← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

بفتح الراء والحاء المهملة: دُوَيبةٌ حمراءُ تَلزَق على الأرض، كان عُويمر - الذي هو زوجُ هذه المرأة - أحمرَ، فقال رسولُ الله ﷺ : لو كان الولدُ أحمرَ، فإنه ليس من الرجل الذي نُسِبَ إليه الزِّنا، بل هو من عُويمرٍ. * * * ٢٤٦٦ - وعن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال للمُتلاعِنَيْنِ: "حِسابُكما على الله، أحدُكما كاذِبٌ لا سبيلَ لكَ عليها"، قال: يا رسولَ الله! مالي؟ قال: "لا مالَ لَكَ، إنْ كنتَ صدَقتَ عليها فهو لها بما استحْلَلتَ مِن فرجِها، وإنْ كنتَ كذبتَ عليها فذاكَ أبعدُ وأبعدُ لكَ منها". قوله: "لا سبيلَ لك"؛ يعني: لا يجوز لك أن تكونَ معها، بل حُرَّمتْ عليك أبدًا. قوله: "مالي؟ "؛ يعني: إذا حصلت الفُرقة، فأين ذهب ما أعطيتُها من المَهر؟ فأجابه رسولُ الله ﷺ بأنَّ المَهرَ في مقابلة وَطئِك إياها. قوله: "وإن كنتَ كذبتَ عليها، فذاك أبعد"؛ يعني: وإن كذبتَ في أنها زَنَتْ، فأيضًا مَهرُك في مقابلة وَطئك إياها، كما أنك لو صدقتَ في أنها زَنَتْ، بل عَودُ المَهر إليك فيما إذا كذبتَ عليها أبعدُ؛ لأنه إذا لم يَعُدِ المَهرُ إليك مع أنك لم تكذبْ، فلأنْ لا يعودَ إليك مع أنك كذبتَ أَولى. * * * ٢٤٦٧ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ هِلالَ بن أُميَّةَ قذفَ امرأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بن سَحْماءَ، فقال النبيُّ ﷺ : "البَينَةُ أو حدٌّ في ظهرِكَ"، فقال هلالٌ: والذي بعثَكَ بالحقِّ إني لَصادِقٌ فليُنزِلَنَّ الله ما يُبرِّئ ظهري من الحدِّ، فنزلَ جبريلُ ﵇ وأنزلَ عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ - فقرأ حتَّى بلغ - ﴿إِنْ كَانَ

стр. 1717

مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فجاءَ هلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يقولُ: "إنَّ الله يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ "، ثم قامَتْ فشهِدَتْ، فلما كانَت عندَ الخامسةِ وَقَفوها وقالوا: إنَّها مُوجِبةٌ! قال ابن عبَّاسٍ ﵄: فتَلَكَّأَتْ ونكصَتْ حتَّى ظَنَنا أنها تَرجِعُ، ثم قالت: لا أَفْضَحُ قَومي سائرَ اليومِ، فمَضَتْ، وقال النبيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوها! فإنْ جاءَت به أَكَحَلَ العينينِ، سابغَ الأَليتينِ، خَدَلَّجَ السَّاقينِ فهو لشريكِ بن سَحْماءَ"، فجاءَت به كذلكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لولا ما مَضَى مِن كتابِ الله لكانَ لي ولها شأنٌ". قوله: "قذف امرأتَه عند النبيِّ ﷺ بشَريك"؛ يعني: قال: إنَّ شَريكًا وَطِئها بالزِّنا. قوله: "البينةَ أو حدًّا"؛ يعني: أَقِمْ أربعةَ شهودٍ بأنها زَنَتْ، أو انقَدْ لحدِّ القَذْف، وقولنا: (انقَدْ): أمرُ مُخاطَب، من (انقادَ): إذا استَسلَمَ وأطاعَ. قوله: "فتلَكَّأت"؛ أي: توقَّفت. "ونَكصَت"؛ أي: انقلَبَت، ورجعت على عقبَيها؛ يعني: سكنَتْ بعد الكلمة الرابعة حتى ظننَّا أنها ندمَتْ على اللِّعان. قولها: "لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم"؛ يعني: فقالت: لا أفضحُ قومي في جميع الدهر، بأن أرجعَ عن اللِّعان، وأُثبتَ على نفسي الزِّنا. "فمضَتْ"؛ أي: أتَمَّت اللِّعانَ بأن قالت الكلمةَ الخامسةَ. قوله: "لولا ما مضى من كتابِ الله لَكانَ لي ولها شأنٌ"، (شأن): اسمُ (كان)، و (لي) خبرُها، و (الشأن): الأمر؛ يعني: لولا أنَّ القرآنَ حكمَ بأنه لمَّا تلاعَنَ الزوجانِ، لم يكنْ عليهما حدٌّ ولا تعزيرٌ، وإلا لأَقمتُ عليها حدَّ الزِّنا؛ لأنَّ الولدَ يُشبهُ الزاني.

