← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

٢٤١١ - عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ ﵁ قال: من السُّنَّةِ إذا تزوَّجَ البكْرَ على امرأتِهِ أقامَ عندَها سبعًا ثم قَسَمَ، وإذا تزوَّجَ الثَّيبَ أقامَ عندَها ثلاثًا ثم قَسَمَ. قال أبو قِلابةَ: ولو شئتُ لقلتُ: إنَّ أنسًا رفعَهُ إلى النبيِّ ﷺ . قوله: "من السُّنَّة إذا تزوَّج البكر ... " إلى آخره. فمذهبُ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ: أنَّ الرجلُ إذا كانت له زوجةٌ، فتزوَّج جديدةً؛ فإن كانت الجديدةُ بِكرًا، أقام عندها سبعَ ليالٍ وأيامَهنَّ، وإن كانت ثيبًا، أقام عندها ثلاثَ ليالٍ وأيامَهنَّ، وذلك لِتَستأنسَ الجديدةُ بالزوج، وليَحصلَ بينهما انبساطٌ، وإنما فُضلت البكرُ على الثيب؛ لأنَّ استحياءَ البكر أكثرُ، فتحتاج في ارتفاع استحيائها إلى زمانٍ أكثرَ من زمان الثيب. ومذهبُ أبي حنيفةَ: أنه لا تفضيلَ للجديدة على القديمة، سواءٌ كانت الجديدة بِكرًا أو ثيبًا. قوله: "ثم قسم"؛ يعني: بعدما فرغَ من سبعِ البكر يَقسِم؛ أي: يُسوِّي بين القديمة والجديدة، وإذا فرغَ من ثلاثِ الثيب يَقسِم بين القديمة والجديدة. قول أبي قِلابة: "لو شئتُ لَقلتُ: إنَّ أنسًا رفعَه إلى النبيِّ ﷺ " معناه: لم يَقلْ أنسٌ: إني سمعتُ هذا الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، بل قال: من السُّنَّة، ولكن لو شئتُ لَقلتُ: لم يَقلْ أنسٌ هذا الحديثَ من اجتهاده، بل سمعَه من النبيِّ ﷺ ؛ لأني أعتقدُ أنَّه لا يُحدِّث بشيءٍ إلا عن رسول الله ﷺ . * * * ٢٤١٢ - عن أبي بكرِ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ تزوجَ أمَّ سلمةَ وأصبَحَتْ عندَه قالَ لها: "ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إنْ شئتِ سبَّعْتُ عندَكِ وسبَّعْتُ عندَهنَّ، وإنْ شئتِ ثلَّثْتُ عندَكِ ودُرْتُ"، قالت: ثَلِّث. ويُروَى أنَّه قال لها: "للبكْرِ سَبْعٌ وللثَّيبِ ثلاثٌ".

стр. 1682

قوله: "ليس بك على أهلك هوانٌ"، (الهَوان): المَذلَّة؛ أي: ليس على أهلك هَوانٌ بسببك؛ يعني: أنتِ لستِ خسيسةً يَلحقُ أهلَك هَوانٌ بسببك؛ بل لك حُرمةٌ؛ يعني: حقُّ البكر الجديدة سبعٌ، وحقُّ الثيب ثلاثٌ، فلا تَظنِّي أنَّ مُكثي عندك ثلاثًا لا سبعًا من أجل هَوانِكِ، بل هذا حُكمُ الشَّرع. قوله: "إن شئتِ سبَّعتُ عندك، وسبَّعتُ عندهنَّ"، (التسبيع): جعلُ الشيءِ سبعًا؛ يعني: إن طلبتِ مني أن أَجعلَ مقامي عندك سبعًا، بَطَلَ حقُّك من الثلاث بسبب طلبك شيئًا غيرَ شرعيٍّ، بل إذا قمتُ عندك سبعًا، أقضي هذه السبعَ للباقيات، وإن قنَعتِ بحقِّك - وهو الثلاثُ - أَقمتُ عندك، ثم "دُرتُ"؛ أي: ثم أُسوِّي بينك وبينهنَّ في النَّوبة، ولا أَقضي الثلاثَ. * * * ٢٤١٣ - رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يقسِمُ بينَ نسائِه فيَعدِلُ ويقول: "اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أَمْلِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أَمْلِكُ". قوله: "فلا تَلمْني فيما تَملكُ ولا أَملكُ"؛ يعني: أُسوِّي بين نسائي في القَسْم، ولكن لا أَقدِر أن أُسوِّيَ بينهنَّ في المحبة؛ لأنَّ المحبةَ في القلب، والقلبَ ليس مقدوري، بل أنتَ القادرُ عليه وعلى كلِّ شيءٍ، (فلا تَلمْني)؛ أي: فلا تُؤاخذْني في التفاوت بينهنَّ في حبي. اعلمْ أنَّ الرجلَ غيرُ مُؤاخَذٍ بالتفاوت بين نسائه في الحبِّ؛ لأنَّ الحبَّ غيرُ مقدورٍ عليه، والرجلُ لا يُؤاخَذُ بما لم يكنْ قادرًا عليه. رَوى هذا الحديثَ أبو قِلابةَ، عن عبد الله بن زيد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ . * * * ٢٤١٤ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ أنه قال: "إذا كان عندَ الرَّجلِ

стр. 1683

امرأتانِ فلم يَعدِلْ بينَهما، جاءَ يومَ القيامةِ وشِقُه ساقِطٌ". قوله: "وشِقُّه ساقطٌ"؛ يعني: يكون أحدُ جنبَيه مجروحًا أو ساقطًا بحيث يَراه أهلُ العَرَصات؛ ليكونَ هذا زيادةً له في التعذيب؛ لأنَّ الإفضاحَ أشدُّ العذاب. * * * ١٠ - باب عشرةِ النِّساءِ وما لكلِّ واحدةٍ من الحقوقِ (باب عشرة النساء) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤١٥ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "استَوصُوا بالنساءَ خيرًا فإنهنَّ خُلِقْنَ من ضلَعٍ، وإنَّ أَعْوَجَ شيءٍ في الضلَعِ أعلاهُ، فإنْ ذهبتَ تُقيمُهُ كسَرتَهُ، وإنْ تركتَهُ لم يزلْ أعوَجَ". (استوصوا): أمرُ مُخاطَبٍ من (استَوصى) بمعنى: (أَوصَى): إذا أَمرَ واحدًا بشيءٍ، ويُعدِّى بالباء، واستَوصَى أيضًا: إذا قَبلَ وصيةَ أحدٍ، وها هنا يُحتمَل أن يكونَ معناه: مُرُوا النساءَ بالخير، فنَقلَ الباءَ من قوله: (خيرًا)، وأَدخلَها إلى (النساء)، أو يُحتمَل أن يكونَ معناه: أَرِيدُوا الخيرَ بالنساء؛ أي: ادعوا لهنَّ بالخير والصلاح، ولا تَغضبُوا عليهنَّ إذا فعلْنَ فعلًا غيرَ مَرضيٍّ؛ فإنهنَّ خُلِقْنَ من شيءٍ أعوجَ؛ لأنهنَّ من حوَّاءَ، وخُلقت حوَّاءُ من أعوجِ ضلعٍ في جنبِ آدمَ، وهو الضلعُ الأعلى، فإذا كُنَّ خُلقْنَ من شيءٍ أعوجَ يكون ما يصدر منهنَّ أعوجَ لا محالةَ. قوله: "فإذا ذهبتَ"؛ أي: فإن طَفِقتَ. "تُقيمه"؛ أي: تجعله مستقيمًا. "كسرتَه"؛ أي: فإن أردتَ أن تجعلَ الضلعَ مستقيمًا لم تَقدرْ، بل تَكسرُه.

стр. 1684

يعني: فإن أردتَ أن تكونَ المرأة مستقيمةً في الفعل والقول لم يكنْ، بل الطريقُ أن تَرضَى باعوجاجِ فعلِها وقولِها، وتأخذَ منها حظَّك مع اعوجاجها؛ والرِّضا باعوجاجِ فعلِها وقولِها إنما يجوزُ إذا لم يكنْ فيه إثمٌ ومعصيةٌ، فإذا كان فيه إثمٌ ومعصيةٌ [فـ]ـلا يجوز الرِّضا به، بل يجب زجرُها حتَّى تتركَ تلك المعصيةَ. قوله: "وإن تركتَه لم يَزلْ أعوجَ": الضمير في هذا وما قبله ضمير الضلع، ويريد به النساءَ؛ يعني: وإن تركتَ النساءَ على حالِهنَّ من الاعوجاج، ولم تُطلِّقْهنَّ، لم يزل معهن اعوجاجُهنَّ، ويحصل لك منهنَّ الاستمتاعُ مع اعوجاجِهنَّ. * * * ٢٤١٦ - وقال: "إنَّ المرأةَ خُلِقَت مِن ضلَعٍ لن تستقيمَ لكَ على طريقةٍ، فإنْ استمتعتَ بها، اسْتَمْتَعْتَ بها وبها عِوَجٌ، وإنْ ذهبتَ تُقيمُها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طلاقُها". قوله: "لن تستقيمَ لك على طريقةٍ"؛ يعني: لا تُوافقك فيما تشاء فيما تأمرُها؛ بل إن تُوافقْك مرةً، تُخالفْك مرةً أخرى. رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٤١٧ - وقال: "لا يَفْرَكْ مُؤْمنٌ مُؤْمِنةً، إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رضي منها آخرَ". قوله: "لا يَفرَك مؤمنٌ مؤمنةً"، (فَرِكَ): إذا أبغض؛ يعني: لا يُبغضِ الزوجُ زوجتَه بأن يَرى منها سوءَ أدبٍ، فإنه إن صدرَ منها فعلٌ غيرُ مَرضيٍّ له يَصدرْ منها أفعالٌ مَرضيَّةٌ له، فَلْيَعفُ عنها أفعالَها غيرَ المَرضيَّةِ لأجل أفعالِها المَرضيَّةِ. رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 1685

٢٤١٨ - وقال ﷺ : "لولا بنو إسرائيلَ لم يَخْنَزِ اللَّحمُ، ولولا حوَّاءُ لم تَخُنْ أُنثى زَوجَها الدَّهرَ". قوله: "لولا بنو إسرائيلَ لم يَخنَزِ اللحمُ، ولولا حوَّاءُ لم تَخنْ أنثى زوجَها الدهرَ"، (خَنِزَ اللحمُ): إذا أنتنَ. رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٤١٩ - وقال: "لا يَجْلِدْ أحدُكم امرأتَه جَلْدَ العبدِ ثم يجامعُها في آخرِ اليومِ". وفي روايةٍ: "يَعمِدُ أحدُكم فيجلدُ امرأتَه جَلْدَ العبدِ فلعلَّه يضاجعُها في آخر يومِهِ"، ثم وَعَظَهم في ضَحِكِهِم للضَّرطَةِ فقال: "لِمَ يضحَكُ أحدُكم مما يفعلُ؟ ". قوله: "لا يَجلدْ"؛ أي: لا يَضربْ. "جلدَ العبد"؛ أي: كما يُجلَد العبدُ. "ثم يُجامعها في آخر اليوم": اعلمْ أنَّ ضربَ العبيد والإماء جائزٌ للتأديب إذا لم يتأدَّبوا بالكلام الغليظ، وإذا لم يَتأدَّبوا إلا بالضرب؛ فَلْيكنِ الضربُ لتركِهم فرضًا من فرائض الله أو خدمةِ السيد إذا كانت تلك الخدمةُ جائزةً في الشرع، والعفوُ عنهم أَولى. فإذا عرفتَ هذا فاعرفْ أنَّ قولَه: (لا يَجلدْ أحدُكم امرأتَه جلدَ العبد) هذا كان قبلَ أمرِه ﷺ بضربهنَّ، ثم أَمرَ بضربهنَّ، كما يأتي في هذا الباب. قوله: "ثم وعظَهم في ضحكهم للضَّرْطة"؛ يعني: وعظَ الناسَ وخوَّفَهم، ونهاهم عن الضحك حين سمعوا ضَرطةً، وقال: "لِمَ يَضحكُ أحدُكم مما يَفعل؟! "

