Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
لا إله إلَاّ الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بينَ ذلك، قالَ مِثْلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نزَلَ فمشَى إلى المَرْوَةِ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتَّى اَنْصَبَّتْ قدماهُ في بَطْنِ الوادي سَعَى، حتَّى إذا أصْعَدتْ قدمَاهُ مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ والنَّاسُ تَحتَهُ فقال: "لَوْ أَنَّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمري ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وجَعَلْتُها عُمْرَةً، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ليَسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فقامَ سُراقَةُ بن جُعْشُمٍ فقال: يا رسولَ الله!، أَلِعَامِنا هذا أمْ للأبَدِ؟ فَشَبَّكَ رسولُ الله ﷺ أَصابعَهُ وقال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ"، مَرَّتَيْنِ، "لا بلْ لأَبَدِ الأَبَدِ"، وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "ماذا قُلْتَ حينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ "، قالَ: قُلْتُ: اللهمَّ إنَّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ ، قال: "فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ"، قال: "فأَهْدِ، وامكُثْ حرامًا، فلا تَحِلُّ"، قال: فكانَ جماعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ والذي أَتَى بِهِ النَّبيُّ ﷺ مائَةً، قال: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وقَصَّرُوا، إلَاّ النَّبيَّ ﷺ ومَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فلمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِبَ النَّبيُّ، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قليلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بنمِرَةَ، فَسَارَ، فَنَزَلَ بها، حتَّى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوادي، فخَطَبَ النَّاسَ، وقال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ اَبن رَبيعَةَ بن الحارِث - كانَ مُسْتَرْضعًا في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - ورِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعةٌ، وأَوَّلُ ربًا أَضَعُ مِنْ رِبَانا رِبَا عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاَتَّقُوا الله في النِّسَاءِ، فإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ
стр. 1332
فاَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ، وقَدْ تَرَكْتُ فيكُمْ مَا لنْ تَضلُّوا بَعْدَهُ إِن اَعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ الله، وأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ "، قالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ، فقال بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءِ، ويَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: "اللهمَّ اَشْهَدْ، اللهمَّ اَشْهَدْ، اللهمَّ اَشْهَدْ" ثَلَاثَ مرَّات، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، ثُمَّ أقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المُشاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ أُسامَةَ خَلْفَهُ، ودَفَعَ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأَذَانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْنِ، ولم يُسَبحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اَضْطَجَعَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَصَلَّى الفَجْرَ حينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَحَمِدَ الله وكَبَّرَهُ وهَلَّلَهُ ووَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتَّى أسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَع قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ الفَضْلَ بن عَبَّاسٍ ﵄ حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قليلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّريقَ الوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فرماهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حصَاةٍ منها مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ، فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الوادِي، ثُمَّ اَنْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثلاثًا وسِتِّينَ إبلًا بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَر ما غَبَرَ، وأَشْرَكَهُ في هَدْيهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا، وشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَأَفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بني عَبْدِ المُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقالَ: "انْزَعوا بني عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ منهُ.
"ثم أَذَّنَ"؛ أي: ثمَّ نادَى وأَعْلَمَ، "في الناس"؛ أي: بينَ الناس بأني أريدُ
стр. 1333
الحجَّ، "في العاشرة"؛ أي: في السنة العاشرة من الهجرة.
قولُه: "رَمَلَ ثلاثًا".
(الرَّمَلَان): مشيٌ بالسرعة بين العَدْوِ والمَشْيِ؛ يعني: أسرَع في ثلاثة أطواف، ومشى على السكون في الأربعة الباقية من السبعة.
قولُه: " ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ "؛ يعني: السُّنَّةُ لمن فرغَ من الطواف بالبيت أن يُصَلِّيَ في مقامِ إبراهيم رَكعتين، ثم خرجَ من الصَّفا؛ يعني: خرج من الباب المقابل للصفا إلى الصفا.
قوله: "ابدؤوا بما بدأ الله به"؛ يعني: ابدؤوا بالصفا؛ لأن الله بدأَ بذكرِ الصَّفَا في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
(الشعائرُ): جمع شعيرة، وهي العلامة التي جُعِلَتْ وأُظْهِرَتْ للطاعات المأمورةِ في الحجَّ، كالوقوف والرَّمْيِ والطَّوَاف والسَّعْي.
"رَقِيَ"؛ أي: صَعِدَ.
"وَحَّدَ"؛ أي: قال: لا إله إلا الله.
"أَنْجَزَ وَعْدَه"؛ أي: وفى بما وعَد من فتحٍ ونُصرةِ عبده محمد ﵇، ثم دعا بين ذلك، فلما فرغ من قوله: "وهزم الأحزاب وحده" دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكرَ، ثم دعا حتى فعل ثلاثَ مرات.
قوله: "ثم نزل": من الصفا "ومشى إلى المروةِ": في أرضٍ مستويةٍ، "حتى انصَبَّتْ قدماه"؛ أي: حتى وصلَ إلى موضعٍ منخفِضٍ منحدِرٍ "في بطن الوادي"، فإذا وصلَ إلى هذا الموضع سعى سعيًا شديدًا، "حتى إذا صَعدتْ قدماه"؛ يعني: حتى إذا انحدرتْ قدماه؛ أي: وصلَتْ إلى موضعٍ منخفضٍ.
"فمشى"؛ أي: سارَ على السكون، "ففعل على المروة كما فعل على
стр. 1334
الصَّفَا"؛ يعني: رَقِيَ على المروة، وقرأ من الذكر والدعاء كما فعل على الصَّفا، "حتى إذا كان آخرُ طَوَافه على المَرْوة"؛ يعني: سعى بين الصَّفَا والمَرْوة سبعَ مَرَّات، وكان آخر السبعة بالمروة.
قوله: "لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهدي وجعلتها عُمْرةً"؛ يعني: لو كان العزمُ الذي ظهرَ لي في هذه الساعة حصلَ لي عند خروجي من المدينة لما استصحبتُ الهَدْيَ معي، بل جئتُ بغير هَدْيٍ، وجعلتُ إحرامي مصروفًا إلى عُمْرةٍ وفرغتُ منها، ثم أحرمتُ إحرامًا آخَر للحَجِّ، ولكن لمَّا كان معي الهَدْيُ لم أقدِرْ أن أجعلَ ما أحرمتُ به عمرة، فمن لم يكن منكم معه هديٌ وأحرمَ بالعمرة فليخرُجْ من إحرامه بعد فراغِه من أفعالِ العمرة، وقد أبيحَ له ما حُرِّمَ عليه بسبب الإحرام حتى يستأنفَ إحرامًا للحَجِّ.
اعلم أن أبا حنيفةَ قال: مَنْ أحرمَ بالعمرة وكان معه الهديُ لا يجوز له أن يخرجَ من الإحرام بعد فراغه من أفعال العمرة، بل يَلزَمُه أن يُدخلَ الحج في العمرة ويتمَّ الحجَّ، وإن لم يكن معه هديٌ جاز له أن يخرجَ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة ثم يستأنفَ إحرامًا للحجِّ وذلك لقولِه ﵇: (لو أني استقبلت من أمري ...) إلى آخره.
وقال الشافعي: يجوز لمن أحرمَ بالعمرة أن يخرجَ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة، سواءٌ كان معه هديٌ أو لم يكن، وتأويلُ هذا الحديث أنه استحبابٌ غيرُ لازم، وقد قلنا: إنَّ الصحابةَ اختلفوا في أن النبي ﵇ كان مفرِدًا في حَجِّه، أو متمتِّعًا أو قارنًا، وأصحُّ الروايات عند الشافعي وأبي حنيفة، وكثيرٍ من أهل العلم أنه كان متمتِّعًا، هكذا أورده محيي السنة.
قوله: "لو استقبلتُ من أمري"؛ أي: لو علمتُ قبلَ هذا ما استدبرتُ؛ أي: ما علمتُ بعد وصولي إلى هذا المكان.
стр. 1335
قوله: "دخلتِ العمرةُ في الحجِّ مرتين لا بل لأبدٍ"، يريد بدخولِ العمرة في الحج القِرانَ؛ يعني: يجوز أن يحجَّ بالعمرة ثم يدخلَ الحجَّ في إحرام العمرة حتى يكون قارنًا، فهذا يجوزُ إلى يوم القيامة، ويحتملُ أن يريدَ بدخول العمرة في الحجِّ دخولَ العمرة في أيام الحج، يعني: يجوز أن يحرمَ بالعمرة في أيام الحج ويفرُغَ منها، ثم يُحرِم بالحج، ولم يجوِّزْ هذا الفعلَ أهلُ الجاهلية، بل يحسَبون العمرةَ في أيام الحج من أعظم الكبائر، فقال رسول الله ﵇: "دخلت العمرة في الحج حتى يعلموا جَوازه".
قوله: "ببُدُنِ النبيِّ ﵇".
(البُدُن) بضم الباء والدال وبضم الباء وسكون الدال: جمعُ بَدَنة، وهو ما يُذبَح في الحجِّ، وما للقُرْبان من الإبل.
قوله: "اللهم إني أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولُ الله ﷺ "، هذا يدلُّ على جواز تعليقِ إحرامِ الرجل على إحرامِ غيرِه كما في هذا الحديث.
قوله: "فإنَّ معي الهَدْيَ، فلا تَحِلُّ"؛ يعني: إذا عَلَّقْتَ إحرامك بإحرامي، فإن أحرمتُ بالعمرة ومعي الهَدْيُ فلا يَحِلُّ أن تخرجَ من العمرة، بل أدخلت الحج في العمرة فلا تخرج من الإحرام كما لا أخرج حتى نفرُغَ من العمرة والحج.
قوله: "فحَلَّ الناس"؛ يعني: خرجَ من الإحرام مَنْ أحرمَ بالعمرة ولم يكن معه هَدْيٌ بعد الفراغ منها وقَصَّروا، فأما مَنْ أحرمَ بالحَجِّ وجمع بين الحَج والعمرة - أعني: كان قارنًا - لم يخرجْ من الإحرام.
"فلمَّا كان يومُ التروية"، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، خرجوا جميعًا من مكة إلى مِنًى، ويُسمَّى هذا اليوم يومَ التروية.
(الترويةُ): سقيُ الماءِ بَقدْرِ زوالِ العَطَش، والترويةُ: التفكُّر، قيل: يسمَّى
стр. 1336
يومُ الثامن من ذي الحجة يومَ التروية؛ لأن إبلَ الحُجَّاج رُوِيَتْ في هذا اليومِ بعدَ عطشِها في الطريق.
