعضاءِ الظاهرةِ للرجلِ في آخرته، وتقديرُه: ومتِّعنا تمتيعًا باقيًا معنا إلى الموت، هكذا شرحَ هذا الحديثَ الخَطَّابيُّ.
قوله: "واجعلْ ثَأْرَنا على مَنْ ظَلَمَنا".
(الثَّأْرُ): أن يقتلَ الرجلُ قاتلَ أبيه أو غيرِه من الأقارب، والمرادُ به ها هنا: الحِقدُ والغضبُ والغَلَبة، أي: اجعلْ غضَبنا وحِقدَنا على الكُفَّار، أو مَن ظَلَمَنا
стр. 1308
من المسلمين حتى نستوفِيَ حُقوقَنا.
"ولا تَجْعَلْ مُصِيبتَنا في دِيننا"؛ أي: ولا توصِلْ إلينا ما يَنْقُصُ به دينُنا وطاعتُنا من اعتقادِ سوءٍ، أو أَكْلِ حرامٍ، أو فترةٍ في العبادةِ وما أشبهَ ذلك.
"ولا تَجْعلِ الدُّنيا أكبرَ هَمَّنا".
(الهَمُّ): القَصدُ والحُزْنُ؛ يعني: ولا تجعلْ أكبرَ قَصْدِنا وحُزْننا لأجلِ الدنيا، بل اجعلْ أكبرَ قصدِنا وحُزْنِنا مصروفًا في عَمَلِ الآخرة.
"ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا"، (المَبْلَغُ): الغايةُ التي يَبْلُغُها الماشي والمحاسب فيقفُ عندها، يعني: ولا تجعلِ الدنيا غايةَ عِلْمنا؛ يعني: لا تجعلْنا بحيثُ لا نعلَمُ ولا نفكِّرُ إلا في أحوالِ الدنيا، بل اجعلنا متفكِّرين في أحوال الآخرة، ومتفحِّصين عن العلوم التي تتعلَّقُ بأمور الآخرة.
"ولا غايةَ رَغْبتنا"؛ يعني ولا تجعلِ الدنيا غايةَ رغبتِنا بحيثُ لا نرغبُ إلا في الدنيا، بل اجعلنا راغبين في الآخرة مُعرِضين عن الدنيا.
"ولا تُسَلِّطْ علينا مَنْ لا يَرحَمُنا"؛ يعني: لا تجعلِ الكُفَّارَ علينا غَالبين، ويحتملُ أن يكونَ معناه: ولا تَجْعَلِ الظالمين علينا حاكِمين، فإنَّ الظالمَ لا يَرْحَمُ الرَّعِية.
* * *
١٨٠٠ - عن أبي هُريرةَ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يقول: "اللهمَّ انْفَعْنِي بما عَلَّمْتَنِي، وعَلِّمْني ما يَنْفَعُني، وزِدْنِي عِلْمًا، الحَمْدُ لله على كُلِّ حالٍ، وأَعُوذُ بالله مِنْ حالِ أهْلِ النَّارِ"، غريب.
قوله: "من حال النار"؛ أي: مِن شِدَّةِ النارِ وغَلَبَتِها.
* * *
стр. 1309
١٧٩٧ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأَنْزَلَ الله يومًا، فَمَكَثْنا سَاعةً، فَسُرِّيَ عَنْهُ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: "اللهمَّ زِدْنَا ولا تَنْقُصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأعْطِنَا ولا تَحرِمْنا، وآثِرْنَا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وأَرضنَا وارْضَ عَنَّا"، ثُمَّ قال: "أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ"، ثُمَّ قرأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ عَشَرَ آياتٍ.
قوله: "سُمِعَ عند وَجْهِه" دَوِيٌّ "كَدَويِّ النَّحْل".
(الدَّويُّ): الصوتُ الذي لا يُفهَمُ منه شيءٌ، وهذا الصوتُ هو صوتُ جبريلَ ﵇ يبلِّغُ إلى رسولِ الله ﵇ الوحيَ، ولا يُفْهِمُ الحاضرين مِن صوتِه شيئًا.
"فسُرِّيَ"؛ أي: أُذْهِبَ عنه ذلك الاشتغالُ والاستغراقُ باستماعِ الوَحْيِ.
"ولا تُهِنَّا"؛ أي: ولا تُذِلَّنا، وأصلُه: "ولا تُهْوِنْنَا"، فنُقِلَتْ كسرةُ الواو إلى الهاء، وحُذفت الواوُ لسكونها وسكونِ النون الأولى، ثم أُدغمتِ النونُ الأُولى في الثانية.
"وآثِرْنا"؛ أي: اخترْنا، وهو أمر مخاطَب مِن (آَثَر): إذا اختارَ أحدٌ شيئًا.
"ولا تُؤْثِر"؛ أي: ولا تختَرْ علينا أحدًا، فتُعَزِّزَه وتُذِلَّنا؛ يعني: ولا يَغْلِبْ علينا أعداؤنا.
قوله: "مَنْ أَقامَهنَّ"؛ أي: من عَمِلَ بهنَّ.
هذا آخرُ (جامعِ الدعاء)، ويتلوه (كتاب المناسك)، وإلى ها هنا مجلَّدٌ تامٌّ، والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمَّد وآله أجمعين.
° ° °
стр. 1310
١٠ - كِتَابُ المَنَاسِكِ
стр. 1311
[١٠]
كِتابُ المَنَاسِكِ
(كتاب المناسك)
"المناسك": جمع مَنْسك بفتح السين وكسرها، وهو مصدر ميميٌّ، أو مكان، من نسَكَ يَنْسُكُ: إذا فعلَ عبادةً، والمرادُ ها هنا بالمناسك: الإتيانُ بأفعالِ الحَجَّ.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٠١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّها النَّاسُ: قَدْ فَرَضَ الله عليكُمْ الحجَّ فَحُجُّوا"، فقالَ رَجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكَتَ حتَّى قالَها ثلاثًا، فقال: "لو قلتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَمَا اَسْتَطَعْتُمْ".
قوله: "قد فرضَ الله عليكم الحَجَّ".
(الحَجُّ) في اللغة: القَصدُ، والمراد به ها هنا: قَصْدُ الكَعْبة، وقَصدُ أفعالٍ مخصوصةٍ معلومةٍ، كما يأتي كلُّ واحدٍ منها في موضعه.
قوله: "لو قلت: نَعَم، لوجبت"، ضميرُ المؤنَّث في (لوجَبتْ) مقدَّرٌ؛ أي: لوجَبَت الحُجَّةُ، أو لوجَبَت هذه العبادةُ، وفي بعض الروايات: (لوجبَ)
стр. 1312
بغير تاء؛ أي: لوجبَ الحَجُّ.
* * *
١٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ العَمَلِ أفضلُ؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسولِهِ"، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قال: "الجهادُ في سَبيلِ الله"، قيلَ ثُمَّ ماذا؟ قال: "حَجٌّ مَبْرُورٌ".