стр. 1686

يعني: لا يخلو الإنسانُ من الضَّرْطة؛ فإنها ريحٌ، والريحُ يُلازم الإنسانَ، ولا ينبغي أن يضحكَ أحدٌ ممَّن صدر منه ضَرطةٌ. رَوى هذا الحديثَ - أعني الروايةَ الأولى والثانية - عبدُ الله بن زَمَعَة. * * * ٢٤٢٠ - وقالت عائِشَةُ ﵂: كنتُ أَلْعَبُ بالبناتِ عندَ النبيِّ ﷺ ، وكانَ لي صَواحِبُ يَلعبن معي، وكانَ رسولُ الله ﷺ إذا دخلَ يَنْقَمِعْنَ منه فَيُسَرِّبُهُنَّ إليَّ فيَلْعَبن معي. قولها: "ألعبُ بالبنات"، (البنات): اللُّعَبُ، وهي: جمع (لُعبة) بضم اللام، وهي ما يُلعَب به، والمراد بها ها هنا: ما تَلعبُ به الصبيات. قولها: "يَنقمِعْنَ"، قُمِع: إذا كُسِر وقُهِر، وانقمَعَ: إذا انكسَر؛ يعني: يَنهزمْنَ وَيفررْنَ استحياءً من النبيِّ ﷺ . قولها: "فيُسرِّبُهنَّ"؛ أي: فيُرسلُهنَّ النبيُّ ﷺ إليَّ؛ لِيَلعبن معي، والمراد بهذا الحديث: إظهارُ حسنِ أخلاقِ النبيِّ ﷺ . * * * ٢٤٢١ - وقالت: والله لقد رأيتُ النبيَّ ﷺ يقومُ على بابِ حُجْرَتي، والحَبَشَةُ يلعبونَ بالحِرابِ في المسجدِ، ورسولُ الله ﷺ يَستُرني بردائِهِ لِأنْظُرَ إلى لَعِبهم بين أذُنِهِ وعاتقِهِ، ثم يقومُ من أجلي حتَّى اكونَ أنا التي أَنصرِفُ، فاقدِرُوا قَدْرَ الجاريةِ الحديثةِ السِّنِّ، الحريصةِ على اللهوِ. قولها: "والحبشةُ يلعبون بالحِرابِ في المسجد"، (الحبشة): جماعةٌ معروفةٌ من الناس، الواحد: حَبَشيٌّ، و (الحِراب): جمع حَرْبة، وهي رمحٌ قصيرٌ.

стр. 1687

يعني: وقفَ رسولُ الله ﷺ على باب المسجد لأجلي، ووقفتُ خلفَه، فأنظرَ من بين عاتقه وأذنه إلى لَعِبهم. وهذا الحديثُ يدلُّ على استحبابِ مداراة النساءَ والتلطُّفِ بهنَّ، ويدلُّ أيضًا على جوازِ نظرِ المرأةِ إلى الرجلِ الأجنبيِّ فيما فوقَ السُّرَّة وتحتَ الرُّكبة، ويدلُّ أيضًا على جوازِ لُعَبٍ هي طاعةٌ في المسجدِ وغيرِه؛ فإنَّ اللَّعبَ بالحِراب وبجميع آلات الحرب طاعةٌ؛ لأنه يُعلِّمُ الجهادَ، والجهادُ طاعةٌ، وإنما يجوز اللَّعب بآلات الحرب إذا علمَ الرجلُ: أنَّه لا تَلحقه جراحةٌ، ولا يُلحق بصاحبه جراحةً. قولها: "فاقدرُوا قَدْرَ الجاريةِ الحديثةِ السنِّ"؛ يعني: تدبَّروا وتفكَّروا في جاريةٍ قليلةِ السنِّ الحريصةِ على اللَّعب، كم يكون قَدرُ مكثِها في النظر إلى اللَّعب! يعني: يكون ذلك القَدرُ كثيرًا، حتَّى تَعلموا حسنَ معاشرة النبيِّ ﷺ مع زوجاته، وتلطُّفه بهنَّ. * * * ٢٤٢٢ - وقالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إني لأَعلمُ إذا كنتِ عني راضيةً وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى! فقلتُ: مِن أينَ تعرفُ ذلكَ! فقالَ: إذا كنتِ عنِّي راضيةً فإنك تقولينَ: لا وربِّ مُحمَّدٍ، وإذا كنتِ غَضْبَى قلتِ: لا وربِّ إبراهيمَ"، قالت، قُلتُ: أَجَلْ، والله يا رسولَ الله، ما أهجرُ إلا اسمَكَ. قوله: "غَضْبَى": هذا اللفظ تأنيث: (غَضبان)، يُقال للرجل: غَضبان، وللمرأة: غَضْبَى. قولها: "أجلْ"؛ أي: نعم، لا أَهجرُ إلا اسمَك؛ يعني: إذا غضبتُ عليك لا أتركُ حبَّك، ولا أتركُ إلا اسمَك؛ يعني: لا أَذكرُك باللسان مدةَ غضبي. وجهُ إيرادِ هذا الحديثِ في هذا الباب: بيانُ خُلُقِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنه يَعرفُ

стр. 1688

الغضبَ منها ولا يَهجرُها، ولا يَضربُها، ولا يُؤذيها، بل يَصبرُ حتَّى يزولَ الغضبُ عنها. * * * ٢٤٢٣ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دعا الرَّجلُ امرأتَه إلى فراشِه فأبَتْ فباتَ غضبانَ لَعَنَتْها الملائكةُ حتى تُصْبحَ". وفي روايةٍ: "إلا كانَ الَّذي في السَّماءِ ساخِطًا عليها حتَّى يَرْضَى عنها". قوله: "إلا كان الذي في السماءِ ساخطًا"؛ يعني: يكون الله تعالى عليها غضبانَ؛ لأنَّ إيذاءَ الزوجِ والغضبَ عليه عصيانٌ الله تعالى، وهذا إنما يكون إذا لم يكن غضبُ الزوجةِ بسبب ظلمِ الزوجِ عليها، فأمَّا إذا كان الجُرمُ للزوج، بأن يُؤذيها ويَظلم عليها، فلم يكنْ على الزوجة بأسٌ بأن تغضبَ على زوجها. * * * ٢٤٢٤ - وقال رسولُ الله ﷺ في خُطبةِ حَجَّةِ الوَداعِ: "اتَّقُوا الله في النِّساءِ فإنَّكَم أخذتُمُوهُنَّ بأمانِ الله، واستَحْلَلتم فروجَهُنَّ بكلمةِ الله، ولكم عليهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ فاضرِبُوهنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهنَّ عليكم رِزقُهنَّ وكِسْوَتُهنَّ بالمعروفِ". قوله: "اتقوا الله في النساء": قد ذُكر هذا الحديثُ في قصة حَجَّة الوداع. * * * ٢٤٢٥ - وعن أسماءَ: أنَّ امرأة قالت: يا رسولَ الله! إنَّ لي ضَرَّةً، فهل عليَّ جناحٌ إنْ تَشَبَّعتُ من زوجي غيرَ الذي يُعطيني؟ فقال: "المُتَشَبعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زورٍ".

стр. 1689

قوله: "المُتشبع بما لم يُعطَ كلابسِ ثَوبَي زُور": ذُكر شرحُ هذا الحديث في (باب العطايا). * * * ٢٤٢٦ - وقال أنسٌ ﵁: آلَى رسولُ الله ﷺ مِن نسائِهِ شهرًا، وكانَتْ انفكَّت رِجْلُه فأقامَ في مَشْرُبةٍ تسعًا وعشرينَ ليلةً ثم نزلَ، فقالوا: يا رسولَ الله! آلَيْتَ شهرًا فقال: "إنَّ الشَّهرَ يكونُ تسعًا وعشرينَ". قوله: "آلَى رسولُ الله ... " إلى آخره؛ يعني: حلفَ رسولُ الله ﷺ أن لا يَدخلَ [على] واحدةٍ من نسائه شهرًا، وكنَّ يُؤذينَه، فعَزَلَهنَّ، وجلس في غرفة المسجد. قوله: "انفكَّت رِجلُه"؛ أي: تألَّمت مِفصلُ قدمه. قوله: "في مَشرُبة"؛ أي: في غرفة. قوله: "إن الشهرَ يكون تسعًا وعشرين" يومًا، إنما لم أُقِمْ ثلاثين يومًا؛ لأني حلفتُ شهرًا، وقد ظهرَ الهلالُ بعد تسعٍ وعشرين، فإذا ظهرَ الهلالُ فقد تمَّ الشهرُ. اعلمْ أنَّه إذا حلفَ أحدٌ أن لا يَفعلَ هذا الفعلَ هذا الشهرَ، فإذا ظهرَ الهلالُ تمَّ يمينُه، سواءٌ كان يمينُه في أول الشهر أو أثنائه، أمَّا إذا لم يُعينِ الشهرَ، بل قال: شهرًا؛ لزمَه أن يتركَ الفعلَ الذي حلفَ عليه ثلاثين يومًا من وقت يمينه، فإن كان يمينُه في أول الشهر، فظهرَ الهلالُ بعدَ تسعٍ وعشرين يومًا، لزمَه أن يترك ذلك الفعلَ يومًا آخرَ بعد ظهور الهلال، حتَّى يُتِمَّ ثلاثين يومًا من وقت يمينه، وكذلك النَذرُ في الصوم. * * *

стр. 1690

٢٤٢٧ - وقال جابرٌ: عَزَلَهن شهرًا، أو تِسْعًا وعشرينَ ثم نزلَتْ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فبدأ بعائشةَ ﵂ فقال: "يا عائشةُ إني أريدُ أنْ أعرِضَ عليكِ أمرًا، أُحِبُّ أنْ لا تَعْجَلي فيهِ حتى تَستشيري أَبَوَيْكِ! " قالت: وما هو يا رسولَ الله؟ فتلا عليها هذه الآيةَ، فقالت: أَفيكَ يا رسولَ الله أَستشيرُ أَبَوَيَّ؟ بل أختارُ الله ورسولَه والدارَ الآخرةَ، وأسألُكَ أنْ لا تُخبرَ امرأةً مِن نسائكَ بالذي قلتُ، قال: "لا تسألُني امرأةٌ منهنَّ إلا أَخبرتُها، إن الله لم يبعَثني مُعَنِّتًا ولا مُتَعَنِّتًا، ولكن بعثَني مُعلِّمًا مُيسِّرًا"، قوله: "ثم نزلت هذه الآية"؛ يعني: كانت زوجاتُه يُؤذينَه ولا يَرضَيْنَ بفقره، فنَزلت هذه الآيةُ؛ يعني: قلُ يا محمدُ لزوجاتك: إني اخترتُ الفقرَ في الدنيا؛ فمَن لم تَرضَ منكنَّ بفقري فَلْتَخترْ، وَلْتَأتيني حتَّى أُمتَّعَها - أي: حتَّى أُعطيَ مَهرَها - وأُسرَحَها سراحًا جميلًا؛ أي: وأُطلِّقَها طلاقًا لا ضررَ فيه ولا إيذاءَ، ومَن رضيَ بفقري وأرادتِ الآخرةَ، فإن الله سيُعطيها عوضَ مشقَّتها أجرًا عظيمًا. قوله: "حتى تستشيري أَبوَيك"؛ يعني: لا تَعجلي في جوابي من تِلقاء نفسِكِ، بل أستَشِيري أبوَيك؛ ليكونَ جوابُك إياي عن رضاك ورضا أبوَيك. قولها: "أسألك أن لا تُخبرَ امرأة"؛ يعني: وأَطلبْ منك أن لا تُخْبرَ واحدةً من زوجاتك بأني رضيتُ بنكاحك، ومرادُها في هذا الكلام: أنَّ نساءَه لو علمْنَ أنَّ عائشةَ رضيَتْ بنكاحه، لَوافقْنَها بالرِّضا بنكاحه، ولو لم يَعلَمْنَ أنَّ عائشةَ رضيَتْ بنكاحه، فلعلَّهنَّ يَختَرْنَ فراقَ النبيِّ ﷺ ، فيُفرَد النبيُّ ﷺ بعائشة. قوله: "مُعنِّتًا"؛ أي: مُؤذيًا ومُوقعًا أحدًا في أمرٍ شديدٍ. "ولا مُتعنِّتًا"؛ أي: ولا طالبًا لزَلَّة أحد، الزَّلة: الخطأ والإثم.

