← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

قوله: "إلا أن يَشترطَ المُبتاعُ"؛ يعني: إلا أن يقول المشتري: أشتري هذا العبدَ مع ما في يده من المال، وباعَه السيدُ مع ماله، فحينَئذٍ يكون المال مع العبد للمشتري إن كان ذلك معلومًا مَرئيًا للبائع والمشتري، وإن باعَه السيدُ مع ماله، والمالُ مجهولُ، بطل البيعُ. * * * ٢١٠٩ - وعن جابرٍ ﵁ أنَّه كانَ يَسيرُ على جَمَلٍ لهُ قَدْ أعْيا، فمرَّ النَّبيُّ ﷺ فضَرَبَهُ، فسارَ سَيْرًا ليسَ يَسِيرُ مثلَهُ، ثُمَّ قال: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ". قال: فبعْتُهُ فاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلى أهْلي، فلمَّا قَدِمْتُ المدِينةَ أتيتُهُ بالجمَلِ ونقَدَني ثمنَهُ. ويُروى: فأعطاني ثمنَهُ وردَّهُ عليَّ. ورُوي: أنَّهُ قالَ لِبلالٍ: "اقْضهِ وزِدْهُ"، فأَعْطاهُ وزادَهُ قِيرَاطًا. قوله: "قد أَعْيَا"؛ أي: قد عجزَ ذلك الجَمَل عن السير، فضربه النبي ﷺ ، فأصابه بركةُ يد النبي ﷺ ، فصار قويًا حسنَ السَّير. قوله: "فاستثنيتُ حُملانَه إلى أهلي"؛ يعني: قلت: أبيعُه بشرط أن أُحملَه رَحْلِي إلى أهلي، وهذا خاصة لجابر أم يجوز لكل أحدٍ بيعُ دابةٍ أو غيرها، ويشترط أن ينتفعَ بها مدةً معلومةً بعد البيع؟ فمذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه خاصة بجابر، ولا يجوز لغيره، بل فسدَ البيعُ بهذا الشرط. وقال أحمد: يجوز لكل أحدٍ. وقال مالك: إن كانت مدةُ الانتفاع قريبةً كمدة استثناء جابر يجوز، وإن كانت مدةً بعيدةً لا يجوز. قوله: "وزادَه قيراطًا"، (القِيراط) أصله: قرراط، فقُلبت الراء الأولى ياءً، وكذلك (الدينار) أصله: دننار، فقُلبت النونُ الأولى ياءً، وُيرَدُّ المقلوبُ فيهما إلى الأصل في الجمع، فيقال: قراريط ودنانير.

стр. 1507

والقيراط: نصف دانق، والدانق: سُدس درهم وحَبَّتان وثلاثة أرباع حَبَّة ونصف عُشرِ شَعيرة. * * * ٢١١٠ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: جاءتْ بَريرَةُ فقالتْ: إنِّي كاتَبْتُ على تِسْعِ أَواقٍ في كُلِّ عامٍ وُقِيَّةٌ فأعِينيني، فقالت عائشةُ: إنْ أحبَّ أهلُكِ أنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدةً وأعْتِقَكِ فَعلتُ ويكونُ وَلاؤُكِ لي. فذهبَتْ إلى أهلِها، فأبَوْا إلَاّ أَنْ يكونَ الوَلاءُ لهُمْ. فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خُذيها وأَعْتِقيها". ثُمَّ قامَ رسُولُ الله ﷺ في النَّاسِ فحمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمَّ قال: "أمَّا بعدُ، فما بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ الله، ما كانَ مِنْ شَرْطٍ ليسَ في كِتابِ الله فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مائةَ شَرْط، فقضاءُ الله أَحَقُّ، وشَرْطُ الله أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لمنْ أَعْتَقَ". قولها: "كاتبتُ"؛ أي: اشتريتُ نفسي على تسعِ أواقٍ، (الأواقي) - بتشديد الياء وتخفيفها - جمع: أُوقيَّة بضم الهمز، ووُقيَّة، وكلاهما بتشديد الياء، وهي أربعون درهمًا. قولها: "فأَعِينيني": وهي أمر مخاطبة من: الإعانة، وهي النُّصرة؛ يعني: أعطيني شيئًا. قولها: "أن أعدَّها"؛ يعني: أعطي تلك الأواقي مرةً واحدةً في ثمنك وأشتريك من مواليك، وإنما قالت: (أن أعدَّها)، ولم تقل: أن أديها؛ لأن عادةَ أهل المدينة في ذلك الوقت المعاملةُ بعدد الدراهم، وكانوا يقولون: بعتُ منك هذا الشيءَ بكذا من الدراهم، فأمرهم رسول الله ﷺ بأن يعاملوا بالوزن. قولها: "فأَبَوا إلا أن يكون الولاءُ لهم"؛ يعني: أبى ساداتُها أن يبيعوها إلا

стр. 1508

بشرط أن يعتقها ويكون ولاؤها لهم. قوله ﷺ : "خُذِيها وأَعتقِيها"؛ يعني: اشترِيها وأَعتقِيها، وفي رواية: "خُذِيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاءُ لمَن أَعتق". قال المصنف - رحمة الله عليه - في "شرح السُّنَّة": هذه الرواية - أعني قوله: "واشترطي لهم الولاء" - تفرَّد بها هشام، ولم يَرْوِه باقي الرواة، فلم يكن صحيحًا؛ لأنه لا يجوز أن يُظَنَّ بالنبي ﷺ أن يأمرَ عائشةَ بأن تشترطَ شرطًا لا يجوز؛ لأنه إذا اشترطت عائشة لهم الولاء، ولم يحصل لهم الولاء، بل يكون الولاء لمَن أَعتق، فيكون تغريرًا وخداعًا، وهذا لا يليق بالنبي ﷺ . فإذا عرفتَ هذا فاعلم أنه اختُلف في جواز البيع بشرط الإعتاق؛ فالأصح من قولَي الشافعي: أن البيعَ والشرطَ صحيحانِ، وفي قول آخر، وبه قال أبو حنيفة: إن البيعَ باطلٌ، فإذا صححنا البيعَ؛ فإن أَعتقَ المشتري العبدَ فهو المراد، وإن لم يُعتق في قولٍ: يُجبَر عليه، وفي قول: كان البائعُ بالخيار بين الفسخ وبين الرضا بترك الإعتاق، فإن باعَ بشرط الإعتاق على أن يكون الولاءُ للبائع، فالمذهب: أن البيعَ باطلٌ، وفي قول آخر: أن البيعَ صحيحٌ، والشرطَ باطلٌ، ويكون الولاءُ لمَن أَعتق. واعلم أن بريرةَ كانت مُكاتَبةً، وقد اشترتها عائشةُ، فهل يجوز بيعُ المُكاتَب أم لا؟ فيه خلاف؛ فقال مالك وأحمد: يصح بيع المُكاتَب، ولكن لا تبطل الكتابة؛ بل لو أدَّى المُكاتَب المالَ إلى المشتري عتقَ بالكتابة، ويكون الولاء للبائع لا للمشتري. وقال الشافعي: لا يجوز بيع المُكاتَب إلا أن يشترطَ البائعُ على المشتري إعتاقَ المُكاتَب كما في قصة بريرة، فإن عائشةَ اشترتْها وأعتقتْها، وقيل: رضيت بريرة بأن تشترطَ عائشةُ فسخَ الكتابة منها؛ لعجزها عن أداء المال، فعلى هذا لم يكن مُكاتَبةٌ عند شراء عائشة إياها.

стр. 1509

وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيعُ المُكاتَب أصلاً. قوله ﷺ : "ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ"، ليس المراد منه: ما ليس في القرآن فهو باطلٌ؛ لأن كثيرًا من الأحكام ليس في القرآن، بل ثبت بالحديث، بل معناه: ليس في حكم الله وأمره، وكل ما أمرَ به النبيُّ أو نَهَى عنه فهو حكم الله وأمره. * * * ٢١١١ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبتِهِ. قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الولاء وهِبَتِه"؛ يعني: لا يجوز بيعُ الولاء ولا هبتُه؛ لأنه حقٌّ كالنَّسَب، وكما لا يجوز نقلُ النَّسَب مثل أن يقول ابن زيدٍ: أنا ابن عمرٍو، وتركَ نسبتَه إلى أبيه، وينسب نفسَه إلى غيره، فكذلك الولاءُ لا يجوز نقلُه إلى غير المُعتِق؛ لأنه من حقوق العتق، فمَن أعتقَ عبدًا فله ولاؤُه. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١١٢ - عن مَخْلَدِ بن خُفافٍ قال: ابْتَعْتُ غُلامًا فاسْتَغْلَلْتُهُ، ثُمَّ ظَهَرْتُ منهُ على عَيْبٍ، فقَضَى عليَّ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ بردِّ غَلَّتِهِ، فراحَ إليهِ عُرْوَةُ فأخبَرَهُ أنَّ عائِشةَ ﵂ أخْبَرَتْني: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قضَى في مِثْلِ هذا أنَّ الخَراجَ بالضَّمانِ، فقَضَى لي أنْ آخُذَ الخَراجَ. ٢١١٣ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الخَراجُ بالضَّمانِ".

