Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
هذا يبين أن الذهبَ والفضةَ مما يُوزَن لا مما يُكَال، ويبين أيضًا أن الموزونَ من مال الرِّبا لا يجوز أن يُباعَ كيلًا، وكذا المَكيلُ من مال الرِّبا لا يجوز أن يُباعَ وزنًا إذا كان العِوَضانِ من جنسٍ واحدٍ، أما إذا اختلف جنسُهما يجوز أن يُبَاعَا كيلًا ووزنًا، فيجوز أن يُباعَ الذهبُ بالفضة كيلًا أو جُزافًا، وكذا الحِنطة بالشعير، ويجوز وزنًا أو جُزافًا.
ونعني بـ (الجُزاف): أن تُباعَ صُبْرةٌ بصُبْرة من غير كيلٍ ووزنٍ.
* * *
٢٠٥٤ - وعن معْمَرِ بن عبد الله ﵁ قال: كنت أسمعُ رسول الله ﷺ يقول: "الطَّعَامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْلٍ".
قوله: "الطعام بالطعام مِثْلًا بمِثْلٍ"، (الطعام): الحِنطة، هذا هو الأصل في اللغة، فإن أراد هنا بالطعام: الحِنطة، يُقاس على الحِنطة جميعُ أموال الرِّبا إذا اتفق جنس العِوَضَين، وإن أراد بالطعام هنا: ما يُطعَم لا تخصيصَ الحِنطة فتأويله: أن يكون العِوَضَانِ متفقَين في الطعم والجنسية، أما إذا اتفقا في الطعم دون الجنسية لا يجب بيعُ أحدهما بالآخر مِثْلًا بمِثْل، بل يجوز أن يكون أحدُهما زائدًا.
قوله: "مِثْلًا": وجه نصب (مِثْلًا) أن يكون حالًا أو تمييزًا، وكذلك ما أشبه هذا كقوله: (سواءً بسواءٍ، ويدًا بيدٍ).
* * *
٢٠٥٥ - وعن عمر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ والوَرِقُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ, والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ".
стр. 1472
قوله: "هاءَ وهاءَ"، قال الخطابي: وأصحابُ الحديث يقرؤون: (ها وها) بالقصر، والصواب: (هاءَ وهاءَ) بالمد وفتح الهمزة، إلى ها هنا لفظه.
واعلم أن معنى (هاء): خُذْ؛ يعني: لا يجوز بيعُ مال الرِّبا إلا يدًا بيدً، يقول البائع للمشتري: خُذْ المَبيعَ، ويقول المشتري للبائع: خُذْ عِوَضَ المَبيع، في الحال وفي المجلس.
* * *
٢٠٥٦ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرةَ ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ استعمَلَ رَجُلًا عَلَى أهلِ خَيْبَرَ، فجاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقال: "أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكذا؟ " قال: لا والله يا رسُولَ الله، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثَةِ، فقال: "لا تَفْعَلْ، بعْ الجَمْعَ بالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّراهِم جَنِيبًا".
قوله: "استعملَه"؛ أي جعله عاملًا وحاكمًا على أهل خَيبر وأراضيها.
قوله: "بتمر جَنيب"، (الجنيب): نوعٌ من التمر، وهو تمرٌ جيدٌ من خيار التمر.
قوله: "لا تفعل"؛ أي: لا تشترِ الجنيبَ بتمرٍ آخرَ إلا مِثْلًا بمِثْل، وإن كان أحدُهما أجودَ من الآخر، بل إن أردت أن تبيعَ أحدَهما بآخرَ متفضلًا فبعْ أحدَهما بالذهب أو الفضة أو بجنس آخر، ثم اشترِ تمرًا آخرَ بذلك الشيء.
مثل: أن يبيعَ زيدٌ صاعًا من تمر جيدٍ من عمروٍ بدرهمٍ، وجرى بينهما الإيجابُ والقَبولُ، ولا يحتاج قبضَ الدرهم، ثم يشتري زيدٌ من عمرٍو بذلك الدرهم صاعَين من تمرٍ رديءٍ؛ يجوز هذا البيع.
* * *
٢٠٥٧ - وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ،
стр. 1473
فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : مِنْ أينَ هذا؟، قال: كانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ ردِيءٌ فَبعْتُ مِنْهُ صاعَيْنِ بصاعٍ، فقال: "أوَّهْ عَيْنُ الرِّبا، عَيْنُ الرِّبا، لا تَفْعَلْ، ولكنْ إذا أردْتَ أنْ تَشْتَرِي فَبعِ التَّمْرَ ببَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ".
قوله: "أوَّه": بتشديد الواو وسكون الهاء: كلمةُ تحسُّرٍ وندامةٍ على لحوق ضررٍ بأخذ عين الرِّبا، هذا الفعلُ مَحضُ الرِّبا، بل إذا أردت أن تبيع التمرَ بالتمر متفاضلًا فبعِ التمرَ الرديءَ بالدراهم أو الذهب، ثم اشترِ بتلك الدراهم أو الذهب تمرًا جيدًا.
* * *
٢٠٥٨ - وعن جابرٍ ﵁ قال: جاءَ عبدٌ فبايَعَ النبيَّ ﷺ علَى الهِجْرَةِ فلم يَشْعُرْ أَنَّهُ عبدٌ فجاءَ سَيدُهُ يُريدُهُ، فاَشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ولمْ يُبايعْ أَحَدًا بعدَهُ حتَّى يسأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ أَمْ حُرٌّ.
قوله: "فاشتراه بعبدَين أسودَين"؛ يعني: دفع رسولُ الله ﷺ عبدَين أسودَين بدل ذلك العبد إلى سيده، وهذا يدل على أن بيعَ غيرِ مالِ الرِّبا يجوز متفاضلًا.
* * *
٢٠٥٩ - قال جابرٌ ﵁: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مكِيلَتُها بالكَيْلِ المُسمَّى مِنَ التَّمْرِ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الصُّبرة من التمر لا يُعلَم مَكِيلَتُها بالكَيل المُسمَّى من التمر"؛ يعني: لا يجوز بيعُ مال الرِّبا بمال الرِّبا إذا كانا من جنسٍ واحدٍ، إلا بعد تيقُّن كونِهما متماثلَين في الكيل إن كانا مما يُكَالُ، وفي الوزن إن كانا مما يُوزَن، فإن كان كلاهما أو أحدُهما مجهولًا لم يَجُزْ، وإن
стр. 1474
خرجا متماثلين بعد أن يُكَالا أو يُوزَنا، وهذا يجب ما إذا كانا من جنسٍ واحدٍ، فإن لم يكونا من جنسٍ واحدٍ جازَ أن يكونا مجهولَين.
* * *
٢٠٦٠ - عن فَضَالَةَ بن عُبَيْد ﵁ قال: اَشْتَرَيْتُ يومَ خَيْبَرَ قِلادَةً باثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ففصلْتُها، فوجدت فيها أكثرَ من اثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "لا تُباعُ حَتَّى تُفَصلَ".
قوله: "لا تُباع حتى تفصَّل"؛ يعني: لا تُباعُ القلادةُ حتى يُميَّز ما فيها من الذهب مما فيها من الخرز، وأما إذا مُيز ذهبُها يُباع بالذهب متماثلًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٦١ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إلَّا أَكَلَ الرِّبا، فإنْ لم يَأْكُلْهُ أصابَهُ مِنْ بُخَارِهِ"، ويُروى: "مِنْ غُبَارِهِ".
قوله: "أصابه من بُخَاره"، (البُخار): شبه دخان يخرج من القِدْر عند الطبخ؛ يعني: إذا كان آخرُ الزمان يكون أكثرُ الناس يأكلون الرِّبا، فإن لم يأكل أحدٌ الرِّبا أصابه نصيبٌ من الإثم بأن يكون شاهدًا؛ أي: عقدَ الرِّبا, أو كاتبًا لَقَبَالَةِ الرِّبا، أو يأكل من ضيافة أكل الرِّبا ومن هديتهم مع العلم بأنه مالُ الرِّبا.
* * *
٢٠٦٢ - وعن عُبادةَ بن الصَّامِتِ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَبيعُوا
стр. 1475
الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْح إلَّا سَواءً بسَواءً، عَيْنًا بعَيْنٍ، يدًا بيدٍ، ولكِنْ بيعُوا الذَّهَبَ بالوَرِقِ، والوَرقَ بالذَّهَبِ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرِ بِالبُرِّ، والتَّمْرَ بالمِلْحِ، والمِلْحَ بالتَّمْرِ، يدًا بيَدٍ كيفَ شِئْتُمْ".
قوله: "سواءً بسواءٍ": مِثْلًا بمِثْلٍ.
قوله: "عينًا بعينٍ"؛ أي: حاضرًا بحاضرٍ، ولا يجوز بيعُ حاضرٍ بغائبٍ.
قوله: "يدًا بيدٍ"؛ أي: ليكنْ قبضُ العِوَضَينِ في المجلس.
قوله: "كيف شئتم"؛ أي: يجوز التفاضلُ بين العِوَضَين إذا اختلف جنساهما.
* * *
٢٠٦٣ - عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أنه قال: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ سُئلَ عنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ "، فقال: نعم، فنهاهُ عنْ ذلكَ.
قوله: "أينقص الرُّطَب إذا يبس؟ " هذا استفهام بمعنى التقرير؛ يعني: يجب أن يكونَ العِوَضَانِ متماثلَين إذا اتَّحد جنسُهما، فإذا علمتَ أن الرُّطَبَ ينقص إذا يبس فلا تَبعْه بالتمر؛ لأنهما ليسا متماثلَين.
* * *
٢٠٦٤ - وروى سعيدُ بن المُسَيب مُرْسلًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ. قال سعيدٌ: كانَ مِنْ مَيْسِرِ أهْلِ الجَاهِليَّةِ.
قوله: "نهى عن بيع اللحم بالحيوان": لا يجوز بيعُ اللحم بحيوانٍ
стр. 1476
مأكولٍ عند الشافعي، سواءٌ كان ذلك الحيوان من جنس ذلك اللحم أو من غير جنسه، وهل يجوز بيعُ اللحم بحيوانٍ غيرِ مأكولٍ كبيع اللحم بعبدٍ أو حمارٍ؟ فيه قولان؛ الأصح: أنه لا يجوز، ويجوز بيعُ اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة، سواءٌ كان الحيوانُ مأكولًا أو غيرَ مأكولٍ، من جنس اللحم أو غير جنسه.
قوله: "من مَيْسِر أهل الجاهلية"؛ يعني: هذا من فعل أهل الجاهلية، كانوا يقطعون قطعةً من اللحم بحيوانٍ، فربما يضرُّ ذلك المشتري؛ لكون الحيوان أكثرَ قيمةً من ذلك اللحم.
* * *
٢٠٦٥ - عن الحسنِ عن سَمُرَة ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيع الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسِيئَةً".
قوله: "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً"، قال الخطابي: تأويل هذا الحديث أن يكون كلا الحيوانَين من نسيئةٍ، مِثل: أن يقول زيدٌ لعمرٍو مَثَلًا: بعتُ منك فرسًا بفرسٍ صفتُه كذا، أو يحمل صفة كذا، أو ليس الحيوانانِ حاضرَينِ؛ فلا يجوز هذا البيعُ؛ لأنه بيعُ الدَّين بالدَّين، وهذا غيرُ جائزٍ، ونعني بالدَّين: ما يكون في الذَّمة، ولو لم يكن مشارًا إليه.
