[١٢]
كِتابُ النَّكَاحِ
(كتاب النكاح)
مِنَ الصِّحَاح:
٢٢٨٥ - عن عبدِ الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يا معشرَ الشَّبابِ مَن استطاعَ منكُم الباءَةَ فليتزوَّجْ، فإنه أَغَضُّ للبَصَرِ وأَحْصَنُ للفرج، ومَنْ لم يستطعْ فعليهِ بالصَّومِ فإنه لهُ وِجاءٌ".
قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، (الشباب): جمع شاب، (الباءة) بالمد: النكاح، و (الباءة) في الحقيقة: المنزل، سمِّي النكاح باءةً؛ لأنه يهيئ للنكاح منزلًا، فأُطلق اسم المنزل على ما هو سببُ تهيئة المنزل.
قوله: "من استطاع منكم الباءة" أي: مَن استطاع منكم التزوُّجَ بوجدان أسبابه من النفقة والكسوة، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنه لو أراد باستطاعة الباءة مجردَ استطاعة النكاح، يلزم تناقضٌ بين هذا وبين قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"؛ لأنه لو كان كلُّ مَن يقدر على المجامعة مأمورًا بالتزوج، لم يكن مأمورًا بكسر الشهوة بالصوم؛ لأن الرجل لا يخلو: إما أن يكون له اشتهاء النكاح، أو لم يكن، فإن لم يكن فلا يؤمر لا بالنكاح، ولا بكسره بالصوم؛ لأن المعدوم وهو اشتهاءُ النكاح كيف يُكْسر؟ وإن كان مشتهيًا للمجامعة لا يؤمر بكسر الشهوة، بل يؤمر بالتزوُّج؛ لأن الحديث قد جاء للترغيب في النكاح لتكثُر أمة محمد ﷺ .
стр. 1613
فقد ثبت بما قررنا أن مراد الحديث: أنَّ مَن قدر على تحصيل نفقة المرأة وكسوتها فليتزوج، ومن لم يقدر على النفقة والكسوة فعليه كسر شهوته بالصوم.
وقوله: "فليتزوج" هذا أمرُ ندبٍ واستحبابٍ لا أمرُ إيجابٍ عند أكثر العلماء، وقال داود الظاهري: إنه أمرُ إيجابٍ.
وهذا الأمر إنما يتوجَّه إلى مَن تاقت نفسه؛ أي: غلبت شهوتُه، فإنَّ مَن تاقت نفسه إلى النكاح فيستحبُّ له النكاح، ويجب عند داود، ومن لم تتق نفسه إلى النكاح، فتركُ النكاح والتخلِّي إلى العبادة أولى له.
وقال أبو حنيفة: بل النكاح له أولى.
قوله: "أغض للبصر"، (الغضُّ): إلصاق أحد جفني العين بالأخرى.
قوله: "أحصن" وهو من الإحصان، وهو الحفظ.
و (أغض) و (أحصن): أفعل التفضيل؛ يعني: مَن تزوَّج فقد حفظ عينه عن النظر إلى امرأة أجنبية، وحفظ فرجه عن الحرام.
قوله: "وجاء"، (الوجاء): دقُّ خصية الفحل، والمراد به ها هنا: كسرُ الشهوة بالصوم.
* * *
٢٢٨٦ - وقالَ سعدُ بن أبي وقاصٍ ﵁: رَدَّ رسولُ الله ﷺ على عثمانَ بن مظعونٍ التَّبَتُّلَ ولو أَذِنَ له لاختصَيْنا.
قوله: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل"، (التبتل): الانقطاع عن الشيء، ويستعمل في الانقطاع عن النساء، وهو المراد ها هنا؛ يعني: استأذن عثمان بن مظعون رسول الله ﷺ في ترك التزوج، والاعتزالِ عن النساء، فمنعه رسول الله ﷺ ، فقال الراوي: "ولو أذن رسول الله ﷺ في ترك التزوج لاختصينا"؛
стр. 1614
أي: لجعل كلُّ واحد منا نفسه خصيًا، كيلا يحتاج إلى النساء.
* * *
٢٢٨٧ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "تُنْكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، ولحَسَبها وجَمالِها، ولدينِها، فاظفرْ بذاتِ الدِّينِ ترِبَتْ يداك".
قوله: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، (الحسب) بفتح السين: ما يكون في الرجل وآبائه من الخصال الحميدة في العرف، أو في الشرع؛ يعني: الناس يتزوجون المرأة لهذه الخصال الأربع كلِّها، أو لبعضها، (فاظفر) أيها المؤمن؛ أي: فاطلب وتزوَّجْ امرأة صالحة، ولا تطلب امرأة لها مال وجمال، وأب شريف، ولم يكن لها صلاح، فإن اجتمع مع الصلاح الخصال الباقية أو بعضها، فتلك نعمةٌ على نعمةٍ، وإن لم يكن لذات المال والجمال والحسب صلاح فاتركها.
"تربت يداك"؛ أي: صرتَ محرومًا من الخير إن تركت الصلاح، وطمعت في شيء آخر.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٢٢٨٨ - وقال: "الدُّنيا مَتاعٌ، وخيرُ متاعِ الدُّنيا المرأةُ الصَّالحةُ".
قوله: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة"، (المتاع): ما يُتمتع به؛ أي: ما يُنتفع به، وأراد بـ (الدنيا): ما في الدنيا مما ينتفع به؛ يعني: مالُ الدنيا خلق لبني آدم لينتفعوا به، وخير ما يَنتفع به الرجلُ المرأةُ الصالحة، فإنه يتلذَّذُ منها، وتكون له سكنًا وأنيسًا، وتحفظ عينه وفرجه من الحرام، وتُعينه على دينه بأن تمنعه عن الكَلِّ في الطاعات، ويحصل له منها أولاد يطيعون الله، وتزيد بهم أمة محمد ﷺ ، فأيُّ متاع من أمتعة الدنيا يكون نفعها مثل نفع المرأة الصالحة؟.
стр. 1615
روى هذا الحديث عبد الله بن عمر.
* * *
٢٢٨٩ - وقال: "خيرُ نساءٍ رَكِبن الإبلَ صالحُ نساءِ قريشٍ، أَحْناهُ على وَلدٍ في صِغَرِه وأَرْعاهُ على زوجٍ في ذاتِ يدِهِ".
قوله: "وخير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذاتِ يدِهِ" الضمير في (أحناه) و (أرعاه) ينبغي أن يكون مؤنَّثًا؛ لأنه يرجع إلى النساء، ولكن جعله مذكرًا بتأويل الشخص؛ أي: أحَنُّ شخصٍ على ولده، وأرعى شخصٍ على زوج في ماله؛ يعني: تكون شفقة نساء قريش ومحافظتُهن [على] أزواجهن وصبرهن على فقرهم أكثر من جميع نساء العرب غير قريش.
والمراد بـ (ذات اليد): المال.
وتحدَّثَ رسول الله ﷺ بهذا الحديث حين خطب رسول الله ﷺ أمَّ هانئ بنت أبي طالب، فلم تُجبه، واعتذرت إليه وقالت: يا رسول الله! إني مشتغلة بخدمة أيتامي، فلم أقدر على خدمتك، فقال رسول الله ﷺ تطييبًا لقلبها، وتحسينًا لشفقتها على أولادها: (خير نساء العرب نساء قريش)، والمراد بـ (من ركب الإبل): العرب.
* * *
٢٢٩٠ - وقال: "ما تركتُ بعدِي فتنةً أَضَرَّ على الرِّجالِ مِن النِّساءِ".
قوله: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجالِ مِن النساءِ"، فيها يفتتن بها الرجال، لأن تلذذهم بهن أكثر من سائر التلذذات، لميل الطباع إليهن أكثر مما تميل إلى غيرهن من التلذذات، فربما يقع الرجل في الحرام، وربما يقع بين الرجال مقاتلةٌ وعداوةٌ بسبب النساء، بأن يقول رجل: أنا أتزوج هذه المرأة، ويقول الآخر: بل أنا أتزوجها.
стр. 1616
روى هذا الحديث أسامة بن زيد.
* * *
٢٢٩١ - وقال: "إنَّ الدُّنيا حُلْوةٌ خَضرةٌ، وإنَّ الله مُستَخلِفُكم فيها فينظرُ كيفَ تعملونَ، فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النساءَ، فإنَّ أولَ فِتْنِة بني إسرائيلَ كانتْ في النساءِ".
قوله: "إن الدنيا حلوة خضرة"؛ يعني: طيبةٌ مزيَّنة في عيونكم وقلوبكم، لا يشبع الناس من الدنيا.
قوله: "وإن الله مستخلفكم"، (الاستخلاف): إقامةُ أحدٍ مقام أحدٍ؛ يعني: جعل الله الدنيا في أيديكم، فينظر: هل تتصرفون كما يحبُّ ويرضى، بالتصدق، وأداء الزكاة، ووجوب البر، أم تعصونه بصرف ما أعطاكم من المال في الفواحش.
قوله: "فاتقوا الدنيا"؛ أي: احذروا من الاغترار بما في الدنيا من الدولة والمال، فإنه فانٍ، وإنكم ستحاسبون يوم القيامة حتى بالنقير والقطمير.
قوله: "واتقوا النساء"؛ أي: احذروا أن تميلوا إلى النساء بالحرام، أو تقبلوا قولهن فيما يقلن لكم، فإنهن ناقصات العقل، لا خير في كلامهن غالبًا، فميزوا الخير من الشر من كلامهن، واقبلوا الخير ودعوا الشر.
قوله: "فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" قصة هذا: أن رجلًا من بني إسرائيل اسمه عاميل طلب منه ابن أخيه - وقيل: ابن عمه - أن يزوِّجه ابنته، فلم يزوجها منه، فقتله لينكح بنته، وقيل: لينكح زوجته.
وهذا الرجل هو الذي نزلت فيه قصة ذبح البقرة كما ذكر في القرآن، وهذا القتل كان بسبب تلك المرأة.
روى هذا الحديث أبو سعيد.
* * *
стр. 1617
٢٢٩٢ - وقال: "الشُّؤمُ في المرأةِ، والدَّارِ، والفرسِ".
وفي روايةٍ: "الشُّؤمُ في ثلاثٍ: في المرأةِ، والمَسْكَنِ، والدابةِ".
قوله: "الشؤم في المرأة والدار والفرس" قيل: شؤم المرأة سوءُ خلقها، وقلةُ صلاحها وطاعتها، وشؤم الدار ضيقُها وسوء جوارها، وقيل: كونها غيرَ حلالٍ بأن تكون مغصوبةً، ولم تُؤدَّ شروط البيع فيها، وشؤم الفرس: بأن يكون جَموحًا، وقيل: بأن لا يغزو عليه.
وقيل: هذا كلُّه إرشادٌ من النبي ﷺ الأمةَ بجواز بيع الدار التي يكره الرجل سكناها، وبيع الفرس الذي لا يوافقه، وتطليق المرأة التي لا يكون له بها ألفة.
ويأتي بحث باقي هذا الحديث في (باب الفأل والطيرة).
روى هذا الحديث ابن عمر.
