"أعلِنُوا هذا النَّكاحَ واجعَلُوه في المساجدِ، واضرِبُوا عليه بالدُّفوفِ", غريب.
٢٣٤٣ - وعن محمَّدِ بن حاطبٍ الجُمَحِيِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "فَصْلُ ما بينَ الحلالِ والحرامِ: الصوتُ والدُّفُّ في النَّكاحِ".
قوله: "أَعلِنُوا هذا النَّكاح" هذا إشارةٌ إلى نكاح المسلمين؛ يعني: أَعلِنُوا نكاحَكم، بأن تجعلوه في المساجد، وأن تضربوا الدُّفوف فيه؛ لأنه لو جَرى النَّكاحُ ولم يَجرِ الإعلانُ، فلم يَدرِ الناسُ بالنَّكاح، وربما رَأَوا رجلًا مُتخلَّيًا بامرأته؛ فيُطالبونه بالإتيان ببينة النَّكاح، فعجزَ عن الإتيان بالبينة؛ فيضربونهما ويَنسبونهما إلى الزِّنا، ويَقعُ الناسُ بسببهما في الغِيبة والبُهتان.
كما جاء في الحديث الذي بعده: أنَّ الفرقَ بين الحلال والحرام في النكاح: هو الصوتُ وضربُ الدُّفِّ، ليس المرادُ منه: أنه ليس فرقٌ بين الحلال والحرام في النكاح إلا الصوتُ والضربُ، فإنَّ الفرقَ يَحصلُ بحضور الشُهود عقد النكاح؛ ولكن مرادَه: أنَّ الغالبَ أن يَخفى على الجيران والأباعد جريانُ النكاح في خلوةٍ وإن كان هناك شهود، فالسُّنَّةُ إعلانُ النكاح بضرب الدُّفِّ، وأصواتِ الحاضرين بالتهنئة، أو نغمةٍ في إنشادِ شِعرٍ لا إثمَ فيه.
ويجوز ضربُ الدُّف وإنشادُ الشِّعر ورفعُ الصوت عند النكاح في المساجد، وهذا الحديث مُخصَّص لنهيه ﷺ عن رفعِ الأصواتِ وإنشادِ الشِّعر في المساجد؛ يعني: يجوز في النكاح رفعُ الأصوات وضربُ الدُّفَّ في المساجد، ولا يجوز في غير النَّكاح.
* * *
٢٣٤٦ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ جاريةً من الأنصارِ زُوِّجَتْ فقال النبيُّ ﷺ : "ألا أرسَلْتُم معهم مَن يقولُ:
أَتيناكُم أَتيناكُم ... فَحَيَّانا وحَيَّاكُم"
стр. 1647
قوله: "ألا أَرسلتُم معهم مَن يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم".
٢٣٤٤ - عن الحَسَنِ، عن سَمُرَة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما امرأةٍ زَوَّجها وليَّانِ فهي للأوَّلِ منهما، ومَن باعَ بيعًا من رجلينِ فهو للأوَّل منهما".
قوله: "أيُّما امرأةٍ زوَّجَها وليَّانِ فهي للأول منهما", مثاله: كان لامرأةٍ أخوانِ، فزوجَاها من شخصَين، فإن وقعَ النَّكاحانِ معًا فهما باطلانِ، وإن وَقَعَا متعاقبَين؛ فإن عُلِمَ السابقُ منهما، فالسابقُ صحيحٌ، والثاني باطلٌ، وإن لم يُعرَفِ السابقُ منهما، فهو كما إذا وَقَعَا معًا حتى يَبطلا معًا.
وقال مالك: لو عُلِمَ التقدُّمُ والتأخُّرُ؛ فإنْ وَطِئ الثاني، لم يُفرَّقْ بين الثاني وبينها.
* * *
٥ - باب المُحرَّماتِ
(باب المحرمات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٤٧ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُجمَعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها, ولا بينَ المرأةِ وخالتِها".
قوله: "لا يُجمَع بين المرأةِ وعمَّتِها, ولا بين المرأةِ وخالتِها"؛ يعني: لا يجوز للرجل أن يَنكحَ عمَّةَ زوجتِه ولا خالتَها ما دامتْ تلك الزوجةُ في نكاحه، فإذا ماتَتْ تلك المرأةُ أو طلَّقَها بائنًا، جاز له أن يَنكحَ عمَّتَها أو خالتَها، وكذلك لا يجوز أن يَنكحَ أختَ زوجتِه ما دامتِ الزوجةُ في نكاحِه.
* * *
стр. 1648
٢٣٤٨ - وقال: "يَحْرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ من الوِلادةِ".
قوله: "يَحرُمُ من الرَّضاعة ما يَحرُمُ من الولادة"؛ يعني: كلُّ امرأةٍ يكون بينك وبينها قرابةٌ من النَّسَب بحيث لا يجوزُ لك تزوُّجُها، فلو كانت تلك القرابةُ بينك وبينها من الرَّضاع، لا يجوز لك أيضًا أن تتزوَّجها، فإذا أُرضعتَ لبن امرأةٍ صارَتْ تلك المرأةُ أمَّك من الرَّضاع، ولا يجوز لك أن تتزوَّجَها، كما لا يجوز لك أن تَتزوَّجَ أمَّك التي ولدَتْك، وبناتُ المرأةِ التي أَرضعَتْك صِرْنَ أخواتِك من الرَّضاع، وهن مُحرَّمات عليك كأخواتِك من النَّسَب، وكذلك باقي الأمثلة.
رَوَتْ هذا الحديثَ عائشةُ ﵂.
* * *
٢٣٥١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تُحرِّمُ الرضْعةُ والرَّضعتانِ".
قوله: "لا تُحرِّم الرَّضعةُ أو الرَّضعتانِ".
رَوَتْ هذا الحديثَ أمُّ الفَضل.
* * *
٢٣٥٢ - وقال: "لا تُحرِّمُ المَصَّةُ والمصَّتانِ".
٢٣٥٣ - و"لا تُحرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ".
قوله: "لا تُحرِّم المَصَّةُ والمَصَّتانِ، ولا تُحرِّمُ الإمْلاجةُ والإمْلاجتانِ".
رَوى هذا الحديثَ عبدُ الله بن الزُّبير، عن عائشة ﵂.
(الإمْلاجة) بكسر الهمزة و [بـ]ـالجيم معناها: المَصَّة، و (أَملَجَ): إذا مصَّ.
ويُروَى: "ولا تُحرَّمُ المَلْحةُ والمَلْحتانِ" بالحاء المهملة، وهي بمعنى المَصَّة أيضًا.
стр. 1649
وفي عبارة هذا الحديث تساهلٌ من المُصنِّف أو النُّسَّاخ؛ لأنه جاء في "الصِّحاح": "لا تُحرِّم المَصَّةُ والمَصَّتانِ"، ويُروَى: "لا تُحرِّمُ الإمْلاجةُ والإمْلاجتانِ".
يعني: هاتانِ العبارتانِ جاءتا بروايتَين، لا بروايةٍ واحدةٍ؛ لأنه لو كان بروايةٍ واحدةٍ يكون تكرارًا؛ لأنَّ المَصَّةَ والإمْلاجةَ بمعنًى واحدٍ، وكيف يجوز التكرارُ في حديثٍ واحدٍ وفي روايةٍ واحدةٍ؟!
واعلمْ أنَّ مذهبَ الشافعيِّ، وإحدى الروايتين عن أحمدَ: أنه لا تَثبتُ حُرمةُ الرَّضاعة بأقلِّ من خمسِ رَضَعاتٍ، ومذهبَ مالكٍ وأبي حنيفةَ: أنه تَثبتُ الحُرمةُ بقليلِ الرَّضاعِ وكثيرِه، وقال داود: تَثبتُ بثلاثِ رضعاتٍ، وقيل: لا تَثبتُ بأقلَّ من عشرِ رضعاتٍ.
* * *
٢٣٥٤ - وقالت عائشةُ ﵂: كانَ فيما أُنزِلَ من القرآن: (عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، ثم نُسِخنَ بـ (خمسٍ معلوماتٍ)، فتُوفيَ رسولُ الله ﷺ وهي فيما يُقرأُ من القرآنِ.
قول عائشة ﵂: "كان فيما أنزل من القرآن: عشرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْنَ، ثم نُسخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ"؛ يعني: كانت في القرآن آية فيها: أنَّ المُحرِّمَ من الرَّضاع عشرُ رَضَعات، ثم نُسخَتْ تلاوة تلك الآيةُ، ونُسخَتْ من حُكمِها خمسُ رَضَعاتٍ، وبَقيَتْ خمسُ رَضَعاتٍ، فبقي الحُكمُ فيها: أنَّ المُحرِّمَ خمسُ رَضَعاتٍ لا عشرٌ.
وليس في لفظ القرآن أنَّ المُحرِّمَ عشرُ رَضَعاتٍ أم خمسٌ، بل نُسِخَتْ تلاوةُ آيةِ الرضاعِ مُطلقًا، وبقي حُكمُ تحريمُ خمسِ رَضَعاتٍ، وهذه الآيةُ كآية الرَّجم؛ فإنه نُسخَتْ تلاوتُها، وبقي حُكمُها.
стр. 1650
قولها: "فتُوفِّي رسولُ الله ﷺ وهي فيما يُقرَأُ من القرآن"، الواو في (وهي): واو الحال، والضمير في (وهي): ضمير آية: أنَّ المُحرِّمَ عشرُ رَضَعات؛ يعني: كان الناس يقرؤون تلك الآيةَ حتى تُوفَّي رسولُ الله ﷺ ، هذا معنى ظاهرِ لفظِها, ولكن ليس مرادُها هذا المعنى؛ لأنَّ تلك الآيةَ لو كان الناسُ يقرؤونها حتى تُوفَّي رسولُ الله ﷺ ، فيجب أن لا تكونَ منسوخةً؛ لأنَّ النسخَ لا يُتصوَّر بعدَ وفاةِ رسولِ الله ﷺ ؛ بل مرادها: أنَّ الناسَ كانوا يقرؤون تلك الآيةَ إلى قُربِ وفاةِ النبيَّ ﷺ ، فنُسخَتْ قبلَ وفاتِه ﷺ بزمانٍ يسيرٍ.
* * *
٢٣٥٥ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ عليها وعندَها رجلٌ فكأنه كرِهَ ذلك فقالَتْ: إنه أخي، فقال: "انظُرْنَ ما إخْوانُكُنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعَةِ".
"عن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخلَ عليها وعندَها رجلٌ، فكأنه كرهَ ذلك ... " إلى آخره.
وفي بعض نسخ "المصابيح": "أنه ﷺ قال لها: انظرِي ما إخوانُكنَّ؟ " وهذا خَبطٌ من الناسخ؛ لأنه غيرُ مستقيم في المعنى وفي الرواية؛ أمَّا في المعنى فلأنَّ قولَه ﷺ : (انظرِي) خطابُ واحدةٍ، وقولَه: (إخوانُكنَّ) خطابُ جماعةِ، وهذا متناقضٌ، وأمَّا في الرواية فلأنه لم يُنقَلْ في "الصَّحاح": (انظرِي) بالياء، بل (انظرْنَ) بالنون.
وقوله: (ما إخوانُكنَّ) قد رُوي بلفظة: (ما)، وقد رُوي بلفظة: (من)، فمَن رَوى بلفظة (مَن) فظاهرٌ، ومَن رَوى بلفظة (ما) فهو في معنى (مَن)؛ لأنَّ (مَن) للعقلاء، و (ما) لغيرهم.
