أغرقوا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]؛ أي: لم يعملوا خيرًا حتى تحبَّهم الأرض والسماء، وتبكيان عليهم عند هلاكهم، بل فرحتا بموتهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٠٩ - رُوي: أنَّ سعدَ بن أبي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَواليهِ، فَكَلَّمُوهُ فيهِ، فقال: إنَّ رسُولَ الله - صلي الله عليه وسلم - حَرَّمَ هذا الحَرَمَ، وقال: "مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فيهِ فَلْيَسْلُبْهُ"، فلا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنيها رسولُ الله ﷺ ، ولكِنْ إنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إلَيْكُمْ ثَمَنَهُ"
ويُروى: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبَهُ".
قوله: "إن شئتُمْ دفعْتُ إليكم ثمنَهُ"، دفع الثمن إليهم تبرع منه عليهم؛ لأن السَّلب لو لم يكن جائزًا لما فعله سعد مع عِظَمِ شأنه، ولو كان جائزًا لا يلزمه أن يردَّ ما أخذ؛ وإذًا لم يلزمه قيمته أيضًا، وهذا غرامة ألزمها رسول الله - صلي الله عليه وسلم - على من قتل صيدًا أو قطع شجرًا، كما أوجب جزاء الصيد على من قتل صيدًا في حرم مكة، وكما أوجب بقرة أو شاة على من قطع شجرًا في الحرم، كما ذُكِر.
* * *
٢٠١٠ - وروى الزُّبَير، عن رسول الله ﷺ : أنَّ صَيدَ وَجٍّ وعِضاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّه. ووجٌّ ذكروا أنَّها من ناحية الطَّائف.
قوله: "إن صَيْدَ وَجٍّ وعِضَاهَهُ حِرْمٌ" (الحِرْمُ) والحَرَامُ بمعنى المُحرَّم.
قال الخطابي: لا أعلم سببَ تحريم وَجًّ، فلعلَّه ﵇ حَرَّمها؛ ليصير حمى للمسلمين؛ أي: مرعى لأفراس الغزاة، لا يرعاها غيرهم.
стр. 1437
وسبب تحريم صيد ذلك الموضع، وقطع أشجاره: ليكون لمَنْ سكنه من الغزاة، ولمَنْ مَرَّ به وسكن هناك أيامًا بفَرَحٍ وأُنْسٍ؛ فإن الإنسان يطمئن قلبه بمَسْكَنٍ فيه صيود وأشجار.
وهل يبقى تحريمه أبدًا، أو صار مباحًا بعدما انقرض الزمان الذي عَيَّنَهُ رسول الله ﵇ لتحريم وَجٍّ إن عين زمانًا، أو بعدما انقرض أولئك الغزاة إن عين جماعة؟ ففيه خلاف.
قال الخطابي: ويحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم، وفي مدة محصورة، ثم نُسخ، فعاد: الأمرُ إلى الإباحة كسائرِ بلادِ الحِلِّ، هذا لفظ الخطابي.
ثم قال محيي السنة بعد هذا: وفي هذا المعنى: (النَّقيع) بالنون، وهي حمى حماه رسول الله ﵇ لإبل الصدقة، ونِعَم الجزية، فيجوز الاصطياد؛ لأن المقصود منه منع عامة الناس من رعيه، لا منعهم عن قتل الصيد.
فلو أتلف شيئًا من شجره؟
قال صاحب "التلخيص": عليه غرم ما أتلف كحشيش الحرم، ولا يجوز بيع النَّقيع، ولا بيع شيء من أشجاره كالموقوف.
* * *
٢٠١٣ - وعن جَرِيْر بن عبد الله ﵁، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ الله تعالَى أَوْحَى إليَّ: أَيَّ هؤُلاءِ الثَّلاثَةِ نَزَلْتَ فَهيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: المَدِينَة، أو البَحْرَيْن، أو قِنَّسْرِين".
قوله: "أو قِنَّسْرِين"، وهذا بلد بالشام (١).
стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1439
١١ - كِتابُ البُيُوعِ
стр. 1440
[١١]
كِتابُ البُيُوعِ
(كتاب البيوع) (١)
١ - باب الكَسْب وطلَب الحَلال
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠١٤ - قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما أَكلَ أحدٌ طَعامًا قطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ، وإنَّ نَبيَّ الله داودَ ﷺ كانَ يَأْكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ".
قوله: "ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يديه": هذا الحديث تحريضٌ على الكسب الحلال؛ فإن الكسبَ فيه فوائدُ كثيرةٌ:
إحداها: إيصال النفع إلى المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العملُ لغيره، وبحصول الزيادة على رأس المال إن كان العملُ تجارة، فكذلك الزراعةُ وغرسُ الأشجار.
والثانية: إيصال النفع إلى الناس: بتهيئة أسبابهم من حَوك ثيابهم وخياطتها وغيرهما من الحِرف، وبحصول أقواتهم بأن يشتروا من الأقوات والثمار، وكذلك جميع الأشياء مما يحصل بسعي الناس.
стр. 1441
والرابعة: أن النفسَ تنكسر بالكسب ويقلُّ طغيانُها ومرحُها.
وكلُّ واحدٍ من هذه الأشياء خصالٌ حميدةٌ في الشرع، ينال الرجلُ بها الدرجةَ الرفيعةَ.
وشرطُ المكتسب: أن يعتقدَ الرزقَ من الله الكريم، ونسبةُ الكسب إلى الرزق كنسبة الطعام إلى الشِّبَع؛ فإن الشبعَ لا يحصل من الطعام، بل من الله، فرُبَّ أَكلةٍ تُشبع الآكِلَ إذا قدَّر الله فيها الشبعَ، وربُّ أَكلةٍ لا تُشبع إذا لم يُقدِّر الله فيها الشبعَ، فكذلك رُبَّ مكتسبٍ يحصل له مالٌ إذا قدَّر الله له المال، ورُبَّ مكتسبٍ لا يحصل له المالُ إذا لم يقدَّر الله له المال.
قوله: "إن نبيَّ الله داود ﷺ كان يأكل من عمل يديه"؛ يعني: يعمل الدِّرعَ ويبيعها ويأكل ثمنَها.
هذا الحديثُ لبيان فضيلة الكسب؛ يعني: الاكتسابُ من سُنَنِ الأنبياء، وسُنَنُ الأنبياء فيها سعادةُ الدنيا والآخرة.
فإن قال قائل: الكسبُ ليس بسُنَّةِ نبينا ﷺ ؛ لأنه لم يكن منسوبًا إلى الكسب؟
قلنا: بل هو سُنَّةٌ؛ لأن تحريضَ الناس على الكسب صريحُ رضاه بالكسب، وكلُّ فعلٍ رَضيَ به رسولُ الله ﷺ فهو سُنَّةٌ.
وأما قوله: لم يكن رسولُ الله منسوبًا إلى الكسب، فهذا عدمٌ، والعدمُ ليس بسُنَّةٍ؛ يعني: عدمُ اكتسابه لا يدل على أن عدمَ الكسبِ سُنَّةٌ.
ألا ترى أن النبيَّ - صلي الله عليه وسلم - لم يغسل ميتًا، ومع ذلك غسلُ الميت فرضٌ على الكفاية؟!
ولم يؤذِّن النبي ﷺ ، ومع ذلك الأذانُ سُنَّةٌ؛ لأنه ﷺ أمرَ به.
стр. 1442
روى هذا الحديثَ المقدامُ بن معدي كرب.
* * *
٢٠١٥ - وقال: "إنَّ الله طَيبٌ لا يقبلُ إلا طَيبًا، وإنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ بما أَمَرَ به المُرْسَلينَ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجابُ لذلِكَ؟ ".
قوله: "إن الله طيب"؛ أي: طاهرٌ منزَّهٌ عن صفات الحدوث وعن الظلم، فإذا كان منزَّهًا عن الظلم لا يَقبَل صدقةً من مالٍ مغصوبٍ أو حرامٍ من جهةٍ أخرى، بل لا يَقبَل إلا الطيَّبَ، وهو الحلالُ.
قوله: "وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين"؛ يعني: لا فرقَ بين الرُّسل وبين الأمم في طلب الحلال واجتناب الحرام، بل يجب على جميع الناس طلبُ الحلال واجتنابُ الحرام.
"ثم ذكر الرجلَ يطيل السفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَيه إلى السماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعمُه حرامٌ، ومَشربُه حرامٌ، ومَلبسُه حرامٌ، وغُذي بالحرام؛ فأَنَّى يُستجاب لذلك؟! "، (يطيل السفر)؛ أي: يمشي من مكانٍ بعيدٍ إلى مكةَ لزيارة بيت الله، (أشعث): متفرَّق الرأس من عدم الغسل كعادة الحجاج، (الأغبر): الذي أصابه غُبارٌ في الطريق، (يمدُّ يدَيه)؛ أي: يرفع يدَيه إلى الله يسأله حوائجَه، قوله: (يا رب! يا رب!)؛ يعني: يقول ذاك الرجلُ عند الدعاء: يا ربِّ!
(ومَطعمُه حرام): الواو للحال؛ يعني: في حال كونه آكِلَ الطعامِ الحرامِ، قوله: (وغذي بالحرام)؛ أي: رُبي بالحرام، (فأنى يستجاب)؛
стр. 1443
أي: مِن أين يُستجاب لذلك الدعاء؟! يعني: فلمَّا ذكرَ رسولُ الله ﷺ فضيلةَ الكسب، وفساد أكل الحرام، وفضيلةَ أكل الحلال ذكرَ بعد ذلك الرجلَ الذي يطيل السفرَ؛ أي: ذكرَ حالَ الذي يطيل السفرَ في حال كون مَطعمِه حرامًا، وبيَّن أن دعاءَ من يكون طعامُه وشرابُه ولباسُه حرامًا قلَّ ما يُستجابُ له.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٠١٦ - وقال: "يَأْتِي على النَّاسِ زمانٌ لا يُبالي المَرءُ ما أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الحلالِ أَمْ مِنَ الحَرامِ".