* * *
٢٢٩٣ - وقال جابرٌ ﵁: كنَّا مع رسولِ الله ﷺ في غَزْوةٍ، فلمَّا قَفَلْنا كنَّا قريبًا مِن المدينةِ، قلتُ: يا رسولَ الله! إني حديثُ عهدٍ بعُرسٍ، قال: "تزوَّجتَ؟ " قلتُ: نعم، قال: "أبكْرٌ أَمْ ثَيبٌ؟ " قلتُ: بل ثيبٌ، قالَّ: "فهلا بكرًا تلاعبُها وتلاعبُك؟ " فلمَّا قدِمنا ذهبنا لندخلَ فقال: "أَمهِلوا حتى ندخلَ ليلًا - أي عِشاءً - لكي تمتشِطَ الشَّعِثَةُ وتَستَحِدَّ المُغِيبَةُ".
قوله: "قفلنا"؛ أي: رجعنا.
"حديث عهد بعرس"؛ أي: تزوُّجي جديد.
قوله: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"؛ يعني: لمَ لمْ تتزوَّجْ بكرًا تكثر ملاعبتك إياها، وملاعبتها إياك؟.
هذا الحديث يدل على أنَّ تزوُّج البكر أولى، وتأتي علَّته.
стр. 1618
ويدل أيضًا على أن ما يجري بين الزوجين من الملاعبة مرضيٌّ للشارع، وهو سنةٌ؛ لأنها سبب زيادة الألفة والنشاط، ومَهيجِ الشهوة التي هي سبب الولادة.
قوله: "لكي تمتشِط الشعِثة"؛ أي: لتُصلح شعرها بالمشط، (الشعثة): متفرقةُ الشعر.
قوله: "وتستحدَّ المغيبة"؛ أي: لتستعمل الحديد؛ أي: الموسى، (المُغيبة) بضم الميم وكسر الغين: المرأة التي غاب عنها زوجها.
يعني: من السنة أن لا يدخل المسافر بيته إلا بعد أن يبلغ الخبر بقدومه إلى أهله؛ لتزين زوجته نفسها وتَطَيَّب؛ لأنه لو دخل عليها زوجها على غفلة منها ربما يجدها شعثة وسخة كريهة الرائحة، فيحصل للزوج منها نفرة الطباع.
قوله: (وتستحد المغيبة) صريحٌ على أن السنة حَلْقُ عانتهن كالرجال، وليس عليهن نتفُ عانتهن كما هو عادتهن.
* * *
٢٢٩٥ - وقال: "إذا خطبَ إليكم مَنْ تَرْضَونَ دينَهُ وخلُقَهُ فزوِّجُوه، إنْ لا تفعلُوهُ تَكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ".
قوله: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"؛ يعني: إذا طلب أحدٌ منكم أن تزوِّجوه امرأةً من أولادكم أو أقاربكم، فانظروا فإن كان مسلمًا صالحًا حسن الخلق فزوِّجوه؛ لأنكم لو لم تزوِّجوا نساء أقاربكم إلا من معروفٍ صاحبِ مال وجاه وغير ذلك من الصفات التي يميل إليها أبناء الدنيا، يبقى أكثر نساءكم بلا زوج، ويبقى أكثر الرجال بلا زوجة، وحينئذ يميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال، ويكثر الزنا، ويلحق الأولياءَ العارُ بنسبة الزنا إلى نسائهم.
وربما تغلب غيرةٌ على أقاربهم بما سمعوا من نسبة الزنا إليهن، فيقتلوهن، ويقتلون من قصدهن بالفواحش، وهذا كله فسادٌ عريض، وفتنة كبيرة.
стр. 1619
وهذا الحديث دليل مالك، فإنه يقول: لا يراعى في الكفاءة إلا الدِّين وحده.
ومذهب غيره: أنه يراعى في الكفاءة أربع أشياء: الدين، والحرية، والنسب، والصنعة؛ يعني: لا تزوَّج المسلمة من كافر، فإن زوِّجت فالنكاح باطل، ولا تزوَّج الصالحة من فاسقٍ، ولا الحرةُ من عبد، ولا المشهورةُ النسبِ من خاملِ النسب، ولا بنتُ تاجرٍ أو من له حرفةٌ طيبةٌ ممَّن له حرفةٌ خبيثة أو مكروهةٌ عند الناس، فإن رضيت المرأة ووليُّها بغير كفءٍ ممن ذكرنا؛ صحَّ النكاح (١)، وإن رضيَتِ المرأةُ بغير كُفءٍ ولم يَرضَ الولي، أو رضيَ الولي ولم تَرضَ المرأةُ؛ فالنَّكاحُ باطلٌ، وإن كان لها أولياءُ بدرجةٍ واحدةٍ ورضيَتِ المرأةُ وبعضُ الأولياءِ دونَ بعضٍ؛ فالنَّكاحُ باطلٌ أيضًا.
وفي قولٍ: البراءة من العيوب التي هي: البَرَصُ والجُذَامُ والجنونُ والجَبُّ؛ مُعتبَرةٌ في الكفاءة أيضًا، وفي قولٍ: اليَسارُ مُعتبَرٌ أيضًا؛ يعني: لو كان الزوجُ مُعسِرًا (٢) والمرأةُ غنيةً أو من قومٍ أغنياءَ، ليس الزوجُ بكُفءٍ لها.
واعلمْ أن الكفاءةَ مُعتبَرةٌ في الزوج؛ يعني: لا تُزوَّجُ امرأة شريفةٌ بهذه الخِصال من زوجٍ خسيسٍ، أمَّا لو كان الزوجُ شريفًا بهذه الخِصال، والمرأةُ دونَه في هذه الخِصال فلا بأسَ، حتى لو زَوَّجَ الرجلُ من ابنه الصغير الشريف امرأةً هي دونَه في هذه الخِصال جاز، إلا أنه لا يجوز أن تكونَ المرأةُ أَمَةً أو بها برصٌ أو جُذَامٌ أو جنونٌ أو رَتَقٌ أو قَرَنٌ، والرَّتَق والقَرَن: عَيبانِ يكونان في الفَرج لا يمكن أن يُجامعَ تلك المرأةَ.
ولا يجوز أن تُزوَّجَ مسلمةٌ من كافرٍ بالاتفاق، سواءٌ رضيَتِ المرأةُ والأولياءُ أو لم يَرضَوا.
стр. 1620
رَوى هذا الحديثَ أبو حاتم المزني، ولم يَروِ هو غيرَ هذا الحديث.
* * *
٢٢٩٦ - وقال: "تزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فإني مُكاثِرٌ بكم الأمَمَ".
قوله: (تزوَّجوا الوَلُودَ الوَدُودَ؛ فإني مُكاثِرٌ بكم الأُمَمَ)، (الوَدُود): التي تَشتدُّ محبتُها للزوج، ويَشتركُ في هذا الوزن المُذكَّرُ والمُؤنثُ، (الوَلُود): التي تَكثُر ولادتُها، يعني: تَزوَّجوا امرأةً تعرفون كونَها شديدةَ المحبة لزوجها؛ لأنَّ المرأةَ إذا اشتدَّت محبتُها لزوجها تُلاعِبُ زوجَها، وتَطيبُ نفسُها، فيَكثُر جريانُ الوَطء بينهما ويَكثُر الأولادُ بينهما، وإذا كثُر الأولادُ تَكثُر أمَّةُ محمَّدٍ ﷺ .
وقوله: (إني مُكاثرٌ بكم الأمم)، (المُكَاثرة): المُفَاخرةُ بكثرة الأتباع والأهل؛ يعني: أُفاخر الأنبياءَ بكثرة أمَّتي وأقول: أنا أكثرُ الأنبياء أمَّةً.
هذا الحديثُ صريحٌ بتأكيدِ استحباب التزوُّج، وفضيلةِ امرأةٍ وَلُودٍ على غيرها، وفضلِ كثرةِ أولاد الرجل والمرأة، وكثرةِ ثوابهما وهذا أفضل طاعة؛ لأنَّ مَن حصل منه أولادٌ فقد حصَّلَ مرادَ النبيِّ ﷺ ، وتحصيلُ مراد النبيِّ ﷺ أفضلُ القُرَب، وفي تكثير الأولاد تكثيرُ عِباد الله، ولا شكَّ أنَّ تكثيرَ مَن يُطيع الله من أفضل القُرَب.
فإن قيل: إن كانتِ المرأةُ ثيبًا عُرف كونُها وَدُودًا وَلُودًا في نكاح زوجها الأول، فيَعرف الرجالُ بعد ذلك كونَها وَدُودًا ولودًا فيتزوَّجونها، وأمَّا إذا كانت بِكرًا فكيف يُعرَف كونُها وَدُودًا وَلُودًا حتى يَتزوجَها الرجالُ؟
قلنا: يُعرَف كونُها وَدُودًا ووَلُودًا بأقاربها، فإن كانت نساءُ أقاربها ولودًا تكونُ هي كذلك؛ لأنَّ الغالبَ سرايةُ طبائع نساء الأقارب من بعضهنَّ إلى بعضٍ، وتشبه بعضُهنَّ بعضًا.
стр. 1621
رَوى هذا الحديثَ مَعقِلُ بن يَسَار.
* * *
٢٢٩٧ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عُوَيْمٍ: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالأبكارِ، فإنَّهنَّ أعذَبُ أَفواهًا، وأَنْتَقُ أَرحامًا، وأَرضَى باليسيرِ"، مرسلٌ.
"عليكم بالأبكار؛ فإنهن أعذبُ أفواهًا، وأَنتَقُ أرحامًا، وأرضى باليسير"، (عليكم): هذه كلمة الإغراء والتحريض، يُحرِّض النبي ﷺ الأُمَّة بتزوُّجِ الأبكار؛ لأنهنَّ أعذبُ أفواهًا من الثيبات، ومعنى الأعذب: الأطيب، والأفواه: جمع فُوه وهو الفم، ولكن الفُوه غيرُ مُستعمَل في المفرد، بل المُستعمَلُ في المفرد: الفم، وفي الجمع: الأفواه، ومعنى الكلام يحتمل أمرَين:
أحدهما: أن يكونَ كنايةً عن طِيب قُبْلة البكْر؛ فإنه لا شكَّ أنَّ البكْرَ أكثرُ شبابًا ومَلاحةً من الثيب.
والثاني: أن يكونَ كنايةً عن طيب الكلام وعدم السَّلاطة والتفحُّش في الكلام؛ فإنَّ الغالبَ أن يكونَ استحياءُ البكْر أكثرَ من الثيب، وإذا كان استحياؤها أكثرَ، [فإنها] تستحيي من التكلم بالفحش ومن السَّلاطة.
قوله: (وأنتق أرحامًا)، (أنتق): أفعل التفضيل، من (نتَقَتِ) المرأةُ: إذا كثرت أولادها؛ يعني: أرحامُهنَّ أكثرُ قَبولًا للنُطفة والحمل: إمَّا لقوَّةِ حرارة أرحامهنَّ، أو لشدةِ شهوتهنَّ وميلهنَّ إلى الأزواج وشدةِ ميل الأزواج إليهنَّ، وهذه الأشياءُ سببُ الحمل، ولكنَّ الأسبابَ ليست مُؤثِّرةً إلا بأمر الله تعالى؛ فإنَّا نرَى بعضَ الأبكار لا تَلدُ أصلًا، ونَرى بعضَ الثيبات تَلدُ كثيرًا.