стр. 1510

قوله: "ابتعت"؛ أي: اشتريت "غلامًا، فاستغللتُه"؛ أي: أخذتُ غلَّتَه؛ أي: وجدتُ منه فوائدَ بأن استخدمتُه وآجرتُه وأخذتُ أجرتَه مدةً، "ثم ظهرتُ"؛ أي: اطلعتُ ورأيتُ به عيبًا، فرددتُه إلى بائعه بذلك العيب، فقضى عليَّ عمرُ بن عبد العزيز بأن أردَّ معه أجرتَه للمدة التي كان في يدي. "فراح": فمشى "إليه عروة بن الزبير، فأخبره: أن عائشةَ أخبرته: أن رسولَ الله ﷺ قال: الخَراجُ بالضَّمَان"، أراد بـ (الخراج): ما حصل المشتري من نفع المَبيع، وأراد بقوله: (الخراج بالضمان): أنه لا يجب على المشتري ردُّ ما حصل له من فوائد المَبيع؛ لأنه كان قبلَ الردِّ في ضمان المشتري، ونفقةُ المَبيع عليه، فإذا كان نفقةُ المَبيع ومُؤنته عليه تكون فوائدُه له. قوله: "فقضى لي أن آخذَ الخراجَ"؛ يعني: فلما سمع عمرُ بن عبدِ العزيزِ هذا الحديثَ من عروة، فقضى لي أن آخذَ غلةَ العبد التي رددتُها مع العبد. وهذا يدل على أن القاضي إذا أخطأ في حكم، ثم بان له الخطأ يلزمُه أن ينقضَ حكمَه، كما نقض عمرُ بن عبد العزيز. * * * ٢١١٤ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا اخْتلَفَ البَيعانِ فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُبْتاعُ بالخِيارِ". وفي روايةٍ: "البيعانِ إذا اخْتَلفا والمبيعُ قائِمٌ وليسَ بينَهُما بَينَةٌ، فالقَوْلُ ما قالَ البائعُ، أو يتَرادَّانِ البَيْعَ". قوله: "إذا اختلف البيعانِ فالقولُ قولُ البائع، والمُبتاعُ بالخيار"، (البيعان): البائع والمشتري؛ يعني: إذا اختلف البائع والمشتري في قَدْر الثمن، أو

стр. 1511

في شرط الخيار، أو الأجل، أو غيرهما من الشروط؛ فمذهب الشافعي: أن البائعَ يحلف: أنْ ما بعتُه بكذا؛ بل بعتُه بكذا، ثم المشتري مخيَّر بين أن يرضَى بما حَلَف عليه البائع، وبين أن يَحلِف: إني ما اشتريتُ إلا بكذا، وهذا معنى قوله: (والمبتاع بالخيار). فإذا تحالَفَا؛ فإن رضي أحدُهما بقول الآخر فهو المراد، وإن لم يرضَيَا على شيءٍ واحدٍ فسخَ القاضي بينهما العقدَ، سواءٌ كان المَبيعُ باقيًا أو لم يكن. وعند مالك وأبي حنيفة: لا يتحالفان عند هلاك المَبيع، بل القولُ قولُ المشتري مع يمينه، ولا تحالُفَ عند أبي حنيفة إذا اختلفا في شرط كالخيار والأجل والرَّهن، بل القولُ قولُ مَن ينفي الشرطَ مع يمينه. قوله: "وفي رواية أخرى: والمَبيعُ قائمٌ"؛ يعني: إن كان المَبيعُ باقيًا عند النزاع فالقولُ قولُ البائع يحلف، فإذا حلف فالمشتري مخيَّرٌ بين أن يرضى بما حلَف عليه البائع، وبين أن يحلف على ما يقول، فإذا حلفَ يُفسَخ بينهما العقدُ ويُرَدُّ المَبيعُ، وإن لم يكن المَبيعُ باقيًا عند النزاع فالقولُ قولُ المشتري مع يمينه، ولم يَحلِفِ البائعُ. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك. * * * ٢١١٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أقالَ أخاهُ المسلِمَ صَفْقَةً كَرِهَها، أقالَهُ الله عَثْرَتَهُ يومَ القِيامَةِ". قوله: "مَن أقالَ أخاه المسلمَ صفقةً كرهَها أقالَ الله عثرتَه يومَ القيامة"، (أقال)؛ أي: أبطلَ "صفقةً"؛ أي: عقدًا، "كرهها"؛ أي: ندمَ فيها "أقالَ الله"؛ أي: عفا الله "عثرته"؛ أي: خطيئته؛ يعني: إذا ندمَ المشتري بعد لزوم العقد،

стр. 1512

وأراد أن يردَّ المَبيعَ لا يجوز له أن يردَّه إلا برضا البائع، فإن لم يفسخ البائعُ البيعَ فلا شيءَ عليه، وإن فسخَ عفا الله عنه ذنبَه يومَ القيامة، كما حصَّل مرادَ المشتري، فكذلك لو ندمَ البائعُ وأراد أن يأخذَ المَبيعَ بعد لزوم العقد لم يكن له ذلك إلا برضا المشتري، فإنْ فسخَ المشتري البيعَ وردَّ عليه المَبيعَ عفا الله ذنبَه. روى هذا الحديثَ شُرَيح الشامي، عن رسول الله ﷺ . * * * ٦ - باب السَّلَمِ والرَّهنِ (باب السَّلَم والرَّهْن) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١١٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ وهُمْ يُسْلِفونَ في الثِّمارِ السَّنةَ والسَّنتَيْنِ والثلاثَ، فقالَ: "مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فليُسْلِفْ في كَيْلٍ معلُومٍ ووَزْنٍ معلُومٍ إلى أَجَلٍ معلُومٍ". قوله: "وهم يُسلِفون في الثمار"، (الإسلاف): إعطاءُ الثمنِ في مَبيعٍ إلى مدةٍ؛ يعني: يعطون الثمنَ في الحال، ويشترون الثمارَ إلى سَنةٍ أو أكثرَ. فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "مَن أَسلَفَ في شيءٍ فَلْيُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ"، (التسليف) بمعنى: الإسلاف، أمرَهم رسولُ الله ﷺ أن يبينوا قَدْرَ ما يشترون بالسَّلَم بالكيل والوزن، وأن يبينوا أَجَلَه، ويجب تسليمُ الثمن في مجلس العقد، ويجب أن يُوصفَ ما اشتراه بالسَّلَم بجميع الصفات. * * *

стр. 1513

٢١١٧ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اشترى طَعَامًا مِنْ يَهوديٍّ إلى أَجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَديدٍ. ٢١١٨ - وقالت: تُوفِّي رسُولُ الله ﷺ ودِرعُهُ مَرهونةٌ عِنْدَ يهوديٍّ بثلاثينَ صاعًا من شعيرٍ. قول عائشة: "أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجلٍ، ورَهَنَه درعًا من حديد"؛ يعني: كان الثمنُ مؤجَّلاً، ورَهَنَ بالثمن دِرْعَه. ففي هذا بيانُ جوازِ الرَّهن، وأركانُ الرَّهنِ ثلاثةٌ: الإيجابُ، والقَبولُ، والقبضُ. فالإيجابُ: أن يقول الراهن: رهنتُ منك هذا الشيء بما لك عليَّ؛ وبيَّن الدَّينَ، والقَبولُ: أن يقول المُرتهِن: قبلتُ هذا الرهنَ، والقبض: أن يُسلِمَ الراهنُ المرهونَ إلى المُرتهِن، والرهنُ قبل القبض جائزٌ؛ يعني: يجوز للراهن ألا يُسلمَ الرهنَ إلى المُرتهِن، وبعدَ القبض لازمٌ؛ يعني: لا يجوز للراهن أن يأخذ الرهنَ من المُرتهِن إلا بعد أداء جميع الدَّين، إلا برضا المُرتهِن. * * * ٢١١٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بنفَقتِهِ إذا كانَ مَرْهُونًا، ولبن الدَّرِّ يُشْرَبُ بنفَقتِهِ إذا كانَ مَرْهُونًا، وعَلَى الذي يَرْكَبُ ويَشربُ النفقَةُ". قوله: "والظَّهرُ يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا"، (الظهر) مركوب؛ يعني: إذا رهنَ أحدٌ دابةً جازَ للمُرتهِن أن يركبَها، ويحملَ عليها حملَه، بسبب أن نفقتَها؛ أي: علفَها عليه؛ يعني: إذا كان علفُها على المُرتهِن يكون منافعُها للمُرتهِن لا للراهن. قوله: "ولَبن الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا"، وتقديره: ولَبن ذاتِ

стр. 1514

الدَّرِّ، الدَّرُّ: اللَّبن؛ يعني: يَشربُ لَبن ذاتِ الدَّرِّ مَن يُنفق عليها؛ أي: يعلفُها "إذا كان مرهونًا"، وهو الراهنُ. قوله: "وعلى الذي يَركب ويَشرب النفقةُ"؛ يعني: نفقتُها على المُرتهِن، كما أن رَكوبَها ولبنها له. وقال أحمد: للمُرتهِن أن ينتفعَ بالرهن باللبن والرَّكوب فقط. وقال الشافعي وأبو حنيفة: جميع منفعة الرَّهن للمُرتهِن. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٢٠ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صاحبهِ الذي رهنَهُ، لهُ غُنْمُهُ، وعليهِ غُرْمُه". قوله: "لا يغلق الرهنُ الرهنَ من صاحبه الذي رَهَنَه"، (أَغلَقَ يُغلِقُ): إذا شدَّ وأَحكمَ شيئًا بشيءٍ، و (الرَّهن) الأول: المصدر، و (الرَّهن) الثاني بمعنى: المرهون؛ يعني: لا يُمنعُ الرَّهنُ المرهونُ من مالكه بحيث تزول عنه منفعتُه، وتسقط عنه نفقتُه، بل يكون المرهونُ كالباقي في مُلك الراهن. "له غُنْمُه"؛ أي: منفعتُه وفوائدُه. "وعليه غُرْمُه"؛ أي: نفقتُه وضمانُه؛ يعني: إن هلكَ الرَّهنُ في يد المُرتهِن فقد هلكَ من ضمان الراهن، لا من ضمان المُرتهِن، ولا شيءَ على المُرتهِن، ولا يسقط من دَينه شيءٌ. وقال أبو حنيفة: إن كان قيمةُ الرهن أقلَّ من الدَّين يسقط بقَدْر قيمته من الدَّين، وإن كان مساويًا للدَّين يسقط جميعُ دَينه، وإن كان قيمتُه أكثرَ من الدَّين يسقط دَينُه، ولا يلزمه ضمانُ ما زاد على الدَّين. * * *