أما لو كان أحدُ الحيوانَين حاضرًا والآخرُ في الذمة، كما يقول زيدٌ لعمرٍو: بعتُ منك هذا الفَرَسَ بجَمَلٍ صفتُه كذا، وبفَرَسٍ صفتُه كذا؛ أي: يعطيني ذلك الجَمَل أو ذلك الفَرَس بعد شهرٍ، جازَ هذا البيعُ عند الشافعي، سواءٌ كان الحيوانانِ من جنسٍ واحدٍ أو من جنسين، وسواءٌ باع واحدًا بواحدٍ، أو واحدًا باثنين أو أكثر.
وعند مالك: إن اختلف جنساهما جازَ، وإن اتفق جنساهما لم يَجُزْ.
стр. 1477
وعند أبي حنيفة وأحمد: لم يَجُزْ، سواءٌ كانا من جنس أو من جنسين.
* * *
٢٠٦٦ - وعن عبدِ الله بن عمرِو بن العاص ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَهُ أنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفَدَتِ الإِبلُ، فأمَرَهُ أنْ يأْخُذَ على قَلائِصِ الصَّدَقَةِ، فكانَ يأْخُذَ البعيرَ بالبعيرَيْنِ إلى إبلِ الصَّدَقَةِ.
قوله: "أن يُجهِّز جيشًا"؛ يعني: أن يُهيئ أسبابَ جيشٍ من المركوبات والسلاح؛ يعني: يعطي مَن ليس له مركوبٌ وسلاحٌ المركوبَ والسلاحَ.
قوله: "فنفدَتِ الإبلُ"؛ أي: فَنِيَ؛ يعني: أعطى كلَّ رجلٍ جملًا، وبقي بعضُ الرجال وليس لهم مركوبٌ، ولم يكن عند رسول الله ﷺ إبلٌ فيعطيهم، فأمرَ رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بن عمرٍو على قلائص الصدقة؛ يعني: أمرَه أن يستقرضَ عددًا من الإبل، حتى يتمَّ جهازُ ذلك الجيش، وكان يستقرض الإبل لترديدها من الإبل الزكاة عند رسول الله ﷺ .
(القلائص) جمع: قَلُوص، وهي الناقة الشابة.
* * *
٥ - باب المنهيِّ عنها من البيوع
(باب المَنهي عنها من البيوع)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٦٧ - عن ابن عُمَرَ ﵄ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن المُزَابنةِ أَنْ يَبيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إن كان نَخْلًا بِتَمْرٍ كيْلًا، وَإِنْ كان كَرْمًا أَنْ يَبيعَهُ بِزَبيبٍ كيْلًا، وَإِنْ
стр. 1478
كان زَرْعًا أَنْ يَبيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عن ذلك كُلِّهِ، ويُروى: المُزَابنةُ أَنْ يُبَاعَ ما في رؤوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى إن زَادَ فَلِي وَإنْ نَقَص فَعَلَيَّ.
"عن المُزَابنة"، (المُزَابنة): بيعُ الرُّطَب بالتمر، وبيعُ العِنَب بالزَّبيب كيلًا.
قد قلنا: بيعُ الرُّطب بالتمر والعِنَب بالزَّبيب جائزٌ عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند الشافعي ومالك وأحمد، لا بالكيل ولا بالوزن إذا لم يكن الرُّطَب على رأس النخل، أما إذا كان الرُّطَبُ على رأس النخل، ويبيعه بالتمر فهو العَرَايا، ويأتي بحثه.
* * *
٢٠٦٨ - عن جابرٍ ﵁ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنِ المُخابَرةِ والمُحاقَلَةِ والمُزابنةِ، فالمُحاقَلةُ: أَنْ يَبيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بمائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةٍ، والمُزَابنةُ: أَنْ يَبيعَ التَمرَ في رؤُوسِ النَّخْلِ بمائَةِ فَرَق، والمُخابَرَةُّ: كِراءُ الأرضِ بالثُّلُثِ والرُّبعِ.
قوله: "والمُحَاقَلَة"، (المُحَاقَلَة): أن يبيعَ الرجلُ الزرعَ بمئة فَرْقِ حِنطةٍ؛ يعني: أن يبيعَ الزرعَ بعد اشتداد الحَبِّ بجنسه على وجه الأرض، فهذا مَنهيٌّ عنه؛ لأن الحِنطةَ اليابسةَ بالحِنطة القائمة على الزرع، أو الشعيرَ اليابسَ بالشعير القائم لا يُعرَف يقينًا أنهما متماثلان.
قوله: "بمئة فَرْق": تقييدُه بالمئة غيرُ مشروط، بل لا يجوز لا بالمئة ولا بأقل ولا بأكثر.
و (الفَرْق) بسكون الراء وفتحها: مكيال بالمدينة يَسَعُ ستةَ عشرَ رطلًا، وكذلك البحث في المُزابنة؛ لأن بيعَ الرُّطَبِ بالتمر لا يُعرَف أنهما يكونان متماثلَين بعد جفاف الرُّطَب، أو متفاضلين.
стр. 1479
وأما (المُخَابَرَة): فهو أن يُعطيَ الرجلُ أرضَه إلى غيره ليزرعَها؛ ليكونَ البَذرُ من الزرع؛ ليأخذَ صاحبُ الأرض بكِراءِ أرضه رُبع الغَلَّة أو ثُلثها، وما أشبه ذلك.
وهذه المعاملة على أربعة أنواع:
أحدها: أن يكون الأرضُ والبَذرُ من واحدٍ، والعملُ والبقرُ من آخرَ.
والثاني: أن تكون الأرضُ من واحدٍ، والبَذرُ والبقرُ والعملُ من واحدٍ.
والثالث: أن تكون الأرضُ والبَذرُ والبقرُ من واحدٍ، والعملُ من واحدٍ؛ فهذه الأنواعُ الثلاثةُ جائزةٌ عند أحمد والقاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن.
وإن كانت الأرضُ والبقرُ من واحدٍ، والبَذرُ والعملُ من واحدٍ لا يجوز عندهم أيضًا، وعند الآخرين: لا يجوز في شيءٍ من هذه الأنواع.
* * *
٢٠٦٩ - وعن جابرٍ ﵁ قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن المحاقلةِ والمُزابنةِ والمُخابَرَةِ والمُعاوَمَةِ وعَنِ الثُّنْيَا، ورخَّصَ في العَرَايا.
قوله: "والمُعَاوَمَة"، (المُعَاوَمَة): أن يبيعَ الرجلُ ثمرةَ بستانه سنتَين أو أكثرَ، أو يبيعَه سَنةً قبلَ أن تظهر ثمارُه، فهذا البيعُ باطلٌ؛ لأنه بيعُ ما لم يُخلَق، فهو كبيع الولد قبل أن يخلق.
قوله: "وعن الثُّنيا"، (الثُّنيا) بضم الثاء الاستثناء: وهو أن يبيعَ شيئًا ويستثنيَ منه جزءًا غيرَ شائعٍ، مثل أن يقول: بعتُ منك هذه الدابةَ إلا يدَها أو رِجلَها، أو بعتُ منك ثمرةَ هذه البستان إلا بعضَها، أو إلا كذا هنا وكذا صاعًا، فهذا البيعُ باطلٌ؛ لأن المستثنى مجهولٌ، وإذا كان المستثنى مجهولًا يكون المستثنى منه وهو المبيعُ مجهولًا، فإن استثنى جزءًا شائعًا كالنصف والثلث
стр. 1480
وغيرهما جازَ؛ لأنه إذا قال: بعتُ هذا الشيءَ إلا ثُلثَها، فعُلِمَ أن المَبيعَ هو الثُّلثانِ، وثُلثا ذلك الشيءِ معلومٌ، فتكون ثمرةُ ذلك البستانِ مشتركًا بين البائع والمشتري؛ ثلثُها للبائع، وثلثانِ للمشتري.
قوله: "ورخَّص في العرايا"، (العَرَايا) جمع: (عَرِيَّة) بتشديد الياء، وهي أن يبيع الرجلُ الرُّطَبَ على رأس النخل بالتمر على وجه الأرض، والقياسُ بطلانُ هذا البيعِ؛ لأن بيعَ الرُّطَبِ بالتمر غيرُ معلومٍ كونُهما متماثلَين، ولكن جاؤوا - فقراءَ المدينة - إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسولَ الله! قد نهيتَ عن بيع الرُّطَب بالتمر، وليس عندنا الذهبُ والفضةُ نشتري به الرُّطَبَ، ونشتهي الرُّطَبَ، وعندنا التمرُ، فرخَّص لهم رسولُ الله ﷺ أن يشتروا الرُّطَبَ بالتمر بخمسِ شرائط:
إحداها: أن يكون الرُّطَبُ على رأس النخل.
والثانية: أن يَخرصَ الرُّطَبَ خارصٌ ويُقدِّره تمرًا، مثل أن يقول: إذا يبسَ يكون قَدْرُه مئَة مَنٍّ مَثَلاً.
الثالثة: أن يُسلِّمَ المشتري التمرَ تحت النخيل إلى البائع، ويُسلِّمَ البائعُ النخلَ مع الرُّطَب إلى المشتري؛ ليأكلَ من الرُّطَب ما شاء وكما شاء.
والرابعة: أن يكون التمرُ بقَدْرِ ما خرصَ الخارصُ الرُّطَبَ بتقدير الجفاف؛ ليكونا متماثلَين.
الخامسة: أن يكون التمرُ بقَدْر ما خرصَ قَدْرَ الرُّطبِ المخروصِ بتقدير الجفاف أقل من ثمان مئة مَنٍّ، وهل يجوز ثمان مئة مَنٍّ؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الراوي شك أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ رخَّص في خمسةِ أَوسُق أو فيما دون خمسة أَوسُق، وخمسة أَوسُق ثمان مئة مَنٍّ، فإذا تردَّد الراوي فالظاهرُ أنه يكون خمسةَ أَوسُق؛ لأنه حدٌّ معلومٌ، وحدودُ الشرع كلُّها
стр. 1481
معلومةٌ، فكذا ها هنا.
وأما دون خمسة أَوسُق مجهولٌ، وليس في الشرع مجهولٌ.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز خمسةُ أَوسُق؛ لأن العرايا رخصةٌ، والرخصةُ إذا شكَّ فيها نأخذ بالاحتياط، فالاحتياطُ فيما دون خمسة أَوسُق لا في خمسة أَوسُق، وهذا كمسح الخُفِّ إذا شك أنه انقضى مدتُه أو لا، يأخذ بالاحتياط وهو انقضاءُ المدة، ويُشترط أن يكون المشتري في العرايا ممن لا يَقِدر على شراء الرُّطَب بالذهب والفضة، أم لا؟ فيه خلاف؛ الأصح: أنه لا يُشترَط ذلك، بل يجوز للأغنياء معاملةُ العرايا كالفقراء.
