← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

جمعُ ضعيف، يعني: بعثني رسول الله ﵇ مع ضعفاءِ أهلهِ من النساء والصبيان قبل الصبحِ ليلةَ العيد كي يسيروا بلا عَجَلةٍ ولا زَحْمةٍ إلى مِنًى. * * * ١٨٨٥ - وعن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما، عن الفَضْلِ بن عبَّاس، وكانَ رَديفَ نبيِّ الله ﷺ ، أَنَّهُ قال في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وغَداةِ جَمْعٍ للنَّاسِ حينَ دَفَعُوا: "عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ"، وهو كَافٌّ نَاقَتَهُ حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وهو مِنْ مِنًى، قال: "عَلَيْكُمْ بحَصَى الخَذْفِ الذي يُرْمَى بِهِ الجَمْرَةُ"، وقال: لَمْ يَزَلْ رسُولُ الله ﷺ يُلَبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة. قوله: "وكان رديفَ رسول الله ﵇"؛ أي: وكان فَضْلُ بن عباسٍ راكبًا خلفَ رسول الله ﵇ على ناقته. "أنه يقول في عشية عَرفةَ وغداة جَمْعٍ"؛ يعني: إذا رجعَ من عرفةَ إلى مزدلفةَ ليلةَ العيد، وإذا ذهب من مزدلفة غداةَ يوم النَّحْر إلى مِنًى قال لهم: عليكم بالسكينة كي لا يتأذَّى أحدٌ بصدمتكم. "وهو كافٌّ ناقَتَه"، بتشديد الفاء؛ أي: وهو مانعٌ ناقتَه عن السرعة. "عليكم بحصى الخَذْف"، (الحصى): جمع حصاة، وهي الحجَرُ الصغير، (الخَذْف): الرميُ برؤوس الأصابع، يعني: ارمُوا الأحجارَ الصِّغارَ، ولا ترمُوا الحجارَ الكِبار، كي لا يتأَذَّى الناس، ولا يضيقَ طريقُهم. * * * ١٨٨٦ - وعن جابر ﵁ قال: أفاضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ جَمْعٍ وعلَيْهِ السَّكينةُ، وأَمَرَهُمْ بالسَّكِينَةِ، وأَوْضَعَ في وادي مُحَسِّر، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بمثلِ حَصَى الخَذْفِ، وقال: "لَعَلِّي لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذا".

стр. 1367

قوله: "لَعَلِّي لا أراكم بعد عامي هذا"، (لعلِّي): كلمةُ الترجِّي، وتُستعمَلُ بمعنى الظنِّ، وبمعنى عسى؛ أي: تعلَّمُوا مني أحكامَ الدِّين، فإني أظنُّ أن لا أراكم في السنة التي تأتي بعد هذه السنة. يعني فراقه من دار الدنيا إلى دار العُقْبى، وقد كان كما ظنَّه، فإنه فارقَ الدنيا في تلك السنة في الثاني عشر من شهر ربيعٍ الأول في السنة العاشرة من الهجرة، جزاه الله عنا وعن جميع المسلمين ما هو به أولى من الوسيلة والزُّلْفَى. * * * مِنَ الحِسَان: ١٨٨٧ - عن محمد بن قَيْس بن مَخْرَمَة قال: خَطَبَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "إنَّ أَهلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرفةَ حينَ تكون الشَّمسُ كأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وجُوهِهِمْ قبلَ أنْ تغرُبَ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ بعدَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حينَ تكون كأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وجُوهِهِمْ، وإنَّا لا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ قبلَ أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ، هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْي أَهْلِ الأَوْثانِ والشِّرْكِ". "إن أهل الجاهلية كانوا يَدْفَعُون من عَرفَةَ"؛ يعني: حتى تكونَ الشمسُ كأنها عمائمُ الرجالِ في وجوههم، يريدُ بقوله: (كأنها عمائمُ الرجال): أن الشمسَ عند الغروب يخلطُ نورُها بظِلِّ الجبال والأشجار، ويشبهُ نورَ الشمسِ بين الظِّلِّ عمائمَ الرجال الواقعِ ظِلُّها وأثرُها على الوجوه. يعني: كانَ أهلُ الجاهلية يذهبون من عرفَةَ قبل أن تغربَ الشمسُ، ومن مزدلفة قبل أن تطلُعَ الشمس، وفي دين الإسلام لا يذهبُ الحُجَّاجُ من عرفةَ إلا بعد غروب الشمس، ويذهبون من مزدلفةَ قبلَ طلوع الشمس، فمن ذهب من عرفةَ قبل غروب الشمس، فلا شيءَ عليه، وفي قولٍ: يجبُ عليه دمُ شاةٍ.

стр. 1368

"وهَدْيُنا"؛ أي: وسيرتُنا ودينُنا مخالفٌ لسيرة عَبَدَةِ الأوثان وأهلِ الشرك. * * * ١٨٨٨ - قال ابن عباس ﵄: قَدَّمَنا رسُولُ الله ﷺ لَيْلَةَ المُزدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ على حُمُراتٍ، فجعلَ يَلْطَخُ أَفخاذَنا، ويقول: "أَبنيَّ! لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ". قول ابن عباس: "قدَّمَنا رسولُ الله ﵇ ليلةَ المزدلفةِ أُغَيْلِمَةَ بني عبد المطَّلب على حُمُرات، فجعلَ يَلْطَخُ أفخاذَنا ويقول: أُبَيْنِيَّ! لا ترمُوا الجمرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ". "ليلةَ المُزْدَلِفَة"؛ أي: الليلةَ التي كنَّا فيها بالمزدلفةِ، وهي ليلة العيد. "أُغَيْلِمَة"؛ منصوب على أنه بَدَلٌ، أو عطفُ بيان للضمير في (قدَّمَنا)، و (أُغَيْلِمَة): تصغيرُ غِلْمَة شاذٌّ، وقياسها: غُلَيْمَة، وغِلْمَة جمعُ غلام، والمراد بالغِلْمَة هنا: الصبيان والشُّبَّان. "على حُمُرَات"؛ أي: راكبين على حُمُرَاتٍ، وهي جمع حُمُر بضم الحاء والميم، وهي جمع حِمَار. "فجَعَلَ"؛ أي: فطَفِقَ النبيُّ ﵇. "يَلْطَخُ"، بالطاء المهملة والخاء المعجمة؛ أي: يضرِبُ يدَه على أفخاذِنا ضربًا خفيفًا للتَّلَطُّف. "أُبَيْنِيَّ"، بضمِّ الهَمْز وفتح الباء، وبعده ياء ساكنة، وبعد الياء نون مكسورة، وبعد النون ياء مشددة. قال سيبويه: هو تصغيرُ (اِبنى) بالقصر بوزن (سَلْمَى)، وهو اسمٌ مفرَدُ اللفظ مجموعُ المعنى.

стр. 1369

قوله: "لا ترمُوا الجمرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ"؛ يعني: بعثَ رسول الله ﵇ صبيانَ أهلِه ونساءَهم قبلَ الصبح ليلةَ العيد إلى مِنًى، وقال: لا ترمُوا جَمْرةَ العَقَبة في هذا اليوم - أي: يوم العيد - إلا بعد طلوع الشمس، وهذا هو الأفضلُ، فإن رَمَى أحدٌ جمرةَ العَقَبة بعد نصفِ ليلةِ العيد جازَ عند الشافعي. ولا يجوزُ عند أبي حنيفة ومالكٍ وأحمدَ قبلَ الصبح، ويجوزُ بعد الصبح بالاتفاق. هذا بحثُ رميِ جمرة العقبة يومَ العيد، وأما الرَّميُ في أيام مِنًى: فلا يجوز إلا بعدَ زوالِ الشمس. * * * ١٨٨٩ - وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلَمَةَ ليلةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثمَّ مَضَتْ فأَفاضَتْ، كانَ ذلكَ اليومُ اليومَ الذي يكونُ رسُولُ الله ﷺ عِنْدَها. قولها: "ثم مَضَت"؛ أي: ثم ذهبتْ من مِنًى. "فأفاضت"؛ أي: فطافَتْ بالكعبة. * * * ١٨٩٠ - وقال ابن عباس ﵄: يُلَبي المُعْتَمِرُ حتَّى يَفْتِتحَ الطَّوافَ، ويُروى: حتَّى يَسْتَلِمَ الحَجَرَ. ورفعه بعضهم. "يُلَبي المُعْتَمِر"؛ يعني: يلبي الذي أحرمَ بالعمرةِ من وقت إِحرامه إلى أن يفتتح؛ أي: يبتدِئُ بالطواف ثم يتركُ التَّلْبية.