стр. 1691

فلما قرأ النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ عليهنَّ، فاختارَتِ الزوجاتُ التسعُ رسولَ الله ﷺ والدارَ الآخرةَ، ورضينَ بالفقرِ وتركِ زينة الدنيا، فبَقينَ في نكاحه حتى تُوفِّي رسولُ الله ﷺ ، فلما اختَرْنَ رسولَ الله ﷺ نزل قولُه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]؛ يعني: فلما اقتضى كرمُهنَّ أنْ يَتركْنَ زينةَ الدنيا وَيختَرْنَك اقتضَى كرمُنا القديمُ أن نُحرِّمَ عليك أن تتزوَّجَ بامرأة غيرِهنَّ بعدَما اختَرْنَ الله ورسولَه ﷺ ، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ يعني: ولا أن تُطلَّق واحدةً منهنَّ، وتتزوَّجَ بدل المُطلَّقة امرأةً أخرى. وقيل: نُسخت هذه الآيةُ بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]، معناها عند هذا القائل: إباحةُ التزوُّج له غيرَهنَّ. * * * ٢٤٢٨ - وقالت عائِشَةُ ﵂: كُنْتُ أغارُ على اللائي وَهَبن أنفسَهن لرسولِ الله ﷺ فقلتُ: أَتَهَبُ المرأةُ نفسَها؟ فلمَّا أنزلَ الله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قلتُ: ما أَرَى ربَّكَ إلا يُسارعُ في هَواكَ. قولها: "أغار": هذا نفسُ مُتكلِّمٍ (١)، من (الغَيرة). * * * مِنَ الحِسَان: ٢٤٢٩ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها كانت معَ رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، قالت: فسَابقتُه فسَبقتُه على رِجْلَيَّ، فلمَّا حَمَلتُ اللحمَ سابقتُه فسبَقَني،

стр. 1692

قال: "هذه بتلكَ السَّبَقَةِ". قولها: "فسابقتُه"؛ أي: عدوتُ وركضتُ وماشيتُ معه؛ لنَنظرَ أيُّنا أسرعُ عَدْوًا. "فسبقتُه"؛ أي: فغلبتُ عليه في العَدْو، وتقدَّمتُ عليه. "فلما حملتُ اللحمَ"؛ أي: فلما سمنتُ. قوله: "هذه بتلك السَّبْقة"؛ يعني: تقدُّمي عليك في هذه النَّوبة في مقابلة تقدُّمِكِ عليَّ في النَّوبة الأولى. والمرادُ بإيراد هذا الحديث: بيانُ حسن أخلاقه ﷺ أو تلطُّفه بنسائه؛ لتقتديَ به أمَّتُه. * * * ٢٤٣٠ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "خيرُكم خيرُكم لأهلِهِ، وأنا خيرُكم لأهلي، وإذا ماتَ صاحِبُكم فدَعُوه". قوله: "خيرُكم خيرُكم لأهله"؛ يعني: خيرُكم مَن هو أحسنُ أخلاقًا على أهله. قوله: "إذا مات صاحبُكم فدَعُوه"؛ يعني: لِيُحسِنْ كلُّ واحدٍ منكم على أهله، فإذا مات واحدٌ منكم فاتركوه؛ أي: فاتركوا ذكرَ مساوئه؛ يعني: لا تذكروه بعد الموت بأخلاقه المذمومة وأفعاله القبيحة؛ فإنَّ تركَ ذكر مساوئه والعفوَ عنه من حسن أخلاقكم. ويُحتمَل أن يكونَ معناه: فاتركوا محبتَه بعد الموت، ولا تُعلِّقوا قلوبَكم بأن تجلسوا على مصيبته، والبكاء عليه. * * *

стр. 1693

٢٤٣٢ - وقال: "لو كنتُ آمِرًا أحدًا أنْ يَسجُدَ لأَحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أنْ تسجُدَ لزَوجِها". قوله: "لو كُنْتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحد ... " إلى آخره؛ يعني: لا يجوز لأحد أن يسجدَ لغير الله، ولو جاز أن يسجدَ أحدٌ لغير الله لأَمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها. وإنما ذُكر هذا الحديثُ لبيانِ أنه لا يجوزُ السجودُ لغير الله، ولبيانِ تأكيد حقِّ الزوج على الزوجة. يَروي هذا الحديثَ معاذُ بن جبل. * * * ٢٤٣٣ - وقال: "أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزوجُها عنها راضٍ، دخلَت الجنةَ". قوله: "أيُّما امرأةٍ ماتت، وزوجُها عنها راضٍ، دخلت الجنة": ذُكر هذا الحديثُ أيضًا لتأكيد حقِّ الزوج على الزوجة؛ لبيانِ ثوابِ طاعةِ الزوجةِ زوجَها. وظاهرُ هذا الحديث يُنبئ: أنَّ طاعةَ الزوجة زوجَها تَكفيها، وليس كذلك؛ بل تحتاج إلى طاعة الله أولًا، من أداء الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الفرائض، ويجب عليها أيضًا تركُ المناهي. رَوى هذا الحديثَ قيسُ بن عبادة الأنصاريُّ وأمُّ سَلَمة. * * * ٢٤٣٤ - وعن طَلْقِ بن عليِّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دعا الرَّجُلُ زوجتَه لحاجتِه فلْتَأتِهِ، وإنْ كانَتْ على التنُّورِ". قوله: "وإن كانت على التنُّور"؛ يعني: وإن كانت تَخبز، وقد ضَربت

стр. 1694

الخبزَ على التنُّور. يعني: إذا دعاها الزوجُ، فَلْتَأتِه وإن كان خبزُها يحترقُ في التنُّور، وهذا بشرط أن يكونَ ذلك الخبزُ للزوج؛ لأنَّ الزوجَ إذا دعاها في هذه الحالة، فقد رضيَ بإتلافِ مالِهِ، وتلفُ المالِ أسهلُ من وقوع الزوج في الزِّنا إن لم تُجبْه الزوجةُ. * * * ٢٤٣٥ - عن معاذٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تُؤذي امرأةٌ زوجَها في الدُّنيا إلا قالَتْ زوجتُه من الحورِ العِينِ، لا تؤذِيهِ قاتَلكِ الله، فإنما هوَ عندَكِ دخيلٌ، يُوشِكُ أنْ يُفارِقَكِ إلينا"، غريب. قوله: "لا تُؤذي امرأةٌ زوجَها في الدنيا إلا قالت زوجتُه من الحُور العِينِ: لا تُؤذيه قاتلَك الله! فإنما هو عندك دَخيلٌ، يُوشك أن يُفارقَك إلينا"، وإنما تَعرف زوجتُه من الحُور العِين ما يجري بينه وبين زوجته في الدنيا بأنْ رفعَ الله تعالى الحجابَ بين الحُور العِين وبين أزواجهنَّ في الدنيا، حتَّى يَعلَمْنَ ما يجري بينهم وبين زوجاتهم في الدنيا، كما رفعَ الله الحجابَ بين الأولياء حتى يعلموا مِن المَشرق ما يجري في المَغرب. قولها: "قاتلك الله": هذا خطابٌ مع كلِّ امرأةٍ تُؤذي زوجَها المسلمَ، سواءٌ كانت مسلمةً أو كِتابيةً. قولها: "فإنما هو عندك دخيل"؛ أي: غريبٌ، "يوشك"؛ أي: يَقرُب "أن يُفارقك إلينا"؛ أي: عن قريبٍ يتركُك بأن يموتَ ويصلَ إلينا؛ يعني: أنتِ زوجتُه في الدنيا، ونحن زوجاتُه في الآخرة، فإن كانت هذه المرأةُ كِتابيةً فلا إشكالَ في هذا الحديث؛ لأنَّ الكِتابيةَ تُخلَّد في النار كسائر الكفَّار، ولا تكون زوجتَه في الآخرة؛ لأنه يكون في الجنة. وأمَّا إذا كانت مسلمةً فالحديثُ على

стр. 1695

هذا التقدير مُشكِلٌ؛ لأنها تَدخل الجنةَ كزوجها، فكيف يُفارقها؟! فدفعُ هذا الإشكالِ بأن تقولَ: معنى هذا الحديث: إنك أيتُها المرأةُ التي تُؤذي زوجَك في الدنيا إيذاؤك زوجَك عصيانُ الله تعالى، وعصيانُ الله سببُ دخول النار، ودخولُك النارَ فراقٌ بينك وبين زوجك مدةَ بقائك في النار إلى أن تَخرجي من النار، وتَدخلي الجنةَ، وتَصلِي إلى زوجك. * * * ٢٤٣٦ - عن حكيمٍ بن مُعاويةَ القُشَيريِّ، عن أبيه قال: قلتُ: يا رسولَ الله ما حقُّ زوجةِ أحدِنا عليهِ؟ قال: "أنْ تُطعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكتسَيْتَ، ولا تَضْرِب الوجْهَ، ولا تُقَبحْ، ولا تَهجُرْ إلا في البيتِ". قوله: "أن تُطعمَها إذا طعمتَ": ليس معنى هذا الحديث: أنك إذا طعمتَ أَطعِمْها، وإذا لم تَطعَمْ فلا تُطعِمْها، بل يجب على الزوج إطعامُ الزوجة وكسوتُها كما هو مُبيَّنٌ في الفقه، سواءٌ طَعِمَ الزوجُ أم لم يَطعَمْ، وإنما قال النبيُّ ﷺ هذا الكلامَ؛ لأنه كانت عادةُ بعضِ العربِ: أنهم يأكلون ويشربون ويلبسون، ويتركون أهلِيهم جائعين عارِين، فنهاهم النبيُّ ﷺ عن تلك العادة. قوله: "ولا تضربِ الوجهَ": هذا تصريحٌ منه ﷺ على جواز ضربهنَّ على وفق الشرع، بأن يَفعلْنَ فاحشةً، أو يَتركْنَ الصلاةَ، أو يُخالفْنَ أمرَ الأزواج، ولا يجوز الضربُ على الوجه، لا في الآدميِّ ولا في غيرِه. قوله: "ولا تُقبحْ" بتشديد الباء؛ أي: ولا تَقلْ لها قولًا قبيحًا؛ أي: ولا تَشتُمْها. قوله: "ولا تَهجُرْ إلا في البيت"؛ يعني: لو غضبتَ عليها لا تخرجْ من البيت، ولا تتركْها في البيت الخالي؛ فإنها ربما تخافُ من البيت الخالي، وربما