وقيل: سُمِّيَ يومَ التروية؛ لأن إبراهيم ﵇ رأى في المنام ليلةَ ثامن ذي الحجة ذَبْحَ إسماعيل، وجعلَ يومَ الثامن يروي؛ أي: يُفَكِّرُ في رُؤْياه أنه كيف يصنع؟ حتَّى جزَمَ عزمَه يوم العاشر بذبح إسماعيلَ ﵇.
قوله: "فأهلوا بالحج"؛ أي: أحرمَ بالحجِّ مَنْ خرجَ من الإحرام بعد الفراغ من العمرة، وركبَ النبيُّ ﵇؛ يعني: ركبَ النبيُّ ﵇ وسار من مكة إلى منًى يومَ التروية، وصلَّى بمنًى في هذا اليوم الظهرَ، وكان هناك حتى صلَّى الفجرَ يومَ التاسع.
قوله: "بنمِرَة"، (نَمِرَة): اسمُ موضعٍ قريبٍ من عَرَفَة.
"زاغَتِ الشمسُ"؛ أي: مالت الشمس، فدخلَ وقتُ الظُّهر.
"فأمر بالقَصْوَاءِ"؛ أي: أمرَ بعضَ أصحابه بإحضارِ القَصْواءِ، وهي ناقةٌ له ﷺ مقطوعةُ الأذن.
"فرُحِلَتْ"؛ أي: وُضعَ عليها الرَّحْلُ.
"بطن الوادي": موضعٌ بعَرَفَة.
قوله: "كحرمة يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا"؛ أي: في ذي الحِجَّة.
(يومكم هذا)؛ أي: يوم عَرَفة، والمراد به أيام الحج كلُّها؛ يعني يُحرَّمُ في هذه الأيام على المُحْرِمين قتلُ الصَّيد، والطِّيبُ، ولُبْسُ المَخِيط، وغيرُها، ويُحَرَّمُ في يوم العيد وأيام التَّشرِيق الصَّوْمُ أيضًا.
(في شهركم هذا)؛ أي: في ذي الحجة.
стр. 1337
(في بلدكم)، إشارة إلى مكة وحواليها من أرض الحَرَم؛ يعني: دماؤكم وأعراضكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كالقتل المُحرَّم وغيرِه من الفواحش في هذا اليومِ والشهرِ والبلدِ، محرَّمٌ أشدَّ التحريم، فالمُحرَّم في الأشهرِ الحُرُم هو القتالُ، وقد نُسِخَ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
وأما المحرَّمات في مكة فيأتي في حرمِ مكةَ بحثُه.
قوله: "ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية موضوعٌ تحتَ قَدَمَيَّ"؛ يعني: عفوتُ كلَّ شيءٍ فعلَه رجلٌ قبلَ الإسلام؛ يعني: لا يؤاخذُه بعد إسلامه بما فعلَه في الجاهلية، ودماءُ الجاهلية موضوعةٌ؛ يعني: لا قصاصَ ولا ديةَ ولا كفارةَ على مَنْ قتلَ أحدًا في الكفر بعد ما أسلم.
قوله: "وإنَّ أولَ دمٍ أضعُ من دمائنا"؛ يعني عفوت القصاص والدية والكفارة عمن قُتِلَ من أقاربنا حتى تعلموا أنه لا فرق في حكم الله بين من قتل قرشيًّا أو غيره في الكفر، فإذا أسلم فلا شيء عليه، كابن ربيعة بن الحارث.
قوله: "دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعًا"؛ أي: وكان صغيرًا في قبيلة بني سعد له ظِئرٌ تُرْضعُه، فقتلته هُذَيل.
(الاسترضاعُ): استئجار أحدٍ للإرضاع.
قوله: "وربا الجاهلية موضوعةٌ"؛ يعني: كلُّ قرض أعطاه الرجلُ ليأخذَ أكثرَ مما أعطاه فقد سقطت الزيادة، ولا يجوزُ له أن يأخذَ إلا ما أعطاه وتحرمُ عليه الزيادةُ.
قوله: "فاتقوا الله في النساء"؛ يعني: اتقوا الله في أمر النساء فلا تؤذوهنَّ بالباطل، "فإنكم أخذتموهن بأمانةِ الله"؛ يعني: هنَّ إماءُ الله، فإذا تزوجتموهنَّ فكأنَّ الله أعطاكموهنَّ بالأمانة، فإذا آذيتموهنَّ بالباطل فكأنكم نقضتُم عهدَ الله، وخُنْتُم في أمانة الله، "واستحلَلْتُم فروجهنَّ بكلمة الله"؛ أي: تزوجْتموهنَّ بحكمِ
стр. 1338
الله وأمرهِ، وإذا تزوجتموهنَّ بحكم الله وبأمر الله فكأنهنَّ بحكمه، فإذا تزوجتموهن بحكم الله فكأنهن مودَعاتٌ وأماناتٌ من الله عندكم.
قوله: "ولكم عليهنَّ أن لا يوطِئْنَ فرشَكُم أحدًا تكرهونه".
(وَطِئ): إذا ضربَ شيئًا بالرِّجْل، وأوطَأ يُوطِئ إذا حملَ وأمرَ أحدًا بوضْعِ الرِّجْلِ على شيءٍ؛ يعني: ولكم من الحقِّ والأمرِ عليهن ألَاّ يأذَنَّ ولا يتركْنَ أحدًا أن يدخلَ بيوتكم مِمَّن لا محرميةَ بينَه وبينهنَّ، ومنْ كان بينه وبينهن محرميةٌ أيضًا لا يجوزُ أن يتركْنَه ليدخلَ إلا بإذنكم.
"فإن فَعلنَ ذلك"؛ أي: فإن أَذِنَّ في دخولِ بيوتكم مَن لا ترضون بدخوله "فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّح"، (التبريحُ): الإيذاءُ؛ يعني: ضربًا لا يقتلُهنَّ، ولا يكسرُ أعضاءَهنَّ، ولا يَلْحَقُهُنَّ منه ضررٌ شديدٌ.
قوله: "وأنتم تُسْأَلون عني"؛ يعني: يسألكم ربُّكم يومَ القيامة أن محمدًا ﵇. هل بلَّغكم رسالتي؟ فما تقولون في ذلك اليوم؟
"يَنْكُتُها"؛ أي: يُشِيُر بها "إلى الناس"؛ يعني: اللهمَّ فاشهد على عبادك، فإنهم أقرُّوا بأني قد بلغتهم رسالتك.
قوله: "ثم أَذَّنَ بلالٌ فأقامَ فصلَّى الظهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العصر"، اعلم أن الجمعَ بين الظهر والعصرِ يجوزُ بعَرفَةَ لمن كان بينَه وبين وطنه مسافةُ القَصْر، فأما مَن كان بينه وبين وطنه أقلُّ من مسافة القَصْر فلا يجوزُ عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، ويجوز عند مالك، وكذلك البحثُ في الجَمْع بين المغرب والعشاء بمزدلفةَ، فإن صلَّى كلَّ صلاة في وقتها جاز.
وقال أبو حنيفة: إن صلَّى المغرب قبل أن يصلَ إلى المزدلفة عليه الإعادة.
قوله: "ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا"؛ يعني: لم يُصَلِّ بين الظهر والعصر شيئًا من السُّنَن والنوافل كي لا يقطعَ الجمع؛ لأن الموالاةَ بين الصلاتين واجبٌ،
стр. 1339
ولا يجوزُ التفريق بينهما إلا بقدْرِ الإقامة.
قوله: "وجعلَ حَبْلَ المُشَاةِ بين يديه"، و (حَبْلُ المُشَاةِ): اسمُ موضعٍ من الرَّمْلِ مرتفعةٍ كالكثبان، وإنما أضافها إلى الماشي لأنه لا يقدر أن يصعَدَ إليها إلا الماشي.
قوله: "وأَرْدَفَ"؛ أي: وأَرْكَبَ.
"ودَفَعَ"؛ أي: ذهبَ.
"ولم يُسَبح"؛ أي: ولم يصلِّ بين المغرب والعشاء، "شيئًا" من السنن والنوافل.
"حتَّى أَسْفَرَ"؛ أي: حتى أضاءَ، "جِدًّا"؛ أي: على الحقيقة؛ أي: حتى أضاء إضاءةً تامة.
قوله: "حتى أتى بطن الوادي مُحَسِّرٍ، فحرَّكَ قليلًا".
بطن مُحَسِّر ووادي مُحَسِّر كلاهما واحدٌ، وهو اسم موضعٍ من مزدلفةَ ويسمَّى مُحَسِّرًا بكَسْرِ السينِ؛ لأن التحسيرَ الإتعابُ، وهذا الموضعُ يحسِّرُ السالِكين ورواحلَهم لسرعتهم في هذا الموضع، وسبب تحريك لنبيِّ ﵇ ناقتَه في هذا الموضعِ اشتياقُه إلى منًى، أو إسراعُه في أداء العبادات المأمورةِ بمنًى، وهذا كما جاء أنه ﵇ إذا رجعَ من عرفةَ ورأى المدينة حَرَّكَ دابَّتَه مِن حبِّ المدينة.
قوله: "حَصَى الخَذْف"، (الحَصَى): جمعُ حصاةٍ، وهي الحَجرُ الصغير، (الخَذْفُ): الرميُ برؤوس الأصابع؛ يعني: رمى بالحِجارِ الصِّغَارِ بقدْرِ ما يَرميه الرجلُ برؤوسِ أصابعِه؛ يعني: بقدْرِ الباقِلَاّءِ ونواةِ التمر، والموضعُ الذي رمى فيه في هذا اليوم - أي: يوم النَّحْر - وهو جَمرةُ العَقَبة.
стр. 1340
"ثم انصرف"؛ أي: رجع من جَمْرة العَقَبة "إلى المَنْحَر"، وهو الموضعُ الذي يُنْحَرُ؛ أي: يُذْبَحُ فيه الهديُ والأُضحيةُ، "فنحرَ ثلاثًا وستين بيده"؛ يعني: نحرَ رسولُ الله ﵇ ثلاثًا وستين أُضْحِيةً بيده، وإنما نحرَ هذا القَدْرَ؛ لأن عمرَه في ذلك الوقت ثلاثٌ وستون سنةً، فنحرَ عن كلِّ سنةٍ أُضْحِيةً.
