← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

له، لا يجوز الرجوع، وإن وهب من أجنبي جاز له الرجوع إذا لم يأخذ منه عوضًا، وهذا عكس مذهب الشافعي. روى هذا الحديث ابن عباس. * * * ٢٢٣٤ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ أعرابيًا أهدَى لرسولِ الله ﷺ بَكْرَةً، فعَوَّضهُ منها ستَّ بَكْراتٍ فتَسَخَّطَ، فبلغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ فحمِدَ الله وأَثنَى عليه ثمَّ قال: "إنَّ فلانًا أَهْدى إليَّ ناقةً، فعوَّضْتُه منها ستَّ بَكْراتٍ فظَلَّ ساخِطًا! لقد هَمَمْتُ أنْ لا أَقبلَ هديةً إلا مِن قُرَشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثَقَفيٍّ، أو دَوْسيٍّ". قوله: "ست بكرات"، (البَكْرات): جمع بَكْرة، وهي الشابةُ من الإبل. قوله: "لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي"؛ يعني: لقد قصدت أن لا أقبل الهدية إلا من قومٍ في طباعهم كرمٌ لا يمنُّون (١) بما أعطوا, ولا يتوقَّعون عوضًا، بل يَعُدُّون ما أَعطوه منةً وفضلاً مِن قابل عطيتهم على أنفسهم. * * * ٢٢٣٥ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "من أُعطيَ عطاءً فوَجَدَ فليَجْزِ بِهِ، ومَنْ لم يَجِدْ فليُثْنِ، فإن مَنْ أَثنَى فقد شكرَ، ومَن كَتَمَ فقد كَفَرَ، ومَن تَحَلَّى بما لم يُعْطَ كانَ كَلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ". قوله: "مَن أُعطي عطاء"؛ يعني: مَن أَحسن إليه أحدٌ إحسانًا من مالٍ أو فعلٍ أو قولٍ حسن، فليكن عارفًا حقَّه على نفسه، فإن وجد مالًا فليُحْسِن إليه بالمال، أو ليقابل فعله وقوله الحسن بمثله، فإن عجز عن مقابلته بالمال والفعل

стр. 1577

"فليثن عليه"؛ أي: فليَدْعُ له بخير، وليشكر له، ولا يجوز له كتمانُ نعمته، فإنَّ مَن لم يشكر الناس لم يشكر الله. قوله: "فقد كفر"؛ أي: فقد ترك أداء حقه، وهو من كفران النعمة، لا من الكفر الذي هو نقيض الإيمان. قوله: "مَن تحلَّى"؛ أي: مَن تَزيَّنَ. "بما لم يعطَ" بفتح الطاء. "كلابس ثوبي زور" قصة هذا: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرةً، فهل عليَّ جُناحٌ أن أتشبَّع بما لم يعطني زوجي؟ فأجابها رسول الله ﷺ بهذا الحديث. معنى (تشبَّع): أظهر الشِّبَعَ، وليس فيه الشبعُ، والمراد به: إظهار ما لم يعطها زوجها. قوله: (كلابس ثوبي زور)؛ أي كان كمَن كذب كذبتين، أو أظهر شيئين كاذبين؛ أحد الكذبين تكلُّمها بقولها: أعطاني زوجي، والثاني: إظهارها أنَّ زوجي كان يحبني حبًا أشدَّ من حبه ضرتي؛ لأن هذا المعنى في ضمن قولها: أعطاني زوجي، موجود. قال الخطابي: كان في العرب رجلٌ يلبس ثوبين كثياب المعاريف؛ ليظنه الناس أنه رجل معروفٌ محترم؛ لأن المعاريف لا يكذبون، فلما رآه الناس على هذه الهيئة يعتمدون على قوله وشهادته، وهو في نفسه كان رجلًا كذابًا يشهد بشهادة الزور، ويقبل الناسُ شهادته لأجل تشبُّه نفسه بالصادقين، فكان ثوباه سببَ زوره، فسمَّي ذينك الثوبين ثوبي زور، فشبه هذه المرأة بذلك الرجل. * * *

стр. 1578

٢٢٣٦ - وقال: "مَنْ صُنِعَ إليه مَعْروفٌ فقال لفاعِلِه: جزاكَ الله خيرًا، فقد أبلغَ في الثناءِ". قوله: "فقد أبلغ في الثناء"؛ يعني: فقد بالغ في أداء شكره. روت هذا الحديث أسماء بنت أبي بكر. * * * ٢٢٣٧ - وقال: "مَنْ لم يَشْكرِ النَّاسَ لم يشكرِ الله". قوله: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" هذا تحريضٌ على معرفة حقوق الناس؛ لأن المعطي اثنان: أحدهما: الرجل الذي أعطاك، والثاني: هو الله تعالى؛ لأن الله تعالى قدَّر إيصالَ الأرزاق إلى العباد بالأسباب والوسائط: يرزق بعضَهم بواسطة حرفة، وبعضهم بواسطة تجارة، وبعضهم بواسطة زراعة، وبعضهم بواسطة تصدُّقٍ عليه وإعطاءِ الزكاة والسؤال، وغير ذلك. فالمعطي في الظاهر هو الذي أعطاك شيئًا، وفي الحقيقة هو الله, فإذا كان المعطي لعطائك اثنين، فلو تركت شكر مَن أعطاك في الظاهر كره الله عدم أداء شكر ذلك الرجل منك، فلا يقبل الله شكرك إياه، أو لا يقبل كمال شكرك إياه؛ لأنك خالفت أمره بتركك شكرَ مَن أمرك بشكره. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٢٢٣٨ - وعن أنسٍ ﵁ قال: لمَّا قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أتاهُ المهاجرونَ فقالوا: يا رسولَ الله! ما رأيْنا قومًا أبذَلَ مِن كثيرٍ، ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ، مِن قومٍ نزلْنا بينَ أَظْهُرِهم، لقد كَفَوْنا المؤنةَ وأشرَكُونا في

стр. 1579

المَهْنَإ، حتى لقدْ خِفْنا أنْ يَذْهَبُوا بالأجرِ كلِّه، فقال: "لا، ما دَعَوْتُم الله لهم، وأَثنَيتُم عليهم"، صحيح. قوله: "لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ": المهنأ: كلُّ ما يأتيك من المال من غير تعب؛ يعني: أشركونا في ثمار نخيلهم، ودفعوا عنا مؤنة السقي والإصلاح، سقوا النخيل وأصلحوها بأنفسهم، وأعطونا نصف التمر. قولهم: "حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله"؛ يعني: خشينا أن يعطيهم الله تعالى ما حصل لنا من أجر الهجرة من مكة إلى المدينة، ومن أجر عباداتنا كلها، من كثرة إحسانهم إلينا. قوله: "لا، ما دعوتم الله لهم"؛ يعني: لا يكون أجركم كله لهم ما دمتم تدعون لهم بالخير، فإن دعاءكم لهم عوضٌ عما دفعوا إليكم من المال. * * * ٢٢٣٩ - وعن عائشةَ ﵂، عن النبي ﷺ قال: "تَهادَوْا فإنَّ الهدِيَّةَ تَذهبُ بالضَّغائنِ". ٢٢٤٠ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "تَهادَوا فإن الهديةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدرِ، ولا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارتِها ولو بشقَّ فِرْسَنِ شاةٍ". قوله: "تهادوا"؛ أي: ليعط بعضكم بعضًا الهدية، فإن الهدية تحصل في قلب المدفوع إليه محبةَ الدافع، وتزيل عن قلبه بغضه وعداوته. "الضغائن": جمع ضغينة، وهي الحقد الشديد. قوله: "وحر الصدر"؛ أي: الغل والحقد. قوله: "لا تحقرن جارة لجارتها, ولو بشقِّ فِرْسِنِ شاةٍ"، (الفِرْسِن): ظِلْفُ

