قوله: "لا يَنْكِح المحرِمُ ولا يُنْكِحْ ولا يَخْطُبْ" قال الخطابي: الرواية الصحيحة: "لا يَنْكِحِ المحرم" - بكسر الحاء - على النهي؛ يعني: كان أصله: (لا ينكحْ) بجزم الحاء، فكُسِرت لسكونها وسكون لام التعريف بعدها.
(ولا يُنْكِحْ) بضم الياء وكسر الكاف وجزم الحاء، نَكَحَ: إذا تزوج لنفسه، وأَنْكَحَ: إذا زَوَّجَ الرجلُ امرأةً بالولاية أو الوكالة، وخَطَبَ يَخْطُبُ: إذا طلب امرأة للنكاح، ولكن ينكح بعد.
فمذهب الشافعي ومالك وأحمد: أنه لا يجوز للمحرم أن يُزوِّجَ الرجلَ لا بنفسه ولا بوكالة، ولا أن يُزَوِّج امرأة، فإن عُقِدَ نكاحٌ والزوجُ أو الزوجةُ أو الوليُّ محرمٌ بالحج أو العمرة، فالنكاح باطل عندهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتزوج وأن يُزوج.
وأما قوله: "ولا يَخطُب" فهذا نهي تنزيه، وإن خطب في حال الإحرام امرأة، ولم يعقد نكاحها في حال الإحرام لا إِثْمَ عليه.
* * *
١٩٥١ - ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ.
قوله: "أن النبي ﵇ تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو محْرِمٌ": اختلف الرُّواة في أن رسول الله ﵇ تزوَّجَ ميمونةَ في حال الإحرام أو قبل الإحرام، كما يأتي بعد هذا؟
* * *
١٩٥٢ - وعن يَزِيْد بن الأَصَمِّ ابن أخت مَيْمُونة، عن مَيْمُونة: أنَّ
стр. 1402
رسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وهو حَلالٌ. قال الإمام ﵀: والأكثرون على أنَّه تزوَّجها حَلالًا.
قوله: "تزوَّجها حلالًا"، (حلالاً): منصوب على الحال؛ أي: في حال كونه حلالاً؛ أي: في وقتٍ لم يكن محرمًا.
* * *
١٩٥٣ - عن أبي أَيُّوب ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهو مُحْرِمٌ.
قوله: "أن النبي ﵇ كان يغسل رأسه وهو محرم" يجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه بالخِطْمِيِّ وغيره.
وكره أن يغمس المحرمُ رأسَه في الماء كي لا يشتبه بِمَنْ ستر رأسه، وكذلك يجوز للمحرم أن يحتجم بشرط أن لا يقطع شعرًا، فإن قطع شعرة لزمه مُد، وفي الشعرتين مدان، وفي ثلاث شعرات أو أكثر دم شاة.
* * *
١٩٥٥ - وعن عُثْمان ﵁ حدَّث عن رسُولِ الله ﷺ : في الرجُلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وهو مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُما بالصَّبرِ.
"إذا اشتكى عَيْنَيْهِ"؛ أي: إذا تألَّم وحصل له أنينٌ من وجع عينيه.
"ضمدهما"؛ أي: اكتحل عينيه بالصَّبر - بكسر الباء - وهو شيء أحمر يُجعل في العَين بمنزلة الكحل، يجوز للمحرم أن يجعل في عينيه الصَّبر والكحل وغيرهما إذا لم يكن فيه طِيب، وكره أحمد الاكتحال للمحرم، وفيه قول للشافعي.
* * *
стр. 1403
١٩٥٦ - وقالت أُمُّ الحُصَيْن: رَأَيْتُ أُسامَةَ وبلالًا، وأَحَدُهُما آخِذٌ بخِطامِ ناقَةِ رسُولَ الله ﷺ ، والآخَرُ رافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ، حتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
قولها: "بخِطَامِ ناقَةِ رسول الله ﵇"؛ أي: بِزِمَامِ ناقَتِهِ.
"والآخَرُ رافعٌ ثوبَه يستُرُهُ من الحَرِّ"؛ يعني: جعل ثوبًا على رأس رسول الله ﵇ مثل ظل بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله ﵇، بل هو مرتفع عن رأسه حتى لا يؤذيه حَرُّ الشمس، ويجوز للمحرم أن يقف تحت ظل شجر أو ثوب أو غيرهما.
* * *
١٩٥٧ - عن كَعْب بن عُجْرَة "أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ وهو بالحُدَيْبيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ، وهو يُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ وَالقَمْلُ يَتَهافَتُ على وَجْهِهِ، فقال: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قال: نَعَمْ، قال: "فاَحْلِقْ رَأْسَكَ، وأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ أَصْوُع - أو صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو انسُكْ نَسِيكَةً".
قوله: "يُوْقِدُ تحتَ قِدْرٍ"؛ أي: يجعل ويُشعِلُ النار تحت قِدْرٍ ليطبخ طعامًا.
"والقَمْلُ يَتَهَافَتُ على وَجْهِهِ"، (يتهافت)؛ أي: يتساقط القمل من رأسه على وجهه من الكثرة.
"هَوَامُّكَ"؛ أي: ما يكون في رأسك من القمل.
(الهَوَامُّ): جمع هَامَّةٍ، وهي الدَّابة التي تدبُّ؛ أي: تسير على السكون مثل القمل والنمل وغيرهما، وقد ذكر شرحه في (كتاب الجنائز) في قوله: "مِنْ شيطان وهَامَّة".
стр. 1404
قوله: "فاحلق رأسك ... " إلى آخر الحديث.
اعلم أن كل مُحرِمٍ حلق شعرًا من أعضائه، أو من الرأس أو غيره؛ إن كان بغير عذر أَثِمَ ولزمته الفديةُ، وإن كان بعذر، مثل أن يؤذيه القمل، أو يكون على رأسه جراحة يحلق ما عليها وما على حواليها من الشعر للمداواة = لم يأثم، ولكن تلزمه الفدية، وفديته إن كانت شعرة مُدٌّ في قولٍ، ودرهمٌ في قول، وإن كان شعرتين فمدان أو درهمان، وإن كان ثلاث شعرات أو أكثر، فهو مُخَيَّرٌ بين إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، وبين أن يصوم ثلاثة أيام، وبين أن يذبح نسيكة - أي: شاة - ويفرق لحمها بين مساكين الحرم.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم البر أطعم ست مساكين كل مسكين نصف صاع، وإن أطعم من التمر أو الزبيب أطعم كل مسكين صاعًا.
* * *
١٩٥٨ - عن ابن عُمر ﵄: أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ نَهَى النِّساءَ في إِحْرَامِهِنَّ عَنِ القُفَّازَيْنِ، والنِّقَابِ، وما مَسَّ الوَرْسُ، والزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيابِ، ولْتَلْبَسْ بَعْدَ ذلكَ ما أَحَبَّتْ مِنْ ألْوَانِ الثِّيابِ مُعَصْفَرٍ، أو خَزًّ، أو حُلَلٍ، أو سَرَاوِيلَ، أو قَمِيصٍ، أو خُفٍّ".
قوله: "مُعَصْفَر"؛ أي: مصبوغ بالعُصْفُر، وهو المُرِّيقُ، وهو شيء يقال بالفارسي: كُرْكُم (١)، وإنما جاز هذا؛ لأنه ليس بطِيبٍ، بخلاف الزعفران.
"الحُلَل": جمع حُلَّةٍ، وهو رداء وإزار [أ] وقميص وسراويل من القطن.
* * *
стр. 1405
١٩٥٩ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فإذا حاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَها مِن رَأسِها عَلى وَجْهِهَا، فإذا جاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ.
قولها: "فإذا حاذَوْنَا سَدَلَت"؛ أي: وصل الرُّكبان، وهو جمع راكب؛ أي: محاذاتنا ومقابلتنا، (تَدَلَّتْ) أصله: تَدَلَّيَتْ، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون التاء.
ومعناه: أرسلت إحدانا جلبابها على وجهها بحيث لم يمس الجلباب بشرة الوجه؛ كي لا يرانا الركبان.
* * *
١٩٦٠ - وعن ابن عُمر ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدَّهِنُ بالزَّيْتِ وهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ المُقَتَّتِ. يعني: غير المُطيَّب.
قوله: "غيرَ المُقَتَّتِ" بالقاف والتاءين المنقوطتين من فوق بنقطتين؛ أي: غيرَ المُطَيَّبِ؛ أي: ليس فيه طِيب، فإن كان فيه طِيب حرم استعماله في جميع البدن، وإن يكن فيه طِيب حرم استعماله في الرأس واللحية دون سائر الأعضاء، والله أعلم.
