تعب وانقطع في الطريق الفرسُ الذي ركبه أولًا، فهذا لا يجوز أيضًا.
وأما (الشغار): فصورتُه أن يقول رجل لآخر: زوَّجتك ابنتي على أن تزوَّجني ابنتك، ويكون بُضعُ كلَّ واحدةٍ منهما صداقًا للأخرى، وهذا النكاح باطلٌ في الإِسلام، وكان أهل الجاهلية يفعلونه.
ووجه فساده: أنهما اشترطا جَعْلَ البُضع مهرًا، وخلَا نكاحهما عن المهر.
وممن قال ببطلان نكاح الشغار: الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: النكاح صحيح، ولكل واحدة من المرأتين مهر المثل.
هذا إذا لم يسمَّيا مهرًا، قال الشافعي: لو سُمِّي لهما أو لإحداهما صَدَاقٌ فليس بالشغار المنهيِّ عنه، والنكاحُ ثابتٌ، والمهرُ فاسد، ولكلَّ واحدة منهما مهرُ مِثْلِها، ووجهُ فساد المسمَّى عند تسمية المسمَّى: أنه نكاح على شرطٍ، فإن الأول قال: زوَّجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بكذا دينار، ولَفَظَه على الشرط، والشرطُ في النكاح يُفسد المسمَّى ويوجب مهر المِثْل.
قوله: "ومن انتهب نهبة فليس منا": مضى ذكرُ بحثِ هذا في هذا الباب.
* * *
٢١٦٦ - وعن السَّائِب بن يَزيدَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يأْخُذْ أحَدُكُمْ عصا أخيهِ لاعِبًا جادًّا، فمنْ أخَذَ عصا أخيهِ فليرُدَّها إليهِ".
قوله: "لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبًا جادًا": لاعبًا جادًا هما منصوبان على الحال؛ يعني: لا يجوز لأحدكم أن يأخذ عصا أخيه المسلم في حال اللعب ولا في حال الجد.
ويجوز أن يكون معناه: لا يأخذها في حال اللعب، ثم يقصد إمساكها لنفسه على الجد؛ يعني: يُظْهِرُ أنه أخذها باللعب، وفي نيته عدمُ ردها.
стр. 1542
وهذا الحديث ليس تخصيصًا بالعصى، بل المراد منه: كلُّ شيء حتى العصا، وإن كان شيئًا حقيرًا.
* * *
٢١٦٧ - وعن الحَسَنِ عن سَمُرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ وجدَ عَيْنَ مالِه عندَ رجُلٍ فهوَ أحقُّ بهِ ويتَّبعُ البيعُ من باعَهُ".
قوله: "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه"، (البيع) - بتشديد الياء - هنا المشتري؛ يعني: مَن اشترى متاعًا، وجاء رجلٌ وادعى أنه مال سرقة، أو غَصَبه البائع، وأقام المدَّعي بينةً على ما يقول، يدفع ذلك المتاع إلى المدَّعي، ويتبع المشتري البائعَ ويأخذ ثمنه؛ لأنه غاصبٌ.
* * *
٢١٦٨ - وقال: "على اليدِ ما أخَذَتْ حتَّى تُؤَدَّيَ".
قوله: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي"؛ يعني: مَن أخذ مال أحدٍ بغصبٍ أو عاريةٍ أو وديعةٍ لزمه ردُّه، وفي الغصب لزمه ردُّه وإن لم يطلبه مالكه، وفي العارية: إن عيَّن مدةً لزمه ردُّه إذا انقضت تلك المدة، ولو طلبه مالكه قبل انقضاء تلك المدة لزمه ردُّه، وإن لم يعين مدةً لا يلزمه ردُّه، إلا إذا طلبه مالكه.
وفي الوديعة: لا يلزم المودَعَ ردُّه إلا إذا طلب المالك.
روى هذا الحديث سمرة بن جندب.
* * *
٢١٦٩ - عن حَرامِ بن سعدِ بن مُحَيصةَ: أنَّ ناقَةً للبراءِ بن عازبٍ دَخَلَتْ حائِطًا فأفسَدَتْ، فقضَى رسُولُ الله ﷺ أنَّ على أَهْلِ الحوائِطِ حِفْظَها بالنَّهارِ،
стр. 1543
وأنَّ ما أفسَدَتِ المَواشي باللَّيْلِ ضامِنٌ على أَهلِها.
قوله: "أن على أهل الحوائط ... " إلى آخره.
يعني: ما أتلفت المواشي بالنهار لم يلزم مالكَها ضمانُ ما أتلفت، وإن أتلف بالليل لزمه الضمان؛ لأن العادة حفظ المواشي بالليل وإرسالُها بالنهار، وهذا إذا لم يكن مالكها معها، وإن كان مالكها معها لزمه ضمان ما أتلفت ليلًا كان أو نهارًا، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها فمها، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن معها مالكها لم يضمن ليلًا كان أو نهارًا، وإن كان معها مالكها، فإن كان يسوقها فعليه ضمان ما أتلفت بكلِّ حال، وإن كان قائدَها أو راكبها، فعليه ضمانُ ما أتلفت بفمها أو يدها, ولا يجب ضمانُ ما أتلفت برجلها بكلِّ حال.
* * *
٢١٧٠ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الرَّجْلُ جُبَارٌ".
٢١٧١ - وقال: "النَّارُ جُبَارٌ".
قوله: "الرجل جبار، والنار جبار"، (الجُبار): الهَدْر، وهو الذي لا مؤاخَذَة به، أراد بـ (الرجل جبار): أن دابة لو ضربت أحدًا برجلها، أو أفسدت شيئًا برجلها, لا مؤاخذة به، وفي هذا تفصيلٌ، وقد ذكر في الحديث المتقدم.
وأما قوله: "والنار جبار" معناه: أن مَن أوقد نارًا على سطحه أو في بيته على وفق العادة، ولم يتعدَّ، ولم يُسرف في الإيقاد، فوقعت قطعةٌ من تلك النار في بيت جاره فأفسدت ماله، لا شيء عليه؛ لأنه تصرَّفَ في ملكه من غير عدوانٍ في اشتعال النار.
* * *
стр. 1544
٢١٧٢ - عن الحسنِ عن سَمُرةَ ﵄: أنّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا أَتَى أحدُكُمْ على ماشِيةٍ فإنْ كانَ فيها صاحبُها فلْيَستأْذِنْهُ، وإنْ لمْ يكُنْ فيها فَلْيُصوتْ ثلاثًا، فإنْ أجابَهْ أَحَدٌ فلْيَستأْذِنْهُ، فإنْ لمْ يُجِبْهُ أحدٌ فليَحتلِبْ ولْيَشْرَبْ ولا يَحْمِل"، غريب.
قوله: "فليحتلب وليشرب ولا يحمل"؛ يعني: إذا أتى أحدكم ماشية في الصحراء، ولم ير هناك أحدًا "فليصوِّت"؛ أي: فليناد وليقل بصوتٍ رفيع: يا صاحب هذه المواشي، فلينادِ هكذا ثلاث مرات، فإن لم يجبه أحد جاز له أن يحلب من اللبن ويشرب بقدر حاجته، ولا يحمل شيئًا، وإنما يجوز له هذا إذا كان مضطرًا يخاف الموت من الجوع، أو يخاف انقطاعه عن السبيل، فحينئذٍ يجوز له شرب اللبن، ويردُّ قيمتَه إلى مالكه عند القدرة.
وقيل: لا يلزمه ردُّ قيمته.
وقال أحمد: جاز له أن يشرب من لبن الماشية في الصحراء، وإن لم يكن مضطرًا.
* * *
٢١٧٣ - وعن ابن عمرَ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ دخلَ حائِطًا فلْيَأْكُلْ ولا يَتَّخِذْ خُبنةً"، غريب
قوله: "من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خبنة"، (الخبنة): ما يحملُ بالذيل؛ يعني: من دخل بستان أحدٍ جاز له أكل الثمار من غير أن يحمل شيئًا.
وبحث هذا الحديث كبحث الحديث المتقدم.
* * *
стр. 1545
٢١٧٤ - وعن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال: "مَنْ أصابَ بفيهِ مِنْ ذي حاجَةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيءَ عليهِ".
قوله: "من أصاب بفيه"؛ أي: من أكل الثمرة من الشجرة، وإنما ذكر الفم ليُعْلَم أنه لا يجوز العمل، (بفيه)؛ أي: بفمه.
وبحث هذا كبحث المتقدم.
* * *
٢١٧٦ - عن أُميَّةَ بن صَفْوانَ عن أبيه: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعارَ منه أدْراعَهُ يومَ حُنَيْنٍ فقال: أَغَصْبًا يا محمَّدُ؟ قال: "لا، بَلْ عاريَةٌ مضمُونَةٌ".
قوله: "بل عارية مضمونة" كان صفوان بن أمية كافرًا، استأذن رسول الله ﷺ في دخول المدينة ليسمع كلام الله وحديث رسول الله، ويعلم أحكام الدين، على شرطِ إن اختار الدين أسلم، وإن لم يختر رجع إلى وطنه من غير أن يُلحق به المسلمون ضررًا، فأذن له رسول الله ﷺ على هذا الشرط، فاستعار رسول الله ﷺ منه في حالة كفره أدراعه، فظن أن رسول الله ﷺ يأخذ أدراعه على أن لا يردها عليه، "فقال: أغصبًا يا محمَّد؟ "؛ أي: أتغصب غصبًا؟ "فقال رسول الله ﷺ : بل عارية مضمونة"؛ يعني: إن بقيتْ أردُّها عليك، وإن تلِفَتْ أعطيك قيمتها.