ثم "أعطى عليًا ﵁ فنحرَ ما غَبَرَ"، (غبَر)؛ أي: بقيَ؛ يعني أعطى رسولُ الله ﵇ عليَّ بن أبي طالب من إبلِ ضحاياه إلى تمامِ مئةٍ، وهو سبعةٌ وثلاثون.
"وأَشْرَكَه في هَدْيهِ"؛ أي: وأشركَ رسولُ الله ﵇ عليًا في هَدْيهِ؛ أي: أعطاه بعضَ الهدايا لينحرَه عن نفسه؛ لأنه لم يكن له هَدْيٌ في تلك الحَجَّة.
"ببَضْعةٍ" بفتح الباء؛ أي: بقِطْعة.
قوله: "فأكلا من لَحْمِها وشَرِبَا من مَرَقِها"، الضميرُ المؤنَّثُ يعود إلى القِدْر؛ لأنها مؤنثٌ سماعي، وإنما أكلا لأن ما نحره ﵇ كانَ تطوُّعًا، وكلُّ هَدْيٍ أو أُضْحِيةٍ يجوزُ أن يأكلَ صاحبُه منه إذا كان تطوُّعًا، وإن كان واجبًا لا يجوزُ عند الشافعيِّ سواءٌ وجبَ بالتمتُّع أو القِران أو جزاء الصيد أو النَّذْر وغيره.
وقال أبو حنيفة: إن وجبَ بالتمتع أو القِران يجوزُ أن يأكلَ منه، وإن وجب بسبب آخرَ فلا يجوز أن يأكل منه.
وقال مالك: إن وجب بقتل الصيد أو بالنَّذْر أو بالحَلْقِ لدفع القَمْلِ لا يجوز أن يأكل منه، وإن وجب بسببٍ آخرَ يجوزُ أن يأكلَ منه.
قوله: "فأفاضَ إلى البيت"؛ أي: مشى إلى الكعبة لطوافِ الفَرْضِ.
قوله: "فأتى بني عبدِ المطَّلِب"، يعني عباس بن عبد المطلب، ومتعلقيه
стр. 1341
"يَسْقُون على زمزم"؛ يعني ينزعون الماءَ من بئر زمزم ويسقُون الناس.
"فلولا أن يغلبَكم الناسُ على سِقايتكم لنزعتُ معكم"؛ يعني: هذا عملٌ صالحٌ، وأرغبُ فيه من كثرة ثوابه إلا أن أخاف لو أنزع الماء بنفسي من هذا البئر لوافقني خلقٌ كثيرٌ ولرغب فيه خلق كثير وازدحموا عليه حتى يخرجوكم منه، فلأجل هذا السبب لا أنزع.
"فناولوه"؛ أي: أعطَوه دلوًا فشربَ منه، فصار الشرب من بئر زمزم سُنَّةً.
قصة حفر بئر زمزم:
قال عبد المطلب جدُّ النبي ﵇: بينما أنا بين النائم واليقظان إذ هتفَ بي هاتفٌ، وأمرني بحفر بئر زمزم، فقلت: وما زمزم؟ قال: بئرٌ لا يَنزِفُ ماؤها ولا ينقصُ فورانُها، يسقي الحجيجَ الأعظم مدى الدهر، ويتبرَّكُ به المُقيمُ والقادم، فخرجتُ مسرِعًا، وقد صحَبني ولدي الحارثُ، ولم يكن لي يومئذ ولدٌ غيرُه، وأتيتُ الحارثَ فوجدتُ غرابًا ينقُرُ بين إسافٍ ونائلةَ، فعمدتُ إلى ذلك الموضع وحفرتُه بأسهلِ ما يكون من غير لحوقِ مشقَّةٍ، فلمَّا بدا لي الماءُ كالعين الغزيرة الفَوَّارةِ كَبَّرْتُ، وحمدتُ الله على ما أنعمَ به عليَّ.
شرح مُشْكِلاتِ هذه القصة:
"هتفَ بي هاتفٌ"؛ أي: دعاني.
"لا ينزفُ"؛ أي: لا يفنى.
"فورانُها"؛ أي: غليانها وغلبتُها.
"يسقي الحجيجَ الأعظمَ"؛ يعني: تشربُ منه القافلةُ العظيمةُ التي تحجُّون بيت الله.
"يَنْقُرُ"؛ أي: يحفرُ في الأرض لأعلمَ أن ذلك الموضع موضع بئر زمزم.
стр. 1342
"إسافٌ ونائلةُ": اسما صنمين كانا في ذلك الموضع.
"الغزيرة"؛ الكثيرةُ، (الفَوَّارة) مثل الفَوَران.
* * *
١٨٤٢ - وقالت عائشة ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ولَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُما".
وفي روايةٍ: "فلا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بنحْرِ هَدْيهِ، ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ".
وقالَتْ: فَحِضْتُ، ولَمْ أَطُفْ بالبَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حائِضًا حتَّى كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، ولَمْ أُهِلَّ إلَاّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبيُّ ﷺ أَنْ أنْقُضَ رَأْسي وأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بالحَجِّ، وأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ حتَّى قَضَيتُ حَجَّتي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحمنِ بن أَبِي بَكْرٍ، وأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيم، قالت: فَطَافَ الذينَ كانُوا أَهَلُّوا بالعُمْرَةِ بالبيتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا بَعْدَ أن رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وأَمَّا الذينَ جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوَافًا واحِدًا.
قوله: "ومن أهلَّ بعمرةٍ ولم يُهْدِ فليَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بعمرةٍ وأهدى فلْيُهِلَّ بالحجِّ مع العمرة"؛ يعني: من أحرم بالعمرة ومعه الهَدْيُ فليُدْخِلِ الحجَّ في العمرة ليكونَ قارنًا، وقد تقدَّم بحث هذا في الحديث المتقدِّم.
"ثمَّ لا يَحِلُّ حتى يحلَّ منهما"؛ يعني: لا يخرج من الإحرام، ولا يحلُّ له شيءٌ من محظورات الإحرام حتى يُتِمَّ أفعالَ العمرة والحجِّ جميعًا؛ أي: حتى
стр. 1343
يفعلَ ما يفعلُه القارِنُ.
قوله: "حتى يَحِلَّ بنحر هَدْيه"؛ أي: حتى يأتيَ يومُ العيدِ، فإنه لا يجوزُ نَحْرُ الهَدْيِ قبل يوم العيد.
قولها: "فأمرني رسول الله ﵇ أن أنقضَ من رأسي"؛ يعني: كنت أحرمتُ بالعمرة فحضتُ، فلم أقدرْ على الطواف والسعي للعمرة، فأمرني رسول الله ﵇ أن أخرجَ من إحرام العمرة، وأتركَ العمرة، وأستبيحَ محظوراتِ الإحرامِ، وأُحْرِمَ بعد ذلك بالحجِّ، وأُتِمَّ الحجَّ، فإذا فرغَ من الحجِّ أحرم بالعمرة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: ليس هذا الحديث أنه ﵇ أمرَها بتركِ العمرة، بل معناه أنه أمرها بتركِ أعمالِ العمرة بين الطَّوَاف والسَّعْي، وأمرها أن تدخلَ الحجَّ في العمرة لتكون قارِنةً، وأما عمرتُها بعد الفراغ من الحجِّ كانت تطوُّعًا لتطيبَ نفسُها؛ كي لا تظنَّ لحوقَ نقصانٍ عليها بتركها أعمالَ عمرتِها الأولى.
ويجوزُ للقارنِ طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ للعمرة والحجِّ عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لزمَه أن يطوفَ طوافين:
أحدُهما: قبل الوقوف بعرفة للعمرة، والثاني: بعد الوقوف للحج.
قولها: "ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا مِن مِنًى"؛ يعني: طاف الذين أفردُوا العمرةَ عن الحجِّ طوافين: طوافًا للعمرة، وطوافًا بعد أن رجعوا للحجِّ في يوم النَّحْرِ بعد أن رجعوا من مِنًى إلى مكة.
"وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا" يومَ النَّحْرِ للحج والعمرةِ جميعًا.
* * *
стр. 1344
١٨٤٣ - وقال عبد الله بن عُمر: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فساقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وبدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَة، ثمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فكانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، ومِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ مَكَّةَ قالَ للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ، ولْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ"، فَطَافَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، واَسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شيءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أطْوافٍ، ومشَى أرْبعًا، فَرَكَعَ حينَ قَضَى طَوافُهُ بالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فاَنْصَرَفَ، فَأَتى الصَّفَا، فطافَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وأَفاضَ فطافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وفعَلَ مِثْلَ ما فعلَ رسولُ الله ﷺ مَنْ ساقَ الهَديَ مِنَ النَّاسِ.
قوله ﵇ في حديث ابن عمر: "ثم ليُهِلَّ بالحج".
و (لِيُهِلَّ)؛ يعني: من قدمَ العمرةَ وأتمَّها وخرَج ثم أحرمَ بالحجِّ فهو متمتِّعٌ، ولزمه دمٌ لتقديمه العمرةَ على الحجِ في أشهر الحج، فمن لم يجد الهَدْيَ فليصُمْ ثلاثةَ أيام في الحج قبل يوم النَّحْرِ، وسبعةَ أيامٍ إذا رجع إلى وطنه، وكذلك يَلزمُ دمٌ على القارن، وإنما يلزمُ على المتمتِّع إذا كانت عمرتُه في أشهرِ الحج، وإذا حجَّ في تلك السنة، وإذا أحرم بالحج من جوف مكةَ، ولا يخرج لإحرام الحج إلى الميقات، وإذا كان من غيرِ حاضري المسجدِ الحرام، واختلفوا في حاضري المسجد الحرام، فقال مالك: هم أهل مكة.
وقال أبو حنيفة: من كان وطنُه في الميقات أو بينَ الميقات وبين مكة.
стр. 1345
وقال الشافعي: مَنْ كان بين وطنِه وبين مكةَ أقلُّ من مسافةِ القَصْرِ فهو من حاضري المسجد الحرام.
قوله: "واستلم الرُّكْنَ"؛ أي: مسحَ الحجرَ الأسودَ بيده.
قوله: "ثم خبَّ ثلاثة أَطْوافٍ، ومشى أربعًا".