* * *
١٢ - باب المُحرِم يَجتنِب الصَّيد
(باب المحرم يجتنب الصيد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٦١ - عن الصَّعْب بن جَثَّامة: أنَّهُ أَهْدَى لرسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وحْشِيًّا
стр. 1406
وهو بالأَبْوَاءِ - أو بَوَدَّانَ - فَرَدَّ عليهِ، فلمَّا رأَى ما في وَجْهِهِ قال: "إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَاّ أنَّا حُرُمٌ".
قوله: "أهدى لِرسول الله ﵇ حمارًا وحشيًا وهو بالأَبْوَاء أو بِوَدَّان فَرَدَّ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نَرُدَّهُ عليك إلا أَنَّا حُرُم"، (أهدى)؛ أي: أرسل إليه، (الأَبواء والوَدَّان): موضعان.
(فرد عليه)؛ أي: لم يقبل رسول الله ﵇ ذلك الحمار منه، (فلما رأى ما في وجهه)؛ يعني: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجه صاحب الحمار من أثر التأذي؛ برده ﵇ الحمار إليه، فاعتذر إليه رسول الله ﵇ وقال: (إنا لم نَرُدَّه)، يعني: لم نَرُدَّهُ عليه لتكبر أو لقلة حرمتك عندنا، بل لأن هذا صيد، ونحن محرمون، ولا يحلُّ الصيدُ على المحرم الحُرُم - بضم الحاء والراء - جمع حَرَام، وهو الذي أحرم بالحج والعمرة.
* * *
١٩٦٢ - عن أَبِي قَتَادَةَ: أنَّهُ خَرَجَ معَ رسُولِ الله ﷺ فَتَخَلَّفَ مَعَ بعضِ أَصْحَابهِ وهم مُحْرِمُونَ، وهو غيرُ مُحْرِمٍ، فرَأَوْا حِمارًا وَحْشيًا قَبْلَ أَنْ يراهُ، فلمَّا رأَوهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رآهُ أبو قَتادَةَ، فرَكِبَ فَرَسًا له، فسأَلَهُمْ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فأَبَوْا، فتَنَاوَلَهُ، فحَمَلَ عليهِ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ، فأكلُوا، فَنَدِمُوا، فلمَّا أَدْركُوا رسولَ الله ﷺ ، سأَلُوه قال: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شيء؟ " قالوا: مَعَنا رِجْلُهُ، فأَخَذَهَا النَّبيُّ ﷺ ، فَأَكَلَها.
وفي روايةٍ: فلمَّا أَتَوْا رسولَ الله ﷺ قال: "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ "، قالوا: لا، قال: "فكُلُوا ما بَقِيَ مِنْ لَحْمِها".
قوله: "فتخلف"؛ أي: فتأخر أبو قتادة مع جماعة عن رسول الله - عليه
стр. 1407
السلام - قليلًا في الطريق (فرأوا)؛ أي: فرأى الذين أحرموا "حمارًا وحشيًا قبلَ أن يراه" أبو قتادة.
"تركوه"؛ أي: لم يقولوا: هذا حمار، بل سكتوا "حتى رآه أبو قتادة"، وإنما سكتوا عن دلالة أبي قتادة على الحمار؛ لأنه لا يجوز للمحرم أن يصيد، ولا أن يدل أحدًا على الصيد.
"فسأَلَهُم"؛ أي: فطلب منهم أبو قتادة "أن يُنَاولوه"؛ يعني: أن يعطوه سوطه، "فأَبَوا"؛ أي: فامتنعوا أن يعطوه سوطه؛ لأنه لا يجوز للمحرم أن يُعِيْنَ أحدًا في قتل الصيد، (المناولة): الإعطاء، و (التناول): الأخذ، "فتناوله"؛ أي: أخذ أبو قتادة سوطه، "فحَمَلَ"؛ أي: ركَّض فرسه نحو الحمار الوحشي، "فعقره"؛ أي: فقتله، (العقر): القتل، وقطع عَقِبِ الرجل، والجراحة، وكل ذلك محتمل ها هنا.
"فندموا"؛ أي: فندم المحرمون عن أكل لحم ذلك الحمار الوحشي.
"فأخذها" الضمير يعود إلى الرِّجْلِ؛ لأن الرِّجْلَ مؤنث سماعي.
"فأكلَهَا": وهذا يدل على أن المحرم يجوز له أن يأكل من لَحْمِ صَيْدٍ صاده غير محرم، إذا لم يصد ذلك الصائد لأجل المحرم، فإن صاد لأجل المحرم لا يجوز لذلك المحرم أن يأكل من ذلك الصيد.
* * *
١٩٦٣ - وعن ابن عُمر ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "خَمْسٌ لا جُنَاحَ على مَنْ قَتَلَهُنَّ في الحَرَمِ والإحْرامِ: الفَأرَةُ، والغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ".
"خمسٌ"، أي: خمس حيوانات، "لا جُنَاح"؛ أي: لا إثم "على مَنْ قتلَهُنَّ
стр. 1408
في الحرم"، يعني: سواء كان ذلك القاتل في حرم مكة أو المدينة، أو في حالة الإحرام.
"الفأرَةُ والغُرابُ والحِدَأَةُ والعقرَبُ والكلب العقور"، (الحِدَأةُ): طير يسلب من الناس الخبز وغيره، ويقتلُ الطيورَ الصغارِ والفأرةَ، ويكسر الكوز، و (الكلب العقور): الذي يعض الإنسان ويجرحهم.
والحديث صريح على قتل هذه الخمسة، وقد جاء في حديث بعد هذا: "الحية".
لا خلاف عند العلماء في قتل ما نُصَّ على قتله في الحديث، وأما ما لم يأت في قتله حديث؛ فأجاز الشافعي قتل ما لا يؤكل لحمه، إلا أنه يستحب قتل ما يضر كهذه الأشياء المذكورة، وكالأسد والذئب والخنزير وغيرها، ويكره قتل ما لا يضر أحدًا، لكن لو قتله فلا جزاء عليه سواء كان في الحرم أو في حال الإحرام، إلا ما تولد من مأكول وغير مأكول كالمتولد بين الضبع والذئب، فإنه يحرم أكله، ولكن لا يلزم على قاتله الفداء.
وقال مالك: كل ما يضر الناس من الدواب مثل الأسد والفهد والنمر والذئب، فهو كالكلب العقور، فيجوز قتله، فأما ما لا يضر كالهرة البرية وكالنسر من الطيور وما أشبه ذلك؛ فلو قتله لزمه الجزاء.
وأجاز أبو حنيفة سوى ما جاء في الحديث قتل الذئب، وأوجب الكفارة فيما عداه كالفهد والنمر والخنزير، وجميع ما لا يؤكل لحمه.
* * *
١٩٦٤ - وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحُدَيَّا".
стр. 1409
قوله: "خمس فواسق"، (الفواسق): جمع فاسقة، وهي المُضرَّة من الدواب والطيور، و (الغراب الأبقع): الذي لونه أبيض وأسود.
(الحُدَيَّا): تصغير حِدَأَة، فلما صُغِّرَتْ صارت حُدَيْئَةَ، فقلبت الهمزة ياء فصارت: حُدَيَّةَ - بياء مشددة - ثم حذفت التاء وأقيمت الألف مكانها؛ لأن الألف تدل على التأنيث مثل: حُبْلَى.
* * *
١٩٦٥ - عن جابر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ في الإِحْرَامِ حَلالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أوْ يُصادَ لَكُمْ".
قوله: "لحمْ الصَّيد لكم في الإِحرَامِ حلالٌ ما لم تَصيدوه أو يُصاد لكم"؛ يعني: كل صَيدٍ ذَبَحَهُ غيرَ مُحْرِم يجوز للمحْرِم أكلُه إذا لم يُصد لأجل المحْرِم، ولا بِدلالته وإعانته.
(أو) بمعنى إلا أن، و (ما لم تصيدوه) استثناء في المعنى، فكأنه قال: لحم الصيد لكم في الإحرام حلالٌ، إلا أن تصيدوه، أو إلا أن يصاد لكم؛ فإنه لا يحلُّ لكم في هاتين الحالتين.
ونصب (يصاد) لأجل أنَّ (أو) بمعنى: إلا أن.
واعلم أن حلالاً إذا صاد لأجل محرم، لا يجوز لذلك المحرم أكلَ لحم ذلك الصيد، وإن لم يأمره المحرمُ بالصيد ولا أَذِنَ له.
* * *
١٩٦٦ - عن أَبِي هُريرة - رضى الله عنه -، عن النبيِّ ﷺ قال: "الجَرَادُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ".