فمذهب الشافعي وأحمد: على أن العارية إذا تلفت يجب ضمانها على المستعير، ومذهب أبي حنيفة: فإنه لا يجب ضمانها.
* * *
٢١٧٧ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "العارِيَةُ مُؤدَّاةٌ، والمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، والدَّيْنُ مَقْضيٌّ، والزَّعِيمُ غارِمٌ".
стр. 1546
قوله: "العارية مؤدَّاة"؛ يعني: يجب ردُّ العارية إذا طلبها المالك إن كانت باقية.
"والمنحة مردودة"، (المنحة): الشاة أو الإبل أو البقر التي يدفعها مالكها إلى أحد ليشرب لبنها مدة، فيجب ردُّها إلى مالكها إذا شرب لبنها، وإذا طلبها مالكُها ردَّها متى شاء.
"والدَّين مقضيٌّ"؛ أي: يجب أداء الدين إذا أتى وقت أدائه.
"والزعيم غارم"، (الزعيم): الضامن، و (الغارم): مَن لزمه غرامةٌ؛ يعني: مَن ضمن دينَ أحدٍ لزمه أداءُ ذلك الدين.
* * *
٢١٧٥ - وعن رافعِ بن عمرٍو الغِفاريَّ قال: كنتُ غُلامًا أرمي نَخْلَ الأنصارِ، فأُتيَ بيَ النَّبيَّ ﷺ فقال: "يا غُلامُ لِمَ تَرمي النَّخْلَ"؟ قلت: آكُلُ، قال: "فلا تَرْمِ وكُلْ ممَّا سقطَ في أسفَلِها". ثمَّ مسحَ رأسَهُ وقال: "اللهمَّ أشْبعْ بَطْنَهُ".
قوله: "كنت غلامًا"؛ أي: كنت صبيًا.
"أرمي نخل الأنصار"؛ يعني: أرمي بحجرٍ على نخل الأنصار.
قوله: "كل مما سقط" إنما أجاز له رسول الله ﷺ أن يأكل مما سقط من الرطب تحت النخل؛ لأنه كان جائعًا، وإن لم يكن مضطرًا إلى أكله لم يجز له أن يأكل مما سقط؛ لأنه مِلكُ مالكِ النخل، فهو كالرطب على رأس النخل، فكما لا يجوز أكل ما على رأس النخل، فكذلك لا يجوز أكل ما سقط تحت الشجرة، والله أعلم.
* * *
стр. 1547
١١ - باب الشُّفْعَةِ
(باب الشفعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٧٨ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الشُّفْعَةُ فيما لمْ يُقْسَم، فإذا وقعَتِ الحُدُودُ وصُرِفَتَ الطُّرُقُ فلا شُفعة".
قوله: "الشفعة فيما لم يقسم"؛ يعني: الشفعةُ ثابتةٌ في ملكٍ مشتركٍ، وصورةُ الشفعة: أن يشترك اثنان في أرضٍ أو دار، فباع أحدُهما نصيبه، فللشريك أن يأخذ ذلك المبيع ويدفعَ إلى المشتري الثمن.
قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق"؛ يعني: فإذا قُسم المِلْكُ المشترك، وأُفرد نصيب كلَّ واحد من الشريكين، فظهر حدُّ ملك كل واحدٍ منهما، وصُرفت طريق أحدهما عن الآخر.
"فلا شفعة"؛ يعني: إذا باع أحد الشريكين بعد القسمة نصيبه ليس للآخر أن يأخذه بالشفعة؛ لأنه جارٌ بعد القسمة لا شريك، ولا تثبت الشفعة للجار عند الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: الشفعة ثابتة للجار.
* * *
٢١٧٩ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قضَى رسولُ الله ﷺ بالشُّفْعَةِ في كلِّ شِرْكَةٍ لمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أو حائِطٍ، لا يَحِلُّ له أنْ يبيعَ حتَّى يُؤذِنَ شَريكَهُ، فإنْ شاءَ أخذَ وإنْ شاءَ تركَ، فإذا باعَ ولمْ يُؤْذِنْهُ فهوَ أحقُّ بهِ.
стр. 1548
قوله: "ربعة أو حائط"، الرَّبْعُ والرَّبْعة: الدار، والحائط: البستان؛ يعني: الشفعة مختصة بما لم يمكن نقله كالأرض والدار والبستان، ولا تجوز الشفعة في المنقولات كالدواب والأمتعة.
قوله: "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن"، آذَنَ يُؤْذِن؛ أي: أعلم؛ يعني: إذا أراد أحد الشريكين بيع نصيبه، فليعرض على الشريك بيعه، فإن شاء اشتراه وإن شاء تركه، فإن عَرَضَ البيعَ على الشريك وقال الشريك: لا رغبة لي في شراءه، فباع الشريك نصيبه، جاز للشريك أن يأخذ الشفعة، وإن قال قبل البيع: لا رغبة لي في شرائه، أو قال: بعه، فإني لا آخذ الشفعة.
وقال الحكم والشعبي: إذا أخبره قبل البيع ولم يرغب في شرائه، فباعه من أحد، بطلت شفعته.
* * *
٢١٨٠ - وقال: "الجارُ أحقُّ بسَقَبهِ".
قوله: "الجار أحق بسقبه", (السَّقَب): القرب؛ يعني: جارك أحقُّ وأولى من غيره بسبب قرب داره إلى دارك.
وليس في هذا الحديث بيانٌ في أن الجار أحقُّ بسبب قربه في أيَّ شيء، أحق في أخذ الشفعة، أو في البرَّ والإحسان إليه وإعانتك إياه.
وقال أبو حنيفة: المراد به الشفعة، ولهذا أثبت الشفعة للجار.
* * *
٢١٨١ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَمنعْ جارٌ جارَهُ أنْ يغرِزَ خشَبةً في جِدارِهِ".
стр. 1549
قوله: "لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره؛ يعني: إذا احتاج رجلٌ أن يضع طرف جذعه على حائط جاره، لا يجوز للجار أن يمنعه، فإن منعه يُجبره القاضي عليه، وبهذا قال أحمد والشافعي في قوله القديم.
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد، وعليه الفتوى: إنه يجوز للجار أن يمنع وضع جذوع الجار على جداره.
وهذا الحديث محمولٌ على الندب والاستحباب.
* * *
٢١٨٢ - وقال: "إذا اخْتَلَفْتُمْ في الطَّريقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سبعةَ أذْرُعٍ".
قوله: "إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبعة أذرع"؛ يعني: إذا كان طريقٌ يمرُّه كلُّ أحد، وأراد أن يقعد في طرف تلك الطريق ليبيع، أو يبنيَ بناء عليه، أو يغرسَ شجرًا، ومنعه جماعةٌ، جُعل عرضُ الطريق سبعة أذرع؛ لأن هذا القَدْرَ مما يحتاج إليه الناس للمرور، فإذا جُعل عرضه هذا القَدْر جاز لكلَّ أحدٍ أن يتصرف فيما عدا هذا القدر، وكذلك إذا كان طريقٌ في مواتٍ، وأرَاد أحدٌ أن يُحيي جانبي تلك الطريق، ليَجْعَلْ عرضَ الطريق سبعة أذرع، والباقي يجوز له أن يحييه.
أما الطريق في السكة المنسدَّةِ الأسفل، فهو يتعلُّق باختيارِ أهل السكة؛ لأن السكة ملكٌ لهم، فإن اختلفوا في قَدْرِ عرضه، فيُجعل عرضه بقَدْرِ ما لا يتضرر أهل السكة في المرور.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
стр. 1550
من الحسان:
٢١٨٣ - قالَ ﷺ "مَنْ باعَ مِنْكُمْ دارًا أو عَقَارًا قَمِنٌ أنْ لا يُبارَكَ لهُ إلَّا أنْ يَجعلَهُ في مِثْلِهِ".
قوله: "من باع منكم دارًا أو عقارًا قمنٌ أن لا يبارك له إلا أن يجعله في مثله"، (قمن)؛ أي: حقيقٌ وجديرٌ؛ يعني: بيع الأرض والدور وصرفُ ثمنها إلى المنقولات غيرُ مستحبٍّ؛ لأن الأرض والدور كثيرةُ المنافع مديدةُ النبات قليلةُ الآفة، لا يسرقها سارقٌ، ولا تلحقها غارة، بخلافِ المنقولات، فالأولى أن لا تباع الأرض والدور، فإن باعها فالأولى صرفُ ثمنها إلى أرضٍ أو دار.
روى هذا الحديث سعيد بن حريث القرشي.
* * *
٢١٨٥ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيَّ ﷺ قال: "الشَّريكُ شَفْيعٌ، والشُّفْعَةُ في كلِّ شيءٍ"، ويُروَى عن ابن أبي مُلَيكةَ مُرسلًا.
"والشفعة في كل شيء"؛ يعني: الشفعة ثابتةٌ في كلِّ شيء مشترك حتى المنقولات، ولم نر أحدًا من الأئمة الأربعة قال بثبوت الشفعة في المنقولات.
* * *
٢١٨٦ - عن عبدِ الله بن حُبَيْشٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قطعَ سِدْرَةً صَوَّبَ الله رأْسَهُ في النَّارِ".
وقال أبو داودَ: هذا الحديثُ مُختصرٌ، يعني: "منْ قطعَ سِدرةً في فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بها ابن السبيلِ والبهائُم غشْمًا وظُلمًا بغيرِ حقِّ يكونُ لهُ فيها، صَوَّبَ الله رأسَهُ في النَّار".
стр. 1551
قوله: "صوَّب الله رأسه"؛ أي: ألقى الله رأسه.
"في فلاة"؛ أي: في بادية.