قوله: "يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ ما أَخَذَ منه؛ أَمِنَ الحلالِ أم مِنَ الحرام"، الضمير في (منه) ضمير شيءٍ غيرِ مذكورٍ هنا، والمراد: به المال.
وقد جاء هذا الحديث برواية أخرى، وفيه لفظ: "المال"؛ يعني: لا يبالي بما أخذ من المالِ أحلالٌ هو أم حرامٌ، بل ليس له التفاتٌ إلى الفرق بين الحلال والحرام.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٠١٧ - وقال "الحَلَالُ بَينٌ، والحَرَامُ بَينٌ، وَبَينَهُمَا أُمورٌ مُشتَبهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فَمَنْ اتَّقى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضهِ، ومَن وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ".
стр. 1444
قوله: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ"؛ يعني: بعضُ الأشياء ظاهرٌ كونُه حلالًا؛ مثل النبات والأشجار في الموات، ومثل ماء البحر والأنهار والعيون في الموات، ومثل ما عَلِمَ الرجلُ كونَه حلالًا، وبعضُ الأشياء ظاهرٌ كونُه حرامًا؛ كالخمر وأخذ مال أحدٍ بغير حقًّ وغير ذلك، وبعضُ الأشياء مُشبَّهٌ كونهُ حلالًا أو حرامًا.
ومعنى (اشتبه): خَفِيَ؛ أي: خَفِيَ عليه كونُه حلالًا أو حرامًا؛ مثل أن يأتيك من بعض ماله حلالٌ، وبعض ماله حرامٌ، وأعطاك شيئًا من ماله بعِوَضِ ما اشترى منك، أو بالصدقة أو الضيافة، وأنت لا تعلم أنه من ماله الذي هو حلالٌ أم من ماله الذي هو حرامٌ؛ فهذا هو مالُ الشُّبهة، هذا إذا كان مالُه الحلالُ متميزًا عن ماله الحرام، وأنتَ لا تعلم أن ما أعطاك هو مِن أيهما، أما إذا خُلِطَ الحرامُ بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر صار جميعُ ذلك المخلوط حرامًا في حقِّ مَن يعرف كونَ ذلك المال مخلوطًا من الحلال والحرام، فإذا عرفتَ هذه القاعدةَ فاعرف أن الحرامَ واجبٌ اجتنابُه، والشُّبهةَ مكروهٌ أخذُها، ولكن ليس بحرامٍ.
واعلم أنَّا نحكم بحلال أموال جميع المسلمين والكفار لمُلَّاكهم، ولمَن أخذه مِن مُلَاّكهم بطِيب أنفسهم، إلَّا من تيقنَّا كونَ ماله حرامًا، مثل ثمن الخمر، والكلب، والخنزير وأجرة المُغنِّي غناءً حرامًا، وأجرة الزانية، وغير ذلك مما تيقنَّا بكونه حرامًا، فإنَّا نَحكم حينَئذٍ بكونه حرامًا، وما لا نعرف كونَه حرامًا، ولكن نعرف أن له مالًا حلالًا وحرامًا نَحكم بكونه ماله الشُّبهة، وما سوى ذلك فهو حلالٌ، ومالُ الكفَّار يجوز للمسلمين أخذُه إذا كانوا حربيين؛ أي: ليس بينهم وبين المسلمين ذِمَّةٌ وعهدٌ.
قوله: "فمَن اتَّقى الشُّبهاتِ استَبْرَأ لدِينِه وعِرْضه"، (اتقى)؛ أي: حَذِرَ
стр. 1445
واجتَنَبَ، (استبرأ لدينه وعرضه)؛ أي: طلبَ الطهارةَ لدِينِه وعِرْضه، و (العِرض): يحتمل أن يكون بمعنى النفس هنا، ويحتمل أن يكون بمعنى الصفات؛ يعني: طهَّر دِينَه وبدنَه وصفاتِه من العقوبة، ومِن أن يشتمَه ويذمَّه أحدٌ لقلة المبالاة بالشُّبهات؛ فإنَّ مَن أكلَ الشُّبهاتِ يمكن أن يأكلَ مالًا حرامًا وهو لا يدري كونَه حرامًا، فيجب له العقوبةُ، ولا يكون معذورًا عند الله تعالى بأكل الحرام ولا يدري كونَه حرامًا، وكذلك ينسبه الناسُ إلى ترك التقوى وقلة المبالاة بطلب الحلال.
قوله: "ومَن وقع في الشُّبهاتِ وقعَ في الحرام"؛ يعني: مَن لم يجتنبِ الشُّبهاتِ يمكن أن يقعَ في الحرام بطريقَين:
أحدهما: أن يأكلَ حرامًا وهو يظنُّه حلالًا، والثاني: أن يقسوَ قلبُه بأكل الشُّبهاتِ، فإذا قسا قلبُه بأكل الشُّبهات يجترئ بأكل الحرام ولا يبالي.
"الحمى": الروضة التي أَمَر السلطانُ ألا يرعاها أحدٌ؛ ليرعاها مَن أراد السلطان.
"يوشك"؛ أي: يسرع ويَقرُب.
"أن يرتعَ فيه"؛ أي: يرعاه.
قوله: "ألا وإن لكل مَلِكٍ حِمًى"، (ألا) معناه: اعلم، يقال للواحد والأكثر، والمذكر والمؤنث، وبهذا اللفظ من غير تغيير؛ يعني: كلُّ مَلِكٍ من الملوك يحمي حِمًى؛ أي: يحفظُ روضةً، ويمنع الناسَ عن أن يرتعوه، فكذلك الله تعالى يحمي حِمًى، وينهى الناسَ عن أن يدخلوه ويَقْرَبوه، وهو المحَّرمات، فكما أن مَن دخلَ حِمَى المَلِك يستحقُّ أن يعذِّبَه ذلك المَلِكُ، فكذلك مَن فعلَ شيئًا مما حرَّمه الله استحقَّ أن يعذَّبَه الله، فإن شاء الله عذَّبه، وإن شاء غفرَ له.
قوله: "وإن في الجسد لَمُضغةً إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا
стр. 1446
فسدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب"، (المُضغة): قطعة لحم، مَثَلُ القلب كمَثَلِ فتيلة السِّراج؛ فالفتيلة تحتاج إلى أربعة أشياء: النار، والدُّهن، ونظافة المِسْرَجة، وهي الظَّرف الذي فيه الدُّهن والفتيلة، والرابع عدم المزاحم، فلو لم يكن على الفتيلة نارٌ لم يكن لها نورٌ، ولو كانت عليها نارٌ ولم يكن لها دهُنٌ ينطفئ نورُها عن قريبٍ، ولو كان لها نارٌ ودهُنٌ، ولكن يكون ظَرفُها ملوثًا بالوسخ والدُّرْدِي لا يكون نورُها على الكمال، ولو كان ظرفُها نظيفًا ولكن يكون لها مزاحمٌ - ونعني بالمزاحم: الريح - فإن كانت الريحُ شديدةً تُطفئ نورَها، وإن لم تكن شديدةً لا تُطفئها، ولكن تحرِّكها ويفرَّق نورُها، فلا يكون نورُها كاملًا، فإذا اجتمعت هذه الأشياءُ فقد كملَ نورُها، ويُنوَّر البيتُ، ورأى الحاضرون ما في البيت، وميزوا بين ما فيه النفعُ والتلذُّذُ من الأطعمة والثياب وغير ذلك مما في البيت، وبين ما فيه الضرُّ والهلاكُ كالحية والعقرب، وكشوكٍ وسكِّينٍ وسيفٍ واقعٍ في البيت، فيتمتَّعوا بما فيه النفعُ، واحترزوا عما فيه الضرُّ والهلاكُ، وإن لم يكن السِّراجُ لَمَا ميَّزوا بين النافع والضارَّ، فربما يضعُوا أقدامَهم على حيةٍ أو عقربٍ أو شوكٍ، فيهلكوا أو أصابهم مضرَّة ذلك.
فالقلبُ مِثْلُ الفتيلة، والصدرُ مِثْلُ المِسْرَجةِ، والإيمانُ مِثْلُ النارِ. والإتيانُ بالأوامر مِثْلُ الدُّهنِ، وحبُّ الدنيا وأكلُ الحرام والبغضُ والحسدُ والعداوةُ، وغير ذلك من المناهي مثلُ وسخِ المِسرَجة، والاعتقاداتُ الفاسدةُ مِثْلُ الريحِ، فإن كان الاعتقادُ شِرْكًا، أو تحريمَ حلالٍ، أو تحليلَ حرامٍ، أو إنكارَ واجبٍ يُطفِئ نورَ الإيمان بالكلية.
وإن كان الاعتقادُ بدعةً لا يُطفِئ نورَ الإيمان بالكلية، ولكن يَنقصُ نورَها، فإذا اجتمع للقلب نارُ الإيمان، ودُهنُ الإتيان بالأوامر، ونظافةُ مِسْرَجة الصدر عما لا يليق، وعدمُ مزاحم ريح الاعتقادات الفاسدة؛ فقد كملَ نورُ القلب،
стр. 1447
وظهرَ للرجل بنور القلب حقيقةُ الأشياء، فيفرِّق الأعمالَ النافعةَ من الضارَّةِ، والمُنجِيةَ من المُهلِكةِ، فيعمل المُنجِيةَ والنافعةَ، ويَدَعُ المُهلِكةَ والمُضرَّةَ؛ فهذا صلاحُ الجسدِ، وهذا الصلاحُ نتيجةُ صلاحِ القلب. وإن فسدَ القلبُ بأن ينعدمَ شيءٌ من هذه الأشياء يسودُّ القلبُ، ويُظلم بيتُ الصدر، فلا يعرف الرجلُ المُنجِيَ من المُهلِكِ، ويتخبَّط في الأعمال، فربما يكون جميعُ أعماله قبيحًا، أو أكثرُها قبيحًا؛ وهذا فسادُ الجسدِ، وهو نتيجةُ فسادِ القلب.