стр. 1718

وهذا دليلٌ على أنَّ القاضي إذا حكمَ بظاهر الشَّرع، لا يجوز التجسسُ عن الباطن، وإن كان هناك قرينةٌ تدلُّ على كذب المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه. * * * ٢٤٦٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال سعدُ بن عُبادةَ: لو وَجدتُ معَ أهلي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حتَّى آتيَ باربعةِ شهداءَ!؟ قال رسولُ الله ﷺ : "نعم"، قال: كلا والذي بعثَكَ بالحقِّ، دمانْ كُنْتُ لأُعَاجِلُه بالسَّيفِ قبلَ ذلكَ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "اسمَعُوا إلى ما يقولُ سَيدُكم، إنه لَغَيُورٌ وأنا أَغْيَرُ مِنه، والله أَغْيَرُ منِّي". قوله: "لم أمسَّه"؛ أي: لم أضربْه، ولم أقتلْه، حرفُ الاستفهام هنا مقدرةٌ، تقديره: ألم أمسَّه؟ قوله: "والله أغيرُ مني"، (الغَيرة): أن يَكرهَ ويَغضبَ الرجلُ الشَّركة في حقِّه؛ يعني: يَكرهُ ويَغضبُ أن يَتصرَّفَ غيرُه في مُلكِهِ، هذا هو الأصل، والمشهور عند الناس: أن يَغضبَ الرجلُ على مَن فعلَ بامرأته أو بقريب له فاحشة، أو نظر إليها، وفي حقِّ الله تعالى: أن يَغضبَ على مَن فعل مَنهيًّا. * * * ٢٤٦٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا أحدَ أَغْيَرُ مِن الله، فلذلكَ حرَّمَ الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ مِن الله، فلذلكَ مَدَحَ نفسَه". وفي روايةٍ: "ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المِدْحَةُ مِن الله ، ومِن أجلِ ذلكَ وعدَ الله الجَنَّةَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذرُ مِن الله تعالى، من أجلِ ذلكَ بعثَ المُنذِرينَ والمُبَشِّرين".

стр. 1719

قوله: "ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدحة"، (المِدْحة) بكسر الميم: بمعنى المَدح. اعلمْ أنَّ الحبَّ فينا والغضبَ والفرحَ والحزنَ وما أشبه ذلك: عبارةٌ عن تغيُّر القلب وغليانه، ويزيد [قدر] واحدٍ منَّا بأن يمدحَه أحدٌ، وربما ينقصُ قدرُه بترك المدح، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن صفات المخلوقات؛ بل الحُبَّ فيه معناه: الرِّضا بالشيء وإيصالُ الرحمة والخير إلى مَن أحبَّه، والغضبُ فيه؛ إيصالُ العذاب إلى مَن غضبَ عليه؛ يعني: مَن مدحَه أوصلَ إليه الرحمةَ والخيرَ. قوله: "وكذلك وعدَ الله الجنةَ"؛ يعني: وعدَ الله الجنةَ لمن مدحَه وأطاعَه؛ ليَمدحَه العبادُ ويطيعوه. قوله: "فمن أجل ذلك بعثَ المُنذرِين والمُبشِّرِين"؛ يعني: بعثَ الله النبيين ليُبشِّرَ المُطِيعين وليُخوَّفَ العاصين؛ ليعتذروا ويتوبوا عن معاصيهم، ليَقبَلَ عذرَهم وتوبتَهم. رَوى هذا الحديثَ ابن مسعود. * * * ٢٤٧٠ - وقال: "إنَّ الله تعالى يَغارُ، وإنَّ المُؤمِنَ يَغارُ، وغَيْرَةُ الله: أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ الله". قوله: "إن الله تعالى يَغارُ"؛ أي: يغضب على مَن فعلَ فاحشةً. رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٤٧٢ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ أعرابيًّا أَتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ

стр. 1720

امرأَتي ولدَتْ غلامًا أسودَ، واني أَنكَرْتُه؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "هل لكَ مِن إبلٍ؟ " قال: نعم، قال: "فما أَلوانُها؟ " قال: حُمْرٌ، قال: "هل فيها مِن أَوْرَقَ؟ " قال: إنَّ فيها لَوُرْقًا، قال: "فأنَّى تَرَى ذلكَ جاءَها؟ " قال: عِرْقٌ نزَعَها، قال: "ولعلَّ هذا عِرْقٌ نَزَعَه"، ولم يُرَخِّصْ له في الانتفاءِ منه". قوله: "إن فيها لوُرقًا"، (الوُرْق): جمع أورق، وهو من الإبل: ما فيه بياضٌ وسوادٌ. قوله: "فأنَّى ترى ذلك جاءها؟ "؛ يعني: إذا كانت ألوانُ إبلك الحُمرةَ، فمِن أين تَرى حصلت هذه الإبلُ الوُرْقُ؟ (ذلك) إشارةٌ إلى الأورق. قوله: "عرقٌ نزعَها": الضمير في (نزعَها) يعود إلى (الوُرْق). يعني: فكما أنَّ هذا عرقٌ نزعَها، فلونُ ولدِك أيضًا عرقٌ نزعَه، وهذا دليلٌ على عدم جواز اللِّعان بمجرد مخالفةِ لونِ الولدِ لونَ أبيه وأمِّه، أو بمخالفة صورتهما. * * * ٢٤٧٣ - وعن عائشة ﵂: أنها قالت: كَانَ عُتبةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخيهِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ: أنَّ ابن وَلِيدةِ زَمْعةَ مِنِّي فاقبضْهُ إليكَ، فلمَّا كانَ عامُ الفتح أَخَذَه سعدٌ فقال: إنه ابن أخي، وقالَ عبدُ بن زَمْعْةَ: أخي، فَتَساوَقا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله! إنَّ أخي كانَ عَهِدَ إليَّ فيه، وقال عبدُ بن زَمْعَةَ: أخي، وابن وَلِيدةِ أبي، وُلِدَ على فراشِهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هُوَ لكَ يا عبدَ بن زَمْعَةَ، الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ"، ثم قالَ لِسَودةَ بنتِ زَمْعة: احتجِبي منه، لِما رَأَى مِن شَبَهِهِ بعُتبةَ، فما رآها حتى لَقيَ الله. ويُروى: "هو أخوكَ يا عبدُ".