"غشمًا"؛ أي: بغير حق.
وهذا الحكم ليس مختصًا بالسدر، بل كلُّ شجرٍ يستفيد الناس بالجلوس تحته يَحْرُمُ قطعه.
* * *
١٢ - باب المُساقاةِ والمُزارعةِ
(باب المساقاة والمزارعة)
(المساقاة): أن يعطي الرجل بستانًا من النخيل أو الكرم أحدًا ليعمل فيها السقيَ وغيرَه مما به صلاحُ الشجر؛ ليكون للعامل شطر الثمر؛ أي: نصف الثمر، أو ما يتشارطان من الثلث أو الربع، هذا العقد جائز عند الأئمة غير أبي حنيفة.
ثم اختلف الذين يجوَّزون هذا العقد، فجوَّز الشافعي في أحد قوليه، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: في جميع الأشجار.
ولم يجوِّز الشافعي في أظهر قوليه في غير النخل والكرم.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٨٧ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ دفَع إلى يهودِ خَيْبَرَ نخلَ خَيْبَرَ وأرضَها على أنْ يعتَمِلُوها مِنْ أموالِهِمْ ولرسُولِ الله ﷺ شَطْرُ ثَمَرِها.
стр. 1552
ويُروى: عَلَى أنْ يعمَلُوها وَيزْرعُوها ولهمْ شَطْرُ ما يخرُجُ منها.
قوله: "أن يعملوها من أموالهم"؛ يعني: أن يعملوا في النخيل من أموالهم؛ يعني: آلات العمل كالمِسْحاة والفأس والمِنْجَل وغيرها، هذه الأشياء من مال العامل.
* * *
٢١٨٨ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: كُنَّا نُخابرُ ولا نَرَى بذلكَ بأْسًا حتَّى زعمَ رافِعُ بن خَدِيج أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْها فتَركْناها مِنْ أجْلِ ذلكَ.
قوله: "كنا نخابر" بحث المخابرة والمزارعة قد ذكرناه في (باب المنهي عنها من البيوع).
* * *
٢١٨٩ - عن حَنظلةَ بن قَيْسٍ عن رافعِ بن خَدِيجٍ ﵄ قال: أخبرني عمَّايَ أنَّهمْ كانوا يُكرونَ الأرضَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بما يَنْبُتُ على الأربعاءِ, أو شيءٍ يَستثنيهِ صاحبُ الأرضِ، فنهانا النبيُّ ﷺ عنْ ذلكَ، فقلتُ لِرَافعٍ: فكيفَ هيَ بالدَّراهِم والدَّنانيرِ؟ فقال: ليسَ بها بأْسٌ. فكانَ الذي نَهىَ منْ ذلكَ ما لو نظرَ فيهِ ذو الفَهمِ بالحَلالِ والحَرامِ لمْ يُجيزوهُ لما فيهِ مِنَ المُخاطَرَةِ.
قوله: "وكان الذي نُهي من ذلك ما لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه؛ لما فيه من المخاطرة"؛ يعني: لو دفع رجلٌ أرضه إلى رجلٍ ليزرعه من بذر نفسه؛ ليكون لصاحب الأرض بعضُ ما يخرج من الزرع، فربما لا يخرج، ولا يحصل من الزرع شيء، فحينئذ لا يكون لصاحب الأرض شيء، فيكون عليه ضررٌ بتعطيل أرضه مدةً من غير عوض، فهذا هو المخاطرة.
стр. 1553
أما لو دفع أرضه بأجرةٍ معلومة من الدراهم والدنانير، فيجوز؛ لأنه لا خطر فيه.
* * *
٢١٩٠ - وعن رافِعٍ قال: كانَ أحدُنا يُكري أرضَهْ فيقول: هذهِ القِطعةُ لي وهذهِ لك، فرُبَّما أخرَجَتْ ذِه ولمْ تُخْرِجْ ذِه، فنهاهُمُ النَّبيُّ ﷺ .
قوله: "كان أحدنا يُكري أرضه فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أَخرجتْ ذِهْ، ولم تُخْرِج ذه"؛ يعني: يدفع الرجل أرضه إلى رجل ليزرعه من بذر نفسه، ويقول صاحب الأرض للزرَّاع: ما يخرج من هذه القطعة لي بكِرى أرضي، وما يخرج من الباقي لك، فربما يخرج زرعُ قطعة صاحب الأرض ولم يخرج زرع قطعة صاحب البذر، فيلحق الضرر لصاحب البذر، أو بالعكس، فنهاهم رسول الله ﷺ عن هذه المعاملة.
قوله: "ذه"؛ أي: هذه القطعة.
* * *
٢١٩١ - وعن طاوُسٍ ﵁ قال: إنَّ أعلَمَهُمْ أخبرَني - يعني: ابن عبّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ لمْ ينهَ عنهُ، ولكنْ قالَ: "أنْ يمنحَ أحدُكُمْ أخاهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأخُذَ عليهِ خَرْجًا معلومًا".
قوله: "إن أعلمهم"؛ أي: إنَّ عبد الله بن عباس الذي هو أعلمُ أهل المدينة، ولعل طاوسًا قال هذا الكلام في وقت لم يَبْقَ مَن هو مثلُ ابن عباس.
قوله: "أن يمنح"؛ أي: أن يُعطي "أحدكم" أرضه "أخاه" بلا أجرة ليزرعها "خيرٌ له من أن يأخذ" أجرة منه.
* * *
стр. 1554
٢١٩٢ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ كانتْ لهُ أرضٌ فلْيَزْرَعْها أو لِيَمْنَحْها أخاهُ، فإنْ أَبَى فلْيُمْسِكْ أرضَهُ".
قوله: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه"؛ يعني: ينبغي أن يحصل للإنسان نفعٌ من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصل له نفع من الزرع، أو ليعطها أخاه ليحصل له ثوابٌ، فإن لم يفعل شيئًا من هذين الشيئين (فليمسك أرضه)، هذا توبيخٌ لمن له مال ولم يَحْصل له منه نفعٌ.
* * *
٢١٩٣ - عن أبي أُمامةَ ﵁ ورأَى سِكَّةً وشيئًا مِنْ آلةِ الحَرْث، فقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لا يَدخُلُ هذا بيتَ قومٍ إلَّا أدخلَه الله الذُّلَّ".
قوله: "عن أبي أمامة ورأى سكة وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا يدخل هذا بيتَ قومٍ إلا أدخله الذل" الواو في (ورأى سكة) للحال؛ أي: قال هذا الكلام حين رأى سكة.
(السكة): الحديدةُ التي تُشقُّ بها الأرض عند الحراثة.
وهذا الحديث ظاهره يدل على أن الحراثة والزراعة تُوْرِثَ المَذَلة.
وليس كذلك، بل الحراثةُ والزراعة وإصلاح الأملاك والعمارات مستحبةٌ، وفيها ثوابٌ؛ لحصول النفع منها إلى الناس، وإنما قال رسول الله ﷺ هذا الحديث كيلا يشتغل الصحابة ﵃ بالعمارات ويتركوا الجهاد، فإنهم لو تركوا الجهاد يغلب الكفار عليهم، وأيُّ ذلٍّ أشد من أن يغلب الكفار على المسلمين، ويأخذوا أموالهم وأزواجهم وأولادهم ويقتلوهم؟.
* * *
стр. 1555
مِنَ الحِسَانِ:
٢١٩٤ - عن رافِعٍ بن خَدِيجٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنِهِمْ فليسَ لهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ ولهُ نَفَقَتُهُ"، غريب.
قوله: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيءٌ وله نفقته"؛ يعني: ما حصل من الزرع يكون لصاحب الأرض، وليس لصاحب البذر إلا بذره، وبهذا قال أحمد.
وأما غير أحمد قالوا: ما حصل من الزرع فهو لصاحب البذر، وعليه أجرة الأرض من يوم غصب الأرضَ إلى يوم تفريغ الأرض.
* * *
١٣ - باب الإجارة
(باب الإجارة)
٢١٩٦ - عن ابن عباس ﵄ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتجَمَ وأعطَى الحجَّامَ أجْرَهُ، واسْتَعَطَ".
قوله: "واستعط"؛ أي: أدخل الدواء في أنفه، هذا الحديث يدل على صحة الاستئجار، وجواز المداواة.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٩٧ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما بعثَ الله نبيًّا إلَّا رَعى الغَنمَ"، فقال أصحابُهُ: وأنتَ؟ فقال: "نعم، كنتُ أرْعَى على قَراريطَ لِأهلِ مكَّةَ".
стр. 1556
قوله: "ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم ... " إلى آخر الحديث.
وعلةُ رعيهم ﵈ أنهم إذا خالطوا الغنم زاد لهم الحِلْمُ والشفقة، فإذا صبروا على مشقة رعي الغنم، وأُعلموا اختلاف طباع كلَّ فرد من الغنم، وصبروا على جمعها مع تفرُّقها في المرعى والمشرب، وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النقل من موضعٍ إلى موضعٍ للرعي والشرب، فإذا عرفوا هذه الأشياء علموا أن مخالطة العوامِّ من الناس كمخالطة الغنم في اختلاف طباعهم، وقلةِ عقول بعضهم، ولحوقِ المشقَة من الأمة إليهم، فلا تنفر طباعهم, ولا تملُّ نفوسهم من دعوتهم إلى الدين؛ لأنهم اعتادوا تحمُّل الضرر والمشقة.
قوله: "على قراريط" جمع قيراط، وأصله: قرراط، فقلبت الراء الأولى ياء؛ يعني: استأجرني أهل مكة على رعي الغنم كلَّ يوم بقيراط، وقد ذُكر قَدْرُ القيراط في (باب المنهي عنها من البيوع) في (فصل حديث جابر).