معنى هذا الكلامُ أنه ليس كلُّ مَن ارتضعَ لبن أمَّهاتِكنَّ يَصيرُ أخاكُنَّ، بل
стр. 1651
شرطُ صيرورته أخاكُنَّ أن تكونَ الرَّضاعةُ من المَجَاعة؛ يعني: يجب أن يكونَ الرَّضاعُ في وقتٍ يُشبعُ الرَّضاعُ الولدَ، وذلك يكون في الصِّغر؛ فإنَّ الصغيرَ تكون معدتُه ضعيفةً ضيقةً يَكفيه اللَّبن ويُشبعُه اللَّبن، ولا يحتاج إلى طعامٍ آخرَ، فيَنبتُ لحمُه بذلك اللَّبن ويَقوى، ويَعظمُ عظمُه ويَصير كجزءٍ من المُرضعة، فيكون ولدُها كسائر أولادها الذين وَلدَتْهم، وإذا كَبرَ الولدُ لم يَكفِه اللَّبن، ولم يُشبعْه، بل يحتاج إلى طعامٍ آخرَ، وإذا لم يَكفِه اللَّبن لم يصير ولدَ المُرضعة؛ لأنه لم يَقوَ، ولم يَعظمْ عظمُه، ولم يَنبتْ لحمُه بمجرد لبنها.
واختُلف في حدِّ مدةٍ يصير الرَّضاعُ فيها مُحرَّمًا؛ فمذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ: أنَّ غايتَها سنتانِ، ومذهبُ مالكٍ: سنتانِ وبعدَها إلى مدةٍ قريبةٍ، ومذهبُ أبي حنيفةَ: ثلاثون شهرًا، وعندَ بعض العلماء: ثلاثُ سنين.
* * *
٢٣٥٥/ م - وعن عُقبةَ بن الحارث: أنه تزوَّجَ ابنةً لأبي إهابِ بن عَزيزٍ، فأتَت امرأةٌ فقالت: قد أرضعتُ عُقبةَ والتي تَزَوَّجَ بها، فقالَ لها عقبةُ: ما أعلمُ أنكِ أرضعْتِني ولا أخبرتِني! فأرسلَ إلى آلِ أبي إهابٍ فسأَلَهم، فقالوا: ما علمْنا أرضعَتْ صاحبتَنا! فركبَ إلى النبيَّ ﷺ بالمدينةِ فسألَهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "كيفَ وقد قيلَ؟ " ففارقَها ونكحَتْ زَوجًا غيرَهُ.
"عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج بنتًا لأبي إهابِ بن عَزيز ... " إلى آخره، فالمُشكِل في هذا الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (كيف وقد قيل؟!) أي: كيف يجوز لك إمساكُها في نكاحِك وقد قيل: إنك أخوها من الرَّضاع؟! يعني: فارِقْها.
وهذا الحُكمُ منه ﷺ للوَرَع، وإلا لا يُقبَلُ في الشرعِ قولُ المُرضعة؛ لأنَّ شهادةَ الإنسان على فعل نفسه غيرُ مقبولةٍ.
стр. 1652
فإن لم تقلْ: إني أَرضعتُ فلانًا أو فلانةً، بل قالت: أَشهدُ أنَّ بين فلان وفلانة رضاعًا، فهل تُقبَلُ شهادةُ امرأةٍ واحدةٍ؟! قال أحمدُ: تُقبَل ولكنْ تحلف، وقال مالكٌ: تُقبَل شهادةُ امرأتَين، وقال الشافعيُّ: تُقبَل شهادةُ أربعِ نسوةٍ أو رجلَين أو رجلٍ وامرأتَين، وقال أبو حنيفةَ: تُقبَل شهادةُ المُرضعة وحدَها، وأمَّا غيرُ المُرضعة فلا تُقبَل عندَه، إلا شهادةُ رجلَين أو رجلٍ وامرأتَين.
* * *
٢٣٥٦ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ يومَ حنينٍ بعثَ جيشًا إلى أوْطاسٍ فأَصابُوا سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ تحرَّجُوا من غِشيانِهِنَّ مِن أجلِ أزواجِهِنَّ من المشركينَ، فأَنزلَ الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فَهُنَّ حلالٌ لكم إذا انقضَتْ عِدَّتُهنَّ.
قوله: "فأصابوا سبَايا"، (السَّبَايا) جمع سبيَّة، وهي (فَعِيلة) بمعنى: مفعولة، من (سَبَى يَسبي): إذا أغار: نساءُ الكفارِ وأولادهم.
قوله: "تحرَّجوا"؛ أي: تجنَّبوا، (التحرُّجُ): التجنُّب من الإثم.
"الغَشَيان": المُجَامَعة؛ يعني: وجدوا في ذلك الغزو سَبَايا من نساء الكفار، فقسمُوهنَّ بينهم، وكان بعضُهم يَطَأ مَن وقعَتْ في نصيبه من السَّبيَّة، وبعضُهم يَعتقدُ تحريمَ وطئهنَّ؛ لأجل أنَّ لهنَّ أزواجًا من الكفار، وقال: كيف يجوز وطءُ امرأةٍ لها زوجٌ؟! فنَزل قولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؛ النساء ها هنا: النساءُ اللاتي لهنَّ أزواجٌ، وهذا معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ يعني: هؤلاء المذكوراتُ في هذه الآية مُحرَّماتٌ عليكم، والنساءُ اللاتي لهنَّ أزواجٌ أيضًا مُحرَّمات على غير أزواجِهنَّ، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ يعني: إلا
стр. 1653
ما أخذتُم من نساء الكفَّار، فإنهنَّ مُحلَّلاتٌ لكم، وإنْ كان لهنَّ أزواجٌ من الكفَّار؛ فإنه يَنقطعُ النَّكاحُ بينهنَّ وبينَ أزواجِهنَّ من الكفَّار بعدَما أخذتُموهنَّ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٥٧ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى أنْ تُنكَحَ المرأةُ على عَمَّتِها، أو العَمَّةُ علي بنتِ أخيها، والمرأةُ على خالتِها، والخالةُ علي بنتِ أُختِها، "لا تُنْكَحُ الصُّغرَى على الكُبرَى، ولا الكُبرى على الصغرَى".
قوله: "لا تُنكَحُ الصُّغرى على الكُبرى، ولا الكُبرى على الصُّغرى"، أراد بالصَّغرى: بنتَ أخي المرأة، وأراد بالكبرى: عمَّتَها، وكذلك بنتُ أختِ المرأةِ هي الصُّغرى، وخالتُها هي الكُبرى.
يعني: لا يجوز أن تُنكَحَ بنتُ أخي المرأةِ على المرأةِ، ولا تُنكَحُ عمَّةُ المرأةِ عليها, ولا أن تُنكَحَ بنتُ أختِ المرأةِ عليها, ولا أن تُنكَحَ خالتُها عليها حتى يُطلِّقَ التي في نكاحِه أو تموتَ.
وعلتُهُ أنَّ تحريمَ الجمعِ بين الأختَين، وبين المرأة وعمَّتِها، وبين المرأة وخالتِها: أنَّ الأختَين من الرَّحِم، وكذلك المرأةُ وعمَّتُها وخالتُها من ذواتِ الرَّحِم، فلو جَمَعَ بينهما في النَّكاح، لَظَهرَتْ بينهما عداوةٌ وقطيعَةُ الرَّحِم، ولا يجوز ما هو سببُ قطعِ الرَّحِم.
* * *
٢٣٥٨ - وعن البَراء بن عازبٍ قال: مَرَّ بي خالي ومعَهُ لواءٌ فقلتُ: أينَ تذهبُ؟ قال: بعثني النبيُّ ﷺ إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبيهِ آتيهِ برأسِه.
стр. 1654
وفي روايةٍ: فأَمرني أنْ أضرِبَ عُنُقَهُ وآخُذَ مالَه.
قوله: "ومعه لواءٌ": كان ذلك اللواءُ علامةَ كونه مبعوثًا من جهة النبيِّ ﷺ في ذلك الأمر.
قوله: "فأَمرَني أن أَضربَ عنقَه وآخذَ مالَه" تأويل هذا: أنَّ ذلك الرجلَ تزوَّجَ زوجةَ أبيه معتقدًا حِلَّ هذا النَّكاح، فإذا اعتقد حِلَّ شيءٍ مُحرَّمٍ كَفَرَ، وجاز قتلُه وأخذُ مالِه، وأمَّا لو تزوَّجَ أحدٌ امرأةَ أبيه أو واحدةً من مَحارمه جاهلًا تحريم نكاحِها - يعني: لم يعلمْ أنه حرامٌ تزوُّجُها - لم يَصِرْ كافرًا، وكذلك لو تزوَّجَها عالمًا تحريمَ نكاحِها, ولكنْ [لا] يَعتقدُ تحريمَها، فُسِّقَ بهذا النكاح، وفُرَّقَ بينهما وعُزَّرَ، ولكنْ لا يجوز قتلُه ولا أخذُ مالِه، وهذا إذا لم يَجرِ بينهما دخولٌ، فإن جرى دخولٌ؛ فإنْ عَلمَ تحريمَه فهو زانٍ، وحُكمُ الزاني لا يخفى، وإنْ جَهلَ تحريمَه فهو واطئٌ بالشُّبهة، ولا يجب عليها الحَدُّ، ويجب عليه مهرُ المِثل، ويَثبتُ نسَبُ الولد.
* * *
٢٣٥٩ - وعن أمَ سلَمَةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُحَرِّمُ من الرَّضاعِ إلا ما فتَقَ الأمعاءَ في الثَّدي، وكانَ قبلَ الفِطامِ".
قوله: "لا يُحرَّم من الرَّضاع إلا ما فتَقَ الأمعاءَ [في الثَّدي] , وكان قبلَ الفِطام"، أراد بقوله: (ما فتَقَ الأمعاءَ): أن يَصلَ اللَّبن إلى الجوف، وهنا احترازٌ عن إن تقيَّأ الولدُ اللَّبن قبلَ الوصول إلى الجوف، فإنه لا يحصل به التحريمُ.
ويُحتمل أن يريدَ بفَتقِ الأمعاءِ: أن يَشربَ اللَّبن في زمانٍ يكون اللَّبن له غذاءً، وذلك قبل سنتَين.
و (الفَتْق): هو الشَّقُّ، و (الأمعاء): جمع المِعَى، وهو موضع الطعام من البطن.
стр. 1655
قوله: "وكان قبل الفِطام"؛ يعني: قبل الحَولَين، أو قبلَ الحَولَين ونصفِ الحَول، أو قبلَ ثلاث سنين، على اختلاف الأقوال.
* * *
٢٣٦٠ - وعن حَجَّاجِ بن حَجَّاجِ الأسلميِّ، عن أبيه: أنه قال: يا رسولَ الله! ما يُذهِبُ عني مَذَمَّةَ الرَّضاعِ؟ فقال: "غُرَّةٌ، عبدٌ أو أَمَةٌ".
قوله: "ما يُذهب عني مَذمَّةَ الرَّضاع", (المَذِمَّة) بفتح الذال وكسرها: الذِّمام، وهو الحُرمة والحقُّ، وقيل: (المَذِمَّة) بكسر الذال: الحُرمة والحقُّ، و (المَذَمَّة) بفتح الذال: بمعنى الذَّم، وهو اللَّوم؛ يعني: أيُّ شيءٍ أفعلُ لِمُرضعتي حتى يَسقطَ عني حقُّها وحرمتُها التي أَثبتَتْها عليَّ بإرضاعها إيَّاي؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : أعطِها عبدًا أو أَمَةً يَخدمُها؛ ليَرفعَ عنها كلفةَ الخدمة؛ ليكونَ جبرَ ما فعلَتْ بك من الرَّضاع والتربية.