(وأرضى باليسير)؛ يعني: يكون رضاها بقلة الطعام والكسوة والتنعم أكثر
стр. 1622
من رضا الثيب؛ فإنَّ الثيبَ إذا قلَّ استحياؤها تَطلبُ أطعمةً لذيذةً وكسوةً رفيعةً، وأَتعبَتِ الزوجَ بالكلف والإذلال.
* * *
٢ - باب النَّظَرِ إلى المَخطوبةِ وبيانِ العَورات
(باب النظر إلى المخطوبة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٢٩٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني تزوَّجتُ امرأةً من الأنصارِ، قال: "فانظرْ إليها، فإنَّ في أَعْيُنِ الأنصارِ شيئًا".
قوله: "تزوجت امرأة من الأنصار، قال: فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا" هذا الحديثُ رخصةٌ من الشارع بجواز نظر الرجل إلى المرأة التي يريد خِطبتَها، ولا يَنظرُ إلا إلى ما ليس بعورةٍ منها، وهو: الوجهُ والكفَّانِ ظاهرُهما وباطنُهما، ولا يحتاج إلى إذنها في ذلك.
وقال مالك: لا يجوز النظرُ إليها إلا بإذنها.
والأَولى أن يَنظرَ إليها قبلَ أن يَطلبَها، حتى لو لم يوافقْه تزوُّجُها وتَرَكَها لا تتأذَّى به المرأةُ وأهلُها؛ فإنه لو طلبها أولًا ثم نَظرَ إليها فربما لا تُوافقُه ويَتركُها، فتتأذَّى به المرأةُ وأهلُها، ولو طلبَها أولًا ثم نظَرَ إليها، ولم تُوافقْه وتَركَها، لم يكنْ به بأسٌ.
وقوله في أول هذا الحديث: (تزوَّجتُ امرأةً): لعل المرادَ بالتزوُّج ها هنا: الخِطبةُ لا النِّكاحُ؛ لأنَّ النظرَ بعدَ النَّكاح لا يُفيد، لأنه لو نظَرَ إليها بعد النكاح ولم تُوافقْه، لا
стр. 1623
يجوز له الفسخُ إلا بعيوبٍ خمسةٍ، وهي: جنونُها وجُذَامُها وبَرَصُها ورتَقُها وقَرَنُها.
والرَّتَق: ضيقُ الفَرج بحيث لا يمكن مجامعتُها، والقَرَن: ظهورُ قطعةِ لحمٍ في باطن الفَرج تمنع المجامعة.
قوله: (فإن في أعين الأنصار شيئًا)؛ يعني: يكون في عيون الأنصار شيءٌ من العيب، مثل الحَوَلِ أو شيءٍ من البياض، وهذا يدلُّ أنَّ الرجلَ إذا سألَ أحدًا عن حال امرأة يريد تَزوُّجَها، أو عن حال رجل تريد امرأةٌ أن تَتزوَّجَه، جاز له أن يَصدُقَ فيما علم من عيب تلك المرأة أو الرجل، ولم يكنْ ذلك غيبةً، بل هو نصحٌ وإرشادٌ للسائل؛ كيلا يقعَ في مكروهٍ وشكٍّ.
* * *
٢٢٩٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تباشرِ المرأةُ المرأةَ فتَنْعَتَها لزَوجِها كأنه ينظرُ إليها".
قوله: (لا تُبَاشر المرأةُ المرأةَ، فتَنعتَها لزوجها كأنه يَنظرُ إليها)، (المُبَاشرة): إيصال كلِّ واحدٍ من الشخصَين بَشَرتَه إلى بشرة صاحبه، ويُكنى به عن المُجَامَعة والمُلامَسة، والمراد به ها هنا: النظرُ؛ يعني: لا تَنظر المرأةُ إلى امرأةٍ وتصفها لزوجها بما رأت منها من حسن بشرتها، فيقع في قلب زوج الواصفة عشقُ الموصوفة، ويَلحقه شغفٌ وتحيُّرٌ من محبَّتها، وهذا نهيٌ أن تَصفَ المرأةُ حسنَ امرأةٍ عند زوجِها أو رجلٍ آخرَ؛ كيلا يميلَ الرجالُ إلى الأجنبيات بما سمعوا من أوصافهنَّ.
رَوى هذا الحديثَ ابن مسعود.
* * *
٢٣٠٠ - وقال: "لا ينظرِ الرَّجلُ إلى عورةِ الرَّجلِ، ولا المَرأةُ إلى عورةِ المَرأةِ، ولا يُفضي الرَّجلُ إلى الرَّجلِ في ثوبٍ واحدٍ، ولا تُفضي المرأةُ إلى المرأةِ في الثوبِ الواحدِ".
стр. 1624
قوله: "لا ينظر الرجلُ إلى عورة الرجل، ولا المرأةُ إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأةُ إلى المرأة في الثوب الواحد"، (أَفضَى): إذا وصل شيءٌ إلى شيءٍ؛ يعني: لا يجوزْ أن يَضطجعَ رجلانِ تحتَ ثوب واحدٍ مُتجرِّدَين؛ فإنه إذا وَصلَت بشرةُ الرجل إلى الرجل لا يُؤمَن من هيجانِ شهوتهما وظهورِ فاحشةٍ بينهما، وكذلك المرأتانِ إذا وقعت بشرةُ إحداهما إلى الأخرى لا يُؤمَن هيجانُ شهوتهما وظهورُ فاحشةٍ بينهما، وهي أن تُجامعَ إحداهما على بشرة الأخرى، ومجامعتُهما مسحُ إحداهما فَرجَها بفَرجِ الأخرى، وهذا حرامٌ، إلا أنه من الصغائر لا من الكبائر، ويجب به التعزيرُ دونَ الحَدِّ.
وفي هذا الحديث: بيانُ تحريم النظر إلى ما لا يجوز.
واعلمْ أنَّ نظرَ الرجل إلى عورة الرجل حرامٌ، وعورةُ الرجلِ ما بين سُرَّته إلى ركبتَيه، وكذلك يَحرمُ نظرُ المرأةِ إلى عورة المرأة، وعورةُ المرأة في حقِّ المرأة ما بين سُرَّتها وركبتَيها، وعورةُ المرأة في حقِّ مَحَارمها كأبيها وابنها وغيرِهما من رجال أقاربها ممن يَحرم النَّكاحُ بينهما ما بين السُّرَّة والرُّكبة أيضًا، وأمَّا المرأةُ في حقِّ الرجلِ الأجنبيِّ فجميعُ بدنِها عورةٌ إلا وجهَها وكفَّيها، ولا يجوز النظرُ إلى وجهِها وكفَّيها أيضًا إلا عند حاجةٍ، كسماعِ إقرارٍ وتَحمُّلِ شهادةٍ عليها، أو أراد الرجل أن يَخطِبَها.
رَوى هذا الحديثَ أبو سعيد.
* * *
٢٣٠١ - وقال: "ألا لا يَبيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ ثَيبٍ إلا أن يكونَ ناكِحًا أو ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ".
قوله: "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا أو ذا رحم
стр. 1625
مَحْرمٍ" والمراد بالبَيتوتة ها هنا: التخلِّي ليلًا كان أو نهارًا؛ يعني: لا يجوز أن يخلو رجل بأمرأة، إلَاّ أن يكون الرجل زوجَها أو مَحْرَمًا لها.
ولا يجوز تخلِّي الرجل بالمرأة الأجنبية بِكْرًا كانت أو ثيبًا، وإنما قيَّدَ النهيَ بالثيب لمبالغةِ الاحترازِ عن الثيب؛ فإنَّ خوفَ الفاحشة من الثيب أكثرُ، لأنَّ الرجلَ يخاف من أقارب المرأة في إزالة بكارتها؛ لأنَّ إزالةَ البَكَارة شيءٌ له علامةٌ تُعرَف، بخلاف وطء الثيب؛ فإنه لا علامةَ له، فإذا لم يكن له علامةٌ تُعرَف فقلما يَحترزُ الرجلُ عنه.
رَوى هذا الحديثَ جابرُ بن عبدِ الله.
* * *
٢٣٠٢ - وقال: "إيَّاكم والدُّخولَ على النساءِ"، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أرأيتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَموُ الموتُ".
قوله: "وإيَّاكم والدخولَ على النساء، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ"؛ يعني: احذروا من أن تدخلوا في بيتٍ فيه امرأةٌ ليست هي من مَحَارمكم، وليس هناك غيرُها؛ فإنَّ الشيطانَ يُوقِعُ بينكم فاحشةً.
قوله: (أرأيت الحَموَ)، (الحَمْوُ): واحد الأحماء، وهم أقارب الزوج، قيل: المراد منه ها هنا: أخو زوج المرأة؛ فإنه ليس بِمَحرمٍ لها، وقيل: المراد منه أبو زوجها؛ فإنه مَحرمٌ لها، ولكنْ مَنهيٌّ عن الدخول عليها في الخلوة مبالَغةً لتحريم دخول مَن ليس بِمَحرمٍ لها، فلا يجوز دخولُ أخي زوج المرأة عليها، ولا دخولُ زوجِ المرأة على أختها؛ فإنه لا مَحرميَّةَ بينهم.
قوله ﷺ : (الحمو الموت) يعني: دخولُ الحَمو على المرأة في الخلوة سببُ الموت، وأشدُّ من الموت؛ فإنه حرامٌ، وارتكابُ الحرام سببُ الهلاك في الدنيا والآخرة، كما أنَّ الموتَ هلاكٌ، وهذا نظير قولهم: الأسدُ الموتُ؛ يعني:
стр. 1626
لقاءُ الأسدِ ومقاربتُه سببُ الموت.
رَوى هذا الحديثَ عقبةُ بن عامر ﵁.
* * *
٢٣٠٣ - عن جابرٍ ﵁: أنَّ أمَّ سلمةَ ﵂ استأذَنَتْ رسولَ الله ﷺ في الحِجامَةِ فأمرَ أبا طَيبةَ أن يَحْجِمها، قال: حسِبتُ أنه كان أخاها من الرَّضاعةِ، أو غلامًا لم يحتلمْ.
قوله: "حسِبتُ أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يَحتلمْ" يعني: لو لم يكن صبيًا غيرَ مُحتلِمٍ أو مَحرَمًا لها لم يُجوِّزْ رسولُ الله ﷺ أن تكشفَ أمُّ سَلَمةَ بدنَها للحجَّام، فإن كان لامرأةٍ وجعٌ شديدٌ يقول الطبيب: لا بدُّ لها من الحِجامة أو الفَصد، أو بها جراحةٌ يُحتاج إلى مداواتها، جاز للحجَّامِ أن يَنظرَ إليها، حتى جاز النظرُ إلى فَرجِها.
* * *
٢٣٠٤ - عن جريرِ بن عبدِ الله ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن نظر الفُجْأَةِ؟ فأمرني أن أصرِفَ بصَري.