قوله: "وحجٌّ مبرورٌ"، (المبرورُ): مفعولٌ مِن (بَرَّ) إذا أحسنَ، وقيل: الطاعة.
و (حجٌّ مبرورٌ): أي: مقبول، وعلامة كونِه مقبولًا إتيانُ الرجلِ بجميع أركانِه وواجباتِه معَ إخلاصِ النية، واجتنابُ ما نُهِيَ عنه في الحَجِّ.
* * *
١٨٠٣ - وقال: "مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفْسُقَ رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدتْهُ أُمُّهُ".
قوله: "مَنْ حَجَّ لله فلم يَرفُثْ ولم يَفْسُقْ"، قال ابن عباس: الرَّفَثُ: التكلُّمُ بذكر الجِماع، وقال ابن مسعود: الرَّفَثُ: الجِمَاع.
وأما (الفسوقُ) فهو المعاصي، وقيل: اللَّغْوُ، مثل الشَّتم وكلِّ كلامٍ مُحَرَّم، يعني من حَجَّ بحيث يجتنبُ جميعَ ما فيه إثمٌ من القول والفِعل غُفِرَتْ ذُنوبه، وقد ذكرنا بحثَ ما غُفِرَ في الحجِّ في (كتاب الإيمان) في حديث عمرو بن العاص.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
١٨٠٤ - وقال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلَّا الجَنَّةَ".
стр. 1313
قولُه: "العُمْرة إلى العُمْرة كَفَّارةٌ لما بينَهما"، هذا مِثلُ قولِه: "الجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ"، وقد ذُكِر في (كتاب الجمعة)، وفي أول (كتاب الصلاة). روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
١٨٠٥ - وقال: "إنَّ عُمْرَةً في رَمَضانَ تَعْدِلُ حَجَّةً".
قوله: "عُمْرة في رمضانَ تعدِلُ حَجَّةً"؛ أي: تقابلُ وتماثِلُ في الثواب، وإنما عَظُمَ ثوابُ العمرةِ في رمضانَ؛ لأن رمضانَ شهرٌّ شريفٌ، والزمانُ إذا كان شريفًا يكون ثوابُ الطاعةِ فيه أكثرَ من ثوابِ الطاعةِ في زمان غيرِ شريفٍ.
روى هذا الحديثَ ابن عباس وجابر.
* * *
١٨٠٦ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحاءِ، فَرَفَعَتْ إليه امرأةٌ صَبيَّاً، فقالَتْ: ألِهَذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولكِ أَجْرٌ".
قوله: "لقيَ رَكْبًا بالرَّوْحَاء"، (الرَّكْبُ): جمعُ راكب، (الرَّوْحَاءُ): اسمُ مَوْضع.
"فرفعتْ إليه امرأةٌ صَبيًّا"؛ أي: أخرجَتْه من مِحَفَّتِها وقالت: ألهذا حَجٌّ؟ فقال: نَعَم، ولك أجر.
هذا صريحٌ بصحَّةِ حَجِّ الصبيِّ، وحصولِ الثوابِ له ولأبيه وأمِّه وغيرِهما ممن حَجَّ به، وهذا الصبيُّ إذا بلغَ ووجدَ الاستطاعةَ يجبُ عليه الحَجُّ؛ لأنَّ الحجَّ الواقعَ في الصبي يكونُ نافلةً.
وقال بعضُ أهل العراق: حجُّ الصبيَّ لا يكون محسوبًا بل هو لَغْوٌ،
стр. 1314
وهذا خلافُ الحديث.
* * *
١٨٠٧ - عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ اَمْرَأَةً مِن خَثْعَمَ قالَتْ: يا رسولَ الله! إن فَريضةَ الله على عبادِهِ في الحَجِّ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال: "نعم"، وذلكَ في حَجَّةِ الوداع.
قوله: "أنَّ امرأةً مِن خَثْعَمَ"، (خَثْعَمَ): اسمُ قبيلة.
"إنَّ فريضةَ الله على عبادِه في الحَجِّ أدركتْ أبي شيخًا" (شيخًا): منصوب على الحال، يعني وجبَ الحجُّ على أبي لحصولِ المالِ له.
"لا يَثْبُتُ على الرَّاحلة"، أي: لا يقدِرُ على ركوب الدَّابَّةِ لضَعْفِه، أفأحُجُّ عنه؟ قال: نَعَمْ.
هذا دليلٌ على وجوبِ الحَجَّ على الزَّمِنِ والشَّيْخِ العاجِز عن الحَجِّ بنفسه، وهذا قولُ الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إنْ وجدَ المالَ وأسبابَ الحَجَّ ثمَّ صارَ زَمِنًا أو شيخًا عاجزًا لا يَسْقُطُ عنه الحَجُّ بل يَستنيب من يَحُجُّ عنه، وإذا زَمِنَ أو صار شيخًا عاجزًا ثم وجدَ المالَ لا يجبُ عليه الحَجُّ، هذا كلُّه عند أبي حنيفة.
وقال مالك وأحمد: لا يجوزُ الحَجُّ عن الحيَّ سواءٌ وجدَ المالَ قبل العَجْز أو بعدَه، وأمَّا عن الميتِ يجوزُ سواءٌ أوصى به أو لم يوصِ.
وعند الشافعي وأبي حنيفةَ ومالك: إن أوصى به الميت يجوز الحجُّ عنه وإلا فلا، هذا الخلافُ في النافلة أو في الحج الواجب عليه.
стр. 1315
١٨٠٨ - قال: وقال رجلٌ: إنَّ أُختي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ وإنَّها ماتَتْ، فقال النبيُّ ﷺ : "لَوْ كانَ عليها دَيْنٌ، أَكُنْتَ قاضيَهُ؟ " قال: نعم، قال: "فاَقْضِ دَيْنَ الله، فهو أَحَقُّ بالقَضاءِ".
قوله: "قال: وقال رجل"؛ أي: قال ابن عباس، "وقال رجلٌ: إن أختي نَذَرتْ أن تحجَّ، وإنها ماتت، فقال النبي ﵇: "لو كان عليها دينٌ أكنت قاضيَه؟ قال: نعم، قال: فاقضِ الله، فهو أحقُّ بالقضاء".
قوله: "فاقض الله"؛ أي: فاقض دَيْنَ الله، وإنما يجبُ عليه أن يحجَّ عنها بنفسِه أو بنائبٍ إذا تركتْ مالًا، أما إذا لم تتركْ مالًا لا يلزمه أن يحجَّ عنها، وكذلك قضاءُ دَينها، إنما يجبُ إذا تركتْ مالًا، فإن الميتَ إذا تركَ مالًا يقدَّمُ تجهيزُ دفنِه، ثم تقضى ديونُه، ثمَّ تؤدَّى زكاتُه الواجبةُ عليه، ثم يُحَجُّ عنه ما يجبُ عليه من حَجَّة الإسلام أو النَّذْر أو القضاء، ثمَّ يُعطَى الموصَى له إذا كانت ثلثَ ماله أو أقلَّ، ثمَّ يُقسم ما بقيَ من مالِه بين وَرَثته، يجبُ مراعاة هذا الترتيبِ، وهذا الحديثُ يدلُّ على جواز حَجِّ الرجل عن المرأة، والحديث الذي قبلَه يدلُّ على جواز حجَّ المرأةِ عن الرجل.