* * *
٢١٩٨ - وقال: "قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهمْ يومَ القِيامَةِ: رجلٌ أعطَى بي ثمَّ غَدَرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثَمنَهُ، ورجلٌ استأجَرَ أجِيرًا فاسْتوفَى منهُ ولم يُعطهِ أجرَهُ".
قوله: "أعطى بي"؛ أي: أعطى عهدًا ويمينًا؛ أي: حلف بي مع أحد، وجرى بينه وبين ذلك الرجل عهدٌ على أن يحفظ مصالحه وحقه، ثم غدر ونقض عهده بلا جُرمٍ من جانبه.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٢١٩٩ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ نفرًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ مرُّوا بماءٍ
стр. 1557
فيهمْ لَديغٌ، فعَرَضَ لهمْ رجلٌ مِنْ أهلِ الماءِ فقال: هلْ فيكُمْ مِنْ راقٍ؟ إنَّ في الماءِ رجُلًا لدِيغًا. فانطلقَ رجلٌ منهم فقرأَ بفاتِحَةِ الكتابِ على شاءٍ فبرأَ، فجاءَ بالشاءِ إلى أصحابهِ فكرِهُوا ذلكَ وقالوا: أخذتَ على كتابِ الله أجْرًا، حتى قَدِمُوا المدينةَ فقالوا: يا رسولَ الله! أخذَ على كتابِ الله أجرًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أحقَّ ما أخذْتُمْ عليهِ أجْرًا كتابُ الله".
وفي روايةٍ: "أصبتُمْ، اقْسِمُوا واضْرِبُوا لي معكُمْ سَهْمًا".
قوله: "مروا بماء"؛ أي: مروا بقبيلةٍ نازلةٍ عند عينِ ماءٍ.
"لديغ"؛ أي: ملدوغ؛ أي: مَن لسعته حية.
"فعرض لهم"؛ أي: فاستقبلهم رجلٌ من تلك القبيلة.
"راقٍ": اسم فاعل من رقى يرقي: إذا قرأ رقية.
"انطلق"؛ أي: ذهب فقرأ بفاتحة الكتاب.
"على شاء"، (الشاء): جمع شاة، وهي الغنم؛ يعني: قال ذلك الرجل لهم: أَرْقي هذا اللديغَ بشرطِ أن تعطوني كذا رأسًا من الغنم، فاشترطوا هذا الشرط.
"فقرأ عليه فاتحة الكتاب فبرئ ببركة كلام الله"؛ أي: صحَّ من ذلك الوجع.
ولهذا قال الشافعي ومالك: يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرُّقْية إذا كانت الرقية بكلام الله وباسمه تعالى، والدعوات.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرقية.
قوله: "أصبتم"؛ أي: فعلتم صوابًا وحقًا.
و"اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا"؛ يعني: اقسموا وبينوا لي نصيبًا من هذه الشاء، وإنما قال رسول الله ﷺ هذا الكلام؛ لتطمئن قلوبهم باستحلال أخذ
стр. 1558
الأجرة على الرقية؛ لأنه لو لم يكن حلالًا وموافقًا للتقوى لم يقل: اضربوا لي معكم سهمًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٢٠٠ - عن خارجةَ بن الصَّلْتِ عن عمِّه أنَّه مرَّ بقومٍ فقالوا: إنَّكَ جِئْتَ مِنْ عندِ هذا الرَّجلِ بخَيرٍ، فارْقِ لنا هذا الرجُلَ، وأتوه برجلٍ مَجنونٍ في القُيودِ، فرقاهُ بأمِّ القُرآنِ ثلاثةَ أيَّامٍ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، كُلَّما خَتَمها جمعَ بُزاقَهُ ثمَّ تَفَلَ، فكأنَّما أُنْشِطَ مِنْ عِقالٍ، فأعطوهُ مئةَ شاةٍ فأتَى النَّبيَّ ﷺ : فذكرَ لهُ فقال: "كُلْ فَلَعَمْري لَمَنْ أكلَ برُقْيَةِ باطلٍ لقدْ أكلْتَ برُقيةِ حقٍّ".
قوله: "جئت من عند هذا الرجل"؛ يعني: إنك تجيء من عند رسول الله ﷺ "بخير"؛ أي: بالقرآن وذكرِ الله "فارْقِ لنا هذا الرجل" المجنون.
قوله: "ثم تفل"؛ أي: ثم نفخ ببزاقه فيه.
قوله: "كأنما أنشط"؛ أي: حُلَّ عقاله؛ أي: فتح عقاله؛ أي: حبلُه المشدودُ به؛ أي: رفع عنه ذلك الجنون.
قوله: "فلَعَمْري لَمَنْ أكل برقيةِ باطلٍ لقد أكلتَ برقيةِ حق", (لعَمري) بفتح العين؛ أي: حياتي قَسَمي، اللام في (لَعَمري) للتأكيد، و (عَمري) بفتح العين وضمِّها بمعنى واحد، ولكن لا يستعمل في القسم إلا مفتوحَ العين.
فإن قيل: لا يجوز القسم بغير اسم الله تعالى وصفاته، فلِمَ قال رسول الله ﷺ : "لَعَمري"؟!.
قلنا: ليس المراد به القسم، بل يجري هذا اللفظُ في كلامه على رسم العرب، وهذا كقوله لمعاذ: "ثكلتك أمك"، ولحفصة: "عَقْرَى حَلْقَى"، ولم يُرِدْ به الدعاء؛ لأنه لو أراد الدعاء لكان كما قال، ومعلومٌ أنه لم يكن كما قال ﷺ .
стр. 1559
اللام في (لَمَن) جوابُ القسم.
يعني: من الناس مَن يَرقي رقيةَ باطلٍ ويأخذ عليها عوضًا، أما أنت فقد رقيت رقية حق، وهي كلامُ الله تعالى، وأخذت عليه أجرة، وهذه الأجرة حلالٌ لأنها عوضُ شيءٍ هو حقٌّ.
و (رقية الباطل): أن يكون فيها باطلٌ، كذكر الجنِّ والكواكب، والاستعانة بالشمس والقمر والنجوم والجن.
* * *
٢٢٠١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "أعْطُوا الأجيرَ أجْرَهُ قبلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ".
٢٢٠٢ - و"وأعْطُوا السَّائِلَ وانْ جاءَ على فَرَسٍ"، مرسل.
قوله: "أعطوا الأجير أجره، قبل أن يجف عرقه"؛ يعني: لا يجوز تأخير أجر الأجير ولا تأخيرُ حقِّ ذي حقًّ إذا بلغ وقت أخذ حقه، ولا يجوز أيضًا ردُّ السائل وإن كان فارسًا؛ لأن الصدقة يجوز دفعها إلى الأغنياء والفقراء، ولأن الفارس ربما انقطع زادُه، واحتاج إلى القوت، ولم يكن له طريقٌ إلا السؤال.
روى هذا الحديث ابن عمر.
* * *
١٤ - باب إحياء المَوَاتِ والشّرْبِ
(باب إحياء الموات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٢٠٤ - وقال: "لا حِمَى إلَّا لله ورسُولِهِ".
стр. 1560
قوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله"، (الحِمى) بكسر الحاء: بمعنى المَحْمِي، وهو المحفوظ، ويجوز أن يكون مصدرًا ومعناه: الحفظ، والمراد من الحِمَى في الشرع: أن يحفظ موضعًا عن أن ترعاه ماشيةٌ ليكثر نباته، والحِمَى كان جائزًا لرسول الله ﷺ لنفسه، ولصالح المسلمين.
ومع أنه يجوز له ﷺ أن يحمي لنفسه لا يحمي، وإنما حمى البقيع -وهو موضعٌ بالمدينة - لترعاه إبل الزكاة والجزية، وخيلُ جيش الغزاة، ولم يجوِّز لمن بعده من الخلفاء وغيرهم من الملوك أن يحموا لأنفسهم، وهل يجوز لهم أن يحموا لمصالح المسلمين من رعي إبل الزكاة والجزية وخيل الجيوش أم لا؟.
فالأصح: أنه يجوز لهم.
روى هذا الحديث الصَّعْبُ بن جَثَّامة، والله أعلم.
* * *
٢٢٠٥ - وعن عُرْوَةَ قال: خاصَم الزُّبيرُ رجُلاً مِنَ الأنصارِ في شَريجٍ مِنَ الحَرَّةِ، فقال النبيُّ ﷺ : "اِسْقِ يا زُبيرُ ثمَّ أَرسِلِ الماءَ إلى جارِكَ". فقال الأنصاريُّ: أنْ كانَ ابن عمَّتِكَ؟ فتلوَّنَ وَجْهُهُ ثمَّ قال: "اِسْقِ يا زُبيرُ ثمَّ احْبسْ الماءَ حتَّى يَرجِعَ إلى الجَدْرِ، ثمَّ أرسِلْ الماءَ إلى جارِكَ". فاسْتَوْعَى النبيُّ ﷺ للزُّبير حقَّهُ في صَريح الحُكْمِ حينَ أحفَظَهُ الأنصاريُّ، وكانَ أشارَ عليهِما بأمرٍ لهُما فيهِ سَعَةٌ.
قوله: "خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراجٍ من الحرة"، (الشِّراج) بكسر الشين: جمع شرج، وهو مسيلُ الماء من الحَرَّة - أي: من بين الحجارة - إلى الموضع السهل.
يعني: كانت أرض الزبير أعلى من أرض الأنصاري، وكانت كلتا الأرضين
стр. 1561
يُسقيان من ماءٍ جارٍ في وادٍ، فتنازع الزبير والأنصاري في تقديم السقي، فترافعا إلى رسول الله ﷺ .