стр. 1515

٢١٢١ - وعن ابن عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "المِكْيالُ مكْيالُ أهلِ المدينَةِ، والميزانُ ميزانُ أهلِ مَكَّةَ". قوله: "المِكيالُ مِكيالُ أهلِ المدينةِ، والمِيزانُ مِيزانُ أهلِ مكةَ"، يريد بهذا: أن ما يُكالُ مما يتعلق به حق الله، كزكاة النبات والثمار وزكاة الفطر؛ يجب أن تكون مقدارًا بمكيال المدينة، وما يُوزَن مما يتعلق به حق الله تعالى كقَدْر الدِّية، فإنها ألفُ دينارٍ ذهبًا، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ فضةً، وكزكاة الذهب والفضة؛ يجب أن تكون مقدارًا بوزن مكة. يعني: لا تجب الزكاةُ في النبات والثمر والعنب، حتى تبلغَ الحبوبُ المصفاة، والتمرُ والزبيبُ ثلاثَ مئة صاعٍ بصاع المدينة، ويجب في زكاة الفطر عن كل رأسٍ صاعٌ بصاعِ المدينة، وصاعُ المدينة خمسةُ أرطالٍ وثُلثُ رَطلٍ، وكلُّ رَطلٍ مئةٌ وثلاثون درهمًا، ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغَ عشرين دينارًا، ولا في الفضة حتى يبلغَ مئتَي درهمِ بوزن مكةَ، وكلُّ عشرةِ دراهمَ سبعةُ دنانير، وكلُّ دينارٍ أربعةٌ وعشرون طَسُّوجًا، وكلُّ طَسُّوجٍ ثلاثُ حَبَّاتٍ، وكلُّ حَبَّةٍ شَعيرتانِ. هذا هو المراد من هذا الحديث. وليس المراد منه: أن لا يجوز المعاملةُ إلا بمكيال المدينة ووزن مكة، بل يجوز المعاملةُ في كل بلد بمكيال ذلك البلد ووزنه. * * * ٢١٢٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ لأَصحابِ الكيلِ والميزانِ: "إنكم قد وُلِّيتم أمرَين هَلَكَ فيهما الأممُ السَّالِفةُ قبلَكمْ". قوله لأصحاب الكيل والميزان: "إنكم قد وُلِّيتُم أمرَين هلك فيهما الأممُ

стр. 1516

السابقةُ قبلَكم"، (ولَّيتم أمرَين)؛ يعني: جُعلتم حُكَّامًا في أمرَين، وهو الكيل والميزان، وفي العدل فيهما الأجرُ، وفي الظلم فيهما الهلاكُ، كما هلك قومُ شعيب لمَّا أَخسروا فيهما، وكانوا إذا أخذوا حقوقَهم أتمُّوا الكيلَ والوزنَ، وإذا ما أَعطَوا ما عليهم أَنقصوا الكيلَ والميزانَ. روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * ٧ - باب الاحتِكارِ (باب الاحتكار) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٢٣ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنِ احتكَرَ فهوَ خاطِئٌ". قوله: "مَن احتكَرَ فهو خاطِئ"، (الاحتكار): ادِّخار المتاع لبيعه في وقته الغلاء. ومذهب مالك: الاحتكارُ غيرُ جائزٍ في جميع الأمتعة من الطعام وغيره. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد: الاحتكارُ مخصوصٌ بالطعام، ويجوز في غيره، فشرطُ الاحتكارِ ثلاثةٌ: أن يكون طعامًا. وأن يشتريَه في وقتٍ يحتاج إليه الناس لقُوتهم. وأن يحفظه ليبيعَه بزيادةٍ من سعره. فإن فُقِدَ شرطٌ من هذه الشروط لا يكون الاحتكارُ حرامًا.

стр. 1517

روى هذا الحديثَ مَعْمَر بن عبد الله بن نَضْلة، عن رسول الله ﷺ . * * * ٢١٢٤ - وقال عمرُ ﵁: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممَّا أفاءَ الله عَلَى رسُولِهِ لرسولِ الله ﷺ خاصَّةً، يُنفِقُ عَلَى أهلِهِ منها نَفقةَ سنةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبيلِ الله. قوله: "كانت أموالُ بني النَّضير مما أفاء الله على رسوله للرسولِ خاصةً، يُنفق على أهله منها نفقةَ سَنةٍ، ثم يجعل ما بقي في السِّلاح والكُراع عُدَّةً في سبيل الله"، (بنو النضير): اسم طائفة من اليهود ديارهم كانت قريبةً من المدينة، فأمرَ الله تعالى رسولَ الله ﷺ بإخراجهم من ديارهم، وخُصَّ رسولُ الله ﷺ بديارهم، فكانت لرسول الله ﷺ خاصةً، يُنفق منها على عياله، ثم ما فضل صرفَه في سبيل الله بأن يشتريَ من السلاح والكُراع - وهو الفَرَس - للغُزَاة. (أفاء)؛ أي: أعادَ، هذا هو لغةً، أفاء هنا: أَعطَى. قوله: (العُدَّة) بضم العين: ما يُهيَّأ من السلاح وغيره للغزو، وما يُهيَّأ للسفر وغيره، وتناسُب إيراد هذا الحديث في هذا الباب إنما حبسُ الغلَّة سَنَةً؛ يعني: فإذا حبسَ رسولُ الله ﷺ الطعامَ لأهله نفقةَ سنةٍ لهم فقد عُلِمَ أن حبسَ الطعام للنفقة ليس من الاحتكار، بل جائزٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٢٥ - عن عمرَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ".

стр. 1518

قوله: "الجالب مرزوقٌ، والمُحتكِرُ ملعونٌ"؛ يعني: التاجرُ الذي يبيع ويشتري الأمتعةَ والدوابَّ مرزوقٌ؛ أي: يحصل له الربحُ من عير إثمٍ، و (المُحتكِر): وهو الذي يشتري الطعامَ في وقت الغلاء؛ ليحفظَه مدةً، ليبيعَه بقيمةٍ كثيرةٍ فهو ملعونٌ؛ أي: آثمٌ وبعيدٌ من الخير ما دام في ذلك الفعل، ولا تحصل له البركةُ. * * * ٢١٢٦ - عن أنس ﵁ قال: غَلا السِّعْرُ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فقالُوا: يا رسُولَ الله! سَعِّرْ لنا، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله هُوَ المُسعِّرُ القابضُ الباسِطُ الرَّازِقُ، وإنِّي لأرجُو أنْ ألقَى ربي وليسَ أحدٌ مِنْكُمْ يطلُبني بمَظْلَمَةٍ بدَمٍ ولا مالٍ". قوله: "سعِّرْ لنا"، (التسعير): وضعُ سعرٍ على متاعٍ، والسعر: القيمة؛ يعني: مُرْ لنا ببيع الطعام أو غيره بثمنٍ رخيصٍ، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن الله هو المُسعِّر"؛ أي: الموسِّع للرزق من الطعام وغيره بين الخلق، فإن الله إذا أكثرَ البركةَ والرزقَ بين الخلق تصير قيمةُ الأشياء رخيصةً، ولا يَقدِر أحدٌ غيره أن يوسِّعَ الرزقَ. قوله: "القابض"؛ يعني: هو الذي يقبض الرزقَ؛ أي: يُقلِّل الرزقَ، ويجعل مَن يَشاء فقيرًا. "وهو الذي يبسط الرزقَ"؛ أي: يوسِّعه على مَن يشاء. قوله: "وإني لأرجو أن ألقَى ربي وليس أحدٌ منكم يَطلُبني بمَظلمةٍ"؛ يعني: إن أمرت ببيع السلع رخيصةً في حالة أن يشتريَها أصحابُها في وقت الغلاء تكون قد ألحقتَ بأصحابها ضررًا وخسرانًا، فيكون ذلك مظلمةً لهم عليَّ فلا

стр. 1519

أُسعِّر؛ كيلا يكونَ لأحدٍ عليَّ مظلمةٌ. * * * ٨ - باب الإفلاسِ والإنظارِ (باب الإفلاس والإنظار) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٢٧ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما رجُلٍ ماتَ أو أفْلَسَ، فأدْرَكَ رجُلٌ مالَهُ بعَيْنهِ فهوَ أَحَقُّ بهِ مِنْ غَيْرِهِ". قوله: "أيُّما رجلٍ أفلسَ، فأدركَ رجلٌ مالَه بعينه فهو أحقُّ من غيره"؛ يعني: إذا باعَ رجلٌ متاعًا من أحدٍ، فأفلسَ المشتري وحَجَرَ عليه القاضي، ولم يصل ثمنُ ذلك المتاع إلى البائع يجوز للبائع أن يفسخَ البيعَ، ويأخذَ مَبيعَه، وليس لأحدٍ من غُرماء المُفلِس أن يمنعَ البائعَ من الفسخ، وذلك إذا بقي المَبيعُ في مُلك المُفلِس، ولم يَزُلْ عن مُلكه ببيعٍ أو هبةٍ، ولم يَرْهَنْه، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له الفَسخُ، بل هو كسائر الغُرماء. * * * ٢١٢٨ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: أُصِيبَ رجُلٌ في عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ في ثِمارٍ ابْتاعَها، فكثُرَ دَيْنُهُ. فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عليهِ". فتصدَّقَ النَّاسُ عليهَ فلمْ يبلُغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِهِ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ لغُرمائِهِ: "خُذُوا ما وَجَدْتُمْ وليسَ لكُمْ إلَاّ ذلكَ".