стр. 1696

يَقصدُها رجلٌ بفاحشةٍ وغير ذلك، بل إذا غضبتَ عليها ففارِقْها من فراشها إلى ناحيةٍ من ذلك البيت. * * * ٢٤٣٧ - وعن لَقيطِ بن صَبرة قال: قلتُ يا رسولَ الله! إنَّ لي امرأةً في لسانِها شيءٌ - يعني البَذَاء - قال: "طلِّقْها"، قلتُ: إنَّ لي منها وَلَدًا ولها صُحبةٌ، قال: "فَمُرْها - يقولُ عِظْها - فإنْ يَكُ فيها خيرٌ فستَقْبَلُ، ولا تضرِبن ظَعِينَتَكَ ضَرْبَكَ أُمَيَّتَكَ". قوله: "في لسانها شيءٌ"؛ يعني: في لسانها بَذَاءٌ؛ يعني: تُؤذيني بلسانها، "البَذَاء": الفُحش. قوله: "فمُرْها؛ يقول: عِظْها"، (يقول) هنا معناه: يريد؛ يعني: يريد النبيُّ ﷺ بقوله (فمرها): عِظْها؛ يعني: مُرْ، أمرٌ من (أمر)، ومعنى (أَمرَ) هنا: وَعَظَ. قوله: "ولا تضربن ظعينتَك ضربَك أُمَيتَك"، (الظعينة): الزوجة، (الأُمَيَّة): تصغير أَمَة. * * * ٢٤٣٨ - وعن إياسِ بن عبدِ الله: أنَّه قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تضرِبُوا إماءَ الله". فأتاهُ عمرُ بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسولَ الله! ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ، فأذِنَ في ضَربهِنَّ، فأَطافَ بآلِ محمدٍ نساءٌ كثيرٌ كلُّهنَّ يَشتكينَ أزواجَهنَّ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لقد أطافَ بآلِ مُحمَّدٍ سبعونَ امرأةً كلُّهن يشتكينَ أزواجَهنَّ، ولا تِجِدُونَ أولئكَ خيارَكم". قوله: "لا تضربوا إماء الله ... " إلى آخره، (الإماءُ) هنا: الزوجات.

стр. 1697

"ذَئِرَ النساءُ"؛ أي: اجترَأْنَ ونشَزْنَ. قوله: "فأطافَ بآلِ محمدٍ نساءٌ كثيرٌ"؛ يعنىِ: اجتمعت نساءٌ كثيرٌ على باب النبيِّ ﷺ يَشتكينَ كثرةَ ضرب أزواجهنَّ. قوله: "ولا تجدونَ أولئكَ خيارَكم"؛ يعني: ليس مَن ضربَ زوجتَه خيرٌ ممن لا يضرب زوجتَه؛ بل الَّذي لا يضربُ زوجتَه خيرٌ من الَّذي يضربها. في هذا الحديث ثلاثةُ أشياءَ: أحدها: النهي عن ضرب النساء. والثاني: الإذن في ضربهنَّ. والثالث: بيان خيريَّة مَن لا يضربُ زوجتَه على مَن يضربُ زوجتَه. اعلمْ أنَّ ترتيبَ هذه الأشياء الثلاثة: أنَّه ﷺ نهى عن ضربهنَّ أولًا، فلما ذَئِرَ النساءُ، أَذنَ في ضربهنَّ؛ كيلا يَنشزْنَ [على] أزواجهنَّ، ولا يَغلبن عليهم، فبقي هذا الحُكمُ؛ أعني: أنَّ ضربَهنَّ جائزٌ إذا نشَزْنَ [على] أزواجهنَّ، أو تَركْنَ أوامرَ الله، أو فَعلْنَ شيئًا من المناهي. وتأويل قوله: (ولا تجدون أولئك خيارَكم) أنَّ الصبرَ معهنَّ والعفوَ عن سوء أدبهنَّ خيرٌ من ضربهنَّ، مع أنَّ ضربَهنَّ جائزٌ، وهذا في نشوزهنَّ؛ فإن النُّشوزَ معناه: تركُ حقٍّ الزوج، والزوجُ لو رضيَ بترك حقِّه يكون خيرًا، وإنما لا يجوز للزوج أن يَرضَى بتركِ المرأة شيئًا من أوامر الله تعالى أو فعلِـ[ـها] شيئًا من المناهي. * * * ٢٤٣٩ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ليس مِنا مَن خَبَّبَ امرأةً على زَوْجِها أو عبدًا على سيدِه" أي: أفسدَ. قوله: "مَن خبَّبَ امرأةً على زوجها"، (التخبيب): الإفساد، والمراد به

стр. 1698

ها هنا: أن يُوقعَ أحدٌ عداوةَ زوجِ امرأةٍ في قلبها، بأن يَذكرَ مساوئَه عندها، ويَحملَها على أن تُؤذيَه، وتطلبَ الطلاقَ منه، وفي العبد بأن يَذكرَ مساوئَ السيد عنده، ويَحملَه على أن يُقصِّرَ في الخدمة، وأن يَطلبَ بيعَه، أو يَحملَه على الفرار منه. * * * ٢٤٤٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مِن أَكْملِ المؤمنينَ إيمانًا أحسنْهم خُلُقًا، وألطَفُهم بأهلِهِ". ٢٤٤١ - وقال: "أَكْمَلُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخِيارُكم خيارُكم لنِسائهم"، صحيح. قوله: "من أكملِ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهم خُلقًا، وألطفُهم بأهله"؛ يعني: مَن كان خُلقُه أحسنَ يكون إيمانُه أكملَ. وهذا الحديث دليلُ مَن قال: الإيمانُ يزيد بالطاعة ويَنقص بالمعصية، وهو مذهبُ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ. رَوت هذا الحديثَ عائشةُ والذي بعدَه أيضًا. * * * ٢٤٤٢ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ مِن غزوةِ تبوكَ، أو حُنَينٍ؛ وفي سَهْوتِها سِتْرٌ فَهَبَّت ريحٌ فكشفَتْ ناحيةَ السَّترِ عن بناتٍ لعائشةَ - لُعَبٍ - فقال: "ما هذا يا عائشةُ؟ " قالت: بناتي، ورَأَى بَينهنَّ فَرَسًا له جناحانِ من رِقاعٍ، فقال "ما هذا الَّذي أَرَى وَسطَهنَّ؟ " قالت: فرسٌ، قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحانِ، قال: "فرسٌ لهُ جناحانِ! " قالتُ: أَما

стр. 1699

سمعتَ أنَّ لسليمانَ خيلًا لها أجنحةٌ، قالت: فضَحِكَ حتَّى رأيتُ نَواجِذَهُ. قولها: "وفي سَهْوَتِها (١) "؛ أي: وفي صُفَّة بيتِنا. * * * ١١ - باب الخُلعِ والطلاقِ (باب الخلع والطلاق) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٤٣ - عن ابن عَّباسٍ ﵄: أنَّ امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ أَتَت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! ثابتُ بن قيسٍ ما أَعتِبُ عليهِ في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكنْ أَكْرَهُ الكفرَ في الإِسلامِ، قال رسولُ الله ﷺ :"أتَرُدِّينَ عليهِ حديقَتَهُ؟ " قالت: نعم، قالَ رسولُ الله ﷺ : "اِقْبَلِ الحديقةَ، وطلِّقْها تطليقة". قوله: "ما أَعتب"؛ أي: ما أَغضب، "ولكن أَكرهُ الكفرَ في الإسلام" الكُفر ها هنا من كُفران النعمةِ، أو بمعنى العِصيان؛ يعني: ليس بيني وبينه ألفةٌ ومحبةٌ، وأكرهُه في القلب، وكراهيتي إياه مع إنعامه عليَّ بالنفقة غيرُ مَرضيٍّ لله تعالى، وما أريد أن يصدرَ مني في الإسلام شيءٌ يكون غيرَ مَرضيٍّ لله تعالى، فأُحبُّ أن يُطلِّقَني. قوله: "أتَردِّين عليه حديقتَه"؛ يعني: أتَعطين الحديقةَ التي أعطاكها في المَهر حتى يُطلِّقَك؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لزوجها: "اقبلْ الحديقةَ وطلِّقْها" على عِوض الحديقة.

стр. 1700

اعلمْ أنَّ الخُلْعَ مُعاوضةٌ يُشترَط فيه تراضي الزوجَين، ولا يجوزُ أن يُجبَرَ أحدُهما على الخُلْع، ويجوز الخُلْعُ فيما تَراضَى الزوجانِ من قليلِ المالِ وكثيرِه؛ فلو قال الزوجُ: طلَّقتُك على كذا دينارًا، أو على أن تُعطيني كذا، فقبلَتِ الزوجةُ؛ وَقَعَ الطلاقُ بائنًا بلا خلافٍ. أمَّا لو قال: خالَعتُك على كذا، فقالت: قبلتُ؛ حصلَتِ الفُرقةُ بينهما، واختُلِفَ في أنَّ هذه الفُرقةَ طلاقٌ أم فَسخٌ؟ فمذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأصحُّ قَولَي الشافعيُّ: أنَّه طلاقٌ بائنٌ، كما لو قال: طلَّقتُكِ، ومذهبُ أحمدَ وأحدُ قولَي الشافعيَّ: أنه فسخٌ. والفرقُ بين الطلاق والفَسخ: أنَّه لو لم يُطلِّقْها قبلَ ذلك، فلما اختَلعَها انقطعَ النكاحُ بينهما، فلما جَدَّدَ نكاحَها بعد ذلك تعود إلى نكاحها بثلاثِ تطليقات، فلو كان الخُلْعُ طلاقًا وَقعَ بالخُلْع طلقةٌ، فلما جَدَّدَ نكاحَها تعود إلى نكاحه بطلقتَين. * * * ٢٤٤٤ - عن عبد الله بن عُمرَ ﵄: "أَنَّه طلَّق امرأةً له وهي حائضٌ، فذكرَ عمرُ لرسولِ الله ﷺ ، فتغَيَّظَ فيهِ رسولُ الله ﷺ ثم قال: "لِيُراجِعْها، ثم ليُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثم تحيضَ فتَطهُرَ، فإِنْ بَدا لهُ أنَّ يُطلِّقَها فليُطلِّقْها طاهرًا قبلَ أنْ يَمَسَّها، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمرَ الله أنَّ تُطَلَّقَ لها النساءُ". وفي روايةٍ: "مُرْهُ فليُراجِعْها، ثم ليُطلِّقْها طاهِرًا أو حامِلًا". قوله: "إنه طلَّق امرأةً له وهي حائضٌ ... " إلى آخره. "فتغيَّظ"؛ أي: غضب، ووجه تغيُّظه: أنَّ الطلاقَ في الحَيض بدعةٌ؛ لأنَّ الطلاقَ في الحَيض يُطوِّل عِدَّةَ المرأة؛ لأنه تنقضي عِدَّتُها إذا دخلَتْ في الحَيضة الرابعة، فلو طلَّقَها في الطُهر، تنقضي عدتُها إذا دخلَتْ في الحَيضة الثالثة.