стр. 1580

الشاة؛ يعني: لتُعْطِ كلُّ جارة جارتَها نصيبًا مما عندها من الطعام، وإن كان شيئًا قليلًا. * * * ٢٢٤١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثٌ لا تُردُّ: الوَسائدُ، والدُّهنُ، واللَّبن"، غريب. قيل: أرادَ بالدُّهنِ: الطِّيبَ. قوله: "ثلاث لا تُردُّ: الوسائد والدهن واللبن"؛ يعني: إذا أعطاكم أحدٌ وسادة لتجلسوا عليها أو تتكئوا عليها فاقبلوها، وكذلك إذا أعطاكم أحد طيبًا أو لبنًا فاقبلوه؛ لأن المنة فيهن قليل، ولأنكم لو لم تقبلوا هذه الأشياء يتأذى المعطي منكم، ويحصل بينكم بغض وعداوة. وقد كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويُثيب عليها؛ أي: يعطي عوضها. أما قبول هديته؛ فلتطيبَ قلوب المسلمين، وأما دفعُ عوضها إليهم، فكيلا يكون لأحد عليه منةٌ ونعمة. * * * ٢٢٤٢ - عن أبي عثمانَ النَّهديِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أُعطِيَ أحدُكم الرَّيْحانَ فلا يرُدَّه، فإنه خرجَ مِن الجنةِ"، مرسَلٌ. قوله: "إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردَّه، فإنه خرج من الجنة"، (الريحان): كلُّ نبتٍ له رائحة طيبة. "خرج من الجنة"؛ يعني: أصل الطيب في الجنة، وخلق الله الطيب في الدنيا ليتذكر العباد بطيب الدنيا طيبَ الآخرة، ويرغبوا في الجنة، ويزيدوا في الأعمال الصالحة؛ ليصلوا بها إلى الجنة، وليس المراد أن ريحان الدنيا

стр. 1581

خرج عينه من الجنة. * * * ١٦ - باب اللُّقَطَة (باب اللقطة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٤٣ - عن زيدِ بن خالدٍ ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فسألهُ عن اللُّقَطَةِ؟ فقال: "اِعْرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثم عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ جاءَ صاحبُها وإلا فَشَأنَك بها"، قال: فَضالَّةُ الغَنَم؟ قال: "هي لكَ أَوْ لأخيكَ أو للذئبِ"، قال: فَضالَّةُ الإِبلِ؟ "قال: مالَكَ ولها؟ معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يَلقاها ربُّها". وفي رِوايةٍ: "ثم استَنْفِقْ، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه". "اعرف عفاصها ووكاءَها"، (العفاص): جلدٌ أو غيره يُستر به رأس القارورة أو غيرها، (الوكاء): الحبل الذي يشد به شيء؛ يعني: تأمَّل وانظر إلى ظرف ما وجدت من اللقطة، وإلى جميع صفاتها وقَدْرِها وجنسها، حتى لو جاء أحدٌ ويصفها ويطلبها منك، تعرف أنه صادق في وصفها أو كاذب. "ثم عرفها"؛ أي: نادِ عليها في الأسواق والمحافل، واذكر جنسها في التعريف، ولا تذكر جميع أوصافها كيلا يدَّعيها كلُّ أحد، ففي الأسبوع الأول عرِّفها في كل يوم مرتين، مرةً في أول النهار، ومرةً في آخر النهار، وفي الأسبوع الثاني في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرة، فإن جاء بعد السنة مالكها رُدَّها إليه، وإن لم يجئ صاحبها مَلَكَها الملتقط غنيًا كان أو فقيرًا في قول الشافعي.

стр. 1582

وقال أبو حنيفة: لا يجوز للغني أن يتملكها بعد السنة، بل يتصدق بها. قوله: "فشأنك بها"؛ أي: فالزم شأنك؛ يعني: افعل بها ما شئت بعد السنة، إن شئت تملَّكْها، وإن شئت لا تتملَّكْها، بل اتركها لتكون في يدك أمانة ليجيء صاحبها. قوله: "فضالة الغنم"؛ يعني: ما حكم غنم وجد في صحراء؟. فأجابه رسول الله ﷺ بأنها: "لك، أو لأخيك، أو للذئب"؛ يعني: إن أخذتها فهي لك، وإن لم تأخذها يأخذها رجل آخر، وإن تركها الناس يأخذها الذئب؛ يعني: لا يجوز إضاعتها حتى يأخذها الذئب، بل خذوها، فإذا أخذتم، فإن شئتم فكلوها، والقيمة في ذمتكم إلى أن يجيء صاحبها، وإن شئتم فاحفظوها وأنفقوا عليها بالتبرع، ويجوز بيعها وحفظ ثمنها، وتعرِّفُها؛ أي: تعرف الغنم سنة، ثم يتملك ثمنها بعد السنة. فإن أكلها فهل يجب عليه تعريفها، أم لا يعرفها، بل يسكت فإن جاء صاحبها يدفع قيمتها إليه؟ ففيه وجهان: أصحهما: إن كان قيمتها أكثر من دينار أحمر يجب التعريف، وإن كان قَدْرَ دينار أو أقل لا يجب. والغنم وكلُّ ما لا يقدر على دفع صغار السباع عن نفسه إذا وُجد في الصحراء هذا حكمه، وإن وجد في بلدٍ يلزمه أن يعرِّفها سنة كسائر اللقطات، وإن وَجد حيوانًا يقدر على دفع صغار السباع عن نفسه كالإبل والبقر والخيل والحمار، فإن وجد في صحراء لا يجوز لأحد أن يأخذها، بل يتركها إلى أن يأتيها صاحبها، فإن أخذها الإمام ليحفظها لصاحبها جاز، ولا يجوز لغيره أن يأخذه إلا (١) للحفظ، ولا للتملك، وإن وجد في بلد جاز أخذها وتعريفها سنة،

стр. 1583

ثم يتملكها بعد السنة. قوله: "ما لك ولها؟ معها سِقاؤها" (ما) في (ما لك) للاستفهام أو للنفي كلاهما جائز، وأراد بسقائها: معدتها؛ يعني: الإبل تقدر على دفع صغار السباع عن نفسها، وتقدر أن تَرِدَ الماء، وإذا شربت الماء تصبر عن الماء مدة، فلا يجوز لأحد أن يأخذها، بل يتركها إلى أن يأتيها صاحبها؛ لأن العادة جارية بإرسال الحيوان الكبير في الصحراء يرتع ليأتيها صاحبها، فلا تكون ضالة. قوله: "ثم استنفق" هذه الرواية متصلةٌ بقوله: (فاعرف عفاصها ووكائها، ثم عرِّفها سنة، ثم استنفق، فإن جاء ربها فأدها إليه). ومعنى قوله: "ثم استنفق"؛ يعني: بعدما عرَّفْتَها سنةً جاز لك أن تصرفها إلى نفسك، فتأخذها بالملكية. * * * ٢٢٤٤ - وقال: "مَن آوَى ضالَّة فهو ضالٌ، ما لم يُعَرِّفْها". قوله: "مَن آوى ضالةً فهو ضالٌّ"؛ يعني: مَن أخذ لقطةً ولم يعرِّفها وتملَّكَها وتصرَّفَ فيها قبل التعريف فهو ضال؛ أي: فقد مال عن الحق إلى الباطل، وصار عاصيًا. روى هذا الحديث زيد بن خالد. * * * ٢٢٤٥ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عثمانَ التَّيمِيِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن لُقَطَةِ الحاجِّ. قوله: "نهى عن لقطة الحاج"؛ يعني: لا يجوز التقاط لقطة حرم مكة

стр. 1584

للتملُّك بعد التعريف سنة، بل يلزم على الملتقط أن يحفظها أبدًا لمالكها. وقال أبو حنيفة: لا فرق بين لقط الحرم وغيرها من البلاد. * * * من الحِسان: ٢٢٤٦ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ الله ﷺ : أنه سُئلَ عن الثمَرِ المُعلَّقِ، فقال: "مَنْ أصابَ بفيهِ مِن ذي حاجةٍ غيرَ متَّخِذٍ خُبنةً فلا شيءَ عليهِ، ومَنْ خرجَ بشيءٍ منهُ فعليهِ غرامةُ مِثْلَيْهِ والعقوبةُ، ومَنْ سرقَ منه شيئًا بعدَ أن يُؤْوِيَه الجَرِينُ، فبلغَ ثمنَ المِجَنِّ فعليهِ القطعُ" - وذكرَ في ضالَّةِ الإبلِ والغنم كما ذكرَ غيرُهُ - قال: وسُئِلَ عن اللُّقَطَةِ فقال: "ما كانَ منها في الطريقِ المِيتاءِ والقريةِ الجامعةِ فعرِّفْها سنةً، فإنْ جاءَ صاحبُها فادفَعْها إليه، وإنْ لم يأتِ فهوَ لكَ، وما كانَ في الخَرابِ العاديِّ ففيهِ وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". قوله: "سئل عن ثمر المعلق" ذكر هذا الحديث في آخر (باب الغصب). قوله: "ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة" تأويل (غرامة مثليه): أنه زجرٌ ووعيد، وإلا الشيءُ المتلَفُ لا يضمن بقيمته مرتين، بل مرة واحدة. وحكم عمر بن الخطاب بإيجاب غرامة مثليه عملًا بظاهر الحديث، وبه قال أحمد. وقيل: قد كان في أول الإسلام إيجابُ غرامة مثلي ثمن المتلَف تغليظًا، ثم نُسخ وبقي إيجابُ غرامةِ مثلِ قيمته مرة واحدة. قوله: "ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين"؛ يعني: بعد أن جُمع التمر في موضع، و (الجرين): الموضع الذي يجمع فيه التمر لييبس؛ يعني: إذا