стр. 1520

قوله: "أُصيب رجلٌ في عهد النبي ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال رسول الله ﷺ : تصدَّقوا عليه, فتصدَّق الناسُ عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دَينِه، فقال رسول الله ﷺ لغُرمائه: خُذُوا ما وجدتُم، وليس لكم إلا ذلك"، (أُصيب)؛ أي: أُلحق إليه خسرانٌ بأن أصابت جائحةٌ ثمرةَ اشتراها لغرمائه، ولم يقضِ ثمنَ ذلك الثمرة، فطالَبَه بائعُ الثمرة بثمنها، ولم يكن له مالٌ يؤدِّيه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "تصدَّقوا على هذا الرجل"، فتصدقوا عليه، فلم يجتمع مِن تصدُّقِهم ما يقضي به دَينَه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتُم، وليس لكم إلا ذلك". معنى هذا الكلام: أنه ليس لكم زجرُه وحبسُه؛ لأنه ظهرَ إفلاسُه، وإذا ثبت إفلاسُ الرجلِ لا يجوز حبسُه بالدَّين، بل يُخلَّى ويُمهَل إلى أن يحصلَ له مالٌ، فيأخذ الغُرماءُ بعد ما حصل له مالٌ ديونَهم. وليس معنى قوله: "وليس لكم إلا ذلك": أنه ليس لكم إلا ما وجدتُم، وبطل ما بقي لكم من ديونكم، بل بقي ما بقي من ديونكم تأخذونها بعد الإنظارِ وحصولِ المال للمُفلِس. * * * ٢١٣٠ - وقال: "مَنْ سَرَّهُ أنْ يُنْجيَهُ الله تعالى مِنْ كُرَبِ يومِ القيامَةِ فَليُنفِّسْ عنْ مُعْسِرٍ أو يضَعْ عنهُ". قوله: "فَلْيُنفِّس عن مُعسر"، (التنفيس): إذهاب الغَمِّ؛ يعني: فَلْيُمهِلْ مُعسِرًا إلى مدةٍ يجد مالًا. قوله: "أو يضع عنه": أو يُبرئه عن دَينه. روى هذا الحديثَ والحديثَين بعدَه أبو قتادة. * * *

стр. 1521

٢١٣١ - وقال: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أو وَضَعَ عنهُ أنجاهُ الله مِنْ كُرَبِ يومِ القِيامَةِ". ٢١٣٢ - وقال: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أو وضعَ عنهُ أظلَّهُ الله في ظِلِّه". قوله: "أظلَّه الله في ظلِّه"؛ يعني: نظرَ الله إليه يومَ القيامة بنظر الرحمة، ووقاه من حَرِّ يوم القيامة بأن وقَّفه في ظل العرش. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢١٣٣ - عن أبي رافعٍ ﵁ قال: اسْتَسْلَفَ رسُولُ الله ﷺ بَكْرًا، فجاءَتْهُ إبلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. قال أبو رافِع: فأمَرني أنْ أقضيَ الرجُلَ بَكْرَهُ، فقلتُ: لا أَجِدُ إلا جَمَلًا خِيارًا رَبَاعيًّا، قال رسُولُ الله ﷺ : "أعْطِهِ إيَّاهُ، فإنَّ خيرَ النَّاسِ أحسَنُهُمْ قضاءً". قوله: "استسلف"؛ أي: استَقرضَ. "بَكْرًا"؛ أي جملًا شابًا. "الرَّبَاعي": ما له سبعُ سنين. * * * ٢١٣٤ - ورُوي: أنَّ رجُلًا تقاضَى علَى النبيِّ ﷺ فاغْلظَ لهُ، فهَمَّ بهِ أصحابُهُ، فقال: "دعُوهُ فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالًا". قوله: "أن رجلاً تَقَاضَى على النبي ﷺ ، فأغلَظَ له، فهمَّ أصحابُه به، فقال: دعوه؛ فإن لصاحبِ الحقِّ مقالًا"، (تقاضى)؛ أي: طلبَ قضاء الدَّين. (فأغلظ له)؛ يعني: فقال له في وجهه كلامًا شديدًا مؤذيًا.

стр. 1522

(فهمَّ أصحابُه)؛ أي: قصدَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ أن يضربوا ويؤذوا ذلك الرجلَ، من أجل أنه غلَّظ الكلامَ على وجه رسول الله ﷺ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : (دعوه)؛ أي: اتركوه؛ (فإن لصاحبِ الحقِّ مقالًا)؛ يعني: يجوز له أن يُغلظ الكلامَ. هذا بيانُ جواز إيذاء مَن عليه حقٌّ، ولم يُؤذِه مع القدرة، ويأتي باقي بحثه في حسان هذا الباب. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢١٣٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ، فإذا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فلْيَتْبَعْ". قوله: "مَطْلُ الغني ظلمٌ، فإذا أُتبع أحدُكم على مليء فَلْيَتَبَعْ"، (المَطْل): تأخير أداء الحق من يومٍ إلى يومٍ. "أُتبع" بضم الهمز وكسر الباء: إذا أُحيل. "المَلِيء": الغَنِيُّ. "فَلْيَتبَعْ" بفتح الياء والتاء وتشديدها وكسر الباء: إذا مشى خلفَ أحدٍ واقتدى به، والمراد ها هنا: قَبول الحوالة؛ يعني: إذا كان لك حقٌّ على أحدٍ، فتطلبه وهو غنيُّ، ويؤخِّر أداءَ حقِّك من يومٍ إلى يومٍ؛ فهو ظالمٌ بهذا التأخير، فإذا أحالك إلى غنيٍّ فاقبَلْ تلك الحوالةَ؛ ليصلَ إليك حقُّك من المُحَالِ عليه، وتَبْرَأَ ذِمَّةُ المُحِيل ويخرجَ عن إثم المَطْل. * * *

стр. 1523

٢١٣٦ - عن كَعْبِ بن مالكٍ ﵁: "أنَّهُ تقاضَى ابن أبي حَدْرَد دَيْنًا لهُ عليهِ، فارتفعَتْ أصواتُهُما، فخرجَ إلَيْهِما رسولُ الله ﷺ ونادَى كَعْبَ بن مالكٍ ﵁، فأشارَ بيَدهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قال: قدْ فعلتُ. فقال: "قُمْ فاقْضهِ". قوله: "أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَد"، (أنه)؛ أي: أن كعبًا تَقَاضَى؛ أي: طلبَ حقَّه من ابن [أبي] حَدْرَد، فارتفعت أصواتُهما في الخصومة، فأشار رسولُ الله ﷺ إلى كعب: أن ضَعِ الشطرَ، (الشطر): النصف؛ يعني: أبرِئه من نصف دَينك، واطلبِ النصفَ الباقي؛ فإنه مُعسِر، فقال كعب: فعلت. "فقال": رسول الله ﷺ لابن [أبي] حَدْرَد: "قُمْ فاقضه"؛ يعني: فإذا تركَ نصفَ حقِّه فأدِّ نصفَ حقِّه الباقي بلا مهلةٍ، وهذا لم يكن حكمًا من النبي ﷺ لكعبٍ بترك نصف حقِّه، بل أمرَه على سبيل البرِّ والمُساهَلَة. * * * ٢١٣٧ - عن سَلَمةَ بن الأكْوَعِ: أنَّه قال: كُنَّا عِندَ النَّبيِّ ﷺ إذْ أُتيَ بجَنازةٍ فقالُوا: صَلِّ عليها، فقال: "هلْ عليهِ دَيْنٌ؟ " قالوا: لا. فصلَّى عليها. ثُمَّ أُتيَ بجَنازةٍ أُخرَى، فقال: "هلْ عليه دَيْن؟ " قِيل: نعمْ. قال: "فهلْ تركَ شيئًا؟ " قالوا: ثلاثةَ دَنانيرَ. فصلَّى عليها. ثُمَّ أُتيَ بالثالثة، فقالَ: "هلْ عليهِ دَيْن؟ " قالوا: ثلاثةُ دَنانيرَ. قال: "هلْ تركَ شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "صلُّوا على صاحِبكُمْ". قال أبو قَتادة: صلِّ عليهِ يا رسول الله وعليَّ دَينُهُ، فصلَّى عليهِ. قوله: "إذ أُتي بجنازة ... " إلى آخره. العلَّة في أنه ﷺ لم يُصلِّ على المديون: تغليظٌ للدَّين، وإظهارُ كونه شَينًا؛ لأن الناسَ إذا رَأَوا أن النبيَّ ﷺ لم يصلِّ على مديونٍ لم يكن له تركُه علموا أن الدَّينَ قبيحٌ، فاحترزوا منه.

стр. 1524

ويحتمل أن يكون سببُ امتناعه ﷺ عن الصلاة على المديون: أنه لو صلَّى عليه لصار مغفورًا بدعائه، وحينَئذٍ يدخل الجنةَ، ولم يكن لصاحب الدَّين التعلُّق به؛ لأنه مغفورٌ، وحينَئذٍ يضيع حقُّ صاحب الدَّين. قول أبي قتادة: "صلِّ عليه يا رسولَ الله وعليَّ دَينُه": يدل على أن الضمانَ عن الميت جائزٌ، سواءٌ تركَ الميتُ تَرِكَةً أم لا. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الضمانُ عن الميت الذي لم يترك مالًا يَفِي بدَينِه. * * * ٢١٣٨ - وقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى الله عنه، ومَنْ أخذَها يُريدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ الله ". قوله: "مَن أخذَ أموالَ الناس يريد أداءَها أدَّى الله عنه"؛ يعني: مَن استقرضَ قرضًا عن احتياج، وهو يقصد أن يؤدِّيَه، ويجتهد ويُبالغ في طلب شيءٍ يؤدِّي به ذلك القرضَ أعانه الله على أدائه، وإن لم يتيسر له ما يؤدِّي ذلك الدَّينَ حتى يموتَ، المَرجوُّ من الله الكريم أن يُرضيَ خصمَه بفضله. ومَن استقرض لا عن ضرورةٍ، ولكن ليس له قصدُ أدائه؛ لم يُعِنْه في أدائه، ولم يُوسَّع رزقُه، بل يَتلَفُ مالُه؛ لأنه قصدَ إتلافِ مالِ مسلمٍ من غيرِ قصدِ ردِّ عِوَضٍ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢١٣٩ - عن أبي قتادةَ ﵁ قال: قالَ رجلٌ: يا رسُولَ الله! أَرَأَيْتَ إنْ

стр. 1525

قُتِلْتُ في سبيلِ الله صابرًا مُحْتَسِبًا مُقْبلاً غيرَ مُدْبرٍ يُكفِّرُ الله عنِّي خَطايايَ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نعمْ" فلمَّا أدْبَرَ ناداهُ، فقال: "نعمْ إلَاّ الدَّيْنَ، كذلكَ قال جِبريلُ". قوله: "محتسبًا"؛ أي: لطمع ثواب الله لا للرِّياء. قوله: "إلا الدَّين": هذا يدل على أن الشهيدَ يُغفَر له الذنوبُ الصغائرُ والكبائرُ، إلا الدَّينَ، والمراد بالدَّين: حقوقُ الآدميين من دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ أعني: تطويل اللسان في عرضهم بالغِيبة والبهتان والقذف، وغير ذلك من حقوق الآدميين، فإنه لا يُعفَى بالتوبة، بل الطريقُ الاستحلالُ منهم، أو دفعُ حسناتِ الظالم إلى المظلوم بقَدْر حقِّه، أو عناية الله في حق الظالم بأن يتوبَ ويتضرَّعَ إلى الله، ويبالغَ في الأعمال الصالحة، حتى يرضَى الله عنه وُيرضيَ خصمَه من خزانة كرمه. * * * ٢١٤٠ - وقال: "يُغْفَرُ للشَّهيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَاّ الدَّيْنَ". قوله: "يُغفَر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلا الدَّينَ"؛ يعني: يَغفر الله ذنوبَ الشهيد صغيرةً كانت أو كبيرةً سوى حقوق الآدميين، وقد تقدَّم بحث هذا. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو. * * * ٢١٤١ - وقال أبو هريرةَ ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُؤْتَي بالرَّجُلِ المُتَوفَّى عليهِ الدَّيْنُ، فيَسأَلُ: "هلْ تركَ لدَيِنهِ قَضاءً؟ " فإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تركَ وفاءً صلَّى عليهِ، وإلَاّ قال للمُسِلمينَ: "صلُّوا على صاحبكُمْ" فلمَّا فتحَ الله عليه الفُتوحَ