روى هذا الحديثَ نُعمان بن بَشير.
* * *
٢٠١٨ - وقال: "ثَمَنُ الكلبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ".
قوله: "ثمنُ الكلبِ خبيثٌ"؛ أي حرامٌ؛ لأنه لا يجوز بيعُ الكلب، ولا ضمانَ على مُتلِفِه، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعُه، ويَضمنُه مُتِلفُه، وقال مالك: لا يجوز بيعُه، ولكن يَضمنُه مُتِلفُه.
قوله: "ومَهْرُ البَغيِّ حرامٌ"، (البغي): الزانية، و (مَهرُها): ما يعطيها الزاني ليزنيَ بها، وهو حرامٌ بالإجماع، وجماعةٌ من العوام يقولون: ذلك حلالٌ, حتى يقولون: أفضلُ مالٍ ينفقُه الرجلُ في سبيل الحجِّ مَهْرُ البَغِيِّ، وهذا كفرٌ؛ لأن مَن اعتقدَ تحليلَ شيءٍ هو مُحرَّمٌ بالإجماع فقد كفرَ.
قوله: "كَسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ"، (الخبيث) ها هنا بمعنى: المكروه؛ لأن رسولَ الله - صلي الله عليه وسلم - أتى أبا طَيبةَ ليحجمَه، وأعطاه الأجرةَ، ولو كان كسبُه حرامًا لم يُعطِه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - الأجرةَ؛ لأنه لا يجوز له ﷺ أن يُعطيَ شيئًا حرامًا، أو يأمرَ أحدًا بكسبٍ حرامٍ.
стр. 1448
وقال أهل الظاهر: هو حرامٌ؛ لأن ظاهرَ الخبيثِ الحرامُ أو النجسُ؛ ليس على هذا القول أحدٌ من الأئمة الأربعة.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٠١٩ - وعن أبي مَسْعُود الأَنْصاري ﵁: أَنَّ رسُولَ الله - صلي الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ.
قوله: "نهى عن ثمن الدم" (١)، اعلم أن الدمَ حرامٌ أكلُه وبيعُه بالإجماع.
قوله: "وحُلوان الكاهن"؛ أي: أجرة الكاهن، (الكاهن): مَن يُخبر عن شيءٍ غائبٍ، أو عن شيءٍ سيحدث، أو عن طالعِ أحدٍ بالسَّعد والنَّحس، والدولة والمحنة، وكلُّ ذلك حرامٌ؛ لأن كلَّ ذلك إخبارٌ عن الغيب، ولا يعلم الغيبَ إلا الله أو مَن يُخبره الله عن شيءٍ غائبٍ، كما أَخْبَرَ أنبياءَ الله عن الأشياء الغائبة بأن أخبرَهم الله، وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]، ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾؛ أي: فلا يُطلِع على الغيب أحدًا إلا مَن شاء الله مِن رُسلِه، فإنه أطلعَهم على بعض علوم الغيب؛ ليكونَ لهم معجزةً.
وإذا ثبت تحريمُ الكهانة تكون أجرتُه حرامًا، ومَن اعتقد كونَ الكهانة حقًّا فقد كفر؛ لأنه خالَفَ قولَ الله تعالى واعتقدَ شريكًا لله في علم الغيب، ومِن العوام والمنجِّمين مَن يزعم أن معرفةَ النُّحوسة والسعادة، والفقر والغناء، وغير ذلك يُعرَف بالنجوم؛ لأنه جعلَ الله لكل نجمٍ خاصيَّةً في طلوعه وغروبه، فبعضُ
стр. 1449
النجومِ يدلُّ طلوعُه على كثرة المال للإنسان، وبعُضها يدلُّ على الفقر والمرض، وغير ذلك من الأحوال.
ويقولون: هذا مثل للأدوية والنبات، فإثه خَلَقَ في كل أدويةٍ ونباتٍ نفعًا أو ضرًّا، فبعضُها يَقتل، وبعضُها يُمرض، وبعضُها يَشفي، وغير ذلك من أنواع النفع والضُّرِّ.
فنقول: هذا القياسُ خطأ؛ لأن رسولَ الله ﷺ أمرَ بالمداواة بالأدوية وبعض النبات، وداوَى نفسَه وأهلَه، وبيَّن خاصيةَ بعض النبات والأدوية.
فعَلِمْنا بفعله وقوله - صلي الله عليه وسلم - جوازَ المداواة وخاصيةَ بعض النبات، وأما معرفةُ الأشياء بالنجوم فلم يَرِدْ مِن الشارع في ذلك رخصةٌ، بل وردَ النهيُ والزجرُ عن ذلك بقوله ﷺ : "مَن أتى عرَّافًا، فسأله عن شيءٍ لم يُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً"، وبقوله: "مَن اقتبسَ علمًا من النجوم اقتبسَ شُعبةً من السِّحر"، وبقوله: "مَن أتى كاهنًا، فصدَّقه بما يقول فقد بَرِئ مما أنزَل الله على محمد ﷺ ".
وهذه الأحاديثُ من (باب الكهانة)، وكم مِثلُ هذه الأحاديث ورد في الزجر عن الكهانة وعن إتيان الكاهن، يأتي شرحها في (باب الكهانة) إن شاء الله .
واعلم أنه يجوز تعلُّمُ علمِ النجوم بَقْدرِ ما يُعرَف به الأوقات.
وروى هذا الحديثَ - أعني: حديث النهي عن ثمن الدم - أبو مسعود الأنصاري.
* * *
٢٠٢٠ - وعن أبي جُحَيْفَةَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ البَغِيِّ، ولَعَنَ آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلَه، والواشِمةَ، والمُسْتَوْشِمةَ، والمُصَوِّرَ.
стр. 1450
قوله: "ولعن آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه"، فـ (الآكِل): هو الذي يُعطي المالَ ويأخذ زيادةً على ما أَعطَى، و (المُوكِل): هو الذي يُعطي الزيادةَ، ويأتي بحث الربا.
قوله: "والواشمة والمُستوشِمة"، (الواشمة): المرأة التي تَشِمُ الوَشْمَ على يد امرأةٍ، و (المُستوشِمة): المرأة التي تطلب أن يُجعَل على يدها وشمٌ، وكذلك حكمُ الرجال.
والوَشْم: أن تغرزَ امرأةٌ إبرةً على يدها أو يد غيرها حتى يخرجَ منها دمٌ، ثم تلقي على تلك الجراحة شيئًا من دخان الشحم حتى يسودَّ، أو من ماءٍ معصورٍ من الخضراوات حتى تخضرَّ، وهذا الفعلُ حرامٌ؛ لأنه تغييرُ خلقِ الله، ولأن هذا مِن فعلِ الفُسَّاق والجُهَّال.
قوله: "والمُصوِّر": الذي يصنع صورَ الحيوانات، ويأتي بحثُه في موضعه إن شاء الله تعالى.
* * *
٢٠٢١ - عن جابرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ عامَ الفَتْحِ وهو بمَكَّةَ: "إنَّ الله ورسُولَهُ حَرَّمَ بَيع الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنامِ"، فقيل: يا رَسُولَ الله!، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّهُ يُطْلَى بها السُّفُنُ ويُدْهَنُ بها الجُلُودُ ويَسْتَصْبحُ بها النَّاسُ؟، فقال: "لا، هو حَرامٌ"، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذلِكَ: "قاتلَ الله اليَهُودَ، إنَّ الله لمَّا حَرَّمَ شُحُومَها جَمَلوها ثُمَّ باعوها فَأَكَلُوا ثَمنَها".
٢٠٢٢ - عن عمرَ ﵁: أنَّ رسُولَ الله - صلي الله عليه وسلم - قال: "قاتَلَ الله اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا".
قوله: "والأصنام"، وهي جمع: صَنَم، وهو ما يعبده الكفَّار من حَجَرٍ وغيره.
стр. 1451
قال الخطابي: كما لا يجوز بيعُ الصنم لا يجوز بيعُ كلِّ شيءٍ مصوَّرٍ إذا كانت صورتُه مقصودةً، والشيءُ الذي فيه الصورةُ تبعًا للصورة، أما إذا كان المقصودُ ذلك الشيءَ الذي فيه لا الصورةَ يجوز بيعُه، مثل: آنيةٍ أو بابٍ أو بيتٍ فيها صورةُ حيوان، والمُحرَّم إنما هو تصويرُ صورة الحيوان، أما تصويرُ صورةِ غير الحيوان فلا بأسَ به (١).
قوله: "أرأيتَ شحومَ الميتة"؛ يعني: ما حكمُ شحومٍ تُذابُ ويُطلَى بها السُّفُنُ ويُصلَح بها الجلودُ لتصيرَ لينةً، ويَستصبح بها الناسُ، هل يجوز أم لا؟
فقال ﷺ : "لا".
واعلم أنه مَن اشترى شحومَ الميتة لهذه الأشياء لا يجوز البتةَ، وإن كان له دابةٌ ميتةٌ، أو ألقى أحدٌ دابةً ميتةً فأخذ شحمَها وأذابَه وطَلَى أسفلَ سفينته أو جانبًا منها لا يَصِلُ إلى بدن الذي يركب تلك السفينةَ، ولا إلى ثيابه؛ يجوز، ويجوز الاستصباحُ بالدُّهن النَّجِس، ولا يجوز بيعُه.