стр. 1370

قوله: "ورفعه بعضهم"؛ يعني: أكثر العلماء: أن هذا الحديثَ عبارةُ ابن عباس. وقال بعضهم: بل هذا مرفوعٌ عن النبي ﵇؛ أي: منقولٌ عنه، وهذا اللفظُ لفظُ رسول الله ﵇ يرويه ابن عباس، والله أعلم. * * * ٧ - باب رَمْيِ الجِمَار (باب رمي الجمار) مِنَ الصِّحَاحِ: (من الصحاح): ١٨٩١ - قال جابر ﵁: رأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَرْمي على راحلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، ويقولُ: "لِتَأْخُذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ، فإِنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا أحُجُّ بعدَ حَجِّي هذا". قوله: "يَرْمِي على راحلته"؛ أي: يرمي وهو راكبٌ على ناقته، وهذا يدلُّ على أن رميَ الجِمار يجوزُ راكبًا. "لتأخذُوا عني مناسِكَكم"؛ أي: تَعْلَمُوا منِّي أحكامَ الحجِّ. * * * ١٨٩٣ - وقال: رمَى رسُولُ الله ﷺ الجَمْرَةَ يومَ النَّحْرِ ضُحًى، وأمَّا بعدَ ذلك فإذا زالتِ الشَّمْسُ. "فأمَّا بعدَ ذلك، فإذا زالت الشَّمْسُ" أراد بقوله: (بعدَ ذلك): أيام

стр. 1371

التَّشْريق، فإن رَمْيَ أيامِ التشريق لا يجوزُ إلا بعد الزوال. * * * ١٨٩٤ - عن عبد الله بن مَسْعُود: أنَّهُ انتهَى إلى الجَمْرَةِ الكُبْرى، فجعَلَ البَيْتَ عَنْ يسارِهِ ومِنى عَنْ يمينِهِ، ورمَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ، ثمَّ قال: هكذا رمَى الذي أُنْزِلَتْ عليهِ سُورةُ البَقَرَةِ. قوله: "هكذا رمى الذي أُنْزِلَت عليه سورةُ البقرة"؛ يعني به: رسولَ الله ﵇، وإنما خصَّ سورةَ البقرة بالذِّكْر مع أن جميع القرآن قد أُنزلَ عليه؛ لأن أحكامَ الحجِّ في سورة البقرة، يعني: هكذا رمى مَن أُنزلتْ عليه أحكامُ الحجِّ، وهو محمدٌ رسول الله ﵇. * * * ١٨٩٥ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستِجْمارِ تَوٌّ، ورَمْيُ الجِمارِ تَوٌّ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَوٌّ،، ووإذا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ". أي: وِتْرٍ. قوله: "الاستجمارُ تَوٌّ"، (الاستجمارُ): الاستنجاءُ بالحَجَر، (التَوُّ): الوِتْر؛ يعني: فليستنجِ الرجلُ بثلاثةِ أحجارٍ، أو خمسٍ، أو ما شاء، وليكنْ بالوِتْر. "ورَمْيُ الجِمَار تَوٌّ"؛ يعني: الرميُ إلى كلِّ موضعٍ من جمرةِ العقبةِ وغيرها، فليكنْ سبعَ حَصَيَاتٍ، وكذلك الطوافُ والسعيُ بين الصَّفا والمَرْوة، فليكنْ سبعَ مرات، وقد ذكرْنا شرحَ الاستجمار في (باب أدب الخَلاء). * * *

стр. 1372

مِنَ الحِسَان: ١٨٩٦ - عن قُدَامَة بن عبد الله بن عاِمرٍ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَرمي الجَمْرَةَ يومَ النَّحْرِ عَلَى ناقَةٍ له صَهْباءَ، ليسَ ضَرْبٌ، ولا طَرْدٌ، وليسَ قِيلُ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ. قوله: "على ناقةٍ صَهْباءَ"؛ أي: حمراءَ، وقد ذكرْنا شرحَ هذا. قوله: "ليس ضَرْبٌ ... " إلى آخره؛ في السَّعْيِ بين الصَّفَا والمَرْوة. * * * ١٨٩٧ - وعن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ رَمْيُ الجِمارِ، والسَّعْيُ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ لإقامَةِ ذِكْرِ الله"، صحيح. قولها: "إنما جُعِلَ رميُ الجمَار والسعيُ بين الصَّفَا والمَرْوَة"؛ سُنَّة. * * * ١٨٩٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلنا: يا رسُولَ الله، أَلا نَبني لكَ بناءً يُظِلُّكَ بِمنًى؟، قال: "لا، مِنًى مُناخُ مَنْ سَبَقَ". قولها: "ألا نَبني لك بناءً يُظِلُّكَ بمِنًى، قال: لا، مِنًى مُناخُ مَنْ سَبقَ"، أَلا: الهمزةُ في (أَلَا) للاستفهام، و (لا) للنفي. (يُظِلُّكَ): أي: يُوقِعُ ظِلَّه عليك، ويَقيك من حرِّ الشمس. (المُنَاخ): موضعُ إناخةِ الإبلِ؛ أي: أبراكها، يعني: أفتأذَنُ أن نبنيَ لك بيتًا في مِنًى؛ ليكون ذلك أبدًا تسكن (١) فيه، فقال ﵇: لا؛ لأن مِنًى

стр. 1373

ليس مختصًّا بأحد، وإنما هو موضعُ العبادة من الرمي وذبحِ الهَدْيِ والحَلْق وغيرها من العبادات. فلو أجاز البناءَ هناك؛ لكثرت الأبنيةُ، ويضيقُ المكان، وهذا مثلُ الشوارعِ ومقاعدِ الأسواق، وكما لا يجوز البناءُ فيها كي لا يتضيَّقَ على الناس، فكذلك لا يجوزُ في مِنًى. وعند أبي حنيفة: أرضُ الحَرَم موقوفةٌ؛ لأن رسول الله ﵇ فتح مكة قَهْرًا، وجعلَ أرضَ الحَرَم موقوفةً، فلا يجوز أن يتملَّكَها أحدٌ. وقال الخَطَّابي: إنما لم يأذن النبيُّ ﵇ في البناء لنفسِه، وللمتأخِّرين بمِنًى؛ لأنها دارٌ هاجروا منها لله، فلم يختاروا أن يعودُوا إليها، ويَبنوا فيها. * * * ٨ - باب الهَدْي (باب الهدي) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٨٩٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ الظُّهْرَ بذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعا بناقَتِهِ، فَأَشْعَرَها في صَفْحَةِ سَنامِها الأَيْمَن، وَسَلَتَ الدَّمَ، وقَلَّدَها نَعْلَيْنِ، ثُمَّ ركِبَ راحِلَتَهُ، فلمَّا اسْتَوَتْ بِهِ على البَيْداءِ أَهَلَّ بالحَجِّ. قوله: "صلَّى رسول الله ﵇ الظُّهْرَ بذي الحُلَيفة"؛ يعني: خرج من المدينة للحجِّ، فلما وصلَ إلى ذي الحُلَيفة - وهو ميقاتُ أهل المدينة - صلَّى الظهر، وأشعرَ ما معه من الهَدْيِ.

стр. 1374

والإشعارُ والتقليدُ سُنَّتان في الإبل والبقر، و (الإشعارُ): أن يضربَ بحديدةٍ على جانِبِ اليمنى من سَنام الإبل والبقر، حتى يسيلَ الدمُ. و (التقليدُ): أن يعلِّقَ بعنقها نَعْلَين، وفي الغنم: يُسَنُّ التقليدُ دون الإشعار؛ لأن الغنمَ ضعيفةٌ، لكن تقليدَ الغنمِ بشيءٍ خفيفٍ كخرق الأيدي والأرجل من قِرْبةٍ يابسة. وعند أبي حنيفة: الإشعارُ بِدْعَة، والغرضُ من الإشعار والتقليدِ إظهارُ كونِ الإبل والبقرِ والغنمِ أنها هَدْيٌّ كي لا يَقْصِدَها أحدٌ بالغَصْب والسرقة. قوله: "وسَلَتَ الدَّمَ"؛ أي: بسطَ الدَّمَ على سَنَامها؛ ليكونَ أثرُ الإشعارِ أكثرَ ظهورًا. * * * ١٩٠٢ - وعنه قال: نَحَرَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ نِسائِهِ بَقَرَةً في حَجَّتِهِ. قول جابر: "ذبحَ رسول الله ﵇ عن عائشةَ بقرةً"؛ أي: لأجل عائشةَ ذبحَ بقرةً، وفَرَّقَ لحمَها على الفقراء. * * * ١٩٠٣ - وقالت عائشة ﵂: فَتَلْتُ قَلائِدَ بُدْنِ النَّبيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَها وأَشْعَرَها وأَهْداها، فما حَرُمَ عليه شيءٌ كَانَ أُحِلَّ له. قولها: "فَتَلْتُ قلائدَ بُدْنِ النبيِّ ﵇ بيديَّ، ثم قلَّدَها وأشعرَها وأهداها، فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان أُحِلَّ له". "القلائد": جمع قِلَادة، وهي ما يعلَّقُ بالعُنُق، والمرادُ به ها هنا: ما ذَكَرْنا في الإشعارِ والتقليد.

стр. 1375

"وأهداها"؛ أي: بعثَها إلى مكة. قولها: "فما حرم عليه شيء كان أُحِلَّ له"، هذا الحديثُ يدلُّ على أن من بعثَ هَدْيًا إلى مكة لا يكونُ حكمُه حكمَ المُحْرِم في تحريم لُبْسِ المَخِيط وغيرِه مما حُرِّمَ على المُحْرِم، بل لا يُحَرَّمُ عليه شيءٌ مما حُرِّمَ على المُحْرِم؛ لأنه جالسٌ في بيته، ولم يكن مُحْرِمًا، فإذا لم يكن مُحْرِمًا، فكيفَ يُحرَّمُ عليه شيءٌ؟. وإنما قالت عائشةُ هذا الكلامَ؛ كي لا يَظُنَّ أحدٌ أنه يُحَرَّمُ على مَن بعثَ هَدْيًا إلى مكةَ شيءٌ مما حُرِّمَ على المُحْرِم. * * * ١٩٠٤ - وقالت: فَتَلْتُ قَلائِدَها مِن عِهْنٍ كانَ عِنْدي، ثُمَّ بعثَ بها مَعَ أبي. قولها: "مِن عِهْنٍ كان عندي"؛ أي: مِن صوفٍ مصبوغٍ كان في بيتي. * * * ١٩٠٦ - وسُئِلَ جابر بن عبد الله ﵁ عَنْ رُكُوبِ الهَدْي؟، فقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقول: "ارْكبْها بالمعرُوفِ إذا أُلجِئْتَ إليها، حتَّى تَجِدَ ظَهْرًا". قولُه: "اركبْها بالمعروف"؛ يعني: بوجهٍ لا يَلْحَقُه ضَرَرٌ. "إذا أُلْجِئْتَ إليها"؛ أي: إذا اضْطُرِرْتَ واحتجْتَ إلى ركوبها. "حتى تَجِدَ ظَهْرًا"؛ أي: مركوبًا آخر. اعلم أن ركوبَ الهَدْيِ جائزٌ عند الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ بوجهٍ لا يلحقُها ضَرَرٌ شديدٌ، سواءٌ كان معه مركوبٌ آخرُ أو لم يكنْ.