* * *
٢٣٦١ - عن أبي الطُّفَيل قال: كنتُ جالسًا معَ النَّبيِّ ﷺ إذ أَقبلَت امرأةٌ، فبسطَ النَّبيُّ ﷺ رِداءَهُ حتى قعدَتْ عليهِ، فلمَّا ذهبَتْ قيلَ: هذه أرضَعَت النبيَّ ﷺ ".
قوله: "فبَسط النبيُّ ﷺ رداءَه حتى قعدَتْ عليه": هذا إشارةٌ إلى تعظيم أمِّ الرَّضاع، وعلى هذا القياس ينبغي تعظيمُ مَن أثبتت عليك حقًا.
* * *
٢٣٦٢ - عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ غيلانَ بن سلَمَة الثَّقفيَّ أسلمَ، وله عشرُ نسوةٍ في الجاهليَّةِ فأَسْلَمْنَ معَهُ، فقال له النبيُّ ﷺ : "أَمسِكْ أربعًا، وفارِق سائرَهُن".
стр. 1656
قوله: "أَمسِكْ أربعًا، وفارِقْ سائرَهنَّ"، وفي هذا الحديث ثلاث أبحاثٍ:
أحدها: أنَّ أنكحةَ الكفَّار صحيحةٌ إذا أسلموا, ولا يُؤمَرُون بإعادة النكاح إلا إذا كان في نكاحهم مَن لا يجوز الجمعُ بينهنَّ من النساء كأختَين, أو العمَّةِ وبنتِ أخيها، أو الخالةِ وبنتِ أخيِها، أو كانت في نكاحهم مَن لا يجوز نكاحُها كالمَحَارم، أو تزوَّجَها في العِدَّة أو بشرطِ الخِيارِ أيامًا؛ إذا بقي عند الإِسلام من مدة العِدَّة أو الخِيار شيءٌ.
الثاني: أنه لا يجوز تزوُّجُ أكثرَ من أربعِ نسوةٍ.
الثالث: أنه إذا قال: اختَرتُ فلانةً وفلانةً للنكاح، ثبتَ نكاحُهنَّ، وحصلَتِ الفُرقةُ بينه وبين ما سوى الأربعِ، من غير أن يُطلَّقَهنَّ، أو يقول: فارقتُهنَّ.
قوله ﷺ : "وفارِقْ سائرَهنَّ" معناه: اتركْ سائرَهنَّ، وليس المرادُ منه: وجوبَ اللفظ بالفراق أو الطلاق.
ومذهبُ الشافعيَّ ومالكٍ وأحمدَ: أنه يجوز له أن يختارَ أربعًا من جملتهنَّ، سواءٌ تزوَّجَ الأربعَ المختارةَ أولًا أو آخرًا، وكذلك لو أَسلَمَ وتحتَه أختانِ وأَسلَمَتَا معه، كان له أن يختارَ إحداهما، سواءٌ كانت المُختارةُ تزوَّجَها أولًا أو آخرًا. وقال أبو حنيفة: إنْ تزوَّجَهنَّ معًا لا يجوز له أن يختارَ واحدةً منهنَّ، وإن تزوَّجَهنَّ متعاقبات كان له أن يختارَ الأربعَ الأُولياتِ، ولا يجوز له أن يختارَ الأُخرياتِ، وكذلك الأختَين إن تزوَّجَهما معًا؛ لا يجوز أن يختارَ واحدةً منهما، وإن تزوَّجَهما متعاقبتَين، فله أن يختارَ الأُولى منهما دونَ الأخيرة.
* * *
٢٣٦٥ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: أسلَمَت امرأةٌ فتزوَّجَتْ، فجاءَ زوجُها إلى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! إنَّي قد أسلمتُ وعَلِمَتْ بإسلامي، فانتزَعَها
стр. 1657
رسولُ الله ﷺ من زوجِها الآخِرِ، ورَدَّها إلى زوجِها الأولِ. ورُوِيَ أنه قال: إنَّها أسلَمَت معي، فرَدَّها عليهِ.
قوله: "إني قد أَسلَمتُ وعلمَتْ بإسلامي"؛ يعني: قال زوجُها الأولُ: قد أَسلمتُ معها أو قبل انقضاء عِدَّتِها، فلما قال الزوجُ هذا الكلامَ انتَزعَ رسولُ الله ﷺ الزوجةَ من زوجِها الآخِرِ، وردَّها إلى زوجِها الأولِ بلا تجديدِ نكاحٍ، بل حَكَمَ بأن النكاحَ بينها وبين زوجها الأول باقٍ، ونكاحَ الزوج الثاني باطلٌ.
والضابطُ في هذه المسألة: أنه لا يخلو إمَّا أن يُسلمَ الزوجانِ معًا، أو يُسلمَ أحدُهما قبلَ الآخر، فإن أَسلَمَا معًا ثبتَ النكاحُ بينهما، سواءٌ كانا أَسلَمَا قبلَ الدخول أو بعدَه، وإن أَسلَمَ أحدُهما قبلَ الآخر فانظرْ؛ فإن أَسلَمَ الزوجُ أولًا؛ فإن كانت زوجتُه كِتابيَّةً فالنكاحُ باقٍ بحاله؛ لأنه يجوز للمسلم تزوُّجُ الكِتابيَّة، وإن كانت زوجتُه على كفرِ غيرِ أهلِ الكتاب، فإن كان إسلامُه قبلَ الدخول، انفسَخَ النكاحُ بينهما في الحال، وإن كان إسلامُه بعدَ الدخول، وُقِفَ النكاحُ على انقضاء العِدَّة، فإنْ أَسلَمَتِ الزوجةُ قبلَ انقضاء العِدَّة، بقي النكاحُ، وإن لم تُسلِمْ حتى انقضَتْ عِدَّتُها، تبيَّنَ ارتفاعُ النكاحِ بينهما من حين إسلامِ الزوج، هذا بحيث ما إذا أَسلَمَ الزوجُ أولًا، فإذا أَسلمَتِ الزوجةُ أولًا؛ فإن كان إسلامُها قبل الدخول، انفسخ النكاح في الحال، سواء كان زوجها كتابيًا أو كافرًا آخرَ غير الكتابي، وإن كان إسلامها بعد الدخول، وُقِف النكاح حتى انقضاء العِدَّة؛ فإن أسلم الزوج قبلَ انقضاء عِدَّتِها، بقي النكاح، وإن لم يُسلمْ حتى انقضَتْ عِدَّتُها، تبيَّنَ ارتفاعُ النكاح من حين إسلامها.
* * *
٢٣٦٦ - وروي أنَّ جماعةً من النِّساء رَدَّهُنَّ النبيُّ ﷺ بالنَّكاحِ الأوَّلِ على
стр. 1658
أزواجِهِن، عندَ اجتماعِ الإِسلامينِ في العدة بعدَ اختلافِ الدِّينِ والدَّارِ، منهُن: بنتُ الوليدِ بن المغيرةِ، كانَتْ تحتَ صفوانَ بن أميةَ فأَسلَمَتْ يومَ الفتح، فهرَبَ زوجُها من الإِسلام، فبَعَثَ إليه ابن عمِّه وهبُ بن عُميرٍ برداءِ رسولِ الله ﷺ أمانًا لصفوانَ، فلمَّا قَدِمَ جعلَ له رسولُ الله ﷺ تَسْييَر أربعةِ أشهرٍ حتى أَسلمَ، فاستقرَّتْ عندَه، وأسلَمَتْ أمُّ حكيمٍ بنتُ الحارثِ بن هشامٍ، امرأةُ عِكرمَةَ بن أبي جهلٍ يومَ الفتحِ بمكةَ، وهربَ زوجُها من الإِسلام حتى قَدمَ اليمنَ، فارتحلَتْ أمُّ حكيم حتى قَدِمَتْ عليهِ اليمنَ، فدعَتْهُ إلى الإِسلامِ فأسلَمَ، فثبَتا على نكاحِهما.
قوله: "عند اجتماع الإِسلامَين"؛ يعني: بشرط أن يكونَ إسلامُ الزوجَين معًا، أو يكونَ إسلامُ المتأخرِ قبلَ انقضاء العِدَّة.
قوله: "بعد اختلاف الدِّين والدار"؛ يعني: إذا أَسلَمَا قبلَ انقضاء العِدَّة ثبتَ النكاحُ بينهما، سواءٌ كانا على دِينٍ واحدٍ كاليهوديَّين أو النصرانيَّين، أو وثنيَّين، أو مجوسيَّين، أو أحدُهما كان على دِينٍ والآخرُ على دِينٍ آخرَ، وسواءٌ كانا في دار الإِسلام، أو كانا في دار الحرب، أو كان أحدُهما في دار الإِسلام والأَخرُ في دار الحرب؛ بأن يَفرَّ من دار الإِسلام إلى دار الحرب، هذا مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ.
وقال عمر بن عبد العزيز مع جماعة: إنَّ الفُرقةَ بينهما بنفسِ إسلامِ أحدِهما، سواءٌ فيه قبلَ الدخول أو بعدَه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تحصل الفرقةُ بينهما إلا بأحد ثلاثةِ أشياءَ: انقضاءِ العِدَّة، أو عرضِ الإِسلام على الآخر مع الامتناعِ عن الإِسلام، أو ينتقل أحدُهما من دار الإِسلام إلى دار الحرب أو بالعكس، وسواءٌ عنده الإِسلامُ قبلَ الدخول وبعدَه.
"جعلَ له النبيُّ ﷺ تسييرَ أربعة أشهر"؛ يعني: أمنَ رسولُ الله ﷺ صفوانَ
стр. 1659
أربعةَ أشهرٍ أن يكونَ بين المسلمين، فيَنظرَ في أفعال المسلمين، فإن شاء أَسلمَ، وإن لم يشأ يَرجعْ إلى دار الحرب من غير أن يُلحقَهُ أحدٌ بضررٍ، فلبث بين المسلمين زمانًا، فرَزقَه الله الإِسلامَ قبلَ أن تَنقضيَ عِدَّةُ زوجته، فقرَّر رسولُ الله ﷺ نكاحَهما.
* * *
٦ - باب المُباشَرةِ
(باب المباشرة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٦٧ - عن جابرٍ ﵁ قال: كانت اليهودُ تقولُ: إذا أتى الرجلُ امرأتَه من دُبرِها في قُبُلِها كانَ الولدُ أَحْوَلَ، فنزلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قوله: "إذا أتى الرجلُ امرأتَه من دُبرِها في قُبلِها"؛ يعني: يقف خلفَها ويُولج في فَرجها, لا في دُبرِها؛ فإنَّ الوطءَ في الدُّبُر مُحرَّمٌ في جميع الأديان.
قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ يعني: يجوز لكم مُجامَعةُ نسائكم كيف شئتُم؛ قائما، أو قاعدًا، أو مضطجعًا، أو من القُبُل إلى فَرجها، أو من خلفها إلى فَرجها، وعلى أيِّ حال شئتُم؛ بشرط أن يكونَ الإيلاجُ في الفَرج، لا في االدُّبُر، ولا في حال الحَيض.
* * *
٢٣٦٨ - قال جابرٌ ﵁: كنا نعزِلُ والقرآنُ يَنْزِلُ، فبلغَ ذلكَ النَّبيَّ فلمْ يَنْهَنا.
стр. 1660
قوله: "كنَّا نَعزلُ والقرآنُ يَنزلُ، فبلغ ذلك نبيَّ الله، فلم يَنهَنا"، (العَزْل): أن يُنزلَ الرجلُ منيَّه خارجَ الفَرج؛ يعني: لا يترك إنزالَ المني في الفَرج خشيةَ الولد؛ يعني: كنَّا نفَعلُ هذا الفعلَ في حياة النبيِّ ﷺ ، فلم يَنهَنا النبيُّ ﷺ عن ذلك، ولم يَنزلْ في القرآن نهيٌ عمَّا فعلْنا؛ يعني: لو لم يكنْ جائزًا لَنهانا القرآنُ أو النبيُّ ﷺ عن ذلك.