(خبَّ): أي: أسرعَ في ثلاثِ مرات ومشى على السكون في أربع مرات، وسبب إسراعِه في الثلاثةِ الأُوَل إظهارُ الجَلَادة والرُّجولية عن نفسه، وعمن معه من الصحابة كي لا يظنَّ الكفارُ أنهم عاجزون ضعفاءُ، ولهذا لم يُسَنَّ الرَّمَلُ إلَاّ أولَ ما تقدمُ مكةَ، فأما بعد ذلك فكلُّ طوافٍ يطوفُه فلا رَمَلَ فيه، بل يمشي في المرات السبع، ولو ترك الرَّمَلَ فلا شيءَ عليه إلا عند سفيانَ الثوري ﵀ فإنَّه يوجبُ عليه دمًا.
* * *
١٨٤٤ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هذِهِ عُمْرَةٌ اَسْتَمْتَعْنَا بِها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، فإن العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القيامَةِ".
قوله: "هذه عُمرةٌ استَمْتَعْنا بها، فمن لم يكنْ عندَه الهَدْيُ فليَحِلَّ الحِلَّ كلَّه، فإن العمرةَ قد دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة".
ومعنى (الاستمتاع) هنا: تقديمُ العمرةِ والفراغُ منها، واستباحة محظوراتِ الإحرامِ بعد الفراغِ من العمرةِ حتى يُحْرِمَ بعد ذلك بالحج.
قد قلنا فيما تقدم أنه اختلفت الرواياتُ في أن رسولَ الله ﵇ كان متمتِّعًا أو قارنًا أو مفرِدًا، فمن قال: كان متمتِّعًا هذا الحديث ظاهرٌ على قوله؛ لأنه يكون معناه: استمتعتُ بأن قدمتُ العمرةَ على الحج، ومن قال: كان قارنًا يحتاجُ إلى تأويل.
стр. 1346
قوله: "استمتعنا"؛ ومعناه على قوله: استمتع من امرأته بتقديمِ العمرةِ على الحجِّ من أصحابي فأضاف فعلهم إلى نفسه؛ لأنَّ فِعْلَ مَن فعلَ شيئًا بأمره كفعلِه، كما روي أنه ﵇ رجم ماعزًا، وقد أمرَ برجْمه، لا رَجَمه هو بنفسه.
قوله: "فإن العمرةَ قد دخلتْ في الحجِّ إلى يومِ القيامة"؛ يعني: تقديم العمرة على الحجِّ ليس مختصًّا بهذه السنة، بل يجوزُ في جميع السِّنين.
* * *
٤ - باب دُخُول مَكَّةَ والطَّواف
(باب دخول مكة والطواف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٤٥ - قال نافِع: إنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كانَ لا يَقدَمُ مَكَّةَ إلَاّ باتَ بذِي طُوَى حثَّى يُصْبحَ، ويَغْتَسِلُ، وَيدْخُلُ مَكَّةَ نهارًا، وإذا نَفَرَ مَرَّ بذِي طُوًى، وباتَ بها حتَّى يُصْبحَ، ويَذْكُرُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يفعلُ ذلك.
قوله: "إلا بات بذي طُوَى"، (ذي طُوَى): اسم بئر عند مكة في طريق أهل المدينة، يعني: إن وصل إلى ذلك الموضع في الليل، لم يدخل مكةَ في الليل، بل بات في ذلك الموضع حتى أصبحَ واغتسلَ، ثم دخلَ مكةَ، فالأفضلُ في دخول مكة أن يدخلَ نهارًا ليرى البيتَ من البعد، ويدعوَ كما يجيءُ بعد هذا؛ فلو دخلَ ليلًا يفوت عنه هذه السنة.
* * *
стр. 1347
١٨٤٧ - عن عُرْوَةُ بن الزُّبَيْر: قَدْ حَجَّ النَّبيُّ ﷺ ، فأَخْبَرَتْنِي عائشةُ ﵂ أنَّ أَوَّلَ شيءٍ بدأَ بِهِ حينَ قَدِمَ أَنَّهُ توضَّأَ، ثُمَّ طافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فكانَ أَوَّلَ شيءٍ بدأَ بِهِ الطَّوافُ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذلك.
قوله: "أول شيءٍ بدأ به حين قَدِمَ أنه توضَّأَ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكنْ عُمْرةٌ"؛ يعني: بدأ بالطَّواف حين دخلَ مكةَ.
قوله: "ثم لم تكن عمرة"؛ أي: لم يكنْ مُحْرِمًا بالعمرة بل كان مُحْرِمًا بالحج، فعلم من هذا أن السُّنَّة للحاجَّ الابتداءُ بالطواف قبل أن يصنعَ شيئًا آخر، ويسمَّى هذا الطوافُ طوافَ القُدُوم.
* * *
١٨٤٨ - وقال ابن عمر: كانَ رسولَ الله ﷺ إذا طَافَ في الحَجِّ أو العُمْرَةِ أَوَّلَ ما يَقْدَمُ سَعَى ثلاثةَ أَطْوافٍ، ومشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
قوله: "ثم سجد سجدتين"؛ أي: يصلِّي ركعتين.
* * *
١٨٤٩ - وقال: رَمَلَ رَسولُ الله ﷺ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثلاثًا، ومَشى أَرْبَعًا، وكانَ يَسْعَى بين المِيْلَينِ بَطْنَ المَسِيلِ إذا طَافَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
قوله: "من الحَجَر إلى الحَجَر"؛ أي: ابتدأ من الحجر الأسود، وأسرع حتى وصل إلى الحجر الأسود، فعلَ كذلك ثلاثَ مرات.
قوله: "وكان يسعى بَطْنَ المَسِيل"، (بطنُ المسيلِ): اسمُ موضعٍ بين
стр. 1348
الصَّفا والمَرْوة، يعني: إذا نزل من الصَّفَا يمشي على السكون، حتى وصل إلى بطنِ المَسِيل، ثم يسعى سعيًا شديدًا، حتى يصلَ إلى آخرِ بطنِ المَسِيل.
* * *
١٨٥٠ - وقال جَابرِ ﵁: إنَّ رسُولَ الله ﷺ لمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الحَجَرَ فَاَسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى على يمينِهِ، فرَمَلَ ثَلاثًا، ومشَى أَرْبَعًا.
قوله: "ثم مشى على يمينه"؛ يعني: المشيُ على يمينِ الحجرِ الأسود واجبٌ، يعني: يدورُ حولَ الكعبة بحيثُ تكونُ الكعبةُ على يساره، فلو دار على يسارِ الحجر بحيث تكون الكعبةُ على يمينه، أو توجَّهَ بوجهه إلى الكعبةِ في جميع الطَّواف لم يصحَّ طوافُه.
وعند أبي حنيفة ﵁: لو لم يُعِدْ ذلك الطواف حتى خرجَ من مكةَ أجزأَه ذلك الطوافُ، وعليه دم.
* * *
١٨٥٢ - وقال ابن عمر ﵄: لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إلَاّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ.
قوله: "لم أر النبي ﵇ يستلمُ من البيت إلا الركنين اليمانيين"، وإنما استلم ﵇ الركنين اليمانيين؛ لأنهما بقيا على بناءِ إبراهيم ﵇، وأراد بالركنين اليمانيين الركنين اللَّذين على جانب اليَمَن، ولم يَسْتَلِم الركنين اللَّذين على جانب الشام؛ لأنهما لم يبقيا على بناء إبراهيم ﵇.
* * *
стр. 1349
١٨٥٣ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: طافَ النَّبيُّ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
قوله: "طاف النبي ﵇ على بعير"، هذا يدلُّ على أن الطوافَ راكبًا يجوزُ، ولكنَّ طوافَ الراجلِ أفضلُ، وإنما طافَ رسول الله ﵇ راكبًا ليراه الناسُ، ليسألوه ما يحتاجون إليه من المسائل.
قوله: "يستلم الرُّكْنَ"؛ أي: الحجر الأسود.
"بمِحْجَن"؛ أي: بعصًا معوجِّ الرأس مثل الصَّوْلَجان.
* * *
١٨٥٦ - وقالتْ عائشةُ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ لا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجَّ، فلمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبيُّ ﷺ وأَنا أَبْكِي، فقالَ: "لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ "، قلتُ: نعم، قال: "فإنَّ ذلكَ شيءٌ كَتَبَهُ الله على بناتِ آدَمَ، فاَفْعَلِي ما يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".
قول عائشة: "لا نذكر إلا الحج"، لا ننوي ولا نُحْرِمُ إلا بالحجِّ.
قولها: "بسَرِف"؛ سَرِف - بفتح السين المهملة وكسر الراء المهملة -: اسم موضع بينه وبين مكة عشرةُ أميال.
"طَمِثْتُ"؛ أي: حِضْتُ.
وقوله: "نَفِسْتِ"، بفتح النون وكسر الفاء، نَفِسَ على بناء المعروف: إذا حاض، ونُفِسَ على بناء المجهول: إذا وَلَدتْ.
"فافعلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُري"؛ يعني: يجوز للحائض جميعُ أفعال الحاجِّ غيرَ الطوافِ؛ لأن الطوافَ لا يجوز بغير الوضوء، فكيف يجوز للحائض؟
стр. 1350
ولأن الكعبة في المسجد، وطوافَها لُبثٌ في المسجد، ولا يجوز اللُّبثُ في المسجد للحائض والنُّفَساء والجُنُب، ولا يفوتُ الطَّوَاف، بل إذا طَهُرت المرأة من الحيض تطوفُ؛ لأن أولَ وقتِ طوافِ الفَرْضِ بعد نصفِ ليلةِ العيد، وآخرَه غيرُ مؤقَّت، بل يجوز في أيِّ وقتٍ شاء.
* * *
١٨٥٧ - وقال أبو هريرةَ ﵁: بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ ﵁ في الحَجَّةِ التي أَمَّرَهُ النَّبيُّ ﷺ عَلَيْهَا قبْلَ حَجَةِ الوَداعِ يَوْمَ النَّحْرِ في رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في النَّاسِ: أَلا لا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالبَيْتِ عُرْيانٌ.
قوله: "أَمَّره النبي ﵇"، بتشديد الميم؛ أي: جعلَه أميرَ قافلةِ الحجِّ في السنة التاسعة من الهجرة، الضميرُ في (عليها) يعودُ إلى الحَجَّة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٥٨ - سُئِلَ جابر ﵁ عَنِ الرَّجُلِ يَرى البَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قال: قد حَجَجْنَا معَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ.