стр. 1410
قوله: "الجراد مِنْ صَيْدِ البحر"؛ يعني: كما أنه يجوز للمحرم قتل صيد البحر يجوز له قتل الجراد، ولا ضمان عليه، وبهذا قال أهل الظاهر، وعن أبي سعيد الخدري رواية هكذا، وأما الأئمة الأربعة قالوا: لا يجوز للمحرم قتل الجراد، ويلزمه بقتله قيمته، ويأتي شرحه في (الأطعمة).
* * *
١٩٦٧ - عن أَبِي سَعيد الخُدريِّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِي".
قوله: "يقتل المحرمُ السَّبع العادي" الذي يقصد الإنسان والمواشي بالقتل والجراحة كالأسد والذئب والنمر وغيرها، وقد ذكر بحثه قبيل هذا.
* * *
١٩٦٨ - عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمَّار قال: سألتُ جابر بن عبدِ الله ﵁ عَنِ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هِيَ؟، قال: نعمْ، فقلتُ: أَتُؤْكَلُ؟، قال: نعمْ، فقلتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قال: نعم. صحيح.
قوله في حديث الضَّبُعِ: "أَصَيْدٌ هِيَ"، بهذا الحديث قال الشافعي وأحمد، وأجازا أكل لحمها، وأوجبا الكفارة على المحْرِم بقتلها.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز أكل الضَّبُعِ للحديث الذي بعد هذا، وهو قوله ﵇: "أَوَيَأكلُ الضَّبُعَ أحدٌ؟ ".
* * *
стр. 1411
١٣ - باب الإِحْصَار وفَوْت الحَجِّ
(باب الإحصار وفوت الحج)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٧١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قَدْ أُحْصِرَ رسُولُ الله ﷺ فَحَلَقَ وجامَعَ نِسَاءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ حتَّى اَعْتَمَرَ عامًا قابلًا.
قوله: "أُحْصِرَ رسول الله ﵇ فحلَقَ وجامَعَ نساءَهُ ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلاً"، (الإحصَار): الحبس والمنع؛ يعني: أحرم رسول الله ﵇ بالعمرة في السنة السادسة من الهجرة، فأتى من المدينة إلى مكة ليعتمر، فلما بلغ حُديبية، منعه كفار مكة من دخول مكة، فخرجَ رسول الله ﵇ من الإحرام وحلقَ، وحلَّ له ما حرم عليه بسبب الإحرام، ونحر هديه، ورجع إلى المدينة، وعاد في السنة السابعة وقضى عمرته.
فمن أحرم بحجٍ أو عمرة، فأُحْصِرَ عن إتمامه لزمه أن يذبح شاة حيث أحصر، ويفرق لحمه هناك عند الشافعي، ويخرج من الإحرام ويرجع.
ثم إن كان ذلك الحج أو العمرة فرضًا عليه بقي ذلك الفرض في ذمته، وإن كان تطوعًا لم يلزمه القضاء عند الشافعي ومالك.
وقال أبو حنيفة: لزمه القضاء.
وقال أيضًا: دم الإحصار لا يُذبح إلا بمكة، فيصير المحصر على إحرامه، ويبعث شاة مع أحد إلى مكة، ويوكِّله في نحره، فلما نحره يخرج ذلك المحصر من الإحرام.
* * *
стр. 1412
١٩٧٣ - وقال مِسْوَر بن مَخْرَمَة: إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أنْ يحْلِقَ، وأمرَ أصْحَابَهُ بذلك.
قول المِسْوَر: "أن رسول الله ﵇ نحر قبل أن يحلق"، (المِسْوَر) بن مخرمة، يريد: أنَّ أداء الكَفَّارة يجب أن يكون مُقَدَّمًا على الحلق ولبس المخيط وغيرهما من مُحرمات الإحرام.
وهذا الحديث من قصة الحديبية أيضًا.
* * *
١٩٧٤ - وقال ابن عُمر ﵄: ألَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، إنْ حُبسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طافَ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَتَّى يَحُجَّ عامًا قابلًا، فيُهْدِي، أَوْ يَصُومَ إنْ لم يَجِدْ هَدْيًا.
قوله: "أليسَ حَسْبُكُمْ"؛ أي: ألم يَكْفِكُمْ بسُنة رسول الله ﵇؛ أي: قول رسول الله ﵇: "إن حُبس أَحَدُكُم عن الحجِّ طافَ بالبيت وبالصَّفا والمروة".
يعني: إن مُنِعَ أحدُكُمْ بعدو عن وقوف عرفة، ولم يُمنع عن الطواف والسعي؛ فعليه أن يطوف ويسعى، ويخرج من الإحرام، وهل يلزم القضاء؟ فعلى ما ذكرناه في أول هذا الباب، وأما الفدية فتلزمه، كمن فاته الحج.
والفدية [في] الفوات والإحصار دم شاة، فإن لم يجد؛ فعليه صوم عشرة أيام.
стр. 1413
١٩٧٥ - وقالتْ عائشةُ ﵂: دَخَلَ رسولُ الله ﷺ عَلى ضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ، فقال لها: "لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ "، قالت: والله ما أَجدُني إلَاّ وَجِعَةً، فقال لها: "حُجِّي، واَشْتَرِطي، وقُولي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي".
قولها: "لعلك أردْتِ الحج"، أي: تريدين أن تَحجي.
"فقالت: والله ما أجدُني إلا وَجِعة"؛ يعني: أجد في نفسي ضعفًا من المرض، ولا أدري أقدر على إتمام الحج أم لا.
"فقال لها: حُجِّي واشترطي، وقولي: اللهم مَحِلَّي حيث حبستني"، (المَحَل) بفتح الميم والحاء: مصدر ميمي، و (المَحِلَّ) بفتح الميم وكسر الحاء: زمان ومكان، كلها من (حلَّ) بفتح الحاء في الماضي وكسرها في الغابر: إذا خرج من الإحرام.
يعني: أحرمي بالحج، وقولي: اشترطت أن أخرج من الإحرام حيث مرضْتُ وعجزْتُ عن إتمام الحج.
وهذا الحديث يدل على أنه يجوز لكل محرم أن يشترط الخروج من الإحرام بعذر يعترضه، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي.
وقال غيرهما: لا يجوز له الخروج بالشرط.
* * *
١٩٧٦ - عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِلُوا الهَدْيَ الذي نَحَرُوا عامَ الحُدَيْبيَةِ في عُمْرَة القَضَاءِ.
قوله: "أن رسول الله ﵇ أمر أصحابه أن يُبْدِلُوا الهديَ الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء"؛ يعني: بنحر الهدي للإحصار، فلما جاؤوا في السَّنة القابلة لقضاء تلك العمرة أمرهم أن ينحروا بدل ما نحروا في
стр. 1414
السنة المتقدمة، وسببه: أنهم نحروا عام الحديبية خارج الحرم، والنَّحْرُ خارج الحرم غير جائز عند الشافعي، وجائز عند أبي حنيفة.
فلما نحروا عام الحديبية خارجَ الحرم أمرهم أن ينحروا بدل تلك الهدايا في سنة القضاء في الحرم.
* * *
١٩٧٧ - عن الحَجَّاجِ بن عَمْرو الأَنْصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أو عَرِجَ أو مَرِضَ فقدْ حَلَّ، وعليهِ الحَجُّ مِنْ قَابلٍ"، ضعيف.
قوله: "مَنْ كُسِرَ أو عَرِجَ أو مَرِضَ؛ فقد حلَّ وعليه الحجُّ من قَابل"؛ يعني: مَنْ حَدَثَ له بعد الإحرام مانع غير إحصار العدو، وعجز عن إتمام أركان الحج كالمرض وغيره، يجوز له أن يترك الإحرام، ويرجع إلى وطنه؛ ليجيء في سنة أخرى بعد ما زال ذلك العذر، ويقضي ذلك الحج كالمحصر، وهذا قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوز الخروج من الإحرام بغير عذر الإحصار، بل يصبر على الإحرام، فإن زال العذر قبل فوات الحج؛ فهو المراد، وإن زال بعد فوات الحج؛ لزمه أن يخرج من الإحرام بأفعال العمرة، وحكمه في القضاء ما ذكرناه في الإحصار.
* * *
١٩٧٨ - عن عبد الرحمن بن يَعْمَرَ الدِّيْلي قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "الحَجُّ عَرَفَة، مَنْ أدركَ عَرَفَة ليْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلوعِ الفَجْرِ فقدْ أَدْرَكَ الحجَّ، أيَّامُ مِنًى ثلاثةٌ، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ".