قوله: "قاتَلَ الله اليهودَ! إن الله لمَّا حرَّم شحومَها أَجمَلُوها ثم باعوها، فأكلوا ثمنَها"، (القتل): اللعن، والقتل: هو القتل المعروف، وكلا المعنيَينِ محتملٌ هنا.
الضمير في (شحومها) يعود إلى غير المذكور هنا، والمراد منه: البقر والغنم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]،
стр. 1452
الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾: لليهود، وفي ﴿شُحُومَهُمَا﴾: للبقر والغنم.
والضمير في (شحومها) في الحديث: ضمير للبقر، وضمير (الغنم) كل واحدٍ منها على الحِدَةِ؛ لأنه لو أراد كلاهما لقال: شحومهما, كما في القرآن.
والبقر والغنم: اسم الجنس، واسم الجنس يجوز تأنيثُه؛ لأنه في المعنى جمعٌ، والجمعُ مؤنثٌ. والضمير في (أجملوه) و (باعوه): ضمير الشحم، لا ضمير الشحوم، وإن كان المذكورُ في الحديث هو الشحومَ لا الشحمَ.
ويجوز في مثل هذا الموضع أن يذكَّر الجمعُ ثم يذكَّر بعد ذلك ضميرُ فردٍ من ذلك الجمع، فإن الشحمَ فردٌ من الشحوم، فذكَّر ضميرَ الشحم بعد ذكر الشحوم، ومعنى (أجملوه): أذابوه؛ يعني: كانت اليهودُ يُذيبون الشحمَ ويقولون: إذا أُذيبَ الشحمُ قد يُزال عنه اسمُ الشحم، وصار اسمه وَدَكًا، وإنما حُرِّمَ علينا الشحمُ لا الوَدَكُ، فيجوز لنا بيعُ الوَدَك وأكلُه، فبيَّن رسولُ الله ﷺ فسادَ هذا التأويل، بل إذا حُرِّمَ عليهم الشحمُ فلا يحلُّ بأن يتبدَّل اسمُه.
* * *
٢٠٢٣ - وعن جابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ.
قوله: "نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور": مضى بحث بيع الكلب، وأما بيعُ السِّنَّور؛ فكَرِهَ أبو هريرة وجابر وطاوس ومجاهد لظاهر هذا الحديث، ولم يَكْرَه غيرُهم، وما نُقل عن أحدٍ تحريمُ بيعِه.
قال الخطابي: ورد النهي عن بيع السِّنَّور لمعنيين:
أحدهما: أنه حيوانٌ وحشيٌ لو رُبطَ لا يُنتفَع به؛ لأن انتفاعَه أخذُ الفأرة، ولو رُبطَ لا يمكنه أخذُ الفارة، فلا يُنتفَع به، ولو لم يُربَط ربما ينفر، فيضيع مالُ
стр. 1453
الرجل الذي صرفَه في ثمنه.
والمعنى الثاني: أنه لو لم يُنْهَ عن بيعه لَتَبَايَعَ الناسُ عليه، فيشتريه مَن له ثمنُه، فينتفع به، ويُحرَم من انتفاعه الفقراءُ الذين ليس لهم مالٌ يشترونه، فنهى رسولُ الله ﷺ عن بيعه؛ لئلا يتملَّكَه الناسُ، فيحُرَم بعضُ الناس عن انتفاعه، بل نهاهم لينتفعوا به كلُّهم، فينتقل السِّنَّور من بيتٍ إلى بيتٍ، ويأخذ الفأرةَ؛ كيلا يتأذى الناس بكثرة الفأرة، وهذا النهي ليس نهيًا يمنع انعقادَ بيعه، بل نهيٌ لمصلحة الناس.
* * *
٢٠٢٤ - عن أنسٍ ﵁ قال: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رسُولَ الله ﷺ ، فَأَمَرَ له بصاعٍ من تَمرٍ، وأَمَرَ أهلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عنهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
قوله: "وأمرَ أهلَه أن يخفِّفوا عنه من خَرَاجه"؛ يعني بـ (أهله): ساداته، وساداته قد وضعوا عليه خراجًا؛ يعني: قالوا له: أَعِطنا كلَّ شهرٍ كذا من المال، والباقي من كسبك لك، فلما حجمَ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلم - فأمر ساداته أن ينقصوا من ذلك الخراج شيئًا.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٢٠٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ أَطْيَبَ ما أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبكُمْ، وإنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبكُمْ".
وفي رواية: "إِنَّ أَطْيَبَ ما أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبهِ، وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبهِ".
قوله: "وإن أطيبَ ما أكلتُم مِن كسبكم، وإن أولادَكم مِن كسبكم":
стр. 1454
(أطيب)، أفعل التفضيل من: الطيب، وهو الحلال، وهو أحسنُ الحلالات ما تكسبون بأيديكم. و (أولادكم من كسبكم)؛ يعني: حصل لكم الأولادُ بواسطة تزوُّجِكم، وإن كان أولادُكم من جملة أكسابكم فيجوز لكم أن تأكلوا من كسَب أولادِكم؛ لأن كسبَ أولادِكم ككسبكم، وإنما يجوز للآباء الأكلُ من مال الأولاد إذا كانوا محتاجين، وليس لهم مالٌ، وإذا كان كذلك يجب نفقتُهم وكسوتُهم على أولادهم، فيجوز لهم الأكلُ من مال أولادهم برضاهم وغير رضاهم، وفي حضورهم وغيبتهم، وإذا لم يكونوا محتاجين فلا يجوز لهم الأكلُ من مال أولادهم إلا بطِيب أنفسهم.
* * *
٢٠٢٦ - وعن عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁، عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أنَّه قال: "لا يَكْسِبُ عَبْدٌ مالًا حَرَامًا، فَيَتَصَدَّقَ مِنهَ فيُقْبَلَ مِنْهُ ولا يَنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكَ له فيهِ، ولا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إلَّا كانَ زادَهُ إلى النَّارِ، إنَّ الله لا يَمْحُو السَّيئَ بالسَّيئِ ولكن يَمْحُو السَّيّئَ بِالحَسَنِ، إنَّ الخَبيثَ لا يمحوُ الخَبيثَ".
قوله: "إن الله لا يمحو السيئَ"؛ يعني: التصدُّقُ بالمالِ الحرامِ سيئةٌ، فلا يُزيل الله سيئةَ العمل بهذه السيئة؛ أعني: التصدُّقَ بالمال الحرام.
* * *
٢٠٢٧ - وقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لحمٌ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ، وكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ كانَتِ النَّارُ أوْلَى بِهِ".
قوله: "لا يدخل الجنةَ لحمٌ نبتَ من السُّحت"، (السُّحت): الحرام؛ يعني: لا يدخل الجنةَ مَن أكلَ الحرامَ، وغُذي بالحرام، حتى يُحرَق بالنار اللحمُ الذي نبتَ بالحرام، فإذا طُهِّرَ بالنار من الحرام يدخل الجنةَ، هذا ليس بقطعيٍّ؛ يعني: دخوله
стр. 1455
النار، بل ربما يكون له حسنةٌ تُدفَع حسنتُه إلى الذي أكلَ مالَه، فتتبرأ ذِمتُه عن المظلمة، وربما يُرضي الله تعالى خصمَه بكرمه ورحمته، حتى لا يحتاج إلى دخول النار، وحينَئذٍ يكون تأويلُ هذا الحديث: أنه قال ﷺ للزجر والتهديد.
روى هذا الحديثَ جابر.
* * *
٢٠٢٨ - عن الحسنِ بن عليٍّ ﵄ أنَّه قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يقولُ: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى مالا يَرِيبُكَ، فإن الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وإنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ".
قوله: "دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك"، (أراب يُريب) و (راب يَرِيب): إذا أَوقعَ أحدًا في الشك، ولفظة (إلى) متعلقة بفعل محذوف؛ أي: اترك ما شككتَ فيه، واذهب إلى ما لا شك فيه؛ يعني: خُذْ ما أيقنتَه حسنًا وحلالًا، واتركْ ما شككت في كونه حسنًا أم قبيحًا، وفي كونه حلالًا أم حرامًا.
قوله: "فإن الصدقَ طمانينةٌ، وإن الكذبَ ريبةٌ"، (الطمأنينة): السكون، و (الرِّيبة): الشك والتهمة؛ يعني: إذا سمعتَ صدقًا يسكن قلبُك بذلك، وإذا سمعتَ كذبًا لا يستقرُّ ذلك الكلام في قلبك؛ يعني: خُذْ من الأفعال والأقوال والأموال ما اطمأنَّ قلبُك بكونه حقًّا، ودَعْ ما شككتَ في كونه حقًّا أم باطلًا.
* * *
٢٠٢٩ - عن وَابصَةَ بن مَعبدٍ ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا وَابصَةُ! جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البرِّ والإِثْمِ"؟، قلتُ: نَعَمْ، قال: فَجَمَعَ أَصابعَهُ فَضَرَبَ بها صَدْرَهُ وقال: "اِسْتَفْتِ نفسَكَ واَسْتَفتِ قَلْبَكَ، ثلاثًا، البرُّ ما اَطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ نفسُك واَطْمَأَنَّ إلَيْهِ قلبُك، والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ".
стр. 1456
قوله: "فجمع أصابعَه فضرب بها صدرَه"، الضميران يعودان إلى رسول الله ﷺ ، أشار إلى صدره وقال: يا وابصةُ! فما سَكَنَ قلبُك على أنه حقٌّ فخُذْ؛ فإن في سكون القلب علامةَ كونِ ذلك الشيء حقًّا، وما شككت في كونه حقًّا أم باطلًا فاتركْه، "وإن أفتاك الناس"؛ أي: وإن قال لك الناس: إنه حقٌّ فلا تأخذْ بقولهم، فإن بعضَ الناس يُوقِع بعضًا في الغلط وفي أكل الشُّبهة وفي أكل الحرام.