* * *
٢٠٧١ - وعن أبي هريرةَ ﵁ "أنَّ رسولَ الله ﷺ أَرْخَصَ في بيعِ العَرايا بخَرْصِها من الثَّمْرِ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوسقٍ، أوْ في خَمْسةِ أوسقٍ، شكَّ داوُدُ".
قوله: "شكَّ داود"، أراد بـ (داود) هذا: داود بن الحصين، وهو يروي الحديثَ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة، شكَّ داود أنه سمع خمسة أَوسُق أو دون خمسة أَوسُق؟
* * *
٢٠٧٢ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄: "نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَن بَيْعِ الثِّمارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُها، نَهَى البائِعَ والمُشْتَرِي" ويروى: "نَهَى عَن بَيْعِ النَّخْلِ حتَّى تَزْهُوَ، وعَنِ السُّنْبُلِ حتَّى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهَةَ".
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدوَ صلاحُها، نهى البائعَ والمشتري"، (بدوُّ الصلاح): عبارة عن ظهور أهلية الأكل بظهور الحلاوة فيها،
стр. 1482
ويعرف بأن يتغير لونُ الثمار، بأن يحمرَّ أو يصفرَّ، بيعُ الثمار بعد بدوِّ الصلاح جائزٌ بشرط القطع، والشرطُ الإبقاءُ إلى الجفاف، ويجوز مطلقًا أيضًا.
ونعني بالمُطلَق: ألا يُذكَر شرطُ القطع ولا شرطُ الإبقاء، وإذا أُطلق يكون حكمُه حكمَ الإبقاء، يجب على البائع أن يتركَه إلى الجفاف بعد بدوِّ الصلاح، وأما قبل بدو الصلاح لا يجوز إلا بشرط قطع الثمار عند الشافعي وأحمد، ويجوز عند أبي حنيفة ومالك.
قوله: "نهى البائعَ والمشتري"؛ يعني: البائعَ أن يبيعَ الثمارَ قبلَ بدوِّ الصلاح؛ لأن الثمارَ قبل بدوِّ الصلاح يغلب عليه الهلاكُ من البرد أو الحرارة أو الريح؛ لأنه لا يطيق شيئًا من هذه الأشياء لصغرها، وإذا غلب عليه الهلاكُ فبأيِّ شيءٍ يأخذ البائعُ الثمرَ مع احتمال تلف الثمار؟! فحينَئذٍ لا يبقى للمشتري شيءٌ في مقابلة الثمن، ونهى المشتري عن هذه الشراء؛ كيلا يتلفَ ثمنُه بتقدير تلف الثمار.
قوله: "حتى تُزْهِيَ"؛ أي: حتى تحمرَّ.
"وعن السنبل حتى يبيضَّ"؛ يعني: نهى عن بيع الزرع حتى يشتدَّ حَبُّه، فإذا اشتدَّ حَبُّه جاز بيعه إن كان شيئًا حَبَّاتُه ظاهرةٌ في سنبله كالشعير، وإن كانت حبَّاتُه مستورةً كالحِنطة فلا يجوز على الأصح.
قوله: "ويَأمَنَ العاهةَ"، (العاهة): الآفة؛ يعني: إذا بدا بدوُّ الصلاح في الثمار أَمِنَ من الآفة، وكذلك الزرعُ إذا اشتدَّ حَبُّه أَمِنَ الآفةَ غالبًا.
* * *
٢٠٧٣ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "نَهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ الثِّمارِ حتَّى تُزْهِيَ. قيل: وما تُزْهِي؟ قال: حتَّى تحمَرَّ. قال: أَرَأَيْتَ إذا منعَ الله الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أحدُكُمْ مالَ أَخِيهِ؟ ".
стр. 1483
قوله: "إذا منعَ الله الثمرةَ"؛ يعني: إذا أَرسلَ الله آفةً بتلك الثمرة ويُتلفُه، فلم يَجُزْ لأحدكم أن يأخذَ الثمرَ، ولم يحصل للمشتري بمقابلة الثمر نفعٌ.
* * *
٢٠٧٤ - وعن جابرٍ ﵁ قال: "نَهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وأمَرَ بوَضْعِ الجَوَائِحِ".
قوله: "نهى عن بيع السِّنين"، معنى هذا كمعنى النهي عن المعاومة، وقد تقدم قُبيلَ هذا.
قوله: "وأمر بوضع الجوائح"، (الجوائح) جمع: جائحة، وهي الآفة؛ يعني: إذا باع أحدُ ثمارَ شجرِه وسلَّم الثمارَ مع الشجر إلى المشتري، وأصابها جائحةٌ، فتلفتْ أو تلفَ بعضُها لزمَ البائعَ ألا يأخذَ الثمنَ من المشتري إنْ تلفَ، وإنْ أُتلفَ بعضُها يترك بقَدْرها من الثمن، وإنْ أخذَ الثمنَ لزمَه أنْ يردَّ إليه الثمنَ، وهذا مذهب أحمد.
وقال مالك: يترك ثلثَ الثمن، وأما مذهب الشافعي وأبي حنيفة: لا يلزمه أن يترك شيئًا من الثمن، بل هذا أمرُ استحبابٍ؛ لأن المَبيعَ إذا تلفَ في يد المشتري يكون من ضمان المشتري، هذا بحيث ما إذا تلفَ الثمنُ بعد تسليمه إلى المشتري، فإنْ تلفَ قبلَ تسليمه إلى المشتري فهو من ضمان البائع بالاتفاق، وكذا شرح الحديث الذي بعد هذا.
* * *
٢٠٧٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمرًا فأصابَتْهُ جائِحَةٌ فلا يَحِلُّ لكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيئًا، بمَ تَأْخُذُ مالَ أَخِيكَ بغَيْرِ حَقّ؟ ".
стр. 1484
وقوله: "فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه شيئًا": فإن كان قبلَ تسليم الثمار إلى المشتري يكون من ضمان البائع، ولا يحلُّ له أن يأخذَ الثمنَ بلا خلاف، وإن كان بعدَ تسليم الثمار إلى المشتري فتأويله عند الشافعي وأبي حنيفة: أنه تهديد، أو معناه: فلا يحلُّ لك في الورع والتقوى أن تأخذَ الثمنَ إذا تلفت الثمارُ.
* * *
٢٠٧٦ - وعن ابن عمرَ ﵄ أنّه قال: "كانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعامَ في أعلَى السُّوقِ فَيَبيعُونَهُ في مكانِهِ، فَنهاهُمْ رسُولُ الله ﷺ أَنْ يَبيعُوهُ في مكانِهِ حتَّى يَنْقُلُوهُ".
قوله: "كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسولُ الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه"، (ابتاع): إذا اشترى؛ يعني: إذا اشترى أحدٌ شيئًا لا يجوز له أن يبيعَه من آخرَ حتى يقبضَ ذلك الشيءَ، سواءٌ فيه المنقولُ والعقارُ، فإن باعَه قبلَ أن يقبضَه بطلَ البيعُ الثاني عند الشافعي، وجوَّز أبو حنيفة بيعَ العقار قبل القبض، وجوَّز مالك بيعَ غير الطعام قبل القبض، وجوَّز أحمد بيعَ غير المَكيل والموزون قبل القبض.
والقبض في العقار: التخلية؛ يعني: يخليها البائعُ من متاعه، ويقول للمشتري: سلَّمتُها إليك، والقبض في المنقولات: النقل من موضع البيع إلى موضع آخر.
* * *
٢٠٧٧ - وقال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اَبْتَاعَ طَعامًا فلا يَبعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" ويُروى: "حَتَّى يَكْتَالَه".
قوله: "حتى يَستوفيَه"؛ أي: حتى يقبضَه ويأخذَه من البائع.
стр. 1485
قوله: "حتى يكتالَه"؛ أي: حتى يأخذَه بالكيل، اكتال: إذا أخذَ ما اشتراه بالكيل.
* * *
٢٠٧٨ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: "أمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ رسولُ الله ﷺ فهو الطَّعامُ أنْ يُباعَ حتَّى يُقْبَضَ. ولا أَحْسِبُ كُلَّ شَيءٍ إلَاّ مِثلَهُ".
قوله: "ولا أَحسِبُ كلَّ شيءٍ إلا مِثْلَه"؛ يعني: ولا أظنُّ كلَّ شيءٍ إلا مِثْلَ الطعام في أنه لا يجوز للمشتري أن يبيعَه حتى يقبضَه من البائع الذي اشتراه منه.
* * *
٢٠٧٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تلَقَوْا الرُّكبانَ لِبَيْعٍ، ولا يَبعْ بعضُكُمْ على بَيْعِ بعضٍ، ولا تناجَشُوا ولا يَبعْ حاضرٌ لبادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بعدَ ذلكَ فهوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن بعدَ أَنْ يَحْلُبَها، إنْ رَضيَهَا أَمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا رَدَّها وصاعًا مِنْ التَّمرِ".
قوله: "ولا تَلقَّوا الرُّكبانَ لبيعٍ"، كان أصله: لا تتلقيوا، فقُلبت الياءُ ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وحُذفت الألف لسكونها وسكون واو الجمع، وحُذفت التاء الأولى؛ لأن اجتماعَ التاءَين ثقيلٌ، ولو لم تُحذف جازَ، إلا أن الروايةَ في هذا اللفظ جازت بتاءٍ واحدةٍ، ثم حُركت واو الجمع بالضم؛ لسكونها وسكون ما بعدها من الراء؛ لأن لامَ التعريف أُدغمت في الراء فصارت الراءُ مشددةً، فكأنه اجتمع الراءُ الأولى ساكنةً والثانيةُ متحركةً، ومعنى التلقِّي: استقبال؛ يعني: إذا سمعتُم أن عِيرًا تجيء بمتاعٍ يريدون بيعَه، فلا تخرجوا من البلد إليهم؛ ليشتروا ذلك المتاعَ قبل أن يدخلوا البلدَ، لأنكم لو فعلتُم هذا الفعلَ
стр. 1486
ليحرم كثيرٌ من أهل البلد من ذلك المتاع مع احتياجهم إلى ذلك المتاع، فإن خالَفَ أحدٌ المنهي، وخرجَ إليهم واشترى من ذلك المتاع؛ صحَّ البيعُ بلا خلافٍ، إلا أنه مكروهٌ عند الشافعي ومالك وأحمد، وأثبت الشافعي الخيار للبائع إذا دخل البلد، وعلم أنه كذب في سعر البلد وغبنه في الثمن.
قوله: "ولا يَبعْ بعضُكم على بيعِ بعض"، وصورة هذا: أن زيدًا مَثَلاً باعَ متاعًا من عمرٍو، هما في مجلس العقد، أو بينهما خيارُ ثلاثةِ أيامٍ، فجاء بكر وقال: افسَخْ هذا البيعَ لأبيعَ منك متاعًا أجودَ من هذا بأقل من هذا الثمن، فيفسخ عمرٌو بيعَ زيدٍ، ويشتري متاعَ بكرٍ، فالفعلُ الذي فعلَه بكرٌ مُحرَّم؛ لأنه ألحقَ ضررًا بزيدٍ وآذاه، ولكن البيعَ الذي جرى بين بكرٍ وعمرٍو صحيحٌ مع الإثم.