قال مالك وأحمد: العَزلُ جائزٌ عن أَمَته، وأمَّا عن زوجتِه الحرَّةِ, فلا يجوز إلا بإذنها، وعن زوجتِه الأَمَةِ، فلا يجوز إلا بإذن سيدها.
وقال الشافعي: يجوز العَزلُ عن المملوكة، سواءٌ كانت تلك المملوكةُ مملوكتَه أو زوجتَه، وأمَّا عن الزوجة الحرَّة، فله فيه قولانِ.
* * *
٢٣٦٩ - عن جابر ﵁: أنَّ رَجُلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقالَ: إنَّ لي جاريةً هي خادمتُنا وأنا أَطوفُ عليها وأكَرَهُ أن تحمِلَ؟ فقال: "اعزِلْ عنها إن شئتَ، فإنه سَيَأتِيها ما قُدَّرَ لها"، فَلِبَث الرجلُ ثم أتاهُ فقال: إنَّ الجاريةَ قد حَبلَتْ، فقال: "قد أخبرتُكَ أنه سيأتِيها ما قُدِّرَ لها".
قوله: "وأنا أَطوفُ عليها"؛ أي: أُجامعُها.
قوله: "سيأتيها ما قُدِّر لها"؛ يعني: إنْ قدرَ الله تعالى لها حملًا [فـ]ـستَحملُ، سواءٌ عَزلتَ عنها أو لم تَعزلْ؛ فإنَّ العَزلَ لا يَمنعُ تقديرَ الله تعالى.
* * *
*
٢٣٧٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: خرجْنا معَ رسولِ الله ﷺ في غزوةِ بني المُصْطَلِقِ فاصبنا سبيًا فاشتَهَيْنا النِّساءَ وأحببنا العزلَ، فكنا نعزِلُ
стр. 1661
ورسولُ الله ﷺ بينَ أَظهُرِنا قبلَ أن نسأَلَهُ، فسأَلْناهُ عن ذلكَ؟ فقال: "ما عليكم أن لا تَفْعَلُوا، ما مِن نَسَمَةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامةِ إلا وهي كائنةٌ".
قوله: "بين أظهرنا"؛ أي: بيننا.
قوله: "ما من نَسَمة"؛ أي: ما من إنسانٍ؛ يعني: كلُّ إنسانٍ قدَّر الله تعالى أن يُوجدَ سيوجد، ولا يَمنعُه العَزلُ.
* * *
٢٣٧١ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن العَزْلِ، فقال: "ما مِن كلِّ الماءِ يكونُ الولدُ، وإذا أرادَ الله خلقَ شيءٍ لم يمنَعْه شيءٌ".
قوله: "ما مِن كلِّ الماء يكون الولد"؛ يعني: يجوز العَزلُ؛ لأنَّ العَزلَ لا يمنع حصولَ الولد الذي قدَّرَه الله تعالى.
* * *
٢٣٧٢ - وعن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ: أنَّ رجلًا جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إني أَعزِلُ عن امرأتي، فقال: "لِمَ تفعلُ ذلك؟ " قال: أُشفِقُ على ولدِها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لو كان ذلكَ ضارًا ضَرَّ فارسَ والرومَ".
قوله: "أُشفق على ولدها"؛ يعني: امرأتي تُرضع ولدَها، وإني أخاف أنْ لو وطأتُها ولم أَعزلْ عنها لَحَملَتْ، وحينَئذٍ يَضرُّ الولدَ الإرضاعُ في حال الحَمل.
قوله ﷺ : "لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والرُّومَ"؛ يعني: تُرضع نساءُ الفرس والروم أولادَهنَّ في حال الحَمل، فلو كان الإرضاعُ في حال الحَمل مُضرًّا، لأَضرَّ أولادَهنَّ.
وهذا إشارةٌ منه ﷺ إلى جواز وطءِ النساء وتركِ العَزل عنهنَّ في
стр. 1662
حال إرضاع الولد.
* * *
٢٣٧٣ - وعن جُدامةَ بنتِ وَهْبٍ ﵂ قالت: حَضَرتُ رسولَ الله ﷺ في أناسٍ وهو يقولُ: "لقدْ هَمَمتُ أنْ أَنهَى عن الغِيلةِ، فنظرتُ في الرومِ وفارسَ فإذا هم يُغِيلُونَ أولادَهم، فلا يَضُرُّ أولادَهم"، ثم سألُوه عن العزلِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ذلكَ الوَأْدُ الخَفيُّ".
قوله: "هَمَمتُ"؛ أي: عَزمتُ وقَصدتُ.
"الغِيلة" بكسر الغين المعجمة: اسمٌ من (أَغالت تُغِيلُ إغالةً) , و (أَغَيلَتْ تُغْيل إغيالاً): إذا أَرضعَتِ المرأةُ ولدَها في حال الحَمل، فهي مُغِيلٌ بغيرها، و (الغِيلة) بكسر الغين المعجمة: اسم ذلك الفعل؛ أي: اسم الإرضاع في حال الحمل.
قوله: "ذلك الوَأدْ الخَفِيِّ", (الوأد): دفنُ حيًّ في القبر؛ يعني: العَزْلُ قتلُ نفسٍ بحيث لا تُرَى؛ يعني: إذا منع الرجلُ إنزالَ المنيَّ في الفَرج، فكأنه منع أن يُخلَقَ إنسانٌ، ومنعُ خلقِ إنسانٍ كإزالةِ الرُّوح من حيًّ وإفناءِ حيٍّ.
هذا يدلُّ على منع جواز العَزْل، وذلك دليلُ مَن لم يُجوِّزِ العَزْل.
وهذا الحديثُ عند مَن لم يُجوَّزِ العَزْل مُحكَمٌ ووعيدٌ على مَن فعلَ العَزْل، ومَن جوَّزَ يقول: إمَّا أن يكونَ هذا الحديثُ منسوخًا، أو تهديدًا؛ لبيان أنَّ الأَولى تركُ العَزْل.
* * *
٢٣٧٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ
стр. 1663
أعظمَ الأمانةِ عندَ الله يومَ القيامةِ: الرَّجلُ يُفضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه ثم يَنشُرُ سِرَّها".
وفي روايةٍ: "إنَّ مِنْ أَشَرِّ الناسِ عندَ الله منزِلةً يومَ القيامةِ".
"إنَّ أعظمَ الأمانة ... " إلى آخره؛ يعني: أفعالُ الرجل وأقوالُه عند المرأة كأمانةٍ مُودَعةٍ عندها، فإنْ أَفشَتْ شيئًا مما كرهَه، فقد خانَتْ الأمانة، وكذلك أفعالُ المرأة وأقوالُها عند الرجل كأمانةٍ مُودَعةٍ عنده، فإنْ أَفشَى شيئًا مما كرهَتْه فقد خان.
وكذلك السِّرُّ الذي يجري بين شخصَين غيرِ الزوجَين ينبغي أن يَحفظَ كلُّ واحدٍ منهما سرَّ صاحبه.
* * *
٢٣٧٥ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: أُوحيَ إلى رسولِ الله ﷺ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...﴾ الآية، أَقْبلْ وأَدبر واتَّقِ الدُّبرَ والحَيْضَةَ.
قوله: "أَقبلْ وأَدبرْ"؛ يعني: يجوز لك أن تأتِيَ امرأتَك من قُبُلِها إلى فَرجِها، ومن خلفِها إلى فَرجِها أيضًا كما ذكرنا.
أراد بـ (الحَيضة): المُجامَعةَ في حال الحَيض.
* * *
٢٣٧٨ - وقال: "إنَّ الذي يأتي امرأةً في دُبُرِها لا ينظرُ الله تعالى إليه".
٢٣٧٩ - ويُروى: "لا ينظرُ الله إلى رجلٍ أَتَى رَجُلاً أو امرأةً في الدُّبرِ".
(إنَّ الذي يأتي امرأتَه في دُبُرِها لا يَنظرُ الله إليه)؛ يعني: لا يَنظرُ الله إليه بنظر الرحمة حتى يتوبَ، وهذا إنْ فعلَه بأجنبيةٍ حُكمُه حكمُ الزِّنا، وإنْ فعلَه
стр. 1664
بامرأتِه أو أَمَتِه، فهو مُحرَّمٌ، ولكن لا يُجلَدُ ولا يُرجَمُ، ولكنْ يُعزَّرُ؛ لأنه وطءُ شُبهةٍ بثبوت حقَّه على المرأة، فهو كما إذا وَطِئ أحدٌ أَمَةً مشتركةً بينه وبين غيره.
رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة ﵁.
* * *
٢٣٨٠ - عن أسماءَ بنتِ يزيد قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَقتُلوا أولادَكَم سِرًا فإنَّ الغَيْلَ يُدرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُهُ".
قوله: "لا تقتلوا أولاكم سِرًّا؛ فإنَّ الغَيلَ يُدرك الفارسَ، فيُدَعثِرُه", (الغَيْل) بفتح الغين المعجمة: اللَّبن الذي أَرضعَتْه المرأةُ ولدَها في حال الحَمل. (دَعثَرَ): إذا أَسقطَ وخرَّبَ؛ يعني: إذا حَملَتِ المرأةُ ولها لَبن يَفسد لَبنها في حال الحَمل، فإذا أَرضعَتِ الولدَ من ذلك اللَّبن يصير الولدُ ضعيفًا، وتقلُّ قوتُه.
ونهيُ النبيَّ ﷺ عن الإرضاع في حال الحمل؛ لأنه إضعافٌ للولد، وإضعافُ الولدِ كإهلاكِه، وهذا الإهلاكُ إهلاكٌ لا يَراه أحدٌ؛ فلهذا قال: (لا تقتلوا أولادكم سرًّا).
ويُحتمَل أنَّ هذا النهيَ يتوجَّهُ للرجال؛ يعني: لا تُجامِعُوا في حال الإرضاع؛ كي لا تَحملَ نساؤكم، فيُهلك الإرضاعُ في حال الحَمل أولادَكم.
فنَهَى في هذا الحديث عن الغَيْل، ولم يَنهَ عنه في حديث مُتقدِّمٍ في هذا الباب، والوجهُ أن نقول: هذا النهيُ نهيُ تنزيهٍ، لا نهي تحريمٍ.
* * *
стр. 1665
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
(فصل)
(من الصحاح):
٢٣٨١ - عن عروةَ، عن عائِشَةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لها في بَريرةَ: "خُذِيها فأَعتِقِيها" وكان زَوْجُها عبدًا، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ فاختارَتْ نفسَها, ولو كان حرًّا لم يُخيرها.
"بَرِيرة": اسم جارية اشترتْها عائشةُ ﵂ وأَعتقَتْها، وكان لها زوجٌ مملوكٌ، فلما أُعتِقت خيَّرها رسولُ الله ﷺ بين أن يُفسَخَ النكاحُ، وبين أن لا يُفسَخَ، فإذا أُعتِقت أَمَةٌ؛ فإن كان زوجُها مملوكًا، فلها الخِيارُ بالاتفاق، وإن كان زوجُها حرًّا، فلا خِيارَ لها عند الشافعيِّ ومالكٍ ﵄ وأحمدَ ﵀، ولها الخِيارُ عند أبي حنيفةَ ﵀، وإن أُعتِق الزوجانِ معًا، فلا خِيارَ، وإن أُعتِق الزوجُ، فلا خِيارَ له، سواءٌ كانت زوجتُه مملوكةً أو حرَّةً.