مثال هذا: أن المفتي يفتي بأن كلَّ مالٍ لم يُتيقَّن كونُه حرامًا جازَ لك أكلُه، فإن ترى رجلًا له مالٌ حلالٌ وحرامٌ فلا تأكلْ من ماله شيئًا، وإن أفتاك المفتي؛ من خوف أن تأكلَ الحرامَ؛ لأن الفتوى غيرُ التقوى، فإن الفتوى: الحكم على ظاهر الأشياء، والتقوى: الاحتياط في الأمور بأن يجتنبَ الرجلُ من الشُّبهاتِ، أو يعدل عنها إلى ما يَتيقَّن كونَه حلالًا.
قوله: "استفتِ"؛ أي: اطلبِ الفتوى.
قوله: "حاكَ"؛ أي: تردَّد، من (حاكَ يَحِيكُ): إذا تردَّد شيء في القلب، ولم يستقرَّ القلب عليه.
* * *
٢٠٣٠ - عن عَطِيَّة السَّعْدِيِّ ﵁ أنّه قال، قال النبيُّ ﷺ : "لا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حتَّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ".
قوله: "حتى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا لِمَا به بأسٌ"؛ يعني: حتى يتركَ ما ليس به إثمٌ؛ من خوف أن يقع فيما فيه إثمٌ، فإن المتقي يترك بعضَ الحلالات من خوف أن يقع في الشُّبهة، ويتركُ الشُّبهةَ من خوف أن يقع في الحرام، ويتركُ التكلُّم ببعض المباحات من خوف أن يتكلم بفحشٍ أو كذبٍ، ويترك روايةَ
стр. 1457
حديثٍ لا يعرف راويه، أو يعرفه ولكن لا يعتمد على روايته؛ من خوف أن يكونَ ذلك الحديثُ موضوعًا.
روى هدا الحديثَ عطية السَّعدي.
* * *
٢٠٣١ - عن أنسٍ ﵁ قال: لَعَنَ رسُولُ الله ﷺ في الخَمْرِ عَشْرةً: عَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَهَا، وشَارِبَها، وحَامِلَهَا، والمَحْمُولَة إِلَيْهِ، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، وآكِلَ ثَمَنِهَا، والمُشْتَرِيَ لها، والمُشْتَرَاةَ لَهُ.
قوله: "ومُعتصِرها"؛ أي: الذي يطلب عصرَها.
"والمحمولة إليه"؛ أي: الذي يحمل أحدٌ الخمرَ لأجله.
"والمشتري لها، والمشترَى له"؛ أي: الذي يشتري الخمرَ بالوكالة لأحدٍ، والذي اشتراها الوكيلُ له؛ أي: المُوكِّل.
* * *
٢٠٣٢ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله الخَمْرَ، وشَارِبَهَا، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وعَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَها، وحَامِلَهَا، والمَحْمُولَة إلَيْهِ".
قوله: "ومبتاعَها"؛ أي: مشتريَها.
* * *
٢٠٣٣ - وعن مُحَيصَةَ ﵁: أنَّه اِسْتَأْذَنَ رسُولَ الله ﷺ في إِجَارَةِ الحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قال: "اِعْلِفْهُ ناضحَكَ وأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ".
стр. 1458
قوله: "استأذن رسولَ الله ﷺ في إجارة الحجَّام": ذكرنا بحث كسب الحجَّام.
قوله: "اعلِفْه ناضحك"، (الناضح): الجَمَل الذي يُستقَى به الماء؛ يعني: اصرِفْ ما تكسب بالحجامة في علف دوابك ونفقة عبيدك وإمائك، فإن فيه كراهيةً؛ لأنه حصل باستعمال النجاسة، وهو التلوُّث بالدم، ويُقاس على هذا أكلُ حرافة يتلوَّث صاحبُها بالنجاسة مثل: الدَّباغين، والكنَّاسين وغيرهم.
روى هذا الحديثَ المُحيصة.
* * *
٢٠٣٥ - وعن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَبيعُوا القَيْنَاتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، وثَمَنُهُنَّ حرامٌ، وفي مِثلِ هذا أُنْزِلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ". (ضعيف).
قوله: "لا تبيعوا القَيْنَاتِ"، (القينات) جمع: قَيْنَة، وهي الجارية المغنِّية، وسبب النهي: أن الغناءَ حرامٌ؛ لأنها مُهيجةٌ لميل الزِّنا في الطباع، وخاصة إذا كانت بصوت النساء، وإذا كان الغناءُ سببَ الوقوع في الزنا يكون حرامًا.
قوله: "ولا تعلِّموهن"؛ أي: ولا تعلِّموهن هذه الصنعةَ.
قوله: "وفي هذا أُنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ "، قال مكحول: مَن اشترى جاريةً ضرَّابةً ليمسكَها لغنائها وضربها مقيمًا حتى يموتَ لم أُصلِّ عليه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦].
أراد مكحول بقوله: ضرَّابة؛ أي: تضرب الطنبورَ وغيرَه من آلة الملاهي.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾؛ أي: وبعض الناس
стр. 1459
يشتري بالغناء والأصوات المحرَّمة التي تلهيه عن ذكر الله تعالى وتوقعه في الزنا.
٢٠٣٤ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ الزَّمَّارَةِ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن ثمن الكلب وكسب الزَّمارة": التي تزمر بالناي، وهو حرام؛ لأن النايَ من عادة شاربي الخمر، أعاذنا الله منها.
* * *
٢ - باب المُساهلةِ في المُعاملةِ
(باب المساهلة في المعاملة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٣٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اَشْتَرَى، وإذا اَقْتَضَى".
قوله: "سَمْحًا"؛ أي: سَهْلًا.
قوله: "إذا اقتضى"؛ أي: إذا طلبَ دَينًا له على غريمٍ يكون طلبُه بالرِّفق، ولا يطلب بالعنف.
روى هذا الحديثَ جابر.
* * *
٢٠٣٨ - وقال: "إنَّ رَجُلًا كانَ فيمَنْ قبلَكُمْ أتاهُ المَلَكُ ليَقْبضَ رُوحَهُ، فقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟، قال: ما أعلَم شيئًا، قيلَ لهُ: انْظُرْ، قال:
стр. 1460
ما أَعْلَمُ شَيْئًا غَيرَ أَنِّي كُنْتُ أُبايعُ النَّاسَ في الدُّنْيَا وأُجازِيهِم، فأُنْظِرُ المُوسِرَ وأتجاوَزُ عن المُعْسِرِ، فأدخَلَهُ الله الجنَّة.
وفي روايةٍ: "قالَ الله: أنا أحَقُّ بِذا مِنْكَ، تَجاوَزُوا عَنْ عَبْدِي".
قوله: "قيل له: هل عملتَ من خيرٍ؟ " هذا السؤال منه في القبر.
قوله: "وأجازيهم"؛ أي: فأَحسِن إليهم.
"فأُنظِر المُوسِر"؛ أي: فأُمهل الغني؛ يعني: إذا كان لي دَينٌ على أحدٍ لم كن أُضيق عليه، بل كنت أخَّرته عن وقت الأداء إلى وقت آخر، وإن كان له قدرةٌ على الأداء.
"وأتجاوز عن المُعسِر"؛ أي: وأُبرئ ذِمتَه عن دَيني.
قوله: "أنا أحقُّ بذا"؛ أي: أنا أَولى بهذا الكرم والتجاوُز، فإذا جاوزتَ عن عبادي وساهلتَهم في المعاملة فقد جاوزتُ عن ذنبك.
روى هذا الحديثَ أبو مسعود الأنصاري.
* * *
٢٠٣٩ - وقال رسولُ الله ﷺ "إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ في البَيْعِ؛ فإنَّهُ يُنَفِّقُ ويَمْحَقُ".
قوله: "وإياكم وكثرةَ الحَلِف في البيع"؛ أي: احذروا من كثرة الحَلِف في البيع؛ فإن كثرةَ الحَلِف في البيع "ينفِّق"؛ أي: يجعل المتاعَ رابحًا حلوًا في نظر المشتري، ولكن "يمحق"؛ أي: ينفي البركةَ من الثمن.
روى هذا الحديثَ أبو قتادة.
* * *
стр. 1461
٢٠٤٠ - وفي روايةٍ: "الحَلفُ مَنْفَقَةٌ للسِّلْعَةِ ومَمْحَقَةٌ للبَرَكَةِ".
قوله: "مَنفْقَة" بفتح الميم؛ أي: جاعلُ المتاعِ رابحًا.
"للسلعة": المتاع.
قوله: "مَمْحَقة" بفتح الميم؛ أي: مُزِيلة مُذْهِبة للبركة.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٠٤١ - وعن أبي ذرّ ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ الله يومَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إليْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ". قالَ أبو ذَرٍّ: خابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يا رَسُولَ الله؟، قال: "المُسْبلُ إزارَهُ، والمنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلفِ الكاذبِ".
قوله: "لا يكلمهم الله"؛ أي: ما يُسمعهم ما يسرُّهم من الكلام، بل يُسمعهم ما يُحزنهم.
قوله: "ولا ينظر"؛ أي: ولا ينظر إليهم بنظر الرحمة.
"ولا يزِّكيهم"؛ أي: ولا يطهِّرهم من ذنوبهم، بل يعذِّبهم بها.
قوله: "المُسبل"؛ أي: الذي أَسبلَ ثوبَه؛ أي: طوَّل ذيلَه بحيث يجرُّ على الأرض من الكِبْر.
قوله: "والمنَّان"، يريد بـ (المنَّان): الذي يعطي الناسَ شيئًا ويمنُّ عليهم؛ أي يقول: أعطيتُ فلانًا كذا؛ ليُظهرَ سخاءَ نفسه، وإذلالَ وتحقيرَ ذلك الفقير.