стр. 1376

وقال أبو حنيفة: لا يجوز ركوبُ الهَدْيِ إلا إذا اضْطُرَّ إلى ركوبها بأنْ لم يجد مركوبًا غيرها، فإن نَقَصَ منها شيءٌ بسبب الركوبِ لزمَه أن يتصدَّقَ بقدْرِ النقصانِ من الدراهمِ أو الطعامِ على مساكينِ الحَرَم عنده. * * * ١٩٠٧ - وقال ابن عباس ﵄: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ بسِتَّ عَشَرَةَ بَدَنَةً مَعْ رَجُلٍ وأمَّرَهُ فيها، فقال: يا رسُولَ الله، كيفَ أصنعُ بما أُبْدِعَ عَلَيَّ منها؟، قال: "انْحَرْها، ثُمَّ اصْبُغ نَعْلَيْها في دَمِها، ثمَّ اجْعَلْها عَلَى صَفْحَتِها، ولا تأْكُلْ منها أنتَ ولا أحدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ". قوله: "بعث رسولُ الله ﵇ بسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مع رجلٍ، وأمَّرَه فيها، فقال: يا رسولَ الله! كيف أَصْنَعُ بما أُبْدِع عليَّ منها؟ قال: انْحَرْها ثم اصْبُغْ نَعْلَيها في دَمِها، ثم اجعلْه على صَفْحَتِها، ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقَتِك"؛ يعني: أرسل رسول الله ﵇ ستَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً من المدينة إلى مكةَ مع رسول، وأمَّره؛ أي: جعلَه أميرًا وحاكمًا عليها لينحرَها بمكة، ويفرِّقَ لحْمَها على مساكينِ الحَرَم وغيرِهم من الفقراء. قوله: "أُبْدِعَ" الجَمَلُ وغيرُه على بناء المجهول: إذا وقفَ في الطريقِ وعجزَ عن السير، وأُبْدِعَ الرجلُ أيضًا: إذا وقفتْ راحِلَتُه. قوله: "ثمَّ اصبُغْ نعليها في دمها"؛ أي: اجعل نعلَيها في دمِها، "ثم اجعله"؛ أي: ثم اضرْبه على جانبِ اليمينِ من سَنَامها؛ ليعلمَ مَن يمرُّ في الطريق أنه هَدْيٌ، فإنْ كان محتاجًا يأكلُ منها، وإن لم يكنْ محتاجًا لم يأكلْ منها. قوله: "ولا تأكلْ منها أنت ولا أحدٌ من رفقتك"، إنما نهاهم عن أَكْلِها كي لا يَتَّهِمَهم أحدٌ أنهم نَحَرُوها لأنفسهم، ولم يكنْ قد أُبْدِع في الطريق. * * *

стр. 1377

١٩٠٩ - وعن ابن عمر ﵄: أنّه أتَى على رجُلٍ قد أناخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُها، فقال: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةُ محمَّدٍ ﷺ . قوله: "ابْعَثْها قِيَامًا مُقيَّدةً"؛ أي: لا تَدَعْ الإبلَ مضطجِعةً، بل انحرْها قائمةً مقيَّدَةً يديها، فإن سنةَ رسولِ الله ﵇ في نحر الإبل هكذا، والذبْحُ مضطجِعًا إنما كان في البَقَر والغَنَم. * * * ١٩١٠ - وقال عليّ ﵁: أَمَرَني رسُولُ الله ﷺ أنْ أقُومَ على بُدْنِهِ، وأنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِها وجُلُودِها وأَجِلَّتِها، وأنْ لا أُعْطِىَ الجَزَّارَ مِنها، قال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنا". قوله: "أن أَقومَ على بُدْنِه"؛ أي: أن أقومَ على نَحْرِ هَدْيهِ. "وأن أتصدَّقَ بلحمها وجلودِها، وأَجِلَّتِها"، (الأَجِلَّةُ): جمع جِلَال، وهو جمع جُلِّ الجَمَل والفَرَس. "الجَزَّار": الذي يَنْحَرُ الجَمَل، وهو القَصَّاب. واعلم أنه لا يجوزُ أن يعطَى شيئًا من الهَدْيِ والأُضْحِيةِ بالأُجْرة، ويجوزُ باسمِ الصَّدَقة، وقد ذكرْنا بحثَ هذا الحديثِ في حديثِ قصةِ حَجَّةِ الوداع في قوله: "فأكلا من لحمها وشربا من مَرَقِها". * * * ١٩١١ - وقال جابرٌ ﵁: كُنَّا لا نأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنا فَوْقَ ثَلاثٍ، فَرَخَّصَ لنا رسُول الله ﷺ قال: "كُلُوا وتَزَوَّدُوا"، فأَكَلْنَا وتَزَوَّدْنا. قوله: "كُنَّا لا نأْكُلُ لحومَ بُدْنِنا فوقَ ثلاثٍ، فرخَّصَ لنا رسولُ الله ﵇".

стр. 1378

اعلم أن الهَدْيَ والأُضحيةَ إن كانتْ واجبةً لا يجوزُ لصاحبها أن يأكلَ منها شيئًا البتَّةَ، وإن كان تطوُّعًا بعد ثلاثة أيام، وجازَ لهم أن يأكلُوا في ثلاثةِ أيام، ثم رخَّصَ لهم ﵇ أن يأكلُوا من التطوُّع متى شاؤوا في ثلاثة أيام وبعدَها، والواجبُ عليهم أن يطعموا الفقراءَ من لحمها أولَ شيءٍ، والمستحَّبُّ أن يطعموهم الثُّلُثَ والنِّصْف. * * * ١٩١٢ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أَهْدَى عامَ الحُدَيْبيَةِ في هدايا رسُولِ الله ﷺ جَملًا كانَ لأبي جَهْلٍ، في رأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ يَغيظُ بِذلِكَ المُشْرِكينَ. ويروى: بُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ. قوله: "أَهْدَى"؛ أي: أَرْسَلَ إلى مكةَ للعمرة. "عامَ الحُديبية"؛ أي: في السنة التي جاء رسول الله ﵇ من المدينة إلى مكةَ للعُمْرة، فحبَسه مشركو مكةَ بالحُدَيبية، ومنعُوه وأصحابَه أن يدخلُوا مكةَ. وتأتي قصة الحديبية في (كتاب الصلح) من (باب الجهاد). "في هدايا"؛ أي: في جملةِ الإبلِ التي أرسلَها رسولُ الله ﵇. "كان جمل أخذه رسولُ الله ﵇ من أبي جهل في غزو البدر، وكان في أنفها بُرَةٌ من فِضَّة"؛ (البُرَةُ) بتخفيف الراء: ما يكونُ في أنفِ الجمل يُشَدُّ به الزِّمام. "يَغِيظُ"؛ أي: يوصِلُ الغيظَ والأذى إلى قلوبِ المشركين في نَحْرِه ﵇ ذلك الجَمَلَ، يعني: ليُرِيَ المشركين أنَّ ما هو الأعزُّ عندهم من المال

стр. 1379

هو حقيرٌ عند المؤمنين. * * * ١٩١٣ - عن جابر ﵁ أنّ النبيَّ ﷺ قال: "البَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، والجَزُورُ عنْ سَبْعَةٍ". قوله: "البَدَنَةُ عن سبعةٍ، والجَزُورُ عن سَبْعَةٍ"، (البَدَنَة)، ما يُهَيَّأ للأُضْحِيةِ من الإبل، و (الجَزُور): ما يُذْبَحُ للَّحْم. يعني: يجوزُ أن يشترِكَ سبعةُ أنفسٍ في أُضحيةِ جَمَلٍ، أيَّ نوعٍ كان من الإبل، إذا كان له خمسُ سنين، ولم يكنْ مَعِيبًا. * * * ١٩١٤ - وعن ابن عباس قال: كُنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفَرٍ فحَضَرَ الأَضْحَى، فاشْتَرَكْنا في البَقَرَةِ سَبْعَةً، وفي الجَزُورِ عَشَرةً"، غريب. قول ابن عباس: "كنَّا مع رسولِ الله ﵇ في سَفَرٍ فحَضَر الأَضْحَى". ذكرنا شرحَ هذا الحديثِ في (فضل الأُضْحية) في صلاة العيد. * * * ١٩١٥ - عن ناجِيَة الخُزَاعيِّ أنَه قال: قُلتُ: يا رسول الله، كيفَ أصْنعُ بما عَطِبَ مِنَ البُدْنِ؟، قال: "انْحَرْها، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَها في دَمِها، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وبينها فَيَأكُلُونها". قوله: "بما عَطِبَ"؛ أي: وقفَ في الطَّرِيقِ، وعَجِزَ عن السَّير.