قوله: "سألتُ رسولَ الله ﷺ عن نظرِ الفجأةِ، فأمرني أن أصرفَ بصري"؛ يعني: قلت: إذا وقع بصري على امرأة بغتة بغير اختياري فما حكمه؟ قال: فأمرني رسول الله ﷺ أن أصرفَ بصري؛ يعني: أَمرَني أن لا أَنظرَ مرةً ثانيةً؛ يعني: النظرةُ الأولى مَعفوٌّ عنها إذا كان بغيرِ اختيارِهِ، وأمَّا النظرةُ الثانيةُ فغيرُ مَعفوٍّ عنها؛ لأنها باختياره.
* * *
٢٣٠٥ - عن جابرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ المرأةَ تُقبلُ في صورةِ شيطانٍ وتُدْبرُ في صورةِ شيطانٍ، إذا أحدُكم أعجبَتْهُ المرأةُ فوقعَتْ في
стр. 1627
قلبهِ فلْيَعمِدْ إلى امرأتِهِ فلْيُواقِعْها، فإن ذلك يردُّ ما في نفسِه".
قوله: "إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدبر في صورةِ شيطانٍ ... " إلى آخره؛ يعني: النظرَ إلى قُبل المرأة ودُبرها.
والمراد: النظرُ إلى جميع بدنها فتنةٌ، تُوقعُ الرجلَ في الفتنة والميل إليها، فلا يَنظرْ إليها باختياره، فإنْ وَقعَ نظرُه إليها، ومالَ قلبُه فَلْيَمنع نفسَه من اتِّباعها وقضاءِ شهوتِه منها، بل لِيَقصدْ بيتَه، وَلْيُجامِعِ امرأتَه، فإذا جامَعَ زوجتَه تُكسَرُ شهوتُه، فإذا انكسرَت شهوتُه يَزولُ ميلُه إلى تلك المرأةِ ببركةِ مُوافقةِ أمرِ رسول الله ﷺ .
قوله في هذا الحديث: "أعجبته"؛ أي: صارت حسنةً ومحبوبةً في قلبه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٠٦ - عن جابرٍ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا خطبَ أحدُكم المرأةَ فإن استطاعَ أن ينظرَ إلى ما يدعُوهُ إلى نِكاحِها فليفعَلْ".
قوله: "إذا خطب أحدُكم المرأةَ، فإن استطاعَ أن يَنظرَ إلى ما يَدعُوه إلى نكاحِها فَلْيَفعلْ"؛ يعني: فإن استطاع أن يَنظرَ إلى وجهها وكفَّيها؛ لِيكونَ نظرُه إليها مُحرِّضًا له على نكاحها بأن يَميلَ قلبُه إليها، فَلْيَنظرْ؛ فإنَّ هذا النظرَ مُستحَبٌّ؛ لأنه سببُ تحصيلِ النكاح، والنكاحُ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وما هو سببُ تحصيلِ السُّنَّة يكون سُنَّةً، وكذلك جميعُ الأفعال؛ فما كان منها مُوجبًا وسببًا لخيرٍ فهو خيرٌ، وما هو مُوجِبٌ وسببٌ لشرٍّ فهو شرٌّ.
* * *
٢٣٠٧ - عن المغيرةِ بن شُعبةَ ﵁ قال: خطبتُ امرأةً فقالَ لي النبيُّ ﷺ : "هلْ نظرتَ إليها؟ " فقلتُ: لا، قال: "فانظرْ إليها فإنه أَحْرَى أن يُؤدَمَ بينَكُما".
стр. 1628
قوله: "فإنه أَحرَى أن يُؤدَمَ بينكما"، (أَحرَى)؛ أي: أَجدَر وأَليَق، (أَدَمَ يُؤدَم) على وزن: (أَفعَلَ يُفعَل): إذا وقعـ[ـت]، الأُلفةُ بين الشخصَين.
النظرُ إلى المرأة قبلَ النكاح يُوقع الأُلفةَ بين الزوجَين؛ لأنه إذا نَظرَ، فإن مالَ قلبُه إليها وتزوَّجَها، يكون تزوَّجَها عن معرفةٍ ورؤيةٍ، وكلُّ فعلٍ يكون عن معرفةٍ وتجربة، لا تكون بعدَه مَلامَةٌ غالبًا، وإن لم يَنظرْ إليها فربما يُظنُّها جميلةً، فإذا تَزوَّجَها عن هذا الظنِّ، فربما لا تكون كما ظَنَّها، فيكون بعدَ ذلك نادمًا على تزوُّجِها، ولا يكونُ له بها أُلفةٌ.
* * *
٢٣٠٨ - عن ابن مسعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ رأى امرأةً تُعجبُهُ فليقُمْ إلى أهِلِه، فإنَّ معَها مثلَ الذي معَها".
قوله: "فَلْيَقمْ إلى أهله"؛ يعني: فَلْيُجامع امرأتَه؛ فإنَّ مع امرأته فَرجًا مثلَ فَرجِ تلك المرأة؛ يعني: إذا جامَعَ امرأتَه تُكسَرُ شهوته بإنزال منيه، ويَزول عز نفسه غلبةُ شهوتِه التي حصلَت في نفسه برؤية تلك المرأة، وهذا أمرٌ بأكلِ الحلالِ واستمتاعِ الحلالِ، ونهيٌ عن اتِّباعِ الحرام.
* * *
٢٣٠٩ - عن عبدِ الله ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "المرأةُ عورةٌ فإذا خرجَتْ استشرفَها الشَّيطانُ".
قوله: "استَشرَفَها الشيطانُ"، (استشرف): إذا نظرَ إلى شيء عن الاحتياط والتأمل، ومعناه هنا: أنَّ شياطينَ الإنس نظروا إليها؛ لأن الطِّباعَ مائلةٌ إلى النساء أكثرُ مما تميلُ إلى غير النساء، أو معناه: حَمَلَ الشيطانُ الرجالَ وأَوقَعَ في قلوبهم أن يَنظروا إليها.
* * *
стр. 1629
١٢١٠ - وعن بُرَيْدةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ لعليٍّ: "يا عليُّ! لا تُتْبعِ النَّظرةَ النظرةَ، فإنَّ لكَ الأولى وليسَتْ لكَ الآخِرةُ".
قوله: "لا تُتبعِ النظرةَ النظرةَ؛ فإنَّ لك الأولى، وليست لك الآخرة"؛ يعني: إذا وقع نظرُك إلى امرأةٍ بغير اختيارك [فـ]ـاحفظْ نظرَك، ولا تَنظرْ إليها مرةً أخرى؛ فإنَّ لك النظرةَ الأولى؛ يعني: لا إثمَ عليك في النظرة الأولى؛ لأنها لم تكنْ باختيارك، وليست لك النظرة الأخيرة؛ يعني: يكون عليك إثمٌ بالنظرة الأخيرة؛ لأنها باختيارك.
* * *
٢٣١٠ - عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "إذا زَوَّجَ أحدُكم عبدَه أَمَتَهُ فلا ينظرْ إلى عَورتِها".
وفي روايةٍ: "فلا ينظرْ إلى ما دونَ السُّرَّةِ وفوقَ الرُّكبةِ".
قوله: "إذا زوَّجَ أحدكم عبدَه أمَتَه فلا يَنظرْ إلى عورتِها"؛ يعني: إذا زوَّجَ الرجلُ عبدَه أمَتَه صارت الأمَةُ أجنبيةً من السيد؛ لأنَّ المرأةَ لا تحلُّ للزوج وللسيد معًا، وإذا صارت أجنبيةً من السيد لا يجوزُ للسيد أن يَنظرَ إليها؛ إلا فيما ليس بعورةٍ منها، وهو فوقَ السُّرَّة وتحتَ الرُّكبة؛ لأنَّ الأصحَّ أنَّ عورةَ الأَمَة هذا القَدْرُ كعورة الرجل. وقيل: ما يظهرُ منها في حالَ الخدمةِ والتردُّدِ ليس بعورة، والباقي عورةٌ. وقيل: بل الأَمَةُ كالحرَّة؛ جميعُ بدنها عورةٌ إلا وجهَها وكفَّيها، وهذا الوجهُ بعيدٌ.
* * *
٢٣١٢ - وعن جَرْهَدٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَمَا علِمتَ أنَّ الفَخِذَ عَورةٌ؟ ".
стр. 1630
قوله: "أمَا علمتَ أنَّ الفخذَ عورةٌ؟ "، وقد ذكرْنا: أنَّ عورةَ الرجل ما بين السُّرة والرُّكبة.
واعلمْ أنَّ الفخذَ إذا كان اسمَ قبيلةٍ خاؤها ساكنةٍ، وإذا كان اسمَ العضو [فـ]ـخاؤها مكسورةٌ، وقيل: يجوز تسكينُ الخاء وكسرُها في اسم القبيلة وفي العضو المعروف كلاهما.
رَوى هذا الحديثَ جَرْهَد.
* * *
٢٣١٤ - وقال لمَعْمَرٍ: "يا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيك فإن الفَخِذَينِ عَورةٌ".
قوله: "يا مَعمرُ! غَطِّ فَخذَيك"، (غطَّ): أمرُ مُخاطَبٍ مُذكَّرٍ، من (التغطية)، وهي السَّتر.
معنى هذا الحديث ظاهرٌ، ونزيده بيانًا، وهو: أنَّ سترَ العورة في الصلاة واجبٌ، سواء كان المُصلَّي في موضعٍ هناك أحدٌ أو في موضعٍ خالٍ بلا خلاف، وأمَّا في غير الصلاة [فـ]ـيجبُ سترُ العورة إن كان هناك أحدٌ بلا خلافٍ، وإن كان في موضعٍ خالٍ [فـ]ـفيه قولان: الأصحُّ أنَّ السترَ واجبٌ؛ لأنَّ الله تعالى أَولى بأن يُستحيَى منه، وكذا الملائكةُ.
وفي قولٍ: لا يجب؛ لأنَّ السترَ من البشر واجبٌ، لا من غيره.
* * *
٢٣١٥ - وقال: "إيَّاكم والتعرِّيَ، فإنَّ معَكم مَن لا يفارقُكم إلا عندَ الغائِطِ، وحينَ يُفضي الرَّجلُ إلى أهلِهِ، فاستحْيُوهم وأكرِمُوهم".
قوله: "إيَّاكم والتعرِّي"؛ يعني: احذروا من كشفَ العورة؛ فإنَّ الملائكةَ معكم لا يُفارقونكم إلا عند تغوُّطِكم ومُجامعتِكم النساءَ، فإذا كانوا معكم
стр. 1631
فاستَحيُوهم، ولا تَكشفوا عوراتِكم عندَهم، وأكَرِمُوهم بأنْ تُعظِّمُوهم، وتعظيمُهم أن تَستحيُوهم.
وهذا يدلُّ على ستر العورة في الخَلوة أيضًا، ولا يجوز كشفُ العورة إلا عند الضرورة لقضاءِ الحاجة، والمُجامعةِ، وحلقِ العانة، ومُداواةِ العورة إذا كان بها علَّةٌ.
رَوى هذا الحديثَ ابن عمرَ ﵁.
* * *
٢٣١٦ - وعن أمِّ سلَمَةَ ﵂: أنها كانت عندَ رسولِ الله ﷺ وميمونةَ، إذ أقبَلَ ابن أُمِّ مكتومٍ فدخلَ عليهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "احتجبا منه"، فقلتُ: يا رسولَ الله! أليسَ هو أَعمى لا يُبصِرُنا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "أَفَعَمْياوانِ أنتما، أَلستُما تُبصِرانِه؟ ".