стр. 1701

قوله: "لِيُراجعْها"؛ يعني: لِيَقلْ: راجعتُها إلى نكاحي؛ لِيزولَ عنه إثمُ التطليق في حال الحَيض، ثم إذا راجعَها لِيُمسكْها حتَّى يمضيَ عليها بعدَ الرجعة طُهرانِ أو أكثرُ، ثم إن شاء طلَّقَها، وإنما يُشترَط أن يمضيَ عليها بعدَ الرَّجعة طُهرانِ؛ لأنه لو طلَّقَها في الطُهرِ الذي يأتي بعد الرَّجعة تكونُ رَجعتُها لأجل الطلاق، ولو لم يُطلِّقْها بعدَ الرَّجعةِ حتَّى يمضيَ عليها طُهرانِ لم تكنِ الرَّجعةُ لأجل الطلاق؛ لأنه لو كان لأجل الطلاق لَطلَّقَها في الطُهر الأول بعدَ الرَّجعة. قوله: "فإن بدا له"؛ يعني: فإن بدا له إرادةُ التطليق. قوله: "فليُطلِّقها طاهرًا قبل أن يَمسَّها"؛ أي: قبلَ أن يُجامعَها في الطُّهر الَّذي يُطلِّق فيه، وإنما اشتُرط أن يُطلِّقَها قبلَ أن يُجامعَها في ذلك الطُّهر؛ لأنَّ التطليقَ في طُهرٍ جامَعَها فيه بدعةٌ، لأنه يُورِث الندامةَ، لأنَّ الرجلَ ربما طلَّقَ على ظنٍّ أنَّ المرأةَ لم تكنْ حاملًا، فلما علمَ بعد الطلاق أنها حاملٌ ندمَ، وطلاقُ البدعة ليس إلا التطليق في الحَيض، أو في طُهر جامَعَها فيه. قوله: "فتلك العِدَّة التي أَمر الله أن يُطلَّقَ لها النساءُ"؛ أي: الطلاقُ في الطُّهر الذي لم يُجامِعْها فيه هو طلاقُ السُّنَّة، وتلك الحالةُ هي الحالةُ التي أَمر الله الرجالَ أن يُطلِّقوا النساءَ فيها. * * * ٢٤٤٥ - وقالت عائِشَةُ ﵂: خَيَّرَنا رسولُ الله ﷺ فاختَرْنا الله ورسولَه، فلم يُعَدَّ ذلكَ علينا شيئًا. قول عائشة: "خيَّرنا رسولُ الله ﷺ ، فاختَرْنا الله ورسولَه، فلم يُعَدَّ ذلك علينا شيئًا": سببُ تكلُّمِ عائشةَ بهذا الكلام: أنه قال أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب وزيدُ بن ثابت ﵄: إنَّ مَن قال لزوجته: اختاري نفسَك أو إياي، فقالت لزوجها: اخترتُك؛ أنه وقعَ طلاقٌ رَجعيٌّ، وبه قال مالكٌ.

стр. 1702

وقالت عائشة مع جماعةٍ من الصحابة: لم يقعِ الطلاقُ، فقالت عائشة: فإنَّ رسولَ الله ﷺ خيَّرَنا بين الطلاق وبين النبيِّ ﷺ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى آخر الآية، فاختَرْنا النبيَّ ﷺ ، فلم يُعَدَّ ذلك؛ أي: فلم يحكمْ علينا بطلاقٍ بأن قلْنا: اختَرْنا الله ورسولَه، ومذهبُ الشافعيَّ وأبي حنيفةَ كمذهب عائشةَ. وأمَّا لو قال الزوجُ لامرأته: اختاري نفسَك وإياي، فقالت: اختَرتُ نفسي؛ وقعَ به طلاقٌ رَجعيٌّ عند الشافعيِّ وأحمدَ، وطلاقٌ بائنٌ عند أبي حنيفةَ، وثلاثُ تطليقاتٍ عند مالكٍ. * * * ٢٤٤٦ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ في الحرامِ: يُكَفَّرُ، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ". قول ابن عباس في الحَرام: "يُكفَّر"؛ يعني: لو قال أحدٌ لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، أو: حرَّمتُك؛ فإن نَوَى به الطلاق فهو طلاقٌ، وإن نَوَى به الظِّهارَ فهو ظِهارٌ، وإن لم يَنوِ شيئًا، أو نَوَى تحريمَ ذاتها، لم يكنْ طلاقًا ولا ظِهارًا، ولا تَحرُم عليه، بل يجب عليه كفَّارةُ اليمين بمجرَّدِ هذا اللفظ. ولو قال لأَمَتِه هكذا، فإن نَوَى العتقَ عَتقَتْ، وإن لم يَنوِ شيئًا، أو نَوَى تحريمَ ذاتها، لم تَحرُمْ عليه، وتجبُ عليه كفَّارةُ اليمين، ولو قال لطعام: هذا عليَّ حرامٌ، أو: حرَّمتُه على نفسي، لم يَحرُمْ عليه، ولم يجبْ عليه شيءٌ، وهو مذهبُ الشافعيِّ، وقال أبو حنيفةَ: لفظُ التحريم يمينٌ، فإذا قال لامرأته أو جاريته: أنتِ عليَّ حرامٌ، أو: حرَّمتُك فهو كما لو قال: والله لا وطِئتها، فلو وَطِئها، لزمَه كفَّارةُ اليمين، ولو قال لطعام: هذا عليَّ حرامٌ، أو: حرَّمتُه عليَّ، فلو أكلَه، لزمَتْه كفَّارةُ اليمين، وقال أحمد: لفظُ الحَرام في المرأة ظِهارٌ، وقال

стр. 1703

عمر بن الخطاب ﵁: لفظُ الحَرام في المرأة يقع به طلاقٌ رجعيٌّ، وبه قال الزُّهريُّ، وقال مالك: يقع به ثلاثُ تطليقاتٍ. قوله تعالى: " ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ "، (الأسوة) بضم الهمزة وكسرها: المُتابعة؛ يعني: قال ابن عباس: تلفَّظ رسولُ الله ﷺ بلفظ الحَرام، فأَوجبَ الله عليه الكفَّارة، وعليكم متابعتُه. واختُلف في سبب تلفُّظ النبيَّ ﷺ بلفظ التحريم؛ قيل: كان له ﷺ جاريةٌ اسمُها: مارية، فوَطِئها، فاطَّلعتْ عليه حفصةُ، فغضبَتْ، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "لا تغضبي واسكتي؛ فإني حرَّمتُها عليَّ"، فنَزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١]. قال المُفسِّرون: وجبَتْ عليه بلفظ التحريم كفَّارةُ اليمين. وقيل: بل حرَّمَ عسلًا على نفسه، كما يأتي بعدَ هذا عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكث عند زينبَ ... إلى آخره. * * * ٢٤٤٧ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَمْكُثُ عندَ زينبَ بنْتِ جَحْشٍ، وشربَ عندَها عَسَلًا، فتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ: أنَّ أَيَّتَنا دخلَ عليها النبيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إني أَجِدُ منكَ ريحَ مَغافيرَ، أَكَلْتَ مَغافيرَ؟ فدخلَ على إحداهُما فقالَتْ لهُ ذلكَ، فقالَ: "لا بأسَ، شربتُ عسلًا عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ، فلَنْ أعودَ له، وقد حَلَفْتُ، لا تُخْبري بذلكَ أحدًا! " يبتغي مرضاةَ أزواجِهِ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. "فتواصيتُ أنا وحفصةُ"؛ أي: اشترطنا وقرَّرنا. قولها: "إني أجدُ منك ريحَ المَغَافيرِ"، (المَغَافير): جمع مُغْفُور، وهو شيءٌ يشبه الصَّمْغ، يكون على شجرٍ، وله حلاوةٌ، ولريحِهِ نَتَنٌ.

стр. 1704

وإنما قالت هذا الكلام لكي لا يدخلَ رسولُ الله ﷺ بيتَ زينبَ؛ لأنه ﷺ كان يحترزُ عن أكل شيء يكون له رائحةٌ كريهةٌ مُنكَرةٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا بأسَ! شربتُ عسلًا"، وجاء في رواية أخرى: أنها قالت: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، (العُرْفط): شجر المَغَافير؛ يعني: أكلتِ النحلةُ التي منها هذا العسل من شجر العُرْفُط، فلهذا يوجد منك ريحُ المَغَافيرِ بأن شربتَ ذلك العسل. قوله: "لا تُخبري بذلكَ أحدًا": إنما قال ذلك كي لا تعرفَ زوجاتُه وغيرُهنَّ: أنَّه أكل شيئًا له رائحةٌ كريهةٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٤٤٨ - عن ثوبانَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ فحرامٌ عليها رائحةُ الجنَّةِ". قوله: "أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ, فحرامٌ عليها رائحةُ الجنة"، (في غير ما بأس)؛ أي: من غير أن يكونَ في مضاجعتِها الزوجَ بها ضررٌ. هذا زجرٌ عن طلب المرأة الطلاقَ من غير ضرورة. * * * ٢٤٥٠ - وعن عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قال: "لا طلاقَ قبلَ نكاحٍ، ولا عَتاقَ إلَّا بعدَ مِلْكٍ، ولا وِصالَ في صيامٍ، ولا يُتْمَ بعدَ احتلامٍ، ولا رَضاعَ بعدَ فِطامٍ، ولا صَمْتَ يومٍ إلى الليلِ". قوله: "لا طلاقَ قبل نكاح": فلو قال رجلٌ لامرأة قبل أن يَنكحَها:

стр. 1705

طلَّقتُك، أو قال لها: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ولم يقل: إذا نكحتك فأنت طالق، ولم يقلْ أيضًا: إذا دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ بعد أن نكحتُك؛ لم يقعِ الطلاقُ باتفاقٍ. وكذا لو قال لعبد قبل أن يملكَه: أعتقتُك، أو قال: إن دخلتَ الدارَ فأنتَ حرٌّ، ولم يقلْ: بعد أن ملكتُك؛ لم يُعتقْ. ولو قال لامرأة: إذا نكحتُك فأنتِ طالقٌ، أو قال لعبد: إذا ملكتُك فأنتَ حرٌّ، ثم نكح تلك المرأة، وملك ذاك العبد؛ لم يقعِ الطلاقُ، ولم يُعتقِ العبدُ عند الشافعي. وكذلك لو قال: أي ما امرأةٍ أتزوجُها فهي طالقٌ، أو قال: أي عبدٍ أملكُه فهو حرٌّ، فهذا الكلام لغوٌ عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يقع الطلاقُ ويحصل العَتقُ إذا أضافَ حصولَ الطلاقِ بعدَ النكاحِ والعتقَ بعدَ المُلك، سواءٌ عيَّنَ امرأةً وعبدًا، أو لم يُعينْ بأن قال: أي ما امرأةٍ أتزوَّجُها فهي طالقٌ، أو: أي عبدٍ أملكُه فهو حرٌّ. وقال مالك: إنْ عيَّنَ امرأةً، أو امرأةً في بلدةٍ معينةٍ، أو عيَّنَ مدةً بأن قال: أي ما امرأةٍ أتزوَّجُها إلى شهرٍ أو إلى سنةٍ فهي طالقٌ؛ وقع الطلاقُ، وإن لم يُعينْ شيئًا من هذه الأشياء لم يقعِ الطلاقُ. وقال أحمد: إنْ علَّقَ الطلاقَ بشيءٍ من هذه الأشياء، [فـ]ـلن يجوزَ له تزوُّجُ تلك المرأة، فإن خالَفَ وتزوَّجَ لم نُفرِّقْ بينهما. قوله: "ولا يُتمَ بعد احتلام"؛ يعني: مَن بلغَ من الذكور والإناث زالَ حكمُ اليُتمِ عنه، وخرج عن كونه يتيمًا حتَّى لا يتصرفَ الوليُّ في ماله، ويجوزُ منه ما جاز من البالغين، ولا يجوزُ منه ما لا يجوزُ من البالغين، بل صار حكمُه