стр. 1526

قامَ فقال: "أنا أوْلَى بالمُؤمِنينَ مِنْ أنفُسِهِمْ، فمنْ تُوفِّيَ مِنَ المُؤمِنينَ فتركَ دَيْنًا فعليَّ قضاؤهُ، ومَنْ تركَ مالاً فَهوَ لِوَرَثَتِهِ". قوله: "ومَن ترك دَينًا فعليَّ قضاؤُه": إن أراد ﷺ بأني أقضي ذلك الدَّينَ من خالص مالي فهو تبرُّعٌ وإحسانٌ إلى مَن مات وعليه دَينٌ، إن أراد قضاءَه من بيت المال فهو أيضًا مستحبٌّ، وليس بواجبٍ، ولا يجوز أداءُ دَين الميت من سهم الغُرَماء من الزكاة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٤٣ - وقال رسولُ الله ﷺ : "نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقةٌ بدَيْنِهِ حتَّى يُقْضَى عنهُ". قوله: "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَينه"؛ يعني: لا يدخل الجنةَ، ولا تدخل روحُه بين أرواح الصالحين، أو لا تجد روحُه لذةً ما دام عليه دَينٌ؛ حتى يُقضَى عنه. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢١٤٤ - وقال: "صاحِبُ الدَّيْنِ مأْسُورٌ بدَيْنِهِ يَشْكُو إلى ربهِ الوَحْدَةَ يومَ القِيامَةِ". قوله: "صاحبُ الدَّين مأسورٌ بدَينه يشكو إلى ربه الوحدةَ يومَ القيامة"، (المأسور): المحبوس. "يشكو إلى ربه الوحدةَ"؛ يعني: يكون تَعبُه وعذابُه من الوحدة؛ يعني:

стр. 1527

حُبسَ يومَ القيامة فردًا وحيدًا، لا يُؤذَن له في دخول الجنة ولا في مصاحبة الصالحين، بل يعذَّب حتى يخرج من عُهدة الدَّين؛ بأن يُدفَع من حسناته بقَدْر الدَّين إلى مُستحِقِّ الدَّين، أو يُوضَع من ذنوب مُستحِقَّ الدَّين عليه بقَدْر الدَّين، أو يُرضي الله خصمَه من فضله إن شاء. روى هذا الحديثَ البراءُ بن عازب. * * * ٢١٤٥ - ورُوي أنَّ مُعاذًا كانَ يدَّانُ، فأتَى غُرَماؤُه إلى النبيِّ ﷺ ، فباعَ النبيُّ ﷺ مالَهُ كُلَّهُ في دَيْنِهِ حتَّى قامَ مُعاذٌ ﵁ بغيرِ شيءٍ، مرسل. قوله: "أن معاذًا كان يدَّانُ"؛ أي: يستقرضُ ويشتري في الذِّمَّة. (أدَّانَ يدَّانُ): إذا استقرضَ وعامَلَ في الذمَّة، وأصله: اِدْيَيَنَ، فقُلبت الياءُ ألفًا، وقُلبت الياءُ دالاً وأُدغمت الدالُ الأولى فيها. قوله: "فأتى غُرماؤُه إلى النبي ﷺ "؛ يعني: أَتَوه وطلبوا منه قضاءَ ديونهم، فباع رسولُ الله ﷺ مالَ معاذٍ، وقَضَى منه ديونَهم، ولم يبقَ لمعاذٍ شيءٌ من ماله، بل صرفَ جميعَ ماله في الديون. يجوز للقاضي أن يَحجرَ على المُفلِس إذا طلب غُرماؤه منه الحَجَرَ، ويبيع مالَ المُفلسِ ويَقسِم بين غُرمائه على قَدْرِ ديونهم. * * * ٢١٤٦ - عن عمرِو بن الشَّريدِ ﵁، عن أبيه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ". قوله: "ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه"، (اللَّيُّ): المَطْل، (الواجد):

стр. 1528

الغَنِيُّ؛ يعني: إذا كان على غنيٍّ دَينٌ، ولم يُؤدِّ ذلك الدَّينَ ويدفعْ مع القدرة (يُحِلُّ عِرضَه)؛ أي: يجوز لصاحب الحق أن يُؤذيَه بالكلام، مثل أن يقول: أنتَ ظالمٌ، أنتَ سيئ القضاء، وما أشبه ذلك ما لم يكن قَذْفًا وفُحْشًا، (وعقوبته)؛ أي: يُحلُّ عقوبتَه بأن يحبسَه القاضي حتى يؤدِّيَ الدَّينَ، فإن لم يؤدِّ مع القدرة واستطابَ السجنَ جاز للقاضي أن يضربَه حتى يؤدِّيَ الدِّينَ. * * * ٢١٤٧ - وعن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قال: أُتيَ النبيُّ ﷺ بجَنازةٍ ليُصلِّيَ علَيْها، فقال: "هَلْ عَلَى صاحِبكُمْ مِنْ دَيْنُ؟ " قالوا: نعم، قال: "هَلْ تركَ وفاءً؟ " قالوا: لا، قال: "صلُّوا على صاحِبكُمْ". قالَ عليُّ بن أبي طالِبٍ ﵁: عَلَيَّ دَيْنُهُ. فتقدَّمَ النبيُّ ﷺ فصلَّى عليهِ. وقال: "فكَّ الله رِهانَكَ مِنَ النَّارِ كما فكَكْتَ رِهانَ أخيكَ المُسلمِ، ليسَ مِنْ عَبدٍ مُسلمٍ يَقضي عنْ أخيهِ دَيْنَهُ إلَاّ فكَّ الله رِهانَهُ يومَ القِيامَةِ". قوله: "فكَّ الله رِهانَك"، (الرِّهان) جمع: رَهْن، وهو شدُّ شيءٍ بشيءٍ, وانغلاق عينِ مالٍ بدَينٍ، واشتغال ذِمَّة أحدٍ بحقٍّ؛ يعني: فكَّ الله اشتغالَ ذِمَّتك، وأَبْرَأَ الله ذِمَّتَك عن حقوق الآدميين وعن الآثام والأوزار. * * * ٢١٤٩ - عن أبي موسى ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أعظمَ الذُّنوبِ عندَ الله أنْ يلقاهُ بها عبدٌ بعدَ الكبائِرِ التي نَهَى الله عنها أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وعليهِ دَيْنٌ لا يدَعُ له قضاءً". قوله: "أن يلقاه بها عبدٌ بعدَ الكبائر ... " إلى آخره.

стр. 1529

فاعل (يلقى): (عبد)، ومفعوله: الهاء في (يلقاه)، وهو يرجع إلى الله تعالى، والضمير في (بها) يعود إلى الدَّين. فإن قيل: [لِمَ] جعل الكبائرَ أشدَّ من الدَّين مع أن الدَّينَ حقُّ الآدمي، وما بين العبد وبين الله كالذنوب أقربُ إلى النجاة من حق الآدمي؟ قلنا: لأن فعلَ الكبائر عصيانُ الله، وأخذَ الدَّينِ ليس بعصيانٍ، بل الاقتراضُ والتزامُ الديون بالمعاملات جائزٌ، فإذا كان التزامُ الدَّين جائزًا فلا جرمَ يكون أمرُه أسهلَ من أمر الكبائر التي هي مَنهيَّةٌ عنها، ومع أن التزامَ الدَّين جائزٌ شدَّد رسولُ الله ﷺ الإثمَ على مَن ماتَ وعليه دَينٌ، ولم يترك من المال ما يقضي دَينَه؛ كيلا تضيعَ حقوقُ الناس بأن يقرضَ بعضُهم بعضًا، ولم يؤدِّ ديونَهم. قوله: "لا يَدَعُ له قضاء"؛ أي: لا يترك لذلك الدَّين مالًا يُقضَى به ذلك الدَّينُ. * * * ٢١٥٠ - عن عمرِو بن عَوْفٍ المُزَنيِّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الصُّلْحُ جائِزٌ بينَ المُسلمينَ إلّا صُلْحًا حرَّمَ حلالًا أَوْ أحلَّ حرامًا، والمُسلِمونَ على شُروطِهِمْ إلَاّ شَرْطًا حَرَّمَ حلالًا أو أحلَّ حرامًا". قوله: "الصُّلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا". * * *

стр. 1530

٩ - باب الشَّركةِ والوَكالةِ (باب الشَّرِكة والوكالة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٥١ - عن زُهرةَ بن مَعبدٍ: أنَّهُ كانَ يخرُجُ بهِ جَدُّهُ عبدُ الله بن هشامٍ إلى السُّوقِ فيشتري الطَّعامَ، فيلقاهُ ابن عُمَرَ وابن الزُّبَيْرِ فيقولان له: أَشْرِكنا، فإنَّ النبيَّ ﷺ قد دَعا لكَ بالبرَكَةِ، فيشركهما، فربَّما أصابَ الراحلةَ كما هيَ فيَبعَثُ بها إلى المنزِلِ. وكانَ عبدُ الله بن هشامٍ ﵁ ذهبتْ بهِ أمُّهُ إلى النبيِّ ﷺ فمسحَ رأسَهُ ودَعا لهُ بالبركةِ. قوله: "كان يخرج به جدُّه عبد الله بن هشام إلى السوق، فيشتري الطعامَ"؛ يعني: يخرج زُهرةُ بن مَعبد مع جدَّه عبدِ الله بن هشام، فيشتري عبدُ الله بن هشامٍ الطعامَ، فربما يلقى ابن عمر وابن زُبير عبدَ الله ابن هشام، ويقولان له: "أَشرِكْنا" فيما اشتريتَ؛ "فإن رسولَ الله ﷺ قد دعا لك بالبركة"، فيُشركهما، وهذا يدل على جواز الشَّرِكة. قوله: "فربما أصاب الراحلةَ كما هي"؛ يعني: ربما يجد دابةً مع متاعٍ على ظهرها يشتريها عبدُ الله بن هشام من صاحبها، ويُرسلها إلى بيته؛ يعني: تتيسَّر له المعاملةُ، ويجد الربحَ في المعاملة ببركة دعاء النبي ﷺ . * * * ٢١٥٢ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالتِ الأنصارُ للنبيِّ ﷺ : اقسِمْ بَيننا وبينَ إِخْواننا النَّخيلَ، قال: "لا، تَكفونَنا المَؤونةَ ونَشْرَكُكُمْ في الثَّمَرَةِ"، قالوا: سَمِعنا وأطَعْنا