стр. 1415
قوله: "الحجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أدركَ عرفةَ ليلةَ جَمْعٍ قبل طُلوع الفجر فقد أدرك الحجَّ"؛ يعني: معظم الحج عرفة؛ أي: مَن حضر بعرفة (ليلة جَمْعٍ)؛ أي: في ليلة المزدلفة؛ يعني: ليلة العيد "فقد أدرك الحج"؛ لأن وقوف عرفة يفوت، وباقي أركان الحج لا تفوت، فإذا أدرك عرفة فقد أدرك الحج؛ لأنه يمكنه أن يفعل باقي أركان الحج متى شاء.
* * *
١٤ - باب حرَم مكَّة حرَسَها الله
(باب حرم مكة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٧٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسُولُ الله ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لا هِجْرَةَ، ولكِنْ جِهادٌ وَنيَّةٌ، فإذا اَسْتُنْفِرْتُمْ فاَنْفِرُوا"، وقالَ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَاتِ والأرضَ، فهو حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّه لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فيهِ لأحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ يَحِلَّ لِيْ إلا ساعةً مِنْ نَهارٍ، فهو حَرَامٌ بحُرْمَةِ الله إلى يَوْمِ القيامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَا، ولا يُخْتَلَى خَلاهُ"، فقال العبَّاسُ: يا رسولَ الله، إلَاّ الإذْخِرَ، فإنَّه لقَيْنِهِمْ ولِبُيوتِهِمْ، قال: "إلَاّ الإِذْخِر".
قوله: "لا هِجْرَةَ ولكن جهادٌ ونية"؛ يعني: كانت الهجرة من مكة إلى المدينة فرضًا على كل مَنْ أَسلمَ قبلَ فتح مكة؛ لأن المسلمين لم يقدروا على إظهار دينهم بين مشركي مكة، فلما فُتحت مكة رُفِعَتِ الهجرة؛ لأنه لم يبقَ خوف العدو ومنعهم عن إظهار المسلمين دينهم، ويبقى فرض الجهاد والنية
стр. 1416
الخالصة في محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ والدِّين، وتبقى الهجرة بالنية عن المعاصي إلى التوبة.
قوله: "وإذا استنفرتم فانفروا"؛ يعني: وإذا خرجتم إلى الجهاد فاخرجوا؛ أي: إذا أمركم أمراؤكم بالخروج إلى الغزو فاخرجوا حيث ما كنتم.
قوله: "ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار"، قيل: هذا عطف على قوله: "لم يحلَّ القتال فيه لأحدٍ قبلي".
ومعناه: ولم يحلَّ القتال لي فيه إلا ساعة، وهو حين فتح مكة؛ فإنه حلَّ له أن يقتل المشركين، وهذا يدل على أن مكة فتح عنوة؛ أي: قهرًا، وبهذا قال أبو حنيفة ﵁.
وقيل: بل قوله: "ولم يحلَّ لي" كلام مستأنف، ومعناه: ولم يحلَّ لي دخول مكة بغير إحرام إلا يوم فتح مكة، وليس أُنه أُحلَّ لي القتال فيه.
وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد، وهم يقولون: فتحت مكة صلحًا.
وفائدة هذا الخلاف: أن من قال: فتحت عنوة: أنه لا يجوز بيع دور مكة ولا إجارتها؛ لأنها موقوفة؛ لأن رسول الله ﵇ جعلها وقفًا بعدما أخذها من الكفار.
ومن قال: فتح صلحًا: يجوز بيعها وإجارتها؛ لأنها مملوكة لأصحابها؛ لأن رسول الله ﵇ لم يأخذها، بل تركَهَا في أيديهم.
قوله: "ولا يُعْضَدُ شَوْكُهُ"؛ أي: لا يقطعُ شجر حرم مكة، والمراد منه: شجر لا يغرسه الآدميون مما لا شوك له يؤذي الناس، فإن قلع شجرة يغرسها الآدميون، أو شجرة ذات شوك يؤذي الناس، فلا شيء عليه، وفي قطع شجرة كبيرة مما لا يغرسه الآدميون ولا يُؤذى الناس بشوكها، لزمه بقرة، وفي شجرة صغيرة، لزمه شاة، قَدْرُ صِغر الشجر وكِبرها يتعلقُ بالعُرْفِ.
стр. 1417
قوله: "ولا يُنَفَّرُ صيدُهُ"؛ يعني: لا يجوز لأحدٍ قتل صيد الحرم ولا تنفيره ولا إيذاؤه، فإنْ قتلَ صيدًا لزمه مثله، إن كان له مثل من النعم، والنعم: الإبل والبقر والغنم، وإن لم يكن له مثل لزمه قيمته، وهو مخيَّرٌ من أن يذبح مثله من النعم ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وبين أن يخرج قيمته طعامًا ويفرقه عليهم، وبين أن يصوم بكل مُد من الطعام الذي هو قيمة ذلك الصيد يومًا.
ويجب بقتل حمامة الحرم والفاختة والقُمْري شاة، أو قيمته من الطعام، أو يصوم عن كل مد يومًا، وجزاءُ صيدٍ يقتلُهُ المُحْرِمُ في غير الحَرَمِ، وجزاءُ صيدِ الحَرَمِ سواء قتله مُحْرم أو غير مُحْرِم سواء.
قوله: "ولا يلتقط لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفها"، (اللُّقَطُ): ما يؤخذ من مالٍ ضَلَّ عن صاحبها.
فأظهر قولي الشافعي: أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ لُقَطَةَ الحرم، ليتملكها، بل يلزمه أن يحفظها أبدًا ليجيء مالكها.
وقوله الآخر: أنه يعرِّفها سَنة، فإن لم يأتِ صاحبها فله أن يتملكها بعد السَّنة كلقطة غير الحرم، وبهذا القول قال أبو حنيفة ومالك وأحمد.
قوله: "ولا يُخْتَلَى خلاه"، (اختَلَى) بالخاء المعجمة، وهو ناقص، وليس بمهموز، ومعناه: قطع الخَلاء وهو الحشيش؛ يعني: لا يجوز قطع حشيش الحرم، فإن قطعه لزمه قيمته، ويجوز أن ترعاه الدواب عند الشافعي، ولا يجوز عند أبي حنيفة، وما له الشوك يجوز قطعه كيلا يضر الناس.
قوله: "إلا الإذْخِرَ فإنه لِقَيْنِهِمْ"، (الإذخر): نبت عريض الأوراق، (القين): الحداد، يعني: استثنى رسول الله ﵇ الإذخر عن التحريم، فإنه يحتاج إليه الناس، فإنهم يجعلونه في قبورهم، وفي شقوق بيوتهم، ويحرقه الحدادون بدل الحطب والفحم.
* * *
стр. 1418
١٩٨٠ - وفي روايةٍ: "لا تُعْضَدُ شَجَرتُها، ولا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَها إلَاّ مُنْشِدٌ".
قوله: "إلا منشدٌ"؛ أي: إلا مُعَرِّفٌ، ومعنى هذا المعنى: العلم.
واعلم أن الشافعي كره نقلَ ترابِ الحرم وحجره وشجره إلى غير الحرم، ولا يكره نقل ماء زمزم للتَّبرك.
قوله: "ولا يَلتقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مُعَرِّف"، وقد ذكر.
* * *
١٩٨١ - وعن جَابرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لأحَدِكُمْ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ".
قوله: "ولا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السِّلاح" أراد بـ (حمل السلاح) ها هنا: المحاربة مع المسلمين، أما حمل السلاح للبيع والشراء والمحاربة مع الكفار، فيجوز.
* * *
١٩٨٢ - عن أنَسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وعلى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فلمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فقال: إنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقال: "اقْتُلْهُ".
قوله: "وعلى رأسه المِغْفَرُ" (المِغْفَرُ): شبه قَلَنْسُوَة من الدرع، وهذا يدل على جواز دخول مكة لرسول الله ﵇ بغير إحرام؛ لأنه لو كان محرمًا؛ لكان رأسه مكشوفًا.
ولا خلاف في الساعة الأولى من يوم فتح مكة جاز له دخول مكة بغير إحرام، وأما بعد ذلك فلا يجوز عند أبي حنيفة وفي أحد قولي الشافعي، ويجوز
стр. 1419
عند مالك وفي القول الثاني للشافعي.
قوله: "فلمَّا نَزَعَهُ"؛ أي: فلمَّا رفع المغفر عن رأسه وجلس.