قول جابر: "قد حججنا مع النبي ﵇، فلم نكنْ نفعله"؛ يعني: لم يرفع النبي ﵇ يديه عند رؤية الكعبة، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك.
وقال أحمد وسفيان الثوري: يرفع اليدين مَن رأى البيتَ، ويدعو.
* * *
١٨٦٠ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الطَّوَافُ حَوْلَ
стр. 1351
البَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ إلَاّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فيهِ فلا يَتَكَلَّمَنَّ إلَاّ بِخَيْرٍ".
ووقفَه الأكثَرون على ابن عباس.
قوله: "الطوافُ حولَ البيت مثلُ الصلاة"؛ يعني: كما أن الصلاةَ لا تجوزُ إلا بالوضوء وستْرِ العورة، وطهارةِ البدَن عن النجاسة، فكذلك الطوافُ لا يجوزُ إلا بهذه الأشياء، فإن طافَ مُحْدِثًا أو مكشوفَ العورة أو نَجِسًا لا يجوزُ طوافه.
وقال أبو حنيفة: لَزِمَ الإعادةُ؛ فإن لم يُعِد حتى خرجَ من مكة؛ لَزِمَ دمُ شاةٍ، وصحَّ طوافُه، ويجوزُ الكلامُ في الطَّوافِ، بخلافِ الصلاة.
* * *
١٨٦١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبن، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بني آدَمَ"، صحيح.
قوله: "نزلَ الحجرُ الأسودُ من الجَنَّة وهو أشدُّ بياضًا من اللَّبن، فسوَّدتْه خطايا بني آدم".
معنى هذا: أنه جاء في الحديث: أنَّ مَسْحَ الحجرِ الأسودِ يُنقِّي الذنوبَ حتى انتقلت ذنوبُ الحُجَّاجِ من أبدانهم إلى الحَجَر الأسود، فصار أسودَ، وهذا شيءٌ يقبلُه المؤمنُ بالإيمان تصديقًا لقول النبيِّ ﵇.
وفي هذا الحديث فوائدُ كثيرة:
إحداها: تخويفُ الأمة، فإنَّ الرجلَ إذا عَلِمَ أن الذنبَ يسوِّدُ الحجرَ يحترزُ مِن الذنب كي لا يسْودَّ بدنُه بشؤم الذَّنْب.
والثانية: تحريضُ الأمة على التوبة كي لا يجتمعَ الذنبُ عليهم فتسْوَدَّ أبدانُهم.
стр. 1352
والثالثة: ترغيبُهم على مَسْحِ الحجر الأسود؛ لينالوا بركَته، ولتنتقلَ ذنوبُهم من أبدانهم إليه.
والرابعة: امتحانُ إيمانهم، فإنْ كان كاملَ الإيمان يَقبَلُ هذا بلا تردد، وضعيف الإيمان يتردَّد فيه، والكافر يُنْكِرُه.
* * *
١٨٦٢ - وعنه قال: قال رسولُ الله ﷺ في الحَجَرِ: "والله لَيَبْعَثَنَّهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، ولِسانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ على مَنِ اَسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ، وعلى مَنِ استلَمَهُ بغير حقٍّ".
قوله: "يشهَدُ على من استلمَه بحقٍّ"، (على) ها هنا بمعنى اللام؛ لأن (اللام) للنفع و (على) للضرر، يعني: منِ استلمَه عن اعتقادٍ صحيحٍ، وإعزازٍ له، يشهدُ له بخير، ومن استلمَه عن نية الاستهزاء والاستخفافِ يشهَد عليه بِشَرٍّ، ويكون خصمَه يومَ القيامة، وعلى هذا جميعُ المساجد والبقَاع.
فمن عظَّم موضعًا شَرَّفَه الله يكون ذلك شفيعًا، ومن حقَّره وفعلَ فيه فِعلًا يتعلَّقُ بالاستهزاء والاستخفاف يكون ذلك الموضع خَصْمًا له يوم القيامة.
* * *
١٨٦٣ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الرُّكْنَ والمَقَامَ ياقُوتَتَانِ مِنْ ياقُوتِ الجَنَّةِ طَمَسَ الله نُورَهُمَا، ولَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهما لأَضَاءَا مَا بين المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".
قوله: "طمسَ الله نورَهما"؛ أي: أذهبَ الله نورَهما، وعِلَّةُ إذهابِ الله نورَهما؛ ليكون إيمانُ الناس بكونِهما حقًا، ومعظَّمًا عند الله إيمانًا بالغيب، ولو
стр. 1353
لم يُطْمَسْ نورُهما؛ لكان الإيمانُ بهما إيمانًا بالشهادة؛ أي: بالمرئي، ولم يكن الإيمان بحقيقتهما إيمانًا بالغيب، والإيمان الموجِبُ للثواب هو الإيمان بالغيب.
* * *
١٨٦٤ - وعن ابن عُمر ﵄: أنَّهُ كانَ يُزَاحِمُ على الرُّكْنَيْنِ، وقال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ مَسْحَهُمَا كفَّارَةٌ لِلخَطايَا"، وسَمِعَتْهُ يقولُ: "مَنْ طافَ بهذا البيتِ أُسْبوعًا يُحْصِيهِ، فيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وما وَضَعَ رَجُلٌ قَدَمًا ولا رَفَعَهَا إلا كتَبَ الله لَهُ بها حَسَنَةً، ومَحَا عَنْهُ بِهَا سَيئَةً ورَفَع لَهُ بها دَرَجَةً".
قوله: "يزاحِمُ على الرُّكْنين"؛ يعني: يوقِعُ نفسَه بين الخَلْقِ المجتمعِ عند الحَجَر الأسود، والركنِ اليماني، ويدفَعُ الناسَ بمسحهما.
قوله: "من طافَ بهذا البيت أسبوعًا"، (الأسبوعُ): من السبت إلى الجمعة.
"يحصيه"؛ أي: يَعُدُّه، يعني: يطوف بالبيت سبعةَ أيام متواليةٍ بحيثُ يَعُدُّه، ولا يتركُه بين الأيام السبعة يومًا، ثم صلَّى على أثر الطَّوافِ كلَّ يومٍ ركعتين "كان كعِتْق رقبة".
قال مجاهدٌ وسعيد بن جُبير: الطوافُ بالبيت أفضلُ من الصلاة النافلة.
* * *
١٨٦٦ - عن صَفِيَّةَ بنت شَيْبَة قالتْ: أخْبَرَتْنِي بنتُ أَبي تُجْراةَ قالتْ: دَخَلْتُ مع نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دارَ آلِ أبي حُسِيْنٍ نَنْظُرُ إلى رسُولِ الله ﷺ وهو يسعى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى وإنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعِي، وسَمِعْتُهُ يقولُ: "اَسْعَوْا، فإنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ".
стр. 1354
قولها: "وإن مئزَره ليدورُ من شِدَّةِ السَّعْي"؛ يعني: مئزرُه يدورُ حولَ رِجليه، ويلتفُّ برجليه من شِدَّةِ عَدْوِه.
"فإن الله كتبَ عليكم السَّعْيَ"؛ أي: فرضَ عليكم السَّعْيَ بين الصَّفَا والمروةِ، ومن لم يَسْعَ لم يَصِحَّ حَجُّه عند الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة ﵁: السعيُ بين الصَّفَا والمروةِ تطوُّعٌ، وليس من أركانِ الحج.
* * *
١٨٦٧ - عن قُدَامَةَ بن عبد الله بن عَمَّارٍ قال: رَأَيْتُ رسُولَ الله ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ على بَعِيرٍ، لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إلَيْكَ إلَيْكَ.
قوله: "لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليكَ إليكَ"؛ يعني: ليس عادةُ النبي ﵇ كعادةِ الملوك بأن يَضْرِبَ ويَطْرُدَ الناسَ من حوالَيه، بل يمشي عنده كلُّ مَنْ شاء من الفقير والغنيِّ، والصغير والكبير.
قوله: "ولا إليك إليك"؛ يعني: لا يقال لأحد: ابعد ابعد.
* * *
١٨٦٨ - عن ابن يَعْلَى، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ طَافَ بالبَيْتِ مُضْطَبعًا ببُرْدٍ أَخْضَرَ.
قوله: "طاف بالبيت مُضْطَبعًا ببُرْدٍ أخضرَ"، (الاضطباع): أن يَجعلَ وسطَ ردائه تحت عاتقِه الأيمن، ويطرحَ طرفيه على عاتقه الأيسر، وفعلَ هذا لإظهارِ الرجولية كما قلنا في الرَّمَل، والاضطباعُ في الطَّوافِ والسَّعْيِ سُنَّةٌ.
* * *
стр. 1355
٥ - باب الوُقُوفِ بِعَرَفةَ
(باب الوقوف بعرفة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٧٠ - عن محمد بن أبي بَكْر الثَّقَفِي: أنَّهُ سألَ أَنَسَ بن مالكٍ ﵁ وهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إلى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ في هذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ؟، فقال: كانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ، فلا يُنْكَرُ عليهِ، ويُكَبرُ المُكَبَّرُ مِنَّا، فلا يُنْكَرُ علَيْهِ".
قوله: "وهما غَاديَانِ من مِنًى إلى عَرَفَةَ: كيف كنتم تصنعون في هذا اليومِ مع رسول الله ﵇، فقال: كان يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فلا يُنْكَرُ عليه".
يعني: محمد بن أبي بكرٍ الثقفي، وأنس بن مالك يجيئان يومَ عَرَفَة من مِنًى إلى عرفةَ للوقوف، فسأل محمدُ بن أبي بكرٍ الثقفي أنسَ بن مالك: كيف صنعتم مع رسول الله ﵇ في هذا اليوم؟ - أي: في يوم عرفة -، فقال: بعضنا يُهِلُّ؛ أي: يلبي، فلا يعيبُه أحد.
اعلم أن قولَه: "ويكبر منَّا المكبر فلا ينكَرُ عليه" هذا رخصةٌ، يعني: لا إثمَ في التكبير، بل يجوزُ كسائر الأذكارِ، ولكنْ ليس التكبيرُ في يومِ عرفةَ سُنَّةً للحاج، بل السنة للحاج: التلبيةُ إلى رمي جمرةِ العقبة يومَ النحر، وأمَّا لغير الحاجِّ في سائر البلاد التكبيرُ يوم عرفة سُنةٌ عَقِيبَ الصلوات من صبحِ يومِ عرفةَ إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، لِمَا روى جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﵇ كان يصلي صلاة الغداة يوم عرفة، ثم يستدبر إلى القبلة فيقول: "الله أكبر الله أكبر، الله كبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، ثم يكبر دبر كل صلاة إلى صلاة العصر من آخر أيام التَّشْريق.