قوله ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" هذا دليلٌ على أن مَن كانت أرضه أعلى فهو أحق بسقي أرضه أولًا، ثم يرسل الماء إلى الأسفل.
قوله: "فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك"؛ يعني: لأجل أن الزبير ابن عمتك حكمت له بأن يسقي أرضه قبلُ؟.
"فتلون وجه رسول الله ﷺ من الغضب فقال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر"، (الجَدْر) - بفتح الجيم وسكونِ الدال المهملة - والجدار بمعنًى واحد؛ يعني: إذا سقيتَ أرضك فاحبس الماء في أرضك حتى يصل الماء إلى أصل الجَدْر من كثرة امتلاء الأرض من الماء، ثم أرسل الماء ليجري إلى أرض جارك.
قوله: "فاستوعب"؛ أي: أتم، (الاستيعاب): التعميم؛ يعني: أعطى حقَّ الزبير تامًا بصريح الحكم بأن قال: (حتى يرجع الماء إلى الجدر).
قوله: "حين أَحْفَظَه"؛ أي: حين أغضبه.
قوله: "وكان أشار عليهما"؛ يعني: وكان رسول الله ﷺ أشار عليهما؛ أي: قال للزبير قبل أن أَحْفَظَه الأنصاريُّ: أتم حق الزبير من السقي، وكان هذا القَدْرُ حقَّ الزبير قبل أن أغضب الأنصاريُّ رسولَ الله ﷺ .
ولا يجوز أن يقال: لم يكن هذا القدر حق الزبير في أول الأمر، وأعطى رسول الله ﷺ الزبير هذا القَدْرَ بعد ما أغضبه الأنصاري؛ لأن هذا الظن بالنبي كفرٌ.
* * *
стр. 1562
٢٢٠٦ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَمنعُوا فَضْلَ الماء لتَمنعُوا فَضْلَ الكَلأِ".
قوله: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا فضل الكلأ".
وصورة هذا: أن يحفر أحد بئرًا في مَوَات على قصدِ أن يشرب ويسقيَ مواشيه منها، فلا يجوز له أن يمنع أحدًا، أو ماشيةً، أن يشرب من ماء تلك البئر؛ لأنه إذا منع الناس من شرب ذلك الماء، فلا ينزل أحدٌ قرب تلك البئر؛ لأنه إذا منع الناس ولم ترع ماشيته قرب ذلك الموضع، فيحرموا من كلأ مباحٍ في ذلك الموضع، فكان سبب منعهم من تلك البئر مانعًا لرعي الكلأ المباح، ولا يجوز لأحد أن يمنع أحدًا من رعي الكلأ المباح.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٢٢٠٧ - وعن جابرٍ ﵁ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بيعِ فضلِ الماءِ.
قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء"؛ يعني: عن بيع فضل الماء ممن أراد أن يشرب أو يسقي دابة، فأما إن أراد أن يسقي الزرع جاز لصاحب الماء أن لا يعطيه إلا بعوضٍ.
* * *
٢٢٠٧/ م - وعنِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمْ الله يومَ القيامةِ ولا ينظرُ إليهم: رجلٌ حَلفَ على سِلْعةٍ، لقد أَعْطَى بها أكثرَ مما أَعْطَى وهو كاذبٌ، ورجلٌ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصرِ لِيَقْتَطِعَ بها مالَ رجلٍ مُسلمٍ، ورجلٌ مَنَعَ فضلَ ماءٍ, فيقولُ الله تعالى: اليومَ أمنعُكَ فضلي كما مَنَعْتَ فضلَ ماءٍ لم تعملْ يداك".
стр. 1563
قوله: "لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب"؛ يعني: جاء رجل ويشتري متاعه بمئة، فحلف أن رجلًا أعطاني قبل هذا بهذا المتاع مئة وعشرين، وهو كاذبٌ في هذا الكلام، وإنما يحلف ليغرَّ المشتري، وبظنَّ أن المتاع يساوي مئة وعشرين؛ ليشتريه بهذا القَدْر.
قوله: "لم تعمل يداك"؛ يعني: منعت الناس عن شرب مائك مع أن الماء خرج بقدرتي لا بسعيك، فإني لو لم أُخرج الماء لم يَخرج بسعيك وإن بالغت في الحفر.
* * *
٢٢٠٩ - وعن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أَحاطَ حائِطًا على الأرضِ فهو له".
قوله: "من أحاط حائطًا على الأرض فهو له"؛ يعني: من أدار حائطًا حول أرضٍ مواتٍ لحظيرةِ غنمٍ أو غيرِه صار ذلك الموضع ملكًا له.
* * *
٢٢١٠ - عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ أقطعَ للزُّبيرِ نخيلًا.
قولها: "أقطع للزبير نخيلًا" يحتمل أن يكون معنى هذا: أن رسول الله ﷺ أقطعه مَواتًا ليغرس فيه النخل، ويحتمل أن يكون نخيلًا من أملاك الكفار، أو من مِلْكِ مسلمٍ مات ولم يخلَّف وارثًا، فوقع في بيت المال، فرأى رسول الله ﷺ أن يعطيها الزبير؛ لأنه كان ممَّن يستحق مال بيت المال؛ لكونه مقاتلًا في سبيل الله.
* * *
стр. 1564
٢٢١١ - وعن ابن عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ أَقطعَ للزُّبيرِ حُضْرَ فرسِه، فأجْرى فرسَه حتى قامَ، ثم رَمَى بسَوْطِه فقال: "أَعطُوه مِن حيثُ بلغَ السَّوْطُ".
قوله: "أقطع للزبير حضر فرسه"؛ أي: بقَدْرِ عَدْوِ فرسه؛ يعني قال: أعطوه من الأرض قَدْرَ ما جرى فرسه، حتى وقف ولم يَقْدِر أن يمشي بعد ذلك، فرمى الزبير سوطه، فوقع سوطه في موضع، وقال: أعطني يا رسول الله إلى حيث وقع فيه سوطي، فقال رسول الله ﷺ : "أعطوه إلى حيث وقع فيه سوطه".
وهذا دليل على أنه يجوز للإمام أن يُقطع أحدًا مواتًا، فإذا أقطع أحدًا مواتًا، لا يملك ذلك الموات بمجرد الإقطاع، بل إنما يملكه بالإحياء.
* * *
٢٢١٣ - وعن أبيضَ بن حَمَّالٍ المَأرِبيِّ: أنَّه وفدَ إلى النبيِّ ﷺ فاستَقطَعَه المِلحَ الذي بمأرِبَ فأَقطعَه إيَّاهُ، فلمَّا ولَّى قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! إنما أَقطعْتَ له الماءَ العِدَّ، قال: "فرجَعَه منه"، قال: وسأله ماذا يُحمى من الأراكِ؟ قال: "ما لم تَنَلْه أخفاف الإبلِ".
قوله: "وفد"؛ أي: أتى.
"فاستقطعه"؛ أي: طلب منه إقطاع معدن الملح الذي بمأرب، وهو اسم ناحية.
قوله: "إنما أقطعتَ له الماء العِدَّ"، (العِد) بكسر العين: المُهَيَّأ، و (الماء العد): الماء الدائم الذي لا ينقطع، كعينٍ أو نهر؛ يعني: المعدن الذي أقطعْتَه له شيءٌ مهيَّأٌ لا يحتاج إلى عمل وتعب، بل شيءٌ كان الناس ينتفعون بملحه، فرجع رسول الله ﷺ عنه.
وفي هذا: بيان أن المعدن الظاهر الذي مقصوده ظاهرٌ يشترك فيه الناس
стр. 1565
من غير عملٍ لا يجوز إقطاعه، بل يُترك بحاله حتى ينتفع الناس به، وذلك كالملح والقير والنفط وغيرها.
فأما المعدن الباطن الذي لا يظهر مقصوده إلا بالعمل، كمعدن الذهب والفضة والفيروزج وغيرها، يجوز إقطاعه أحدًا ليعمل فيه ويأخذ من فوائده.
وفي هذا الحديث: بيانُ أن الحاكم إذا حكم بشيء ثم تبين له أن الحق في غيره، فعليه أن يرجع عن ذلك الحكم، ويحكم بالثاني؛ لأن النبي ﷺ رجع عن ذلك الإقطاع لمَّا أُخبر أن ذلك المعدن معدن ظاهر.
قوله: "وسأله ماذا يحمى من الأراك؟، قال: ما لم تنله أخفاف الإبل"، (نال ينال): إذا أصاب، أراد بالحِمَى هنا: الإحياءُ، لا الحِمَى؛ لأنَّا قد بينا في أول هذا الباب أن الحمى لا يجوز لأحد لأجل نفسه.
وفي هذا دليل: على أن الإحياء لا يجوز بقرب العمارة، وما يتعلق بعمارة البلد، وما يحتاج أهل البلد إليه من رعي مواشيهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما لم تنله أخفاف الإبل)؛ أي: ليكن الإحياءُ في موضعٍ بعيدٍ لا تصلُ إليه مواشي أهل البلد للمرعى.
* * *
٢٢١٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "المسلمونَ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماءِ، والكَلأِ، والنَّارِ".
قوله: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار"؛ يعني: الماء الذي يجري في نهرٍ ليس ملكًا لأحد، أو في عينٍ مباحة، فالناسُ كلُّهم شركاءُ في هذا الماء، يأخذ كلُّ واحد ما شاء منه، وليس لأحد أن يمنع أحدًا منه، وكذلك الكلأ الذي نبت في مواتٍ.