وقال بعضُ أهل العلم: لا يجوزُ أن تحجَّ المرأةُ عن الرجل؛ لأنها تَلْبَسُ من الثياب في الحجِّ ما لا يجوزُ للرجل، فلا يكونُ حَجُّها مثلَ حَجَّه.
* * *
١٨٠٩ - وقال: "لا يَخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأَةٍ، ولا تُسافِرَنَّ امرأةٌ إلَّا ومعها مَحْرَمٌ"، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! اكْتُتِبْتُ في غَزْوَة كذا وكذا، وخَرَجَتْ اَمْرَأَتي حاجَّةً، قال: "اذهَبْ فاَحْجُجْ مع اَمرأَتِكَ".
قوله: "اكتُتِبْتُ في غَزْوةِ كذا"، وكذا يعني: كَتَبني أمراؤُك ونوَّابك في
стр. 1316
الديوان أن أخرجَ مع الجيش إلى الناحية الفلانية للغَزْو، وامرأتي خرجتْ إلى الحجَّ، وليس معها أحدٌ من المحارم، فقال له رسول الله ﵇: "لا تخرجْ إلى الغزو، واخرجْ مع امرأتِكَ إلى الحَجِّ".
روى هذا الحديث ابن عباس.
* * *
١٨١٠ - وقالت عائشةُ ﵂: اسْتَأْذَنْتُ النَّبيَّ ﷺ في الجِهَادِ، فقال: "جِهادُكُنَّ الحَجُّ".
قوله: "جِهادُكُنَّ الحَجُّ"؛ يعني لا جهادَ عليكن إلا الحجَّ إذا وجدتنَّ الاستطاعةَ.
* * *
١٨١١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُسافرُ امرأةٌ مَسِيْرةَ يومٍ وليلةٍ إلَّا ومعها ذُو رَحمٍ مَحْرَمٍ".
قوله: "لا تسافرُ امرأةٌ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إلا ومعها ذو رَحِمٍ مَحْرَم"، هذا الحديث يدلُّ على عَدمِ لزومِ الحَجِّ على المرأة إذا لم يكن معها ذو مَحْرَمٍ لها، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يلزمُها إذا كانت معها جماعةٌ من النساء، وقال الشافعي: يلزمُها إذا كانت معها امرأةٌ ثقةٌ تأمَنُ معها على نفسها، وفي الجملة: لا يجوزُ للمرأة الخروجُ من بيتها إلى موضعٍ لا تأمنُ على نفسها، قَلَّتِ المسافةُ أم كَثُرَت.
* * *
١٨١٢ - وقال ابن عبَّاس ﵄: وَقَّتَ رسولُ الله ﷺ لأهلِ المدينةِ ذا
стр. 1317
الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولأِهْلِ نَجْدٍ قَرنَ المَنازِلِ، ولأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غيرِ أَهْلِهِنَّ لمَنْ كانَ يُريدُ الْحَجَّ والعُمْرَةَ، فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ، وكذاكَ حتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْها.
قوله: "وَقَّتَ"؛ أي: بيَّنَ هذا الموضعَ للإحرام.
قوله: "فهنَّ لهن"؛ أي: هذه المواضعُ ميقاتٌ من مرَّ بهنّ، سواءٌ كان من أهل ذلك البلد أو من غير أهلِه.
قوله: "لمن كان يريدُ الحَجَّ والعُمْرة"، في هذا دليلٌ على أنَّ مَنْ مرَّ بميقات ولم يقصِدِ الحجَّ والعمرة، فإذا مرَّ على الميقاتِ عَزَمَ حجًّا أو عمرةً جازَ له أن يُحْرِم من حيث عَزمَ، ولا يَلْزَمُه دَمٌ.
وقال أحمد: يلزمُه دمٌ إن لم يَعُدْ إلى الميقات، ويدلُّ على هذا أيضًا على أن ميقاتَ الحجَّ والعمرة واحدٌ.
قوله: "فمن كان دونهن"؛ أي: فمن كان بيتُه أقربَ إلى مكة.
"فمُهَلُّه" بضم الميم؛ أي: موضعُ إهلاله؛ أي: إحرامِه "من أهله"؛ أي: من بيتِه لا يَلْزَمُ عليه أن يَمْشِيَ إلى الميقات.
"وكذاك"، (وكذاك)؛ أي: وكذلك يُحْرِمُ كلُّ شخصٍ من بابِ دارهِ إذا كانت دارُه بين الميقات وبين مكَّةَ.
"حتى أَهْلُ مكةَ يُهِلُّون"؛ أي: يُحْرِمون.
"منها"؛ أي: من بطن مكة، فإن خرجَ المكِّيُّ من مكةَ وأحرمَ قبل أن يخرجَ من أرضِ الحرم لزِمَه دمٌ في أحد القولين، وفي القول الثاني لا يَلْزَمُه الدَّمُ إلا إذا أُخْرِجَ من أرض الحَرَم ثمَّ أَحْرمَ هذا في إحرام الحجِّ.
أما في إحرام العمرة لزمَ للمكيِّ أن يخرجَ من أرض الحرَمِ إلى أرض
стр. 1318
الحِلَّ، ثم يُحْرِم بالعمرة.
* * *
١٨١٤ - وقال أنس: اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ أربعَ عُمَرَ، كُلَّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ إلَّا التي كانَتْ مع حجَّته: عُمرةً من الحُدَيْبيَّة في ذي القَعْدَة، وعُمْرةً من العام المُقبل في ذي القَعْدَةِ، وعمرةً مِنْ الجِعْرانَةِ حيثُ قَسمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ وقبلَ أنْ يحُجَّ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِهِ".
قوله: "أَربَعَ عُمَرٍ"، العُمَرُ: جمعُ عُمْرة.
قوله: "عمرةٌ من الحُدَيْبيَة"؛ يعني: أحرمَ بعمرةٍ من الحُدَيْبيَة، والأفضلُ أن يخرجَ المكَّيُّ لإحرامِ العمرة إلى الجِعْرَانة، فإن لم يخرجْ إليها فإلى التنعيم، فإن لم يخرجِ المَكِّيُّ إليها فإلى الحُدَيْبيَة، فإن خرجَ إلى أولِ أرضِ الحِلِّ وأحرمَ وعاد جاز.
* * *
١٨١٧ - وعن عليًّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبلِّغُهُ إلى بَيْتِ الله ولم يَحُجَّ فلا عليهِ أن يموتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، وذلكَ أنَّ الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ".
قوله: "من مَلَكَ زادًا وراحلةَ تُبَلِّغُه إلى بيت الله ولم يَحُجَّ فلا عليه أن يموتَ يهوديًا أو نصرانيًا".