стр. 1585

جمع التمر صار في الحرز، فمن سرق منه شيئًا بلغ ربع دينار وجب عليه القطع. قوله: "إذا بلغ قيمة المجن": وإنما قيَّد بقيمة المجن [لأنه] كان يساوي في ذلك الوقت ربع دينار، وتخصيص القطع بالسرقة عن الجرين إنما كان لأن الثمار كانت في عهد رسول الله ﷺ أكثرها غير محروز؛ لأنه قلما كان للبساتين حائطٌ أو حافظ، فإذا لم يكن محرزًا لم يجب القطع فيمن سرق منها شيئًا، أما لو كان بستان له حائط أو حافظ؛ كان محروزًا، فيجب القطع منها مَن سرق منها ما يساوي ربع دينار فصاعدًا. قوله: "وسئل عن اللقطة فقال: ما كان منها في الطريق المِيْتَاء والقرية الجامعة فعرِّفْها سنة، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهو لك، وما كان في الخراب العادي ففيه وفي الركاز الخمس" هذا من تمام الحديث المتقدم، و (الطريق المِيتاء): الطريق العام، ومجتمعُ الطريق؛ يعني: مَن وجد لقطة في طريقٍ يمرُّ عليها الناس أو في قرية أو بلد أو موضعٍ يمكن أن يوجد صاحبها؛ يعرِّفُ سنة، فإن لم يأت صاحبها يتملكها من (١) وجدها. قوله: "وما كان في الخراب العادي، ففيه وفي الركاز الخمس" أراد بهذا أن ما يُعْرَفُ كونُه من مالِ الكفار العاديين بأن يوجد فيه أثرٌ يدل على أنه من أموالهم يجب فيه الخمس، سواء كان ذهبًا أو فضة أو غيرهما من الأواني والأقمشة. وأراد بـ (الركاز): الذهب والفضة خاصة. وفيما كان غير الذهب والفضة خاصة من أقمشة الكفار يوجد في الأرض خلافٌ مذكورٌ في الفقه: أنه هل يجب فيه الخمس أم لا؟. * * *

стр. 1586

٢٢٤٧ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁: أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ ﵁ وجدَ دينارًا فأتَى بهِ فاطمةَ فسألَتْ عنهُ رسولُ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا رزقُ الله" فأكلَ منهُ رسولُ الله ﷺ ، وأكلَ عليٌّ وفاطمةُ ﵄، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ أتتْ امرأةٌ تَنْشُدُ الدِّينار، فقال رسولُ الله ﷺ : "يا عليُّ! أَدِّ الدينارَ". قوله: "فسأل عنه رسول الله ﷺ "؛ يعني: سأل عليٌّ ﵁ رسول الله ﷺ : أيَّ شيء أفعل بهذا الدينار؟ فأمره رسول الله ﷺ بأن يشتري به طعامًا، فاشترى به طعامًا، فأكل منه رسول الله ﷺ ، ولم يأمره بإمساكه وتعريفه سنة. وهذا يدل على أن اللقطة إذا كانت دينارًا أحمر أو أقلَّ لا يجب تعريفه سنة، بل يعرَّفه في ذلك المكان في تلك اللحظة بأن ينادي مرةً إن كان هناك أحد، ويقول: من ضاع منه شيء، فإن لم يجد صاحبها جاز له أكلها وصرفُها بما شاء، فإن جاء بعد ذلك صاحبها يجب ردُّ بدله إليه، وإن لم يأت صاحبها لم يكن عليه إثم؛ لأن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵁: "هذا رزق الله". * * * ٢٢٤٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ضالَّةُ المُسلمِ حَرقُ النَّارِ". قوله: "ضالة المسلم حرق النار"، (الحرْق) بجزم الراء: لهبُ النار واشتعاله؛ يعني: ضالة المسلم سبب اشتعال نار جهنم بواجدها إن تملَّكها واجدُها وكتمها ولم يعرَّفها، أو التقط لقطةً لا يجوز التقاطها، مثلَ ضالة الإبل في الصحراء، فإنه لا يجوز أخذها. روى هذا الحديث الحسن، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1587

٢٢٥٠ - وعن جابرٍ ﵁ قال: رخَّصَ لنا رسولُ الله ﷺ في العَصا والسَّوطِ والحَبلِ وأَشباهِهِ، يلتقِطُه الرَّجلُ ينتفعُ بهِ. قوله: "رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به"؛ يعني: هذه الأشياء وأمثالها مما كان حقيرًا يُعلم أن صاحبه لا يطلبه زمانًا كثيرًا، فإذا وجدها أحد نظر إلى حوله، فإن وجد هناك أحدًا، يخبره بما وجد، فإن قال: لي، فليدفعه إليه، وإن قال: ليس لي، أو نظر هناك ولم يجد ثَمَّ أحدًا، فليأخذ ذلك الشيء الحقير، ومِلْكُه من غير تعريف، فإن جاء صاحبه بعد ذلك لزمه ردُّه إليه، أو ردُّ قيمته. * * * ٢٢٥١ - عن المِقْدامِ بن مَعْدِ يْكَرِبَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يحِلُّ ذو نابٍ من السَّباعِ، ولا الحمارُ الأهليُّ، ولا اللُّقطةُ مِن مالِ مُعاهدٍ إلا أَنْ يستغنيَ عنها صاحبُها". قوله: "ألا لا يحل ذو ناب من السباع ... " إلى آخر الحديث، قد ذكر بحث هذا الحديث في (باب الاعتصام) في الحديث الثالث من الحسان. * * * ١٧ - باب الفرائضِ (باب الفرائض) مِنَ الصَّحَاحِ: ٢٢٥٢ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "أنا أَوْلى بالمؤمنينَ مِنْ

стр. 1588

أنفسِهم، فمَن ماتَ وعليه دَيْنٌ ولم يتركْ وفاءً فعليْنا قضاؤُه، ومَنْ تركَ مالًا فلِوَرَثتِهِ". وفي روايةٍ: "مَنْ تركَ دَيْنًا أو ضَياعًا فليَأتِني فأنا مَوْلاهُ". وفي روايةٍ: "مَن تركَ مالًا فلِوَررثَتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلًّا فإلينا". قوله: "ومن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه" هذا تبرعٌ منه ﷺ ، ولم يجب أداء دين الميت إلا من تركته، فإن لم يكن له تركةٌ لم يجب قضاؤه، لا من بيت المال، ولا من مال المسلمين، بل يستحب. قوله: "ومن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني فأنا مولاه"، (الضِّياع) بكسر الضاد: جمع ضائع، كالجياع جمع جائع، و (الضَّياع) بفتح الضاد: مصدرٌ يقع على الجمع وغيره. يعني: مَن مات وترك مَن احتاج إلى النفقة والكسوة والتربية كالأطفال والزَّمْنَى، ولم يكن له مال يصرف على عياله، وجب نفقتهم وكسوتهم في بيت المال. قوله: "ومن ترك كلًا فإلينا"، (الكَلُّ): العيال؛ يعني: مَن ترك عيالًا فإلينا تربيتهم، وهذا مِثْلُ ما تقدم. * * * ٢٢٥٣ - وقال: "أَلحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بقيَ فهوَ لأوْلى رجلٍ ذَكَرٍ". قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر"؛ يعني: يقدَّم نصيب صاحب الفرض على نصيب العصبة، فإذا أُعطي صاحب الفرض فرضَه، فما بقي من سهام أصحاب الفروض دفع إلى أولى رجلٍ؛ أي: أقرب