* * *
٢٣٨٢ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كانَ زوجُ بَريرةَ عبدًا أسودَ يقالُ له: مُغِيث، كأنَّي أنظرُ إليهِ يطوفُ خَلْفَها في سِكَكِ المدينةِ يبكي، ودُموعُهُ تسيلُ على لِحْيَتِهِ، فقالَ النبيُّ ﷺ للعباسِ: "يا عبَّاسُ! ألا تَعْجَبُ من حُبِّ مُغيثٍ بريرَةَ ومن بُغض بريرةَ مُغيثًا؟ " فقال النبيُّ ﷺ : "لو راجعتيه"، فقالت: يا رسولَ الله! تَأْمُرُني؟ قال: "إنَّما أنا أشفعُ"، قالت: لا حاجةَ لي فيه.
قوله: "يطوف خلفَها"؛ يعني: يمشي خلفَها من حبها، ويتضرَّع عندها؛ لترجعَ إلى نكاحه.
стр. 1666
"السِّكَك": جمع سِكَّة، وهي الدَّرْب.
قوله: "لو راجعته": جوابُ (لو) محذوفٌ، تقديره: لو راجعتِه لَكان لكِ ثوابٌ.
قولها: "تأمرُني؟ ": همزة الاستفهام فيه مُقدرةٌ؛ يعني: أتأمرُني حتى يجبَ عليَّ الإتيانُ بأمرك؛ فإنَّ أمرَك واجبٌ، وتاركَه عاصٌ، أم تَشفَعُ حتى يكونَ قَبولُ شفاعتك مُستحَبًّا، وتاركُ المَستحَبَّ لا يكون عاصيًا؟
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٨٣ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها أرادَتْ أن تُعتِقَ مَمْلوكَينَ لها زوجينِ، فسألَت النبيَّ ﷺ فأَمرَها أن تَبدأَ بالرَّجلِ قبلَ المرأةِ.
"عن عائشةَ ﵂: أنها أرادتْ أن تُعتقَ مملوكَين ... " إلى آخره؛ يعني: كان لها عبدٌ وأَمَةٌ، وكانت الأَمَةُ زوجةَ العبد، وأرادت أن تُعتقَها، فسألتِ النبيَّ ﷺ : أنَّها تُعتِق أيَّهما ابتداءً؟ فأَمرَها النبيُّ ﷺ بأن تبدأَ بعتق الزوج؛ لأنها لو أَعتقَتْ أولاً الزوجةَ، فيُفسَخُ النكاحُ، ولو أَعتقَتْ أولاً الزوجَ، لا يُفسَخُ النكاحُ، فالإعتاقُ على وجهٍ يُبقِي النكاحَ بينهما أَولى من الإعتاق على وجهٍ يَفسَخُ النكاحَ.
* * *
٢٣٨٤ - وعن عائِشَةَ ﵂: أن بريرةَ عُتِقتْ وهي عندَ مُغيثٍ، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ وقال لها: "إن قَرِبَكِ فلا خيارَ لك".
قوله: "إنْ قَرُبَك فلا خِيارَ لك"؛ يعني: لك خِيارُ الفسخِ ما لم يُترَك أن يَطأَك زوجُك، فإنْ تسلَّمْتِ للوطء، بَطَلَ خِيارُك، وبهذا الحديث قال الشافعيُّ في قولٍ، وفي قولٍ: لها الخِيارُ إلى ثلاثة أيام، وفي قولٍ: فلو أخَّرتْ هي الفسخَ
стр. 1667
بعدَ أن علمَتْ بعتقها، بَطَلَ خِيارُها.
* * *
*
٧ - باب الصَّداق
(باب الصَّداق)
مِنَ الصّحَاحِ:
٢٣٨٥ - عن سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ جاءَتْهُ امرأةٌ فقالَتْ: يا رسولَ الله! إنَّي وهبتُ نفسي لكَ فقامَتْ طويلاً، فقامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله! زَوِّجنِيها إن لم تكنْ لكَ بها حاجةٌ، فقال: "هل عندَكَ من شيءٍ تُصْدِقُها؟ " قال: ما عندي إلا إزاري هذا، قال: "فالتَمِسْ ولو خاتَمًا من حديدٍ"، فالتَمَسَ فلم يَجِدْ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "هلْ معكَ من القرآنِ شيءٌ؟ " قال: نعم، سورةُ كذا، وسورةُ كذا، فقال: "قد زَوَّجتُكَها بما مَعَكَ من القرآنِ". ويُروى: "قد زَوَّجتُكَها، فعَلَّمْها".
قوله: "جاءتْه امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله! إني وهبتُ نفسي لك ... " إلى آخره.
ففي هذا الحديث فوائدُ كثيرةٌ:
إحداها: أنه إذا قالت المرأةُ لرسول الله ﷺ : إني وهبتُ نفسي منك، يَصحُّ النكاحُ بشرط أن يَقبَلَ النبيُّ ﷺ ، والدليلُ على أنَّ قَبولَه ﷺ شرطٌ: أنه لمَّا سكتَ ﷺ عن جواب المرأة، قال ذلك الرجل: يا رسول الله! زوَّجْنِيها إنْ لم يكنْ لك فيها حاجةٌ، فلو صارت المرأةُ زوجةً للنبي ﷺ بمجرَّدِ قولها: إني وهبتُ نفسي منك، لَمَا جاز أن يَلتمسَها الرجلُ، ولَمَا زوَّجَها النبيُّ ﷺ من ذلك الرجل من غيرِ طلاقٍ.
стр. 1668
فمذهبُ الشافعيِّ: أنَّ انعقادَ النكاح بلفظ الهِبة من خصائص النبيِّ ﷺ ، حتى لو قالت امرأةٌ لرجلٍ: وهبتُ نفسي منك، لا يَصحُّ النكاحُ، بل لا يَنعقدُ النكاحُ في غير النبيِّ ﷺ إلا بلفظ الإنكاحِ والتزويجِ، أو بمعناهما في سائر اللغات.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاحُ بلفظ الهِبة والبَيع وسائر الألفاظ في حقِّ النبيِّ ﷺ وغيره.
الفائدة الثانية: أنه يصحُّ نكاحُ النبيَّ ﷺ بلا وليًّ، وفي غير النبي ﷺ لم يَجُزْ أن تُزوِّجَ المرأةُ نفسَها، أو تُوكِّلَ أجنبيًّا في أن يُزوِّجَها؛ بل يجب ان يُزوِّجَها وليُّها عند الشافعيِّ، وجوزَ أبو حنيفةَ أن تُزوِّجَ المرأةُ نفسَها.
الفائدة الثالثة: أن الصَّداقَ يجوز أن يكون قليلاً أو كثيرًا، ولم يكنْ له قَدْرٌ معينٌ، بل يتعلقُ برضا الزوجَين؛ لقوله ﷺ : "هل عندك مِن شيءٍ تُصدِقُها؟ ", وهو مذهب الشافعيِّ وأحمدَ. وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يتقدَّر الصَّداقُ بنصابِ السرقة، وهو عشرةُ دراهمَ عند أبي حنيفةَ، وربعُ دينارٍ عند مالكٍ.
وذكرُ الصَّداق في النكاح مُستحَبٌّ، ولو لم يُذكَرِ الصَّداقُ لَصحَّ النكاحُ.
الفائدة الرابعة: أن التختُّمَ بخاتم الحديد جائزٌ؛ لقوله ﷺ : "فالتمِسْ ولو خاتمًا من حديدٍ".
الفائدة الخامسة: أنه يجوز جعل تعليمِ القرآن صَداقًا، ويُبَيَّنُ قَدرُ ما يُعلِّمُها من السور.
الفائدة السادسة: أن القاضي يجوز له تزويجُ المرأة الكبيرة برضاها؛ لأنه ﷺ قال لذلك الرجل: "قد زوَّجتُكها", فعَلِّمْها.
стр. 1669
رجعنا إلى شرح ألفاظ هذا الحديث:
"تُصدقُها" مضارع (أَصدَقَ إصداقًا): إذا سَمَّى صَداقَ امرأةٍ في وقت النكاح.
قوله: "ما عندي إلا إزاري"؛ يعني: ليس لي شيءٌ إلا إزاري هذا. وقد جاء في رواية أخرى: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "إن أعطيتَها إيَّاها جلستَ بلا إزارٍ"، الضميرُ في (أعطيتَها) ضميرُ الإزار؛ لأنها مُؤنَّثٌ سماعيٌّ، وفي (إيَّاها) ضميرُ المرأة؛ يعني: لا يمكنك أن تَجعلَ إزارَك صَداقًا لها.
"فالتمسْ"؛ أي: فاطلبْ شيئًا آخرَ.
* * *
٢٣٨٦ - وقالت عائشةُ ﵂ وسُئلَت عن صَداقِ رسولِ الله ﷺ : قالت: كانَ صَداقُه لأزواجِه ثنتَيْ عشرةَ أُوقِيَّةً ونَشًّا، قالت: أَتدرونَ ما النَّش؟ نصفُ أُوقيَّة، فتِلكَ خَمْسُ مِئَةِ درهم".
قولها: "أتدري ما النشُّ؟ "، (النشُّ): نصفُ أُوقيةٍ، و (الأُوقية): أربعون درهمًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٨٧ - قال عمرُ بن الخطَّابِ ﵁: ألا لا تُغالوا صَدُقَةَ النِّساءِ، فإنها لو كانت مَكْرُمَةً في الدُّنيا وتَقوى عندَ الله، لكانَ أَوْلاكُم بها نبيُّ الله ﷺ ، ما علمتُ رسولَ الله ﷺ نكحَ شيئًا من نسائِهِ ولا أَنْكَحَ شيئًا من بناتِه على أكثرَ من اثنتي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً.
стр. 1670
قوله: "لا تُغالُوا صَدُقةَ النساء"؛ أي: لا تُكثروا مَهرَ النساء.
قوله: "مَكرُمةً"؛ أي: كرمًا ومروءةً وشرفًا.
* * *
٢٣٨٨ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من أعطى في صَداقِ امرأتِه مِلءَ كفيهِ سَوِيقًا أو تمرًا فقد استحَلَّ".
قوله: "مَن أَعطَى في صَداق امرأته ملءَ كفَّيه سَوِيقًا أو تمرًا، فقد استَحلَّ": قد ذُكر في أول هذا الباب: أنه يجوز أن يكونَ الصَّداقُ قليلًا أو كثيرًا، ويجوز أن لا يُذكَر الصَّداقُ في النكاح، إلا أنه إذا تزوَّجَ بغير الصَّداق، يجبُ مَهرُ المِثل عند الدخول.
وقوله: (فقد استَحلَّها): ذَكر هذا على رسم غالب الناس؛ فإنهم يتزوَّجون على الصَّداق، وليس معناه: أنه لو لم يَذكرِ الصَّداقَ، لم تَحِلَّ المرأةُ، بل لو أَذنَتِ المرأةُ البالغةُ العاقلةُ في أن يُزوِّجَها وليها بلا مَهرٍ، صحَّ النكاحُ.
* * *
٢٣٨٩ - وعن عامرِ بن رَبيعةَ ﵁ قال: "أتى النبيَّ ﷺ رَجُل من بني فَزَارَةَ ومعَهُ امرأةٌ لهُ فقالَ: إنَّي تزوَّجتُها بنعلَينِ، فقال لها: أَرَضيتِ؟ قالت: نعم، ولو لم يُعطِني لَرَضيْتُ، قال: شأنُكَ وشأنُها".
قوله: "شأنَك وشأنَها"؛ أي: الزَمْ شأنَك وشأنَها؛ أي: اشتَغِل بأمرِك وأمرِها؛ يعني: اشتَغِلْ بالأفعال التي ينبغي أن تكونَ بين الزوج والزوجة.