стр. 1706

مطلقًا حكمُ البالغين. قوله: "ولا صَمتَ يومٍ إلى الليل"؛ يعني: لا يجوز أن يسكتَ الرجلُ من أول اليوم إلى الليل؛ لأنَّ السكوتَ من كلامٍ لا إثمَ فيه ليس بقُربةٍ، والسكوتُ من كلامٍ فيه قُربةٌ لله تعالى، كتربيةِ أحدٍ خيرًا والوعظِ وإسكانِ الفتنة بين الناس وما أشبه ذلك، فلا وجهَ للسكوت من مثل هذه الأشياء، وإنما القُربةُ في السكوت من كلامٍ فيه إثمٌ، لا من جميع الكلام. * * * ٢٤٥١ - عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذرَ لابن آدمَ فيما لا يَملكُ، ولا عِتقَ فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ فيما لا يملكُ، ولا بيعَ فيما لا يملكُ". قوله: "لا نذرَ لابن آدم فيما لا يملكُ"؛ يعني: لو قال أحدٌ: لله تعالى عليَّ أن أُعتقَ هذا العبد؛ ولم يكنْ مالكًا لذلك العبد وقتَ النذر، لم يَصحَّ هذا النذرُ، حتى لو ملك ذلك العبدَ بعد ذلك، لم يُعتقْ عليه. * * * ٢٤٥٢ - عن رُكانَةَ بن عبدِ يزيدَ: أنَّه طَلَّقَ امرأتَه سُهَيْمَةَ البَتَّةَ، ثم أَتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنِّي طلقتُ امرأتي البتَّةَ، ووالله ما أردتُ إلا واحدةً، فقال رسولُ الله ﷺ : "والله ما أَردتَ إلا واحدةً؟ " فقال رُكانةُ: والله ما أردتُ إلا واحدةً، فردَّها إليه رسولُ الله ﷺ ، فطلَّقَها الثانيةَ في زمانِ عمرَ، والثالثةَ في زمانِ عثمانَ. قوله: "أنَّه طلق امرأته سُهَيمة البتَّة"، (سُهَيمة): اسم امرأته, (البتَّة):

стр. 1707

القطع، وطلاقُ البَتِّ أن يقول: طلَّقتُ امرأتي البتَّةَ، أو يقول: بَتَتُ طلاقَها، أو يقول لامرأته: أنتِ مَبتوتةٌ، ففي جميع ذلك يتعلَّق بنيَّته، ولا يقع أكثرُ ممَّا نوى؛ فإن نَوى عددًا وقع ذلك العددُ، وإن لم يَنوِ عددًا وقعـ[ـت] طَلْقةٌ واحدةٌ، ويكون الطلاقُ رجعيًا إن كان بعد الدخول وكان بغير عِوضٍ، هذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن نَوى ثلاثًا يكون ثلاثًا، وإن نوَى اثنين، أو لم يَنوِ شيئًا، أو نَوى واحدةً، وقع في هذه الصور الثلاث طَلْقةً بائنةً. وقال مالك: وقع الثلاثُ، سواءٌ نَوى واحدةً أو أكثرَ أو لم يَنوِ شيئًا. قوله ﷺ : "ما أردتَ إلا واحدة؟ " وهذا تحليفٌ منه ﷺ لرُكانَةَ؛ يعني: قلْ: والله لم يكنْ في نيَّتي إلا طَلْقةٌ واحدةٌ. قوله: "فردَّها عليه رسول الله"؛ يعني: أمرَه بالرجعة، بأن يقول: راجعتُها إلى نكاحي. * * * ٢٤٥٣ - وعن أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ وهَزْلُهن جِدٌّ: الطَّلاقُ، والنِّكَاحُ، والرَّجعةُ"، غريب. قوله: "ثلاثٌ جدُّهنَّ جدٌّ ... " إلى آخره، الحكمُ كما هو في هذا الحديثِ بالاتفاقِ، حتى لو نكحَ أو طلَّقَ أو أعتقَ وقال: كنتُ لاعبًا أو هازلًا، لم يَنفعْه هذا اللفظُ، بل لزمَه النكاحُ والطلاقُ والعتاقُ، وكذلك البيعُ والهِبةُ وجميعُ التصرفات؛ وإنما خصَّ هذه الثلاثةَ بالذكر؛ لأنَّ هذه الثلاثةَ أمرُها أعظمُ وآكدُ. * * *

стр. 1708

٢٤٥٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوهِ والمغلوبِ على عقلِه"، غريب. قوله: "كلُّ طلاقٍ جائزٌ؛ إلا طلاقَ المَعتوهِ والمغلوبِ على عقلِهِ"، (المَعتوه): ناقص العقل، و (المغلوب على عقله): عامٌّ بين السَّكران، والمجنون، والنائم، والمريض الذي زال عقلُه بالمرض، والمُغْمَى عليه؛ يعني: كلُّ مَن طلَّقَ وقع طلاقُه إلا هؤلاء، وكذلك الصبي. * * * ٢٤٥٧ - وعن عائشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "طلاقُ الأَمَةِ تطليقتانِ، وعِدَّتُها حيضتانِ". قوله: "طلاقُ الأَمَة تطليقتان، وعِدَّتها حَيضتان"، وبهذا الحديث قال أبو حنيفة: الطلاقُ يتعلق بالمرأة؛ فإن كانت أَمَةً يكون طلاقُها اثنين، سواءٌ كان زوجُها حرًّا أو عبدًا، وإن كانت المرأةُ حرَّةً يكون طلاقُها ثلاثًا، سواءٌ كان زوجُها حرًّا أو عبدًا. وقال الشافعي ومالك وأحمد: الطلاقُ يتعلَّق بالرجل؛ فطلاقُ العبد اثنان، وطلاقُ الحرِّ ثلاثٌ، ولا نظرَ إلى الزوجة. وعِدَّة الأَمَة على نصف عِدَّة الحرَّة فيما له نصفٌ؛ فعدَّة الحرَّة ثلاثُ حِيَضٍ، وعدَّةُ الأَمَة حَيضتانِ؛ لأنه لا نصفَ للحَيض، وإن كانت تعتدُّ بالأشهر، فعدَّةُ الأَمَة شهرٌ ونصفٌ، وعدَّةُ الحرَّة ثلاثةُ أشهرٍ. * * *

стр. 1709

١٢ - باب المُطلَّقَةِ ثلاثًا (باب المطلقة ثلاثًا) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٥٨ - عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: جاءتْ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظيِّ إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: إنِّي كنتُ عندَ رِفاعةَ فطلَّقَني فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ بعدَهُ عبدَ الرحمنِ بن الزبيرِ، وما مَعه إلا مثلُ هُدْبَةِ الثَّوبِ فقال: "أَتُريدينَ أنْ ترجِعي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيلتَكِ". قوله: "جاءت امرأةُ رِفاعةَ القُرَظي إلى رسول الله ﷺ ... " إلى آخره، المراد بهذا الحديث: أنَّ الحرَّ إذا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، أو طلَّق العبدُ تطليقتين، [فـ]ـلا يجوز له أن يتزوَّجَ تلك المرأةَ إلا بعد أن تنقضيَ العِدَّة منه، وتتزوجَ المرأةُ بزوجٍ آخرَ، ويُجامعَها، وأقلُّه تغييبُ الحَشَفة، ثم يُطلِّقها الزوجُ الثاني، وتعتدَّ منه، فحينئذٍ يحلُّ للزوج الأول أن يَنكحَها. قولها: "وما معه إلا مثلُ هدبة الثوب"، (الهُدَب والهُدبة): طُرَّة الثوب؛ يعني: لا يقدر الزوجُ الثاني على الجِماع؛ لعدم نُهوض ذَكَره. قوله: "حتى تذوقي عُسَيلتَهُ ويذوقَ عُسَيلتَكِ"، (العُسَيلة): تصغير العَسَل، والعَسَل مؤنثٌ سماعي، والمؤنثُ [الـ]ـسماعيُّ إذا صُغِّرت تلحقها التاءُ، والمراد بالعُسَيلة: التلذُّذ؛ يعني: حتَّى تجدي منه لذةً، ويجد منك لذةً بتغييب الحَشَفة، ولا يُشترَط إنزالُ المنيِّ. * * *

стр. 1710

مِنَ الحِسَان: ٢٤٥٩ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁ قال: لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المُحلِّلَ والمُحَلَّلَ له. قوله: "لعنَ رسولُ الله المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له"، (المحلِّل) بكسر اللام الأولى: الزوج الثاني للمُطلَّقة ثلاثًا، والمُحلَّل له: الزوج الأول. فإن شرطَ في وقت العقد التحليل بأنْ قال الوليُّ للزوج الثاني: إني أُزوِّجُك ابنتي، أو: زوَّجتُك ابنتي أو أختي على أنك إذا وطِئتَها أو حللَّتَها، [فـ]ـلا نكاحَ بينها وبينك، أو: زوَّجتُكها؛ لتُحلَّلَها للزوج الأول، فإذا شُرِطَ هذا الشرطُ مقترنًا بالعقد، فالنكاحُ باطلٌ بالاتفاق. وهذا الحديثُ مُتوجِّهٌ لمن فعلَ نكاحًا على هذه الصورة، وإن شُرِطَ هذا الشرطُ قبل العقد، ولم يُشترَطْ مقترنًا بالعقد، بل عُقِدَ النكاحَ مع الزوج الثاني بأنْ قال الوليُّ: زوَّجتُك ابنتي أو أختي بكذا دينارًا، فقال الزوج: قبلتُ نكاحَها؛ صحَّ هذا النكاحُ، ويجوز للزوج الأول أن يَنكحَ هذه المرأةَ بعد أن يُطلِّقَها الزوجُ الثاني وتنقضيَ عدَّتُها منه، إلا أنَّه مكروهٌ، هذا عند الشافعي وأبي حنيفة، وأمَّا عند مالكٍ وأحمدَ فلا يجوز. * * * ٢٤٦٠ - قال سليمانُ بن يسارٍ: أدركتُ بِضْعَةَ عَشَرَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ كلُّهم يقولُ: يوقَفُ المُولي. قوله: "كلُّهم يقول: يُوقَف المُؤلِي"، (المُؤلِي): الَّذي حلفَ أن لا يطأَ امرأتَه مدةً؛ فإن كان تلك المدةُ أربعةَ أشهرٍ فما دونها، فهو حالفٌ وليس بِمُؤلٍ؛ أعني: لو وطِئ قبلَ مضيِّ مدة الحلف، تجبُ عليه كفارةُ اليمين، وإن لم يطأها