"أفعَمياوانِ أنتما؟! ألستُما تُبصرانِه؟! "، (عَمياوان): تثنية عَمياء، وهي تأنيث (أعمى).
هذا الحديثُ يدلُّ على أنه لا يجوز للمرأة النظرُ إلى الرجل الأجنبي، كما لا يجوز للرجل أن يَنظرَ إلى المرأة الأجنبية.
ويأتي حديث في (باب عِشرة النساء) يدلُّ على جواز نظرة المرأة إلى الرجل الأجنبي، وهو أنَّ رسولَ الله ﷺ وقف على باب حُجرته، وعائشةُ وقفَت خلفَه تنظرُ إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد.
فهذان الحديثانِ متناقضانِ؛ فعَملَ بعضُ الفقهاء بالحديث الأول، وتأويلُ الحديثِ الثاني: أنَّ عائشةَ ﵂ حينَئذٍ لم تكنْ بالغةً، وغيرُ البالغة لم تكنْ مُكلفةً، وبعضُهم عَملَ بالحديث الثاني وقال: بل هي بالغة حينئذ، تأوَّلَ الحديثَ الأول على التقوى والورع.
стр. 1632
والفتوى على أنه يجوز للمرأة النظر إلى الرجل الأجنبي فيما فوقَ السُّرَّة وتحتَ الرُّكبة، بدليل أنَّ نساءَ الصحابة يحضرون الصلاة مع رسول الله ﷺ في المسجد، ولا بدَّ أن يَقعَ نظرُهنَّ إلى الرجال، فلو لم يجزْ لهنَ النظرُ إلى الرجال لم يُؤمَرْنَ بحضور المساجدِ والمُصلَّى لصلاة العيد، ولأنه أُمرَتِ النساءُ بالحجاب عن الرجال، ولم يُؤمَرِ الرجالُ بالحجاب؛ يعني: لم يُؤمَرِ الرجالُ بأن يَستروا أنفسَهم ووجوهَهم بالجلباب، وأُمرَتِ النساءُ بأن يَحجبن أنفسَهنَّ بالجلباب.
وهذا البحثُ الذي ذكرناه فيما إذا لم يكنِ النظرُ عن الشهوة، فأمَّا نظرُ المرأة بالشهوة إلى الرجل فحرامٌ، وما قلنا من تحريم نظر الرجل إلى المرأة يستوي فيه النظرُ بالشهوة وغيرُها.
* * *
٢٣١٨ - وعن عمرَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "لا يَخلُونَّ رجل بامرأةٍ، فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما".
قوله: "لا يَخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ"؛ أي: بامرأة أجنبيةٍ.
"فإنَّ الشيطانَ ثالثُهم"؛ أي: فإنَّ الشيطانَ يكون معهما، ويُهيج شهوةَ كلِّ واحدٍ منهما، ويُلقي محبةَ كلِّ واحدٍ منهما في قلب الآخر حتى يُوقعَهما في الزِّنا.
* * *
٢٣١٩ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تَلِجُوا على المُغِيباتِ، فإن الشَّيطانَ يجري من أحدِكم مَجْرى الدَّمِ".
قوله: "لا تَلِجُوا على المُغِيبَات"، (المُغِيبَة): المرأةُ التي غاب عنها زوجُها؛ يعني: لا تدخلوا على النساء الأجنبيات في موضعٍ خالٍ؛ فإنَّ الشيطانَ معكم وأنتم لا تعلمون.
وربما يثق الرجلُ بتقوى نفسه، ويَظنُّ أنَّ نفسَه لا تميل إلى المرأة التي
стр. 1633
يدخل عليها من غاية تقواه، أو من غاية حقِّ زوجِ تلك المرأة وأقاربها عليه، فيُدخلُ الشيطانُ في نفسه محبةَ تلك المرأة بغتةً، ويوقِعُه في الزِّنا.
* * *
٢٣٢٠ - وعن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ أَتى فاطِمةَ بعبدٍ قد وَهَبَهُ لها، وعلى فاطمةَ ثوبٌ إذا قَنَّعَتْ به رأسَها لم يبلُغْ رِجلَيْها، وإذا غَطَّت به رِجلَيْها لم يبلُغْ رأسَها، فلمَّا رأى رسولُ الله ﷺ ما تَلْقَى قال: "إنه ليسَ عليكِ بأسٌ، إنما هو أبوكِ وغلامُكِ".
قوله: "إنَّ النبيَّ ﷺ أتى فاطمةَ ﵂ بعبدٍ قد وَهبَه لها، وعلى فاطمةَ ثوبٌ إذا قنَّعَتْ به رأسَها لم يَبلغْ رِجلَيها، وإذا غطَّتْ به رِجلَيها لم يَبلغْ رأسَها، فلما رأى رسولُ الله ﷺ ما تَلقَى قال: إنه ليس عليك بأسٌ؛ إنما هو أبوك وغلامُك"، و (قنَّعت)؛ أي: ستَرَت.
قوله: (ما تلقى)؛ أي: ما يرى من التحيُّر والخجل، ومشقة جرِّ الثوب من الرجل إلى الرأس، ومن الرأس إلى الرجل.
هذا الحديثُ صريحٌ بجواز نظر الرجل إلى ما فوقَ السُّرَّة وتحتَ الرُّكبة من نساء مَحارمِه، وصريحٌ أيضًا بأنَّ عبدَ المرأة من مَحارمِها.
* * *
٣ - باب الوليَّ في النَّكاح واستِئذانِ المَرأةِ
(باب الولي في النكاح)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٢١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُنْكَحُ الثَّيبُ
стр. 1634
حتى تُستَأمرَ، ولا تُنْكَحُ البكرُ حتى تُستَأذنَ، وإذنُها الصُّموتُ".
"لا تُنكَحُ الثيبُ حتى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البكرُ حتى تُستَأذَنَ، وإذنُها الصُّمُوتُ"، (الاستئمار): طلبُ الأمر، و (الاستئذان): طلبُ الإذن، وكلاهما قريبُ المعنى؛ يعني: لا يجوز للولي أن يُزوِّجَ المرأةَ الثيبَ البالغةَ بغير إذنها، فإنْ زوَّجَها بغير إذنها فالنكاحُ باطلٌ بالاتفاق، بل لا بدَّ من أن تأذنَ وليَّها بالنطق في تزويجها.
وأمَّا البكرُ فإن كان وليُّها غيرَ أبيها وجَدَّها يجوز بعد البلوغ بإذنها، وإذنُها السكوتُ، وبغير إذنها لا يجوز بالاتفاق. فأمَّا إن كان وليُّها أباها أو جَدَّها [فـ]ـلا يجوز أيضًا بغير إذنها عند أبي حنيفةَ؛ لهذا الحديث، ويجوز عند الشافعيَّ ومالكٍ وأحمدَ.
فإن كانتِ المرأةُ غيرَ بالغةٍ جاز تزويجُها لجميع أوليائها؛ ثيبًا كانت أو بِكرًا عند أبي حنيفةَ، إلا أنه إنْ زوَّجَها أبوها أو جدُّها, لم يكنْ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ، وإنْ زوَّجَها غيرُ الأب والجد، ثبتَ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ.
وعند الشافعيِّ: إن كانت ثيبًا غيرَ بالغةٍ لم يَجزْ لأحدٍ تزويجُها، وإن كانت بِكرًا جاز للأبِ والجدَّ تزويجُها, ولم يَجزْ لغيرهما.
* * *
٢٣٢٢ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الأيمُ أَحَقُّ بنفسِها من وَلِيها، والبكرُ تُستَأذَنُ في نفسِها، وإذنُها صمَاتها".
ويروى: "الثَّيبُ أحقُّ بنفسِها من وَلِيها، والبكرُ تستأمرُ". ويروى: "البكرُ يستأذنُها أبوها، وأذنُها صُمَاتُها".
قوله: "الأيمُ أحقُّ بنفسها من وليها"، (الأيم): التي لا زوجَ لها؛ يعني: يجوز للمرأة البالغة العاقلة أن تُزوَّجَ نفسَها من زوجٍ بإذنِ الوليِّ وغيرِ إذنِه؛ بِكرًا كانت أو ثيبًا، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال أبو ثَور: إنْ زوَّجَتْ نفسَها بإذن الوليِّ
стр. 1635
جاز، ولا يجوز بغير إذنه، وعند الشافعي وأحمد: إنْ زوَّجَتِ المرأةُ نفسَها بَطَلَ النكاحُ، سواءٌ كان بإذن الوليَّ وغيرِ إذنه.
* * *
٢٣٢٣ - عن خَنْساءَ بنتِ خِذامٍ: أنَّ أباها زوَّجَها وهي ثَيبٌ فكرِهَتْ، فأتَتْ رسولَ الله فردَّ نكاحَها.
قوله: "إنَّ أباها زوَّجَها وهي ثيبٌ، فكرَهَتْ، فأتَتْ رسولَ الله ﷺ ، فردَّ نكاحَها": هذا دليلٌ على أنه لا يجوزُ تزويجُ الثيب البالغة بغير إذنها.
* * *
٢٣٢٤ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ تزوَّجَها وهي بنتُ سبعِ سنينَ، وزُفَّتْ إليه وهي بنتُ تسعِ سنينَ، ولُعَبُها معَها، وماتَ عنها وهي بنتُ ثمانِ عَشْرةَ سنةً.
قوله في حديث عائشة ﵂: "إنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَها وهي بنتُ سبعِ سنين": هذا دليلٌ على أنه يجوز للأب تزويجُ بنته الصغيرة بالاتفاق؛ لأنَّ عائشةَ ﵂ زوَّجَها أبوها من رسول الله ﷺ ، وقد ذُكر قولُ أبي حنيفةَ في جواز تزويج الصغيرة لجميع الأولياء.
قوله: "زُفَّت إليه"؛ أي: أُرسلَتْ إليه، إلى بيت رسول الله ﷺ ، (الزَّفاف): إرسالُ المرأة إلى بيت زوجها، وتسليمُها إليه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٢٥ - عن أبي موسى ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ".
стр. 1636
قوله: "لا نكاحَ إلا بوليًّ"؛ يعني: كلُّ امرأةٍ زوَّجَتْ نفسَها، أو وكَّلَتْ أجنبيًا حتى يُزوَّجَها فالنكاحُ باطلِ، وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ، وقال أبو حنيفة: يجوز للمرأة أن تُزوِّجَ نفسَها، وقال مالك: إن كانت المرأة دَنِيَّةً - أي: غير شريفة - جاز أن تُزوجَ نفسَها، أو تُوكِّلَ مَن يُزوِّجُها، وإن كانت شريفةً - أي: معروفةَ النَّسَب -[فـ]ـلا بدَّ مِن أن يُزوَّجَها وليُّها.
* * *
٢٣٢٦ - عن عائشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ بغيرِ إذنِ وليها فنِكاحُها باطلٌ، فنِكاحُها باطلٌ، فنِكاحُها باطلٌ، فإن دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فَرجِها، فإن اشتَجَروا فالسُّلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ له".