(فلا عليه)؛ أي؛ فلا مبالاة؛ أي: فلا تفاوتَ عليه، شبَّهَ من لم يحجَ مع الاستطاعة باليهود والنصارى؛ لأن الحجَّ في دِين اليهود والنصارى غيرُ واجب، فإن تركَ مسلمٌ الحجَّ منكِرًا لوجوبه فهو كافرٌ كاليهود والنصارى، وإن تركَ مع الاعتراف بوجوبه فليس بكافرٍ ولكنه عاصٍ مشابهٌ لليهود والنصارى في ترك
стр. 1319
الحَجِّ لا في الكفر، وإنما قال ﵇ هذا التشبيهَ للتهديدِ وتقبيحِ شأنِه.
* * *
١٨١٨ - وقال: "لا صَرُورَةَ في الإِسلامِ".
قوله: "لا صَرُورَةَ في الإِسلام"، وفسَّرَ الصَّرُورَة على وجهين:
أحدهما: أن الصَّرُورَةَ هو الرجلُ الذي تركَ النكاح ومجالسةَ الناسِ وسكنَ الجِبالَ كما هو عادة الرهبان، فقال ﵇: "لا صَرُورةَ في الإسلام"؛ يعني: لا يجوزُ أن يعملَ مسلمٌ عملَ الرهبانِ.
والتفسير الثاني: أن الصَّرُورَةَ هو الرجلُ الذي لم يحجَّ قطُّ، فقال ﵇: "لا صَرُورَةَ في الإِسلام"؛ يعني: لا يجوزُ لأحدٍ أن يتركَ الحجَّ مع الاستطاعة، ومن لم يَحُجَّ عن نفسه لا يجوزُ أن يحجَّ عن غيره عند الشافعيِّ وأحمدَ، ويجوز عند أبي حنيفة ومالك، ومَنْ عليه حَجَّةُ الإِسلامِ لا يجوزُ أن يُحْرِم بغير حَجَّةِ الإِسلام، فإنْ أَحْرَمَ بغير حَجَّةِ الإِسلامِ وقعَ حَجُّه عن حَجَّةِ الإِسلام عند الشافعيَّ.
وقال أبو حنيفة ومالك: يقعُ حَجُّه عما نوى نَذْرًا كان أو نافلةً أو حَجَّةَ الإسلام.
روى هذا الحديث: "لا صَرُورَةَ في الإِسلام" ابن عباس.
* * *
١٨١٩ - وقال: "مَنْ أَرادَ الحَجَّ فّلْيُعَجِّلْ".
قوله: "من أراد الحجَّ فليُعَجِّلْ"، معناه: منْ وجبَ عليه الحَجُّ فليعجِّلْ، وهذا أمرُ استحبابِ لأنَّ تأخيرَ الحَجِّ جائزٌ مِن وَقْتِ وجوبه إلى آخرِ العمر.
стр. 1320
روى هذا الحديثَ عليٌّ ﵁.
* * *
١٨٢٠ - وقال: "تابعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإنَّهُمَا يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وليسَ للحَجَّةِ المبرُورَةِ ثَوابٌ إلا الجَنَّةُ".
قوله: "تابعوا بين الحجِّ والعُمْرة"؛ يعني: إذا حَجَجْتُم فاعتمروا عَقِيبَه.
"فإنهما يَنْفِيان الفَقْرَ والذنوبَ"؛ أي: يُزِيلان.
"كما يَنْفي الكِيْرُ خَبَث الحديد"، (الكِيْرُ): ما يَنفُخُ فيه الحدَّادُ لاشتعال النار لتصفية الحديدِ من الخَبَث، وهو غِشُّ الحديدِ وغيرِه.
اعلم أن الحجَّ واجبٌ على مَن وجدَ الزادَ والراحلةَ وأَمِنَ الطريقَ، وفي العمرة خلافٌ، فعند الشافعيِّ وأحمدَ واجبةٌ، وعند أبي حنيفةَ ومالكٍ سُنَّةٌ.
روى هذا الحديثَ ابن مسعود.
* * *
١٨٢٢ - وعنه قال: سألَ رَجُلٌ رسولَ الله ﷺ : ما الحَاجُّ؟ قال: "الشَّعِثُ التَّفِلُ"، وقال آخَر: أيُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ"، فقال آخَر: ما السَّبيلُ؟ قال: "زادٌ وراحِلَةٌ".
قوله: "ما الحاجُّ"، (ما) للاستفهام؛ يعني: ما صفةُ الذي يَحُجُّ؟ فقال:
"الشَّعِثُ"؛ أي: المُتَفرِّقُ شعرُه مِن عَدَمِ غَسْلِ الرأس.
و"التَّفِلُ"؛ وهو الذي رائحتُه كريهةٌ من عدمِ استعمالِ الطَّيبِ؛ يعني: إذا أحرمَ الرجلُ لا يمتشِطُ رأسَه ولحيتَه كي لا ينتِفَ الشَّعْرَ، فإن امتشَطَ ولم ينتِفِ
стр. 1321
الشعرَ فلا بأسَ، وإن نتفَ لَزِمَه دمٌ بثلاث شعرات أو أكثر، وفي شعرةٍ مُدٌّ في قول، ودرهمٌ في قول، وثلثُ درهم في قول، ويجب في شعرتين مثلُ ما يجبُ في شعرة، وأما استعمال الطَّيْبِ فحرامٌ، ويجبُ فيه دمُ شاةٍ.
قوله: "العَجُّ والثَّجُّ".
(العَجُّ): رفعُ الصوتِ بالتلبية، والتلبيةُ واجبةٌ عند الإحرام في قول أبي حنيفة وأحدِ قولَي الشافعيَّ، فمن تركَها لزمَه دمُ شاةٍ، وعند الآخرين سنة، ويُستحَبُّ رفعُ الصوت بالتلبية في سائر الأحوال وفي المساجد.
وقال مالك: لا يُرفَعُ الصوتُ في المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجدِ منًى.
وأما الثَّجُّ فمعناه: إراقةُ دمِ القُرْبَانِ والهَدْيِ.
قوله: "ما السَّبيل"؛ يعني: أيُّ شيءٍ يوجبُ المشيَ إلى مكةَ، فقال ﵇: "الزادُ والراحلةُ"؛ أي وجودُ الزادِ والمركوبِ.
* * *
١٨٢٣ - عن أبي رَزِين العُقَيْلي: أنَّهُ أَتَى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله!، إنَّ أبي شَيْخٌ كَبيرٌ لا يستطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، قال: "حُجَّ عَنْ أَبيكَ، واعْتَمِرْ"، صحيح.
قولُه: "لا يستطيعُ الحَجَّ والعمرة ولا الظَّعْنَ".
(الظَّعْنُ): الذهابُ؛ يعني: لا يستطيعُ أن يفعلَ أفعالَ الحَجِّ والعمرة، ولا يستطيع الذهابَ، ويحتملُ أن يريدَ بقوله: (ولا الظَّعْنَ) ركوبَ الدابَّةَ؛ لأنه قد جاء الظَّعْنُ والاضطعان بمعنى ركوبِ الدَّابَّة.