стр. 1589

رجل من عصبات الميت، وأصحاب الفروض والعصبات مذكورةٌ في كتاب الفرائض في الفقه، وليس هذا موضع شرحه. قوله: "فلأولى رجل ذكر" قد ذُكِرَ الذَّكَرُ بعد الرجل احترازًا عن الخنثى المُشْكِلِ، فإنه لا يُجعل عصبةً ولا صاحبَ فرضٍ جزمًا، بل يُعْطَى القَدْرَ المتيقَّنَ، وهو القَدْرُ الأقل من تقدير الذكورة والأنوثة، ويحتمل أن المراد بالذَّكَر بعد الرجل بيانُ أن العصبة ترث صغيرًا كان أو كبيرًا إذا كان ذكرًا، بخلاف عادة الجاهلية، فإنهم لا يعطون الميراث مَن هو ضعيفًا، بل يعطون مَن هو في حدِّ الرجولية والمحاربة. روى هذا الحديث ابن عباس. * * * ٢٢٥٤ - وقال: "لا يَرِثُ المُسلِمُ الكافرَ، ولا الكافِرُ المُسلِمَ". قوله: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" اتفق أهل العلم على العمل بهذا الحديث، إلا معاذَ بن جبلٍ، ومعاويةَ بن أبي سفيان، ومن الفقهاء إسحاق بن راهويه؛ فإنهم قالوا: يرث المسلمُ الكافرَ، ولا يرث الكافرُ المسلمَ، والمرتدُّ لا يرث أحدًا، ولا يرثه أحدٌ، لا من المسلمين، ولا من الكفار، ومالُه في بيت المال. قال أبو حنيفة: ما اكتسبه في الإسلام لورثته المسلمين، وما اكتسبه في الكفر لبيت المال. روى هذا الحديث أسامة بن زيد. * * * ٢٢٥٥ - وقال: "مَوْلى القومِ مِن أنفسِهم".

стр. 1590

قوله: "مولى القوم من أنفسهم"، (المولى): يقع في اللغة على المُعْتِق وعلى العتيق، وفسر العلماء المولى في هذا الحديث بالمُعْتِق؛ يعني: المُعْتِقُ يرثُ العتيقَ إذا لم يكن للعتيق أحدٌ من عصباته النَّسَبية، ولا يرث العتيقُ المُعْتِقَ إلا عند طاوس. روى هذا الحديث أنس بن مالك. * * * ٢٢٥٦ - وقال: "إنَّما الوَلاءُ لِمَن أَعتقَ". قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"؛ يعني: مَن أعتق مملوكًا، أو عَتَقَ عليه بأن اشترى أحدًا من أصوله أو فروعه، أو أدى مكاتَبُه دينَ الكتابة فعتق عليه، يكون ولاؤه له، سواء كان المُعْتِقُ رجلًا أو امرأة. روى هذا الحديث ابن عمر. * * * ٢٢٥٧ - وقال: "ابن أختِ القومِ منهم". قوله: "ابن أخت القوم منهم" اعلم أن ابن الأخت من ذوي الأرحام، ولا يرث ذوو الأرحام إلا عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله. وإنما يرث ذوو الأرحام إذا لم يكن للميت عصبةٌ، ولا ذو فرضٍ. وذوو الأرحام عشرة أصناف: ولد البنت، وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والخال، والخالة، وأب الأم، والعم لأم، والعمة، وولد الأخ من الأم ومن أدلى بهم، وأَوْلاهم أولاد البنت، ثم أولاد الأخت وبنات الأخ، ثم العم للأم، والعمات، والأخوال، والخالات.

стр. 1591

وإذا استوى اثنان منهم في درجة، فأَولاهم بالميراث من هو أقرب إلى صاحب فرض أو عصبة، وأب الأم أولى من ولد الأخ من الأم، ومن بنات الأخ وأولاد الأخت. روى هذا الحديث - أعني حديث: "ابن أخت القوم منهم" - أنس. * * * ٢٢٥٨ - وقال: "الخالةُ بمنزِلَةِ الأُمِّ". قوله: "الخالة بمنزلة الأم"، (الخالة): من ذوي الأرحام، وقد ذكرنا بحثهم. روى هذا الحديث ابن مسعود. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٢٥٩ - قال ﷺ : "لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتينِ شَتَّى". "لا يتوارث أهل ملتين شتى"؛ أي: متفرقة، ووزنه: فَعْلَى؛ يعني: لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ. روى هذا الحديث ابن عمرو. * * * ٢٢٦٠ - وقال: "القاتِلُ لا يِرثُ". قوله: "القاتل لا يرث" روى هذا الحديث أبو هريرة. ومعناه: أن القاتل لا يرث من المقتول، والعمل على هذا الحديث عند العلماء جميعهم، سواءٌ كان القتل عمدًا أو خطأً، من صبيًّ أو مجنون، أو غيرهما.

стр. 1592

وقال مالك: إذا كان القتل خطأً لا يمنع الميراث. وقال أبو حنيفة: قتل الصبي لا يمنع من الميراث. * * * ٢٢٦١ - عن بُرَيدةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ جَعلَ للجَدَّةِ السُّدسَ إذا لم تَكُنْ دونَها أمُّ. قوله: "للجدة السدس إذا لم يكن دونها أمٌّ"؛ يعني: إذا لم يكن هناك أم الميت، ترث الجدة السدس، فإن كان هناك أم لا ترث الجدة شيئًا: لا أمُّ الأم، ولا أمُّ الأب، ولا أمُّ الجد. * * * ٢٢٦٢ - وقال: "إذا استهلَّ الصبيُّ صُلِّيَ عليهِ وَوُرِّثَ". قوله: "إذا استهل الصبي صلي عليه وورث"؛ يعني: إذا مات رجل وخلَّف امرأة حاملًا، وقف نصيب الحمل من مال أبيه حتى ينفصل من أمه، فإن انفصل ولم يظهر منه شيء من علامات الحياة، يكون نصيبه الموقوف لورثة الميت وقتَ موته: إن كان صاحبَ فرضٍ يعطى فرضه كاملًا، وإن كان عصبة يعطى ما بقي من فرض أصحاب الفروض، ولا يعطى الولد المنفصل ميتًا من الميراث شيئًا. وإن انفصل واستهل - أي: رفع صوته بالبكاء - أو ظهر منه علامةٌ تدلُّ على حياته يقينًا، صلِّي عليه، ودُفع إليه نصيبه الموقوفُ من مال أبيه، ثم إذا مات بعد أن عُرفت حياته انتقل نصيبه إلى ورثته الموجودين وقت موته بعد استهلاله، وقد بينَّا كيفية قسمة ميراث الحمل في أول كتابنا المسمى بـ: "غاية المقاصد في علم الفرائض".

стр. 1593

روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٢٢٦٤ - وقال: "أنا مَولى مَن لا مَولى لهُ، أَرِثُ مالَه وأَعْقِلُ له وأَفُكُّ عانَهُ، والخالُ وارِثُ مَن لا وارِثَ له، يرثُ مالَه ويعقِلُ عنه ويفكُّ عانَهُ". قوله: "أنا مولى مَن لا مولى له، أرثُ ماله، وأعقل له، وأفك عانيه، والخال وارث من لا وارث له، يرث ماله، ويعقل عنه، ويفك عانيه"؛ يعني: مَن مات ولا وارث له يكون ماله لبيت المال، وإذا جنى أحد على أحد جنايةً خطأ، وليس للجاني عصبةٌ، يجب ما عليه من الدية على بيت المال؛ لأن بيت المال كعصبة الرجل، فكما أن بيت المال يرث مالَ مَن مات ولا وارث له، فكذلك يعقل عنه إذا جنى جناية. ومعنى يعقل: يؤدي عَقْلَه؛ أي: الدية اللازمةَ عليه. قوله: "ويفك عانيه"، وفي رواية: "ويفك عانه"، وأصله: عانيَه أيضًا، فحذفت الياء في هذه الرواية. ومعنى العاني: الأسير، ومعنى الفك: الإعتاق؛ أي: أُعتق ذمته المشغولة بالدية؛ يعني: أؤدِّي الدية عنه، وهذا شرح (أعقل له). وفي "معالم الخطابي" و"شرح السنة" روايتان: في رواية: "وأفك عانيه"، وليس في هذه الرواية: "وأعقل له، وأفك عانيه"، فإذا كان كذلك؛ فقد علمنا أن (أعقل له) شرح: (وأفك عانيه) هكذا فسر الخطابي. قوله: "والخال وارث من لا وارث له ... " إلى آخره، (الخال): من ذوي الأرحام، فعلى قولِ توريث ذوي الأرحام يرث الخال ابن أخته إذا مات ولم يخلِّف عصبةً، وإذا جنى ابن أخته ولم يكن له عصبةٌ، يؤدِّي الخال الدية عنه كالعصبة.