стр. 1531

قوله: "اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ... " إلى آخره؛ يعني: لمَّا هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم وأوطانهم بمكة، فقالت الأنصار: يا رسول الله! قد جاءنا إخواننا المهاجرون وليس لهم مال، ولنا النخيل، فجَعَلْنا نخيلنا بيننا وبينهم، فاقسمه بيننا، فقال رسول الله: "لا"، أي: لا نقسم النخيل بينكم. "تكفوننا المؤونة"؛ أي: ادفعوا عنَّا - أي: عن المهاجرين - مؤونة العمارة، فإن المهاجرين لا يطيقون ولا يعرفون عمارة النخيل، بل احفظوا نخيلكم وأصلحوها، واعملوا عليها ما نحتاج إليه من العمارة، فما يحصل من الثمار نقسمه بينكم، "فقالوا: سمعنا وأطعنا". وفي هذا الحديث: بيانُ استحباب معاونة الإخوان ودفعِ المشقَّة عنهم، فإن النبيَّ ﷺ أشركهم في الثمار دون النخيل. وفيه: بيانُ صحة الشركة؛ لأنهم قالوا: أشركنا، فلو لم تكن الشركة صحيحةً لَمَا قالوا: (أشركنا). * * * ٢١٥٣ - عن عُروةَ بن أبي الجَعْد: أنَّ رسولَ الله ﷺ أعطاهُ دِينارًا ليَشتريَ لهُ شاةً، فاشترَى له شاتَيْنِ، فباعَ إحداهُما بدينارٍ وأتاهُ بشاةٍ ودينارٍ، فدَعا لهُ رسولُ الله ﷺ في بَيْعِهِ بالبَركَةِ، فكانَ لو اشترَى تُرابًا لرَبحَ فيهِ. قوله: "أعطاه دينارًا ليشتري له شاة، فاشترى له شاتين، فباع إحداهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار فدعا له". هذا الرجل يسمَّى عروة بن أبي الجعد البارقي. وفي هذا الحديث إشكالٌ من وجهين:

стр. 1532

أحدهما: أن رسول الله ﷺ وكلَّه بشَرْي شاة، فاشترى شاتين. وجواب هذا: أن مثل هذا التصرف جائز؛ لأن فيه ربحًا؛ لأنه وكَّله بشري شاة تساوي دينارًا، فاشترى شاتين تساوي كلُّ شاةٍ دينارًا. والإشكال الثاني: أنه باع إحدى شاتين من غير أن يكون وكيلًا في البيع، فاختلف في تأويل هذا: فقيل: هذا بيعٌ بلا إذن، وكان موقوفًا - أي: غيرَ محكوم بصحته وفساده - حتى أذن رسول الله ﷺ ، فلمَّا رضي رسول الله ﷺ فقد تبيَّن صحته. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في قوله القديم: أن من باع مال أحد بغير إذن صاحبه فهو موقوفٌ، فإن رضي مالكه به حُكم بصحته، وإن لم يرض حُكم بفساده. وقال الشافعي على قوله الجديد، وهو الأصح: إنه لا يجوز بيع مال أحدٍ بغير إذنه، وإن رضي المالك بعد ذلك به. بل تأويل هذا الحديث: أن عروة كان وكيلًا مطلقًا لرسول الله ﷺ في جميع المعاملات من البيع والشَّرْي، فلمَّا كان وكيلًا في جميع ما يبيع ويشتري لرسول الله ﷺ ، فيصح بيعه إحدى الشاتين. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٥٤ - عن أبي هريرةَ ﵁ رفَعَه قال: "إنّ الله يقولُ: أنا ثالثُ الشَّريكَيْنِ ما لمْ يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَهُ خرجْتُ منْ بينِهِما". قوله: "قال: إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين"؛ يعني: إن الله تعالى يقول: أنا مع الشريكين أرزقهما وأحفظُ أموالهما وأعطيهما الربح، ما لم يكن

стр. 1533

لأحدهما خيانة. "فإذا خان أحدهما صاحبه خرجتُ من بينهما"؛ أي: تركت إعطائي إياهما الربح، وأرفع البركة من أموالهما. * * * ٢١٥٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أدِّ الأَمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ". قوله: "أدَّ الأمانة إلى من ائتمنك"، (ائتمن): إذا جعل أحدًا أمينًا وحافظًا على ماله أو شيءٍ آخر؛ يعني: مَن أودع عندك وديعةً، سلِّم تلك الوديعة إليه من غير نقصٍ وتصرُّف، ولا تَخُنْ فيه وإن خانك صاحبه؛ يعني: لا تفعل بالناس بمثل ما يفعلون بك من السوء، بل أَحْسِنْ إلى مَن أساء إليك. * * * ٢١٥٦ - عن جابرٍ ﵁ قال: أردتُ الخُروجَ إلى خَيْبَرَ فأتيتُ النبيَّ ﷺ فسلَّمتُ عليهِ فقال: "إذا أتيتَ وكِيلي فخُذْ منهُ خمسةَ عشرَ وَسْقًا، فإن ابتغَى منكَ آيةً فضَعْ يدكَ على تَرْقُوَتِهِ". قوله: "إذا أتيتَ وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا"؛ يعني: إذا وصلت إلى عاملي في خيبر، فخذ منه خمسة عشر وسقًا من التمر. "فإن ابتغى"؛ أي: وإن طلب "منك آية"؛ أي: علامةً ودليلًا على أني أمرتك بهذا، "فضع يدك على ترقوته"؛ لأني قلت له: إن الآية التي بيني وبينك إذا جاءك أحد وطلب منك شيئًا عن لساني أن يضع يده على ترقوتك، فإن يضع يده على ترقوتك فاعلم أنه يَصْدُقُ فيما يقول عني.

стр. 1534

واعلم أن مثل هذا هو العرف الجاري بين الناس، فبعضهم تكون العلامة بينهم بأن يأخذ إصبعه الإبهام أو الوسطى، وبعضهم يضع يده على كفه، وما أشبه ذلك مما كان تقريرهم، فإن لم يقبل الوكيل تلك الآية، فلا شيء عليه من حيث الشرع. مثاله: جاء زيد إلى عمرو الذي هو وكيل بكر، ويقول: قال بكر لك: أعطني كذا بالعلامة الفلانية التي بينك وبينه، فإن صدَّقه عمرو في تلك العلامة وأعطاه ذلك الشيء جاز، وإن لم يصدقه مع صحة العلامة، فليس عليه شيء، بل يلزم على زيد إقامةُ البينة على ما يقول، والله أعلم. * * * ١٠ - باب الغَصْبِ والعاريَةِ (باب الغصب والعارية) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٥٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أخذَ شِبرًا مِنَ الأرضِ ظُلمًا فإنَّهُ يُطَوَّقُهُ يومَ القِيامَةِ مِنْ سَبع أرَضين". قوله: "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا، فإنه يُطوَّقُه يوم القيامة من سبع أرضين"؛ يعني: خلق الله قَدْرَ تلك الأرض المغصوبة طولًا وعرضًا وغلظة من وجه الأرض إلى تحت الأرض السابعة، وجعلها طوقًا في عنقه ليعذبه ثقلُها. روى هذا الحديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. * * *

стр. 1535

٢١٥٨ - وقال: "لا يَحلُبن أحدٌ ماشيةَ امرئٍ بغير إذنِهِ، أيُحبُّ أحدُكُمْ أنْ تُؤْتَى مَشْربتُهُ فتُكْسَرَ خِزانَتُهُ، فيُنتقَلَ طعامُهُ؟ فإنَّما تَخزُنُ لهم ضُروعُ مَواشِيهمْ أطعِماتِهِم". قوله: "أيحب أحدكم أن تؤتَى مَشْربتُه فتكسر خزانتُه، فينتقل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم"، (المشربة) بضم الراء: الغُرفة - بضم الغين - وهي بيت فوقاني. قوله: "فإنما تَخزنُ لهم ضروعُ مواشيهم أطعماتِهم"، (ضروع): فاعل (تخزن)، و (أطعماتهم) مفعوله؛ يعني: ضروعُ مواشيهم بمنزلةِ خزانتهم، فمَن حلب مواشيهم فكأنه كسر خزانتهم؛ يعني: كما؟ لا تحبون أن يأتي أحدكم خزائنكم ويسرق ما فيها، فكذلك لا تجوَّزوا حلبَ مواشيهم، فإن ضروعها بمنزلة خزائنهم، فيها طعامهم وهو اللبن. روى هذا الحديث ابن عمر ﵄. * * * ٢١٥٩ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ النبيُّ ﷺ عندَ بعضِ نسائهِ، فأرسلَتْ إحدَى أمَّهاتِ المُؤمنينَ بصَحْفَةٍ فيها طعامٌ، فضرَبتِ التي النبيُّ ﷺ في بيتِها يدَ الخادِمِ فسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فانفلَقَتْ، فجمعَ النبيُّ ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثمَّ جَعَلَ يجمَعُ فيها الطعامَ ويقول: "غارَتْ أمُّكُمْ"، ثُمَّ حبسَ الخادِمَ حتَّى أُتي بصَحْفةٍ مِنْ عِند التي هو في بيتها، فدفعَ إلى التي كُسِرَتْ صَحْفَتُها وأمسكَ المكسُورة في بيت التي كسرتها. قوله: "إحدى أمهات المؤمنين"؛ يعني: إحدى زوجات النبي ﷺ . قوله: "فضربت التي النبيُّ ﷺ في بيتها يد الخادم"؛ يعني: أرسلت