стр. 1356
وفي قول: يبتدئ بالتكبير من ظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وفي قولٍ: يبتدئُ بالتكبير من مغربِ ليلةِ العيد إلى صبحِ آخر أيام التشريق، ويُستحبُّ التكبيرُ عَقيبَ صلواتِ الفرض والنَّفْل في هذه الأيام.
* * *
١٨٧١ - عن جابر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "نَحَرْتُ ها هنا، ومِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ، فاَنْحَرُوا في رِحَالِكُمْ، ووَقَفْتُ هَا هُنَا، وعَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ".
قوله: "نَحَرتُ ها هنا، ومنًى كلُّها مَنْحَرٌ، فانحروا في رِحالِكم، ووقفتُ ها هنا وعَرَفةُ كلها مَوْقِفٌ"، (المَنْحَرُ): موضعُ نَحْر الإبل، يعني: لا يختصُّ نحرُ الهَدْيِ بالمكان الذي نُحِرَتْ فيه، بل يجوزُ نَحْرُ الهَدْيِ في أيِّ موضعٍ كان من أرض الحَرَم، فمنًى كلُّها من أرض الحرم.
وكل دمٍ وجبَ على المُحْرِم وجبَ ذبحُه في الحَرَم، ويفرَّقُ لحمُه على مساكينِ الحرم؛ فإن ذبح خارجَ الحرم فأصحُّ القولين: أنه لا يجوز، وفي قولٍ: يجوز، ولكن يجبُ تفريق اللحم على مساكين الحرم.
وكذلك يجوزُ الوقوف بأيِّ موضع كان من أرض عَرَفةَ، ولو وقف خارجَ أرضِ عرفَةَ لا يجوزُ وقوفُه عن وقوفِ عَرَفَةَ.
* * *
١٨٧٢ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ الله فيه عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة، وإنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُباهِي بِهِمُ الملائِكَةَ، فيقولُ: ما أَرادَ هَؤُلَاءِ؟ ".
قوله: "وإنه ليدنو" الضمير في (إنه) يعودُ إلى الله.
стр. 1357
(ليدنو): أي: ليَقْرُب.
فبعض أهل السنة لا يقول في معنى هذا وأشباهه، وبعضُهم يقول: معناه: دنوُّ رحمتِه، أو نزولُ خِطَابه مع الملائكة.
"يباهي بهم الملائكةَ"، الضمير في (بهم) يعود إلى الحُجَّاج، و (المباهاةُ): المفاخرةُ، ومعنى هذا الكلام: أنه تعالى يُعِزُّهم، ويظهرُ فضلَهم وشرفَهم بينَ الملائكة، "فيقول: ما أرادَ هؤلاءِ؟ "؛ أي: فيقولُ الله: أيَّ شيء يريدُ هؤلاءِ الحُجَّاج، فإنْ أرادوا رحمتي ومغفرتي فقد غفرتُ لهم ورحِمْتُهم.
هذا الحديث مطلَقٌ، وقد جاء كما قُلْنا في حديثٍ آخرَ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٧٣ - عن عَمْرو بن عبد الله بن صفْوان، عن خالٍ له يُقال له: يَزِيْد بن شَيْبَان أنَّه قال: كُنَّا في مَوْقِفٍ لنا بعَرَفَةَ يُباعِدُهُ عَمْروٌ مِنْ مَوْقِفِ الإِمامِ جِدًا، فأَتَانَا ابن مِربَع الأنصَارِيُّ، فقال: إنِّي رسُولُ رسُولِ الله ﷺ إِلَيْكُمْ، يقولُ لَكُمْ: "قفوا على مَشاعِرِكُمْ، فإنَّكُمْ على إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبيكُمْ إبراهيمَ ﵇".
قوله: "يباعدُه عمرٌو عن موقف الإمام جِدًا"، الضميرُ في (يباعده) يعودُ إلى الموقِف الذي وقفَ فيه يزيدُ بن شيبان.
يعني: قال عمرُو بن عبد الله: سمعتُ خالي يزيدَ بن الشيبان أنه قال: كنا وقفْنا في موضعٍ بعرفةَ، قال عمرو: وكان بين ذلك الموقفِ وبينَ موقفِ إمام الحُجَّاج مسافةٌ بعيدة، فجاء ابن مِرْبَع، واسمه يزيد، ولم يعرف أنه روى عني هذا الحديث.
"فقال: إني رسولُ رسولِ الله"؛ يعني: أرسلني رسول الله ﵇ -
стр. 1358
إليكم، ويقول: قِفُوا في أيِّ موضعٍ شئتم من عرفة، سواءٌ كان من أرضِ الحَرَم أو غيره، بشرطِ أن يكونَ من أرض عرفة.
"المشاعر": جمع مَشْعَر، وهو المَعْلَم أو غيره؛ أي: موضعُ العبادة.
"فإنكم على إرثٍ"، أي: بقية "من إرثِ أبيكم إبراهيمَ"؛ أي: من بقية أفعالِ إبراهيم، يعني: وقوفُ عرفة، وبنيانُ أرضها وحدودها مما بناه إبراهيم ﵇ للحجاج.
* * *
١٨٧٤ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وكُلُّ المُزْدَلِفَة مَوْقِفٌ، وكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ".
قوله: "كلُّ مُزْدَلِفةَ موقِفٌ"، (المُزْدَلِفةُ): أصلُها: مزتلفة، وأبدلت التاء دالًا، ومعناه: موضع اجتماع الناس، والمبيتُ بمُزدلِفة ليلةَ العيدِ سُنَّةٌ في قولِ، وفي قولٍ: هو واجب، فمن ذهبَ من مُزْدَلِفةَ نصفَ الليل؛ لَزِمَه دمٌ في القول الذي يقولُ بالواجب
وإنْ ذهبَ بعدَ نصفِ الليل؛ فلا شيءَ عليه.
وقال أبو حنيفة: لو ذهبَ قبلَ الصبح؛ لَزِمَه دمٌ.
وقوله: "كل مزدلفةَ موقفٌ"؛ معناه: في أيِّ موضعِ من مواضعِ مزدلفةَ بات الرجلُ يجوزُ.
قوله: "وكل فِجَاجِ مكَة طريقٌ ومَنْحَر"؛ يعني: من أيِّ طرقِ مكةَ يدخلُ الرجل مكةَ جاز، وفي أيِّ موضعِ ينحرُ الهَدْيَ من حوالي مكة في الطريق وغيرها جاز؛ لأنها من أرض الحَرَم.
* * *
стр. 1359
١٨٧٥ - عن خالد بن هَوْذَة قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يومَ عَرَفَةَ على بَعِيرٍ قائمًا في الرِّكابَيْنِ.
قوله: "قائمٌ في الرِّكَابين"، تقديره: هو قائمٌ في الرِّكابين، قائمٌ خبر مبتدأٍ محذوف، ومعنى هذا الكلام: أنه ﵇ رفَع مَقْعَده من ظهر البعيرِ، وقامَ على الرِّكابين؛ ليراه الناسُ، ويسمعُوا كلامَه من البُعْد.
و (الرِّكابُ): الحَلْقة التي يُدخِلُ الفارسُ رجلَه فيها.
روى هذا الحديث: خالد بن هَوْذَة.
* * *
١٨٧٦ - عن عَمْرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وخَيْرُ ما قُلْتُ أَنَا والنَّبيُّونَ من قَبْلِي: لا إلهَ إلَاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ".
قوله: "خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عَرَفَة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إلا إله إلا الله وحده ... " إلى آخره.
هذا الحديث يشير إلى أن قول: (لا إله إلا الله) من الدعاء، وهو ثناءٌ، فكيف يكون دعاءً؟.
جواب هذا الإشكال: أن من ذكرَ الله فقد دعا الله بأي لفظٍ ذكرَه، ولأنَّ مَنْ ذكرَ الله يعطيه الله حاجتَه، وإن لم يطلبْ منه قضاءَ حاجته باللَّفظ؛ لقوله ﵇ حكايةً عن الله: أنه قال: "من شَغَلَه ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعْطِي السائلين"، فإذا كان الذكرُ سببَ قضاء الحوائج وتحصيلِ الثواب، فهو كالدعاء.
* * *
стр. 1360
١٨٧٧ - عن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله بن كَرِيْز ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ما رُؤِيَ الشَّيْطانُ يَوْمًا هو فيهِ أَصغَرَ، ولا أَدْحَرَ ولا أَحْقَرَ ولا أَغْيَظَ منهُ يومَ عَرَفَةَ، وما ذاكَ إلَاّ لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وتَجَاوُزِ الله تعالَى عنِ الذُّنُوبِ العِظامِ، إلَاّ ما كانَ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ"، فقيلَ: وما رَأَى مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ؟، فقال: "إنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ وهو يَزَعُ الملائِكَةَ"، مُرسَلٌ.
قوله: "ما رُئِيَ الشيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منه يومَ عرفة".
الضميرُ في (منه) يعود إلى الشيطان، و (يوم عرفة) منصوبٌ على الظرف؛ أي: الشيطانُ في يوم عرفَة أبعدُ مرادِه منه في سائر الأيام.
(أدْحَر) بالحاء المهملة؛ أي: أبعدُ من رحمة الله، ومن مرادِه.
وفي بعض النسخ: (أدخر) بالخاء المعجمة، وهو سهوٌ؛ لأن محيي السنة - رحمة الله عليه - شرحَ هذا اللفظَ في "شرح لسنة" بـ (أبعد).
وقال: معنى (أدحر): أبعدُ من رحمة الله، ولو كان أدخر - بالخاء المعجمة - لفسره بـ (أذلَّ)، ولم يفسِّره بـ (أبعد).
قوله: "ولا أغيظ"؛ أي: ولا أشدُّ غيظًا، يعني: يصيرُ الشيطان يوم عرفةَ ذليلًا وحقيرًا وكثيرَ الغيظ؛ لأنه يرى نزولَ الرحمةِ الكثيرةِ على المسلمين، وهو يكرهُ نزول الرحمة الكثيرة على المسلمين، ويحبُّ نزول الغضب والعذاب، فلما رأى أن الله تعالى يفعل بالمسلمين خلافَ ما يحبُّ الشيطان يصيرُ الشيطان حقيرًا.