стр. 1380

روى هذا الحديث: ناجيةُ الخزاعي. * * * ١٩١٦ - عن عبد الله بن قُرْطٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أفْضَلَ الأيّامِ عِنْدَ الله يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ". وقال: أُتِيَ رسُولُ الله ﷺ ببَدَناتٍ خَمْسٍ أو سِتٍّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه بِأيّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فلمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُها، قال: فَتَكَلَّمَ بكَلِمةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْها، فسألتُ الذي يَليهِ فقال: قال: "مَنْ شاءَ فَلْيَقْتَطِعْ". قوله: "إن أفضلَ الأيامِ عندَ الله يومُ النَّحْر ثم يومُ القَرِّ". (يوم النَّحرِ): يومُ عيد الأَضْحى، و (يوم القَرِّ): يوم الذي بعده سُمِّيَ يومَ القَرِّ؛ لأن الحُجَّاجَ قد فرغوا من التردُّد من أفعال الحَجِّ في ذلك اليوم. قوله: "أُتِيَ رسولُ الله ﵇ ببَدَنَاتٍ خَمْسٍ أو ستٍّ، فطفقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه بأيَّتِهنَ يبدَأ، فلما وجَبَتْ جُنُوبُها، قال: فتكلَّمَ بكلمةٍ خَفِيَّةٍ لم أَفْهَمْها، فسألتُ الذي يَلِيه فقال: قال: مَنْ شاءَ فلْيَقْتَطِعْ". (يزدَلِفْنَ)؛ أي: يَقْتَرِبن؛ أي: يسعَى كلُّ واحدٍ من تلك البُدْنِ إلى رسول الله ﵇ لينحرَها رسولُ الله ﵇ قبلَ الباقيات، وهذا من معجزاتِ النبيِّ ﵇ تَقْبَلُ الحيواناتُ وُصولَ يدِ رسول الله ﵇ إليها شَرَفًا لها. (وَجَبَتْ)؛ أي: سقطتْ البَدَنَةُ التي نَحَرَها إلى الأرض. قال فتكلَّمَ بكلمةٍ؛ أي: قال الراوي: فتكلَّم رسولُ الله ﵇ حين نحرَها بكلمةٍ ما فهمتُها؛ لكوني بعيدًا. (فسألتُ الذي يَلِيه)؛ أي: كان واقفًا عندَه عن تلك الكلمة، فقال ذاك

стр. 1381

الرجل: قال رسول الله ﵇ حين نَحَرَها: (من شاء فليقتطعْ)؛ أي: قال رسول الله ﷺ : ابعثْ هذا الهَدْيَ للمحتاجين، مَن شاء فليقتطع. روى هذا الحديث: عبد الله بن قرط. ٩ - باب الحلق (باب الحلق) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩١٧ - عن ابن عمر ﵄: أَنَّ رسُولَ الله ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ في حَجَّةِ الوَداعِ وأُناسٌ مِنْ أصْحابهِ، وقَصَّرَ بعضُهُمْ. قوله: "حَلَقَ رسولُ الله ﵇ رأسَه في حَجَّةِ الوَداع وأناسٌ مِن أصحابه، وقصَّرَ بعضُهم". هذا الحديثُ يدلُّ على جواز الحَلْقِ والتقصير، و (التقصيرُ): أن يقصَّ بعضَ شعرِ رأسه، و (الحَلْقُ) أفضلُ من التقصير كما يأتي من الدعاء للمُحَلِّقين ثلاثَ مرات، وللمقصِّرين مرةً، وأقلُّ ما يُجْزِى في الحَلْقِ أو التقصير ثلاثُ شَعْراتٍ. وقال أبو حنيفة: لا يجوزُ أقلُّ من حَلْقِ رُبْعِ الرأسِ أو تقصيرِه. * * * ١٩١٨ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: قال لي مُعاوية: إنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رأْسِ النبي ﷺ عِنْدَ المَرْوَةِ بمِشْقَصٍ. قوله: "قال لي معاويةُ"؛ أي: معاوية بن أبي سفيان.

стр. 1382

قوله: "عند المَرْوَة"، هذا يدلُّ على أنه ﵇ كان مُحْرِمًا بالعمرة؛ لأن الحَلْق والتقصيرَ عند المَرْوَة إنما يكونُ في العمرة، وأما في الحجِّ يحلِقُ ويُقَصَّرُ بمِنًى بمِشْقَص، وهو نَصْلٌ طويلٌ عريضٌ له حِدَّةٌ. * * * ١٩٢١ - وعن أنس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ أتَى مِنًى، فأتَى الجَمْرَةَ فَرمَى بها، ثُمَّ أتَى مَنْزِلَهُ بِمنًى، ونَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعا بالحَلَاّقِ، وناوَلَ الحالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعا أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ فأعْطاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فقال: "احلِقْ" فَحَلَقَهُ، فأعْطاهُ أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ فقال: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ". قوله: "فأتى الجَمْرةَ فرماها"، أراد بهذه الجمرة: جمرة العقبة، يعني: رمى يومَ العيدِ جمرةَ العَقَبة، ثم أتى منزله بمِنًى. "ونَحَرَ نُسُكَه"؛ أي: هَدْيَه. "وناولَ الحالِقَ شِقَّه الأيمنَ"، (ناولَ)؛ أي: أعطى، يعني: أعطى الحلاقَ الجانب الأيمنَ من شعرِ رأسِه فحلقَه، هذا يدلُّ على كون الحَلْقِ في الحجّ ركْنًا من أركان الحجِّ في أصحِّ القولين للشافعي. وفي قوله الآخر: أنه استباحةُ محظور؛ أي: كان الحَلْقُ على الرجلِ حرامًا بالإحرام، فصار مباحًا، إن شاء فَعَلَه، وإن شاء تَرَكَه. وقال أبو حنيفة: الحَلْقُ ليس بركنٍ، ولكنه واجبٌ يجبُ بتركه دمٌ، ويدلُّ هذا الحديثُ على أن البَدَاءة في الحَلْقِ وغيرِه باليمنى مسنونٌ. قوله: "اقسِمْه بين الناس"؛ يعني: أعطِ كلِّ واحدٍ من أصحابي بعضَ شعوري ليحفظَه؛ أي: ليصلَه بركةُ شَعْرِي.

стр. 1383

١٩٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كُنْتُ أُطَيبُ رسُولَ الله ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطِيبٍ فيه مِسْكٌ. قولها: "ويومَ النَّحْرِ قبلَ أن يطوفَ بالبيت"، اعلم أنه إذا قلنا: الحَلْقُ ركنٌ تكون أسبابُ التحلُّل - أي: الخروجُ من الإحرام - ثلاثة: رميُ يوم العيد، والحَلْقُ، وطوافُ الفَرْضِ. فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة يحصلُ له التحلُّل الأول، وحلَّ له جمع محرمات الإحرام سوى النساء، فإذا فعل الثالث، حل له النساء أيضًا. وإن قلنا: إن الحلقَ ليس بركنٍ تكونُ أسباب التحلُّلِ اثنين: رميُ يومَ العيد، والطَّواف، فإذا فعلَ واحدًا منها؛ حصلَ له التحلُّل الأول، وإذا فعل الثاني حصلَ له التحلُّل الثاني، ولا ترتيبَ في فعل أسباب التحلُّل، بل أيُّ فعلٍ منها قُدِّمَ أو أُخِّرَ؛ فلا بأس. وإذا عرفتَ هذا؛ فقولُ عائشةَ: (ويومَ النحر قبل أن يطوف)؛ معناه: إذا رمى ﵇ جمرةَ العقبة حلَّ له الطِّيبُ، فأُطَيبُه قبلَ أن يطوفَ. * * * ١٩٢٣ - وعن ابن عمر رضي عنهما: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بمِنًى. قوله: "أفاض يومَ النَّحْر ثم رجعَ فصلَّى الظهرَ بمنًى"؛ يعني: ذهب رسول الله ﵇ يومَ العيدِ من مِنًى إلى مكةَ، فطافَ طوافَ الفَرْضِ، ثم رجعَ في ذلك اليوم، فصلَّى الظهرَ بمِنًى. * * *

стр. 1384

١٩٢٤ - عن عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أنْ تَحْلِقَ المرْأةُ رَأْسَها. قولها: "أن النبي ﵇ نهى أن تَحْلِقَ المرأةُ رأسَها"؛ يعني: السُّنَّةُ للمرأة أن تقصِّرَ شعرَها؛ أي: تقطعَ قليلًا من شعرها، وإنما نهاهُنَّ عن الحَلْقِ؛ لأن شعرَهنَّ زينةٌ وتلذُّذٌ لأزواجهنَّ، والحَلْقُ ربما يُبَغِّضُهُنَّ إلى أزواجِهنَّ. فصل مِنَ الصِّحَاحِ: (فصل) (من الصحاح): ١٩٢٦ - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصِ ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ وَقَفَ في حَجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى للنَّاسِ يسأَلُونَهُ، فجاءَ رجُلٌ فقال: لم أَشعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أذْبَحَ، فقال: "اذْبَحْ ولا حَرَجَ"، فجاءَهُ آخَرُ وقال: لم أَشعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أَرْمِيَ، فقال: "ارْمِ ولا حَرَجَ"، فَما سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أو أُخِّرَ إلَاّ قال: "افْعَلْ ولا حَرَج". وفي روايةٍ: "أتاهُ رجُلٌ فقال: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أرْميَ، قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ"، وأتاهُ آخَرُ فقال: أفَضْتُ إلى البَيْتِ قَبْلَ أنْ أرْميِ، فقال: "ارْمِ ولا حَرَجَ". قوله: "لم أشعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أذبحَ، قال: اذبحْ ولا حَرَجَ". (لم أَشْعُرْ)؛ أي: لم أعلمْ، ظَنَّ هذا الرجلُ أن ذبحَ الهَدْيِ يجبُ تقديمُه