стр. 1536

زوجةٌ من زوجات النبي طعامًا إلى رسول الله ﷺ ، فضربت زوجتُه التي كان رسول الله ﷺ عندها يدَ الخادم، "فسقطت الصحفة" - وهي قصعةٌ كبيرة - فانكسرت. قوله: "فانفلقت"؛ أي: انشقت وانكسرت. "الفِلَق" بكسر الفاء: جمع فَلْقة، وهي القطعة. "ثم جعل"؛ أي: طفق رسول الله ﷺ . "ويقول: غارت أمكم"؛ يعني: يقول رسول الله ﷺ : غارت أمكم أيها المؤمنون؛ يعني: فعلت هذه الزوجة ما فعلت من كسر الصحفة من غيرتها؛ يعني: استنكفت وغارت أن تقبل هدية الضرة، وقالت: لست محتاجة إلى أن ترسل إلي أو إلى رسول الله ﷺ شيئًا إذا كان في بيتي، فلأجل هذه الغيرة كسرت الصحفة. قوله: "ثم حبس الخادم"؛ يعني: منع الخادم من أن يرجع حتى أخذ صحفةً من بيت الزوجة التي كسرت الصحفة، وإعطاءها الخادم ليذهب بها إلى التي أرسلت الصحفة. وهذا بيانُ لزومِ الضمان على مَن أتلف مالَ أحد. وفي هذا الحديث: بيانُ لزومِ الغيرة في نفس الإنسان، فإن أمهات المؤمنين ﵅ مع صحبتهن رسول الله ﷺ لم يَخْلون عن الغيرة، فلا يليق لأحد أن يعاتب أحدًا على الغيرة، فإنها مركَّبةٌ في نفس البشر بحيث لا يقدر الرجل أن يدفعها عن نفسه، كالغضب وغيره من صفات النفس. * * * ٢١٦٠ - عن عبد الله بن يزيدَ، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه نَهَى عن النُّهبةِ والمُثْلةِ.

стр. 1537

قوله: "نهى عن النهبة والمثلة"، (النهبة): المالُ الذي أُخذ بالغارة؛ يعني: نهى رسول الله ﷺ أن يأخذ كلُّ واحدٍ من الجيش ما وجده من الغنيمة من الكفار، بل يلزم عليهم أن يجمعوا الغنيمة عند الإِمام حتى يقسم بين الجيش على حكم الشرع. ويحتمل أن يريد بـ (النهبة): أخذ مال المسلمين قهرًا. (المثلة): قطع أعضاء المقتول؛ يعني: نهى إذا قتلوا كافرًا أن يقطعوا أعضاءه، فكذلك إذا قُتل مسلمٌ بالقصاص، أو رُجم بحدِّ الزنا، أو صُلب قاطع الطريق، لا يجوز قطع أعضائه؛ لأن الغرض إزالة الحياة، فإذا أزيلت حياته فلا فائدة في قطع الأعضاء. * * * ٢١٦١ - وعن جابرٍ ﵁ قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ في عهدِ رسُولِ الله ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ ابن رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى بالنَّاسِ ستَّ ركعات بأربعِ سجَداتٍ، فانصرفَ وقد آضَتِ الشمسُ، وقال: "ما مِنْ شيءٍ تُوعَدُونَهُ إلَّا وقدْ رأيتُهُ في صلاتي هذه، لقدْ جِيءَ بالنَّارِ وذلكَ حينَ رأَيْتُمُوني تأخَّرْتُ مخافةَ أنْ يُصِيبني مِنْ لَفْحِها، وحتَّى رأيتُ فيها صاحِبَ المِحْجَنِ يجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وكان يَسرِقُ الحاجَّ بمِحْجَنِهِ، فإنْ فُطِنَ لهُ قال: إنَّما تَعَلَّقَ بِمِحْجَني، وإنْ غُفِلَ عنهُ ذهبَ بهِ، وحتَّى رأيتُ فيها صاحِبةَ الهِرَّةِ التي ربطَتْها فلمْ تُطْعِمْها ولم تَدَعْها تأكلُ من خَشاشِ الأرضِ حتَّى ماتَتْ جُوعًا، ثمَّ جِيءَ بالجنَّةِ وذلكَ حينَ رأَيْتُمُوني تقدَّمْتُ حتَّى قُمْتُ في مَقامي، ولقدْ مدَدْتُ يَدِي وأنا أُرِيدُ أنْ أتَناوَلَ منْ ثَمَرِها لتنظُرُوا إلَيْهِ ثمَّ بدا لي أنْ لا أفعلَ". قوله: "فصلى بالناس ستَّ ركعات بأربع سجدات": أراد بالركعات

стр. 1538

ها هنا: الركوعات؛ يعني: صلى ركعتين في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ وسجدتين. وقد ذكرنا بحث صلاة الخسوف قبل الجنائز. "فانصرف"؛ أي: فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة "وقد أضاءت الشمس"؛ أي: رجعت الشمس، وذهب كسوفها. قوله: "ما من شيء توعدونه"؛ يعني: ليس شيء وعدتم بمجيئه من الجنة والنار وغيرهما من أحوال القيامة إلا عُرض عليَّ. قوله: "وذلك حين رأيتموني تأخرت" كأنَّ رسول الله ﷺ بينما كان هو واقفًا في صلاة الكسوف تأخَّر عن مصلَّاه، ثم تقدم إلى مصلَّاه ومدَّ يده كأنه يقطف (١) شيئًا بيده، فلمَّا فرغ من الصلاة قال ﷺ : عُرضت علي النار فتأخَّرت من خوف أن يصيبني لفحها؛ أي: تحريقها، وعرضت علي الجنة فمددت يدي أن آخذ عنقودًا من ثمرها لأريكم ثمر الجنة، فبدا لي رأيٌ أن لا آخذ. قوله: "حتى رأيت فيها"؛ أي: في النار "صاحب المحجن" وهو خشبٌ طويلٌ على رأسه حديدةٌ مُعْوَجَّةٌ. "القُصب" بضم القاف والصاد المهملة: الأمعاء، وهو آلة البطن. "الخشاش" بفتح الخاء وكسرها: حشرات الأرض كالحية والفأرة وغيرهما. * * * ٢١٦٢ - وقال أنسٌ ﵁: كانَ فَزَعٌ بالمدينةِ فاستعارَ النبيُّ ﷺ فَرَسًا منْ أبي طَلْحَةَ، فرَكِبَ، فلمَّا رجعَ قال: "ما رأَيْنا مِنْ شَيءٍ وإنْ وجدناهُ لَبَحْرًا".

стр. 1539

قوله: "كان فزع"؛ يعني: قد وقع في المدينة فزعٌ وصياحٌ بأنَّ جيش الكفار قد وصل إلى قرب المدينة، "فاستعار رسول الله ﷺ فرسًا من أبي طلحة"، وخرج مع الجيش من المدينة ليحاربوا الكفار، فظهر أنه لم يكن لذلك الفزع حقيقة، فرجع رسول الله ﷺ وقال: "ما رأينا من شيء وان وجدناه لبحرًا"، أي: وإنَّا وجدنا هذا الفرس لبحرًا. (البحر): الفرس السريعُ العَدْوِ. وهذا الحديث يدل على جواز الاستعارة. * * * ٢١٦٣ - عن سعيدِ بن زيدٍ، عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أحْيا أَرْضًا مَيتةً فهي لهُ، وليسَ لعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ"، مرسل. قوله: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"؛ يعني: من عَمَر أرضًا غير مملوكةٍ لمسلم، ولم يَجْرِ عليها عمارةُ مسلم ولا ذمَّيًّ، ولم يتعلق لمصلحة بلدٍ أو قرية بأن يكون مَرْكَضَ خيلهم، أو محطَّ ثلجهم وترابهم، فإذا كان كذلك صارت تلك الأرض ملكًا له، سواءٌ كان بإذن السلطان، أو بغير إذنه، خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: لا بد من إذن السلطان. ثم الأرضُ التي أحياها الرجل إنما تصير ملكًا له إذا تم عمارتها، وإتمام العمارة يختلف باختلاف الأبنية، فإن كان دارًا فلا يملكها حتى يَحُوطَ حول تلك الأرض ويجعلَ لها سقفًا، وإن كان حظيرةَ يحتاج إلى إدارة الحائط حول تلك الأرض، ولا يحتاج إلى السقف، وإن كان بئرًا فيحتاج إلى وصولها إلى الماء، وإن كانت مزرعةً فيحتاج إلى إصلاح التراب، وإجراءِ الماء، ونثر البذر عليها. قوله: "وليس لعرق ظالم حق"، (ظالم): صفة (عرق)، ويجوز أن

стр. 1540

يكون مضافًا إليه. وصورته: أن يغصب أحد أرضًا، فزرع فيها زرعًا، أو غرس فيها شجرًا، فليس له حقٌّ في إبقاء زرعه وشجره، بل يجوز لمالك الأرض أن يقلع زرعه وشجره. * * * ٢١٦٤ - وقال: "ألا لا تظلِمُوا، ألا لا يحِلُّ مالُ امرئٍ إلا بطيبِ نفسٍ منهُ". قوله: "ألا لا تظلموا" (الظلم): وضع شيء في غير موضعه، ويدخل في هذا النهي أخذ أموال الناس بالباطل، وإيذاؤهم، وشتمهم، وغيبتهم، وضربهم بغير حق، وغير ذلك من الإضرارات بالمسلمين. روى هذا الحديث [أبو حرَّة الرقاشي، عن عمه]. * * * ٢١٦٥ - وعن عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه قال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغارَ في الإسلامِ، ومَنِ انتَهَبَ نُهْبةً فليسَ مِنَّا". قوله: "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإِسلام" أما (الجلب والجنب): قد يستعملان في الزكاة وفي المسابقة، أما في الزكاة فقد ذكرنا شرحها في آخر الباب الأول من الزكاة، وأما في المسابقة: معنى (الجلب): أنه لا يجوز أن يأمر أحدُ المسابقين جماعةً أن يجلبوا؛ أي: يصوِّتوا ليركض فرسُه من أصواتهم، فإن هذا مكرٌ وحيلة. وأما (الجَنَب): فهو أن يستصحب أحد المسابقين معه فرسًا ليركبه إذا