стр. 1566
وأما النار فقيل: المراد منه: حجر النار الذي يكون في المَوات, لا يُمنع أحدٌ من أخذه لتُقدح منه النار.
وقيل: بل المراد منه النار؛ يعني: من أراد أن يستصبح مصباحًا من نار لا يمنعه صاحبُ النار؛ لأنه لا ينقص من عين النار شيء، فكذلك لو أراد أحد أن يجلس بنور تلك النار في موضعٍ هو ملكه، أو مواتٍ، وليس بملك صاحب النار، لا يجوز لصاحب النار أن يمنعه من الجلوس؛ لأنه لا ينقصه من عين تلك النار شيء، فأما له: أن يمنع مَن يأخذُ من خشبه أو جمره أو فحمه أو رماده شيئًا.
روى هذا الحديث أبو خداش، عن رجل، عن رسول الله ﷺ .
* * *
٢٢١٥ - وعن أسمرَ بن مُضَرَّسٍ أنه قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فبايعتُه فقال: "مَن سَبقَ إلى ماء لم يسبقْهُ إليه مُسلمٌ فهوَ لهُ".
قوله: "من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له"؛ يعني: من وصل إلى ماء مباحٍ أو غيره من المباحات كالحشيش والحطب والحجر وغيرها "فهو له"؛ يعني: ما أخذه يصير ملكًا له، وأما ما بقي في ذلك الموضع لا يصير ملكًا له.
* * *
٢٢١٦ - ورُوِيَ عن طاوسٍ مُرسَلًا أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "مَن أَحيا مَواتًا مِنَ الأرضِ فهو له، وعادِيُّ الأرضِ للهِ ولرسولِهِ، ثم هي لكم مِنِّي".
قوله: "وعاديُّ الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني" أراد بـ (عادي الأرض): التي بقيت من قوم عاد بعد ما أهلكهم الله؛ يعني: جميعُ ملك
стр. 1567
السماوات والأرض لله تعالى، وأعطاني الله كل الأرض ليس لها مالك، ثم أعطيتكم إياها؛ يعني: أذنت لكم، وجوَّزتُ لكم أن تُحْيوا وتَعْمُروا كلَّ أرضٍ ليس لها مالك، ولم يَجْرِ عليها مِلْكُ مسلمٍ.
* * *
٢٢١٧ - ورُوِيَ: أنَّ النبيَّ ﷺ أقطعَ لعبدِ الله بن مسعودٍ الدُّورَ، وهي بينَ ظَهْرانيَ عِمارةِ الأنصارِ مِن المنازلِ والنخلِ، فقالَ بنو عبدِ بن زُهرَة: نَكَّبْ عنَّا ابن أُمِّ عبدٍ، فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ : "فَلِمَ ابتَعَثَني الله إذًا؟ إنَّ الله لا يُقَدِّسُ أُمَّةً لا يُؤْخَذُ للضَّعيفِ فيهم حَقُّهُ".
قولهم: "نكِّبْ"؛ أي: اصرف وادفع عنَّا.
"ابن أم عبد"؛ يعني: عبد الله ابن مسعود؛ يعني: وصل إلينا ضررٌ بما أقطعت عبد الله بن مسعود؛ لأنه بين عماراتنا فاستردَّه عنه.
"فقال لهم رسول الله ﷺ : فلم ابتعثني الله"؛ يعني: فلمَ بعثني الله إلى الخلق بالرسالة إذا لم أنصر الضعيف؛ يعني: ابن مسعود ضعيفٌ فقير، وأنتم أقوياء، فلا أترك معاونته ولا أستردُّ ما أعطيتُه لأجل رضاكم.
قوله: "لا يقدِّس"؛ أي: لِمَا يظهر من الذنوب والآفات.
ويحتمل أن يريد بقوله: (لا يقدس)؛ أي: لا يطهِّر، ولا يَعذر، ولا يصطفي لمحبته قومًا لا ينصرون الضعيف الذي بينهم.
روى هذا الحديث [يحيى بن جعدة].
* * *
٢٢١٨ - عن أبي صِرْمَةَ ﵁ صاحبِ النبيِّ ﷺ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن
стр. 1568
ضارَّ أَضَرَّ الله بهِ، ومَن شاقَّ شَقَّ الله عليه".
قوله: "من ضار أضر الله به"؛ أي: من أوصل ضررًا إلى مسلم أوصل الله إليه ضررًا.
"ومن شاق شق الله عليه"، (الشق): تفريق الجماعة، وإيصالُ مشقةٍ إلى أحد؛ يعني: مَن فرق جماعة المسلمين فرق الله أمره، ومن أوصل مشقةً إلى أحد أوصل الله إليه مشقة.
* * *
٢٢١٩ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى في سيلِ المهْزُور، أن يُمسَكَ حتى يبلغَ الكعبينِ، ثم يُرسلَ الأعلى على الأسفلِ.
قوله: "قضى رسول الله ﷺ في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل"، (سيل مهزور) بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة: وادي بني قريظة، كان يجري فيه الماء، ويسقي منه جماعةٌ مزارعهم، فأمر رسول الله ﷺ أن يسقي مَن أرضه الأعلى أولًا، حتى يبلغ الماء في أرضه إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل، وكذلك على هذا الترتيب إلى حيث يبلغ.
* * *
٢٢٢٠ - عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ ﵁: أنه كانت لهُ عَضَدٌ مِن نخلٍ في حائطِ رَجُلٍ من الأنصارِ، ومعَ الرَّجلِ أهلُه، وكان سَمُرَةُ ﵁ يدخلُ عليه فيتأذَّى به، فأتى النبيَّ ﷺ فذكرَ ذلك لهُ، فطلبَ إليهِ النبيُّ ﷺ لِيَبيعَهُ فأبى، فطلبَ أنْ يُناقلَه فأَبى، قال: "فهَبْهُ لهُ ولك كذا"، أمرًا قَدْ رَغَّبهُ فيهِ فأبى، فقال: أنتَ مُضارٌّ، فقالَ للأنصاري: "اِذهبْ فاقطَعْ نخلَهُ".
стр. 1569
قوله: "كانت له عضد"؛ أي: صف.
قوله: "فيتأذى به"؛ أي: فيتأذَّى الأنصاري بثمره إذا دخل لإصلاح نخيله، أو لقطف ثماره.
قوله: "فطلب أن يناقله"؛ يعني: طلب منه أن يبادله؛ يعني: أن يترك نخيله في هذا البستان، ويأخذ نخيلاً مثله في موضع آخر.
قوله: "ولك كذا"؛ أي: ولك كذا من الثواب من القصور والبساتين في الجنة.
قوله: "أنت مضارٌّ"؛ يعني: فإذا لم تقبل هذه الأشياء، فلست تريد إلا إضرار الناس، ومَن يريد إضرار الناس جاز دفعُ ضرره، ودفعُ ضررك أن يُقطع شجرك.
فبدليل هذا الحديث: مَن كان له شجرٌ في أرضِ أحدٍ، لا يجوز له دخول تلك الأرض إلا بإذن صاحب الأرض، فإن لم يرض صاحب الأرض بدخوله أرضَه يخيَّر صاحب الأرض بين أن يشتري شجره، أو يأخذ منه أجرة دخوله أرضَه، فإن لم يرض صاحب الشجر بواحدٍ من هذين الشيئين يُقطع شجره مجانًا إن غرسه غصبًا، أو أَجْرَى الماءُ بذْرَ صاحب هذا الشجر إلى أرض صاحب الأرض، فإن كان قد استعار صاحب الأرض أرضه ليغرس صاحب الشجر فيها شجره لم يجز أن يقطعه مجانًا, ولكن جاز له أن يقطعه ويعطي التفاوتَ بين ما كان الشجر قائمًا، وبين ما كان مقطوعًا.
* * *
١٥ - باب العطايا
(باب العطايا)
قوله: "العطايا": جمع عطية، وهي ما يُعْطَى.
стр. 1570
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٢٢١ - عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ عمرَ ﵁ أصابَ أرضًا بخيبرَ، فأَتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إني أصبتُ أرضًا بخيبرَ، لم أُصِبْ مالًا قطُّ أَنْفَسَ عندي منه، فما تَأْمُرُ به؟ قال: "إنْ شئتَ حَبَّسْتَ أصلَها وتصدَّقتَ بها"، فتصدَّقَ بها عمرُ: أنَّه لا يباعُ أصلُها ولا يوهَبُ ولا يورَثُ، وتصدَّقَ بها في الفقراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سبيل الله، وابن السَّبيلِ، والضَّيْفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَليَها أنْ يأكلَ منها بالمعروفِ، ويُطعِمَ غيرَ مُتمَوِّلٍ. وقال ابن سيرينَ: غيرَ مُتأَثَّلٍ مالًا.
"أصاب أرضًا بخيبر"؛ يعني: حصل له من أرض خيبر نصيبٌ بالغنيمة. كانت خيبر للكفار، فأخذها المسلمون، فقسمها رسول الله ﷺ بين الغانمين.
قوله: "أنفَس" بفتح الفاء؛ أي: أعزَّ وأفضل.
قوله: "فما تأمرني به"؛ يعني: أريد أن أجعله لله، فبأيَّ طريق أجعلُه لله؟
فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت حبَّست أصلها"، (التحبيس والتسبيل): جَعْلُ الشيء وَقْفًا.
قوله: "وتصدقت"؛ أي: تجعله وقفًا لا يباع أصلها، وتتصدَّق بما حصل منها من الثمار والحبوب.
"القربى" تأنيث أقرب، وهو أفعل التفضيل، يحتمل أن يريد بـ (القربى): أقرباء رسول الله ﷺ ، أو أقرباء نفسه.