قوله: "ولا تَنَاجَشُوا"، (التناجُش): التفاعُل من النَّجْش، وهو تنفير الصيد من موضعه، والمراد منه ها هنا: الزيادةُ على الثمن المسمَّى؛ لإغراء المشتري على أن يزيدَ هو أيضًا في الثمن.
وصورة هذا: أن عمرًا يريد أن يشتري متاعًا من زيدٍ، وذكرَ الثمنَ، ولكن لم يجرِ بينهما لفظُ العقد والإيجاب والقَبول بعدُ، فجاء بكرٌ وقال: أنا أشتري هذا المتاعَ بأكثرَ مما يشتريه عمرٌو، وليس مرادُ بكرِ من الزيادة أن يشتريَه، وإنما يريد أن يغترَّ عمرٌو بقوله ويزيدَ على ثمنه، فالفعل الذي فعلَه يكون مُحرَّمًا؛ لأنه ألحقَ ضررًا بعمرٍو؛ لأنه زادَ على الثمن، ولكن لو اغترَّ عمرٌو بقول بكرٍ، وزاد على الثمن واشترى ذلك المتاعَ صح الشِّراء بلا خلافٍ، فإنْ فعلَ بكرٌ هذا الفعلَ من غير إذن زيد لم يكن لعمرٍو خيارُ الفسخ بلا خلافٍ، وإنْ فعلَه بإذن زيدٍ فلعمرٍو خيارُ الفَسخ عند الشافعي إذا تبيَّن لعمرٍو أن زيدًا أمرَ بكرًا بالزيادة على الثمن ليُغرِّرَ عمرًا.
стр. 1487
قوله: "ولا يَبعْ حاضرٌ لبادٍ"، (الحاضر): الساكن في البلد، و (البادي): الساكن في البادية.
وصورة هذا: أن رجلاً أتى من البادية إلى بلدٍ ومعه متاعٌ يريد بيعَه في البلد، فجاءه دلَاّلٌ من أهل البلد وقال لمَن أتى من البادية: لا تَبعْ متاعَك بنفسك، فإنك لو بعتَه بنفسك يشتريه أهلُ البلد منك رخيصًا، واتركْه عندي حتى أبيعَه لك قليلًا قليلًا، بثمنٍ كثيرٍ، فالفعلُ الذي يفعله ذلك الدلَاّل محرَّم؛ لأنه يُفوِّت الربحَ والرزقَ على الناس، لكنَّ بيعَه صحيحٌ.
قوله: "ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ"، صرَّى يُصرِّي تصريةً: إذا شَدَّ ضرعُ الناقة وغيرها حتى يجتمعَ فيه اللبن ولم يحلبها؛ ليظنَّ المشتري أن لَبنها كثيرٌ، وهذا الفعلُ محرَّم؛ لأنه تغريرٌ يُغَرُّ به المشتري، فإذا اشترى أحدُهم ناقةً أو شاةً أو بقرةً مُصَرَّاةً، فإذا حَلَبَها وعلمَ أن لبنها لم يكن كما ظنَّه، فله الخيارُ إلى ثلاثة أيام بين أن يمسكَها وبين أن يردَّها ويردَّ معها بدلَ ما حلبَ من لبنها صاعًا من تمر.
وعند أبي حنيفة: لا يثبت له خيارٌ.
قوله: "فهو بخير النَّظرَين"؛ يعني: ينظر في أن إمساكَه خيرٌ له أو ردَّه؟ يفعل ما هو خيرٌ له من هذَين الشيئَين.
قوله: "وإن سخطَها"، (سخط): إذا غضب؛ يعني: فإن لم يَرْضَ بها ردَّها.
* * *
٢٠٨٠ - ورُوِيَ: "مَنِ اشْتَرى شاةً مُصَرَّاةً فهوَ بالخِيارِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فإِنْ رَدَّهَا ردَّ مَعَها صاعًا مِنْ طَعامٍ لا سَمْرَاءَ".
قوله: "ردَّ معها صاعًا من طعامٍ لا سَمْراء"، (السَّمْراء): الحِنطة، وأراد
стр. 1488
بـ (الطعام) هنا: التمر؛ يعني: ردَّ معها صاعًا من تمرٍ، لا من الحِنطة ولا من غيرها من سائر الحبوب، وإنما خصَّ التمرَ بالرد بدل اللبن؛ لأن طعامَ العرب كان التمرَ واللبن غالبًا، فمن حيث إن طعامَهم هذان الشيئان غالبًا أقامَه رسولُ الله ﷺ مقامَ اللبن.
* * *
٢٠٨١ - وقال: "لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فَمَنْ تلقَّاهُ فاَشْتَرَى مِنْهُ، فإذا أَتَى سيدُهُ السُّوقَ فهوَ بالخِيَارِ".
قوله: "لا تَلَقَّوا الجَلَبَ"، أراد بـ (الجلب): العِير بالعين المهملة، وهو مثل: "لا تلقَّوا الركبانَ"، وقد مضى بحثه.
قوله: "سيده"؛ أي: صاحبه.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٠٨٢ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهبَطَ بها إلى السُّوقِ".
"لا تَلقَّوا السِّلَعَ حتى يُهبَطَ بها إلى السوق"، (السلع) جمع: سلعة، وهي المتاع.
أَهبطَ: إذا أَسقطَ شيئًا، (حتى يُهبَط): بضم الياء وفتح الباء؛ أي: حتى يسقط المتاعُ من ظهر الدواب في السوق؛ يعني: لا تلَّقوا الركبانَ، بل اتركوهم حتى يدخلوا السوقَ، ثم اشتروا متاعَهم بسعر البلد.
روى هذا الحديثَ ابن عمر.
* * *
стр. 1489
٢٠٨٣ - وقال "لا يَبعْ أَحَدُكُمْ على بَيْعِ أخِيهِ، ولا يَخْطُبِ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أخِيهِ حتَّى يترُكَ الخاطِبُ قبلَهُ أو يأْذَنَ لهُ الخاطِبُ".
قوله: "ولا يَخطُبِ الرجلَ على خِطبة أخيه"؛ يعني: إذا طلبَ رجلٌ امرأةً للتزُّوج، ورَضيَتِ المرأةُ ووليُّها به، لا يجوز لغيره أن يخطبَ تلك المرأةَ حتى يتركَها الخاطبُ الأولُ، أو يَأذَنَ للخاطب الثاني في تزُّوجِها، فإن خالَفَ الخاطبُ الثاني هذا النهيَ وتزوَّج تلك المرأةَ صحَّ النكاحُ وأَثِمَ.
روى هذا الحديثَ ابن عمر.
* * *
٢٠٨٤ - وقال: "لا يَسُمِ الرَّجُلُ على سَوْمِ أخِيهِ المُسلمِ".
قوله: "ولا يَسُمِ الرجلُ على سَومِ أخيه المسلم", (السَّوم): تقويم المتاع، والسَّوم: البيع، سام: إذا بيَّن ثمنَ البيع، واستام: إذا طلب معرفةَ ثمن المَبيع وضايق في الثمن، والمراد بـ (السَّوم) في الفقه وفي الحديث: أن يريد أحدٌ بيعَ متاعه من أحدٍ وجرى بينهما تقريرُ الثمن، فجاء الآخر قبلَ البيع وزادَ على ذلك الثمن، ويشتري ذلك المَبيع، فهذا الفعلُ مُحرَّمٌ، ولكن البيعَ صحيحٌ.
فقوله: (لا يسُمِ الرجلُ على سَومِ أخيه) معناه: لا يدخلُ الرجلُ على شراء أخيه، ولا يزيد عليه في الثمن ليشتريَه.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٠٨٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَبيعُ حاضرٌ لبادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بعضَهُم منْ بعضٍ".
стр. 1490
قوله: "دَعُوا الناسَ يرزقُ الله بعضَهم من بعضٍ"، (دَعُوا)؛ أي: اتركوا؛ يعني: لا يجوز لحاضر أن يمنعَ الباديَ من أن يبيعَ متاعَه كيف يشاء في السوق، فإنه لو منعَه عن البيع وقال: دَعْ متاعَك عندي لأبيعَه قليلًا قليلًا وأزيدُ في ثمنه فقد فوَّت ربحَ الناس ورزقَهم، ومعنى قوله ﷺ : (دعوا الناس)؛ أي: اتركوا الناسَ ليبيعوا متاعَهم رخيصًا؛ ليرزقَ الله بعضَ الناس بواسطة بعضٍ.
* * *
٢٠٨٦ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وعنْ بَيْعَتَيْن، نَهَى عَنِ المُلامَسَةِ والمُنابَذَةِ في البَيْعِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بيَدِهِ باللَّيل أو بالنَّهارِ ولا يُقَلِّبُهُ إلَاّ بذلِكَ، والمُنابَذَةُ أنْ يَنْبذَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ بثَوْبهِ وينبذَ الآخرُ ثَوْبَهُ، ويكُونَ ذلكَ بَيْعَهُما عنْ غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَراضٍ، واللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمالُ الصَّمَّاءِ، والصَّمَّاءُ أنْ يجعلَ ثوْبَهُ على أحَدِ عاتِقَيْهِ فيَبْدُوَ أحَدُ شِقَّيْهِ ليسَ عليهِ ثوبٌ، واللِّبْسَةُ الأُخرَى احتِباؤُهُ بثَوْبهِ وهو جالِسٌ ليسَ على فرجِهِ منهُ شَيءٌ.
قوله: "نهى عن لِبْسَتَين وعن بَيعتَين"؛ يعني: نهى عن أن يَلبَسَ الرجلُ على صورة الصمَّاء، ونهى عن أن يَلبَسَ على صورة الاحتباء، ويأتي ذكرهما، ونهى أن يبيعَ على صورة المُلامَسَة، وعن أن يبيعَ على صورة المُنَابَدَة، ويأتي ذكرهما.
قوله: "ولا يَقلبُه إلا بذلك"؛ يعني: لا يلمسُ ذلك المتاعَ إلا للبيع؛ يعني: لم يُرِدِ المشتري ذلك المتاعَ، ولم يَجْرِ بينهما إيجابٌ وقَبولٌ, بل قال البائع: إذا لمستَ المتاعَ فقد وجبَ لك البيعُ بكذا دينار، فلمسَه المشتري على أن يكون اللمسُ بيعًا؛ هذا البيعُ باطلٌ؛ لأنه تعليقُ البيعِ إلى اللمس، وتعليقُ البيعِ غيرُ جائزٍ، وأن الإيجابَ والقَبولَ يكون بالقول لا بفعل اللمس.
стр. 1491
قوله: "والمُنَابَذَة: أن ينبذَ الرجلُ إلى الرجل بثوبه، وينبذَ الآخرُ ثوبَه"؛ يعني: باعَ أحدُهما ثوبَه من الآخر، وباع الآخرُ ثوبَه ثمنًا من ذلك الثوب؛ يعني: بادَلَا ثوبًا بثوبٍ من غير أن يجريَ بينهما إيجابٌ وقَبولٌ في اللفظ، بل جعلا مجردَ النبذ بيعًا، وهذا باطلٌ؛ لأن الفعلَ لا يكون بيعًا، بل البيعُ هو الإيجابُ والقَبولُ باللفظ، وكذلك إذا قال رجل لآخر: إذا نبذتُ إليك هذا الثوبَ فقد وجبَ لك البيعُ بكذا دينار، لا يجوز؛ لِمَا ذكرنا.