قوله: "والمنفِّق"؛ أي: الذي يُرَوِّج متاعهَ بالحَلف الكاذب، مثل أن يقول البائع للمشتري: اشتريتُ هذا بمئة دينار والله، ولم يشترِها بمئة، بل بأقل من مئة،
стр. 1462
وإنما يحلف أنه اشتراه بمئة دينار؛ ليظنَّ المشتري أن ذلك المتاعَ يساوي مئةَ دينارٍ أو أكثرَ، فيرغب في شرائه.
* * *
٢٠٤٣ - عن قيسِ بن أبي غَرَزةَ ﵁ قال: مَرَّ بنا رسولُ الله ﷺ فقال: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إنَّ البَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغوُ والحَلِفُ فشُوبوهُ بالصَّدَقَةِ".
قوله: "إن البيعَ يحضره اللَّغوُ والحَلِف"؛ يعني: البائعُ قد يتكلم بكذبٍ، وقد يَحلِف على ذلك.
"فشُوبُوه"؛ أي: فاخلطوا ذلك اللَّغوَ والحَلِفَ بالصدقة؛ فإن الصدقةَ تُطفِئ غضبَ الربِّ، و ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
* * *
٢٠٤٤ - عن عُبَيْد بن رِفاعَةَ، عن أبيه ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "التُّجَّارُ يُحْشَرُونَ يومَ القِيامَةِ فُجَّارًا إلا مَنِ اتَّقَى وبَرَّ وصَدَقَ".
قوله: "إن التجَّارَ يُحشَرون يومَ القيامة فجَّارًا"؛ يعني: التجَّار فُجَّار بكثرةِ حَلِفهم الكاذبة، وكثرةِ تكلُّمهم بالكذب؛ ليروَّجوا متاعَهم، وكثرةِ غفلتِهم عن ذِكر الله وعن الصلاة، واشتغالِهم بالمعاملة، وكثرةِ جريان الهَذَيان والفُحش واللهو يينهم، وهذه الأشياء فجورٌ، وصاحبُها فاجرٌ، إلا من احترز من هذه الأشياء.
قوله: "إلا مَن اتقى"؛ أي: مَن خاف الله، فلا يترك ذِكرَ الله وأوامَره، ولا يفعل المناهي.
"وبرَّ"؛ أي: أحسنَ؛ فلا يؤذي أحدًا ولا يُوصِل ضررًا إلى أحدٍ في بيعٍ وشراءٍ، و"صَدَقَ" في ثمن المتاع، والله أعلمُ وأحكمُ.
* * *
стр. 1463
٣ - باب الخِيَارِ
(باب الخيار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٤٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المُتَبَايعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بالخِيَارِ على صاحِبهِ ما لمْ يتفرَّقَا إلَّا بَيْعَ الخِيارِ".
وفي روايةٍ: "إذا تَبَايَعَ المُتَبَايعَانِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيارِ مِنْ بَيْعِهِ ما لم يتفَرَّقَا، أوْ يَكُونُ بَيْعُهُما عن خِيار، فإذا كَانَ بيعُهُما عن خِيارٍ فقدْ وَجَبَ".
وفي روايةٍ: "البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتفَرَّقا أو يَخْتَارَا".
قوله: "المتبايعانِ كلُّ واحدٍ منهما بالخيار"، أراد بـ (المتبايعان): البائع والمشتري؛ يعني: إذا انعقد البيعُ يثبت للبائع والمشتري خيارُ الفَسخ بفسخ البيع، كلُّ واحدٍ منهما متى شاء برضا صاحبه وغير رضاه، سواءٌ في ذلك المبيع خسرانٌ أو ربحٌ، وثبوتُ خيار المجلس ثابثٌ لهما - وإن لم يشترطا الخيارَ - ما دام في المجلس، فإذا تفرَّقا أو أحدُهما من المجلس بحيث حالَ بينهما حائلٌ أو لم يَحُلْ بينهما، ولكن بَعُدَا بحيث لا يُعتاد تكلُّم أحدِهما الآخرَ من بُعْدِ المسافة؛ انقطع خيارُ المجلس.
قوله: "إلا بيعَ الخيار"؛ يعني: خيارُ المجلس ثابتٌ ما داما في المجلس، إلا أن يكون بيعًا أسقطا أو أحدُهما خيارَه في المجلس، بأن يقولا: أَسقَطْنا الخيارَ، أو يقول أحدهما: أسقطتُ الخيارَ؛ أي: ألزمتُ البيعَ، فإذا أَسقَطَا خيارَهما لم يكن لهما بعدَ ذلك فسخُ البيع وإن كانا في المجلس، فإن أسقطَ أحدُهما الخيارَ دون الآخر سقط خيارُ المُسقِط، وبقي خيارُ الآخر، ما داما في المجلس.
стр. 1464
وقيل: معنى قوله: (إلا بيعَ الخيار): إلا بيعًا شَرَطَا فيه الخيارَ ثلاثةَ أيامٍ فما دونَها، فإنه يثبت لهما الخيارُ في ذلك القَدْر وإن تفرَّقا من المجلس، وخيارُ المجلس الذي ذكرنا أنه ثابتٌ من غير شرطهما في مذهب الشافعي وأحمد.
وأما عند أبي حنيفة ومالك: لا يثبت خيار المجلس ما لم يشترطا.
قوله: "أو يكون بيعُهما عن خيارٍ"، معنى هذا كمعنى قوله: (إلا بيعَ الخيار)، وقد ذُكر.
قوله: "البيعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا، أو يختارا": (البيعان): بكسر الياء وتشديدها: البائع والمشتري؛ يعني بقوله: (أو يختار)؛ أي: اختارا لزومَ المبيع وإسقاطَ خيارهما؛ يعني: لهما الخيارُ ما لم يتفرَّقا من المجلس، وما لم يُسقِطَا خيارَهما، فإذا اختارا لزوم البيع سقطَ خيارُهما وإن كانا في المجلس بعدُ.
* * *
٢٠٤٦ - وعن حكيمِ بن حزامٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتفَرَّقا، فإنْ صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وإنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما".
قوله: "فإن صَدَقا وبيَّنَا"؛ يعني: فإن صدقَ البائعُ في صفة المَبيع، وبيَّن ما فيه من عيبٍ ونقصٍ، وكذا المشتري فيما يُعطي في عِوَضِ المَبيع.
"بُورِك"؛ أي: أُكثر نفعُ البائع في الثمن، ونفعُ المشتري في المَبيع.
"وإنْ كَتَمَا" عيبَ متاعهما، "وكذبا" في صفات ذلك "مُحِقَتْ"؛ أي: نُفِيَتْ وأُزيلَتْ بركةُ بيعهما.
* * *
стр. 1465
٢٠٤٧ - وعن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: قالَ رجُلٌ: يا رسولَ الله، إنَّي أُخدَعُ في البُيوعِ، فقال: "إذا بايَعْتَ فَقُلْ لا خِلَابةَ" فكانَ الرجُلُ يقولُهُ.
قوله: "قال رجلٌ للنبي ﷺ : إني أُخدَع في البيوع، فقال: إذا بايعتَ فقل: لا خِلابَة، فكان الرجل يقوله"، اسم هذا الرجل حَبَّان ابن مُنقِذ، وقد قلَّت معرفته بالمعاملة مِن كِبَر سنِّه، فجاء أهلُه إلى رسول الله ﷺ ، فشكوا إليه لخرفه الغبن، وطلبوا منه ﷺ أن يَحجرَ عليه، فحجر عليه في البيع، فقال الرجل: يا رسولَ الله! لم يكن لي صبرٌ عن البيع، فرفع عنه الحَجْر وقال: (إذا بايعتَ قل: لا خِلابَة)، وكان الرجل إذا بايَعَ بيعًا قال: لا خِلابَة؛ يعني: لا خديعةَ، (الخِلابة): الخديعة؛ يعني: أبيعُ هذا بشرط أن أردَّ الثمنَ وأستردَّ المَبيعَ إذا ظهرَ لي غُبن فيه.
واختُلف في أن هذا الشرط كان خاصةً لذلك الرجل، أم لجميع مَن شرطَ هذا الشرط؟
فعند أحمد: يثبت الرُّد به لمَن شرطَ هذا الشرط؛ أي: لمَن قال في وقت البيع: لا خِلابَة، أو يقول هذا المعنى بلسان آخر.
وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا يثبت الخيارُ بالغُبن، سواءٌ قال هذا اللفظَ أو لم يقل.
وعند مالك: يثبت الخيارُ لمَن لا بصيرةَ له بمعرفة المتاع من العاقدين، سواءٌ شرطَ هذا الشرطَ أو لم يشرط، وأما إذا شرطَ المتبايعان أو أحدُهما خيارَ ثلاثةِ أيامٍ فما دونَها جازَ، ويثبت له الخيارُ في القَدْر الذي شَرَطَ، وأولُ وقت خيار الشرط من وقت العقد في أصحِّ القولَين، ومِن أول تفرُّقهما من المجلس في القول الثاني، ولا يجوز له الشرطُ أكثرَ من ثلاثة أيام، فإنْ شَرَطَ فسدَ البيعُ عند الشافعي وأبي حنيفة.
стр. 1466
وقال مالك: يجوز بقَدْر الحاجة إليه؛ أي: بقَدْر ما يمكن للعاقد معرفةُ المَبيع، وذلك يختلف باختلاف الأشياء؛ ففي الثوب يومان أو ثلاثٌ، وفي الحيوان أسبوعٌ، وفي الدُّور شهرٌ، وفي الأرض سَنةٌ، ولا يجوز شرطُ الخيار في كل عقدٍ يُشترَط فيه قبضُ العِوَضَين في المجلس، مثل عقد الصَّرف وبيع الطعام بالطعام، ولا فيما يُشترَط قبضُ أحد العِوَضَين، وهو عقد السَّلَم؛ لأن القبضَ شرطٌ فيه لكي يتفرَّقا عن عقدٍ لازمٍ لا علاقةَ بينهما.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٤٨ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتَفَرَّقا إلَّا أنْ يكونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُفارِقَ صاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ".