стр. 1594

روى هذا الحديث المقدام الكندي. * * * ٢٢٦٥ - وقال: "تَحوزُ المرأةُ ثلاثَةَ مواريثَ: عَتيقَها، ولَقيطَها، وولدَها الذي لا عنت عنه". قوله: "تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عنه"، (تحوز)؛ أي: تجمع؛ يعني: المرأة إذا عتقت عبدًا، فإذا مات العبد العتيق ولم يكن له وارثٌ، يرث مُعْتِقُه مالَه، وإذا لاعن الرجل ولده انتفى الولد عنه ووجب الحدُّ على المرأة، فإذا لاعنت المرأة سقط عنها الحد، ولكن لا يثبت نسبُ الولد لأبيه بلعانه، بل يبقى النسب منفيًا عن أبيه، فإذا مات الولد لا يرثه أبوه، ولكن ترثه أمه فرضها؛ لأنه لا شك في أن الولد انفصل منها. وأما قوله ﷺ : "ولقيطها" لا يرث الملتقِطُ من اللقيط، إلا عند إسحاق ابن راهويه. روى هذا الحديث واثلة بن الأسقع. * * * ٢٢٦٦ - عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ عاهَرَ بحُرَّةٍ أو أَمَةٍ، فالولدُ ولدُ زِنا لا يَرِثُ ولا يُورَثُ". قوله: "عاهر"؛ أي: زنى. قوله: "لا يرث ولا يورث"؛ يعني: لا يرث ذلك الولد من الواطئ ولا من أقاربه، ولا يرث الواطئ ولا أقاربه من ذلك الولد؛ لأنه أجنبي من الواطئ وإن كان من نطفته.

стр. 1595

وأما الأم: ترث من ذلك الولد، ويرث الولد منها. * * * ٢٢٦٧ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّ مَولى للنبيِّ ﷺ ماتَ ولم يَدَعْ ولدًا ولا حَميمًا، فقال النبيُّ ﷺ : "أَعطُوا ميراثَه رجلًا مِن أهلِ قريتِهِ". قولها: "أن مولى للنبي ﷺ مات ولم يدع ولدًا ولا حميمًا، فقال النبي ﷺ : أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته"، (المولى) ها هنا: العتيق. "ولم يدع"؛ أي: ولم يترك. "حميمًا"؛ أي: قريبًا. واعلم أن العتيق إذا مات ولم يخلِّف صاحبَ فرض ولا عصبةً من نسبه، فمالُه كله لمُعْتِقِه، وإن خلَّف صاحبَ فرض، فما بقي بعد فرضِ صاحب الفرض فلِمُعْتِقِه، وإنما أمر النبي ﷺ بدفع مال عتيقه إلى رجلٍ من قريته تفضُّلًا وتبرُّعًا منه على أهل قرية عتيقه. * * * ٢٢٦٨ - وعن بُرَيدَةَ قال: ماتَ رجلٌ مِن خُزاعَةَ فأُتيَ النبيُّ ﷺ بميراثِهِ فقال: اِلتمسُوا لهُ وارثًا، أو ذا رَحمٍ، فَلَمْ يَجِدُوا فقال: "أعطُوه الكُبْرَ مِنْ خُزاعةَ"، ويُروَى: "انظُروا أكبرَ رجلٍ مِن خُزاعة". قوله: "التمسوا"؛ أي: اطلبوا. قوله: "أو ذا رحم"؛ يعني: أو قريبًا له غيرَ أصحاب الفروض والتعصيب، وهذا (١) على قول مَن يعطي ذوي الأرحام الميراثَ ظاهرٌ، وأما على قول مَن لم

стр. 1596

يعط ذوي الأرحام الميراث؛ فتأويله: أن ماله انتقل إلى بيت مال المسلمين، وكان رسول الله ﷺ حاكمًا يصرف مال بيت المال فيما رأى فيه المصلحة، فرأى ها هنا صرف مال الميت في ذوي الأرحام تبرعًا منه عليهم. قوله: "أعطوه الكُبر من خزاعة"، (الكُبر) بضم الكاف وسكون الباء: بمعنى الأكبر، ومعناه هنا: سيد القوم ورئيسهم، أمر النبي ﷺ بدفع مال الميت إلى سيد القوم ومقتداهم تبرعًا منه ﷺ وتفضلًا عليه، لا بطريق الميراث. * * * ٢٢٦٩ - وعن عليًّ ﵁ قال: قضى رسولُ الله ﷺ أنَّ أعيانَ بني الأُمَّ يتوارثونَ دونَ بني العَلَّاتِ، الرجلُ يرثُ أخاهُ لأَبيهِ وأمِّهِ، دونَ أخيهِ لأبيهِ. قوله: "قضى رسول الله ﷺ أن أعيان بني الأم والأب يتوارثون دون بني العَلات" اعلم أن معنى (الأعيان): الإخوة والأخوات من الأب والأم، و (العَلَّات): الإخوة والأخوات من الأب، و (الأخياف): الإخوة والأخوات من الأم، فإذا مات رجل وترك أخًا من الأب والأم، وأخًا من الأب، فميراثه لأخيه من الأب والأم دون أخيه من الأب، وإن كان له أخٌ من الأب والأم، وأخٌ من الأب، وأخٌ من الأم، فلأخيه من الأم السدس بالفرض، وإن كان له أخوان من الأم أو أكثر، فلأخويه أو لأخوته من الأم الثلث، والباقي لأخيه من الأب والأم بالتعصيب، ولا شيء لأخيه من الأب؛ لأن الأخ من الأب عصبة، وهو لا يرث مع وجود الأخ من الأب والأم. قوله: "الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه"؛ يعني: يرث الميتَ أخوه من الأب والأم دون أخيه من الأب إذا اجتمعا، فإن لم يكن له أخ من الأب والأم يرثه أخوه من الأب. * * *

стр. 1597

٢٢٧١ - وقال عبدُ الله بن مسعودٍ ﵁ في بنتٍ، وبنتِ ابن، وأُختٍ لأبٍ وأمًّ: أقضي فيهنَّ بما قَضَى النبيُّ ﷺ : للبنتِ النِّصفُ، ولابنةِ الابن السُّدُسُ تَكمِلةَ الثُّلُثَين، وما بقي فَلِلأُخْتِ. قوله: "وما بقي للأخت"؛ يعني: الأخت من الأب والأم دون الأخت من الأب إذا اجتمعتا؛ لأن الأخت من الأب والأم كالأخ من الأب والأم، والأخت من الأب كالأخ من الأب، فكما أن الأخ من الأب لا يرثه مع الأخ من الأب والأم، فكذلك الأخت من الأب لا ترث مع الأخت من الأب والأم إذا اجتمعتا مع البنات، أو بناتِ الابن، فإن لم تكن الأخت من الأب والأم، فما بقي من فرض البنات، أو بنات الابن، فللأخت من الأب. * * * ٢٢٧٢ - وعن عِمْرانَ بن حُصَينٍ قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنَّ ابن ابني ماتَ فما ليَ مِنْ ميراثِه؟ قال: "لكَ السُّدُسُ"، فلمَّا ولَّى دعاهُ قال: "لك سُدُسٌ آخرُ"، فلمَّا ولَّى دعاهُ قال: "إنَّ السُّدُسَ الآخرَ طُعْمَةٌ لك"، صحيح. قوله: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ "، (ما) للاستفهام، وصورة هذه المسألة: ترك الميت بنتين وهذا السائلَ، فللبنتين الثلثان، فبقي ثلث، فدفع النبي ﷺ إلى السائل سدسًا بالفرض؛ لأنه جد الميت، ولم يدفعه إليه سدسًا آخر كيلا يظن أن فرضه الثلث، وتركه حتى ولى؛ أي: ذهب "فدعاه فقال: لك سدسٌ آخر، فلما ولَّى دعاه وقال: إن السدس الآخِر" بكسر الخاء "طُعمة لك"؛ أي: اعلم أن السدس الثاني طعمةٌ له، ومعنى (الطعمة) هنا: التعصيب؛ يعني: رزقٌ لك وليس بفرضٍ لك.