* * *
стр. 1322
١٨٢٥ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهلِ المَشْرِقَ العَقِيقَ.
قوله: "وَقَّتَ لأهل المشرقِ والعَقِيق"، أراد بـ (أهل المشرقِ) كلَّ مَنْ جاءَ إلى مكةَ من طريقِ بغدادَ والكوفة.
و (العَقِيق): اسمُ موضعٍ في هذا الطريق قبلَ الوصولِ إلى ذات عِرْقٍ.
* * *
١٨٢٦ - وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
قولُها: "وَقَّتَ لأهلِ العِراق"، أراد بأهلِ العراق أهلَ المَشْرِقِ، وقد ذكرناهم؛ يعني: بيَّنَ لأهل المَشْرِقِ ميقاتين: العقيقَ وذاتَ عِرقٍ، فمن أحرمَ من العَقِيقِ جازَ، ومن لم يُحْرِمْ من العَقِيقِ وجاوزَها حتى وصلَ إلى ذاتِ عِرْقٍ فأحرمَ مِن ذاتِ عِرقٍ جاز ولا شيءَ عليه.
* * *
١٨٢٧ - عن أُمِّ سلَمَةَ: أَنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةِ أو عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجدِ الأَقْصَى إلى المَسجِدِ الحرامِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وما تأَخَّرَ، أو وجَبَتْ له الجَنَّةُ".
قوله: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجدِ الحرامِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه وما تأَخَّرَ أو وَجَبَتْ له الجَنَّةُ"، هذا الإحرام إنْ كان بالحَجِّ يجب أن يكونَ في أشهرِ الحَجِّ وهو شوال وذو القَعْدة وذو الحجَّة إلى فَجْرِ يومِ العيد، وإن كان بالعمرة يجوزُ في جميع السَّنَةِ، وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أن مسافة ما بينَ أولِ موضعِ الإحرامِ وبين مكة إذا كانَ أبعدَ يكون الثوابُ
стр. 1323
أكثرَ، وفيه إشارةٌ إلى أن المسجدَ الأقصى ليس موضعًا لحجةِ الناسِ كما كان أهلُ الكتاب يفعلونَه؛ لأنه لو كان هو الموضعَ المحجوجَ لما أمر الشارعُ بالإحرام منه وقَصْدِ المسجدِ الحرام.
قوله: "أو وَجَبتْ له الجنةُ"، هذا شكٌّ من الراوي في أن النبي ﵇ قال: "غُفِرَ له أو وَجَبت له الجنةُ".
* * *
٢ - باب الإِحْرام والتَّلْبية
(باب الإحرام والتلبية)
١٨٢٨ - قالتْ عائشةُ ﵂: كنتُ أُطَيبُ رسولَ الله ﷺ لإِحْرامِهِ قَبْل أنْ يُحرِمَ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطيبٍ فيه مِسْكٌ، كأنَّي أَنْظُرُ إلى وَبيْصِ الطَّيبِ في مَفْرِقِ رسولِ الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ.
قول عائشةَ: "كنت أطيبُ رسولَ الله ﵇ لإحرامه قبل أن يُحْرِمَ"؛ يعني: يجوزُ أن يطيبَ نفسَه قبل أن يُحرِمَ، فإذا أحرمَ حَرُمَ عليه استعمالُ الطَّيبِ في بدنه وثيابه، فإن استعملَ طِيبًا لَزِمَه شاةٌ.
قولها: "ولحِلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيت".
(الحِلُّ): الخروج من الإحرام؛ يعني: إذا رمى المُحْرِمُ يومَ العيد سبعَ حَصَياتٍ بجمرةِ العقبة جاز أن يُطَيَّبَ بما شاء من الطِّيب قبل أن يطوفَ طوافَ الفرض.
стр. 1324
قولها: "كأني أنظرُ إلى وَبيصِ الطِّيبِ في مفارِقِ رسولِ الله ﵇".
(الوَبيصُ): اللَّمعانُ؛ يعني: يبقى أثر الطَّيْبِ الذي أجعلُه عليه قبلَ الإحرام إلى ما بعد الإحرام، وهذا دليلٌ على أن الطِّيْبَ الذي استعمله المُحْرِمُ قبل الإحرام لو بقيَ أثرُه من الجِرْمِ والرائحةِ واللونِ إلى ما بعد الإحرام جاز، وهذا قول الشافعي.
وفي قول مالك: كرهَ أن يبقى أثرُه بعدَ الإحرام، وفي قول أبي حنيفة: لو بقيَ جِرْمُ الطيب بعد الإحرام لزمَه شاةٌ.
* * *
١٨٢٩ - وقال ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يُهِلُّ مُلَبدًا يقولُ: "لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ"، لا يَزِيدُ على هؤلاءِ الكلِماتِ.
قوله: "يُهِلُّ مُلَبدًا"، (يُهِلُّ)؛ أي: يرفَعُ صوتَه بالتلبية، (ملبدًا): بكسر الباء اسم فاعل، وبفتحها اسم مفعول من التلبيد وكلاهما محتمَلٌ ها هنا.
و (التلبيدُ): هو إلصاقُ شعورِ الرأسِ بالصَّمْغ ونحوِه كي لا يتفرقَ شعرُ الرأس، وكي لا يدخلَ الغبارُ والهوامُّ بين الشعرِ، وهذا جائزٌ للمُحْرِم.
وقال أبو حنيفة: لزمَه دمٌ إن لَبَّدَ بما ليس فيه طِيبٌ؛ لأنه كتغطية الرأس، ولزمَه دَمَانِ إنْ لَبَّد بشيء فيه طِيب.
قوله: "لبَّيكَ اللهم لَبَّيك"، أصلُه: إلْبَابَيْنِ، فنُقلت فتحة الباء إلى اللام، وحُذِفت الهمزة، ثم حُذفت الألف لسكونها وسكونِ الباء الأولى، وأُدغمت الباء في الثانية، ثمَّ أضيفَ إلى كاف الخطاب، فحذفت النون للإضافة فصار: لَبَّيك، وتقديرُه: ألْبَيْتُ يا ربِّ بخدمتك إِلْبابًا بعد إلْبابٍ؛ أي: أقمتُ بخدمتك قيامًا بعد قيام.
стр. 1325
قوله: "إنَّ الحمدَ والنعمَة لك"؛ يجوزُ بكسر الهمزة وفتحها، فمن كسرها جعلها ابتداءَ كلام، وجعل الحمدَ غير مختصًّ بالتلبية؛ أي: إن الحمدَ والنعمةَ لك في جميع الأحوال، وفي جميعِ الأزمان، وفي جميع أفعالي وأقوالي، ومن فتح الهمزة علَّقَ الحمدَ بالتلبية.
وتقديره: لبيك بأن الحمد والنعمة لك؛ أي: أقمتُ بخدمتك لأجل أنك المستحقُّ للحمد.