قوله: "إلا أن يكون صفقةَ خيارٍ"، معنى هذا كمعنى قوله (إلا بيعَ الخيار)، وقد ذكرنا.
قوله: "ولا يحلُّ له أن يُفارِقَ صاحبَه خشيةَ أن يستقيلَه"، (الاستقالة): طلب الإقالة، والإقالة: إبطال البيع بعد انعقاده؛ أي: الفَسخ، والمستعمل في الإقالة: أن يرفع العاقدان البيعَ بعد لزومه بتراضيهما، وليس لعاقدٍ أن يفسخَ البيعَ بعد اللزوم إلا بتراضي الآخر، والفَسخ يُستعمل في رفع العقد في زمان الخيار؛ يعني: لا ينبغي للمتقي أن يقوم من المجلس بعد العقد، ويخرج من ذلك المجلس؛ من خوف أن يفسخَ العاقدُ الآخرُ البيعَ بخيار المجلس؛ لأن هذا يشبه خديعةً، فإنْ فعلَ جازَ، ولكن فعلَ بخلاف التقوى، بل التقوى أن يصبرَ على المكث في المجلس حتى يجتهدَ صاحبُه في أخذ المتاع أو الفسخ، فإذا مضى
стр. 1467
زمانٌ يُعتاد أن يجلس المتعاقدان فيه فحينَئذٍ لا بأسَ في التفرق.
* * *
٢٠٤٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يُتفَرَّقُ عَنْ بَيْعٍ إلَّا عَن تَراضٍ".
قوله: "لا يتفرَّق عن بيعٍ إلا عن تراضٍ": معنى هذا الحديث كمعنى الحديث الذي قبله.
* * *
٤ - باب الرِّبا
(باب الرِّبا)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٥١ - عن عُبادةَ بن الصَّامِت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْح، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بسَواءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فإذا اَخْتَلَفَتْ هذِهِ الأصنافُ - وفي روايةٍ: إذا اختلف النوعان - فَبيعُوا كيفَ شِئْتُم إذا كَان يَدًا بِيَدٍ".
قوله: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلِ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناسُ فبيعُوا كيف شئتُم إذا كان يدًا بيدٍ".
معنى (الرِّبا): الزيادة.
اعلم أن مالَ الرِّبا المذكور في هذا الحديث ستةٌ، ولكن ليس مالُ الرِّبا
стр. 1468
مخصوصًا بهذه الستة، وإنما ذكر هذه الستة ليُقاسَ عليها غيرُها.
واعلم أن مالَ الرِّبا أربعةٌ: الذهب والفضة والمأكول والمشروب.
فالذهبُ والفضةُ: مالُ الرِّبا، سواءٌ كانا مضروبين أو غيرَ مضروبَين، حليًا أو آنيةً أو غيرَها.
وأما المأكول: فكلُّ ما يُؤكَل على وجه القُوت أو التفكُّه أو المداواة فهو مالُ الرِّبا، والمشروب أيضًا: مالُ الرِّبا وإن كان شيئًا يُشرَب للتداوي، والمِلحٍ من المأكولات.
وقال الشافعي ومالك: علَّة الرِّبا في الذهب والفضة: النقدية، ومعنى النقدية: أنه يُباع ويُشترَى بالذهب والفضة، وعلَّة الرِّبا عندهما في المأكول والمشروب: الطعم.
فالذهبُ عندهما مالُ الرِّبا، سواءٌ بوزنٍ ومكيالٍ أم لا، وكلُّ ما ليس بالذهب والفضة والمأكول والمشروب ليس بمالِ الرِّبا، فيجوز أن يُباع نقدًا ونسيئةً، وزائدًا وناقصًا، فيجوز أن يُباع مَنُّ قطنٍ بمَنِّ قطنٍ أو أكثرَ نقدًا ونسيئةً.
وقال أبو حنيفة: علَّة الرِّبا في الذهب والفضة: الوزن، وفي المأكول والمشروب: الكَيل، فكلُّ ما يُوزَن ويُكَالُ فهو مالُ الرِّبا عنده، حنى الجصُّ والنُّورةُ والحديدُ والقطنُ وغيرُهما.
فإذا عرفتَ هذا فاعرِفْ أنه إذا بِيعَ مالُ الرِّبا بمالِ الرِّبا؛ فإن كانا من جنسٍ واحدٍ كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والحِنطة بالحِنطة، فلا يحلُّ إلا بثلاث شرائط:
أن يكونا مِثْلَين في الوزن فيما يُوزَن وفي الكَيل فيما يُكَال، وأن يكون قبضُ العِوَضَين قبل التفرُّق من المجلس، وأن يكون قبضُ العِوَضَين في الحال لا بعدَ زمان، تُسمى نسيئةً، فإن فُقِدَ شرطٌ من هذه الشروط فهو ربا، وأكلُ الرِّبا من الكبائر.
стр. 1469
وإن كان العِوَضَانِ كلاهما من مال الربا، ولكنَّ جنسَهما مختلفٌ كبيع الفضة بالذهب، أو الحِنطة بالشعير جازَ أن يكون بينهما تفاضلٌ، فيجوز بيعُ دينارٍ من الفضة بدينارَين من الذهب، أو بالعكس، وكذا يجوز بيعُ قفيزٍ من شعير بقفيزَي حِنطةٍ، أو بالعكس، ولكن تجب مراعاة شرطَين:
أحدهما: أن يكون قبضُ العِوَضَين قبل التفرُّق من المجلس.
والثاني: أن يكون قبضُهما في الحال، فإن كان أحدُ العِوَضَين من مال الربا، والآخر من غير مال الربا كالذهب بالحديد، والحِنطة بالقطن، أو كانا مالَ الربا إلا أن أحدَهما نقدٌ، والآخرَ مطعومٌ كبيع الذهب بالحِنطة، كلُّ ذلك يجوز متفاضلًا وحالًا ونسيئةً.
وفي مذهب أبي حنيفة: يجوز بيعُ الخبز بالحِنطة وبالدقيق متفاضلًا، وبيعُ الرُّطَب بالتمر، والعِنَب بالزَّبيب.
ويجوز عند مالك وأحمد بيعُ الحِنطة بدقيقها، ويجوز بيعُ الرُّطَب بالرُّطَب، والعِنَب بالعِنَب، كلُّ ذلك مِثْلًا بمِثْلٍ، وبجوز بيعُ الخبز بالخبز عند مالك إذا عُلِمَ كونُهما متماثلَين بالاجتهاد، وإن لم يُوزَن.
قوله: "مِثْلًا بمِثْلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بيد"، أراد بقوله: (يدًا بيدٍ): الحلول؛ يعني: لا يجوز أن يمضيَ زمانٌ بعد قبض أحد العِوَضَين، وقبلَ قبض العِوَضِ الآخر.
وأما قوله: (مثلًا بمِثْلٍ سواءً بسواءٍ): يحتمل أن يكون (سواءً بسواءٍ) تأكيدًا لقوله: (مِثْلًا بمِثْلٍ)؛ لأن معنى المِثْل والسَّواء واحدٌ، ويحتمل أن يريد بقوله: (مِثْلًا بمِثْلٍ) أن يكون العِوَضانِ مِثْلَين في الوزن أو الكيل، ويريد بقوله: (سواءً بسواءٍ) أن يكون مجلسُ تقابُضِ العِوَضَين واحدًا، حتى لو قبضَ أحدُ المتبايعين أحدَ العِوَضَين في المجلس، وقبضَ الآخرَ في مجلسٍ آخرَ لا يجوز،
стр. 1470
وإن كان بينهما جدارٌ، مع أن هذا القَدْرَ من الزمان لا يُعَدُّ نسيئةً.
قوله: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعُوا كيف شئتُم إذا كان يدًا بيدٍ"؛ يعني: إذا كان العِوَضانِ مالَ الربا، وكلاهما نقدٌ، ولكنَّ جنسَهما مختلفٌ كبيع الذهب بالفضة، أو كانا مطعومَين ولكنَّ جنسَهما مختلفٌ، كبيع الحِنطة بالشعير؛ يجوز التفاضُلُ بينهما، ولكن يجب قبضُ العِوَضَين في الحال وفي المجلس.
* * *
٢٠٥٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلِ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تَبيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تَبيعُوا منها غائِبًا بناجِزٍ".
وفي رواية: "لا تَبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهَبِ ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا وَزنًا بِوَزنٍ".
قوله: "ولا تُشِفُّوا"، أَشفَّ يُشِفُّ: إذا فضَّل شيئًا على شيءٍ؛ أي: إذا بعتُم الذهبَ بالذهبِ لا يجوز أن يكون بينهما تفاضُلٌ، بل يجب أن يكونا متماثلَين حتى لو باع خاتمًا من ذهبٍ قيمتُه عشرةُ دنانيرَ من كثرة نقوشه بدينارٍ وحبةٍ من الذهب لا يجوز، بل لا يجوز إلا بدينارٍ.
قوله: "ولا تبيعوا منها غائبًا بناجزٍ"، (الناجز): ضد الغائب، والضمير في (منها) يعود إلى الفضة، وحكم الذهب كحكم الفضة؛ يعني: لا يجوز بيعُ ذهبٍ حاضرٍ بذهبٍ غائبٍ، بل يلزم قبضُ العِوَضَين في الحال وفي المجلس، وكذلك حكم جميع أموال الرِّبا.