стр. 1598

وإنما قال للسدس الذي ورثه بالتعصيب طعمة، ولم يقل للسدس الذي ورثه بالفرض طعمة؛ لأن الفرض لا يتغير، وأما التعصيب يتغير بالزيادة والنقصان، وربما لم يبق نصيب العصبة، فلما لم يكن التعصيب شيئًا مستقرًا ثابتًا على حالةٍ واحدة سماه: (طُعمة)؛ أي: هذا رزقٌ رَزَقَك الله بسبب عدم كثرة أصحاب الفروض، فإنه إن كثرت أصحاب الفروض لم يبق لك هذا السدس الأخير. * * * ٢٢٧٣ - عن قَبيْصَةَ بن ذُؤيبٍ أنه قال: جاءَتْ الجدَّةُ إلى أبي بكرٍ ﵁ تسألُه ميراثَها، فقال لها: ما لَكِ في كتابِ الله شيءٌ، وما لَكِ في سنَّةِ رسولِ الله ﷺ شيءٌ، فارجِعي حتى أسألَ الناسَ، فسألَ، فقالَ المغيرةُ بن شُعبةَ ﵁: حَضَرتُ رسولَ الله ﷺ أعطاها السُّدُسَ، فقال أبو بكرٍ ﵁: هلْ معكَ غيرُكَ؟ فقال محمدُ بن مَسْلَمةَ مثلَ ما قالَ المغيرةُ، فأَنفَذَهُ لها أبو بكرٍ ﵁، ثم جاءَتْ الجَدَّةُ الأُخرى إلى عمرَ ﵁ تسألهُ ميراثَها، فقال: هو ذلكَ السُّدُسُ، فإنْ اجتمعْتُما فهو بينَكُما، وأَيَّتُكما خَلَتْ بهِ فهوَ لها. قوله: "فأنفذه لها أبو بكر ﵁ " الضمير المذكَّر الغائب في (أنفذه) ضمير السدس؛ يعني: أعطى الجدةَ السدس. قوله: "هو ذلك السدس"، (السدس): عطفُ بيان لـ (ذلك)، ولفظة (هو) ضمير لنصيبها؛ يعني: نصيبك السدس. قوله: "فإن اجتمعتما" هذا الخطاب للجدة من طرف الأم والجدَّةِ من طرف الأب. قوله: "خلت"؛ أي: تفرَّدت بالسدس؛ يعني: فإن كانت واحدةٌ منكما، ولم تكن الأخرى، فالسدس لها، فإن اجتمعتما فالسدس بينكما. * * *

стр. 1599

٢٢٧٤ - وعن ابن مَسْعودٍ ﵁ قال في الجَدَّةِ معَ ابنها: أَطعَمَها رسولُ الله ﷺ سُدُسًا معَ ابنها. ضعيف. قول ابن مسعود في الجدة مع ابنها: "أطعمها رسول الله ﷺ سدسًا مع ابنها"؛ يعني: أعطى رسول الله ﷺ أمَّ أبِ الميت سدسًا مع وجود أب الميت، مع أنه لا ميراث لأم أب الميت مع أب الميت. ومذهب ابن مسعود: أن الجدة غير وارثة، سواءٌ كانت من قِبَلِ الأم، أو قبل الأب، وسواءٌ كان معها مَن هو أقربُ منها إلى الميت، أو لم يكن. فقال ابن مسعود: فكلُّ ما أعطى رسولُ الله ﷺ الجدةَ شيئًا، فإنما أعطاها تبرعًا وتفضُّلًا عليها لا بطريق الميراث. * * * ٢٢٧٥ - عن الضَّحَّاكِ بن سُفيانَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كتبَ إليه أنْ وَرَّثْ امرأةَ أَشْيَمَ الضبابي مِن دِيَةِ زوجِها. صحيح. قوله: "أنْ ورِّثْ امرأة أشيم الضبَابيِّ من دية زوجها"؛ يعني: المرأة ترث نصيبها من دية زوجها كما ترث من ماله، وكذا يرث الزوج من دية زوجته كما يرث من مالها. وكان علي بن أبي طالب ﵁ لا يورِّث الزوج من دية زوجته، ولا الزوجة من دية زوجها. * * * ٢٢٧٦ - وعن تميمٍ الدَّارِيِّ قال: سَألتُ رسولَ الله ﷺ : ما السُّنةُ في الرجلِ من أهلِ الشركِ يُسْلِمُ على يدَيْ رجلٍ مِن المسلمينَ؟ فقال: "هو أَوْلَى

стр. 1600

الناسِ بمَحياهُ ومَماتِهِ". ليس بُمتَّصلٍ. قوله: "ما السنَّة"؛ أي: ما حكم الشرع في الرجل من أهل الشرك يُسْلِمُ على يدي رجل من المسلمين، فقال: هو أولى الناس بمَحْيَاه ومماتِه. ومَن أسلم على يد غيره لا يصير مولًى له عند أبي حنيفة والشافعي ومالك والثوري، ويصير مولًى له عند عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، والليث بن سعد بهذا الحديث. دليل الشافعي وأتباعه: قوله: "الولاء لمَن أَعْتَقَ، ومَن لم يُعْتِقْ فلا يكون له ولاؤه"، وحديث تميمٍ الداري يحتمل أنه كان في بدء الإسلام؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالإسلام والنصرة ثم نسخ ذلك، ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : (هو أولى الناس بمحياه ومماته) يعني بالنصرة في حال الحياة، وبالصلاة بعد الموت، فلا يكون له حجة. * * * ٢٢٧٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا ماتَ ولم يَدَعْ وارثًا إلا غلامًا كانَ أَعتقَهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "هل لهُ أحدٌ؟ " فقالوا: لا، إلا غلامٌ لهُ كانَ أَعتقَهُ، فجعلَ النبيُّ ﷺ ميراثَه لهُ. قوله: "أن رجلًا مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا كان أعتقه، فقال النبي ﷺ : هل له أحد؟ قالوا: لا، إلا غلام له كان أعتقه، فجعل النبي ﷺ ميراثه له" اعلم أن المُعْتِقَ يرث من العتيق كما ذكرنا، ولا يرث العتيقُ من المُعْتِق، ولنا دفع رسول الله ﷺ مال الميت في هذا الحديث إلى عتيقه تبرعًا وتفضلًا عليه؛ لأن الميت لم يترك أحدًا يرثه، فماله انتقل إلى بيت المال، فأنعم رسول الله ﷺ بماله على هذا العتيق، هذا مذهب جمهور العلماء.

стр. 1601

وقال شريح وطاوس: يرث العتيق من المُعْتِق، كما يرث المُعْتِقُ من العتيق. * * * ٢٢٧٧ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يرثُ الولاءَ مَنْ يرثُ المالَ". قوله: "يرث الولاء من يرث المال" هذا لفظٌ عامٌّ والمراد به الخاص، ومعناه: كلُّ عصبة ترث مال الميت، فإذا كان ذلك الميت أعتق عبدًا أو أمةً انتقل ولاء العتيق إلى عصبةِ مُعْتِقِه، ولا ينتقل إلى بنت المُعْتِقِ وإن كان ترث مال أبيها؛ لأن البنت ليست عصبةً، بل العصبةُ الذكورُ دون الإناث، ولا ترثُ النساء بالولاء إلا إذا أعتقن عتيقًا، أو أعتق عتيقُهن أحدًا، فإنهن يرثن من عتيقهن أو عتيقِ عتيقهنَّ، والله أعلم. * * * ١٨ - باب الوصايا (باب الوصايا) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٧٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "ما حقُّ امرِئٍ مُسلمٍ لهُ شيءٌ يُوصي فيه، يبيتُ ليلتينِ إلا ووَصيَّتُه مكتوبةٌ عندَهُ". قوله: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"؛ يعني: لا ينبغي له أن يترك الوصية إن كان له شيء يوصي به، بل

стр. 1602

الأَولى والأحوطُ أن يكتب كتابًا، كم ماله، وكم له على الناس من الديون والأمانات، ويسمي كلَّ واحد ممن عندهم دَينه وأمانته، ويسمِّي قدْرَ الدين والأمانة وجنسهما وصفتهما، ويكتب أيضًا ما للناس عليه من الدين والأمانة، ويبين كلَّ واحد باسمه وصفته، ويسمي أيضًا جنس الديون والأمانات وصفاتها، ويكتب أيضًا إن أوصى بأن يعطى من ماله شيءٌ إلى الفقراء ومصارف الخير، وإنما يكتب لأنه ربما يموت بغتةً ولا يقدر على الوصية، فيبقى حق الناس على ذمته من الديون والأمانات، ويضيع ماله عليهم أيضًا من الديون والأمانات؛ لأن الغالب أن الورثة لم يعرفوا جميع أحواله ومعاملاته. قوله: "يبيت ليلتين": هذا تأكيدٌ في استحباب كَتْبِ الوصية؛ لأن قَيْدَ ليلتين غيرُ مقصود؛ يعني: لا ينبغي له أن يَمضي عليه زمانٌ - وإن كان قليلًا - إلا ووصيتُه مكتوبة. روى هذا الحديث ابن عمر. * * * ٢٢٨٠ - عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: مرضتُ عامَ الفتح مَرَضًا أَشفيْتُ على الموتِ، فأتاني رسولُ الله ﷺ يعودُني فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّ لي مالًا كثيرًا، وليسَ يرثُني إلا ابنتِي، أَفَأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا"، قلتُ: فثُلُثَي مالي؟ قال: "لا"، قلت: فالشَّطرُ؟ قال: "لا"، قلت: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنَّكَ أنْ تذرَ ورثتَكَ أغنياءَ خيرٌ مِن أنْ تذرَهم عالةً يتكفَّفُونَ الناسَ، وإنك لن تُنفِقَ نفقةً تبتَغي بها وجهَ الله إلا أُجِرْتَ بها، حتى اللُّقمةَ ترفعُها إلى في امرأتِكَ". قوله: "أشفيت"؛ أي: قربت.