قوله: "إلا ما كان من يوم بدرٍ"؛ يعني: الشيطانُ في يوم عرفةَ أحقرُ منه في سائر الأيام إلا يومَ بدْر، فإنه كان في يوم بدرٍ أحقرَ منه في يوم عرفةَ؛ لأنه رأى نزولَ الملائكة لمَدَدِ المسلمين، فلمَّا رأى نزولَ الملائكة وانهزامَ
стр. 1361
المشركين، وصيرورتَهم عاجزين مقتولين صارَ حقيرًا؛ لأنه يطلبُ إعزازَ المشركين، وغلبتهم على المسلمين، فلم يحصُلْ مطلوبُه.
قوله: "يَزَعُ" - بفتح الزاي المعجمة -: كان أصلُه: يوزع فسقطت الواو، ومعناه: يهيئُ ويرتِّبُ صفوفَ الملائكةِ للحرب.
روى هذا الحديث: طلحةُ بن عبد الله بن كَرِيز.
* * *
١٨٧٨ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانَ يومُ عَرَفَةَ إنّ الله يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِهِمُ الملائِكَةَ، فيقول: اَنْظُرُوا إلى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كَل فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فتقُولُ الملائِكَةُ: يا ربِّ! فُلانٌ كانَ يُرهِّقُ، وفُلانٌ وفُلانةٌ، قال: يقولُ الله : قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ".
قالَ رسولُ الله ﷺ : "فَمَا مِنْ يَوْمٍ أكثرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ".
قوله: "إن الله ينزلُ إلى السماء الدنيا"، فبعضُ أهلِ السنةِ لا يفسِّرُ هذا الكلامَ ويقول: لا نعلَمُ معناه، وبعضُهم يفسِّر: بأنه يُنْزِلُ رحمتَه، ويقرِّبُ فضلَه وغفرانَه إلى الحُجَّاج.
قوله: "أَتَوني شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّين من كلِّ فجٍّ عَمِيق".
(الشُّعْثُ): جمع أشعثَ، وهو متفرِّقُ شعر الرأس من عدمِ غسلِ الرأس، كما هو عادةُ المُحْرِمين.
(الغُبْرُ): جمع أغبر، وهو الذي التصقَ الغُبارُ بأعضائه، كما هو عادة المسافرين.
(الضَّاجِّين): جمع ضَاجٍّ، وهو اسم فاعل من ضَجَّ: إذا رفع الرجلُ
стр. 1362
صوتَه، والمراد ها هنا: رفعُ الصوتِ بالتلبية، (من كلِّ فجٍّ): أي: من كلِّ طريق (عميقٍ): أي: بعيد.
هذه الكلمات أعني: شعثًا وما بعده منصوباتٌ على الحال.
قوله: "فتقول الملائكة: يا ربِّ! فلانٌ كان يُرَهِّقُ، وفلانة"، (يُرَهِّقُ) - بضم الياء وفتح الراء المهملة وتشديد الهاء وفتحها -: ينسَبُ إلى فعل المعاصي، وَيرهَقُ - بفتح الياء وسكون الراء المهملة وفتح الهاء -: إذا فعل المعاصي أيضًا.
تقول الملائكة: يا ربِّ! فلان وفلانة يفعلان المعاصي، وليسا بأهلٍ أن تغفرَ لهما، فقال الله: قد غفرتُ لهما؛ فإن الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلَه من الذنوب.
* * *
٦ - باب الدَّفْع من عَرَفَةَ والمُزْدَلِفَة
(باب الدفع من عرفة والمزدلفة)
الدَّفْعُ: الذَّهابُ مع كثرة.
١٨٧٩ - عن هِشَام بن عُرْوةَ، عن أَبيه أنه قال: سُئِلَ أُسامةُ: كيفَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَسِيْرُ في حَجَّةِ الوَداعِ حينَ دَفَعَ؟، قال: كانَ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
قوله: "كيف كان رسول الله يَسيرُ"؛ أي: يسيرُ على سرعة أو على سكون؟
قوله: "يسير العَنَق" - بفتح العين المهملة وفتح النون -: سيرٌ متوسِّطٌ.
"فَجْوةً"؛ أي: موضعا فسيحًا خاليًا عن زحمة الناس.
стр. 1363
"نَصَّ"؛ أي: ساق دابَّته سوقًا شديدًا، يعني: إذا كان في الطريق ازدحامُ الناس يسير سيرًا غيرَ سريع، كي لا يتأذَّى الناس بصدْمةِ دابته، وإذا وجد في الطريق موضعًا خاليًا أسرع.
* * *
١٨٨٠ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّه دَفَع مَعَ النَّبيِّ ﷺ يومَ عرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ وراءَهُ زَجْرًا شَديدًا، وضَرْبًا للِإبلِ، فأَشَارَ بسوْطِهِ إلَيْهِمْ، وقال: "يا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ، فإنَّ البرَّ لَيْسَ بِالإِيْضَاعِ".
قوله: "فإن البرَّ ليس بالإيضاع"؛ (الإيضاعُ): الإسراع، يعني: الإسراعُ ليس من البرِّ إذا كثُرَ الناسُ في الطريق، فإن الإسراعَ في مثل هذه الحالة يؤذي الناس بصدمة الدوابِّ والرِّحالِ، ولا خير في هذا، بل الخيرُ في الذهاب على السكون في مثل هذه الحالة.
* * *
١٨٨١ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أَنَّ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَة إلى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَة إلى مِنًى، فكِلاهُما قال: لَمْ يَزَلِ النَّبيُّ ﷺ يُلَبي حتَّى رمى جَمْرَةَ العَقَبةَ".
قوله: "لم يزل النبي ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العَقَبة"، (جمرة العقبة): الموضعُ الذي يرمي فيه الحجاج في يوم العيد، وفي يوم العيد لا يُرمى في غير هذا الموضع.
هذا الحديث يدلُّ على أن التلبية من وقت الإحرام إلى رميِ جمرة العقبة في يوم العيد مأمورٌ، وقد ذكرنا أن التلبية سُنَّةٌ في قول، واجبٌ في قول.
* * *
стр. 1364
١٨٨٢ - عن ابن عُمر ﵁ قال: "جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ المَغرِبَ والعِشاءَ بجَمْعٍ، كُلُّ واحدةٍ مِنهُمَا بإقامةٍ، ولَمْ يسبحْ بينَهُمَا، ولا على إثْرِ كُلِّ واحدةٍ مِنْهُمَا.
قوله: "جمع النبي ﵇ المغربَ والعشاءَ بجَمْعٍ"، (بجمع)؛ أي: بمُزْدَلِفةَ، و (جَمْع): اسم مُزْدَلِفة، سمي به لاجتماع الناسِ فيه، أو للجَمْعِ بين صلاة المغرب والعشاء كلُّ واحدٍ منهما بإقامة.
اعلم أنه اختُلِفَ في الأذان والإقامة إذا جُمِعَ بين المغربِ والعشاء بمُزْدَلِفة.
قال الشافعي: يقيمُ لكلِّ واحدٍ منهما ولا يؤذِّن.
وقال أبو حنيفة: يؤذِّن ويقيمُ للمغرب ويقيم للعشاء.
وقال مالك: يؤذِّن ويقيم لكلِّ واحدٍ منهما.
وقال سفيان الثوري: يقيم للمغرب، ولا يقيم للعشاء، ولا يؤذِّنُ لا للمغرب ولا للعشاء. هذا بحثُ الجمع بين المغرب والعِشاء.
فأما الجَمْعُ بين الظهر والعصر بعَرَفَة؛ فقد أجمعوا على أنه يؤذِّنُ ويقيم للظهر، ولا يؤذِّن للعصر.
وأما في الإقامة للعصر خلافٌ؛ فقال الشافعي: يقيم للعصر، وقال أبو حنيفة: لا يقيم.
قوله: "ولم يسبحْ بينهما"؛ أي: ولم يُصَلِّ بين المغرب والعشاء شيئًا من السُّنَن والنوافل.
"ولا على إثر كلِّ واحدةٍ منهما"؛ أي: ولم يُصَلِّ بعد كلِّ واحدة منهما، وهذا تكرارٌ من الراوي؛ لأنه لمَّا قال: ولم يسبحْ بينهما عُلِمَ أنه لم يصلِّ بعد المغرب، فلم يحتج إلى أن يقول: ولا على إثر كلِّ واحدةٍ منهما، بل حقُّه أن
стр. 1365
يقول: ولا على إثر العشاء.
وهذا الحديث صريحٌ بأنه لا تُصلَّى السننُ الرواتبُ عند الجمع بين الصلاتين، وعند القصْر؛ لأن الجمعَ والقَصْرَ إنما يكون للتخفيف عن المسلمين، فإذا خفَّف عليهم الفرائضَ، فالتخفيفُ بوضع السنن عنهم أولى.
* * *
١٨٨٣ - وقال عبد الله بن مَسْعُودٍ ﵁: ما رَأَيْتُ رسُولَ الله ﷺ صَلَّى صَلاةً إلَاّ لِمِيْقاتِهَا إلَاّ صلاتَيْنِ: صلاةَ المغرِبِ والعِشاءَ بِجَمْعٍ، وصلَّى الفَجْرَ يومئذٍ قَبْلَ مِيقاتِهَا.
"ما رأيت رسولَ الله ﵇ صلى صلاةً إلا لميقاتها إلا صَلَاتين: صلاةَ المَغْرِب وصلاةَ العِشاء بجَمْع"؛ يعني: صلى جميع الصَّلَوات في أوقاتها إلا صلاةَ المغرب؛ فإنه تركَها ولم يُصَلِّها في وقتها حتى صلاها في وقت العشاء بمزدلفة، والصلاة الثانية صلاة الفجر؛ فإنه صلَاّها بمزدلفةَ قبل ميقاتها.
يعني: قبل وقتها الذي صلَاّها فيه كلَّ يوم، فإنه صلَاّها كلَّ يوم بعدَ ما ذهب بعدَ الصبح مقدارَ ظهور الضياء فيه، وصلَاّها يوم العيد بمزدلفة حين طَلَعَ الفجر، وإنما عجَّلَ صلاةَ الفجر في هذا اليوم؛ ليسير إلى المَشْعَر الحرام، ويقفَ فيه ويدعو، ويفرغ قبل طلوع الشمس؛ ليعجِّلَ السير إلى مِنًى، ويشتغلَ بالرمي والنَّحْر والحَلْق.