"فجاءه رجل وقال: إن ابن خَطَلٍ متعلِّقٌ بأستار الكعبة"؛ يعني: تعلَّق بلباس الكعبة؛ كي لا يقتله أحد، فأمر رسول الله ﵇ بقتله، وإنما أمر بقتله، وما قَبلَ توبته وأمانَه؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله ﵇ في أمرٍ مع رجل من الأنصار، فقتل في الطريق ذلك الرجل الأنصاري، وأخذ ما معه من المال، وهرب من المدينة إلى مكة، فلما دخل رسول الله ﵇ مكة يوم الفتح تعلق بأستار الكعبة؛ ليؤمنه رسول الله ﵇، فلم يقبل رسول الله ﵇ أمانه، وأمر بقتله بقصاص ذلك الرجل الأنصاري.
وهذا يدل على أن مَنْ قال: إنَّ مَنْ عليه حق آدمي من القصاص أو المال، والتجأ بالحرم لا يفيده دخول الحرم، بل يقتل بالقصاص ثَمَّ، وهذا قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، بل لا يباع منه القوت، ولا يترك أن يشرب الماء حتى يضطر ويخرج من الحرم، فيقتص منه خارج الحرم.
* * *
١٩٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فإذا كانُوا ببَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ"، قالتْ: يا رسُولَ الله!، كيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وفيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهَمْ؟، قال: "يُخْسَفُ بأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ على نِيَّاتِهِم".
قوله: "يغزو جيشٌ الكعبةِ"؛ أي: يقصد جيشٌ الكعبةَ في آخر الزمان ليخربها.
стр. 1420
قوله: "بيداءَ من الأرض"؛ يعني: فلما بلغوا في طريقهم بأرض بيداء، وهي برية بعيدة.
"يخسف بأولهم وآخرهم"؛ أي: دخلوا قعرَ الأرض كلهم جميعًا بشؤم قصدهم تخريب الكعبة.
قولها: "كيفَ يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم"، (الأسواق): جمع سُوقٍ أو سُوْقَةٍ، فإن كان جمع سُوق، فتقديره: وفيهم أهل أسواقهم، وإن كان جمع سُوْقَةٌ، فلا حاجة إلى التقدير؛ لأن السُّوقَة بمعنى الرَّعية.
"ومَنْ ليس منهم"؛ أي: ليس في الكفر والقصد بخراب الكعبة، بل هم ضعفاء وأُسراء.
قوله: "ثمَّ يُبعثون على نيَّاتهم"؛ يعني: يهلك هناك أخيارهم وأشرارهم، والأخيار يهلكون بشؤم الأشرار، لكن يبعث كل واحد منهم على نيته يوم القيامة، فإن كانت نيته الإسلام والخير فهو من أهل الجنة، وإن كانت نيته الكفر فهو من أهل النار.
* * *
١٩٨٥ - وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ".
قوله: "يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيقَتَيْنِ من الحبشة"؛ يعني: يخرِّبُ الكعبة في آخر الزمان ملك كافر من الحبشة.
(السُّوَيقَتَيْن): تثنيةٌ، واحدتها: سُويقة، وهي تصغير ساق، والسَّاق مؤنث سماعية، والمؤنث السماعية إذا صغرت ردت في تصغيرها الهاء المقدرة فيما قبل التصغير.
стр. 1421
وإنما صغر ساقيه؛ لأن ساقيه دقيقتان قصيرتان.
* * *
١٩٨٦ - وقال ابن عبَّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ : "كأنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُها حَجَرًا حَجَرًا".
قوله: "كأني به أسودَ أفحجَ"، (أسود أَفحج) مجروران؛ لأنهما بدل من الهاء في (به)، وفُتحا؛ لأنهما غير منصرفين.
ومعنى (أفحج)؛ أي: بعيد ما بين رجليه في المشي.
قوله: "كأني به"؛ يعني: حاصل ومحيط بحضرته انظر إليه من غاية علمي به وبصورته، والمراد بهذا الرجل: هو الذي تقدم ذكره.
الضمير في "يقلعها" راجع إلى الكعبة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٩٨٧ - عن يَعلَى بن أُميَّة ﵁ قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "احْتِكَارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إِلحَادٌ فيهِ".
قوله: "احتكارُ الطعامِ في الحرمِ إلحادٌ فيه"، (الاحتكار): حبس القوت إلى وقت الغلاء، وهذا منهي عنه، وشروطه ثلاثة:
أحدها: أن يكون قوتًا.
والثاني: أن يشتري ذلك القوت في وقت يحتاج إليه الناس لأقواتهم.
والثالث: أن يحفظه ليبيعه إذا اشتدَّ غلاؤه.
فإذا اجتمعت هذه الشروط تكون في سائر البلاد حرامًا، وفي مكة أشد تحريمًا.
стр. 1422
ومعنى "إلحَادٌ": الميل عن الحق إلى الباطل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] الضمير في ﴿فِيهِ﴾ يعود إلى المسجد الحرام، والمراد به: جميع مكة، الظلم وجميع المعاصي في مكة أشد إثمًا منه في سائر البلاد؛ لحرمة ذلك الموضع.
* * *
١٩٨٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لِمَكَّةَ: "ما أطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحَبَّكِ إليَّ، ولولا أنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوني مِنْكِ ما سَكَنْتُ غَيْرَكِ"، صحيح.
قوله: "ما أطيَبَكِ من بلد وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرَجُوني منك ما سكنتُ غيرك"، (ما أطيبكِ)، (ما) للتعجب، و (أطيب) فعل ماض وفاعله فيه مضمر، وهو ضمير (ما)، والكاف مفعوله، وهي مكسورة؛ لأنها ضمير مكة، فـ (ما) مبتدأ، وهذه الجملة خبره، و (أحبَّك) معطوف على (أطيبك).
خاطب رسول الله ﵇ عام الفتح مكة، وقال لها هذا الحديث، وإنما قاله ﵇؛ لغلبة حبِّ الكعبة وحَرَمِ الله ومسكن آبائه إبراهيم وإسماعيل ﵉ على قلبه.
يعني: لولا أخرجني من مكة كفار قريش ما ينبغي لي أن أسكن بلدًا غيرها؛ لأنه ليس في الأرض بلد أشرف منها، والبلد إذا كان أشرف يكون توطنه أفضل، وترك الأفضل بالاختيار غير مرضي.
* * *
١٩٨٩ - عن عبد الله بن عَدِيِّ بن الحَمْراء قال: رَأَيْتُ رسُولَ الله ﷺ واقِفًا على الحَزْوَرَةِ، فقال: "والله إنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ الله، وأَحَبُّ أرْضِ الله إلى الله،
стр. 1423
ولَوْلَا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ".
قوله: "على الحَزْوَرَةِ"، (الحَزْوَرة) بفتح الحاء المهملة والزاي المعجمة وإسكانها وبفتح الواو بعدها راء مهملة: اسم سوق بمكة.
ذكر في "الغيث" أن الشافعي قال: إن الناس يشددون الحديبية والحزورة، وهما مخففان؛ يعني: لا تشديد في هذين اللفظين.
* * *
١٥ - باب حرَم المَدينة على ساكنها الصلاةُ والسلام
(باب حرم المدينة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٩٠ - عن علي ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "المَدِينَةُ حَرامٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ، يَسْعَى بها أدْناهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فعلَيْهِ لعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلَ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ومَنْ والَى قَوْمًا بغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ".
وفي روايةٍ: "وَمَنْ اَدَّعَى إلى غَيْرَ أبيهِ، أوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ".
قوله: "المدينة حَرام ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، فمن أحدث فيها حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ"،
стр. 1424
(عَيْرٌ وثَوْرٌ): جبلان بالمدينة كل واحد منهما على طرف من المدينة.
يعني: حرمت من عير إلى ثور أن لا يقتل ما بينهما من الصيد، وأن لا يقطع من الشجر، وهذا التحريم يوجب الإثم لمن قتل صيدًا أو قطع شجرًا، ولكن لا جزاء عليه عند مالك والشافعي في قوله الجديد.
وفي القديم: تسلب ثياب القاتل، أو قاطع الشجر، ثم السلب لمن سلبه؛ أي: أخذ ثيابه، وقيل: لبيت المال، وقيل: يفرق على مساكين المدينة، يستوي مجاور المسجد وغيرهم.
وعند أبي حنيفة: لا يحرم حرم المدينة، بل هو كسائر الأراضي.
قوله: "فمن أحدث فيها حدثًا"؛ أي: من فعل في المدينة فعلًا جديدًا؛ أي: بدعة سيئة.
"أو آوى محدثًا"؛ معنى (آوى): هَيَّأ مسكنًا لأحد، وأنزله مسكنًا، والمراد بـ (آوى) هنا: قوَّى وأعان.
(محدثًا): يُروى بكسر الدال وفتحها، فالكسر معناه: واضع بدعة والفتح معناه: الفعل الذي وُضع جديدًا؛ أي: فعل البدعة.