قوله: "والمُلْكَ، لا شريكَ لك"، (المُلْكَ): معطوفٌ على (الحمد)، وتقديرُه: إن الحمدَ والنعمةَ والمُلْكَ لك، وليس لك شريكٌ في المُلْكِ.
* * *
١٨٣٠ - وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أَدخَلَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ واَسْتَوَتْ به ناقتُهُ قائمةً أهلَّ منْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ.
قوله: "إذا أَدخلَ رِجْلَه في الغَرْزِ".
الغَرْزُ: الحَلْقةُ التي يُدخِلُ الفارسُ رجلَه فيها إذا ركبَ، ويُسمَّى رِكابًا.
والغَرْزُ: رِكاب من الخَشَب، ويُستَعملُ فيما كان من الحديد أيضًا.
قوله: "واستَوتْ به ناقتُه".
(استوى): إذا استقامَ، والباء للتعدية؛ أي: جَعَلَتْه ناقتُه مستقيمًا على ظهرِها؛ أي: فلمَّا ركبَها واستقرَّ على ظهرها أَهَلَّ؛ أي: أحرم؛ يعني: رفع صوتَه بالتلبية ونوى الإحرام، وهذا إشارةٌ إلى أن وقتَ نية الإحرام وأَوَّلِ التَّلْبية أولُ تحرُّكِ الرجلِ للذهابِ من الميقات للحج، والقولُ المختار أنه ينوي الإحرامَ بعد التسليم من رَكعتي الإحرام لحديث ابن عباس أن رسول الله ﵇ كان يُحرم إذا فرغَ من صلاتِه بذي الحُلَيفة.
* * *
стр. 1326
١٨٣١ - وقال أبو سَعيد ﵁: خَرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ نَصْرُخُ بالحَجِّ صُراخًا.
قوله: "ونَصْرُخُ بالحَجِّ"؛ أي: نرفَعُ أصواتَنا بالتلبية.
* * *
١٨٣٢ - وقال أنَسٌ ﵁: كنتُ رَديفَ أبي طَلْحَةَ ﵁، وإنَّهُمْ لَيصرُخُونَ بِهِما جميعًا: الحَجِّ والعُمْرَةِ.
قول أنس: "كنتُ رَدِيفَ أبي طَلْحةَ، وإنَّهم لَيَصرُخُونَ بهما جميعًا: الحَجِّ والعمرةِ". يعني: سمعتُ من الصحابة أنهم يُلبُّون، ويقولُ كلُّ واحد: أحرمتُ بالحج والعمرة يعني القِران، والقرانُ أن ينويَ الحج والعمرة معًا، ويفعلَ أفعالَ الحج، ويُدخِلَ أفعالَ العمرة تحتَ أفعالِ الحج، ويحصُلَ له الحجُّ والعمرةُ جميعًا.
* * *
١٨٣٣ - وقالت عائشةُ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجِّ، وأَهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ، فأمَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ فَحَلَّ، وأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجَّ أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمْرَةَ فلَمْ يَحِلُّوا حتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
قولها: "فأمَّا مَن أَهَلَّ بالعُمْرة فَحَلَّ"؛ يعني: من أَهَلَّ بالعمرة قبل الحج حَلَّ إن خرجَ من العمرة، فإذا طاف بالكعبة وسعى بين الصَّفا والمَرْوة وحلقَ حَلَّ له جميعُ المحظورات في الإحرام، ثمَّ إذا كان يومُ عرفةَ أحرم بالحج.
قولها: "حتى كان يومُ النَّحْر"؛ يعني من أَحرَمَ بالحجَّ مُفْرِدًا أو بالقِرَان لم يحلَّ له شيءٌ من محظورات الإحرام، حتى إذا رمى جمرة العقبة يومَ النحرِ سبعَ
стр. 1327
حَصَيات فحينئذ يحلُّ له التطيُّبُ والقَلْمُ ولُبْسُ المَخِيطِ والحَلْقُ، وبقي تحريمُ مباشرةِ النساءِ وَقَتْلُ الصيد إلى أن يطوفَ طوافَ الفَرْض.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أفضلِ أنواعِ الحَجِّ، فقال الشافعيُّ ومالك: الإفرادُ أفضلُ، وهو أن يُحْرِمَ بالحجِّ ويُتِمَّه، ثمَّ يحرمَ بالعمرة لحديث عائشةَ وحديث جابر.
وقال أحمد بن حنبل: التمتُّعُ أفضلُ لحديث ابن عمرَ أن رسول الله ﵇ تمتَّعَ.
والتمتُّعُ: أن يُحرمَ بالعمرة ويفرغ، ثم يحرِمَ بالحج من جوف مكة.
وقال أبو حنيفة: إن القِرانَ أفضلُ لحديث أنس، وقد ذُكِرَ قُبيلَ حديثِ عائشة هذا.
واعلم أن رسول الله ﵇ لم يَحُجَّ بعد وجوب الحجِّ إلا مرةً واحدةً، وهو حجُّه في السنة العاشرة، ويسمَّى حجَّةَ الوداع، واختلفَ الصحابةُ في أن حجَّه إفرادٌ أو تمتُّعٌ أو قِرَانٌ، فروى بعضُهم أن إحرامَه كان بالحج، فلما فرغَ منه أحرمَ بالعمرة.
وروى بعضهم أنه أحرم بالعمرة فلما فرغَ منها أحرمَ بالحج، وروى بعضهم أنه أحرم بهما جميعًا، ويسمَّى حجُّه على هذه الصفة قِرانًا.
قال الخَطَّابي: طعنَ جماعةٌ من الجُهَّالِ والملحِدين في أصحاب الحديث، وقالوا: إذا أثبتُّم أن رسول الله ﵇ لم يحجَّ إلا حَجَّةَ الوداعِ فكيفَ كان في حَجَّةٍ واحدةٍ مفرِدًا ومتمتِّعًا وقارنًا؟.
فأجابهم الخَطَّابي: وقال الشافعي في تأويل هذا إنَّ رسولَ الله ﵇ لم يَحُجَّ بنفسه إلا نوعًا واحدًا، وهو إما إفراد أو تمتُّعٌ أو قِران.
وما رُويَ عنه من الأنواع الثلاثةِ واحدٌ، منها فَعَلَه بنفسه، والباقي أَمَرَ به
стр. 1328
الصحابة ليتبيَّنَ جوازُ الأنواع الثلاثة، وما أمرَ به أصحابَه أُضيفَ إليه، وإضافةُ ما أَمَر به الآمرُ إلى الآخر جائزٌ مُطَّرِدٌ، كما يقال: قتل الأمير فلانًا، وقد أمرَ بقتلِه، وضرب فلانًا، وقد أمر بضرْبه.
ورويَ أن رسول الله ﵇ رجمَ ماعزَ بن مالك، وقد أمر برَجْمه ولم يكن هو حاضرًا، ثم رُوِيَ أنه ﵇ قطعَ يدَ السارق، وقد أمر بقطعه، ولم يكن هو حاضرًا ثَمَّ، ونحوُ ذلك كثيرٌ، فإذا كان كذلك لم يكن في هذه الروايات تناقضٌ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٣٥ - عن زيَد بن ثابت ﵁: أنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإحرامِهِ واغْتَسَل.