* * *
١٨٨٤ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنا مِمَّنْ قَدَّمَهُ النَّبيُّ ﷺ لَيلَةَ المُزْدَلِفَةِ في ضَعَفَةِ أهلِهِ.
قوله: "أنا ممَّن قدَّمه النبي ﵇ في ضَعَفَةِ أهلِه"، (الضَّعَفَة):
стр. 1366
جمعُ ضعيف، يعني: بعثني رسول الله ﵇ مع ضعفاءِ أهلهِ من النساء والصبيان قبل الصبحِ ليلةَ العيد كي يسيروا بلا عَجَلةٍ ولا زَحْمةٍ إلى مِنًى.
* * *
١٨٨٥ - وعن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما، عن الفَضْلِ بن عبَّاس، وكانَ رَديفَ نبيِّ الله ﷺ ، أَنَّهُ قال في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وغَداةِ جَمْعٍ للنَّاسِ حينَ دَفَعُوا: "عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ"، وهو كَافٌّ نَاقَتَهُ حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وهو مِنْ مِنًى، قال: "عَلَيْكُمْ بحَصَى الخَذْفِ الذي يُرْمَى بِهِ الجَمْرَةُ"، وقال: لَمْ يَزَلْ رسُولُ الله ﷺ يُلَبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة.
قوله: "وكان رديفَ رسول الله ﵇"؛ أي: وكان فَضْلُ بن عباسٍ راكبًا خلفَ رسول الله ﵇ على ناقته.
"أنه يقول في عشية عَرفةَ وغداة جَمْعٍ"؛ يعني: إذا رجعَ من عرفةَ إلى مزدلفةَ ليلةَ العيد، وإذا ذهب من مزدلفة غداةَ يوم النَّحْر إلى مِنًى قال لهم: عليكم بالسكينة كي لا يتأذَّى أحدٌ بصدمتكم.
"وهو كافٌّ ناقَتَه"، بتشديد الفاء؛ أي: وهو مانعٌ ناقتَه عن السرعة.
"عليكم بحصى الخَذْف"، (الحصى): جمع حصاة، وهي الحجَرُ الصغير، (الخَذْف): الرميُ برؤوس الأصابع، يعني: ارمُوا الأحجارَ الصِّغارَ، ولا ترمُوا الحجارَ الكِبار، كي لا يتأَذَّى الناس، ولا يضيقَ طريقُهم.
* * *
١٨٨٦ - وعن جابر ﵁ قال: أفاضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ جَمْعٍ وعلَيْهِ السَّكينةُ، وأَمَرَهُمْ بالسَّكِينَةِ، وأَوْضَعَ في وادي مُحَسِّر، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بمثلِ حَصَى الخَذْفِ، وقال: "لَعَلِّي لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذا".
стр. 1367
قوله: "لَعَلِّي لا أراكم بعد عامي هذا"، (لعلِّي): كلمةُ الترجِّي، وتُستعمَلُ بمعنى الظنِّ، وبمعنى عسى؛ أي: تعلَّمُوا مني أحكامَ الدِّين، فإني أظنُّ أن لا أراكم في السنة التي تأتي بعد هذه السنة.
يعني فراقه من دار الدنيا إلى دار العُقْبى، وقد كان كما ظنَّه، فإنه فارقَ الدنيا في تلك السنة في الثاني عشر من شهر ربيعٍ الأول في السنة العاشرة من الهجرة، جزاه الله عنا وعن جميع المسلمين ما هو به أولى من الوسيلة والزُّلْفَى.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٨٧ - عن محمد بن قَيْس بن مَخْرَمَة قال: خَطَبَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "إنَّ أَهلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرفةَ حينَ تكون الشَّمسُ كأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وجُوهِهِمْ قبلَ أنْ تغرُبَ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ بعدَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حينَ تكون كأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وجُوهِهِمْ، وإنَّا لا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ قبلَ أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ، هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْي أَهْلِ الأَوْثانِ والشِّرْكِ".
"إن أهل الجاهلية كانوا يَدْفَعُون من عَرفَةَ"؛ يعني: حتى تكونَ الشمسُ كأنها عمائمُ الرجالِ في وجوههم، يريدُ بقوله: (كأنها عمائمُ الرجال): أن الشمسَ عند الغروب يخلطُ نورُها بظِلِّ الجبال والأشجار، ويشبهُ نورَ الشمسِ بين الظِّلِّ عمائمَ الرجال الواقعِ ظِلُّها وأثرُها على الوجوه.
يعني: كانَ أهلُ الجاهلية يذهبون من عرفَةَ قبل أن تغربَ الشمسُ، ومن مزدلفة قبل أن تطلُعَ الشمس، وفي دين الإسلام لا يذهبُ الحُجَّاجُ من عرفةَ إلا بعد غروب الشمس، ويذهبون من مزدلفةَ قبلَ طلوع الشمس، فمن ذهب من عرفةَ قبل غروب الشمس، فلا شيءَ عليه، وفي قولٍ: يجبُ عليه دمُ شاةٍ.
стр. 1368
"وهَدْيُنا"؛ أي: وسيرتُنا ودينُنا مخالفٌ لسيرة عَبَدَةِ الأوثان وأهلِ الشرك.
* * *
١٨٨٨ - قال ابن عباس ﵄: قَدَّمَنا رسُولُ الله ﷺ لَيْلَةَ المُزدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ على حُمُراتٍ، فجعلَ يَلْطَخُ أَفخاذَنا، ويقول: "أَبنيَّ! لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ".
قول ابن عباس: "قدَّمَنا رسولُ الله ﵇ ليلةَ المزدلفةِ أُغَيْلِمَةَ بني عبد المطَّلب على حُمُرات، فجعلَ يَلْطَخُ أفخاذَنا ويقول: أُبَيْنِيَّ! لا ترمُوا الجمرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ".
"ليلةَ المُزْدَلِفَة"؛ أي: الليلةَ التي كنَّا فيها بالمزدلفةِ، وهي ليلة العيد.
"أُغَيْلِمَة"؛ منصوب على أنه بَدَلٌ، أو عطفُ بيان للضمير في (قدَّمَنا)، و (أُغَيْلِمَة): تصغيرُ غِلْمَة شاذٌّ، وقياسها: غُلَيْمَة، وغِلْمَة جمعُ غلام، والمراد بالغِلْمَة هنا: الصبيان والشُّبَّان.
"على حُمُرَات"؛ أي: راكبين على حُمُرَاتٍ، وهي جمع حُمُر بضم الحاء والميم، وهي جمع حِمَار.
"فجَعَلَ"؛ أي: فطَفِقَ النبيُّ ﵇.
"يَلْطَخُ"، بالطاء المهملة والخاء المعجمة؛ أي: يضرِبُ يدَه على أفخاذِنا ضربًا خفيفًا للتَّلَطُّف.
"أُبَيْنِيَّ"، بضمِّ الهَمْز وفتح الباء، وبعده ياء ساكنة، وبعد الياء نون مكسورة، وبعد النون ياء مشددة.
قال سيبويه: هو تصغيرُ (اِبنى) بالقصر بوزن (سَلْمَى)، وهو اسمٌ مفرَدُ اللفظ مجموعُ المعنى.
стр. 1369
قوله: "لا ترمُوا الجمرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ"؛ يعني: بعثَ رسول الله ﵇ صبيانَ أهلِه ونساءَهم قبلَ الصبح ليلةَ العيد إلى مِنًى، وقال: لا ترمُوا جَمْرةَ العَقَبة في هذا اليوم - أي: يوم العيد - إلا بعد طلوع الشمس، وهذا هو الأفضلُ، فإن رَمَى أحدٌ جمرةَ العَقَبة بعد نصفِ ليلةِ العيد جازَ عند الشافعي.
ولا يجوزُ عند أبي حنيفة ومالكٍ وأحمدَ قبلَ الصبح، ويجوزُ بعد الصبح بالاتفاق.
هذا بحثُ رميِ جمرة العقبة يومَ العيد، وأما الرَّميُ في أيام مِنًى: فلا يجوز إلا بعدَ زوالِ الشمس.
* * *
١٨٨٩ - وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلَمَةَ ليلةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثمَّ مَضَتْ فأَفاضَتْ، كانَ ذلكَ اليومُ اليومَ الذي يكونُ رسُولُ الله ﷺ عِنْدَها.
قولها: "ثم مَضَت"؛ أي: ثم ذهبتْ من مِنًى.
"فأفاضت"؛ أي: فطافَتْ بالكعبة.
* * *
١٨٩٠ - وقال ابن عباس ﵄: يُلَبي المُعْتَمِرُ حتَّى يَفْتِتحَ الطَّوافَ، ويُروى: حتَّى يَسْتَلِمَ الحَجَرَ. ورفعه بعضهم.
"يُلَبي المُعْتَمِر"؛ يعني: يلبي الذي أحرمَ بالعمرةِ من وقت إِحرامه إلى أن يفتتح؛ أي: يبتدِئُ بالطواف ثم يتركُ التَّلْبية.
стр. 1370
قوله: "ورفعه بعضهم"؛ يعني: أكثر العلماء: أن هذا الحديثَ عبارةُ ابن عباس.
وقال بعضهم: بل هذا مرفوعٌ عن النبي ﵇؛ أي: منقولٌ عنه، وهذا اللفظُ لفظُ رسول الله ﵇ يرويه ابن عباس، والله أعلم.
* * *
٧ - باب رَمْيِ الجِمَار
(باب رمي الجمار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
(من الصحاح):
١٨٩١ - قال جابر ﵁: رأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَرْمي على راحلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، ويقولُ: "لِتَأْخُذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ، فإِنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا أحُجُّ بعدَ حَجِّي هذا".
قوله: "يَرْمِي على راحلته"؛ أي: يرمي وهو راكبٌ على ناقته، وهذا يدلُّ على أن رميَ الجِمار يجوزُ راكبًا.
"لتأخذُوا عني مناسِكَكم"؛ أي: تَعْلَمُوا منِّي أحكامَ الحجِّ.
* * *
١٨٩٣ - وقال: رمَى رسُولُ الله ﷺ الجَمْرَةَ يومَ النَّحْرِ ضُحًى، وأمَّا بعدَ ذلك فإذا زالتِ الشَّمْسُ.
"فأمَّا بعدَ ذلك، فإذا زالت الشَّمْسُ" أراد بقوله: (بعدَ ذلك): أيام
следующие страницы →