стр. 1385

على الحَلْق، فقدَّمَ الحَلْقَ على الذَّبح، وظنَّ أنه قد أخطأ، فقال رسول الله ﵇: لا بأس بتقديم الحلق على الذبح. اعلم أن أعمالَ يومِ النَّحْر أربعة: الرميُ، والذبحُ، والحَلْقُ والطَّوَاف. فعند أبي حنيفة ومالك: هذا الترتيب واجبٌ، فلو قدَّم شيئًا منها على شيءٍ لَزِمَه دمُ شاةٍ. وعند الشافعي وأحمد: هذا الترتيب سُنَّةٌ؛ فلو قدَّمَ شيئًا منها على شيءٍ فلا شيءَ عليه بدليلِ هذا الحديثِ. أما السعي؛ فلا يجوزُ تقديمُه على الطَّوَاف، بل يجبُ تأخيرُه على الطَّوَاف، فإن سعى بعد طوافِ القُدُوم فلا يلزمُه الإعادةُ بعد طوافٍ آخرَ، وإن لم يسعَ بعد طوافِ القُدُوم فإن سعى بعد طوافِ الفَرْضِ فهو المرادُ، وإن سعى قبلَ طوافِ الفَرْض، ثم طاف بعدَه لم يُجْزِئْه، بل يلزمُه الإعادةُ بعد الطَّوَاف، إلا عند عطاء؛ فإنه يُجْزِئُ السعيُ قبل الطَّوَاف. * * * ١٩٢٧ - عن ابن عباس أنّه قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُسْأَلُ يومَ النَّحْرِ بمِنًى، فيقول: "لا حَرَجَ"، فسَأَلَهُ رجُلٌ فقال: رَمَيْتُ بعدَما أَمْسَيْتُ، فقال: "لا حَرَجَ". قوله: "كان النبي ﵇ يُسأل يومَ النَّحْر بمِنًى فيقول: لا حَرَجَ، فسأله رجل فقال: رميتُ بعد ما أمسيتُ، فقال: لا حرج". أراد بقوله: (أمسيت)؛ أي: بعدَ العصر. واعلم أن آخرَ وقتِ رمْيِ يومِ النَّحْر غروبُ الشمس مِن يومِ النَّحْر، فإذا غربتِ الشمسُ فاتَ رميُ يومِ النَّحْر، ولَزِمَه في قولٍ دَمٌ. وأما أولُ وقتِ رَمْيِ هذا اليومِ بعدَ نصفِ ليلةِ النحرِ عند الشافعيِّ، وبعدَ

стр. 1386

طلوعِ فجر يوم النحر عند أبي حنيفة ومالك وأحمدَ. * * * ١٠ - باب الخُطْبة يومَ النَّحر، ورَمْي أَيَّام التَّشريق والتَّوديع (باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق والتوديع) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٢٩ - عن أبي بَكْرة ﵁ عنه قال: خَطَبنا رسُولُ الله ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، قال: "إنَّ الزَّمانَ قَد اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأَرْضَ، السَّنةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وشَعْبانَ"، ثُمَّ قال: "أيُّ شَهْرٍ هذا؟ فقُلْنا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ، قال: "ألَيْسَ ذا الحِجَّةِ؟ " قلنا: بَلَى، قال: "فأَيُّ بَلَدٍ هذا؟ "، قُلْنا: الله ورسُولُهُ أعلم، قال: "أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟ " قُلْنا: بَلَى، قال: "فأَيُّ يَوْمٍ هذا؟ "، قُلْنا: الله ورسُولُهُ أعلم، قال: "ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قُلْنا: بَلَى، قال: "فإنَّ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أعْمالِكُمْ، أَلا فلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَاّلاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نَعَمْ، قال: "اللهمَّ اشْهّدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سامِعٍ". قوله: "الزمان قد استدارَ كهيئَتهِ يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ". (الزمانُ): الدهرُ، (استدار)؛ أي: دارَ، (كهيئته)؛ أي: على الترتيب الذي خَلَقَ الله الدهرَ عليه. اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون بتحريمِ الأشهرِ الحُرُم، وهي رَجَبٌ

стр. 1387

وذو القَعْدة وذو الحِجَّة والمُحَرَّم، ولا يقاتلون في هذه الأشهرِ، إلا أنهم إذا وقعَ لهم حربٌ شديدةٌ وضرورةٌ في قتال، بدَّلُوا الأشهرَ الحُرُمَ إلى غيرها، وأمروا مناديًا ليناديَ في القبائل: ألا إنا أَخَّرْنا رجَبًا إلى رمضان، عَنوا بذلك أنا لا نحاربُ في رجب، ونتركُ الحربَ بدلَه في رمضان، وأَخَّرْنا ذا الحِجَّةِ إلى المُحَرَّم، والمُحَرَّمَ إلى صَفَر، وصَفَرَ إلى الرَّبيع الأولِ. وإذا أَخَّرْوا ذا الحِجَّة إلى شهرِ آخرَ أَخَّرُوا الحَجَّ من ذي الحِجَّةِ إلى شهرٍ آخرَ، وهكذا يؤخِّرون الحَجَّ من شهرٍ إلى شهرٍ حتى بلغَ دَوْرُ تأخيرِ ذي الحِجَّةِ على حسابهم إلى ذي الحِجَّة، فالسَّنَةُ التي حجَّ فيها رسول الله ﵇ في حَجَّةِ الوداعِ هي السُّنَةُ التي وصلَ ذو الحجة إلى موضعِه، فقال رسول الله ﵇ في خطبته في الحجِّ هذا الحديثَ، وقال: (ألا إن الزَّمانَ قد استدارَ كهيئته). يعني: أمرَ الله أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت، فاحفَظُوا جَعْلَ الحَجِّ في هذا الوقت، ولا تبدِّلُوا الشهرَ بالشهرِ كعادةِ أهلِ الجاهلية. قوله: "ورجبُ مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبان"، قال الخَطَّابي: أضافَ رجبًا إلى مضرَ؛ لأنهم يعظِّمونه تعظيمًا أشدَّ من سائر العرب، وإنما قال: الذي بين جمادى وشعبان ليبين أن رجبًا في الشرع هو الشهر الذي بين جُمَادى وشعبان؛ لا ما يؤخِّره العربُ إلى وقتٍ آخرَ، مثل أنْ سَمَّوا رمضانَ برجب، وسمَّوا شوالاً برمضان، يؤخِّرون بعضَ الشهورِ من موضعه إلى موضعٍ آخر. قوله: "أليس البلدة"، (البلدةُ): اسم مكة. "وأَعراضكُم"، (الأَعراض) جمع عِرْض - بكسر العين وسكون الراء - وهو الأوصاف التي يمدح ويذم الرجل بها. يعني: حرم الله عليكم أن يغتاب بعضكم بعضًا، وأن يشتم ويذكر مسلم مسلمًا بسوء. "وستلقون ربكم"؛ يعني: ستبعثون وتحضرون يوم القيامة.

стр. 1388

"فيسألكم" عما فعلتم "ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلَاّلًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض"؛ يعني: إذا فارقتُ الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تظلموا أحدًا، ولا تتحاربوا مع المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل، فإن هذه الأفعال من الضلالة. والمراد بـ (الضلالة): العدول عن الحق إلى الباطل. "فليبلِّغ الشاهد الغائب"؛ يعني: فليبلِّغ مَنْ سمع كلامي وحضر لِي ما سمع مني إلى الغائبين، "فربَّ مُبَلَّغ" بفتح اللام؛ أي: فربَّ غائب إذا بلغه كلامي "أوعى" له؛ أي: يكون أشدُّ حفظًا لكلامي، ومداومة على قراءته ومراعاته ممَّن سمع كلامي. وهذا تحريض على تعليم الناس أحاديث النبي ﵇ وغيره من العلوم الشرعية، فإنه لولا التعليم والتعلم لانقطع العلم بين الناس. * * * ١٩٣٠ - عن وَبَرَةَ قال: سَألْتُ ابن عُمَرَ: مَتَى أَرْمي الجمارَ؟، قال: إذا رمَى إمامُكَ فارْمِهْ، فأَعَدْتُ عَلَيْهِ المسألَةَ، فقال: كُنَّا نتَحَيَّنُ، فإذا زالَت الشَّمْسُ رَمَيْنا. قوله: "إذا رمى إمامُكِ"؛ يعني: اقتدِ في الرَّمي بمَنْ هو أعلمُ منك بوقت الرمي، فإذا رمى الناس فارمِ أنت. قوله: "نتَحَيَّنُ"؛ أي: نطلب الحين، وهو الوقت؛ أي: ننتظر دخول وقت الرمي. "فإذا زالت الشمس رمينا"؛ يعني: رمينا جِمَارَ أيام التشريق بعد زوال الشمس.

стр. 1389

١٩٣١ - وعن سَالِم، عن ابن عُمر ﵄: "أنَّهُ كانَ يَرْمي جَمْرَةَ الدُّنْيا بِسَبع حَصَياتٍ يُكَبرُ على إثْرِ كُلِّ حَصاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حتَّى يُسْهِلَ، فيقُومُ مُسْتَقْبلَ القِبْلَةِ طَويلًا، ثم يَدْعُو ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمي الوُسْطَى بِسَبع حَصَياتٍ يُكَبرُ كُلَّما رَمَى بحَصاةٍ، ثُمَّ يَأخُذُ بِذاتَ الشِّمالِ، فيُسْهِلُ، ويقُومُ مُسْتَقبلَ القِبْلة، ثُمَّ يَدْعُو، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، ويَقُومُ طَويلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوادِي بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبرُ عِنْدَ كُلِّ حَصاةٍ، ولا يَقِفُ عِنْدَها، ثُمَّ يَنْصَرفُ، فيقول: هكذا رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَفْعَل. قوله: "جَمْرَةَ الدنيا"، (الدُّنيا): تأنيث (الأدنى)، ومعناه: الأقرب؛ يعني: يرمي في الموضع الأول من المواضع الثلاثة. "ثم يتقدم"؛ أي: ثم يذهب قليلًا من ذلك الموضع. "حتى يُسْهِلَ"؛ أي: حتى يبلغ إلى موضعٍ سَهْلٍ لَينٍ، وبَيْنَ الموضع الذي رمى فيه وبَيْنَ هذا الموضع السهل قليل. "ثم وقف ودعا طويلًا ثم يأخذُ بذاتِ الشِّمال"؛ أي: يذهب على جانب شمال الجمرة الوسطى حتى وصل إلى موضع سهل. * * * ١٩٣٢ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ رسُولَ الله ﷺ أَنْ يَبيتَ بِمكَّةَ لَياليَ مِنًى مِنْ أجْلِ سِقايَتِهِ، فأَذِنَ لَهُ. قوله: "استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﵇ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له"، يجوز لمن هو مشغول بإسقاء الماء من سِقاية العباس لأجل الناس أن يترك المبيت بمنى ليالي منى، ويبيت بمكة لشغل الإسقاء، وكذلك يجوز لرعاء الإبل، ولمن له ضرورة، وعذر شديد في ترك المبيت بمنى ليالي منى.