يعني: من فعل في المدينة بدعة أو أعان واضع بدعة، أو قوى وأظهر بدعة وضعها أحد، فعليه لعنة الله، وإنما حدث بهذا الحديث، وبين لحوق لعنة الله عليه؛ لأن الموضع إذا كان شريفًا يكون إثم الذنوب فيه أكثر من إثم ذنب في موضع غير شريف.
قوله: "لا يقبل منه صَرْفٌ ولا عَدْل"، (الصَّرْفُ): النافلة، و (العَدْل): الفريضة، والمراد منه: نفي الكمال، وقيل: (الصرف): التوبة، و (العَدْل): الفداء.
стр. 1425
يعني: لا تقبل منه التوبة والفداء بعد الموت، وأما قبل الموت تقبل التوبة والفداء، ويريد بالفداء: جزاء الصيد والشجر، أو التصدق والإعتاق؛ ليحصل له الثواب، فيدفع بالحسنة السيئة.
قوله: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"، (الذمة): الأمان؛ يعني: أمان واحد من المسلمين كأمان كلهم، (يسعى بها أدناهم)؛ أي: يسعى بذمة المسلمين (أدناهم)؛ أي: أقل المسلمين في القدر والمنصب وهو العبد.
يعني: إذا جاء واحد أو عدد قليل من دار الحرب إلى دار الإسلام من غير أمان ولا رسالة، يجوز قتلهم وأخذ أموالهم، فإن أعطاهم الأمان واحد من المسلمين، وإن كان عبدًا، يجب على جميع المسلمين قَبول أَمانه، ويحرم قتل ذلك الكافر وأخذ ماله، سواء كان ذلك العبد مأذونًا من جهة المولى في الجهاد، أو لم يكن عند الشافعي ومالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد، إذ لم يكن مأذون في الجهاد، وشرط الأمان أن يكون الذي يعطي الأمان من المسلمين بالغًا عاقلًا، وأن يكون العدد الذي يعطيهم الأمان من الكفار قليلًا بحيث لا يلحق المسلمين منهم ضرر بعذر الأمان.
أما الجمع الكثير من الكفار: لا يجوز أمانهم إلا للسلطان أو نائبه.
قوله: "فمن أَخْفَرَ مسلمًا"، (الإخْفَار): نقض العهد؛ يعني: إذا أعطى مسلم كافرًا الأمان، فمن نقض أمان ذلك المسلم، وقتل ذلك الكافر، وأخذ ماله "فعليه لعنة الله"؛ لأن إبطال أمان المسلم إبطال حكم الله ورسوله، وإبطال حكم الله ورسوله يوجب اللعنة.
قوله: "ومن والى قومًا بغير إذن مواليه"، (الموالاة): جَرَيان المحبة والمودَّة بين اثنين، والمراد بـ (الموالاة) ها هنا: أن يقول عتيق لغير معتقه: أنت
стр. 1426
مولاي ولك ولايتي ويضم نفسه إليه، ويكون معه، هذا الفعل حرام؛ لأن قطع الولاء من المعتق، ونقله إلى غير المعتق، كنقل النسب إلى أجنبي، مثل أن يقول ابن زيد: أنا ابن عمرو، مع علمه بأنه ابن زيد، فكما أن أخذَ مال أحد، وإعطاءه غير مالكه محرم، فكذلك نقل الولاء والنسب إلى من ليس له الولاء والنسب محرم، بل هذا أشد تحريمًا.
فإذا عرفت هذا فاعرف أن قوله: "بغير إذن مواليه" يوهم أن الموالاة بإذن مولاه تجوز، وليس الحكم كذلك، بل لا تجوز الموالاة بإذنه وغير إذنه أصلًا؛ لأنه لو جاز نقل الولاء عن المولى بإذنه؛ لجاز للمولى أن يبيع الولاء أو يهبه، ولا يجوز هذا أصلًا؛ لأن الولاء حق الشرع كالنسب.
وإنما قال ﵇: "بغير إذن مولاه" لأنه إذا استأذن مولاه في موالاة غيره لم يأذن له.
قوله: "من ادعى إلى غير أبيه"؛ أي: من انتسب إلى غير أبيه، كما يقول ابن زيد: أنا ابن عمرو.
قوله: "أو تولَّى غير مواليه": هذا مثل قوله: "من والى قومًا"، وقد ذُكر.
* * *
١٩٩١ - عن سَعْدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ أنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أو يُقْتَلُ صَيْدُها"، وقال: "لا يَدَعُها أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْها إلَاّ أَبْدَلَ الله فيها مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، ولا يَثْبُتُ أَحَدٌ على لأُوَائِها وَجَهْدِهَا إلَاّ كُنْتُ لهُ شفيعًا أو شَهيدًا يومَ القِيامَةِ".
قوله: "أُحرِّم" الهمزة للمتكلم.
"ما بين لابتي المدينة"، (لابتي) أصله: لابتين، فسقطت نونه للإضافة، وهو
стр. 1427
تثنية لابة، وهي موضع فيه حجارة صغار سود، وأراد بـ (لابتي المدينة): طرفيها.
"أن تقطع عضاهها"، (العضَاه): جمع عضه بفتح العين وكسرها كل شجر له شوك، وتحريم قتل الصيد، وقطع الشجر والنبات في مكة والمدينة؛ ليكون لساكنيها بهما ألفة وأنس، وتفرج بالنظر إلى الصيود والأشجار والنبات.
قوله: "لا يدعها"؛ أي: لا يترك المدينة "أحدٌ رغبةً عنها"، أَي: يميل عن المدينة ويفارقها، وينتقل إلى بلد آخر، رغبَ عن الشيء: إذا أعرض عنه، ورغب في الشيء: إذا مال إليه ورضي به.
قوله: "إلا أَبدل الله فيها"؛ أي: خلف (١) الله في المدينة بدل الذي انتقل منها إلى غيرها، أو وُفِّق لأحد أن ينتقل من بلد آخر إلى المدينة.
"من هو خير منه"؛ أي: من هو خير من الذي ترك المدينة، وهذا بيان فضل المدينة وفضل ساكنها.
قوله: "ولا يثبتُ أحدٌ على لأوَائِها"؛ أي: مشقتها من قلة القوت، وشدة الحرارة، وعدم الأطعمة اللذيذة.
"وجَهْدِهَا"؛ أي: مكروهها.
"إلا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا" شكَّ الراوي أنه ﵇ قال: شفيعًا أو قال: شهيدًا.
ومعنى قوله: (شهيدًا): أنه ﵇ يشهد لذلك الصَّابر على لأواء المدينة أنه مؤمن مخلِصٌ محب لرسول الله ﵇؛ لأنه وافقه في توطن المدينة، وجعل المدينة معمورة؛ لأن المدينة مدينة الرسول ﷺ ؛ لأنه أضافها إلى نفسه بقوله مرارًا: "مدينتنا".
стр. 1428
ومَنْ جعل مدينة أحد وداره معمورة؛ فقد أحبه، فتوطُّن المدينة من محبة رسول الله ﵇، وقال ﵇: "من أحبني كان معي في الجنة".
* * *
١٩٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كانَ النَّاسُ إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاؤُوا بهِ إلى النَّبيِّ ﷺ فإذا أَخَذَهُ قال: "اللهمَّ بارِكْ لنا في ثَمَرِنَا، وبارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، وبارِكْ لَنَا في صَاعِنَا، وبارِكْ لَنَا في مُدِّنا، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ صلوات الله عليه عَبْدُكَ وخَلِيلُكَ ونبَيُّكَ، وإنَّي عَبْدُكَ ونبَيُّكَ، وإنَّه دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وإنِّي أَدْعُوكَ للمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دعاكَ لِمَكَّةَ، ومِثْلِهِ مَعَهُ"، قال: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لهُ، فَيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ.
قوله: "ثم يدعو أصغرَ وَليدٍ له فيعطيهِ ذلك الثَّمر"، و (الوليد) بمعنى الولد؛ يعني: إذا فرغ من الدعاء يدعو أصغر طفل من أهل بيته ويعطيه ذلك الثمر؛ ليفرح ذلك الطفل بذلك الثمر، فإن فرح الأطفال بالثمر الجديد أشدُّ من فرح الكبار.
البركة: كثرة الخير.
قوله: "باركْ لنا"؛ أي: أكثر خيرنا في المدينة من صدور الطاعة والقيام بأمر الله تعالى من الجهاد وغيره، وكَثِّرْ خيرَ ثمارنا ومدينتنا وصاعنا.