"وفي الرقاب" وهي جمع رقبة، يحتمل أن يريد بالرقاب: المكاتَبين، وهم الذين اشتروا أنفسهم إلى أجلٍ ليكسبوا ويؤدُّوا قيمتهم؛ يعني: شَرَطَ عمر أن تؤدَّى ديون المكاتَبين من غلة هذا الوقف، ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أن يُشترى بغلة هذا الوقف عبيدٌ ويعتقوا.
"في سبيل الله" أراد به: الغزاة؛ يعني: يُدفع من غلة هذا الوقف السلاح
стр. 1571
والفرس والنفقة إلى الغزاة.
"وابن السبيل" أراد به: المسافرين.
"لا جناح"؛ أي: لا إثم "على من وليها"؛ أي: مَن قام بحفظها وإصلاحها جاز له أن يأكل منها ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة.
"غير متموِّل":
"قال محمَّد بن سيرين ﵀: معناه: غير متأثِّلٍ مالًا"، (التأثُّل): جعلُ شيء أصلًا، واتخاذُ رأس مالٍ؛ يعني: لا يجوز له أن يأخذ ذخيرةً لنفسه، بل لا يجوز له غيرُ القوت والكسوة.
* * *
٢٢٢٣ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "العُمْرَى ميراثٌ لأهلِها".
قوله: "العُمْرَى ميراث لأهلها" اعلم أن صورة العُمرى أن يقول رجل لآخر: أَعْمَرْتُك هذه الدار، أو: جعلتُها لك عمرَك، فإن اقتصر على هذا القَدْر ولم يقل: ولورثتك من بعدك، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد: أنه تكون له تلك الدار، ولورثته من بعده.
وقال مالك: تكون له في حياته، وإذا مات ترجع إلى المُعْمِر - أي: المعطي - إن كان حيًا، وإلى ورثته إن كان ميتًا.
فأما إذا قال: أعمرتُك هذه الدار، ولعقبك مِن بعدك، فإذا ذكر العَقِبَ تكون له في حياته، ولورثته من بعد موته، ولا ترجع إلى المعطي بالاتفاق، ولا بد من قبول المُعْمَر له كالهبة.
* * *
стр. 1572
٢٢٢٤ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أيما رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى له ولعَقِبهِ، فإنها للذي أُعطِيَها, لا ترجعُ إلى الذي أَعطاها, لأنه أَعطَى عطاءً وقعَتْ فيهِ المواريثُ".
قوله: "لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"؛ يعني: تفسير العمرى ملكًا للمدفوع إليه، فإذا صار ملكًا له يكون بعد موته لورثته كسائر أملاكه، ولا يرجع إلى الدافع كما لا يجوز الرجوع في الموهوب.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٢٢٢٦ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "لا تُعْمِرُوا ولا تُرقبوا، فمن أعْمرَ شيئًا أو أَرقَبَهُ فهو سبيلُ الميراثِ".
قوله: "لا تعمروا ولا ترقبوا" هذا نهيُ إرشاد؛ يعني: لا تهبوا أموالكم مدةً، ثم تأخذونها، بل إذا وهبتم شيئًا زال عنكم، ولا يرجع إليكم سواءٌ كان بلفظ الهبة أو العمرى أو الرقبى، وصورة العمرى ذكرناها.
فأما الرقبى: فهي أن يقول: أرقَبْتُك هذه الدار، فإن متَّ قبلي عادت إليَّ، وإن متُّ قبلك استقرتْ لك، فمذهب الشافعي وأحمد: جوازها، وشرط الرجوع فاسد، بل تكون للمدفوع إليه في حياته ولورثته مِن بعده.
وقيل: الرقبى باطل.
وقال أبو حنيفة: جائزة، وتكون للمدفوع إليه في حياته، وإذا مات تعود إلى الدافع إن كان حيًا، وإلى ورثته إن كان ميتًا.
ولو قال: كسوتك هذا الثوب، فهو هبة تحتاج إلى قبول، ولو قال: أَخْدَمْتُك هذا العبد، أو حملتك [على] هذا الفرس، فقيل: هو هبة إذا قبل.
стр. 1573
وقيل: بل عارية، ولمالكه أن يرجع فيه، فإن لم يرجع فيه حتى مات يعود إلى ورثته، ولا يجوز للمدفوع إليه بعد موت الدافع استعماله، وهذا القول هو الأظهر.
* * *
٢٢٢٧ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "العُمْرى جائزةٌ لأهلِها، والرُّقبى جائزةٌ لأهلِها".
قوله: "العمرى جائزة لأهلها"؛ يعني: العمرى جائزة لمن جعلت له العمرى، وتصير ملكًا له كما ذكرنا، وكذا الرُّقبى.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
(فصل)
(من الصحاح):
٢٢٢٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ عُرِضَ عليهِ ريحانٌ فلا يردَّه، فإنه خفيفُ المَحْمَلِ طيَّبُ الرِّيحِ".
"من عرض عليه ريحان، فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح"؛ يعني: إذا أعطاكم أحدٌ شيئًا خفيف المنَّة فاقبلوه ولا تردُّوه، كيلا يتأذى المعطي، فإن في قبوله مَطْيبةٌ لقلبه، وليس عليكم به منةٌ؛ لأنه شيءٌ حقير.
قوله: "خفيف المحمل"؛ أي: قليل المنة.
وفي الحديث إشارة إلى حفظ قلوب الناس بقبول هداياهم، وأيضًا إشارة
стр. 1574
إلى استحباب استعمال الطَّيب.
* * *
٢٢٣٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "العائدُ في هِبَتِه كالكلبِ يعودُ في قَيْئِهِ، ليسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ".
قوله: "ليس لنا مثل السوء"؛ يعني: لا يجوز لأمتي أن تهب شيئًا ثم ترجعَ فيه، فيكون مَثَلُه كمَثَل كلبٍ يقيء ثم يأكله، وهذا مثلُ سوء، ولا يختر أحدٌ مَثَلَ السوء لنفسه.
* * *
٢٢٣١ - عن النُّعمانِ بن بشيرٍ: أنَّ أباهُ أتَى بهِ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غُلامًا، فقال: "أَكُلَّ وَلَدِك نحلْتَ مثلَه؟ " قال: لا، قال: "فارجِعْه". ورُوِيَ أنَّه قال: "أَيَسُرُّكَ أنْ يكونوا إليك في البرِّ سواءً؟ " قال: بلى، قال: "فلا إذًا". ويُروى أنه قال: "فاتَّقوا الله واعدِلُوا بينَ أولادِكم". ويُروى أنه قال: "لا أَشهدُ على جَوْرٍ".
قوله: "أكلَّ ولدك نحلت مثله، قال: لا، قال: فارجعه"، نحلت؛ أي: أعطيت.
قوله: "فارْجِعْه"؛ أي: اسْتَرِدَّ الغلامَ الذي أعطيت هذا؛ لأنك لو أعطيت بعض أولادك ولم تعط الباقين؛ لوقع في خواطرهم لك بغضٌ، ووقع بين أولادك بغضٌ وعداوة، وما هو سبب حصول العداوة والبغض لا يجوز، وهذا منه ﷺ إرشادٌ وتنبيهٌ على ما هو أَوْلى وأقرب للتقوى.
أما لو فعل أحدٌ هذا؛ يعني: أعطى بعض أولاده شيئًا دون الباقين، فقد صحَّت العطية، ولم يكن له إثم، وبهذا قال أكثر العلماء؛ لأنه يجوز للرجل أن يهب في صحته جميع ماله من أجنبيٍّ، فإذا صح من الأجنبي يصحُّ من الولد.
стр. 1575
ولأن أبا بكر ﵁ أعطى عائشة عشرين وسقًا من التمر دون سائر أولاده، وفضَّل عمر ﵁ ابنه عاصمًا بإعطاء شيءٍ دون سائر أولاده.
وقال طاوسٌ وداودُ وأحمدُ وإسحاقُ بن راهويه: لا يجوز تفضيل بعض أولاده على بعض، ولو فعل لم يَصِرْ ذلك الموهوبُ ملكَ ذلك الولد، بل يجب عليه التسوية بينهم، إلا أن طاوسًا وداود يقولان: يجب التسوية بين أولاده الذكور والإناث.
وقال أحمد وإسحاق: يعطي أولاده للذكر مثلُ حظِّ الأنثيين.
قوله ﷺ : "لا أشهد على جور" عند مَن لا يجوَّزُ التفضيلَ بين الأولاد معناه: الظلم، وعند مَن يجوَّز معناه: الميل من بعض ولده إلى بعضٍ في الإعطاء، ومَن يجوِّز يكره.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٢٢٣٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لواهبٍ أنْ يرجعَ فيما وَهَبَ إلا الوالدَ مِن ولدِهِ".
قوله: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده"؛ يعني: لا يجوز لمن وهب شيئًا أن يسترده إلا الوالد، فإنه يجوز له أن يسترد ما وهب من ولده؛ لأن مال ولده كمال نفسه، واسترداده ما وهب من ولد نوعُ سياسةٍ وتأديبٍ للابن، فإنه ربما يرى من الولد شيئًا غيرَ مرضيًّ، فيحتاج إلى تأديبه بمثل هذا، وربما يصير محتاجًا إلى ما وَهَب، واستردادُ ما وَهَب وصَرْفُه إلى نفسه أولى مِن أكل مال ولده، وفي معنى الوالد جميع الأصول كالأم والأجداد والجدات، وبهذا قال الشافعي ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن وهب الرجل شيئًا من ولده، أو من ذي رحمٍ مَحْرمٍ
стр. 1576
له، لا يجوز الرجوع، وإن وهب من أجنبي جاز له الرجوع إذا لم يأخذ منه عوضًا، وهذا عكس مذهب الشافعي.