стр. 1711

حتى تنقضيَ مدةُ الحلف، [فـ]ـلا كفَّارةَ عليه؛ لأنه وفَى بيمينه، وليس للمرأة مطالبتُه بشيءٍ. فأمَّا إذا حلفَ أن لا يطأَها مدةً هي أكثرُ من أربعة أشهر، أو حلفَ أن لا يطأَها أبدًا، فحكمُه أن يُمهَل ذاك الرجلُ أربعةَ أشهرٍ؛ فإن وطِئ، تجب عليه كفَّارةُ اليمين، وإن لم يطأْها حتى تمضيَ أربعةُ أشهرٍ، يُوقَفْ، ويُطالَبْ بالوطء أو بالطلاق، هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: إذا مضت أربعةُ أشهرٍ وقعَ عليها طَلْقةٌ بائنةٌ من غير أن يُطلِّقَها الزوجُ، ومن غير أن يُطالَبَ بالوطء. * * * ٢٤٦١ - وعن أبي سَلَمَة: أنَّ سلمانَ بن صَخْرٍ - ويقالُ له: سلمةُ بن صَخْرٍ - البياضيَّ جعلَ امرأتَه عليهِ كظَهْرِ أُمِّه حتَّى يمضيَ رمضانُ، فلمَّا مَضَى نصفٌ من رمضانَ وقعَ عليها ليلًا، فأتَى رسولَ الله ﷺ فذكرَ ذلك لهُ، فقالَ لهُ رسول الله ﷺ : "أعْتِقْ رقبةً"، فقال: لا أجِدُها، قال: فَصُمْ شهرينِ متتابعَيْنِ، قال: لا أستطيعُ، قال: "أَطعِمْ ستينَ مسكينًا" قال: لا أَجِدُ، فقالَ رسول الله ﷺ لعروةَ بن عمروٍ: "أَعطِهِ ذلكَ العَرَقَ - وهو مِكْتَلٌ يأخذُ خَمسةَ عشرَ صاعًا، أو ستةَ عشرَ - ليُطعِمَ ستينَ مِسكينًا". ويُروَى: "فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بينَ ستينَ مسكينًا". قوله: "جعلَ امرأتَهُ عليه كظهرِ أمِّه حتَّى يمضيَ رمضانُ، فلمَّا مضى نصفٌ من رمضانَ، وقعَ عليها ليلًا": هذا ظِهارٌ مؤقتٌ، والظِّهارُ المُؤقتُ أن يقولَ الرجلُ لامرأته: أنتِ عليَّ كظَهر أُمِّي شهرًا أو مدةً معينةً، فلا يجب عليه الكفارةُ إلا بالوطء قبل مضيَّ تلك المدة، فإن لم يَطأْها حتَّى تمضيَ تلك المدةُ، فلا كفَّارةَ عليه، والمرأةُ حَرامٌ عليه حتَّى تمضيَ تلك المدةُ، فلو وطِئ في أثناء

стр. 1712

تلك المدة، كفَّرَ بما قدرَ عليه من الكفَّارات المذكورة في هذا الحديث، وحلَّتْ له امرأتُه. والظِّهارُ المُطلَق: أن يقول: أنتِ عليَّ كظَهر أمِّي؛ ولم يبينْ مدةً، فها هنا تجب عليه الكفَّارةُ بالعَود، والعَود عند الشافعي: هو أن يُمسكَ امرأتَه بعد الظَّهار زمانًا يمكنه أن يُطلِّقَها فيه، ولم يطلِّقها، فإذا مضى بعد الظِّهار هذا القَدْرُ، ولم يُطلِّقْها، حرُمَت عليه حتَّى يُكفِّرَ. وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: العَود: هو العزمُ على الوطء, فإذا عزم بعد الظِّهار على الوطء، وجبت عليه الكفَّارةُ، وحرُمَت عليه حتَّى يَكفِّرَ. والكفَّارةُ: أن يُعتقَ رقبةً مؤمنةً سليمةً من العيوب المُضرَّة بالعمل، قال الشافعي ومالك وأحمد: يُشترَط أن تكونَ الرقبةُ مؤمنةً، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكونَ كافرةً، فإن لم يَجدِ الرقبةَ، فَلْيَصمْ شهرَين متتابعَين، فإن لم يستطعْ، فَلْيُطعمْ ستين مسكينًا كلَّ مسكينٍ مُدًّا عند الشافعي ومالك وأحمد، وستين صاعًا عند أبي حنيفة. قوله: "مِكْتل"؛ أي: زَنْبيل. * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٦٣ - عن معاويةَ بن الحَكَمِ ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ الله! إنَّ جاريةً لي كانتْ تَرعى غنمًا لي، ففَقَدْتُ شاةً مِنَ الغنمِ فسألتُها، فقالت: أكلَها الذئبُ، فأسِفتُ عليها، وكنتُ مِن بني آدمَ فلطمتُ وجهَها، وعليَّ رَقَبةٌ، أَفَأُعتِقُها؟ فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : "أينَ الله؟ " فقالت: في السَّماءِ، قال: "مَنْ أنا؟ " قالت: أنتَ رسولُ الله، قال: "أَعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ".

стр. 1713

قوله: "فأَسِفتُ"؛ أي: فحزنتُ. قوله: "وعليَّ رقبةٌ"؛ يعني: علمتُ أنَّ ضربي إياها إثمٌ؛ لأنه كان بلا ذنبٍ منها، فأريد أن أُعتقَها؛ ليزولَ عني ذلك الإثمُ، وكان قد وجبت عليَّ قبل هذا إعتاقُ رقبةِ عن كفَّارةٍ، أفيجوز أن أُعتقَ هذه الجاريةَ عن تلك الكفَّارة؟ فسألها رسولُ الله ﷺ : هل هي مؤمنةٌ أم لا؟ فلمَّا علم أنها مؤمنةٌ، أجازَ إعتاقَها. قوله ﷺ : "أين الله؟ ": ليس هذا الكلامُ منه ﷺ لتعريف مكان الله؛ فإنَّ الله مُنزَّهٌ عن المكان، بل ليَعرفَ أنَّ الجاريةَ من الذين يتخذون الأصنامَ آلهةً أم من المؤمنين؟ فإن كانت من المشركين يتبينُ كفرُها بأن تشيرَ إلى صنمِ بلدٍ أو قومٍ، فلما أشارت إلى السماء، علم أنها ليست من الذين يتخذون الأصنامَ آلهةً. فإن قيل: ينبغي أن ينهاها رسولُ الله ﷺ عن الإشارة إلى السماء؛ لأنه ليس له مكانٌ. قلنا: إنما لم يَنهَها رسول الله ﷺ عن الإشارة إلى السماء؛ لأنه ﷺ علم أنَّ مُرادَها بالإشارة إلى السماء نسبةُ الله إلى العلو، لا إثباتُ مكان الله تعالى. * * * ١٣ - باب اللِّعَانِ (باب اللعان) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٦٤ - عن سهلِ بن سَعْدٍ السَّاعديِّ قال: إنَّ عُوَيْمرًا العَجْلانيِّ قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ رجلًا وَجَدَ معَ امرأتِه رجلًا أَيقتُلُه فتقتلُونَه، أَمْ كيفَ يفعلُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أُنزِلَ فيكَ وفي صاحبتِكَ فاذَهبْ فأتِ بها"، قال

стр. 1714

سهلٌ: فَتلاعَنَا في المسجدِ وأنا مَعَ الناسِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فلما فَرَغا قال عُوَيمرٌ: كذبتُ عليها يا رسولَ الله إِنْ أَمسكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا، ثم قالَ رسولُ الله ﷺ : "انظُرُوا! فإنْ جاءَتْ بهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ العَيْنينِ، عظيمَ الأَليتينِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فلا أحسِبُ عُوَيمِرًا إلا قد صَدَقَ عليها، وإنْ جاءَتْ بهِ أُحَيمِرَ كأنه وَحَرَةٌ، فلا أَحسِب عُوَيمرًا ألا قد كذبَ عليها"، فجاءَت بهِ على النَّعتِ الذي نعتَ رسولُ الله ﷺ مِن تصديق عُوَيمرٍ، فكانَ بعدُ يُنسَبُ إلى أمِّه. قوله ﷺ : "قد أُنزل فيك وفي صاحبتك"؛ يعني: أَنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] إلى آخر الآيات، معنى (يَرمون): يقذفون بالزِّنا؛ يعني: مَن قال لامرأته: زَنيتِ، أو: أنتِ زانيةٌ؛ وجبَ عليه جلدُ ثمانين سَوطًا، إلا أن يأتِيَ بأربعةِ رجالٍ عُدولٍ يشهدون أنهم رأَوا تغييبَ حَشَفة الزاني في فَرج الزانية، فإن لم يكن شهودٌ بهذه الصفة، فله أن يَدفعَ الحدَّ عن نفسه باللِّعان، واللِّعانُ أن يقولَ أربعَ مراتٍ: أشهدُ بالله أني لَمِنَ الصادقين فيما رميتُها به من الزِّنا، وإن كان قد نفى ولدًا يجب عليه في كلِّ مرةٍ أن يقولَ بعد هذا: وأنَّ هذا الولدَ من الزِّنا ليس مني، ويقول بعد المرة الرابعة: عليَّ لعنةُ الله إن كنتُ من الكاذبين. فحينَئذٍ بانَتْ منه، وحرُمتْ عليه على التأبيد، وانتفى عنه الولدُ، وسقط عنه حدُّ القَذْف، ووجب على المرأة حدُّ الزِّنا. فإن أرادت أن تدفعَ عن نفسها الحدَّ، فطريقُها أن تُلاعنَ بعد لِعان الزوج؛ بأن تقولَ أربعَ مراتِ: أشهدُ بالله أنه لَمِنَ الكاذبين فيما رماني به من الزِّنا، وتقول بعد الرابعة: وعليَّ غضبُ الله إن كان من الصادقين. ولا فائدةَ للِعانها إلا إسقاطُ حدِّ الزِّنا عنها. هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا حدَّ على الزوج،

стр. 1715

بل يتعيَّنُ عليه اللِّعان. واختلفوا في وقت وقوع الفُرقةِ بين الزوجين؛ فقال مالك وأحمد: إذا تلاعَنَ الزوجانِ كلاهما، وقعت الفُرقةُ بينهما، وقال الشافعي: وقعت الفُرقةُ بينهما بمجرد لِعان الزوج، وقال أبو حنيفة: إنما تقع الفُرقةُ بتفريق الإمام بينهما بعد تلاعُنِهما. واتفقوا في أنَّ الفُرقةَ بينهما مُؤبَّدةٌ؛ لا يجوز للزوج أن يَنكحَها أبدًا إذا لم يُكذِّبِ الزوجُ نفسَه بعد اللعان، فلو كذَّبَ الزوجُ نفسَه بعد اللَّعان، جاز للزوج أن يَنكحَها عند أبي حنيفةَ وحدَه. ويجوز اللِّعان بين كلِّ زوجين عند الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز اللِّعانُ إذا كان الزوجانِ رقيقَين أو ذِمِّيَّين، أو كان أحدُهما رقيقًا أو ذِمِّيًّا أو محدودًا في القَذْف. قوله: "كذبتُ عليها إن أمسكتُها، وطلَّقها ثلاثًا"؛ يعني: إن أمسكتُها في نكاحي، ولم أُطلِّقْها فقد كذبتُ فيما قلتُ من قذفِها، فطلَّقَها ثلاثًا. قال مُحيي السُّنَّة: لا حاجةَ إلى تطليقه؛ لأنَّ الفُرقةَ قد وقعت بينهما باللِّعان، إلا أنَّ الرجلَ كان جاهلًا بوقوع الفُرقة باللِّعان، فلهذا طلَّقَ. وقال عثمانُ البَتِّيُّ: لا تقع الفُرقةُ بينهما باللِّعان، بل يحتاج إلى التطليق. قوله ﷺ : "فإن جاءت به أَسحمَ، أدْعَجَ العينين، عظيمَ الأَلْيَتَين، خَدلَّجَ الساقَين"، (الأسحم): الأسود، (أدعَج العينين)؛ أي: أسود العينين، (خَدَلَّج الساقين)؛ أي: غليظ الساقين، والضمير في (به) يعود إلى الحَمْل، وكان الرجلُ الذي نُسِبَ الزِّنا إليه بهذه الصفات، فقال رسول الله ﷺ : لو كان الولدُ بهذه الصفات، عُلِمَ أنه من ذاك الزاني. قوله: "وإن جاءت به أُحَيمر كأنه وَحَرَة"، (أُحَيمر): تصغير أحمر، (الوَحَرَة)