قوله: "عن غير نظر"؛ يعني: من غير أن يرِيَ كلُّ واحدٍ ثوبًا لآخرَ، فلا يجوز؛ لأنه إذا لم يَرَه يكون البيعُ غائبًا، وبيعُ الغائبِ لا يجوز.
قوله: "ولا تراضٍ": فالتراضي غيرُ معتبرٍ بينهما، بل المعتبرُ الإيجابُ والقَبولُ، ورؤيةُ المَبيع قبل الإيجاب والقَبول - وإن لم يَجْرِ بينهما الإيجاب والقَبول، ولو لم يَرَ المَبيعَ - لا يجوز البيعُ وإن تراضَيَا.
وجوَّز أبو حنيفة بيعَ ما لم يَرَه المشتري، وفيه قول للشافعي.
"الاحتباء": أن يجلس الرجلُ على مقعده ورُكبتاه منصوبتانِ، والمراد ها هنا: أن يأخذ ثوبَه على ساقه بحيث أن يكون ثوبُه مجموعًا عند ساقه كإزارٍ ملفوفٍ، وعورتُه ظاهرةٌ، وليس على عورته شيءٌ من ثوبه، فهذانِ النوعان - غير الصمَّاءِ والاحتباءِ - حرامانِ؛ لأن عورتَه ظاهرةٌ، وكشفُ العورةِ حرامٌ، وفِعلُ هذَين النوعَين مِن لبسِ أهل الجاهلية، فنهاهم رسولُ الله ﷺ عن ذلك.
* * *
٢٠٨٧ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عِنْ بَيْعِ الحَصاةِ وعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ.
стр. 1492
قوله: "نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغَرَر"، (الحصاة): الحَجَر الصغير، وصورة بيع الحصاة: أن يقول البائع للمشتري: ارمِ حصاةً فكلُّ ثوبٍ وقعتْ حصاتُك عليه فقد وجبَ بيعُه لك بكذا، فهذا البيعُ باطلٌ؛ لأنه تعليقٌ، أو كان ثوبًا واحدًا وقال البائع: ارمِ حصاةً إلى هذا الثوب، فإذا وقع حصاتُك عليه فقد وجبَ بيعُه لك بكذا دينار، فهذا البيعُ باطلٌ؛ لأنه تعليقٌ، وتعليقُ البيعِ لا يجوز، ولأن المَبيعَ في المسألة الأولى مجهولٌ؛ لأنه لا يدري بأي تلك الثياب تقع الحصاةُ.
وأما (الغَرَر) فمعناه: الخطر، وهو الذي لا يُدرَى صلاحُه وفسادُه، وصور بيع الغَرَر كثيرة، منها: بيع المجهول، وبيع ما لا يُقَدر على تسليمه، وبيع الغائب.
* * *
٢٠٨٨ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: "نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلةِ، وكانَ بَيْعًا يتَبايَعُهُ أهلُ الجاهِليَّةِ، كانَ الرجُلُ يَبْتاعُ الجَزُورَ إلى أنْ تُنْتَجَ الناقةُ، ثمَّ تُنْتَجُ التي في بَطنِها".
قوله: "نهى عن بيع حَبَل الحَبَلة"، (الحبَلة) بفتح الباء فيهما، معناه: نِتاجُ النِّتاج؛ أي: ولد الولد، ولهذا صورتان:
إحداهما: أن البائعَ يقول للمشتري: إذا ولدت هذه الناقةُ ثم حملتْ؛ أي: حملتْ ولدُها، وولدت فقد بعتُ منك ولدَ ولدِها بكذا، فهذا البيعُ كان أهلُ الجاهلية يفعلونه، وهذا باطلٌ؛ لأنه يقع المعدوم.
والصورة الثانية: أن يبتاع؛ أي: يشتري متاعًا ويقول: اشتريتُ منك هذا المتاعَ بمئة دينار مؤجَّلًا إلى أن تلدَ هذه الناقةُ ويحبلَ ولدُها وتلدَ، وهذا البيعُ
стр. 1493
باطلٌ؛ لأنه مؤجَّلٌ إلى أجلٍ مجهولٍ.
* * *
٢٠٨٩ - وقال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ عَسْبِ الفَحْلِ.
قوله: "نهى عن عَسْبِ الفحل"، (العَسْب): كِرَاء الفحل لينزوَ على الأنثى، وهذا مَنهيٌّ عنه؛ لأن نزوانَ الفحلِ على الأنثى غيرُ مقدورٍ لصاحبه، ولأنه ربما يَنْزُو ولم يُنزلِ المَنيَ، وربما يُنزل المنيَ فلا يكون منه النِّتاجُ، وكلُّ ذلك علَّةُ بطلانِ كِرَاءِ الفحل.
وجوَّز مالكٌ كِراءَ الفحل.
روى هذا الحديثَ ابن عباس.
* * *
٢٠٩٠ - وعن جابرٍ ﵁: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ ضرابِ الجَمَلِ، وعَنْ بَيْعِ الماءِ والأرضِ لِتُحْرَثَ.
قوله: "نهى عن بيع ضرابِ الجَمَلِ"، (الضَّرَاب): نزوان الفحل على الأنثى، ومعنى هذا كمعنى ما ذُكر قُبيلَ هذا.
قوله: "وعن بيع الماء والأرض لتُحرَثَ": والنهي عن بيع الماء والأرض للحراثة إنما يكون إذا أعطى الرجلُ أرضَه أحدًا ليكونَ منه الأرضُ والماءُ، ومن الآخر البَذرُ والحراثةُ؛ ليأخذَ صاحبُ الأرض بعضَ ما يحصل من الحبوب، هذا هو المُزَارَعَةُ والمُخَابَرَةُ، وقد ذُكر قبل هذا أنه باطلٌ، إلا عند القاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن، فإن دفعَ أرضَه للحراثة بقَدْرٍ معلومِ من الدراهم والدنانير إلى مدةِ معلومةٍ فيجوز، ويُسمى هذا العقدُ إجارةَ الأرض،
стр. 1494
لا مُخابرةً ولا مُزارعةً.
* * *
٢٠٩١ - وقال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الماءِ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع فضل الماء"؛ يعني: كان له ماءٌ في ظرف، فذلك الماءُ مملوكٌ له بلا خلاف، فإن فضلَ عن حاجته وطلب إنسانٌ ما فضلَ عن حاجته ليشتريَه أو ليسقيَ دابةً - غيرَ الخنزيرِ والكلبِ العَقُورِ - لا يجوز له منعٌ، بل يلزمُه أن يعطيَه ما فضل من مائه عن حاجته بلا ثمنٍ إن لم يكن للطالب ثمنٌ، فإن كان له ثمنٌ يجوز له ألا يعطيَه إلا بثمن، ولكن الأولى ألا يبيع، بل يعطيه بلا ثمنٍ، فإن كان الماءُ يخرج من عينٍ من مَوَاتٍ لا يجوز لأحدٍ أن يمنعَ أحدًا من ذلك، ولا أن يبيعَ تلك العينَ من أحدٍ؛ لأن العينَ في المَوَاتِ لا تكون مُلكَ أحدٍ، ويأتي باقي بحث المال في (باب إحياء المَوَات).
روى هذا الحديثَ جابر، وهو من باقي الحديث المتقدم.
* * *
٢٠٩٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُباعُ فَضْلُ الماءِ ليُباعَ بهِ الكَلأ".
قوله: "لا يُباعُ فضل الماء ليُباعَ به الكلأ"، قال الخطابي: تأويل هذا الحديث: أن رجلًا إذا حفرَ بئرًا في مَوَاتِ فمَلَكَ تلك البئرَ، فإذا جاء قومٌ لينزلوا في تلك المَوَاتِ ويرعوا نباتَها، وليس هناك ماءٌ إلا البئر التي حفرَها ذلك الرجلُ، فلا يجوز لذلك الرجل أن يمنعَ أولئك القوم مِن شربِ ماءِ تلك البئرِ، ولا يجوز له أن يأخذَ ذلك الماءَ؛ لأنه لو منعَهم عن ذلك الماء لا يمكن لأولئك القوم أن يَرْعَوا نباتَ تلك المَوَات، فكأنه منعَهم عن نبات المَوَات، ولا يجوز
стр. 1495
لأحدٍ أن يمنعَ أحدًا من نبات المَوَات؛ لأنه مباحٌ.
وبهذا الحديث حكم الشافعي ومالك، وقالا: لا يجوز لذلك الرجل منعُ أولئك القوم من ذلك الماء، ولا يجوز له أخذُ الثمن من ذلك الماء.
* * *
٢٠٩٣ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسُولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فنالَتْ أصابعُهُ بلَلاً، فقالَ: "ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ "، قال: أصابَتْهُ السَّماءُ يا رسُولَ الله، قال: "أفلا جعَلْتَهُ فوقَ الطَّعامِ حتَّى يراهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فليسَ مِنِّي".
قوله: "مَن غَشَّ فليس منّا"، (الغش): ستر حالِ شيءٍ على أحدٍ؛ يعني: إظهارُ شيءٍ على خلاف ما يكون ذلك الشيء في الباطن، كهذا الرجل؛ فإنه جعلَ الحِنطةَ المبلولةَ في الباطن واليابسةَ على وجه الصُّبرة؛ ليرى المشتري ظاهرَ الصُّبرة ويظنَّ أن جميعَ الصُّبرةِ يابسٌ، فهذا الفعلُ هو الغشِّ والخيانة، وهو مُحرَّمٌ؛ لأنه إضرارٌ بالناس، فإذا علمَ المشتري أن باطنَ المبَيع معيبٌ فله الخيارُ في ردِّ المَبيع وإمساكِه.
قوله ﷺ : "فليس منا"؛ يعني: فليس من متابعينا والمقتدين بسيرتنا؛ لأن المكرَ والخديعةَ ليس من فعل النبي ﷺ ، فمَن فعلَ المكرَ والخديعةَ فقد فعلَ معصيةً، ولا يخرج بذلك الفعل عن الإسلام، بل هو مسلمٌ ناقصٌ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٩٤ - عن جابرٍ ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ نهى عَنِ الثُّنْيا إلَاّ أنْ يُعلَمَ.
قوله: "نهى عن الثُّنيا إلا أن يُعلَم"؛ يعني: لا يجوز استثناءُ بعضِ المَبيع
стр. 1496
إلا أن يكون معلومًا، فإن قال: بعتُ منك هذا الفَرَس إلا بعضَها، أو إلا يدَها أو رِجلَها لم يَجُزْ؛ لأن المستثنى مجهولٌ، فإن قال: إلا نصفَها أو ثلثَها صحَّ البيعُ؛ لأن المستثنى معلومٌ، والمستثنى منه وهو المَبيع أيضًا معلومٌ، وهو النصف الباقي أو الثلثان.
* * *
٢٠٩٦ - وعن ابن عمرَ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكالئِ بالكالئِ.