قوله: "تَجَرَّدَ لإحرامه واغتسلَ"؛ يعني: تجرَّدَ عن الثياب المَخِيطةِ، ولبسَ إزارًا أو رداءً للإحرام، والغُسْلُ للإحرام سُنَّةٌ، وهو أن يغتسلَ أولًا ثمَّ يُحْرِمَ.
* * *
١٨٣٦ - وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بالغِسْل.
قوله: "لَبَّدَ رأسَه بالغِسْل".
(لَبَّدَ): أي: أَلْزَقَ رأسَه بالغِسْل - بكسر الغين - وهو الخِطْمِيُّ.
* * *
١٨٣٧ - عن خَلَّاد بن السَّائبِ، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَتاني جِبْرِيلُ فأَمَرَني أن آمُرَ أَصْحَابي أَنْ يَرفَعُوا أصواتَهُمْ بالإحرام والتَّلْبيَةِ".
قوله: "أتاني جبريلُ فأمرني أن آمرَ أصحابي أن يرفَعُوا أصواتَهم بالإحرام
стр. 1329
والتَّلْبية"، وقع في هذا الحديثِ سهوٌ من النَّسَّاخين في قوله: (بالإحرام والتلبية)؛ ولفظُ هذا الحديث في "معالم السنن": "بالإهلال، أو قال بالتلبية"؛ يعني: شكَّ الراوي أن رسول الله ﵇ قال: "أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال". ومعناهما واحد.
ولفظ "شرح السنة": "أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال".
وقال محيي السنة بعد هذا: (يريد أحدَهما)، فإذا شرحَه محيي السنة بقوله: (يريد أحدَهما) علمنا أن لفظَ المصابيح سَهْوٌ من النَّسَّاخين.
* * *
١٨٣٨ - عن سَهْل بن سَعْدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبي إلَّا لَبَّى ما عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ مِنْ حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مَدَرٍ حتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ ها هُنا وها هُنا".
قوله: "إلا لبَّى مَن عن يمينِه وشمالِه"، (مَنْ) ها هنا بمعنى (ما)؛ لأنه يفسِّره بقوله: "من حجرٍ أو شجرٍ أو مدَرٍ"، وكلُّ ذلك ليس بعقلاءَ، فإذا لم تكن هذه الأشياء للعقلاء تكون (مَن) بمعنى (ما)؛ لأن (مَنْ) للعقلاء، و (ما) للجمادات وللحيوانات غيرِ العقلاء.
قوله: "تنقطع الأرضُ مِن ها هنا وها هنا"؛ يعني: إلى منتهى الأرض من جانبِ الشرقِ، وإلى منتهى الأرض من جانب الغَرْب؛ يعني: يوافقُه في التلبية كلُّ رَطْبٍ ويابس في جميع الأرض.
* * *
١٨٤٠ - عن عُمارة بن خُزَيْمَة بن ثابتٍ، عن أَبيه، عن النبيَّ ﷺ : أنَّهُ كانَ إذا فرَغَ من تَلْبيتةِ سألَ الله رِضْوانَهُ والجَنَّةَ، واَستَعْفاهُ برحمتِهِ مِنَ النَّارِ.
стр. 1330
قوله: "واستعفاه"؛ أي: طلبَ العفو، وهو التجاوزُ؛ يعني: طلبَ أن يخلِّصَه برحمتِه من النار.
* * *
٣ - قِصَّةُ حجة الوداع
(باب حجة الوداع)
١٨٤١ - قال جابرُ بن عبد الله ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ مَكَثَ بالمدينةِ تِسْعَ سِنين لم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذِّنَ في النَّاسِ بالحَجِّ في العَاشِرَةِ، فَقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كَثيرٌ، فَخَرَجْنا مَعَهُ حَتَّى إذا أَتَيْنا ذا الحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رسُولِ الله ﷺ : كَيْفَ أَصنَعُ؟ قال: "اَغْتَسِلِي، واَسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى - يعني رسُولَ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ في المسجِدِ، ثمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى إذا اَسْتَوَتْ بِهِ ناقَتُهُ على البَيْدَاءِ، أَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ"، وقال جابر: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذا أتَيْنَا البَيْتَ مَعَهُ اَسْتَلَمَ الرُّكْنَ وطافَ سَبْعًا: رَمَلَ ثلاثًا، ومشى أرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبراهيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ جَعَلَ المَقامَ بينَهُ وبَيْنَ البَيْتِ.
ويُروى: أنَّه قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فاَسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب إلى الصَّفا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفا قرَأَ: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، أَبْدَأُ بما بَدَأَ الله به"، فَبَدَأَ بالصَّفا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حتَّى رأَى البَيْتَ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وكَبَّرَهُ، وقال: "لا إله إلَّا الله وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ،
стр. 1331
لا إله إلَاّ الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بينَ ذلك، قالَ مِثْلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نزَلَ فمشَى إلى المَرْوَةِ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتَّى اَنْصَبَّتْ قدماهُ في بَطْنِ الوادي سَعَى، حتَّى إذا أصْعَدتْ قدمَاهُ مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ والنَّاسُ تَحتَهُ فقال: "لَوْ أَنَّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمري ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وجَعَلْتُها عُمْرَةً، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ليَسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فقامَ سُراقَةُ بن جُعْشُمٍ فقال: يا رسولَ الله!، أَلِعَامِنا هذا أمْ للأبَدِ؟ فَشَبَّكَ رسولُ الله ﷺ أَصابعَهُ وقال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ"، مَرَّتَيْنِ، "لا بلْ لأَبَدِ الأَبَدِ"، وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "ماذا قُلْتَ حينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ "، قالَ: قُلْتُ: اللهمَّ إنَّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ ، قال: "فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ"، قال: "فأَهْدِ، وامكُثْ حرامًا، فلا تَحِلُّ"، قال: فكانَ جماعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ والذي أَتَى بِهِ النَّبيُّ ﷺ مائَةً، قال: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وقَصَّرُوا، إلَاّ النَّبيَّ ﷺ ومَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فلمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِبَ النَّبيُّ، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قليلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بنمِرَةَ، فَسَارَ، فَنَزَلَ بها، حتَّى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوادي، فخَطَبَ النَّاسَ، وقال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ اَبن رَبيعَةَ بن الحارِث - كانَ مُسْتَرْضعًا في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - ورِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعةٌ، وأَوَّلُ ربًا أَضَعُ مِنْ رِبَانا رِبَا عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاَتَّقُوا الله في النِّسَاءِ، فإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ
الحجَّ، "في العاشرة"؛ أي: في السنة العاشرة من الهجرة.
قولُه: "رَمَلَ ثلاثًا".
(الرَّمَلَان): مشيٌ بالسرعة بين العَدْوِ والمَشْيِ؛ يعني: أسرَع في ثلاثة أطواف، ومشى على السكون في الأربعة الباقية من السبعة.