стр. 1716

بفتح الراء والحاء المهملة: دُوَيبةٌ حمراءُ تَلزَق على الأرض، كان عُويمر - الذي هو زوجُ هذه المرأة - أحمرَ، فقال رسولُ الله ﷺ : لو كان الولدُ أحمرَ، فإنه ليس من الرجل الذي نُسِبَ إليه الزِّنا، بل هو من عُويمرٍ. * * * ٢٤٦٦ - وعن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال للمُتلاعِنَيْنِ: "حِسابُكما على الله، أحدُكما كاذِبٌ لا سبيلَ لكَ عليها"، قال: يا رسولَ الله! مالي؟ قال: "لا مالَ لَكَ، إنْ كنتَ صدَقتَ عليها فهو لها بما استحْلَلتَ مِن فرجِها، وإنْ كنتَ كذبتَ عليها فذاكَ أبعدُ وأبعدُ لكَ منها". قوله: "لا سبيلَ لك"؛ يعني: لا يجوز لك أن تكونَ معها، بل حُرَّمتْ عليك أبدًا. قوله: "مالي؟ "؛ يعني: إذا حصلت الفُرقة، فأين ذهب ما أعطيتُها من المَهر؟ فأجابه رسولُ الله ﷺ بأنَّ المَهرَ في مقابلة وَطئِك إياها. قوله: "وإن كنتَ كذبتَ عليها، فذاك أبعد"؛ يعني: وإن كذبتَ في أنها زَنَتْ، فأيضًا مَهرُك في مقابلة وَطئك إياها، كما أنك لو صدقتَ في أنها زَنَتْ، بل عَودُ المَهر إليك فيما إذا كذبتَ عليها أبعدُ؛ لأنه إذا لم يَعُدِ المَهرُ إليك مع أنك لم تكذبْ، فلأنْ لا يعودَ إليك مع أنك كذبتَ أَولى. * * * ٢٤٦٧ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ هِلالَ بن أُميَّةَ قذفَ امرأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بن سَحْماءَ، فقال النبيُّ ﷺ : "البَينَةُ أو حدٌّ في ظهرِكَ"، فقال هلالٌ: والذي بعثَكَ بالحقِّ إني لَصادِقٌ فليُنزِلَنَّ الله ما يُبرِّئ ظهري من الحدِّ، فنزلَ جبريلُ ﵇ وأنزلَ عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ - فقرأ حتَّى بلغ - ﴿إِنْ كَانَ

стр. 1717

مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فجاءَ هلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يقولُ: "إنَّ الله يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ "، ثم قامَتْ فشهِدَتْ، فلما كانَت عندَ الخامسةِ وَقَفوها وقالوا: إنَّها مُوجِبةٌ! قال ابن عبَّاسٍ ﵄: فتَلَكَّأَتْ ونكصَتْ حتَّى ظَنَنا أنها تَرجِعُ، ثم قالت: لا أَفْضَحُ قَومي سائرَ اليومِ، فمَضَتْ، وقال النبيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوها! فإنْ جاءَت به أَكَحَلَ العينينِ، سابغَ الأَليتينِ، خَدَلَّجَ السَّاقينِ فهو لشريكِ بن سَحْماءَ"، فجاءَت به كذلكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لولا ما مَضَى مِن كتابِ الله لكانَ لي ولها شأنٌ". قوله: "قذف امرأتَه عند النبيِّ ﷺ بشَريك"؛ يعني: قال: إنَّ شَريكًا وَطِئها بالزِّنا. قوله: "البينةَ أو حدًّا"؛ يعني: أَقِمْ أربعةَ شهودٍ بأنها زَنَتْ، أو انقَدْ لحدِّ القَذْف، وقولنا: (انقَدْ): أمرُ مُخاطَب، من (انقادَ): إذا استَسلَمَ وأطاعَ. قوله: "فتلَكَّأت"؛ أي: توقَّفت. "ونَكصَت"؛ أي: انقلَبَت، ورجعت على عقبَيها؛ يعني: سكنَتْ بعد الكلمة الرابعة حتى ظننَّا أنها ندمَتْ على اللِّعان. قولها: "لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم"؛ يعني: فقالت: لا أفضحُ قومي في جميع الدهر، بأن أرجعَ عن اللِّعان، وأُثبتَ على نفسي الزِّنا. "فمضَتْ"؛ أي: أتَمَّت اللِّعانَ بأن قالت الكلمةَ الخامسةَ. قوله: "لولا ما مضى من كتابِ الله لَكانَ لي ولها شأنٌ"، (شأن): اسمُ (كان)، و (لي) خبرُها، و (الشأن): الأمر؛ يعني: لولا أنَّ القرآنَ حكمَ بأنه لمَّا تلاعَنَ الزوجانِ، لم يكنْ عليهما حدٌّ ولا تعزيرٌ، وإلا لأَقمتُ عليها حدَّ الزِّنا؛ لأنَّ الولدَ يُشبهُ الزاني.

стр. 1718

وهذا دليلٌ على أنَّ القاضي إذا حكمَ بظاهر الشَّرع، لا يجوز التجسسُ عن الباطن، وإن كان هناك قرينةٌ تدلُّ على كذب المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه. * * * ٢٤٦٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال سعدُ بن عُبادةَ: لو وَجدتُ معَ أهلي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حتَّى آتيَ باربعةِ شهداءَ!؟ قال رسولُ الله ﷺ : "نعم"، قال: كلا والذي بعثَكَ بالحقِّ، دمانْ كُنْتُ لأُعَاجِلُه بالسَّيفِ قبلَ ذلكَ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "اسمَعُوا إلى ما يقولُ سَيدُكم، إنه لَغَيُورٌ وأنا أَغْيَرُ مِنه، والله أَغْيَرُ منِّي". قوله: "لم أمسَّه"؛ أي: لم أضربْه، ولم أقتلْه، حرفُ الاستفهام هنا مقدرةٌ، تقديره: ألم أمسَّه؟ قوله: "والله أغيرُ مني"، (الغَيرة): أن يَكرهَ ويَغضبَ الرجلُ الشَّركة في حقِّه؛ يعني: يَكرهُ ويَغضبُ أن يَتصرَّفَ غيرُه في مُلكِهِ، هذا هو الأصل، والمشهور عند الناس: أن يَغضبَ الرجلُ على مَن فعلَ بامرأته أو بقريب له فاحشة، أو نظر إليها، وفي حقِّ الله تعالى: أن يَغضبَ على مَن فعل مَنهيًّا. * * * ٢٤٦٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا أحدَ أَغْيَرُ مِن الله، فلذلكَ حرَّمَ الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ مِن الله، فلذلكَ مَدَحَ نفسَه". وفي روايةٍ: "ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المِدْحَةُ مِن الله ، ومِن أجلِ ذلكَ وعدَ الله الجَنَّةَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذرُ مِن الله تعالى، من أجلِ ذلكَ بعثَ المُنذِرينَ والمُبَشِّرين".

стр. 1719

قوله: "ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدحة"، (المِدْحة) بكسر الميم: بمعنى المَدح. اعلمْ أنَّ الحبَّ فينا والغضبَ والفرحَ والحزنَ وما أشبه ذلك: عبارةٌ عن تغيُّر القلب وغليانه، ويزيد [قدر] واحدٍ منَّا بأن يمدحَه أحدٌ، وربما ينقصُ قدرُه بترك المدح، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن صفات المخلوقات؛ بل الحُبَّ فيه معناه: الرِّضا بالشيء وإيصالُ الرحمة والخير إلى مَن أحبَّه، والغضبُ فيه؛ إيصالُ العذاب إلى مَن غضبَ عليه؛ يعني: مَن مدحَه أوصلَ إليه الرحمةَ والخيرَ. قوله: "وكذلك وعدَ الله الجنةَ"؛ يعني: وعدَ الله الجنةَ لمن مدحَه وأطاعَه؛ ليَمدحَه العبادُ ويطيعوه. قوله: "فمن أجل ذلك بعثَ المُنذرِين والمُبشِّرِين"؛ يعني: بعثَ الله النبيين ليُبشِّرَ المُطِيعين وليُخوَّفَ العاصين؛ ليعتذروا ويتوبوا عن معاصيهم، ليَقبَلَ عذرَهم وتوبتَهم. رَوى هذا الحديثَ ابن مسعود. * * * ٢٤٧٠ - وقال: "إنَّ الله تعالى يَغارُ، وإنَّ المُؤمِنَ يَغارُ، وغَيْرَةُ الله: أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ الله". قوله: "إن الله تعالى يَغارُ"؛ أي: يغضب على مَن فعلَ فاحشةً. رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٤٧٢ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ أعرابيًّا أَتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ

стр. 1720

امرأَتي ولدَتْ غلامًا أسودَ، واني أَنكَرْتُه؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "هل لكَ مِن إبلٍ؟ " قال: نعم، قال: "فما أَلوانُها؟ " قال: حُمْرٌ، قال: "هل فيها مِن أَوْرَقَ؟ " قال: إنَّ فيها لَوُرْقًا، قال: "فأنَّى تَرَى ذلكَ جاءَها؟ " قال: عِرْقٌ نزَعَها، قال: "ولعلَّ هذا عِرْقٌ نَزَعَه"، ولم يُرَخِّصْ له في الانتفاءِ منه". قوله: "إن فيها لوُرقًا"، (الوُرْق): جمع أورق، وهو من الإبل: ما فيه بياضٌ وسوادٌ. قوله: "فأنَّى ترى ذلك جاءها؟ "؛ يعني: إذا كانت ألوانُ إبلك الحُمرةَ، فمِن أين تَرى حصلت هذه الإبلُ الوُرْقُ؟ (ذلك) إشارةٌ إلى الأورق. قوله: "عرقٌ نزعَها": الضمير في (نزعَها) يعود إلى (الوُرْق). يعني: فكما أنَّ هذا عرقٌ نزعَها، فلونُ ولدِك أيضًا عرقٌ نزعَه، وهذا دليلٌ على عدم جواز اللِّعان بمجرد مخالفةِ لونِ الولدِ لونَ أبيه وأمِّه، أو بمخالفة صورتهما. * * * ٢٤٧٣ - وعن عائشة ﵂: أنها قالت: كَانَ عُتبةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخيهِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ: أنَّ ابن وَلِيدةِ زَمْعةَ مِنِّي فاقبضْهُ إليكَ، فلمَّا كانَ عامُ الفتح أَخَذَه سعدٌ فقال: إنه ابن أخي، وقالَ عبدُ بن زَمْعْةَ: أخي، فَتَساوَقا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله! إنَّ أخي كانَ عَهِدَ إليَّ فيه، وقال عبدُ بن زَمْعَةَ: أخي، وابن وَلِيدةِ أبي، وُلِدَ على فراشِهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هُوَ لكَ يا عبدَ بن زَمْعَةَ، الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ"، ثم قالَ لِسَودةَ بنتِ زَمْعة: احتجِبي منه، لِما رَأَى مِن شَبَهِهِ بعُتبةَ، فما رآها حتى لَقيَ الله. ويُروى: "هو أخوكَ يا عبدُ".
следующие страницы →