قوله: "نهى عن بيع الكالِئ بالكالِئ"، (الكالئ): الدَّين، وصورته: أن يكون لزيدٍ على عمرٍو ثوبٌ من صوفٍ، ولبكرٍ على عمرٍو أيضًا عشرةُ دراهمَ، فقال زيدٌ لبكرٍ: بعتُ منك ثوبي الذي على عمرٍو بدراهمِك العشرةِ التي على عمرٍو، فقال بكر: قبلتُ هذا البيعَ، لم يَجُزْ؛ لهذا النهي، فإن باعَ الدَّينَ بالعين مثل أن يكون لزيدٍ على عمرٍو عشرةُ دراهمَ، فقال زيدٌ لبكرٍ: بِعْنِي ثوبَك هذا بدراهمي العشرة التي على عمرٍو، فقال بكرٌ: بعتُ، أو قال زيدٌ لبكرٍ: بعتُ ثوبي الموصوفَ من صفته كذا الذي لي على ذِمَّةِ عمرٍو منك بهذه الدراهم، فقال بكر: قبلتُ، فهل يصح هذا البيع أم لا؟
فالمذهبُ بطلانُه، وفي قول: يصح، فإن باعَ الدَّينَ ممن عليه مثل أن يكون لزيدٍ على عمرٍو ثوبٌ موصوفٌ، فباع زيدٌ ذلك الثوبَ من عمرٍو بدراهمَ حاضرةٍ، أو بدراهمَ في ذِمَّتِه أو شيءٍ آخرَ يجوز، بشرط أن يُحضرَ عمرٌو ثمنَ ذلك الثوب الذي في ذِمَّتِه في المجلس.
* * *
٢٠٩٧ - عن عَمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁ قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ العُرْبانِ.
стр. 1497
قوله: "نهى عن بيع العربان"، وفيه ست لغات: عُرْبان وأُرْبان وعُرْبون وأُرْبون - بضم العين والهمزة فيهن وإسكان الراء - وعَرَبون وأَرَبون - بفتح العين والهمز والراء فيهما - وصورته: أن يشتري أحدٌ سلعةً من أحدٍ ويعطيه قليلاً من ثمنه ويقول: أمشي وأتفكَّر، فإن اخترتُ هذا المتاعَ آتيك بباقي ثمنه، وإن ندمتُ أردُّه عليك ولك ما أَعطيتُ من الثمن مجانًا، فجوَّز هذا البيعَ أحمدُ، وأبطلَه الباقون.
* * *
٢٠٩٨ - وعن عليٍّ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ المُضْطَرِّينَ وعنْ بَيْعِ الغَرَرِ.
قوله: "نهى عن بيع المُضطرِّين"، (بيع المُضطرِّين) نوعان:
أحدهما: أن يُكرِهَه ظالمٌ على بيعِ شيءٍ، فيضطرُّ إلى بيعه من خوف ذلك الظالم، فهذا البيعُ باطلٌ.
والثاني: ألا يُكرِهَه أحدٌ على بيعه، ولكن يُضطر إلى بيعِ شيءٍ من أجل دَينٍ كان عليه أو من أجل نفقةٍ أو مُؤْنَةِ سفرٍ، فيحتاج إلى بيعه رخيصًا من أجل الضرورة، فلو اشترى أحدٌ منه ذلك المتاعَ رخيصًا صحَّ البيعُ، ولكن الأَولى ألا يشتريَ منه إلا بثمنِ المِثْل.
* * *
٢٠٩٩ - عن أنسٍ ﵁ أنَّ رجلًا سألَ النَّبيَّ ﷺ عنْ عَسْبِ الفَحْلِ، فنهاهُ، فقال: إنَّا نُطْرِقُ الفَحْلَ فنُكْرَمُ، فرَخَّصَ لَهُ في الكَرامَةِ.
قوله: "فقال: إنا نُطرِق فنُكرَم"؛ أي: فقال الرجل: إنَّا نُنزي الفحلَ على
стр. 1498
الأنثى فيعطينا صاحبُ الأنثى شيئًا من المال، من غير أن نشَترطَ أخذَ مالٍ، فرخَّص له رسولُ الله ﷺ في أخذ المال إذا أعطاه صاحبُ الأنثى من غير أن يجريَ بينهما شرطٌ في أخذ العِوَض عن إنزاء الفحل.
(الإطراق): إعارةُ الفحل للإنزاء.
* * *
٢١٠٠ - وعن حَكيمِ بن حِزامٍ قال: نهاني رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ ما ليسَ عِندِي.
قوله: "نهاني رسولُ الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي"؛ يعني: عن بيع ما ليس في مُلكي وفي قدرتي، ولا يجوز بيعُ العبد الآبق؛ لأنه لا قدرَة للبائع على تسليم المَبيع، ولا يجوز للرجل أن يبيعَ مالَ غيره بغير إذنه، فإن باعَه من غير إذنه بطلَ البيعُ في قولٍ جديدٍ للشافعي، وإن أجازَ مالكُ ذلك المتاعِ للبيع بعد ذلك.
وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله القديم: هذا البيعُ موقوفٌ على إجازة المالك، فإن أجازَ تبيَّن صحةُ البيع، وإن لم يَجُزْ تبيَّن بطلانُ البيع.
* * *
٢١٠١ - وقال حَكيمٌ: يا رسُولَ الله، يأْتيني الرجُلُ فيُريدُ مني البَيْع ليسَ عِندي، فأبتاعُ لهُ مِنَ السُّوقِ؟، قال: "لا تَبعْ ما ليسَ عِندَكَ".
قوله: "يأتيني الرجل، فيريد مني البيعَ ليس عندي، فأبتاع له من السوق"، هذا الكلام يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يشتريَ له مِن أحدٍ متاعًا فيكون دلَاّلًا.
стр. 1499
والثاني: أن يبيعَ متاعًا من الطالب قبل أن يكون ذلك المتاعُ مُلكَه، ثم يشتري ذلك المتاعَ من السوق ويدفع إلى المشتري، فإن كان يشتري للطالب من السوق بالدلالة، مثل أن يقول لزيدٍ مثلًا: بغْ متاعَك الفلاني من عمرٍو، فقال: بعتُ بكذا دينار، أو قال عمرو: اشتريتُه؛ صحَّ البيعُ.
وإن باعَ من نفسِه متاعًا معينًا من الطالب قبل أن يتملَّك ذلك المتاعَ، مثل أن يأخذ متاعًا من السوق قبل أن يشتريَه، ثم يبيع ذلك المتاع من طالبٍ، فلمَّا جرى بينه وبين الطالب الإيجابُ والقَبولُ يجيء إلى مالك ذلك المتاع ويشتريه منه، ثم يدفعه إلى المشتري، فهذا البيعُ باطلٌ؛ لأنه باعَ ما ليس في مُلكه وقتَ البيع، أما لو باعَ شيئًا موصوفًا بأن قال: بعتُ منك ثوبًا طولُه كذا وعَرضُه وصفتُه كذا بكذا دينارٍ، فقال المشتري: اشتريتُ منك ثوبًا موصوفًا بما ذكرتَه من الصفات، ثم بعدَ جريان العقد بينهما يجيء البائعُ ويشتري من السوق ثوبًا موصوفًا بتلك الصفات، ويدفع ذلك الثوبَ إلى المشتري، جازَ؛ لأنه لم يَبعْ عينًا ليست في مُلكه، بل باعَ شيئًا موصوفًا، وبيعُ الشيءِ الموصوفِ يصحُّ وإن لم يكن الشيءُ الموصوفُ موجودًا عند العقد.
* * *
٢١٠٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بَيعتَين في بيعةٍ": فسَّروا (بَيعتَين في بيعة) على وجهين:
أحدهما: أن يقول الرجل لصاحبه: بعتُ منك عبدي بعشرةٍ نقدًا، أو بعشرين نسيئةً إلى شهر، فقال المشتري: قبلتُه بعشرةٍ نقدًا، أو يقول: قبلتُه بعشرين نسيئةً إلى شهر، فالبيعُ باطلٌ؛ لأن الثمنَ مجهولٌ عند البائع حين يوجب
стр. 1500
البيع؛ لأنه لا يعلم أن المشتري بأي الثمنَين يقبل البيعَ، وشرطُ الثمن أن يكون معلومًا عند البائع والمشتري قبل الإيجاب والقَبول.
والوجه الثاني: أن يقول: بعتُ منك هذا العبدَ بكذا، على أن تبيعني ثوبَك هذا بكذا، فهذا البيعُ باطلٌ؛ لأنه بيعُ عبدٍ وشرطٌ؛ لأن البائعَ لم يرضَ بما ذكر من ثمن العبد إلا بشرط أن يشتريَ الثوبَ، فكأنه جعلَ ثمن العبد شيئَين: أحدهما ما ذُكر من الثمن، والثاني شراء الثوب، فربما لا يبيع صاحبُ الثوبِ الثوبَ، فحينَئذٍ يبطل بعضُ ثمن العبد، وإذا بطلَ البعضُ بطلَ الكلُّ، فلأنه ربما ينفسخ بيعُ الثوب بسببٍ، أو يجد فيه عيبًا، فيردُّه، وحينَئذٍ لا يُعرَف ثمنُ العبد؛ لأنه جعل ثمنَ العبد شيئَين، فإذا بطلَ أحدُهما يصير الباقي مجهولاً، ولأنه جاء النهي عن بيعٍ وشرطٍ في الحقيقة.
* * *
٢١٠٣ - وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁ قال: نَهَى
رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ صَفْقَةً واحِدةً".
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بَيعتَين في بَيعةٍ صفقةً واحدةً"، (الصفقة): البيع، سُمي العقدُ بيعًا وصفقةً؛ لأن عادةَ العرب عند البيع بوع كل واحد من العاقدَينِ يدَه إلى صاحبه، ويضعُ يدَه على يد صاحبه.
و (الصفقة) أيضًا معناه: ضربُ اليد على اليد؛ يعني: يضعُ البائعُ يدَه على يدِ المشتري، والبوع: مد اليد، وكان أصل البيع: البوع، فقُلبت الواوُ ياءً؛ لأن الياءَ أخفُّ من الواو؛ يعني: النهي عن بَيعتين في بَيعةٍ إنما كان يكون إذا كان الإيجابُ والقَبولُ للبَيعتَين واحدةً، أما لو كان لكل واحدٍ من البَيعتَين إيجابٌ وقَبولٌ منفردٌ لا بأسَ، وإن كان مئةَ بَيعةٍ في مجلسٍ واحدٍ.
стр. 1501
مثاله أن يقول زيدٌ لعمرٍو: بعتُ منك هذا العبدَ بألف دينار، فيقول عمرو: قبلتُ البيعَ، ثم يقول عمرٌو لزيدٍ: بعتُ منك هذا الثوبَ بعشرةِ دنانيرَ، فيقول زيدٌ: قبلتُ البيعَ، صحَّ البَيعتان.
* * *
٢١٠٤ - وقال: "لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، ولا شَرْطانِ في بَيْعٍ، ولا رِبحُ ما لمْ يُضْمَنْ، ولا بَيْعُ ما ليسَ عِندَكَ". (صحيح).
قوله: "نهى عن بيعٍ وسَلَفٍ"، قال الخطابي: صورةُ هذا: أن يقول أحدٌ لصاحبه: بعتُ منك هذا الشيءَ بكذا دينار على أن تقرضَني كذا دينارًا، ومعنى (السَّلَف) هنا: معنى القَرْض، هذا تأويله.