стр. 1390

فإن ترك المبيت بمنى ليالي منى بغير عذر؛ لزمه في ليلة درهم، وفي ليلتين درهمان، وفي ثلاث ليال دم عند الشافعي، وقال مالك: يلزمه بكل ليلة دم، وقال أبو حنيفة: من ترك المبيت بمنى ليالي منى أثم ولا شيء عليه. ويجوز لأصحابِ الأعذار أن يرموا جمرة العقبة يوم النحر، ويتركوا رمي اليوم الأول من أيام التشريق، ثم يرموا في اليوم الثاني من أيام التشريق رميَ يومِ الماضي ويوم الحاضر، يبتدئون بالرمي القضاء، ثم بالرمي الأداء. * * * ١٩٣٣ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جاءَ إلى السِّقايَة، فاسْتَسْقَى، فقال العبَّاسُ: يا فَضْلُ، اذْهَبْ إلى أُمِّكَ، فائْتِ رسُولَ الله ﷺ بِشَرابٍ مَنْ عِنْدِها، فقال: "اسْقِني"، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أيْدِيَهُمْ فِيهِ، فقال: "اسْقِني"، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فيها، فقال: "اعْمَلُوا، فإنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ", ثُمَّ قال: "لولا أنْ تُغْلَبُوا لنَزَلْتُ حتَّى أَضَعَ الحَبْلَ على هذه"، وأشَارَ إلى عاتِقِهِ. قوله: "اسْقِني"؛ أي: اسْقِني من هذه السِّقاية. قوله ﵇: "اسقني" بعد ما قال العباس: "إنهم يجعلون أيديهم فيه": دليلٌ على أن الماء الطاهر لا يصير نجسًا بجعل الناس أيديهم فيه، حتى تُتَيقَّن نجاسةُ يد واحد من الذين غمسوا أيديهم في الماء، فحينئذ ينجس إن كان الماء دون القلتين، فإن كان قلتين لا ينجس إلا بالتغيير. قوله: "لولا أن تُغْلَبُوا لنزلْتُ حتى أضَعَ الحبلَ على هذه"؛ يعني: قصدت أن أنزل من دابتي، وأضع الحبل على عاتقي، وأستقي الماء من زمزم وأسقي الناس، إلا أني خشيتُ إن فعلتُ هذا أن يرغبَ في استقاء الماء خلقٌ كثير

стр. 1391

حين علموا كثرة فضله وثوابه، وحينئذ لا يترك الناس هذا الفعل، بل أخرجوكم من هذا العمل، وفعلوا هذا الفعل بأنفسهم. * * * ١٩٣٤ - وقال أَنَسٌ ﵁: إنَّ رسُولَ الله ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلى البَيْتِ، فطافَ به. قول أنس: "إن النبي ﵇ صلَّى الظهرَ والمغربَ والعِشاءَ ثم رَقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثم ركب إلى البيتِ فطافَ به"، (رقد)؛ أي: نام، (المُحَصَّب) بتشديد الصاد وفتحها: موضع التَّحْصِيب، وهو الرمي، والمراد بـ (المُحَصَّب) ها هنا: موضع قريب إلى الأبطح، و (الأبطح): موضع قريب إلى مكة. يعني: صلى رسول الله ﵇ الظهر إلى العشاء في اليوم الآخر من أيام التشريق، ونام ساعة من الليلة التي بعد أيام التشريق، ثم ركب ومشى إلى مكة، فطاف طواف الوداع. فعند ابن عمر ﵄: نزول المُحَصَّب في هذه الليلة سُنَّةٌ. وعند ابن عباس وعائشة ﵃: ليس من السُّنة؛ أي: ليس من العبادات؛ لأن رسول الله ﵇ نزل في هذا الموضع؛ لأنه أيسر من خروجه إلى مكة، لا لأن النزول في هذا الموضع عبادة. * * * ١٩٣٥ - وسُئِلَ أنَسٌ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ التَرْوِيَةِ؟، قال: بمِنًى، قيل: فأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟، قال: بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ قال: افْعَلْ كما يَفْعَلُ أُمَراؤُك.

стр. 1392

قوله: "سئل أنس عن النبي ﵇؛ أَيْنَ صلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قال: بمِنًى، قيل: فأينَ صلَّى العصر يوم النَّفْرِ؟ قال: بالأَبطح"، قد قلنا شرح يوم التَّرْوِية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. يعني: السُّنة أن يجتمع الحَاجُّ في اليوم الثامن من ذي الحجة بمنى، ويصلون فيه الظهر إلى العشاء، ويبيتون فيها إلى غد، وهو يوم عرفة، ويذهبون غدًا إلى عرفة. والمراد بـ (النَّفْرِ) ها هنا: اليوم الثالث من أيام التشريق، يسمى اليوم الأول من أيام التشريق يوم القَرِّ، واليوم الثاني يسمى النَّفْرِ الأول، واليوم الثالث: يسمى النَّفْرِ الثاني، وسمي اليومُ الثاني النَّفْرَ الأول؛ لأنه يجوز للحُجَّاج أن ينفروا؛ أي: يذهبوا من منى. وكذلك اليوم الثالث من أيام التشريق يُسمَّى النَّفْرَ الثاني؛ لأن مَنْ لم ينفر في الثاني ينفر في اليوم الثالث، الحُجَّاج مخيَّرون فمن شاء نفر في اليوم الثاني، ومن شاء في الثالث، فمَنْ نفَّرَ في اليوم الثالث قبل غروب الشمس، سقط عنه مبيت ليلة النفر الثاني، وسقط عنه أيضًا رمي اليوم الثالث، وهو النفر الثاني ومَنْ لم ينفر في النفر الأول حتى غربت الشمس؛ لزمه أن يبيت ليلة النفر الثاني، وأن يرميَ اليوم الثالث. قوله: "بالأَبْطَح"، أراد بـ (الأَبطح): المُحَصَّب، وقد ذكر قبيل هذا بحثه، وبين المُحَصَّب، والأبطح: مسافة قليلة، فمن شاء نزل بالمُحَصَّب، ومن شاء نزل بالأبطح. قوله: "كما يفعل أمراؤك": أراد بـ (الأمراء): من اقتدى به الناس. * * *

стр. 1393

١٩٣٦ - قالت عائشةُ ﵂: نُزُولُ الأَبْطَح لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّما نزَلَهُ رسُولُ الله ﷺ لأنَّهُ كانَ أسْمَحَ لِخُروجِهِ إذا خَرَجَ. قولها: "كان أَسْمَحَ لخروجه"؛ أي: كان أسهل لخروجه من منى إلى مكة لطواف الوداع. * * * ١٩٣٧ - وقالت: أحْرَمْتُ مِنْ التَّنْعِيم بعُمْرَةٍ، فدَخَلْتُ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتي، وانْتَظَرَني رسُولُ الله ﷺ بِالأَبْطَحِ حتَّى فَرَغْتُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بالبَيْتِ، فطافَ بهِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قول عائشة ﵂: "فدخلتُ مكةَ فقضيْتُ عمرتي"؛ أي: أتمَمْتُ عمرتي، وهذه العمرة هي العمرة التي خرجت منها بسبب حيصها، وقد ذكرناه بعد قصة حجة الوداع. قولها: "فطاف"؛ أي: فطاف بالبيت طواف الوداع. * * * ١٩٣٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ في كُلِّ وَجْهٍ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالبَيْتِ"، إلَاّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحائِضِ. قوله: "كان الناسُ ينصرفونَ في كلِّ وجهٍ"؛ يعني: إذا فرغوا من الحجِّ يذهبون إلى أوطانهم، ولم يطوفوا طواف الوداع، فنهاهم رسول الله ﵇ عن الذهاب حتى يكون آخر عهدهم بالبيت، حتى يطوفوا طواف الوداع في انشغالهم، ولا يجوز لهم المُكْثُ بعد طواف الوداع، فإن مَكَثَ بعد طواف

стр. 1394

الوداع لشغلٍ غير شدِّ الرَّحل على الرَّاحلة، فليعِدْ طواف الوداع، وطوافُ الوداعِ واجبٌ في أصح القولين، فإن تركه لزمه دم. قوله: "إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض"؛ يعني: جُوِّزَ للحائض تركَ طواف الوداع. * * * ١٩٣٩ - وقالت عائشةُ ﵂: حاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فقالتْ: ما أُراني إلَاّ حابستَكُمْ, فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "عَقْرَى، حَلْقَى، أطافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قيل: نَعَمْ، قال: "فانْفِري". قول صَفِيَّة ﵂: "ما أُرَاني إلا حابسَتَكُمْ"؛ أي: ما أظنُّ نفسي إلا أني قد مَنَعْتُ الناس عن الخروج إلى المدينة حتى أطْهُرَ وأطوف طواف الوداع، وإنما قالت هذا؛ لأنها ظنت أن طواف الوداع واجب عليها، فبيَّنَ رسول الله ﵇ بعد هذا أنها إذا طافَتْ يوم النحر طواف الفرض جازَ لها أن تنفرَ - إذا حاضت - من غير طواف الوداع. قوله لصفية: "عَقْرَى حَلْقَى": قال الخطابي: هكذا رُوي على وزن (فَعْلى) بفتح الفاء مقصور الألف، وحقه أن يكون منونًا ليكونَ مصدرًا؛ أي: عقرها الله عقرًا وحلقها حلقًا. ومعنى (العَقْر): التجريح والقتل وقطعُ عَقِبِ الرجل، و (الحَلْق): إصَابة الوجَع في الحَلْقِ، أو ضرب شيء على الحَلْقِ. بل جاء هذان اللفظان على الأصل، وهو (فَعلى) تأنيث (فَعْلان)، كـ (عطشى) تأنيث (عَطْشان)؛ أي: جعلها الله تعالى (عَقْرى)؛ أي: عاقرًا؛ أي: التي لا تلد، وجعلها الله (حَلْقى)؛ أي: صاحبة وَجع الحَلْق.