قوله: "نَكَحَتْ بغير إذن وليها، فنكاحُها باطلٌ"؛ يعني: أيما امرأةٍ زوَّجَتْ نفسَها بغير إذن وليها، فنكاحُها باطلٌ، وبهذا قال أبو ثَور، وهو يقول: إنْ زوَّجَتْ نفسَها بإذن وليها جاز نكاحُها، وإن كان بغير إذن وليها، فنكاحُها باطلٌ. وقال أبو حنيفة: يجوز نكاحُها، سواءٌ كان بإذن وليها أو غيرِ إذنه. وقال الشافعي وأحمد: بَطَلَ نكاحُها بإذن الولي وغير إذنه، بل لا يَنعقدُ نكاحٌ إلا أن يَعقدَه الوليُّ أو وكيلُ الوليَّ.
قوله: "فإن دَخلَ بها، فلها المَهرُ بما استَحلَّ من فَرجِها"، معنى (استَحلَّ) هنا: استَمتَعَ؛ يعني: فلها المَهرُ بإزاء دخولِه بها، وهذا النَّكاحُ فيه شُبهةٌ؛ لأنه إمَّا أن لا يَعلمَ بطلانَ هذا النَّكاح، فيكون شُبهةً، وإمَّا أن يَعلمَ بطلانَه، ولكنه نكاح اختَلفَ في صحته العلماءُ، وكلُّ نكاحٍ اختَلفَ في صحته العلماءُ وجبَ المَهرُ بالدخول بها في ذلك النكاح؛ لأنَّ اختلافَ العلماء شُبهةٌ، فإن وَلدَتْ، فالولدُ ولدُه، ولا يجب عليه الحَدُّ.
قوله: "فإن اشتَجَروا، فالسلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ له"، ومعنى (اشتَجَرَ):
стр. 1637
اختَلَفَ، والمراد بالاشتجار: عضلُ الوليَّ المرأةَ من التزويج، والعَضْلُ: المنعُ، هكذا فسَّره الخطَّابي؛ يعني: إذا طلَبَتِ المرأةُ البالغةُ من الوليَّ بأن يُزوَّجَها من كُفءٍ، فمنعَ الوليُّ تزويجَها، فالسلطانُ أو القاضي يُزوِّجُها؛ لأن مَن مَنع حَقَّ ذي حقًّ فالقاضي يأخذُ الحقَّ من المُمتنِع، ويُوصله إلى المُستحِقَّ، فكذلك ها هنا؛ الوليُّ مُمتنِعٌ والمرأةُ مُستحِقَّةُ النكاح، فالقاضي يُزوِّجُها، وتزويجُها إيصالُ حقِّها إليها، وإنما قال: (فالسلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ له)؛ لأنَّ المرأةَ إذا امتَنعَ وليُّها من تزويجها فكأنه لا وليَّ لها، فالسلطانُ وليُّها.
* * *
٢٣٢٧ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "البغايا اللاتي يُنْكِحْنَ أنفسَهُنَّ بغيرِ بَينَةٍ" والأصحُّ أنه موقوفٌ على ابن عبَّاسٍ ﵄.
قوله: "البَغَايا: اللاتي يُنكحْنَ أنفسَهنَّ بغير بينةٍ"، (البَغَايا): جمع بَغِيَّة، وهي الزانية، من (البغَاء) بكسر الباء: وهو الزِّنا، والمراد بالبينة ها هنا: الشاهدُ عند قوم، والوليُّ عند آخرين.
فعلى التأويل الأول معناه: النساء اللاتي يُزوِّجْنَ أنفسَهنَّ بغير شهودٍ فهنَّ زانياتٌ، فإنْ كان بحضور شاهدَين صحَّ نكاحُهنَّ، وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ المرأةَ عندَه يجوز لها تزويجُ نفسِها, ولا حاجةَ إلى الوليَّ.
وعلى التأويل الثاني معناه: أنَّ النساءَ اللاتي يُزوِّجْنَ أنفسَهنَّ فهنَّ زانياتٌ، وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّ المرأةَ عنده لا يجوزُ لها أن تزوجُ نفسِها، بل يُزوِّجُها وليُّها أو وكيلُه.
* * *
٢٣٢٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اليتيمةُ تُستَأمرُ في نفسِها، فإن صمتَتْ فهو إذنُها، وإن أَبَتْ فلا جوازَ عليها".
стр. 1638
قوله: "اليتيمةُ تُستأمَرُ في نفسِها، فإن صَمَتَتْ فهو إذنُها، وإن أَبَتْ فلا جوازَ عليها"، أراد باليتيمة ها هنا: البكرَ البالغةَ التي مات عنها أبوها وجدُّها قبل البلوغ، فحين مات أبوها وجدُّها كانت يتيمةً، فلما بلَغَتْ خَرجَتْ عن أن تكونَ يتيمةً؛ لأنه لا يُتْمَّ بعدَ البلوغ، ولكنْ سَمَّاها ها هنا يتيمةً باسم ما كانت عليه قبل البلوغ؛ يعني: إذا كانت المرأة بِكرًا بالغة، وليس لها أبٌ ولا جدٌّ، [فـ]ـلا يجوز لأحدٍ تزويجُها إلا بإذنها بالاتفاق، وإذنها سكوتها.
وإنما قلنا: إن المراد بهذه اليتيمةِ اليتيمةُ البالغة؛ لأنه شرطَ رضاها واستئمارَها، ورضا غير البالغة واستئمارها غيرُ معتبر بالاتفاق.
* * *
٢٣٢٩ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أيُّما عبدٍ تزوَّجَ بغيرِ إذنِ سيدِهِ فهو عاهرٌ".
قوله: "أيُّما عبدٍ تزوجَ بغير إذنِ سيدِه فهو عاهِرٌ", (العاهِر): الزاني.
لا يجوز نكاحُ العبد بغير إذن سيدِه عند الشافعيَّ وأحمدَ لهذا الحديث، ولا يَصيرُ العَقدُ صحيحًا عندهما بأن أجازَ السيدُ العَقدَ بعدَ النَّكاح. وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: إن أجازَ السيدُ بعدَ العَقدِ، صحَّ العَقدُ.
* * *
٤ - باب إعلانِ النكاحِ والخِطبةِ والشَّرطِ
(باب إعلان النكاح)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٣٠ - عن الرُّبيعِ بنتِ مُعَوِّذِ بن عفراءَ ﵂: أنها قالت: جاء
стр. 1639
النبيُّ ﷺ فدخلَ حينَ بني عليَّ، فجلسَ على فراشي، فجعلَتْ جُوَيرياتٌ لنا يَضرِبن الدُّفَّ ويندُبن مَن قُتِلَ من آبائي يومَ بدرٍ، إذ قالت إحداهُنَّ:
وفينا نبيٌّ يعلمُ ما في غدٍ
فقال: "دَعي هذه وقُولي ما كنتِ تقولينَ".
قوله: "عن الرُّبَيع بنت مُعوِّذ بن عفراء: أنَّ النبيَّ ﷺ جاء، فدخل حين بني عليَّ، فجَلس على فراشي"، (بني عليَّ) علي بناء المجهول؛ أي: سُلَّمتُ وزُفِفتُ إلى زوجي.
"فجعلت جُوَيرياتٌ"؛ أي: طَفِقْنَ "يَضربن الدف"، وهذا دليلٌ على جواز ضربَ الدُّفِّ عند النكاح والزَّفاف.
"ويَندُبن مَن قُتل من آبائي"، (النَّدْب): عدُّ خِصال الميت؛ يعني: يَصفْنَ شجاعةَ آبائي، ويَقُلْنَ مرثيتَهم عند ضرب الدُّفِّ، وهذا دليلٌ على أن التكلمَ بشعرٍ وكلامٍ ليس فيه فحشٌ وكذبٌ جائزٌ.
قوله: "إذ قالت إحداهنَّ: وفينا نبيٌّ يَعلمُ ما في غدِ"؛ يعني: قالت إحداهنَّ في أثناء ضرب الدُّفِّ هذا الكلامَ، وهو قولها: وفينا نبيٌّ يَعلمُ ما في غد؛ يعني: يُخبر عن الزمان المستقبل، فيكون كما أَخبرَ، فمنعَها رسولُ الله ﷺ عن التكلم بهذا الكلام، وقال: "دعي هذه"؛ أي: اتركي هذه الحكايةَ أو القصةَ، "وقولي ما كنت تقولين"؛ أي: قُولي ذكرَ المقتولين.
وعلَّةُ نهيه ﷺ تلك الجاريةَ عن التكلم بقولها: (وفينا رسولُ الله يَعلمُ ما في غد): أنه ﷺ كرهَ أن يقولَ أحدٌ: إنه ﷺ يَعلمُ الغيبَ مطلقًا؛ لأنَّ الغيبَ لا يَعلمُه إلا الله، بل يجب أن يُقال: يَعلمُ رسولُ الله ﷺ من الغيب ما أَخبرَه الله به.
ويُحتمَل أن تكونَ كراهيته ذلك الكلام أن وصفَه ﷺ في أثناء ضربِ الدُّفِّ، وفي أثناء مَرثيةِ أولئك المقتولين لا يليق بمنصبهِ ﷺ ، بل هو أجلُّ
стр. 1640
وأشرفُ من أن تذكر هذه العبارة في أثناء ضربِ الدُّفِّ.
* * *
٢٣٣١ - وقالت عائشةُ ﵂: زُفَّتْ امرأةٌ إلى رجلٍ من الأنصارِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما كانَ معَكم لهوٌ؟ فإنَّ الأنصارَ يُعجِبُهم اللهوُ".
قوله: "ما كان معكم لهوٌ؟ " (ما) للنفي، ومعناه: الاستفهام, والأَولى أن يُقالَ: حُذِفَ من هذا الكلام همزةُ الاستفهام لدلالة الحال عليه، والتقدير: أمَا كان معكم لهوٌ؟ وهذا رخصةٌ في اللهو عند العُرس، والمراد باللهو: ضربُ الدُّفِّ وقراءةُ شِعرٍ ليس فيه إثمٌ.
ورَوى ابن سِيرين: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ إذا سمع صوتًا أو دُفًّا قال: ما هذا؟ فإن قالوا: عرسٌ أو خِتانٌ، صَمَتَ؛ يعني: تركَهم على حالهم، ولم يَنهَهُم عن ذلك.
* * *
٢٣٣٢ - وقالت عائشةُ ﵂: تَزَوَّجَني رسولُ الله ﷺ في شوَّالٍ، وبنى بي في شوَّالٍ، فأيُّ نساءِ رسولِ الله ﷺ كانَ أَحْظَى عندَه مني؟.
قول عائشة ﵂: "تزوَّجني رسولُ الله ﷺ في شوال"؛ أي: نكَحَني في شوال.
"وبنى بي"؛ أي: أَدخلَني بيتَه، وضمَّني إليه في شوال.
قولها: "أَحظَى"؛ أي: أكثرُ وأَوفَى نصيبًا منه ﷺ .