* * *
стр. 1671
٢٣٩٠ - عن عَلْقَمَةَ، عن ابن مَسْعودٍ ﵄: أنَّه سُئلَ عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةً ولم يَفرِضْ لها شيئًا ولم يَدخلْ بها حتى ماتَ؟ فقال ابن مسعودٍ: لها مِثلُ صَداقِ نسائِها، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ، فقامَ مَعْقِلُ بن سِنانٍ الأشْجَعِيُّ فقال: قضى رسولُ الله ﷺ في بِرْوَعَ بنتِ واشِقٍ الأشجَعيَّةِ امرأةٍ منا بمثلِ ما قَضَيْتَ، ففرِحَ بها ابن مسعودٍ ﵁.
قوله: "عن ابن مسعود ﵁: أنه سُئل عن رجلٍ تزوَّج امرأةً ولم يَفرضْ لها شيئًا ... " إلى آخره.
(الفَرْضُ): التقدير؛ يعني: تزوَّجَها ولم يُسمِّ لها مَهرًا، ثم مات الزوجُ قبلَ أن يَدخلَ بها، فاجتهدَ ابن مسعود في هذه المسألة شهرًا، ثم قال: لها صَداقُ نسائها, ولها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ؛ فإن يكنْ صوابًا فمِنَ الله، وإن يكنْ خطأ فمنِّي ومن الشياطين.
ففي قول ابن مسعود دليلُ جوازِ الاجتهاد؛ فإنه حكمَ في هذه المسألة باجتهاده حتى شهد مَعقِلُ بن سِنان: أنه سمعَ النبيَّ ﷺ أنه حكمَ في هذه المسألة بمثل ما حكمَ به ابن مسعود ﵁، ففرح ابن مسعود بكونِ اجتهادِه موافقًا لحكم النبيِّ ﷺ .
وقال علي بن أبي طالب ﵁ مع جماعة من الصحابة ﵃: إنه لا مَهرَ لها؛ لأنه لم يَدخلْ بها الزوجُ، ولها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ.
وللشافعي قولانِ: أحدُهما يقول ابن مسعود، والثاني يقول علي بن أبي طالب ﵁.
ومذهبُ أبي حنيفةَ وأحمدَ كقول ابن مسعود.
هذا إذا مات الزوجُ قبلَ الفَرض والدخول، أمَّا إذا دخلَ بها قبلَ الفَرض، وَجَبَ لها مَهرُ المِثل بلا خلافٍ، ومَهرُ المِثل هو: مَهرُ نساءٍ من نسائها في المال
стр. 1672
والجمال والثُّيُوبة والبَكَارة من نساء عصباتها، كأخواتها من الأب والأم أو من الأب أو عمَّتِها أو بنتِ عمِّها.
فإن طلَّقَها قبلَ الدخول والفَرض، فلها المُتعةُ، وهو شيءٌ يُقدِّرُه الحاكمُ باجتهاده؛ على المُوسِع قَدْرُه، وعلى المُقتِر قَدْرُه، مثل أن يُعطيَها ثوبًا أو خمارًا أو خاتمًا.
* * *
٨ - باب الوَليمةِ
(باب الوليمة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٩١ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ رَأى على عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ أثرَ صُفْرةٍ فقال: ما هذا؟ قال: إني تزوَّجتُ امرأةً على وزنِ نَواةٍ من ذهبٍ، قال: "باركَ الله لكَ، أَوْلِمْ ولو بشاةٍ".
قوله: "رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صُفرة"؛ يعني: رأى على عبد الرحمن بن عوف أثرَ صُفرة الزَّعْفَران، فكرهَ ﷺ تلك الصُّفرة منه؛ لأنَّ استعمالَ الزَّعْفَران والخَلُوق وما كان له لونٌ لا يجوز للرجال؛ لأنه تشبُّهٌ بالنساء، فقال ﷺ : ما هو؟! يعني: لِمَ استعملتَ هذه الصُّفرة؟ فقال عبد الرحمن: تزوَّجتُ، فلما قال عبد الرحمن: تزوَّجتُ، سكتَ النبيُّ ﷺ ، ولم يأمرْه بغسل ذلك الأثر. قال الخطَّابيُّ: لأنَّ ذلك كان قليلًا، فعفا عنه، وقيل: بل استعمالُ الزَّعْفَران عند التزوُّج جائزٌ.
قوله: "على وزن نواة" (النَّواة): خمسةُ دراهم.
قوله ﷺ : "بارَكَ الله لك": هذا تصريحٌ منه ﷺ أنَّ الدعاءَ للمُتزوَّج سُنَّةٌ.
стр. 1673
قوله: "أَولِمْ": هذا أمرُ مُخاطَبٍ، من (أَولَمَ يُولِمُ): إذا هيَّأ طعامًا للناس عند العُرس؛ أي: الزَّفاف، وعند الخُرْسِ: وهو السلامة من الولادة، وعند الإعذار: وهو الخِتان، وعند القدوم من السفر، وعندما تحدث له نعمةٌ، وأن يَذبحَ للولد يومَ السابع من ولادته شاتَين للغلام وشاةً للجارية؛ وآكدُها عند العُرس، وقيل: هو واجبٌ.
* * *
٢٣٩٢ - وعن أنسٍ ﵁ قال: ما أَوْلَمَ النبيُّ ﷺ على أحدٍ من نسائِه ما أَوْلَمَ على زينبَ، أَوْلَمَ بشاةٍ.
قوله: "ما أَولَمَ"؛ أي: مثلَ ما أَولَمَ، أو قَدْرَ ما أَولَمَ.
"على زينب"؛ يعني: أَولَمَ على زينبَ أكثرَ مما أَولَمَ على سائر نسائه.
* * *
٢٣٩٣ - وقالَ: أَوْلَمَ رسولُ الله ﷺ حينَ بني بزينبَ بنتِ جحشٍ فأَشبعَ الناسَ خُبْزًا ولَحْمًا.
قوله: "حين بني بزينب"، (بني بناءً)، و (زَفَّ زَفافًا): إذا دخل الرجلُ بيتَ زوجته، أو أُرسلَتِ الزوجةُ إلى بيت زوجها، يُقال: بني على امرأته، وبنى بامرأته: إذا اجتمع معها أولَ مرة.
* * *
٢٣٩٤ - وعن أنسٍ ﵁ قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ أعتقَ صفيَّةَ وتزوَّجَها، وجعلَ عِتْقَها صَداقَها، وأَوْلمَ عليها بحَيْسٍ.
стр. 1674
قوله: "أَعتَقَ صفيَّةَ وتزوَّجَها، وجعل عِتقَها صداقَها، وأَولَمَ عليها بِحَيْس"، (الحَيس): التمرُ المخلوطُ مع السَّمن.
اعلمْ أنَّ أحمدَ قال: لو أَعتَقَ أحدٌ أَمَتَه على أن يَتزوَّجَها، ويكون عِتقُها صَداقَها، جاز، فإذا قال السيد: أُعتقُك على أن تَكوني زوجتي، ويكون عِتقُك صَداقَك، صحَّ النكاحُ عنده، ولا يحتاج إلى لفظٍ آخرَ، بل صارت بهذا اللفظ زوجةً له، وصار عتقُها صَداقَها.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لم يَجُزْ هذا الشَّرط، بل إذا قال: أَعتقتُك على أن أتزوَّجَك، ويكونَ عتقُك صَداقَك، عَتَقَتْ، ولكن لو أراد تزوُّجَها، يجب استئنافُ النكاح بمَهرٍ جديدٍ، ولا يجوز أن تكونَ قيمتُها إصداقَها، وقال الشافعي: عتقت إذا أَعتَقَها بهذا الشَرط، ولكنْ يجب استئنافُ النكاح، فإنْ تزوَّجَها بقيمتها، ويكون الزوجانِ راضيَين بذلك، جاز، وإن لم تفِ الأَمَةُ بهذا الشَّرط؛ يعني: لم ترضَ بأن تتزوَّجَ به، لم تُجبَرْ، ولكنه يَرجعُ السيدُ عليها بقيمتها.
وتأويلُ الحديث عند مالكِ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ ﵃: أنَّ الإعتاقَ وجعلَ العَتق صَداقًا من خواصِّ النبي ﷺ .
* * *
٢٣٩٥ - وقال: أقامَ النبيُّ ﷺ بينَ خيبرَ والمدينةِ ثلاثَ ليالٍ، يبنى عليهِ بصَفيّةَ، فدعوتُ المسلمينَ إلى وليمتِهِ وما كانَ فيها من خبزٍ ولا لَحْمٍ، وما كانَ فيها إلا أن أَمرَ بالأنطاعِ فبُسِطَتْ فأُلقيَ عليها التمرُ والأقِطُ والسَّمْنُ.
"وقال: أقامَ النبيُّ ﷺ "؛ يعني: قال أنس.
"الأقط": الرائب الذي يُجعَل في كيسٍ أو زَنبيلٍ، حتى يذهبَ ماؤه ويصير غليظًا مثل العجين، ثم ربما يُجعَل قطعًا، ويُجعَل يابسًا.
* * *
стр. 1675
٢٣٩٧ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵄ أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدُكم إلى الوَليمةِ فليأتِها".
وفي روايةٍ: "فليُجِبْ، عُرْسًا كانَ أو نحوَه".
قوله: "فَلْيُجِبْ، عرسًا كان أو نحوه"؛ يعني: فَلْيُجبِ الداعيَ إلى أيِّ ضيافةٍ كانت؛ إذا لم تكنْ هناك معصيةٌ.
قال مُحيي السُّنَّة ﵀: إجابةُ الداعي إلى ضيافةٍ غيرِ الوليمةِ مُستحبَّةٌ، وفي إجابة الوليمة قولانِ في أنها: واجبةٌ أو مُستحبَّةٌ، والوجوبُ والاستحبابُ إنما يكون إذا لم يكنْ هناك معصيةٌ، ولم يكنْ هناك مَن يتأذَّى بحضوره.
* * *
٢٣٩٩ - وقال: "شرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَليمةِ، يُدعَى لها الأغنياءُ ويُترَكُ الفقراءُ, ومَنْ تركَ الدَّعوةَ فقد عصَى الله ورسولَه".
قوله: "شرُّ الطعام طعامُ الوليمة": إنما كان طعامُ الوليمة شرَّ الطعام إذا دُعِي لها الأغنياءُ وتُرِك الفقراءُ, أما إذا دُعِي لها الأغنياءُ والفقراءُ جميعًا، لم تكنْ شرَّ الطعام؛ بل تكون رضًا لله ولرسوله ﷺ .
قوله: "ومَن ترك الدعوةَ فقد عصى الله ورسولَه"؛ أي: مَن ترك إجابةَ الدعوة؛ يعني: مَن دعاه صاحبُ الوليمة إليها, ولم يُجبْ مِن غير عذرٍ فقد خالَفَ أمرَ الرسول ﷺ ، وإذا خالَفَ أمرَ الرسول ﷺ فقد خالَفَ أمرَ الله، فمَن قال: إجابةُ الوليمة واجبة، تمسكَ بظاهر هذا الحديث، ومَن قال: هي سُنَّةٌ، تأوَّلَ هذا الحديثَ على تأكيدِ الاستحبابِ.
رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة ﵁.
* * *
стр. 1676
٢٤٠٠ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: كانَ رجلٌ من الأنصارِ يُكْنَى أبا شُعيبٍ، كانَ له غلامٌ لحَّامٌ فقال: اِصنَعْ لي طعامًا يكفي خمسةً، لَعَلِّي أَدعو النبيَّ ﷺ خامسَ خمسةٍ، فصنعَ له طُعَيمًا ثم أتاهُ فدعاهُ، فتبعَهم رجلٌ فقالَ النبيُّ ﷺ : "يا أبا شُعَيبٍ إنَّ رَجُلًا تبعَنا، فإنْ شئتَ أذِنْتَ له وإنْ شئت تركتَه" قال: لا بل أذنتُ له.