стр. 1395

وعلى جميع الأحوال، هذا دعاء لا يُرَاد وقوعه، بل عادة العرب التكلم بمثل هذا على سبيل التلطف. * * * ١٩٤٠ - عن عَمْرو بن الأَحْوَص قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ في حَجَّةِ الوَداعِ: "أيُّ يَوْمٍ هذا؟ "، قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ، قال: "فَإنَّ دِمَاكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُم حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا، أَلا لا يَجْني جانٍ إلَاّ عَلَى نفسِهِ، أَلا لا يَجْني جانٍ عَلَى وَلَدِهِ، ولا مَوْلُودٌ عَلَى والِدِهِ، ألا وإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ أَيسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هذا أبَدًا، ولَكِنْ سَتكُونُ لهُ طاعَةٌ فِيما تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَسَيَرْضَى بهِ"، صحيح. قوله: "أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يومُ الحجِّ الأكبر"، قال ابن عباس: (يوم الحج الأكبر): يوم عرفة، قوله: "موافق لهذا الحديث"؛ لأن هذه الخطبة كانت يوم عرفة، وسُمِّيَ يومُ عرفة يومَ الحج؛ لأنه مَنْ أدرك عرفة فقد أدرك معظم الحج. وسمي بـ (الحج الأكبر)؛ لأن يوم الجمعة حج المساكين، فيوم الجمعة يوم الحج، ويوم عرفة يوم الحج، ولكن يوم عرفة حجٌ أكبر من يوم الجمعة. وقيل: (الحج الأكبر): الذي حج فيه رسول الله ﵇؛ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين، وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم تجتمع قبله ولا بعده هذه الأشياء. قوله: "فإن دمائكم" ذكر شرحه في (حجة الوداع) في (باب الإحرام). قوله: "ألا لا يَجْنِي جانٍ ... " إلى آخر الحديث، قد ذكر شرحه في الحديث الذي قبيل (باب الإيمان بالقدر). * * *

стр. 1396

١٩٤١ - عن رافِع بن عَمْرو المُزَني قال: رأيتُ رسُول الله ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى على بَغْلَةٍ شَهباءَ، وعليٌّ يُعَبرُ عنهُ، والنَّاسُ بينَ قائِمٍ وقاعِدٍ. قوله: "على بَغْلَة شَهباء"؛ أي: راكبٌ على بغلة بيضاء. "وعليٌّ يعبرُ عنه"؛ يعني: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يفسِّرُ كلامه؛ أي: يرفع صوته بما يسمع من كلام رسول الله ﵇؛ ليسمع الناس، فإن في الناس يومئذ كثرة لا يسمع بعضهم كلام رسول الله ﵇. "والناس بين قَائمٍ وقَاعدٍ"؛ يعني: كان بعض الناس قائمًا، وبعضهم قاعدًا. * * * ١٩٤٢ - عن أَبِي الزُّبَيْر، عن عائشة، وابن عبَّاسٍ ﵃: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أَخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى اللَّيْلِ. قولهما "أنَّ رسول الله ﵇ أَخَّرَ طوافَ الزِّيارةِ يومَ النَّحْرِ إلى الليل"، طواف الزيارة، وطواف الإفاضة، وطواف الرُّكن كلها واحد. واعلم أنَّ أول وقت طواف الإفاضة عند الشافعي: بعد نصف ليلة العيد، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: بعد طلوع الفجر يوم النحر، وأما آخره: فأي وقت طاف جاز سواء طاف في يوم النحر وفي أيام التشريق أو بعدَهَا. * * * ١٩٤٤ - وعن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَاّ النِّسَاءَ"، ضعيف منقطع.

стр. 1397

قولها: "إذا رمى أحدُكُمْ جَمْرَةَ العقبةِ حَلَّ له كل شيء" ذكر بحث هذا في (باب الحلق). * * * ١٩٤٥ - عن القاسم، عن عائشةَ ﵂ قالت: أفاضَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مِنًى، فَمَكَثَ بها لَياليَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمي الجَمْرَةَ إذا زالَتِ الشمسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بسبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ، ويقِفُ عندَ الأُولَى والثانيةِ، فيُطيلُ القِيامَ، ويتضَرَّعُ، ويَرْمِي الثالِثَةَ، فلا يقِفُ عِنْدَها. قولها: "أفاض النبي ﷺ من آخر يومه"؛ أي: طافَ طوافَ الفرضِ في آخرِ يوم النَّحر. * * * ١٩٤٦ - عن أَبِي البَدَّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ عن أبيه قال: رَخَّص رسُولُ الله ﷺ لِرِعاءَ الإِبلِ في البَيْتُوتَةِ أنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُوهُ في أَحَدِهِما. قوله: "رخَّص رسول الله ﵇ لِرِعاءِ الإبل في البَيْتُوتَةِ"؛ يعني: رخص لهم أن يتركوا المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق؛ لأنهم مشغولون في رَعي الإبل وحفظها. قوله: "أن يَرمُوا يومَ النَّحْرِ، ثم يجمعوا رميَ يَوْمَيْنِ بعدَ يومِ النَّحْرِ، فيرمُوه في أَحَدِهِما"؛ يعني: رخَّص لهم أن يرموا يومَ النَّحْرِ جمرة العقبة، ثم لم يرموا الأول من أيام التشريق، ثم يرموا في اليوم الثاني من أيام التشريق رَمْيَ يَومَيْنِ؛ رَمْيَ القضاء ورَمْيَ الأداء.

стр. 1398

فإن أرادوا أن يرموا في اليوم الأول من أيام التشريق رمي هذا اليوم، ورمي اليوم الثاني؛ حتى لا يجيئوا في اليوم الثاني إلى منى، فهل يجوز أم لا؟ فلا يجوز عند الشافعي ومالك؛ لأن اليوم الثاني لم يجب عليهم في اليوم الأول، فلا يجوز أداء الفرض قبل وجوبه، وأجازه بعضهم. * * * ١١ - باب ما يجتنبه المحرم (باب ما يجتنبه المحرم) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٤٧ - عن عبد الله بن عُمر ﵄: أنَّ رجُلًا سَأَلَ النبيَّ ﷺ : ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ؟، فقال: "لا يَلْبَسُوا القُمُصَ، ولا العَمائِمَ، ولا السَّراوِيلات، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفَافَ، إلَاّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسَ الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُما أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، ولا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرانٌ ولا وَرْسٌ". وفي روايةٍ: "ولا تَنْتَقِبِ المرْأةُ المُحْرِمَةُ، ولا تَلبَسُ القُفَّازَيْن". قوله: "لا تلبسوا القُمُصَ"، (القُمُصُ): جمع قَمِيصٍ، وهو الثوب المخيط. "البَرَانِسُ": جمع بُرْنُسٍ، وهو قَلَنْسُوَة من لِبْدٍ، يقال بالفارسية: بُرْطُلَّة، وسَرْفَغَانة (١). قوله: "وليقطعهما أسفل من الكعبين"؛ يعني: يصير مثل مِدَاس، فإن

стр. 1399

المحرم لا يجوز له لبس شيء مخيط، والخف مخيط. قوله: "مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ ولا وَرْسٌ"، (الورس): شيء أصفر يشبه الزعفران؛ يعني: لا يجوز للمحرم استعمال الطِّيْبِ، والزعفران طِيْبٌ. قوله: "ولا تنتقب المرأة المحرمة"، (الانتقاب): ستر الوجه بالنقاب، وهو شيء تستر النساء به وجوههن. قوله: "ولا تَلْبَس القُفَّازَيْن"، (القُفَّاز): شيء مثل كيس، تستر المرأة به أصابعها وكفيها إلى الكوع. يجوز للمرأة المحرمة أن تستر جمع أعضائها بالمخيط وغير المخيط، إلا أنها لا تستر وجهها، فإن أرادَتْ ستر وجهها عن الناس سَدَلَتْ على وجهها بما يستر وجهها، ولكن متجافيًا عن وجهها، لا يصل إلى بشرة وجهها، ولا تلبس القفازين، في أحد القولين. ولا يجوز للرجل ستر رأسه بالمخيط وغيره. * * * ١٩٤٨ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: "إذا لَمْ يَجِدِ المُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبسَ خُفَّيْنِ, وإذا لَمْ يَجدْ إزارًا لَبسَ سَراوِيلَ". قول ابن عباس عن النبي ﵇: "إن المحرم إذا لم يجد نعلين لبس خفين"، ولم يذكر: (وليقطعهما) كما ذكرنا في حديث ابن عمر، ولكن المراد منه: لبس خفين، وليقطعهما مما أسفل من الكعبين، كما ذكر في حديث ابن عمر؛ لأن الحديث الطويل شرح للحديث المختصر. * * *

стр. 1400

١٩٤٩ - عن يَعْلَى عن بن أُمَيَّة قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ بالجعْرانَةِ إذْ جاءَهُ رجُلٌ أعْرابيٌّ عَلَيهِ جُبَّةً وهو مُتَضَمِّخٌ بِالخَلُوقِ، فقال: يا رسُولَ الله، إِنِّي أَحْرَمْتُ بالعمرةِ وهذِهِ عليَّ، فقال: "أمَّا الطَّيبُ الذي بِكَ فاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وأمَّا الجُبَّةُ فانْزِعْها، ثمَّ اصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كما تَصْنعُ في حَجِّتِكَ". قوله: "وهو مُتَضَمِّخٌ"؛ أي: مُتَطَيبٌ ومُتَلَطِّخٌ. "بالخَلُوْقِ": وهو نوع من الطِّيب، وقد ذكر في (باب مخالطة الجنب). قوله: "أما الطَّيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجُبَّة فانزعها" أمره بغسل الطِّيب الذي في بدنه، وأمره بخلع الجُبَّة، لأنها مخيطة، ولا يجوز للمحرم لبس المخيط، ولم يأمره بالفدية لأنه استعمل الطِّيب ولبس الجُبَّة، وهو جاهل تحريمه. فَمَنْ لبسَ مخيطًا أو تَطَيَّبَ أو ادَّهَنَ ناسيًا، أو جاهلًا بالتحريم، فلا شيء عليه عند الشافعي، ولزمه دم عند أبي حنيفة. قوله: "ثم اصنع في عُمْرَتِكَ كما تصنعُ في حَجِّك"؛ يعني به: أن الإحرام والطواف والسعي والحلق في العمرة ركن كما في الحج، ويحرم في العمرة ما يحرم في الحج من لبس المخيط وغيره. وليس المراد: أن جميع أفعال العمرة متساوية لأفعال الحج؛ لأن في الحج: وقوف عرفة، ورمي الجمارِ، والمبيت بمنى، وليس شيء من هذه الأشياء في العمرة. * * * ١٩٥٠ - عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ".