أرادت بهذا الحديث: أنَّ العَوَامَّ كانوا يقولون: التزوُّجُ بين العبدَين ليس بمحمودٍ، فذَكرَتْ عائشةُ هذه الحكايةَ إنكارًا عليهم؛ يعني: فلو لم يكنِ التزوُّجُ بين العيدَين محمودًا لَمَا تزوَّجَني رسولُ الله ﷺ في شوال، والتزوُّجُ بين العيدَين حرامٌ
стр. 1641
لِمَن أَحرَمَ بالحجِّ من أول شوال، ومِن حين أَحرَمَ الرجلُ بالحجَّ أو العُمرة، حَرُمَ عليه التزوُّجُ، ولا يَنعقدُ النَّكاحُ في الإحرام؛ هذا في المُحْرِم، وأمَّا في غير المُحْرِم، فلا بأسَ عليه بالتزوُّجِ والزَّفاف بين العيدَين.
* * *
٢٣٣٣ - وقال ﷺ : "أحقُّ الشروطِ أن تُوفُوا به ما استحلَلْتُم به الفُرُوجَ".
قوله: "أحقُّ الشروطِ أن تُوفُوا به ما استَحللتُم الفُرُوجَ"؛ يعني: الوفاءُ بالشروطِ حقٌّ، وأحقُّها بالوفاء شروطُ النَّكاح.
وشروطُ النَّكاح قسمانِ:
أداءُ المَهر؛ عَينًا كان أو في الذِّمَّة، وأداءُ النفقةِ والكسوةِ، والعدلُ بين النساء لو كان لرجل أكثرُ من زوجة، فالوفاءُ بهذه الأشياء واجب بالاتفاق، ومعنى الشروط في هذه الأشياء الحقوقُ؛ يعني: حقوقَ النَّكاح.
القسم الثاني: أن يَشرُطَ أهلُ الزوجة على الزوج أن لا يُخرجَها من بلدِها إلى بلدٍ آخرَ، ومن بيتِ أقاربها إلى بيتِ أجنبيًّ، أو مِن محلتِها إلى محلته، أو أن لا يَنكحَ عليها زوجةً أخرى، وما أشبه ذلك، فالوفاءُ بهذه الشروطِ وأشباهِها غيرُ واجبٍ عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وواجبٌ عند ابن مسعود، وبه قال أحمد.
رَوى هذا الحديثَ عقبةُ بن عامر ﵁.
* * *
٢٣٣٤ - وقال: "لا يخطُبْ الرَّجلُ على خِطْبةِ أخيهِ حتى ينكِحَ أو يترُكَ".
قوله: "لا يَخطِبُ الرجلُ على خِطبةِ أخيه حتى يَنكحَ، أو يترُكَ"؛ يعني: إذا طلَبَ أحدٌ امرأةً أن يتزوَّجَها، فأجابه وليُّها حيث لا يُشترطُ رضا الزوجة؛ بأن كانت بِكرًا ووليُّها أبوها أو جدُّها، وحيث شُرِطَ رضا الزوجة؛ فيعتبر أن تجيبَ الطالبَ
стр. 1642
الزوجةُ ووليها، فحينئذ يحرم أن يتزوج تلك المرأة أحد حتى يتركَ الطالبُ الأولُ تزوُّجَها، أو يَأذَنَ للطالبِ الثاني في تزوُّجِها، فإن تزوَّجَ الثاني تلك المرأةَ بغير إذنِ الأولِ، صحَّ النَّكاحُ، ولكنْ يَأثمُ.
رَوى هذا الحديثَ ابن عمرَ ﵄.
* * *
٢٣٣٥ - وقال: "لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها لتَستفرِغَ صَحفتَها ولتَنكِحَ، فإنَّ لها ما قُدَّرَ لها".
قوله: "لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أختها"، الأختُ هنا: يُحتمَل أن تكونَ أختَها من النَّسَب، ويُحتمَل أن تكونَ أختَها في الإِسلام؛ يعني: لا ينبغي لامرأة أن تقولَ لرجل: طلَّقْ زوجتَك وتَزوَّجْني؛ فإنَّ ذلك من الإضرار والخديعة.
قوله: "لِتَستفرِغَ صحفتَها"؛ أي: لتجعلَ قصعتَها خاليةً من الطعام؛ أي: لتَحرِمَها وتَمنعَها من النفقة والكسوة، وتقومَ مَقامَها في وجدان النفقة والكسوة وغيرهما من التلذُّذات.
قوله: "ولتَنكح" هذا يَحتمل وَجهَين:
أحدهما: أن يكونَ معناه: ولتَدخل على تلك المرأة، ولتَنكح زوجَها، ولا تسأل طلاقَها؛ ليكونَ جميعُ مالِ ذلك الرجل للطالِبة؛ فإنَّ الله يُوصل إليها ما قُدَّر لها من الرزق، سواءٌ كانت منفردةً في زوجيةِ ذلك الرجل، أو مع زوجةٍ أخرى.
والوجه الثاني: أن يكونَ معناه: ولتَنكحْ زوجًا آخرَ، ولتَترك ذلك الرجلَ؛ كي لا تُلحقَ ضررًا بزوجها.
رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة ﵁.
* * *
стр. 1643
٢٣٣٦ - عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن الشِّغارِ.
والشِّغارُ: أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنتَه على أن يزوِّجَه الآخرُ ابنتَه، وليسَ بينَهما صَداقٌ.
قوله: "نَهَى عن الشِّغار"، قد ذُكر شرحُه في (باب الغصب) في قوله: "لا جلب".
* * *
٢٣٣٧ - وقال النبيُّ ﷺ : "لا شِغارَ في الإِسلامِ".
قوله: "لا شِغارَ في الإِسلام"؛ يعني: كان أهلُ الجاهلية يَفعلونه، أمَّا في الإِسلام فلا يجوز.
رَوى هذا الحديثَ ابن عمرَ ﵄.
* * *
٢٣٣٨ - وعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن مُتْعَةِ النِّساءِ يومَ خيبرَ، وعن أكلِ لُحومِ الحُمُرِ الإِنسيَّةِ.
قوله: "نَهَى عن مُتعةِ النساءِ يومَ خَيبرَ، وعن أكلِ لحومِ الحُمُرِ الإنسيَّةِ"، صورة المتعة: أن يَتزوَّجَ الرجلُ امرأةً إلى مدةٍ معلومةٍ، مثل أن يقولَ: تزوَّجتُ هذه المرأةَ شهرًا، ويقول الوليُّ: زوَّجتُكَها، فإذا انقضى ذلك الشهرُ، ارتفَعَ النَّكاحُ، ولا يحتاج إلى الطلاقِ، رخَّص رسولُ الله ﷺ للمسلمين في هذا النَّكاح عامَ أَوْطاس، وهو غزوٌ؛ لمَّا رأى رسولُ الله ﷺ أصحابَه شبان مُشتهين النَّكاحَ، وخاف منهم الوقوعَ في الفتنة، فرخَّص لهم، ثم قال: "يا أيُّها الناسُ! إني قد كنتُ أَذنتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإنَّ الله قد حرَّمَ ذلك إلى يوم القيامة"، ومعنى الاستمتاع ها هنا: نكاح المُتعة.
стр. 1644
وأَجمَعَ أهلُ السُّنَّة على تحريم نكاح المُتعة، وكذلك أهلُ البدع إلا الشيعةَ.
وكذلك كان لحمُ الحمارِ الإنسيَّ حلالًا، ثم حرَّمَه رسولُ الله ﷺ .
* * *
٢٣٣٩ - وعن سلَمَةَ بن الأكَوعِ قال: رَخَّصَ رسول الله ﷺ عامَ أوطاسٍ في المُتعَةِ ثلاثًا ثم نَهى عنها.
قول سَلَمة بن الأكوع: "رخَّص رسولُ الله ﷺ عامَ أَوْطاسٍ في المُتعةِ ثلاثًا، ثم نَهَى عنها"؛ يعني: ثلاثةَ أيام؛ يعني: مدةُ هذه الرخصةِ في ذلك الغزو ثلاثةُ أيامٍ، لا جميعُ مدةِ هذه الرخصةِ؛ لأنَّ جميعَ مدةِ هذه الرخصةِ كانت أكثرَ من ثلاثةِ أيامٍ؛ لأنَّ الخطَّابيَّ قال: رخَّص رسولُ الله ﷺ في نكاح المُتعة في بدء الإِسلام، ونسخَها في حَجَّةِ الوداعِ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٤٠ - عن أبي الأحَوصِ عن عبدِ الله ﵁ قال: علَّمنا رسولُ الله ﷺ التشهُّدَ في الصَّلاةِ، والتشُّهدَ في الحاجةِ، فذكرَ التشهُّدَ في الصَّلاةِ كما ذكرَ غيرَه، والتشهَّدُ في الحاجةِ: "إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدهِ الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه", ويقرأُ ثلاثَ آياتٍ قصيرة - ففسَّرَه سفيانُ الثوريُّ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ", ويُروى عن ابن مسعودٍ ﵁ في خُطبةِ
стр. 1645
الحاجةِ من النَّكاحِ وغيره.
قوله: "علَّمَنا رسولُ الله ﷺ التشهدَ في الصلاة، والتشهدَ في الحاجة"، وأراد بالتشهد: كلَّ كلامٍ فيه الثناءُ على الله تعالى، وفيه كلمتا الشهادة؛ يعني: أَمرَنا رسولُ الله ﷺ أن نقَرأَ التشهدَ في الصلاة، وهي: التحيَّاتُ ... إلى آخره، والتشهدَ عند الحاجةِ والنكاحِ؛ يعني: إذا كان لنا حاجةٌ أو شغلٌ عند أحدٍ، أَمرَنا إذا وصلْنا إلى ذلك الأحد أن نَقولَ قبلَ ذكرِنا حاجتَنا: الحمدُ لله نَعبدُه ونَستعينُه ... إلى آخر ما ذكر في هذا الحديث.
* * *
٢٣٤١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ خُطبةٍ ليسَ فيها تَشَهُّدٌ فهي كَاليَدِ الجَذْماءِ" غريب.
وفي رِوايةٍ: "كلُّ كلامٍ لا يُبدأُ فيه بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فهو أَجْذَمُ".
قوله: "كلُّ خِطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجَذماء"، (الخِطبة) بكسر الخاء: طلبُ التزوُّج؛ يعني: كلُّ طلبِ تزوُّجٍ، أو: كلُّ عقدٍ، لم يُبدَأ فيه بـ (الحمد لله رب العالمين) فهو كاليد الجَذماء، والجَذماء: المقطوعة؛ يعني: كما أنَّ اليدَ المقطوعةَ لا منفعةَ فيها.
ولا قوةَ لِمَن قُطعَتْ يدُه، فكذلك كلُّ أمرٍ لم يُبدَأ فيه بـ (الحمد لله) لا ثباتَ له ولا خيرَ فيه.
وفي رواية عن أبي هريرة ﵁: "كل كلام لم يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أَقطع"؛ أي: فهو مقطوعٌ لا نظامَ فيه.
* * *
٢٣٤٢ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها قالت: قال رسولُ الله ﷺ :
стр. 1646
"أعلِنُوا هذا النَّكاحَ واجعَلُوه في المساجدِ، واضرِبُوا عليه بالدُّفوفِ", غريب.
٢٣٤٣ - وعن محمَّدِ بن حاطبٍ الجُمَحِيِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "فَصْلُ ما بينَ الحلالِ والحرامِ: الصوتُ والدُّفُّ في النَّكاحِ".