* * *
١٩٩٤ - وعن أبي سَعيدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا حَرامًا، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ حَرامًا ما بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا أنْ لا يُهَرَاقَ فيها دَمٌ، ولا يُحْمَلَ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا تُخْبَطَ فيها شَجَرَةٌ إلَاّ لِعَلْفٍ".
стр. 1429
قوله: "حرام ما بين مَأزِمَيْها" تثنية (مَأْزِم)، وهو الموضع الضيق من الجبلين، المراد بـ (مأزميها): جانبا المدينة.
قوله: "أن لا يُهْرَاق" بسكون الهاء؛ أي: لا يسفكُ فيها دم حرام؛ يعني: لا يحارب فيها، فإن قيل: سفك الدم الحرام محرم في جميع المواضع، فأي فائدة في تخصيص المدينة؟ قلنا: سفك الدم الحرام والمحاربة محرم في جميع المواضع، وفي سكَّة المدينة أشد تحريمًا؛ لأن الموضع إذا كان شريفًا يكون الذنب فيه أكثر إثمًا، والطاعة فيه أكثر ثوابًا.
والغرض من هذا الحديث: بيان تغليظ إثم الذنوب في المدينة.
قوله: "ولا تُخْبَطَ"؛ أي: ولا يضرب شجر؛ لتتساقط الأوراق، (الخَبْطُ): ضرب الشجر لتتساقط أوراقه.
* * *
١٩٩٥ - ورُوي أنَّ سعدًا وَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أو يَخْبطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ العَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أنْ يَرُدَّ ما أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ، فقال: مَعَاذَ الله أنْ أَرُدَّ شَيْئًا نفَّلَنِيهِ رسُولُ الله ﷺ .
قوله: "نَفَّلَنيه" بتشديد الفاء؛ أي: أعطانيه، (التنفيل): إعطاء النفل - بفتح الفاء - وهو الغنيمة، يعني بقوله (نفَّلنيه): أمر رسول الله ﵇ بسلب ثياب من قطع شجرًا، أو قتل صيدًا في حرم المدينة، فإذا أخذت ثياب عبدكم بأمر رسول الله ﵇ لا أردها عليكم.
* * *
١٩٩٦ - وقالت عائشة ﵂: لَمَّا قَدِمَ رسُولُ الله ﷺ المَدِينَةَ وُعِكَ أبو بَكْرٍ وبلالٌ، فجِئْتُ رسُولَ الله ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: "اللهمَّ حَببْ إلَيْنَا المَدينَةَ كَحُبنا مَكَّةَ أوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْها لَنَا، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، واَنْقُلْ
стр. 1430
حُمَّاهَا، فاجْعَلْها بالجُحْفَةِ".
قولها: "وُعِكَ أبو بكر"، وُعِكَ وحُمَّ كلاهما على بناء المجهول، معناه: أخذتْهُ الحُمَّى.
قوله: "اللهم حَببْ إلينا المدينة كحُبنا مكةَ أو أشد": هذا يدل على أن مَنْ كره بلدًا لا يوافقه هواه، وكذلك من كره طعامًا لا يوافقه ذلك الطعام، وكذلك لو لم يكرهه ولكن لا يألف به بعدُ لا يوافقه ذلك الطعام أيضًا.
ألا ترى أن الغالب من حال الغرباء أن لا يوافقهم هواء البلدان الغريبة، فإن مَنْ كان من بلدٍ حار يفسد مزاجه في بلد بارد، وكذلك بالعكس، وكذلك لو كان بين بلدين تفاوت يسير في الحرارة أو البرودة يتغير مزاج الرجل بانتقال أحدهما إلى الآخر.
فدعا رسول الله ﵇ أن يحبب الله إليهم المدينة؛ ليحصل لهم بها ألفة؛ ليوافقهم هواها، وتطمئن قلوبهم بتوطنها، كي لا تلتفت قلوبهم إلى مكة، فإن التفات القلوب تشويش الصدور، ومع تشويش الصدور لا يصفو للرجل العيش.
قوله: "وصحِّحها"؛ أي: وصحح هواء المدينة لنا، واجعل نزولنا فيها سببًا للصحة والعافية.
"وانقل حُمَّاها فاجعلها بالجُحْفَة" وإنما دعا رسول الله ﷺ بنقل حمى المدينة إلى الجحفة؛ لأن الجحفة في ذلك الوقت كانت اليهود تسكنها.
* * *
١٩٩٨ - وقال رسول الله ﷺ : "يُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَّحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أطاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
стр. 1431
لو كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ العِراقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمنْ أطاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كَانُوا يَعْلَمُونَ".
قوله: "يُفتحُ اليمن فيأتي قوم يُبسُّونَ فيتحمَّلون بأهليهم": بَسَّ يَبُسُّ بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر، وأَبَسَّ يُبسُّ: إذا سار سيرًا شديدًا، وقيل: ساق الدابة سوقًا سهلًا.
أخبر رسول الله ﵇ في أول زمان الهجرة إلى المدينة بأن ستفتح اليمن فيرتحل قوم من اليمن إلى المدينة، حتى يكثر أهل المدينة.
"والمدينة خير لهم" من غيرها، وكذلك الشام والعراق تفتح فيأتي منهما قوم إلى المدينة، وأراد بالعراق الكوفة إلى أول أرض خراسان.
روى هذا الحديث: سفيان بن أبي زهير، وأنس بن عياض كلاهما عن رسول الله ﵇.
* * *
١٩٩٩ - وقال ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ: يَثْربَ، وهيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيد".
قوله: "تأكل القُرَى"، (القرى): جمع قرية، يعني: أمرني ربي أن أنزل المدينة، والمدينة تأكل جميع المدائن والبلدان؛ يعني: أهل المدينة تخرب كل بلد لم يسلم أهله، وتجعل أهل كل بلد مطيعين لله، منقادين للدين.
وقيل: معناه: يأخذ أهل المدينة أموال أهل كل بلد من الكفار على سبيل القهر والغلبة.
قوله: "تنفي الناس"؛ يعني: تخرج كل مَن لا يليق بتوطن المدينة من الكفار وأهل الكتاب، وقد ظهر هذا في عهد عمر بن الخطاب ﵁، فإنه أخرج
стр. 1432
من أرض الحجاز كل كافر من الذميين وغيرهم.
وقيل: المراد: أن المدينة تهلك من قصدها بالأذية، ولهذا لا يمكن للدجال دخولها.
روى هذا الحديث: أبو هريرة.
* * *
٢٠٠٣ - وقال ﷺ : "على أنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، ولا الدَّجَّالُ".
قوله: "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال"، (الأنْقَابُ): جمع نَقْبٍ، وهو الطريق بين الجبلين، يعني: وكَّل الله تعالى ملائكة على طرائق المدينة؛ ليدفعوا عنها الدجال والطاعون، وهو الوَبَاء.
روى هذا الحديث: أبو هريرة.
* * *
٢٠٠٠ - وقال: "إنَّ الله تَعَالَى سَمَّى المَدِينَةَ طَابَةَ".
"سمى المدينة طيبة": لعل المدينة سميت طيبة لطيبها (١) بحضور رسول الله ﵇ وأصحابه والتابعين، وتطهيرهم إياها من خبث الكفار، وتطهيرها من الطاعون والدجال وغير ذلك من الفتن.
روى هذا الحديث: جابر بن سمرة.
* * *
стр. 1433
٢٠٠١ - وقال: "إنَّمَا المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها، وتَنْصَعُ طَيبُهَا".
قوله: "وتَنْصَعُ طَيبَها"، (نَصَعَ) بفتح الصاد في الماضي والغابر: إذا صار الشيء خَالصًا، (التنصيع): التخليص والتَطييب.
يعني: تجعلُ المدينةُ الصالحَ طاهرًا من الذنوب والأخلاق المذمومة؛ يعني: صلحاؤها يكونون على غاية الصلاح.
روى هذا الحديث سمرة بن جندب
* * *
٢٠٠٢ - وقال: "لا تقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِي المَدِينَةُ شِرَارَها كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ".
قوله: "لا تقوم السَّاعة حتى تَنفي المدينةُ شرارَها"؛ يعني: يأتي زمان قبل القيامة يكونون فيه أهل المدينة كلهم مسلمين صلحاء، ولعلها صارت بهذه الصفة في زمن خلافة عمر، فإنه أخرج منها أهل الكتاب (١)، وأظهر العدل والاحتساب، واستقام الإسلام.
روى هذا الحديث: أبو هريرة.
* * *
٢٠٠٤ - وقال: "ليسَ مِنْ بَلَدٍ إلّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَاّ مَكَّةَ والمَدِينَةَ، لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابها إلَاّ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صافِّينَ يَحْرُسُونهَا، فَيَنْزلُ السَّبْخَةَ، فَتَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كُلُّ كافِرٍ ومُنافِقٍ".