قوله: "لَحَّام"؛ أي: بائع اللحم.
قوله: "خامس خمسة"؛ يعني: يكون دونَه أربعةُ أنفس، ويكون عددُهم مع النبيِّ ﷺ خمسةً.
قوله: "إن شئتَ أذنتَ له، وإن شئتَ تركتَه": هذا تصريحٌ منه ﷺ على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يَدخلَ دارَ أحدٍ بضيافةٍ أو غيرها إلا بإذنه، ولا يجوز لأحدٍ دعاه المُضيفُ أن يدعوَ أحدًا بغير إذن المُضيف.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٤٠٢ - وعن سَفِينَة: أنَّ رَجُلاً ضافَ عليَّ بن أبي طالبٍ ﵁ فصنَعَ له طعامًا، فقالَتْ فاطمةُ ﵂: لو دَعَوْنا رسولَ الله ﷺ فأكلَ مَعَنا، فدَعَوْهُ، فجاءَ فوَضَعَ يَدَيْه على عِضادَتَيْ البابِ، فرأى القِرامَ قد ضُرِبَ في ناحيةِ البيتِ فرجعَ، قالت فاطمةُ ﵂: فتَبعتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله! ما رَدَّكَ؟ قال: "إنَّه ليس لي أو لنبيٍّ أنْ يدخلَ بيتًا مُزَوَّقًا".
قوله: "إن رجلًا ضاف عليَّ بن أبي طالب ﵁"، معنى الضيافة هنا: أنَّ ذلك الرجلَ أَهدَى طعامًا لعلي بن أبي طالب ﵁، وليس معناه: أنه دعا عليًّا إلى بيته؛ لأنه لم يُذكَرْ أنَّ ذاك الرجلَ دعا عليًّا وفاطمةَ، ولم يُذكَرْ أيضًا: أنه أَذنَ لعليٍّ أن
стр. 1677
يدعوَ فاطمةَ، ولم يُذكَرْ أيضًا: أنه أَذنَ لعليًّ وفاطمةَ أن يَدعُوَا رسولَ الله ﷺ .
فثبت بهذه الدلائل أنَّ معنى الضيافة هنا: أنه صنع طعامًا، وأَرسلَ ذلك الطعامَ إلى بيت عليٍّ ﵁، فلما حصل ذلك الطعامُ في بيت علي، صار ملكًا لعلي وفاطمة ﵄، فلهما أن يَدعُوَا النبيَّ ﷺ .
قولها: "لو دعونا رسول الله ﷺ "، جوابُ (لو) محذوفٌ، وتقديره: لو دعوَنا رسولَ الله ﷺ ، لَكان حسنًا، ولَكان خيرًا.
قوله: "عِضَادتَي الباب" هذا تثنية: عِضَادة، وهي عَضُد الباب.
قوله: "فرأى القِرَام"؛ أي: السَّتر.
"مُزوَّقًا"؛ أي: مُزيَّنًا، قال الخطَّابي: كان ذلك القِرَامُ مُزيَّنًا؛ أي: مُنقَّشًا. وقيل: بل لم يكن ذلك السَّترُ مُنقَّشًا, ولكن ضُرِبَ مثلَ حَجَلَةِ العَروس، سُتِرَ به الجدارُ، وهذا شيءٌ فيه رُعونةٌ يُشبهُ أفعالَ الجَبَابرة، فلهذا لم يَدخلْ النبي ﷺ ذلك البيتَ، وهذا تصريحٌ منه ﷺ : أنه لا تُجاب دعوةٌ يكون فيها منكرٌ.
* * *
٢٤٠٣ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ دُعي إلى وليمةٍ فلم يُجبْ فقد عَصَى الله ورسولَه، ومن دخلَ على غيرِ دعوةٍ دخلَ سارقًا، وخرجَ مُغِيرًا".
قوله: "ومَن دخل على غير دعوةٍ دخل سارقًا، وخرجَ مُغِيرًا"؛ يعني: مَن دخل ضيافةَ أحدٍ من غير أن يَأذنَ له المُضيفُ في الدخول فكأنه سارقٌ؛ يعني: فكما أنَّ السارقَ آثمٌ في دخول بيت غيره، فكذلك هذا الرجلُ، فإنْ أكلَ من تلك الضيافة شيئًا، أو حملَ منها، فهو كالذي يُغِيرُ؛ أي: يأخذ مال أحدٍ بالغصب. بل لا يجوز للضيف أخذُ الزَّلة (١) إلا إذا عَرف رضا المالك يقينًا بقرينةٍ، فإنْ عَرف
стр. 1678
عدمَ الرضا، فهي حرامٌ، وإنْ شكَّ في أنه راضٍ أم لا؟ فالظاهرُ التحريمُ.
وقيل: إذا وَضعَ المُضيفُ عند الضيف طعامًا، صار ملكَ الضيف؛ إن شاء أكله، وإن شاء أطعمَه أحدًا، وإن شاء حملَه إلى بيته، وإن أَجلسَ المُضيفُ الضيفَ على مائدته [فـ]ـلا يجوز للضيف أن يأخذَ، ويجوز أن يأكلَ أو يُطعمَ أحدًا، بشرط أن يكونَ ذلك الرجلُ من أهل تلك المائدة، ولا يجوز لذلك الأحد أن يحملَ ما أعطاه، بل له أن يأكلَه لا غير.
* * *
٢٤٠٤ - ورُوِيَ عن النبيَّ ﷺ قال: "إذا اجتمعَ الدَّاعيانِ فأَجِبْ أقربَهما بابًا، وإنْ سبقَ أحدُهما فأجبْ الذي سبقَ".
قوله: "إذا اجتمعَ الداعيانِ"؛ يعني: إذا دعاك اثنان؛ كلُّ واحد منهما إلى ضيافته، فإنْ دَعَوَاك معًا، فأَجِبْ مَن دارُه أقربُ إليك؛ لأنَّ مَن دارُه أقربُ إليك حقُّه آكدُ، وإنْ دعاك أحدُهما قبلَ الآخر، فالذي دعاك أولًا أَولى بالإجابة، وإن كان داره الأبعد منك.
رَوى هذا الحديثَ حُمَيدُ بن عبد الرحمن الحُمَيدي.
* * *
٢٤٠٥ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "طعام أولِ يومٍ حقٌّ، وطعامُ اليومِ الثاني سُنةٌ، وطعامُ اليومِ الثالثِ سُمعةٌ، ومن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به".
قوله: "طعامُ أولِ يوم حقٌّ، وطعامُ اليومِ الثاني سُنَّةٌ، وطعامُ اليومِ الثالثِ سُمعةٌ؛ ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به"؛ يعني: إذا جعلَ أحدٌ ضيافةَ الوليمة أو غيرها ثلاثةَ أيامٍ، فضيافةُ اليومِ الأولِ حقٌّ؛ أي: واجبٌ في قولٍ، وسُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ في
стр. 1679
قولٍ، وإنما سَمَّاه حقًّا لكونه واجبًا أو سُنَّةً مُؤكَّدةً.
وضيافةُ اليوم الثاني سُنَّةٌ؛ لأنه فعلَها رسولُ الله ﷺ ، وأذن فيها.
وضيافةُ اليوم الثالث مكروهةٌ؛ لأنه لم يأتِ في الحديث استحبابُها، بل نَهَى عنها؛ لأنها سُمعةٌ ورياءٌ؛ يعني: يَفعلُها الرجلُ لِيُقالَ: أضافَ فلانٌ الناسَ ثلاثةَ أيام؛ لِيَنشرَ ذكرَ كرمه.
قوله: "سُمعة"، (السُّمعة): الشُّهرة، وهي: ما يحبُّ الرجلُ أن يُسمِعَها الناسَ، و (سَمَّع تسميعًا): إذا شهَّرَ أحدًا؛ يعني: مَن شهرَ نفسَه بكرمٍ أو غيره فخرًا ورياءً شهَّرَ الله يومَ القيامة بين أهل العَرَصات بأنه مُراءٍ كذَّابٌ.
رَوى هذا الحديثَ ابن مسعود ﵁.
* * *
٢٤٠٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن طعامِ المُتُبارِيَيْنِ أنْ يُؤكلَ.
قوله: "نهى عن طعام المُتباريَين"، (المُتباري): الَّذي يَفعل فعلًا ليكونَ مثلَ صاحبه؛ وليَنشرَ ذكرَه مثلَ ما انتشرَ من ذكر صاحبه، أو ليَغلبَ ذكرُه على ذكرِه، فأكلُ طعام هذين الرجلَين منهيٌّ [عنه]؛ لأنه للرِّياء، لا لله.
* * *
٩ - باب القَسْمِ
(باب القَسْمِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٠٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قُبضَ عن تسعِ نِسوَةٍ،
стр. 1680
فكان يقسِمُ مِنهنَّ لثمانٍ.
قوله: "قُبض"؛ أي: تُوفِّي وفي نكاحِه تسعُ نسوةٍ.
"يَقسِم"؛ أي: يَبيتُ عند ثمانٍ منهنَّ على التناوب، وإنما قسَمَ لثمانٍ، ولم يَقسِمْ لتسعٍ؛ لأنَّ سَودةَ وَهبَتْ نَوبَتَها من عائشةَ.
* * *
٢٤٠٩ - وعن عائشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يسألُ في مرضهِ الذي ماتَ فيهِ: "أينَ أنا غدًا، أينَ أنا غدًا؟ " يريدُ يومَ عائشةَ، فأَذِنَ له أزواجُه أنْ يكونَ حيثُ يشاءُ فكانَ في بيتِ عائشةَ ﵂ حتى ماتَ عندَها.
قوله ﷺ : "أين أنا غدًا؟ "؛ يعني بهذا اللفظ: أين أكونُ غدًا؟ عندَ امرأةٍ أخرى أم عندَ عائشةَ؟ فعلَمَتْ زوجاتُه: أنه يريد أن يكونَ عند عائشةَ قَدْرَ ما يشاء، فكان عند عائشةَ حتى تُوفِّي ﷺ .
والتسويةُ بين النساء في القَسْم لم تكن واجبةً عليه، بل يُسوِّي بينهنَّ تفضُّلًا وكرمًا؛ لقوله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ يعني: كلُّ زوجةٍ من زوجاتك تريد أن تكونَ معها فلا حرجَ عليك، وكلُّ زوجةٍ لا تريد أن تكونَ معها فلا حرجَ عليك، هذا هو المختار عند الغَزَاليِّ.
والأصحُّ عند مُحيي السُّنَّة: أنَّ القَسْمَ كان واجبًا عليه ﷺ بدليلِ هذا الحديث؛ فإنه لو لم يكنِ القَسْمُ بين النساء عليه واجبًا، لم يَحتجْ إلى إذن نسائه في أن يكونَ عند عائشة ﵂.
* * *
стр. 1681
٢٤١١ - عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ ﵁ قال: من السُّنَّةِ إذا تزوَّجَ البكْرَ على امرأتِهِ أقامَ عندَها سبعًا ثم قَسَمَ، وإذا تزوَّجَ الثَّيبَ أقامَ عندَها ثلاثًا ثم قَسَمَ. قال أبو قِلابةَ: ولو شئتُ لقلتُ: إنَّ أنسًا رفعَهُ إلى النبيِّ ﷺ .
قوله: "من السُّنَّة إذا تزوَّج البكر ... " إلى آخره.