стр. 1603

"وليس يرثني إلا ابنتيَّ" قال الخطابي: معناه: ليس لي وارثٌ من أصحاب الفروض إلا ابنتان، وليس المراد منه أنه لا وارثَ له غير ابنتيه، بل كان له عصبةٌ كثيرة. "أفأوصي بمالي كله"؛ يعني؛ أي: جوِّز لي أن آمُرَ بالتصدُّق بجميع مالي على الفقراء. قوله: "فالشطر"، (الشطر): النصف. قوله: "فالثلث" هذا الحديث بيان أنه لا يجوز لمَن مرض مرضًا مخوفًا أن يوصي أو يهب أو يعطي بيده شيئًا من ماله أكثر من الثلث، فإنه لا حكم له إلا في الثلث، فلو أوصى أو وهب أو أعطى أحدًا شيئًا في مرضه بأكثر من الثلث، فهو موقوفٌ فيما زاد على الثلث على إجازة الورثة، فإن شاؤوا أجازوا، وإن شاؤوا رادُّوا فيما زاد على الثلث، وليس لهم ردُّ الثلث، بل الثلثُ يجري من غير إجازتهم، وإن لم يكن له وارث وأوصى بأكثر من الثلث، جاز الثلث وبطلت الوصيةُ فيما زاد على الثلث [وهو] حق بيت المال. قوله: "والثلث كثير": هذا يبنى على أن الوصية بالثلث جائزةٌ ولكنْ غيرُ مستحبةٍ، وفي هذا تفصيل، وهو أنه إن كان ورثته فقراءَ فالوصيةُ بالثلث غيرُ مستحبةٍ، بل الأَولى أن يوصي بأقل من الثلث، وإن كان ورثته أغنياء، أو لم يكن له وارث، فالمستحبُّ أن يوصي بثلث كامل. قوله: "إنك إن تذر" (إن) حرف الشرط، و (تذر) مجزومٌ به، (وَذَر يَذَرُ): إذا تَرَك، ولا يستعمل من هذا اللفظ غيرُ المضارع والأمرُ والنهي. يعني: أن توصي بقليل وتتركَ باقيَ مالك لورثتك حتى يصيروا به أغنياء خيرٌ لك من أن توصي بكثير وتترك قليلًا لورثتك، فيكونون فقراء، ولا يكفيهم ما تركت لهم من أموالك.

стр. 1604

قوله: "عالة"؛ أي: فقراء، رجل عائل؛ أي: فقير، وقومٌ عالةٌ؛ أي: فقراء. قوله: "يتكففون الناس"، (تكفَّف): إذا مدَّ كفَّه في طلب شيءٍ من أحد، وتكفَّفه أيضًا: إذا طلب كفًا من الطعام. قوله: "تبتغي"؛ أي: تطلب. يعني بآخِرِ هذا الحديث: إن ما تترك من مالك لورثتك يكون لك صدقة، [و] التصدُّق على الأقارب أفضل من التصدق على الأجانب. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٢٨١ - رُوِيَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لسَعدٍ: "أَوْصِ بالعُشْرِ"، قال: فما زلتُ أُناقِصُهُ حتى قال: "أوْصِ بالثُّلثِ، والثُّلثُ كثيرٌ". قوله: "فما زلت أناقصه" * * * ٢٢٨٢ - عن أبي أُمامةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ في خطبتِهِ عامَ حَجَّةِ الوداعِ: "إنَّ الله قد أَعطَى كلَّ ذي حقًّ حقَّهُ، فلا وَصيَّةَ لوارثٍ، الولدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحَجَرُ، وحسابُهم على الله". ٢٢٨٣ - ويُروَى عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا وصيةَ لوارثٍ إلا أنْ يشاءَ الورثَةُ"، منقطعٌ. قوله: "إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث" كانت الوصية للأقارب فرضًا قبل نزول آية الميراث، فلما نزلت آية الميراث بطلت الوصية للوارث؛ يعني: فإذا بيَّن الله نصيب كلِّ وارثٍ من الميراث لا يجوز له

стр. 1605

الوصية، فإن أوصى أحد لوارث بشيء من ماله بطلت تلك الوصية وإن أجازت باقي الورثة، وفي قولٍ: إذا أجازت باقي الورثة تلك الوصيةَ صحت. قوله: "الولد للفراش"؛ يعني: لو وطئ رجلٌ امرأةً بالزنا يكون الولد للأم، ولا ينسب إلى الزاني، ولا يرث الزاني من ذلك الولد، ولا الولد من الزاني، بل يرث ذلك الولد من أمه، وترث أمه منه إن كانت الأمُّ حرة، وإن كانت أمةً يكون ذلك الولد مملوكًا لسيد الأمة، ولا يرث ذلك الولد من أمه، ولا الأم منه؛ لأن المملوك لا يرث أحدًا، ولا يرثه أحد، بل ماله لسيده. قوله: "وللعاهر الحجر"، (العاهر): الزاني؛ يعني: لا حقَّ للزاني في ذلك الولد، بل يُرجم الزاني إن كان محصَنًا، ويُجلد إن لم يكن محصنًا، كما يأتي بحث حد المحصن في حد الزنا. وقيل: معنى قوله: (وللعاهر الحجر) الحرمانُ من الميراث، يقال للمحروم: لك التراب، وفي يدك التراب، ولك الحجر، وفي يدك الحجر، كل ذلك كنايةٌ عن الحرمان؛ يعني: ليس لك نصيب إلا التراب والحجر. قوله: "وحسابهم على الله"؛ يعني: نحن نقيم الحد على الزناة، وحسابهم على الله، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عاقبهم. هذا مفهوم الحديث، وقد جاء: أنَّ مَن أُقيم عليه الحد في الدنيا لا يعذَّب بذلك الذنب في القيامة، فإن الله تعالى أكرمُ مِن أن يثنِّي العقوبة على مَن أقيم عليه الحد. ويحتمل أن يريد بقوله: (وحسابهم على الله): مَن زنا أو أذنب ذنبًا آخر، ولم يُقم عليه الحد، فحسابه على الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. * * * ٢٢٨٤ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "إنَّ الرَّجُلَ

стр. 1606

ليعملُ، والمرأةَ، بطاعةِ الله ستينَ سنةً، ثم يحضرُهما الموتُ فيُضارَّانِ في الوصيَّةِ فتجبُ لهما النارُ"، ثم قرأ أبو هريرةَ ﵁: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قوله: "إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار"؛ يعني: ربما يعمل الرجل والمرأة ستين سنة أو أكثر بالأعمال الصالحة، ثم يوصي عند الموت وصيةً باطلةً، بأن يوصي للوارث، أو يوصي لأجنبيًّ بأكثر من الثلث، فيأثم بهذه الوصية؛ لأن مخالفة رسول الله ﷺ إثمٌ موجب للعقاب، فبعض الناس يوصي بهذه الوصايا الباطلة وهي إثم، وبعضهم يبيع أو يهب جميع ماله لواحد من ورثته، كيلا يرث وارث آخر من ماله شيئًا، ولا يرث بيت المال ما بقي من صاحب فرض، فهذا كلُّه مكروه وفرارٌ من حكم الله، بل الأولى بالتقوى أن يوصي بما قَسَم الله المال بين الورثة. قوله تعالى: " ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ "؛ أي: تُدفع الوصية إلى الموصَى له بشرط أن يكون الموصي غيرَ مضارٍّ؛ أي: غيرَ موصلٍ مضرةً إلى الورثة بأن يوصي بأكثر من ثلث المال، لا يدفع ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة. ° ° °