стр. 1434
قوله: "سيطؤها"؛ أي: سيدخلها، و (الوَطْءُ): ضرب شيء بالقدم، ويستعمل في المشي.
قوله: "يحرسونها"؛ أي: يحفظونها.
قوله: "فينزل السَّبخَةَ" بكسر الباء: اسم موضع قريب من المدينة؛ يعني: يريد الدَّجَال أن يدخل المدينة، فتمنعه الملائكة فينزل السَّبخَةَ.
"فترجفُ المدينةُ بأهلِهَا"؛ أي: تحرِّكُهُم؛ أي: يُلقي مَيْلُ الدَّجَال في قلب من ليس بمؤمن خَالصًا، فيخرج من المدينة إلى الدَّجَال، ويؤمن به.
روى هذا الحديث: أنس ﵁.
* * *
٢٠٠٥ - وقال: "لا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إلَّا انْمَاعَ كلما يَنْمَاعُ المِلْحُ في المَاءِ".
قوله: "لا يَكيدُ أهلَ المدينة أحدٌ إلا انمَاعَ"، (لا يكيد)؛ أي: لا يَمْكُرُ بهم، ولا يقصدهم بالأذى، (انمَاعَ)؛ أي: ذَابَ كما يذوب (الملح في الماء)، يعني: يهلك كما يهلك الملح في الماء.
روى هذا الحديث: أبو هريرة ﵁.
* * *
٢٠٠٦ - وعن أنَسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ - صلي الله عليه وسلم - كانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إلى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ راحِلَتَهُ، وإنْ كانَ على دابَّةٍ حَرَّكها، مِنْ حُبها.
стр. 1435
قوله: "نظر إلى جُدُرَاتِ المدينة"، (الجُدُرَاتُ): جمع جُدُر، وهو جمع جِدَار.
"أَوْضَعَ"؛ أي: ركض، وهو لازم ومتعد، وهو ها هنا متعد، و"الرَّاحلة": تستعمل فيما يحمل الرَّحل من الإبل، و"الدابة" تستعمل في الفرس والبغل والحمار.
يعني: إذا كان على جَملٍ أسرعها، وإذا كان على فرس أيضًا أسرعها (١)؛ ليكون وصوله إلى المدينة قريبًا؛ من غاية حُبه إيَّاها.
أظهر رسول الله ﵇ حبَّ المدينة؛ ليوقِعَ عظمة المدينة وحرمتها قلوبِ في الناس؛ ليعظموها ويحفظوا حرمتها.
ويحتمل أن يكون حبها لِحُبِّ أهلها من الأزواج والأولاد والصحابة.
* * *
٢٠٠٧ - وقال أنس ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ طَلَعَ لهُ أُحُدٌ، فقال: "هذا جَبَلٌ يُحِبنا وَنُحِبُّهُ!، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ ﵇ حرَّمَ مَكَّةَ، وإنَّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لَابَتَيْهَا".
قوله: "طَلَعَ له أُحُدٌ فقال: هذا جَبَل يحبنا ونحبُّه" قال الخطابي: يريد أهلَ أُحُدٍ من الشهداء والأحياء (٢) حواليه؛ أي: هم يحبُّونا ونحبُّهم.
وقال محيي السنة: يريد نفس أُحُد، فإنه لا بُعْدَ ولا عَجَبَ أن يحبَّ الجَمَادُ الناسَ، فإنَّ الأرض إذا عمل إنسانٌ عليها عملًا صالحًا، تحبُّ تلك البقعة ذلك الرجل الصالح، وإذا عمل سيئة تبغضه، كما قال تعالى في آل فرعون إذ
стр. 1436
أغرقوا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]؛ أي: لم يعملوا خيرًا حتى تحبَّهم الأرض والسماء، وتبكيان عليهم عند هلاكهم، بل فرحتا بموتهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٠٩ - رُوي: أنَّ سعدَ بن أبي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَواليهِ، فَكَلَّمُوهُ فيهِ، فقال: إنَّ رسُولَ الله - صلي الله عليه وسلم - حَرَّمَ هذا الحَرَمَ، وقال: "مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فيهِ فَلْيَسْلُبْهُ"، فلا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنيها رسولُ الله ﷺ ، ولكِنْ إنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إلَيْكُمْ ثَمَنَهُ"
ويُروى: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبَهُ".
قوله: "إن شئتُمْ دفعْتُ إليكم ثمنَهُ"، دفع الثمن إليهم تبرع منه عليهم؛ لأن السَّلب لو لم يكن جائزًا لما فعله سعد مع عِظَمِ شأنه، ولو كان جائزًا لا يلزمه أن يردَّ ما أخذ؛ وإذًا لم يلزمه قيمته أيضًا، وهذا غرامة ألزمها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - على من قتل صيدًا أو قطع شجرًا، كما أوجب جزاء الصيد على من قتل صيدًا في حرم مكة، وكما أوجب بقرة أو شاة على من قطع شجرًا في الحرم، كما ذُكِر.
* * *
٢٠١٠ - وروى الزُّبَير، عن رسول الله ﷺ : أنَّ صَيدَ وَجٍّ وعِضاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّه. ووجٌّ ذكروا أنَّها من ناحية الطَّائف.
قوله: "إن صَيْدَ وَجٍّ وعِضَاهَهُ حِرْمٌ" (الحِرْمُ) والحَرَامُ بمعنى المُحرَّم.
قال الخطابي: لا أعلم سببَ تحريم وَجًّ، فلعلَّه ﵇ حَرَّمها؛ ليصير حمى للمسلمين؛ أي: مرعى لأفراس الغزاة، لا يرعاها غيرهم.
стр. 1437
وسبب تحريم صيد ذلك الموضع، وقطع أشجاره: ليكون لمَنْ سكنه من الغزاة، ولمَنْ مَرَّ به وسكن هناك أيامًا بفَرَحٍ وأُنْسٍ؛ فإن الإنسان يطمئن قلبه بمَسْكَنٍ فيه صيود وأشجار.
وهل يبقى تحريمه أبدًا، أو صار مباحًا بعدما انقرض الزمان الذي عَيَّنَهُ رسول الله ﵇ لتحريم وَجٍّ إن عين زمانًا، أو بعدما انقرض أولئك الغزاة إن عين جماعة؟ ففيه خلاف.
قال الخطابي: ويحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم، وفي مدة محصورة، ثم نُسخ، فعاد: الأمرُ إلى الإباحة كسائرِ بلادِ الحِلِّ، هذا لفظ الخطابي.
ثم قال محيي السنة بعد هذا: وفي هذا المعنى: (النَّقيع) بالنون، وهي حمى حماه رسول الله ﵇ لإبل الصدقة، ونِعَم الجزية، فيجوز الاصطياد؛ لأن المقصود منه منع عامة الناس من رعيه، لا منعهم عن قتل الصيد.
فلو أتلف شيئًا من شجره؟
قال صاحب "التلخيص": عليه غرم ما أتلف كحشيش الحرم، ولا يجوز بيع النَّقيع، ولا بيع شيء من أشجاره كالموقوف.
* * *
٢٠١٣ - وعن جَرِيْر بن عبد الله ﵁، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ الله تعالَى أَوْحَى إليَّ: أَيَّ هؤُلاءِ الثَّلاثَةِ نَزَلْتَ فَهيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: المَدِينَة، أو البَحْرَيْن، أو قِنَّسْرِين".
قوله: "أو قِنَّسْرِين"، وهذا بلد بالشام (١).
стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1439
١١ - كِتابُ البُيُوعِ
стр. 1440
[١١]
كِتابُ البُيُوعِ
(كتاب البيوع) (١)
١ - باب الكَسْب وطلَب الحَلال
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠١٤ - قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما أَكلَ أحدٌ طَعامًا قطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ، وإنَّ نَبيَّ الله داودَ ﷺ كانَ يَأْكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ".
قوله: "ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يديه": هذا الحديث تحريضٌ على الكسب الحلال؛ فإن الكسبَ فيه فوائدُ كثيرةٌ:
إحداها: إيصال النفع إلى المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العملُ لغيره، وبحصول الزيادة على رأس المال إن كان العملُ تجارة، فكذلك الزراعةُ وغرسُ الأشجار.
والثانية: إيصال النفع إلى الناس: بتهيئة أسبابهم من حَوك ثيابهم وخياطتها وغيرهما من الحِرف، وبحصول أقواتهم بأن يشتروا من الأقوات والثمار، وكذلك جميع الأشياء مما يحصل بسعي الناس.