روى هذا الحديث ابن عباس.
* * *
٢٢٣٤ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ أعرابيًا أهدَى لرسولِ الله ﷺ بَكْرَةً، فعَوَّضهُ منها ستَّ بَكْراتٍ فتَسَخَّطَ، فبلغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ فحمِدَ الله وأَثنَى عليه ثمَّ قال: "إنَّ فلانًا أَهْدى إليَّ ناقةً، فعوَّضْتُه منها ستَّ بَكْراتٍ فظَلَّ ساخِطًا! لقد هَمَمْتُ أنْ لا أَقبلَ هديةً إلا مِن قُرَشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثَقَفيٍّ، أو دَوْسيٍّ".
قوله: "ست بكرات"، (البَكْرات): جمع بَكْرة، وهي الشابةُ من الإبل.
قوله: "لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي"؛ يعني: لقد قصدت أن لا أقبل الهدية إلا من قومٍ في طباعهم كرمٌ لا يمنُّون (١) بما أعطوا, ولا يتوقَّعون عوضًا، بل يَعُدُّون ما أَعطوه منةً وفضلاً مِن قابل عطيتهم على أنفسهم.
* * *
٢٢٣٥ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "من أُعطيَ عطاءً فوَجَدَ فليَجْزِ بِهِ، ومَنْ لم يَجِدْ فليُثْنِ، فإن مَنْ أَثنَى فقد شكرَ، ومَن كَتَمَ فقد كَفَرَ، ومَن تَحَلَّى بما لم يُعْطَ كانَ كَلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ".
قوله: "مَن أُعطي عطاء"؛ يعني: مَن أَحسن إليه أحدٌ إحسانًا من مالٍ أو فعلٍ أو قولٍ حسن، فليكن عارفًا حقَّه على نفسه، فإن وجد مالًا فليُحْسِن إليه بالمال، أو ليقابل فعله وقوله الحسن بمثله، فإن عجز عن مقابلته بالمال والفعل
стр. 1577
"فليثن عليه"؛ أي: فليَدْعُ له بخير، وليشكر له، ولا يجوز له كتمانُ نعمته، فإنَّ مَن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
قوله: "فقد كفر"؛ أي: فقد ترك أداء حقه، وهو من كفران النعمة، لا من الكفر الذي هو نقيض الإيمان.
قوله: "مَن تحلَّى"؛ أي: مَن تَزيَّنَ.
"بما لم يعطَ" بفتح الطاء.
"كلابس ثوبي زور" قصة هذا: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرةً، فهل عليَّ جُناحٌ أن أتشبَّع بما لم يعطني زوجي؟ فأجابها رسول الله ﷺ بهذا الحديث.
معنى (تشبَّع): أظهر الشِّبَعَ، وليس فيه الشبعُ، والمراد به: إظهار ما لم يعطها زوجها.
قوله: (كلابس ثوبي زور)؛ أي كان كمَن كذب كذبتين، أو أظهر شيئين كاذبين؛ أحد الكذبين تكلُّمها بقولها: أعطاني زوجي، والثاني: إظهارها أنَّ زوجي كان يحبني حبًا أشدَّ من حبه ضرتي؛ لأن هذا المعنى في ضمن قولها: أعطاني زوجي، موجود.
قال الخطابي: كان في العرب رجلٌ يلبس ثوبين كثياب المعاريف؛ ليظنه الناس أنه رجل معروفٌ محترم؛ لأن المعاريف لا يكذبون، فلما رآه الناس على هذه الهيئة يعتمدون على قوله وشهادته، وهو في نفسه كان رجلًا كذابًا يشهد بشهادة الزور، ويقبل الناسُ شهادته لأجل تشبُّه نفسه بالصادقين، فكان ثوباه سببَ زوره، فسمَّي ذينك الثوبين ثوبي زور، فشبه هذه المرأة بذلك الرجل.
* * *
стр. 1578
٢٢٣٦ - وقال: "مَنْ صُنِعَ إليه مَعْروفٌ فقال لفاعِلِه: جزاكَ الله خيرًا، فقد أبلغَ في الثناءِ".
قوله: "فقد أبلغ في الثناء"؛ يعني: فقد بالغ في أداء شكره.
روت هذا الحديث أسماء بنت أبي بكر.
* * *
٢٢٣٧ - وقال: "مَنْ لم يَشْكرِ النَّاسَ لم يشكرِ الله".
قوله: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" هذا تحريضٌ على معرفة حقوق الناس؛ لأن المعطي اثنان: أحدهما: الرجل الذي أعطاك، والثاني: هو الله تعالى؛ لأن الله تعالى قدَّر إيصالَ الأرزاق إلى العباد بالأسباب والوسائط: يرزق بعضَهم بواسطة حرفة، وبعضهم بواسطة تجارة، وبعضهم بواسطة زراعة، وبعضهم بواسطة تصدُّقٍ عليه وإعطاءِ الزكاة والسؤال، وغير ذلك.
فالمعطي في الظاهر هو الذي أعطاك شيئًا، وفي الحقيقة هو الله, فإذا كان المعطي لعطائك اثنين، فلو تركت شكر مَن أعطاك في الظاهر كره الله عدم أداء شكر ذلك الرجل منك، فلا يقبل الله شكرك إياه، أو لا يقبل كمال شكرك إياه؛ لأنك خالفت أمره بتركك شكرَ مَن أمرك بشكره.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٢٢٣٨ - وعن أنسٍ ﵁ قال: لمَّا قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أتاهُ المهاجرونَ فقالوا: يا رسولَ الله! ما رأيْنا قومًا أبذَلَ مِن كثيرٍ، ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ، مِن قومٍ نزلْنا بينَ أَظْهُرِهم، لقد كَفَوْنا المؤنةَ وأشرَكُونا في
стр. 1579
المَهْنَإ، حتى لقدْ خِفْنا أنْ يَذْهَبُوا بالأجرِ كلِّه، فقال: "لا، ما دَعَوْتُم الله لهم، وأَثنَيتُم عليهم"، صحيح.
قوله: "لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ": المهنأ: كلُّ ما يأتيك من المال من غير تعب؛ يعني: أشركونا في ثمار نخيلهم، ودفعوا عنا مؤنة السقي والإصلاح، سقوا النخيل وأصلحوها بأنفسهم، وأعطونا نصف التمر.
قولهم: "حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله"؛ يعني: خشينا أن يعطيهم الله تعالى ما حصل لنا من أجر الهجرة من مكة إلى المدينة، ومن أجر عباداتنا كلها، من كثرة إحسانهم إلينا.
قوله: "لا، ما دعوتم الله لهم"؛ يعني: لا يكون أجركم كله لهم ما دمتم تدعون لهم بالخير، فإن دعاءكم لهم عوضٌ عما دفعوا إليكم من المال.
* * *
٢٢٣٩ - وعن عائشةَ ﵂، عن النبي ﷺ قال: "تَهادَوْا فإنَّ الهدِيَّةَ تَذهبُ بالضَّغائنِ".
٢٢٤٠ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "تَهادَوا فإن الهديةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدرِ، ولا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارتِها ولو بشقَّ فِرْسَنِ شاةٍ".
قوله: "تهادوا"؛ أي: ليعط بعضكم بعضًا الهدية، فإن الهدية تحصل في قلب المدفوع إليه محبةَ الدافع، وتزيل عن قلبه بغضه وعداوته.
"الضغائن": جمع ضغينة، وهي الحقد الشديد.
قوله: "وحر الصدر"؛ أي: الغل والحقد.
قوله: "لا تحقرن جارة لجارتها, ولو بشقِّ فِرْسِنِ شاةٍ"، (الفِرْسِن): ظِلْفُ
стр. 1580
الشاة؛ يعني: لتُعْطِ كلُّ جارة جارتَها نصيبًا مما عندها من الطعام، وإن كان شيئًا قليلًا.
* * *
٢٢٤١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثٌ لا تُردُّ: الوَسائدُ، والدُّهنُ، واللَّبن"، غريب. قيل: أرادَ بالدُّهنِ: الطِّيبَ.
قوله: "ثلاث لا تُردُّ: الوسائد والدهن واللبن"؛ يعني: إذا أعطاكم أحدٌ وسادة لتجلسوا عليها أو تتكئوا عليها فاقبلوها، وكذلك إذا أعطاكم أحد طيبًا أو لبنًا فاقبلوه؛ لأن المنة فيهن قليل، ولأنكم لو لم تقبلوا هذه الأشياء يتأذى المعطي منكم، ويحصل بينكم بغض وعداوة.
وقد كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويُثيب عليها؛ أي: يعطي عوضها.
أما قبول هديته؛ فلتطيبَ قلوب المسلمين، وأما دفعُ عوضها إليهم، فكيلا يكون لأحد عليه منةٌ ونعمة.
* * *
٢٢٤٢ - عن أبي عثمانَ النَّهديِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أُعطِيَ أحدُكم الرَّيْحانَ فلا يرُدَّه، فإنه خرجَ مِن الجنةِ"، مرسَلٌ.
قوله: "إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردَّه، فإنه خرج من الجنة"، (الريحان): كلُّ نبتٍ له رائحة طيبة.
"خرج من الجنة"؛ يعني: أصل الطيب في الجنة، وخلق الله الطيب في الدنيا ليتذكر العباد بطيب الدنيا طيبَ الآخرة، ويرغبوا في الجنة، ويزيدوا في الأعمال الصالحة؛ ليصلوا بها إلى الجنة، وليس المراد أن ريحان الدنيا