والفقهاء يقولون صورةُ السَّلَف مع البيع: أن يقول الرجل لصاحبه: بعتُ منك هذا الثوبَ، وجَريبَ حِنطةٍ صفتُها كذا إلى شهرٍ بعشرة دراهم مثلاً، فقال المشتري: قبلتُ، فهذا بيعٌ وسَلَفٌ، فهل يصحُّ هذا العقد؟ فيه قولان؛ الأصحُّ أنه صحيحٌ.
قوله: "ولا شرطانِ في بيعٍ": ولا فرق بين شرطَين أو أكثر من شرط واحدٍ في بيعٍ، بل كلُّها فاسدٌ.
وقال أحمد: إن شرطَ في المَبيع شرطًا واحدًا صحَّ، وإن شرطَ شرطَين أو أكثرَ لم يصحَّ؛ لهذا الحديث.
مثاله: لو اشترى ثوبًا وشرطَ المشتري على البائع قِصَارتَه لم يصحَّ عند جميع العلماء، إلا أحمد؛ فإنه صحيحٌ، وإن شرطَ مع القِصَارة خياطتَه، مثل أن يقول: اشتريتُ منك هذا الثوبَ بشرط أن تقصرَه؛ أي: تَغسلَه وتَخيطَه لي قميصًا لم يصحَّ بالاتفاق؛ لأنه شرطَ في هذا البيع شرطَين.
قوله: "ولا ربحُ ما لم يُضمَن"؛ يعني: لا يجوز أن يبيعَ الرجلُ ما ليس في
стр. 1502
ضمانه، مثل: أن يشتريَ أحدٌ متاعًا، فباعَه من آخرَ قبل أن يقبضَه، هذا البيعُ باطلٌ؛ لأن المَبيعَ في ضمان البائع ما لم يَقبضْه المشتري، وإذا لم يكن المَبيعُ في ضمان المشتري لم يكن مُلكُه تامًا، فلا يجوز له أن يبيعَه من آخرَ.
روى هذا الحديثَ عمرو بن العاص.
* * *
٢١٠٥ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: كنتُ أَبيعُ الإِبلَ بالبَقِيعِ بالدَّنانيرِ، فآخذُ مكانَها الدَّراهِمَ، وأَبيعُ بالدَّراهِمِ وآخُذُ مكانَها الدَّنانيرَ، فأَتيتُ النَّبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلكَ لهُ، فقال: "لا بأْسَ بأنْ تأخُذَها بسِعْرِ يومِها ما لَمْ تتَفَرَّقَا وبينَكُما شيءٌ".
قوله: "كنت أبيعُ الإبلَ بالبقيع بالدنانير، فآخُذُ مكانَها الدراهمَ" (البقيع): اسم موضع في المدينة.
اعلم أنه إذا كان ذلك حقٌّ على ذِمَّة أحدٍ من جهة أن تُقرضَه، أو أَتلفَ لك شيئًا جازَ أن تأخذَ عِوَضَ ذلك جنسًا غير جنس ذلك، فإن كان قد اشترى منه شيئًا سَلَمًا لم يَجُزْ أن يأخذَ عَوِضَ ذلك جنسًا آخرَ، وإن بعتَ منه متاعًا هل يجوز لك أن تأخذَ بدلَ الثمن جنسًا غيرَ جنسِ ذلك الثمن؟
مثل: أن يكون الثمنُ ذهبًا فتأخذ بدلَه الفضةَ، أو كان الثمنُ فصةً فتأخذ بدلَها الذهبَ.
ففي الجديد للشافعي، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد: أنه يجوز.
قوله: "لا بأسَ أن تأخذَها بسعر يومها"؛ يعني: يجب أخذُ الدراهم بدلاً عن الدنانير بقيمة الوقت، ولا يجوز الزيادةُ.
قوله: "ما لم تَفْتَرِقا وبينكما شيءٌ"؛ يعني: يُشترط أن يُقبَض العِوَضُ في المجلس، فإن قال: بادلتُك الدراهمَ التي لي عليك من ثمن متاعي الفلاني بكذا
стр. 1503
دينارًا، وتفرَّقا قبلَ أن يقبضَ تلك الدنانيرَ في المجلس بطلَ الاستبدالُ.
* * *
٢١٠٦ - عن العَدَّاءِ بن خالدِ بن هَوْذَةَ، أخرجَ كِتابًا: هذا ما اشترَى العَدَّاءُ ابن خالدِ بن هَوْذَةَ منْ محمَّدٍ رسُولِ الله ﷺ ، اشترَى منهُ عبدًا أوْ أمَةً، لا داءَ ولا غائِلةَ ولا خِبْثةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ. (غريب).
قوله: "أخرجَ كتابًا: هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد بن هَوْذَة من محمَّدٍ رسولِ الله ﷺ ، اشترى منه عبدًا - أو: أَمَةً -، لا داءَ ولا غائلةَ ولا خِبْثةَ، بيعَ المسلمِ المسلمَ"؛ يعني: أخرجَ هذا الرجلُ قَبَالَةً قد كُتِبَ فيها هذا الألفاظ.
شك الراوي أنه اشترى عبدًا أو أَمَةً.
قوله: "لا داء"؛ أي: بشرط ألا يكون فيه داءٌ؛ أي: مرضٌ وعيبٌ.
"ولا غائلة"، (الغائلة) ها هنا فسَّروها: بالمسروق، بشرط ألا يكون هذا العبدُ مسروقًا، فإنه إذا كان مسروقًا يقول: أن تملك ثمن بالمشترى؛ لأنه ربما يموت في يده، ويأتي صاحبه ويأخذ قيمته من المشتري، فيلحقه ضررٌ ويرجع المشتري على البائع بالثمن، ولا يرجع إليه بما زاد من قيمة العبد على الثمن، مثل: أن يشتريَه بمئة دينار، وارتفع قيمتُه حتى بلغ مئتَي دينار، فيلزمه أن يدفعَ إلى مالك العبد مئتَي دينار، ولا يأخذ من البائع إلا مئةَ دينار، والباقي من ضمانه؛ لأنه هلكَ في يده.
قوله: "ولا خِبْثة"، (الخِبْثة): بكسر الخاء وسكون الباء، وهو ولدُ الزِّنا، والعبدُ الذي فيه شُبهةٌ بأن كان أبوه مسلمًا فارتَّد، وحصل هذا الولد في حال رِدَّة أبيه، فدخل الغزاةُ في دار الحرب وأُخذ هذا الولدُ، فإنه لا يجوز استرقاقُ هذا الولد في حال رِدَّة أبيه، ولا يصح بيعُه في أصحِّ القولَين؛ لأن فيه شائبةً للإسلام.
стр. 1504
(ولا خِبثَة): عطف على ما قبله؛ يعني: بشرط ألا يكون هذا العبدُ ممن لا يجوز بيعُه.
قوله: "بيعَ المسلم المسلمَ"؛ يعني: بيعًا مشروطًا بجميع شرائطه، كبيع المسلم من المسلم؛ يعني: كما يجري بين المسلمين، وهذا الحديث يدل على جواز كتابة الصُّكوك، و (الصُّكوك) جمع: صَكًّ، وهي القَبَالَة، وقد أتى في القرآن الأمرُ بكتابة القَبَالَة، وهي أمر ندب، لا أمرُ وجوبٍ، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفُسِّر هذا الدَّين بالسَّلَم.
* * *
٢١٠٧ - عن أنسٍ ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ باعَ حِلْسًا وقَدَحًا، فقال: مَنْ يشتري هذا الحِلْسَ والقَدَحَ؟، فقال رجلٌ: آخُذُهُما بدِرْهَمٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ يَزِيدُ على دِرْهَمٍ؟ "، فأَعطاهُ رجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فباعَهُما منهُ.
قوله: "مَن يزيدُ على درهم؟ فأعطاه رجلٌ درهمَين، فباعهما منه": هذا دليلُ جوازِ الزيادة على الثمن، وليس هذا السَّومَ على السَّوم، وإنما السَّومُ على السَّوم: أن يرضى البائعُ بما قال المشتري من الثمن، ثم يزيد أحدٌ على الثمن الذي رضي به البائع، أمَّا لو عيَّن طالبٌ ثمنًا ولم يرضَ البائعُ به جازَ الزيادةُ على ذلك، ويُسمي هذا بيعَ مَن يزيد.
وقصة هذا: أن رجلاً سأل رسولَ الله ﷺ صدقةً، فقال: "هل لك شيء؟ " فقال: ليس لي إلا حِلْسٌ وقَدَحٌ، فقال رسول الله ﷺ : "بِعِ القدحَ والحِلسَ وكُلْ ثمنَهما، فإذا لم يكن لك شيءٌ فاطلُبْ حينَئذٍ الصدقةَ"، فباعهما رسولُ الله ﷺ .
* * *
стр. 1505
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
(فصل)
(من الصحاح):
٢١٠٨ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنِ ابْتاعَ نخلاً بعدَ أن تُؤبَّرَ فثمَرَتُها للبائِعِ إلَاّ أنْ يشتَرِطَ المُبْتاعُ، ومَنِ ابْتاعَ عَبدًا ولهُ مالٌ؛ فمالُهُ للبائِعِ إلَاّ أنْ يشتَرِطَ المُبْتاعُ".
قوله: "مَن ابتاع نخلاً بعد أن تُؤبَّر فثمرتُها للبائع"، (التأبير): أن يُشقق طلعُ النخل، ويُوضَع فيه شيءٌ من طلع فحال النخل، فتَصلُح ثمرتُه بإذن الله تعالى، وإن لم يُوضَع فيه شيءٌ من ذلك تَفسُد الثمرةُ، فإذا باع أحدٌ نخيلاً بعد أن يكون طلعُها أو بعضُ طلعِها متشققًا، سواءٌ وُضعَ فيها شيءٌ من طلع فحال النخل أو لم يوضع، تكون ثمارُ النخيل للبائع، إلا أن يقول المشتري: أَشتري النخيلَ مع الثمار، وباعَها البائعُ مع الثمار، فحينَئذٍ تكون الثمارُ مع النخيل للمشتري، وإن لم يتشقق الطلعُ لا جميعُه ولا بعضُه يكون الطلعُ للمشتري؛ لأنه كأغصان الشجر، إلا أن يقول البائع: بعتُ النخيلَ بلا طلعٍ، فحينَئذٍ يكون الطلعُ للبائع، وما قلنا هو مذهب الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يكون الطلعُ للمشتري، وإن كان متشققًا تبعًا للشجر، إلا أن يقول البائع: بعتُ النخيلَ بغير الثمار.
قوله: "ومَن ابتاع عبدًا وله مالٌ فمالُه للبائع، إلا أن يشترطَ المُبتاع"؛ يعني: إذا كان في يدِ العبدِ مالٌ، فباع السيدُ العبدَ يكون مالُه للبائع لا للمشتري؛ لأن العبدَ لا يكون له مالٌ، بل مالُه لسيده.