قوله: "أَعلِنُوا هذا النَّكاح" هذا إشارةٌ إلى نكاح المسلمين؛ يعني: أَعلِنُوا نكاحَكم، بأن تجعلوه في المساجد، وأن تضربوا الدُّفوف فيه؛ لأنه لو جَرى النَّكاحُ ولم يَجرِ الإعلانُ، فلم يَدرِ الناسُ بالنَّكاح، وربما رَأَوا رجلًا مُتخلَّيًا بامرأته؛ فيُطالبونه بالإتيان ببينة النَّكاح، فعجزَ عن الإتيان بالبينة؛ فيضربونهما ويَنسبونهما إلى الزِّنا، ويَقعُ الناسُ بسببهما في الغِيبة والبُهتان.
كما جاء في الحديث الذي بعده: أنَّ الفرقَ بين الحلال والحرام في النكاح: هو الصوتُ وضربُ الدُّفِّ، ليس المرادُ منه: أنه ليس فرقٌ بين الحلال والحرام في النكاح إلا الصوتُ والضربُ، فإنَّ الفرقَ يَحصلُ بحضور الشُهود عقد النكاح؛ ولكن مرادَه: أنَّ الغالبَ أن يَخفى على الجيران والأباعد جريانُ النكاح في خلوةٍ وإن كان هناك شهود، فالسُّنَّةُ إعلانُ النكاح بضرب الدُّفِّ، وأصواتِ الحاضرين بالتهنئة، أو نغمةٍ في إنشادِ شِعرٍ لا إثمَ فيه.
ويجوز ضربُ الدُّف وإنشادُ الشِّعر ورفعُ الصوت عند النكاح في المساجد، وهذا الحديث مُخصَّص لنهيه ﷺ عن رفعِ الأصواتِ وإنشادِ الشِّعر في المساجد؛ يعني: يجوز في النكاح رفعُ الأصوات وضربُ الدُّفَّ في المساجد، ولا يجوز في غير النَّكاح.
* * *
٢٣٤٦ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ جاريةً من الأنصارِ زُوِّجَتْ فقال النبيُّ ﷺ : "ألا أرسَلْتُم معهم مَن يقولُ:
أَتيناكُم أَتيناكُم ... فَحَيَّانا وحَيَّاكُم"
стр. 1647
قوله: "ألا أَرسلتُم معهم مَن يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم".
٢٣٤٤ - عن الحَسَنِ، عن سَمُرَة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما امرأةٍ زَوَّجها وليَّانِ فهي للأوَّلِ منهما، ومَن باعَ بيعًا من رجلينِ فهو للأوَّل منهما".
قوله: "أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأول منهما", مثاله: كان لامرأةٍ أخوانِ، فزوجَاها من شخصَين، فإن وقعَ النَّكاحانِ معًا فهما باطلانِ، وإن وَقَعَا متعاقبَين؛ فإن عُلِمَ السابقُ منهما، فالسابقُ صحيحٌ، والثاني باطلٌ، وإن لم يُعرَفِ السابقُ منهما، فهو كما إذا وَقَعَا معًا حتى يَبطلا معًا.
وقال مالك: لو عُلِمَ التقدُّمُ والتأخُّرُ؛ فإنْ وَطِئ الثاني، لم يُفرَّقْ بين الثاني وبينها.
* * *
٥ - باب المُحرَّماتِ
(باب المحرمات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٤٧ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُجمَعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها, ولا بينَ المرأةِ وخالتِها".
قوله: "لا يُجمَع بين المرأةِ وعمَّتِها, ولا بين المرأةِ وخالتِها"؛ يعني: لا يجوز للرجل أن يَنكحَ عمَّةَ زوجتِه ولا خالتَها ما دامتْ تلك الزوجةُ في نكاحه، فإذا ماتَتْ تلك المرأةُ أو طلَّقَها بائنًا، جاز له أن يَنكحَ عمَّتَها أو خالتَها، وكذلك لا يجوز أن يَنكحَ أختَ زوجتِه ما دامتِ الزوجةُ في نكاحِه.
* * *
стр. 1648
٢٣٤٨ - وقال: "يَحْرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ من الوِلادةِ".
قوله: "يَحرُمُ من الرَّضاعة ما يَحرُمُ من الولادة"؛ يعني: كلُّ امرأةٍ يكون بينك وبينها قرابةٌ من النَّسَب بحيث لا يجوزُ لك تزوُّجُها، فلو كانت تلك القرابةُ بينك وبينها من الرَّضاع، لا يجوز لك أيضًا أن تتزوَّجها، فإذا أُرضعتَ لبن امرأةٍ صارَتْ تلك المرأةُ أمَّك من الرَّضاع، ولا يجوز لك أن تتزوَّجَها، كما لا يجوز لك أن تَتزوَّجَ أمَّك التي ولدَتْك، وبناتُ المرأةِ التي أَرضعَتْك صِرْنَ أخواتِك من الرَّضاع، وهن مُحرَّمات عليك كأخواتِك من النَّسَب، وكذلك باقي الأمثلة.
رَوَتْ هذا الحديثَ عائشةُ ﵂.
* * *
٢٣٥١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تُحرِّمُ الرضْعةُ والرَّضعتانِ".
قوله: "لا تُحرِّم الرَّضعةُ أو الرَّضعتانِ".
رَوَتْ هذا الحديثَ أمُّ الفَضل.
* * *
٢٣٥٢ - وقال: "لا تُحرِّمُ المَصَّةُ والمصَّتانِ".
٢٣٥٣ - و"لا تُحرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ".
قوله: "لا تُحرِّم المَصَّةُ والمَصَّتانِ، ولا تُحرِّمُ الإمْلاجةُ والإمْلاجتانِ".
رَوى هذا الحديثَ عبدُ الله بن الزُّبير، عن عائشة ﵂.
(الإمْلاجة) بكسر الهمزة و [بـ]ـالجيم معناها: المَصَّة، و (أَملَجَ): إذا مصَّ.
ويُروَى: "ولا تُحرَّمُ المَلْحةُ والمَلْحتانِ" بالحاء المهملة، وهي بمعنى المَصَّة أيضًا.
стр. 1649
وفي عبارة هذا الحديث تساهلٌ من المُصنِّف أو النُّسَّاخ؛ لأنه جاء في "الصِّحاح": "لا تُحرِّم المَصَّةُ والمَصَّتانِ"، ويُروَى: "لا تُحرِّمُ الإمْلاجةُ والإمْلاجتانِ".
يعني: هاتانِ العبارتانِ جاءتا بروايتَين، لا بروايةٍ واحدةٍ؛ لأنه لو كان بروايةٍ واحدةٍ يكون تكرارًا؛ لأنَّ المَصَّةَ والإمْلاجةَ بمعنًى واحدٍ، وكيف يجوز التكرارُ في حديثٍ واحدٍ وفي روايةٍ واحدةٍ؟!
واعلمْ أنَّ مذهبَ الشافعيِّ، وإحدى الروايتين عن أحمدَ: أنه لا تَثبتُ حُرمةُ الرَّضاعة بأقلِّ من خمسِ رَضَعاتٍ، ومذهبَ مالكٍ وأبي حنيفةَ: أنه تَثبتُ الحُرمةُ بقليلِ الرَّضاعِ وكثيرِه، وقال داود: تَثبتُ بثلاثِ رضعاتٍ، وقيل: لا تَثبتُ بأقلَّ من عشرِ رضعاتٍ.
* * *
٢٣٥٤ - وقالت عائشةُ ﵂: كانَ فيما أُنزِلَ من القرآن: (عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، ثم نُسِخنَ بـ (خمسٍ معلوماتٍ)، فتُوفيَ رسولُ الله ﷺ وهي فيما يُقرأُ من القرآنِ.
قول عائشة ﵂: "كان فيما أنزل من القرآن: عشرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْنَ، ثم نُسخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ"؛ يعني: كانت في القرآن آية فيها: أنَّ المُحرِّمَ من الرَّضاع عشرُ رَضَعات، ثم نُسخَتْ تلاوة تلك الآيةُ، ونُسخَتْ من حُكمِها خمسُ رَضَعاتٍ، وبَقيَتْ خمسُ رَضَعاتٍ، فبقي الحُكمُ فيها: أنَّ المُحرِّمَ خمسُ رَضَعاتٍ لا عشرٌ.
وليس في لفظ القرآن أنَّ المُحرِّمَ عشرُ رَضَعاتٍ أم خمسٌ، بل نُسِخَتْ تلاوةُ آيةِ الرضاعِ مُطلقًا، وبقي حُكمُ تحريمُ خمسِ رَضَعاتٍ، وهذه الآيةُ كآية الرَّجم؛ فإنه نُسخَتْ تلاوتُها، وبقي حُكمُها.
стр. 1650
قولها: "فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ وهي فيما يُقرَأُ من القرآن"، الواو في (وهي): واو الحال، والضمير في (وهي): ضمير آية: أنَّ المُحرِّمَ عشرُ رَضَعات؛ يعني: كان الناس يقرؤون تلك الآيةَ حتى تُوفَّي رسولُ الله ﷺ ، هذا معنى ظاهرِ لفظِها, ولكن ليس مرادُها هذا المعنى؛ لأنَّ تلك الآيةَ لو كان الناسُ يقرؤونها حتى تُوفَّي رسولُ الله ﷺ ، فيجب أن لا تكونَ منسوخةً؛ لأنَّ النسخَ لا يُتصوَّر بعدَ وفاةِ رسولِ الله ﷺ ؛ بل مرادها: أنَّ الناسَ كانوا يقرؤون تلك الآيةَ إلى قُربِ وفاةِ النبيَّ ﷺ ، فنُسخَتْ قبلَ وفاتِه ﷺ بزمانٍ يسيرٍ.
* * *
٢٣٥٥ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ عليها وعندَها رجلٌ فكأنه كرِهَ ذلك فقالَتْ: إنه أخي، فقال: "انظُرْنَ ما إخْوانُكُنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعَةِ".
"عن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخلَ عليها وعندَها رجلٌ، فكأنه كرهَ ذلك ... " إلى آخره.
وفي بعض نسخ "المصابيح": "أنه ﷺ قال لها: انظرِي ما إخوانُكنَّ؟ " وهذا خَبطٌ من الناسخ؛ لأنه غيرُ مستقيم في المعنى وفي الرواية؛ أمَّا في المعنى فلأنَّ قولَه ﷺ : (انظرِي) خطابُ واحدةٍ، وقولَه: (إخوانُكنَّ) خطابُ جماعةِ، وهذا متناقضٌ، وأمَّا في الرواية فلأنه لم يُنقَلْ في "الصَّحاح": (انظرِي) بالياء، بل (انظرْنَ) بالنون.
وقوله: (ما إخوانُكنَّ) قد رُوي بلفظة: (ما)، وقد رُوي بلفظة: (من)، فمَن رَوى بلفظة (مَن) فظاهرٌ، ومَن رَوى بلفظة (ما) فهو في معنى (مَن)؛ لأنَّ (مَن) للعقلاء، و (ما) لغيرهم.
معنى هذا الكلامُ أنه ليس كلُّ مَن ارتضعَ لبن أمَّهاتِكنَّ يَصيرُ أخاكُنَّ، بل