стр. 1607

المفاتيح في شرح المصابيح تأليف العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الرابع]

стр. 1608

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1609

المَفَاتِيْحُ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ [٤]

стр. 1610

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

стр. 1611

١٢ - كِتابُ النِّكَاحِ

стр. 1612

[١٢] كِتابُ النَّكَاحِ (كتاب النكاح) مِنَ الصِّحَاح: ٢٢٨٥ - عن عبدِ الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يا معشرَ الشَّبابِ مَن استطاعَ منكُم الباءَةَ فليتزوَّجْ، فإنه أَغَضُّ للبَصَرِ وأَحْصَنُ للفرج، ومَنْ لم يستطعْ فعليهِ بالصَّومِ فإنه لهُ وِجاءٌ". قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، (الشباب): جمع شاب، (الباءة) بالمد: النكاح، و (الباءة) في الحقيقة: المنزل، سمِّي النكاح باءةً؛ لأنه يهيئ للنكاح منزلًا، فأُطلق اسم المنزل على ما هو سببُ تهيئة المنزل. قوله: "من استطاع منكم الباءة" أي: مَن استطاع منكم التزوُّجَ بوجدان أسبابه من النفقة والكسوة، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنه لو أراد باستطاعة الباءة مجردَ استطاعة النكاح، يلزم تناقضٌ بين هذا وبين قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"؛ لأنه لو كان كلُّ مَن يقدر على المجامعة مأمورًا بالتزوج، لم يكن مأمورًا بكسر الشهوة بالصوم؛ لأن الرجل لا يخلو: إما أن يكون له اشتهاء النكاح، أو لم يكن، فإن لم يكن فلا يؤمر لا بالنكاح، ولا بكسره بالصوم؛ لأن المعدوم وهو اشتهاءُ النكاح كيف يُكْسر؟ وإن كان مشتهيًا للمجامعة لا يؤمر بكسر الشهوة، بل يؤمر بالتزوُّج؛ لأن الحديث قد جاء للترغيب في النكاح لتكثُر أمة محمد ﷺ .

стр. 1613

فقد ثبت بما قررنا أن مراد الحديث: أنَّ مَن قدر على تحصيل نفقة المرأة وكسوتها فليتزوج، ومن لم يقدر على النفقة والكسوة فعليه كسر شهوته بالصوم. وقوله: "فليتزوج" هذا أمرُ ندبٍ واستحبابٍ لا أمرُ إيجابٍ عند أكثر العلماء، وقال داود الظاهري: إنه أمرُ إيجابٍ. وهذا الأمر إنما يتوجَّه إلى مَن تاقت نفسه؛ أي: غلبت شهوتُه، فإنَّ مَن تاقت نفسه إلى النكاح فيستحبُّ له النكاح، ويجب عند داود، ومن لم تتق نفسه إلى النكاح، فتركُ النكاح والتخلِّي إلى العبادة أولى له. وقال أبو حنيفة: بل النكاح له أولى. قوله: "أغض للبصر"، (الغضُّ): إلصاق أحد جفني العين بالأخرى. قوله: "أحصن" وهو من الإحصان، وهو الحفظ. و (أغض) و (أحصن): أفعل التفضيل؛ يعني: مَن تزوَّج فقد حفظ عينه عن النظر إلى امرأة أجنبية، وحفظ فرجه عن الحرام. قوله: "وجاء"، (الوجاء): دقُّ خصية الفحل، والمراد به ها هنا: كسرُ الشهوة بالصوم. * * * ٢٢٨٦ - وقالَ سعدُ بن أبي وقاصٍ ﵁: رَدَّ رسولُ الله ﷺ على عثمانَ بن مظعونٍ التَّبَتُّلَ ولو أَذِنَ له لاختصَيْنا. قوله: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل"، (التبتل): الانقطاع عن الشيء، ويستعمل في الانقطاع عن النساء، وهو المراد ها هنا؛ يعني: استأذن عثمان بن مظعون رسول الله ﷺ في ترك التزوج، والاعتزالِ عن النساء، فمنعه رسول الله ﷺ ، فقال الراوي: "ولو أذن رسول الله ﷺ في ترك التزوج لاختصينا"؛

стр. 1614

أي: لجعل كلُّ واحد منا نفسه خصيًا، كيلا يحتاج إلى النساء. * * * ٢٢٨٧ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "تُنْكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، ولحَسَبها وجَمالِها، ولدينِها، فاظفرْ بذاتِ الدِّينِ ترِبَتْ يداك". قوله: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، (الحسب) بفتح السين: ما يكون في الرجل وآبائه من الخصال الحميدة في العرف، أو في الشرع؛ يعني: الناس يتزوجون المرأة لهذه الخصال الأربع كلِّها، أو لبعضها، (فاظفر) أيها المؤمن؛ أي: فاطلب وتزوَّجْ امرأة صالحة، ولا تطلب امرأة لها مال وجمال، وأب شريف، ولم يكن لها صلاح، فإن اجتمع مع الصلاح الخصال الباقية أو بعضها، فتلك نعمةٌ على نعمةٍ، وإن لم يكن لذات المال والجمال والحسب صلاح فاتركها. "تربت يداك"؛ أي: صرتَ محرومًا من الخير إن تركت الصلاح، وطمعت في شيء آخر. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٢٢٨٨ - وقال: "الدُّنيا مَتاعٌ، وخيرُ متاعِ الدُّنيا المرأةُ الصَّالحةُ". قوله: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة"، (المتاع): ما يُتمتع به؛ أي: ما يُنتفع به، وأراد بـ (الدنيا): ما في الدنيا مما ينتفع به؛ يعني: مالُ الدنيا خلق لبني آدم لينتفعوا به، وخير ما يَنتفع به الرجلُ المرأةُ الصالحة، فإنه يتلذَّذُ منها، وتكون له سكنًا وأنيسًا، وتحفظ عينه وفرجه من الحرام، وتُعينه على دينه بأن تمنعه عن الكَلِّ في الطاعات، ويحصل له منها أولاد يطيعون الله، وتزيد بهم أمة محمد ﷺ ، فأيُّ متاع من أمتعة الدنيا يكون نفعها مثل نفع المرأة الصالحة؟.

стр. 1615

روى هذا الحديث عبد الله بن عمر. * * * ٢٢٨٩ - وقال: "خيرُ نساءٍ رَكِبن الإبلَ صالحُ نساءِ قريشٍ، أَحْناهُ على وَلدٍ في صِغَرِه وأَرْعاهُ على زوجٍ في ذاتِ يدِهِ". قوله: "وخير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذاتِ يدِهِ" الضمير في (أحناه) و (أرعاه) ينبغي أن يكون مؤنَّثًا؛ لأنه يرجع إلى النساء، ولكن جعله مذكرًا بتأويل الشخص؛ أي: أحَنُّ شخصٍ على ولده، وأرعى شخصٍ على زوج في ماله؛ يعني: تكون شفقة نساء قريش ومحافظتُهن [على] أزواجهن وصبرهن على فقرهم أكثر من جميع نساء العرب غير قريش. والمراد بـ (ذات اليد): المال. وتحدَّثَ رسول الله ﷺ بهذا الحديث حين خطب رسول الله ﷺ أمَّ هانئ بنت أبي طالب، فلم تُجبه، واعتذرت إليه وقالت: يا رسول الله! إني مشتغلة بخدمة أيتامي، فلم أقدر على خدمتك، فقال رسول الله ﷺ تطييبًا لقلبها، وتحسينًا لشفقتها على أولادها: (خير نساء العرب نساء قريش)، والمراد بـ (من ركب الإبل): العرب. * * * ٢٢٩٠ - وقال: "ما تركتُ بعدِي فتنةً أَضَرَّ على الرِّجالِ مِن النِّساءِ". قوله: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجالِ مِن النساءِ"، فيها يفتتن بها الرجال، لأن تلذذهم بهن أكثر من سائر التلذذات، لميل الطباع إليهن أكثر مما تميل إلى غيرهن من التلذذات، فربما يقع الرجل في الحرام، وربما يقع بين الرجال مقاتلةٌ وعداوةٌ بسبب النساء، بأن يقول رجل: أنا أتزوج هذه المرأة، ويقول الآخر: بل أنا أتزوجها.
следующие страницы →