стр. 1506
قوله: "إلا أن يَشترطَ المُبتاعُ"؛ يعني: إلا أن يقول المشتري: أشتري هذا العبدَ مع ما في يده من المال، وباعَه السيدُ مع ماله، فحينَئذٍ يكون المال مع العبد للمشتري إن كان ذلك معلومًا مَرئيًا للبائع والمشتري، وإن باعَه السيدُ مع ماله، والمالُ مجهولُ، بطل البيعُ.
* * *
٢١٠٩ - وعن جابرٍ ﵁ أنَّه كانَ يَسيرُ على جَمَلٍ لهُ قَدْ أعْيا، فمرَّ النَّبيُّ ﷺ فضَرَبَهُ، فسارَ سَيْرًا ليسَ يَسِيرُ مثلَهُ، ثُمَّ قال: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ". قال: فبعْتُهُ فاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلى أهْلي، فلمَّا قَدِمْتُ المدِينةَ أتيتُهُ بالجمَلِ ونقَدَني ثمنَهُ. ويُروى: فأعطاني ثمنَهُ وردَّهُ عليَّ. ورُوي: أنَّهُ قالَ لِبلالٍ: "اقْضهِ وزِدْهُ"، فأَعْطاهُ وزادَهُ قِيرَاطًا.
قوله: "قد أَعْيَا"؛ أي: قد عجزَ ذلك الجَمَل عن السير، فضربه النبي ﷺ ، فأصابه بركةُ يد النبي ﷺ ، فصار قويًا حسنَ السَّير.
قوله: "فاستثنيتُ حُملانَه إلى أهلي"؛ يعني: قلت: أبيعُه بشرط أن أُحملَه رَحْلِي إلى أهلي، وهذا خاصة لجابر أم يجوز لكل أحدٍ بيعُ دابةٍ أو غيرها، ويشترط أن ينتفعَ بها مدةً معلومةً بعد البيع؟ فمذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه خاصة بجابر، ولا يجوز لغيره، بل فسدَ البيعُ بهذا الشرط.
وقال أحمد: يجوز لكل أحدٍ.
وقال مالك: إن كانت مدةُ الانتفاع قريبةً كمدة استثناء جابر يجوز، وإن كانت مدةً بعيدةً لا يجوز.
قوله: "وزادَه قيراطًا"، (القِيراط) أصله: قرراط، فقُلبت الراء الأولى ياءً، وكذلك (الدينار) أصله: دننار، فقُلبت النونُ الأولى ياءً، وُيرَدُّ المقلوبُ فيهما إلى الأصل في الجمع، فيقال: قراريط ودنانير.
стр. 1507
والقيراط: نصف دانق، والدانق: سُدس درهم وحَبَّتان وثلاثة أرباع حَبَّة ونصف عُشرِ شَعيرة.
* * *
٢١١٠ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: جاءتْ بَريرَةُ فقالتْ: إنِّي كاتَبْتُ على تِسْعِ أَواقٍ في كُلِّ عامٍ وُقِيَّةٌ فأعِينيني، فقالت عائشةُ: إنْ أحبَّ أهلُكِ أنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدةً وأعْتِقَكِ فَعلتُ ويكونُ وَلاؤُكِ لي. فذهبَتْ إلى أهلِها، فأبَوْا إلَاّ أَنْ يكونَ الوَلاءُ لهُمْ. فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خُذيها وأَعْتِقيها". ثُمَّ قامَ رسُولُ الله ﷺ في النَّاسِ فحمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمَّ قال: "أمَّا بعدُ، فما بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ الله، ما كانَ مِنْ شَرْطٍ ليسَ في كِتابِ الله فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مائةَ شَرْط، فقضاءُ الله أَحَقُّ، وشَرْطُ الله أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لمنْ أَعْتَقَ".
قولها: "كاتبتُ"؛ أي: اشتريتُ نفسي على تسعِ أواقٍ، (الأواقي) - بتشديد الياء وتخفيفها - جمع: أُوقيَّة بضم الهمز، ووُقيَّة، وكلاهما بتشديد الياء، وهي أربعون درهمًا.
قولها: "فأَعِينيني": وهي أمر مخاطبة من: الإعانة، وهي النُّصرة؛ يعني: أعطيني شيئًا.
قولها: "أن أعدَّها"؛ يعني: أعطي تلك الأواقي مرةً واحدةً في ثمنك وأشتريك من مواليك، وإنما قالت: (أن أعدَّها)، ولم تقل: أن أديها؛ لأن عادةَ أهل المدينة في ذلك الوقت المعاملةُ بعدد الدراهم، وكانوا يقولون: بعتُ منك هذا الشيءَ بكذا من الدراهم، فأمرهم رسول الله ﷺ بأن يعاملوا بالوزن.
قولها: "فأَبَوا إلا أن يكون الولاءُ لهم"؛ يعني: أبى ساداتُها أن يبيعوها إلا
стр. 1508
بشرط أن يعتقها ويكون ولاؤها لهم.
قوله ﷺ : "خُذِيها وأَعتقِيها"؛ يعني: اشترِيها وأَعتقِيها، وفي رواية: "خُذِيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاءُ لمَن أَعتق".
قال المصنف - رحمة الله عليه - في "شرح السُّنَّة": هذه الرواية - أعني قوله: "واشترطي لهم الولاء" - تفرَّد بها هشام، ولم يَرْوِه باقي الرواة، فلم يكن صحيحًا؛ لأنه لا يجوز أن يُظَنَّ بالنبي ﷺ أن يأمرَ عائشةَ بأن تشترطَ شرطًا لا يجوز؛ لأنه إذا اشترطت عائشة لهم الولاء، ولم يحصل لهم الولاء، بل يكون الولاء لمَن أَعتق، فيكون تغريرًا وخداعًا، وهذا لا يليق بالنبي ﷺ .
فإذا عرفتَ هذا فاعلم أنه اختُلف في جواز البيع بشرط الإعتاق؛ فالأصح من قولَي الشافعي: أن البيعَ والشرطَ صحيحانِ، وفي قول آخر، وبه قال أبو حنيفة: إن البيعَ باطلٌ، فإذا صححنا البيعَ؛ فإن أَعتقَ المشتري العبدَ فهو المراد، وإن لم يُعتق في قولٍ: يُجبَر عليه، وفي قول: كان البائعُ بالخيار بين الفسخ وبين الرضا بترك الإعتاق، فإن باعَ بشرط الإعتاق على أن يكون الولاءُ للبائع، فالمذهب: أن البيعَ باطلٌ، وفي قول آخر: أن البيعَ صحيحٌ، والشرطَ باطلٌ، ويكون الولاءُ لمَن أَعتق.
واعلم أن بريرةَ كانت مُكاتَبةً، وقد اشترتها عائشةُ، فهل يجوز بيعُ المُكاتَب أم لا؟ فيه خلاف؛ فقال مالك وأحمد: يصح بيع المُكاتَب، ولكن لا تبطل الكتابة؛ بل لو أدَّى المُكاتَب المالَ إلى المشتري عتقَ بالكتابة، ويكون الولاء للبائع لا للمشتري.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع المُكاتَب إلا أن يشترطَ البائعُ على المشتري إعتاقَ المُكاتَب كما في قصة بريرة، فإن عائشةَ اشترتْها وأعتقتْها، وقيل: رضيت بريرة بأن تشترطَ عائشةُ فسخَ الكتابة منها؛ لعجزها عن أداء المال، فعلى هذا لم يكن مُكاتَبةٌ عند شراء عائشة إياها.
стр. 1509
وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيعُ المُكاتَب أصلاً.
قوله ﷺ : "ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ"، ليس المراد منه: ما ليس في القرآن فهو باطلٌ؛ لأن كثيرًا من الأحكام ليس في القرآن، بل ثبت بالحديث، بل معناه: ليس في حكم الله وأمره، وكل ما أمرَ به النبيُّ أو نَهَى عنه فهو حكم الله وأمره.
* * *
٢١١١ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبتِهِ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الولاء وهِبَتِه"؛ يعني: لا يجوز بيعُ الولاء ولا هبتُه؛ لأنه حقٌّ كالنَّسَب، وكما لا يجوز نقلُ النَّسَب مثل أن يقول ابن زيدٍ: أنا ابن عمرٍو، وتركَ نسبتَه إلى أبيه، وينسب نفسَه إلى غيره، فكذلك الولاءُ لا يجوز نقلُه إلى غير المُعتِق؛ لأنه من حقوق العتق، فمَن أعتقَ عبدًا فله ولاؤُه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢١١٢ - عن مَخْلَدِ بن خُفافٍ قال: ابْتَعْتُ غُلامًا فاسْتَغْلَلْتُهُ، ثُمَّ ظَهَرْتُ منهُ على عَيْبٍ، فقَضَى عليَّ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ بردِّ غَلَّتِهِ، فراحَ إليهِ عُرْوَةُ فأخبَرَهُ أنَّ عائِشةَ ﵂ أخْبَرَتْني: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قضَى في مِثْلِ هذا أنَّ الخَراجَ بالضَّمانِ، فقَضَى لي أنْ آخُذَ الخَراجَ.
٢١١٣ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الخَراجُ بالضَّمانِ".
стр. 1510
قوله: "ابتعت"؛ أي: اشتريت "غلامًا، فاستغللتُه"؛ أي: أخذتُ غلَّتَه؛ أي: وجدتُ منه فوائدَ بأن استخدمتُه وآجرتُه وأخذتُ أجرتَه مدةً، "ثم ظهرتُ"؛ أي: اطلعتُ ورأيتُ به عيبًا، فرددتُه إلى بائعه بذلك العيب، فقضى عليَّ عمرُ بن عبد العزيز بأن أردَّ معه أجرتَه للمدة التي كان في يدي.
"فراح": فمشى "إليه عروة بن الزبير، فأخبره: أن عائشةَ أخبرته: أن رسولَ الله ﷺ قال: الخَراجُ بالضَّمَان"، أراد بـ (الخراج): ما حصل المشتري من نفع المَبيع، وأراد بقوله: (الخراج بالضمان): أنه لا يجب على المشتري ردُّ ما حصل له من فوائد المَبيع؛ لأنه كان قبلَ الردِّ في ضمان المشتري، ونفقةُ المَبيع عليه، فإذا كان نفقةُ المَبيع ومُؤنته عليه تكون فوائدُه له.
قوله: "فقضى لي أن آخذَ الخراجَ"؛ يعني: فلما سمع عمرُ بن عبدِ العزيزِ هذا الحديثَ من عروة، فقضى لي أن آخذَ غلةَ العبد التي رددتُها مع العبد.
وهذا يدل على أن القاضي إذا أخطأ في حكم، ثم بان له الخطأ يلزمُه أن ينقضَ حكمَه، كما نقض عمرُ بن عبد العزيز.
* * *
٢١١٤ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا اخْتلَفَ البَيعانِ فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُبْتاعُ بالخِيارِ".
وفي روايةٍ: "البيعانِ إذا اخْتَلفا والمبيعُ قائِمٌ وليسَ بينَهُما بَينَةٌ، فالقَوْلُ ما قالَ البائعُ، أو يتَرادَّانِ البَيْعَ".
قوله: "إذا اختلف البيعانِ فالقولُ قولُ البائع، والمُبتاعُ بالخيار"، (البيعان): البائع والمشتري؛ يعني: إذا اختلف البائع والمشتري في قَدْر الثمن، أو
следующие страницы →