فمذهبُ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ: أنَّ الرجلُ إذا كانت له زوجةٌ، فتزوَّج جديدةً؛ فإن كانت الجديدةُ بِكرًا، أقام عندها سبعَ ليالٍ وأيامَهنَّ، وإن كانت ثيبًا، أقام عندها ثلاثَ ليالٍ وأيامَهنَّ، وذلك لِتَستأنسَ الجديدةُ بالزوج، وليَحصلَ بينهما انبساطٌ، وإنما فُضلت البكرُ على الثيب؛ لأنَّ استحياءَ البكر أكثرُ، فتحتاج في ارتفاع استحيائها إلى زمانٍ أكثرَ من زمان الثيب.
ومذهبُ أبي حنيفةَ: أنه لا تفضيلَ للجديدة على القديمة، سواءٌ كانت الجديدة بِكرًا أو ثيبًا.
قوله: "ثم قسم"؛ يعني: بعدما فرغَ من سبعِ البكر يَقسِم؛ أي: يُسوِّي بين القديمة والجديدة، وإذا فرغَ من ثلاثِ الثيب يَقسِم بين القديمة والجديدة.
قول أبي قِلابة: "لو شئتُ لَقلتُ: إنَّ أنسًا رفعَه إلى النبيِّ ﷺ " معناه: لم يَقلْ أنسٌ: إني سمعتُ هذا الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، بل قال: من السُّنَّة، ولكن لو شئتُ لَقلتُ: لم يَقلْ أنسٌ هذا الحديثَ من اجتهاده، بل سمعَه من النبيِّ ﷺ ؛ لأني أعتقدُ أنَّه لا يُحدِّث بشيءٍ إلا عن رسول الله ﷺ .
* * *
٢٤١٢ - عن أبي بكرِ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ تزوجَ أمَّ سلمةَ وأصبَحَتْ عندَه قالَ لها: "ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إنْ شئتِ سبَّعْتُ عندَكِ وسبَّعْتُ عندَهنَّ، وإنْ شئتِ ثلَّثْتُ عندَكِ ودُرْتُ"، قالت: ثَلِّث. ويُروَى أنَّه قال لها: "للبكْرِ سَبْعٌ وللثَّيبِ ثلاثٌ".
стр. 1682
قوله: "ليس بك على أهلك هوانٌ"، (الهَوان): المَذلَّة؛ أي: ليس على أهلك هَوانٌ بسببك؛ يعني: أنتِ لستِ خسيسةً يَلحقُ أهلَك هَوانٌ بسببك؛ بل لك حُرمةٌ؛ يعني: حقُّ البكر الجديدة سبعٌ، وحقُّ الثيب ثلاثٌ، فلا تَظنِّي أنَّ مُكثي عندك ثلاثًا لا سبعًا من أجل هَوانِكِ، بل هذا حُكمُ الشَّرع.
قوله: "إن شئتِ سبَّعتُ عندك، وسبَّعتُ عندهنَّ"، (التسبيع): جعلُ الشيءِ سبعًا؛ يعني: إن طلبتِ مني أن أَجعلَ مقامي عندك سبعًا، بَطَلَ حقُّك من الثلاث بسبب طلبك شيئًا غيرَ شرعيٍّ، بل إذا قمتُ عندك سبعًا، أقضي هذه السبعَ للباقيات، وإن قنَعتِ بحقِّك - وهو الثلاثُ - أَقمتُ عندك، ثم "دُرتُ"؛ أي: ثم أُسوِّي بينك وبينهنَّ في النَّوبة، ولا أَقضي الثلاثَ.
* * *
٢٤١٣ - رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يقسِمُ بينَ نسائِه فيَعدِلُ ويقول: "اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أَمْلِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أَمْلِكُ".
قوله: "فلا تَلمْني فيما تَملكُ ولا أَملكُ"؛ يعني: أُسوِّي بين نسائي في القَسْم، ولكن لا أَقدِر أن أُسوِّيَ بينهنَّ في المحبة؛ لأنَّ المحبةَ في القلب، والقلبَ ليس مقدوري، بل أنتَ القادرُ عليه وعلى كلِّ شيءٍ، (فلا تَلمْني)؛ أي: فلا تُؤاخذْني في التفاوت بينهنَّ في حبي.
اعلمْ أنَّ الرجلَ غيرُ مُؤاخَذٍ بالتفاوت بين نسائه في الحبِّ؛ لأنَّ الحبَّ غيرُ مقدورٍ عليه، والرجلُ لا يُؤاخَذُ بما لم يكنْ قادرًا عليه.
رَوى هذا الحديثَ أبو قِلابةَ، عن عبد الله بن زيد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ .
* * *
٢٤١٤ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ أنه قال: "إذا كان عندَ الرَّجلِ
стр. 1683
امرأتانِ فلم يَعدِلْ بينَهما، جاءَ يومَ القيامةِ وشِقُه ساقِطٌ".
قوله: "وشِقُّه ساقطٌ"؛ يعني: يكون أحدُ جنبَيه مجروحًا أو ساقطًا بحيث يَراه أهلُ العَرَصات؛ ليكونَ هذا زيادةً له في التعذيب؛ لأنَّ الإفضاحَ أشدُّ العذاب.
* * *
١٠ - باب عشرةِ النِّساءِ وما لكلِّ واحدةٍ من الحقوقِ
(باب عشرة النساء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤١٥ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "استَوصُوا بالنساءَ خيرًا فإنهنَّ خُلِقْنَ من ضلَعٍ، وإنَّ أَعْوَجَ شيءٍ في الضلَعِ أعلاهُ، فإنْ ذهبتَ تُقيمُهُ كسَرتَهُ، وإنْ تركتَهُ لم يزلْ أعوَجَ".
(استوصوا): أمرُ مُخاطَبٍ من (استَوصى) بمعنى: (أَوصَى): إذا أَمرَ واحدًا بشيءٍ، ويُعدِّى بالباء، واستَوصَى أيضًا: إذا قَبلَ وصيةَ أحدٍ، وها هنا يُحتمَل أن يكونَ معناه: مُرُوا النساءَ بالخير، فنَقلَ الباءَ من قوله: (خيرًا)، وأَدخلَها إلى (النساء)، أو يُحتمَل أن يكونَ معناه: أَرِيدُوا الخيرَ بالنساء؛ أي: ادعوا لهنَّ بالخير والصلاح، ولا تَغضبُوا عليهنَّ إذا فعلْنَ فعلًا غيرَ مَرضيٍّ؛ فإنهنَّ خُلِقْنَ من شيءٍ أعوجَ؛ لأنهنَّ من حوَّاءَ، وخُلقت حوَّاءُ من أعوجِ ضلعٍ في جنبِ آدمَ، وهو الضلعُ الأعلى، فإذا كُنَّ خُلقْنَ من شيءٍ أعوجَ يكون ما يصدر منهنَّ أعوجَ لا محالةَ.
قوله: "فإذا ذهبتَ"؛ أي: فإن طَفِقتَ.
"تُقيمه"؛ أي: تجعله مستقيمًا.
"كسرتَه"؛ أي: فإن أردتَ أن تجعلَ الضلعَ مستقيمًا لم تَقدرْ، بل تَكسرُه.
стр. 1684
يعني: فإن أردتَ أن تكونَ المرأة مستقيمةً في الفعل والقول لم يكنْ، بل الطريقُ أن تَرضَى باعوجاجِ فعلِها وقولِها، وتأخذَ منها حظَّك مع اعوجاجها؛ والرِّضا باعوجاجِ فعلِها وقولِها إنما يجوزُ إذا لم يكنْ فيه إثمٌ ومعصيةٌ، فإذا كان فيه إثمٌ ومعصيةٌ [فـ]ـلا يجوز الرِّضا به، بل يجب زجرُها حتَّى تتركَ تلك المعصيةَ.
قوله: "وإن تركتَه لم يَزلْ أعوجَ": الضمير في هذا وما قبله ضمير الضلع، ويريد به النساءَ؛ يعني: وإن تركتَ النساءَ على حالِهنَّ من الاعوجاج، ولم تُطلِّقْهنَّ، لم يزل معهن اعوجاجُهنَّ، ويحصل لك منهنَّ الاستمتاعُ مع اعوجاجِهنَّ.
* * *
٢٤١٦ - وقال: "إنَّ المرأةَ خُلِقَت مِن ضلَعٍ لن تستقيمَ لكَ على طريقةٍ، فإنْ استمتعتَ بها، اسْتَمْتَعْتَ بها وبها عِوَجٌ، وإنْ ذهبتَ تُقيمُها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طلاقُها".
قوله: "لن تستقيمَ لك على طريقةٍ"؛ يعني: لا تُوافقك فيما تشاء فيما تأمرُها؛ بل إن تُوافقْك مرةً، تُخالفْك مرةً أخرى.
رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٤١٧ - وقال: "لا يَفْرَكْ مُؤْمنٌ مُؤْمِنةً، إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رضي منها آخرَ".
قوله: "لا يَفرَك مؤمنٌ مؤمنةً"، (فَرِكَ): إذا أبغض؛ يعني: لا يُبغضِ الزوجُ زوجتَه بأن يَرى منها سوءَ أدبٍ، فإنه إن صدرَ منها فعلٌ غيرُ مَرضيٍّ له يَصدرْ منها أفعالٌ مَرضيَّةٌ له، فَلْيَعفُ عنها أفعالَها غيرَ المَرضيَّةِ لأجل أفعالِها المَرضيَّةِ.
رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
стр. 1685
٢٤١٨ - وقال ﷺ : "لولا بنو إسرائيلَ لم يَخْنَزِ اللَّحمُ، ولولا حوَّاءُ لم تَخُنْ أُنثى زَوجَها الدَّهرَ".
قوله: "لولا بنو إسرائيلَ لم يَخنَزِ اللحمُ، ولولا حوَّاءُ لم تَخنْ أنثى زوجَها الدهرَ"، (خَنِزَ اللحمُ): إذا أنتنَ.
رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٢٤١٩ - وقال: "لا يَجْلِدْ أحدُكم امرأتَه جَلْدَ العبدِ ثم يجامعُها في آخرِ اليومِ".
وفي روايةٍ: "يَعمِدُ أحدُكم فيجلدُ امرأتَه جَلْدَ العبدِ فلعلَّه يضاجعُها في آخر يومِهِ"، ثم وَعَظَهم في ضَحِكِهِم للضَّرطَةِ فقال: "لِمَ يضحَكُ أحدُكم مما يفعلُ؟ ".
قوله: "لا يَجلدْ"؛ أي: لا يَضربْ.
"جلدَ العبد"؛ أي: كما يُجلَد العبدُ.
"ثم يُجامعها في آخر اليوم": اعلمْ أنَّ ضربَ العبيد والإماء جائزٌ للتأديب إذا لم يتأدَّبوا بالكلام الغليظ، وإذا لم يَتأدَّبوا إلا بالضرب؛ فَلْيكنِ الضربُ لتركِهم فرضًا من فرائض الله أو خدمةِ السيد إذا كانت تلك الخدمةُ جائزةً في الشرع، والعفوُ عنهم أَولى.
فإذا عرفتَ هذا فاعرفْ أنَّ قولَه: (لا يَجلدْ أحدُكم امرأتَه جلدَ العبد) هذا كان قبلَ أمرِه ﷺ بضربهنَّ، ثم أَمرَ بضربهنَّ، كما يأتي في هذا الباب.
قوله: "ثم وعظَهم في ضحكهم للضَّرْطة"؛ يعني: وعظَ الناسَ وخوَّفَهم، ونهاهم عن الضحك حين سمعوا ضَرطةً، وقال: "لِمَ يَضحكُ أحدُكم مما يَفعل؟! "