стр. 1401

قوله: "لا يَنْكِح المحرِمُ ولا يُنْكِحْ ولا يَخْطُبْ" قال الخطابي: الرواية الصحيحة: "لا يَنْكِحِ المحرم" - بكسر الحاء - على النهي؛ يعني: كان أصله: (لا ينكحْ) بجزم الحاء، فكُسِرت لسكونها وسكون لام التعريف بعدها. (ولا يُنْكِحْ) بضم الياء وكسر الكاف وجزم الحاء، نَكَحَ: إذا تزوج لنفسه، وأَنْكَحَ: إذا زَوَّجَ الرجلُ امرأةً بالولاية أو الوكالة، وخَطَبَ يَخْطُبُ: إذا طلب امرأة للنكاح، ولكن ينكح بعد. فمذهب الشافعي ومالك وأحمد: أنه لا يجوز للمحرم أن يُزوِّجَ الرجلَ لا بنفسه ولا بوكالة، ولا أن يُزَوِّج امرأة، فإن عُقِدَ نكاحٌ والزوجُ أو الزوجةُ أو الوليُّ محرمٌ بالحج أو العمرة، فالنكاح باطل عندهم. وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتزوج وأن يُزوج. وأما قوله: "ولا يَخطُب" فهذا نهي تنزيه، وإن خطب في حال الإحرام امرأة، ولم يعقد نكاحها في حال الإحرام لا إِثْمَ عليه. * * * ١٩٥١ - ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ. قوله: "أن النبي ﵇ تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو محْرِمٌ": اختلف الرُّواة في أن رسول الله ﵇ تزوَّجَ ميمونةَ في حال الإحرام أو قبل الإحرام، كما يأتي بعد هذا؟ * * * ١٩٥٢ - وعن يَزِيْد بن الأَصَمِّ ابن أخت مَيْمُونة، عن مَيْمُونة: أنَّ

стр. 1402

رسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وهو حَلالٌ. قال الإمام ﵀: والأكثرون على أنَّه تزوَّجها حَلالًا. قوله: "تزوَّجها حلالًا"، (حلالاً): منصوب على الحال؛ أي: في حال كونه حلالاً؛ أي: في وقتٍ لم يكن محرمًا. * * * ١٩٥٣ - عن أبي أَيُّوب ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهو مُحْرِمٌ. قوله: "أن النبي ﵇ كان يغسل رأسه وهو محرم" يجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه بالخِطْمِيِّ وغيره. وكره أن يغمس المحرمُ رأسَه في الماء كي لا يشتبه بِمَنْ ستر رأسه، وكذلك يجوز للمحرم أن يحتجم بشرط أن لا يقطع شعرًا، فإن قطع شعرة لزمه مُد، وفي الشعرتين مدان، وفي ثلاث شعرات أو أكثر دم شاة. * * * ١٩٥٥ - وعن عُثْمان ﵁ حدَّث عن رسُولِ الله ﷺ : في الرجُلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وهو مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُما بالصَّبرِ. "إذا اشتكى عَيْنَيْهِ"؛ أي: إذا تألَّم وحصل له أنينٌ من وجع عينيه. "ضمدهما"؛ أي: اكتحل عينيه بالصَّبر - بكسر الباء - وهو شيء أحمر يُجعل في العَين بمنزلة الكحل، يجوز للمحرم أن يجعل في عينيه الصَّبر والكحل وغيرهما إذا لم يكن فيه طِيب، وكره أحمد الاكتحال للمحرم، وفيه قول للشافعي. * * *

стр. 1403

١٩٥٦ - وقالت أُمُّ الحُصَيْن: رَأَيْتُ أُسامَةَ وبلالًا، وأَحَدُهُما آخِذٌ بخِطامِ ناقَةِ رسُولَ الله ﷺ ، والآخَرُ رافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ، حتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. قولها: "بخِطَامِ ناقَةِ رسول الله ﵇"؛ أي: بِزِمَامِ ناقَتِهِ. "والآخَرُ رافعٌ ثوبَه يستُرُهُ من الحَرِّ"؛ يعني: جعل ثوبًا على رأس رسول الله ﵇ مثل ظل بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله ﵇، بل هو مرتفع عن رأسه حتى لا يؤذيه حَرُّ الشمس، ويجوز للمحرم أن يقف تحت ظل شجر أو ثوب أو غيرهما. * * * ١٩٥٧ - عن كَعْب بن عُجْرَة "أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ وهو بالحُدَيْبيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ، وهو يُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ وَالقَمْلُ يَتَهافَتُ على وَجْهِهِ، فقال: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قال: نَعَمْ، قال: "فاَحْلِقْ رَأْسَكَ، وأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ أَصْوُع - أو صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو انسُكْ نَسِيكَةً". قوله: "يُوْقِدُ تحتَ قِدْرٍ"؛ أي: يجعل ويُشعِلُ النار تحت قِدْرٍ ليطبخ طعامًا. "والقَمْلُ يَتَهَافَتُ على وَجْهِهِ"، (يتهافت)؛ أي: يتساقط القمل من رأسه على وجهه من الكثرة. "هَوَامُّكَ"؛ أي: ما يكون في رأسك من القمل. (الهَوَامُّ): جمع هَامَّةٍ، وهي الدَّابة التي تدبُّ؛ أي: تسير على السكون مثل القمل والنمل وغيرهما، وقد ذكر شرحه في (كتاب الجنائز) في قوله: "مِنْ شيطان وهَامَّة".

стр. 1404

قوله: "فاحلق رأسك ... " إلى آخر الحديث. اعلم أن كل مُحرِمٍ حلق شعرًا من أعضائه، أو من الرأس أو غيره؛ إن كان بغير عذر أَثِمَ ولزمته الفديةُ، وإن كان بعذر، مثل أن يؤذيه القمل، أو يكون على رأسه جراحة يحلق ما عليها وما على حواليها من الشعر للمداواة = لم يأثم، ولكن تلزمه الفدية، وفديته إن كانت شعرة مُدٌّ في قولٍ، ودرهمٌ في قول، وإن كان شعرتين فمدان أو درهمان، وإن كان ثلاث شعرات أو أكثر، فهو مُخَيَّرٌ بين إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، وبين أن يصوم ثلاثة أيام، وبين أن يذبح نسيكة - أي: شاة - ويفرق لحمها بين مساكين الحرم. وقال أبو حنيفة: إن أطعم البر أطعم ست مساكين كل مسكين نصف صاع، وإن أطعم من التمر أو الزبيب أطعم كل مسكين صاعًا. * * * ١٩٥٨ - عن ابن عُمر ﵄: أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ نَهَى النِّساءَ في إِحْرَامِهِنَّ عَنِ القُفَّازَيْنِ، والنِّقَابِ، وما مَسَّ الوَرْسُ، والزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيابِ، ولْتَلْبَسْ بَعْدَ ذلكَ ما أَحَبَّتْ مِنْ ألْوَانِ الثِّيابِ مُعَصْفَرٍ، أو خَزًّ، أو حُلَلٍ، أو سَرَاوِيلَ، أو قَمِيصٍ، أو خُفٍّ". قوله: "مُعَصْفَر"؛ أي: مصبوغ بالعُصْفُر، وهو المُرِّيقُ، وهو شيء يقال بالفارسي: كُرْكُم (١)، وإنما جاز هذا؛ لأنه ليس بطِيبٍ، بخلاف الزعفران. "الحُلَل": جمع حُلَّةٍ، وهو رداء وإزار [أ] وقميص وسراويل من القطن. * * *

стр. 1405

١٩٥٩ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فإذا حاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَها مِن رَأسِها عَلى وَجْهِهَا، فإذا جاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. قولها: "فإذا حاذَوْنَا سَدَلَت"؛ أي: وصل الرُّكبان، وهو جمع راكب؛ أي: محاذاتنا ومقابلتنا، (تَدَلَّتْ) أصله: تَدَلَّيَتْ، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون التاء. ومعناه: أرسلت إحدانا جلبابها على وجهها بحيث لم يمس الجلباب بشرة الوجه؛ كي لا يرانا الركبان. * * * ١٩٦٠ - وعن ابن عُمر ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدَّهِنُ بالزَّيْتِ وهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ المُقَتَّتِ. يعني: غير المُطيَّب. قوله: "غيرَ المُقَتَّتِ" بالقاف والتاءين المنقوطتين من فوق بنقطتين؛ أي: غيرَ المُطَيَّبِ؛ أي: ليس فيه طِيب، فإن كان فيه طِيب حرم استعماله في جميع البدن، وإن يكن فيه طِيب حرم استعماله في الرأس واللحية دون سائر الأعضاء، والله أعلم. * * * ١٢ - باب المُحرِم يَجتنِب الصَّيد (باب المحرم يجتنب الصيد) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٦١ - عن الصَّعْب بن جَثَّامة: أنَّهُ أَهْدَى لرسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وحْشِيًّا
следующие страницы →