قولُه: " ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ "؛ يعني: السُّنَّةُ لمن فرغَ من الطواف بالبيت أن يُصَلِّيَ في مقامِ إبراهيم رَكعتين، ثم خرجَ من الصَّفا؛ يعني: خرج من الباب المقابل للصفا إلى الصفا.
قوله: "ابدؤوا بما بدأ الله به"؛ يعني: ابدؤوا بالصفا؛ لأن الله بدأَ بذكرِ الصَّفَا في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
(الشعائرُ): جمع شعيرة، وهي العلامة التي جُعِلَتْ وأُظْهِرَتْ للطاعات المأمورةِ في الحجَّ، كالوقوف والرَّمْيِ والطَّوَاف والسَّعْي.
"رَقِيَ"؛ أي: صَعِدَ.
"وَحَّدَ"؛ أي: قال: لا إله إلا الله.
"أَنْجَزَ وَعْدَه"؛ أي: وفى بما وعَد من فتحٍ ونُصرةِ عبده محمد ﵇، ثم دعا بين ذلك، فلما فرغ من قوله: "وهزم الأحزاب وحده" دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكرَ، ثم دعا حتى فعل ثلاثَ مرات.
قوله: "ثم نزل": من الصفا "ومشى إلى المروةِ": في أرضٍ مستويةٍ، "حتى انصَبَّتْ قدماه"؛ أي: حتى وصلَ إلى موضعٍ منخفِضٍ منحدِرٍ "في بطن الوادي"، فإذا وصلَ إلى هذا الموضع سعى سعيًا شديدًا، "حتى إذا صَعدتْ قدماه"؛ يعني: حتى إذا انحدرتْ قدماه؛ أي: وصلَتْ إلى موضعٍ منخفضٍ.
"فمشى"؛ أي: سارَ على السكون، "ففعل على المروة كما فعل على
стр. 1334
الصَّفَا"؛ يعني: رَقِيَ على المروة، وقرأ من الذكر والدعاء كما فعل على الصَّفا، "حتى إذا كان آخرُ طَوَافه على المَرْوة"؛ يعني: سعى بين الصَّفَا والمَرْوة سبعَ مَرَّات، وكان آخر السبعة بالمروة.
قوله: "لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهدي وجعلتها عُمْرةً"؛ يعني: لو كان العزمُ الذي ظهرَ لي في هذه الساعة حصلَ لي عند خروجي من المدينة لما استصحبتُ الهَدْيَ معي، بل جئتُ بغير هَدْيٍ، وجعلتُ إحرامي مصروفًا إلى عُمْرةٍ وفرغتُ منها، ثم أحرمتُ إحرامًا آخَر للحَجِّ، ولكن لمَّا كان معي الهَدْيُ لم أقدِرْ أن أجعلَ ما أحرمتُ به عمرة، فمن لم يكن منكم معه هديٌ وأحرمَ بالعمرة فليخرُجْ من إحرامه بعد فراغِه من أفعالِ العمرة، وقد أبيحَ له ما حُرِّمَ عليه بسبب الإحرام حتى يستأنفَ إحرامًا للحَجِّ.
اعلم أن أبا حنيفةَ قال: مَنْ أحرمَ بالعمرة وكان معه الهديُ لا يجوز له أن يخرجَ من الإحرام بعد فراغه من أفعال العمرة، بل يَلزَمُه أن يُدخلَ الحج في العمرة ويتمَّ الحجَّ، وإن لم يكن معه هديٌ جاز له أن يخرجَ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة ثم يستأنفَ إحرامًا للحجِّ وذلك لقولِه ﵇: (لو أني استقبلت من أمري ...) إلى آخره.
وقال الشافعي: يجوز لمن أحرمَ بالعمرة أن يخرجَ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة، سواءٌ كان معه هديٌ أو لم يكن، وتأويلُ هذا الحديث أنه استحبابٌ غيرُ لازم، وقد قلنا: إنَّ الصحابةَ اختلفوا في أن النبي ﵇ كان مفرِدًا في حَجِّه، أو متمتِّعًا أو قارنًا، وأصحُّ الروايات عند الشافعي وأبي حنيفة، وكثيرٍ من أهل العلم أنه كان متمتِّعًا، هكذا أورده محيي السنة.
قوله: "لو استقبلتُ من أمري"؛ أي: لو علمتُ قبلَ هذا ما استدبرتُ؛ أي: ما علمتُ بعد وصولي إلى هذا المكان.
стр. 1335
قوله: "دخلتِ العمرةُ في الحجِّ مرتين لا بل لأبدٍ"، يريد بدخولِ العمرة في الحج القِرانَ؛ يعني: يجوز أن يحجَّ بالعمرة ثم يدخلَ الحجَّ في إحرام العمرة حتى يكون قارنًا، فهذا يجوزُ إلى يوم القيامة، ويحتملُ أن يريدَ بدخول العمرة في الحجِّ دخولَ العمرة في أيام الحج، يعني: يجوز أن يحرمَ بالعمرة في أيام الحج ويفرُغَ منها، ثم يُحرِم بالحج، ولم يجوِّزْ هذا الفعلَ أهلُ الجاهلية، بل يحسَبون العمرةَ في أيام الحج من أعظم الكبائر، فقال رسول الله ﵇: "دخلت العمرة في الحج حتى يعلموا جَوازه".
قوله: "ببُدُنِ النبيِّ ﵇".
(البُدُن) بضم الباء والدال وبضم الباء وسكون الدال: جمعُ بَدَنة، وهو ما يُذبَح في الحجِّ، وما للقُرْبان من الإبل.
قوله: "اللهم إني أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولُ الله ﷺ "، هذا يدلُّ على جواز تعليقِ إحرامِ الرجل على إحرامِ غيرِه كما في هذا الحديث.
قوله: "فإنَّ معي الهَدْيَ، فلا تَحِلُّ"؛ يعني: إذا عَلَّقْتَ إحرامك بإحرامي، فإن أحرمتُ بالعمرة ومعي الهَدْيُ فلا يَحِلُّ أن تخرجَ من العمرة، بل أدخلت الحج في العمرة فلا تخرج من الإحرام كما لا أخرج حتى نفرُغَ من العمرة والحج.
قوله: "فحَلَّ الناس"؛ يعني: خرجَ من الإحرام مَنْ أحرمَ بالعمرة ولم يكن معه هَدْيٌ بعد الفراغ منها وقَصَّروا، فأما مَنْ أحرمَ بالحَجِّ وجمع بين الحَج والعمرة - أعني: كان قارنًا - لم يخرجْ من الإحرام.
"فلمَّا كان يومُ التروية"، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، خرجوا جميعًا من مكة إلى مِنًى، ويُسمَّى هذا اليوم يومَ التروية.
(الترويةُ): سقيُ الماءِ بَقدْرِ زوالِ العَطَش، والترويةُ: التفكُّر، قيل: يسمَّى