قوله: "ولا تبيعوا الذهبَ بالذهب، ولا الوَرِقَ بالوَرِقَ إلا وزنًا بوزنٍ":
стр. 1471
هذا يبين أن الذهبَ والفضةَ مما يُوزَن لا مما يُكَال، ويبين أيضًا أن الموزونَ من مال الرِّبا لا يجوز أن يُباعَ كيلًا، وكذا المَكيلُ من مال الرِّبا لا يجوز أن يُباعَ وزنًا إذا كان العِوَضانِ من جنسٍ واحدٍ، أما إذا اختلف جنسُهما يجوز أن يُبَاعَا كيلًا ووزنًا، فيجوز أن يُباعَ الذهبُ بالفضة كيلًا أو جُزافًا، وكذا الحِنطة بالشعير، ويجوز وزنًا أو جُزافًا.
ونعني بـ (الجُزاف): أن تُباعَ صُبْرةٌ بصُبْرة من غير كيلٍ ووزنٍ.
* * *
٢٠٥٤ - وعن معْمَرِ بن عبد الله ﵁ قال: كنت أسمعُ رسول الله ﷺ يقول: "الطَّعَامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْلٍ".
قوله: "الطعام بالطعام مِثْلًا بمِثْلٍ"، (الطعام): الحِنطة، هذا هو الأصل في اللغة، فإن أراد هنا بالطعام: الحِنطة، يُقاس على الحِنطة جميعُ أموال الرِّبا إذا اتفق جنس العِوَضَين، وإن أراد بالطعام هنا: ما يُطعَم لا تخصيصَ الحِنطة فتأويله: أن يكون العِوَضَانِ متفقَين في الطعم والجنسية، أما إذا اتفقا في الطعم دون الجنسية لا يجب بيعُ أحدهما بالآخر مِثْلًا بمِثْل، بل يجوز أن يكون أحدُهما زائدًا.
قوله: "مِثْلًا": وجه نصب (مِثْلًا) أن يكون حالًا أو تمييزًا، وكذلك ما أشبه هذا كقوله: (سواءً بسواءٍ، ويدًا بيدٍ).
* * *
٢٠٥٥ - وعن عمر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ والوَرِقُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ, والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ".
стр. 1472
قوله: "هاءَ وهاءَ"، قال الخطابي: وأصحابُ الحديث يقرؤون: (ها وها) بالقصر، والصواب: (هاءَ وهاءَ) بالمد وفتح الهمزة، إلى ها هنا لفظه.
واعلم أن معنى (هاء): خُذْ؛ يعني: لا يجوز بيعُ مال الرِّبا إلا يدًا بيدً، يقول البائع للمشتري: خُذْ المَبيعَ، ويقول المشتري للبائع: خُذْ عِوَضَ المَبيع، في الحال وفي المجلس.
* * *
٢٠٥٦ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرةَ ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ استعمَلَ رَجُلًا عَلَى أهلِ خَيْبَرَ، فجاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقال: "أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكذا؟ " قال: لا والله يا رسُولَ الله، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثَةِ، فقال: "لا تَفْعَلْ، بعْ الجَمْعَ بالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّراهِم جَنِيبًا".
قوله: "استعملَه"؛ أي جعله عاملًا وحاكمًا على أهل خَيبر وأراضيها.
قوله: "بتمر جَنيب"، (الجنيب): نوعٌ من التمر، وهو تمرٌ جيدٌ من خيار التمر.
قوله: "لا تفعل"؛ أي: لا تشترِ الجنيبَ بتمرٍ آخرَ إلا مِثْلًا بمِثْل، وإن كان أحدُهما أجودَ من الآخر، بل إن أردت أن تبيعَ أحدَهما بآخرَ متفضلًا فبعْ أحدَهما بالذهب أو الفضة أو بجنس آخر، ثم اشترِ تمرًا آخرَ بذلك الشيء.
مثل: أن يبيعَ زيدٌ صاعًا من تمر جيدٍ من عمروٍ بدرهمٍ، وجرى بينهما الإيجابُ والقَبولُ، ولا يحتاج قبضَ الدرهم، ثم يشتري زيدٌ من عمرٍو بذلك الدرهم صاعَين من تمرٍ رديءٍ؛ يجوز هذا البيع.
* * *
٢٠٥٧ - وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ،
стр. 1473
فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : مِنْ أينَ هذا؟، قال: كانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ ردِيءٌ فَبعْتُ مِنْهُ صاعَيْنِ بصاعٍ، فقال: "أوَّهْ عَيْنُ الرِّبا، عَيْنُ الرِّبا، لا تَفْعَلْ، ولكنْ إذا أردْتَ أنْ تَشْتَرِي فَبعِ التَّمْرَ ببَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ".
قوله: "أوَّه": بتشديد الواو وسكون الهاء: كلمةُ تحسُّرٍ وندامةٍ على لحوق ضررٍ بأخذ عين الرِّبا، هذا الفعلُ مَحضُ الرِّبا، بل إذا أردت أن تبيع التمرَ بالتمر متفاضلًا فبعِ التمرَ الرديءَ بالدراهم أو الذهب، ثم اشترِ بتلك الدراهم أو الذهب تمرًا جيدًا.
* * *
٢٠٥٨ - وعن جابرٍ ﵁ قال: جاءَ عبدٌ فبايَعَ النبيَّ ﷺ علَى الهِجْرَةِ فلم يَشْعُرْ أَنَّهُ عبدٌ فجاءَ سَيدُهُ يُريدُهُ، فاَشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ولمْ يُبايعْ أَحَدًا بعدَهُ حتَّى يسأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ أَمْ حُرٌّ.
قوله: "فاشتراه بعبدَين أسودَين"؛ يعني: دفع رسولُ الله ﷺ عبدَين أسودَين بدل ذلك العبد إلى سيده، وهذا يدل على أن بيعَ غيرِ مالِ الرِّبا يجوز متفاضلًا.
* * *
٢٠٥٩ - قال جابرٌ ﵁: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مكِيلَتُها بالكَيْلِ المُسمَّى مِنَ التَّمْرِ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الصُّبرة من التمر لا يُعلَم مَكِيلَتُها بالكَيل المُسمَّى من التمر"؛ يعني: لا يجوز بيعُ مال الرِّبا بمال الرِّبا إذا كانا من جنسٍ واحدٍ، إلا بعد تيقُّن كونِهما متماثلَين في الكيل إن كانا مما يُكَالُ، وفي الوزن إن كانا مما يُوزَن، فإن كان كلاهما أو أحدُهما مجهولًا لم يَجُزْ، وإن
стр. 1474
خرجا متماثلين بعد أن يُكَالا أو يُوزَنا، وهذا يجب ما إذا كانا من جنسٍ واحدٍ، فإن لم يكونا من جنسٍ واحدٍ جازَ أن يكونا مجهولَين.
* * *
٢٠٦٠ - عن فَضَالَةَ بن عُبَيْد ﵁ قال: اَشْتَرَيْتُ يومَ خَيْبَرَ قِلادَةً باثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ففصلْتُها، فوجدت فيها أكثرَ من اثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "لا تُباعُ حَتَّى تُفَصلَ".
قوله: "لا تُباع حتى تفصَّل"؛ يعني: لا تُباعُ القلادةُ حتى يُميَّز ما فيها من الذهب مما فيها من الخرز، وأما إذا مُيز ذهبُها يُباع بالذهب متماثلًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٦١ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا أَكَلَ الرِّبا، فإنْ لم يَأْكُلْهُ أصابَهُ مِنْ بُخَارِهِ"، ويُروى: "مِنْ غُبَارِهِ".
قوله: "أصابه من بُخَاره"، (البُخار): شبه دخان يخرج من القِدْر عند الطبخ؛ يعني: إذا كان آخرُ الزمان يكون أكثرُ الناس يأكلون الرِّبا، فإن لم يأكل أحدٌ الرِّبا أصابه نصيبٌ من الإثم بأن يكون شاهدًا؛ أي: عقدَ الرِّبا, أو كاتبًا لَقَبَالَةِ الرِّبا، أو يأكل من ضيافة أكل الرِّبا ومن هديتهم مع العلم بأنه مالُ الرِّبا.
* * *
٢٠٦٢ - وعن عُبادةَ بن الصَّامِتِ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَبيعُوا
стр. 1475
الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْح إلَّا سَواءً بسَواءً، عَيْنًا بعَيْنٍ، يدًا بيدٍ، ولكِنْ بيعُوا الذَّهَبَ بالوَرِقِ، والوَرقَ بالذَّهَبِ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرِ بِالبُرِّ، والتَّمْرَ بالمِلْحِ، والمِلْحَ بالتَّمْرِ، يدًا بيَدٍ كيفَ شِئْتُمْ".
قوله: "سواءً بسواءٍ": مِثْلًا بمِثْلٍ.
قوله: "عينًا بعينٍ"؛ أي: حاضرًا بحاضرٍ، ولا يجوز بيعُ حاضرٍ بغائبٍ.
قوله: "يدًا بيدٍ"؛ أي: ليكنْ قبضُ العِوَضَينِ في المجلس.
قوله: "كيف شئتم"؛ أي: يجوز التفاضلُ بين العِوَضَين إذا اختلف جنساهما.
* * *
٢٠٦٣ - عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أنه قال: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ سُئلَ عنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ "، فقال: نعم، فنهاهُ عنْ ذلكَ.
قوله: "أينقص الرُّطَب إذا يبس؟ " هذا استفهام بمعنى التقرير؛ يعني: يجب أن يكونَ العِوَضَانِ متماثلَين إذا اتَّحد جنسُهما، فإذا علمتَ أن الرُّطَبَ ينقص إذا يبس فلا تَبعْه بالتمر؛ لأنهما ليسا متماثلَين.
* * *
٢٠٦٤ - وروى سعيدُ بن المُسَيب مُرْسلًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ. قال سعيدٌ: كانَ مِنْ مَيْسِرِ أهْلِ الجَاهِليَّةِ.
قوله: "نهى عن بيع اللحم بالحيوان": لا يجوز بيعُ اللحم بحيوانٍ