стр. 1541

تعب وانقطع في الطريق الفرسُ الذي ركبه أولًا، فهذا لا يجوز أيضًا. وأما (الشغار): فصورتُه أن يقول رجل لآخر: زوَّجتك ابنتي على أن تزوَّجني ابنتك، ويكون بُضعُ كلَّ واحدةٍ منهما صداقًا للأخرى، وهذا النكاح باطلٌ في الإِسلام، وكان أهل الجاهلية يفعلونه. ووجه فساده: أنهما اشترطا جَعْلَ البُضع مهرًا، وخلَا نكاحهما عن المهر. وممن قال ببطلان نكاح الشغار: الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: النكاح صحيح، ولكل واحدة من المرأتين مهر المثل. هذا إذا لم يسمَّيا مهرًا، قال الشافعي: لو سُمِّي لهما أو لإحداهما صَدَاقٌ فليس بالشغار المنهيِّ عنه، والنكاحُ ثابتٌ، والمهرُ فاسد، ولكلَّ واحدة منهما مهرُ مِثْلِها، ووجهُ فساد المسمَّى عند تسمية المسمَّى: أنه نكاح على شرطٍ، فإن الأول قال: زوَّجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بكذا دينار، ولَفَظَه على الشرط، والشرطُ في النكاح يُفسد المسمَّى ويوجب مهر المِثْل. قوله: "ومن انتهب نهبة فليس منا": مضى ذكرُ بحثِ هذا في هذا الباب. * * * ٢١٦٦ - وعن السَّائِب بن يَزيدَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يأْخُذْ أحَدُكُمْ عصا أخيهِ لاعِبًا جادًّا، فمنْ أخَذَ عصا أخيهِ فليرُدَّها إليهِ". قوله: "لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبًا جادًا": لاعبًا جادًا هما منصوبان على الحال؛ يعني: لا يجوز لأحدكم أن يأخذ عصا أخيه المسلم في حال اللعب ولا في حال الجد. ويجوز أن يكون معناه: لا يأخذها في حال اللعب، ثم يقصد إمساكها لنفسه على الجد؛ يعني: يُظْهِرُ أنه أخذها باللعب، وفي نيته عدمُ ردها.

стр. 1542

وهذا الحديث ليس تخصيصًا بالعصى، بل المراد منه: كلُّ شيء حتى العصا، وإن كان شيئًا حقيرًا. * * * ٢١٦٧ - وعن الحَسَنِ عن سَمُرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ وجدَ عَيْنَ مالِه عندَ رجُلٍ فهوَ أحقُّ بهِ ويتَّبعُ البيعُ من باعَهُ". قوله: "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه"، (البيع) - بتشديد الياء - هنا المشتري؛ يعني: مَن اشترى متاعًا، وجاء رجلٌ وادعى أنه مال سرقة، أو غَصَبه البائع، وأقام المدَّعي بينةً على ما يقول، يدفع ذلك المتاع إلى المدَّعي، ويتبع المشتري البائعَ ويأخذ ثمنه؛ لأنه غاصبٌ. * * * ٢١٦٨ - وقال: "على اليدِ ما أخَذَتْ حتَّى تُؤَدَّيَ". قوله: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي"؛ يعني: مَن أخذ مال أحدٍ بغصبٍ أو عاريةٍ أو وديعةٍ لزمه ردُّه، وفي الغصب لزمه ردُّه وإن لم يطلبه مالكه، وفي العارية: إن عيَّن مدةً لزمه ردُّه إذا انقضت تلك المدة، ولو طلبه مالكه قبل انقضاء تلك المدة لزمه ردُّه، وإن لم يعين مدةً لا يلزمه ردُّه، إلا إذا طلبه مالكه. وفي الوديعة: لا يلزم المودَعَ ردُّه إلا إذا طلب المالك. روى هذا الحديث سمرة بن جندب. * * * ٢١٦٩ - عن حَرامِ بن سعدِ بن مُحَيصةَ: أنَّ ناقَةً للبراءِ بن عازبٍ دَخَلَتْ حائِطًا فأفسَدَتْ، فقضَى رسُولُ الله ﷺ أنَّ على أَهْلِ الحوائِطِ حِفْظَها بالنَّهارِ،

стр. 1543

وأنَّ ما أفسَدَتِ المَواشي باللَّيْلِ ضامِنٌ على أَهلِها. قوله: "أن على أهل الحوائط ... " إلى آخره. يعني: ما أتلفت المواشي بالنهار لم يلزم مالكَها ضمانُ ما أتلفت، وإن أتلف بالليل لزمه الضمان؛ لأن العادة حفظ المواشي بالليل وإرسالُها بالنهار، وهذا إذا لم يكن مالكها معها، وإن كان مالكها معها لزمه ضمان ما أتلفت ليلًا كان أو نهارًا، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها فمها، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: إن لم يكن معها مالكها لم يضمن ليلًا كان أو نهارًا، وإن كان معها مالكها، فإن كان يسوقها فعليه ضمان ما أتلفت بكلِّ حال، وإن كان قائدَها أو راكبها، فعليه ضمانُ ما أتلفت بفمها أو يدها, ولا يجب ضمانُ ما أتلفت برجلها بكلِّ حال. * * * ٢١٧٠ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الرَّجْلُ جُبَارٌ". ٢١٧١ - وقال: "النَّارُ جُبَارٌ". قوله: "الرجل جبار، والنار جبار"، (الجُبار): الهَدْر، وهو الذي لا مؤاخَذَة به، أراد بـ (الرجل جبار): أن دابة لو ضربت أحدًا برجلها، أو أفسدت شيئًا برجلها, لا مؤاخذة به، وفي هذا تفصيلٌ، وقد ذكر في الحديث المتقدم. وأما قوله: "والنار جبار" معناه: أن مَن أوقد نارًا على سطحه أو في بيته على وفق العادة، ولم يتعدَّ، ولم يُسرف في الإيقاد، فوقعت قطعةٌ من تلك النار في بيت جاره فأفسدت ماله، لا شيء عليه؛ لأنه تصرَّفَ في ملكه من غير عدوانٍ في اشتعال النار. * * *

стр. 1544

٢١٧٢ - عن الحسنِ عن سَمُرةَ ﵄: أنّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا أَتَى أحدُكُمْ على ماشِيةٍ فإنْ كانَ فيها صاحبُها فلْيَستأْذِنْهُ، وإنْ لمْ يكُنْ فيها فَلْيُصوتْ ثلاثًا، فإنْ أجابَهْ أَحَدٌ فلْيَستأْذِنْهُ، فإنْ لمْ يُجِبْهُ أحدٌ فليَحتلِبْ ولْيَشْرَبْ ولا يَحْمِل"، غريب. قوله: "فليحتلب وليشرب ولا يحمل"؛ يعني: إذا أتى أحدكم ماشية في الصحراء، ولم ير هناك أحدًا "فليصوِّت"؛ أي: فليناد وليقل بصوتٍ رفيع: يا صاحب هذه المواشي، فلينادِ هكذا ثلاث مرات، فإن لم يجبه أحد جاز له أن يحلب من اللبن ويشرب بقدر حاجته، ولا يحمل شيئًا، وإنما يجوز له هذا إذا كان مضطرًا يخاف الموت من الجوع، أو يخاف انقطاعه عن السبيل، فحينئذٍ يجوز له شرب اللبن، ويردُّ قيمتَه إلى مالكه عند القدرة. وقيل: لا يلزمه ردُّ قيمته. وقال أحمد: جاز له أن يشرب من لبن الماشية في الصحراء، وإن لم يكن مضطرًا. * * * ٢١٧٣ - وعن ابن عمرَ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ دخلَ حائِطًا فلْيَأْكُلْ ولا يَتَّخِذْ خُبنةً"، غريب قوله: "من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خبنة"، (الخبنة): ما يحملُ بالذيل؛ يعني: من دخل بستان أحدٍ جاز له أكل الثمار من غير أن يحمل شيئًا. وبحث هذا الحديث كبحث الحديث المتقدم. * * *

стр. 1545

٢١٧٤ - وعن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال: "مَنْ أصابَ بفيهِ مِنْ ذي حاجَةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيءَ عليهِ". قوله: "من أصاب بفيه"؛ أي: من أكل الثمرة من الشجرة، وإنما ذكر الفم ليُعْلَم أنه لا يجوز العمل، (بفيه)؛ أي: بفمه. وبحث هذا كبحث المتقدم. * * * ٢١٧٦ - عن أُميَّةَ بن صَفْوانَ عن أبيه: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعارَ منه أدْراعَهُ يومَ حُنَيْنٍ فقال: أَغَصْبًا يا محمَّدُ؟ قال: "لا، بَلْ عاريَةٌ مضمُونَةٌ". قوله: "بل عارية مضمونة" كان صفوان بن أمية كافرًا، استأذن رسول الله ﷺ في دخول المدينة ليسمع كلام الله وحديث رسول الله، ويعلم أحكام الدين، على شرطِ إن اختار الدين أسلم، وإن لم يختر رجع إلى وطنه من غير أن يُلحق به المسلمون ضررًا، فأذن له رسول الله ﷺ على هذا الشرط، فاستعار رسول الله ﷺ منه في حالة كفره أدراعه، فظن أن رسول الله ﷺ يأخذ أدراعه على أن لا يردها عليه، "فقال: أغصبًا يا محمَّد؟ "؛ أي: أتغصب غصبًا؟ "فقال رسول الله ﷺ : بل عارية مضمونة"؛ يعني: إن بقيتْ أردُّها عليك، وإن تلِفَتْ أعطيك قيمتها. فمذهب الشافعي وأحمد: على أن العارية إذا تلفت يجب ضمانها على المستعير، ومذهب أبي حنيفة: فإنه لا يجب ضمانها. * * * ٢١٧٧ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "العارِيَةُ مُؤدَّاةٌ، والمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، والدَّيْنُ مَقْضيٌّ، والزَّعِيمُ غارِمٌ".
следующие страницы →