стр. 1721

قوله: "إن ابن وَليدةِ زَمْعَة مني"، (وليدة زَمْعَة)؛ أي: جارية زَمْعَة، و (زَمْعَة): أبو سَودةَ زوجةِ النبيِّ ﷺ ؛ يعني: كان عُتبةُ وطِئ هذه الجاريةَ، وولدَتْ ابنًا، فظنَّ عُتبةُ أنَّ نسَبَ ولد الزِّنا ثابتٌ للزاني، فأوصى عُتبةُ بأخيه سعد، وأمرَه أن يقبضَ ذلك الابن إلى نفسه. قول عبدِ بن زَمْعَة: "إنه أخي"؛ يعني: قال ابن زَمْعَة، واسمه: عَبْدان: الابن الذي ولدَتْه وليدةُ أبي هو أخي، لأنَّ أبي كان يُجامعُها. قوله: "فتَساوَقا"؛ أي: أتَيَا معًا إلى رسول الله ﷺ . قوله: "عهد إليَّ"؛ أي: أوصاني وأمرَني. قوله: "الولدُ للفِراشِ"؛ يعني: الولدُ يتبعُ الأمَّ إذا كان الوطء زنا، هذا هو المراد هنا، وإذا كان أبُ الولد وأمُّه رقيقَين، أو أحدُهما رقيقًا فالولدُ يتبعُ الأمَّ أيضًا. قوله: "وللعاهِرِ الحَجَرُ"، (العاهِر): الزاني؛ يعني: يُرجَم الزاني إن كان مُحصَنًا، ويُجلَد إن كان غيرَ مُحصَن، ويُحتمَل أن يكونَ معناه: وللزاني الحِرمانُ من الميراث والنَّسَب، والحَجَرُ على هذا التأويل عبارةٌ عن الحِرمان، كما يُقال للمحروم: في يدِه الترابُ والحَجَرُ. قوله ﷺ لسَودةَ: "احتَجِبي"؛ يعني: ظاهرُ الشرع أنَّ هذا الابن أخوك يا سَودةُ، ولكنَّ التقوى أن تحتجبي منه؛ لأنه يُشبه عُتبةَ. * * * ٢٤٧٤ - وقالت عائِشَةُ ﵂: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ وهو مسرورٌ فقالَ: "أَيْ عائشةُ! ألم تَرَيْ أنَّ مُجزِّرًا المُدْلِجيَّ دخلَ فرأى أسامةَ وزيدًا وعليهما قَطيفةٌ، قد غَطَّيا رُؤوسَهما وبدَتْ أقدامُهما، فقال، إنَّ هذه

стр. 1722

الأقدامَ بعضُها مِن بعضٍ". قولها: "دخل عليَّ رسولُ الله ذات يوم"؛ أي: يومًا، و (الذاتُ) زائدةٌ. "وهو مسرورٌ"؛ أي: فَرِحٌ. "وعليهما قَطِيفةٌ"؛ أي: كِساء. "غطَّيَا"؛ أي: سَتَرا. وسببُ هذا الحديث: أنَّ أسامةَ بن زيدِ بن حارثةَ كان أسودَ غايةَ السَّواد، وأبوه كان أبيضَ غايةَ البياض، فتكلَّم الناسُ فيه، وقالوا: كيف يكون أسامةُ من زيدٍ مع اختلاف لونَيهما اختلافًا ظاهرًا؟! وكان يومًا أسامةُ وزيدٌ قد اضطجعا تحتَ كِساء، ورؤوسُهما غيرُ ظاهرةٍ، وأقدامُهما ظاهرةٌ، فقال مُجزِّز المُدلِجيُّ: هذه الأقدامُ بعضُها من بعضٍ؛ يعني: أسامة من زيد، ففرح رسولُ الله ﷺ بهذا الكلام، فصار هذا سُنَّةً؛ فإذا اشتبَه نسبُ ولدٍ على الناس، فَلْيَعرضوا ذلك الولدَ على القافة، والقافة: مَن تعرفُ نسبَ الولد، فمَن ألحقَتِ القافةُ نسبَ الولد به يكون الولدُ ابنه. واختلفوا أنَ القافةَ لتكنْ (١) من قبيلة المُدلِج، كما أنَّ المُجزِّزَ كان منهم، أو يجوز أن يكونَ من غيرهم إذا علمَ القيافةَ. والحُكمُ بالقِيافة مذهبُ الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز الحُكمُ بقول القافة. فقال أبو حنيفة: إذا اشتُبه ولدٌ بين رجلَين، أو بين امرأتَين، يُحكَم بأنه ولدُهما، وإن اشتُبه بين ثلاثةٍ رجالٍ أو نساءٍ أو أكثرَ، [فـ]ـلا يُحكَم بأنه ولدُهم. وقال أبو يوسف: إن اشتُبه بين رجلَين، يُحكَم بأنه ولدُهما، وإن اشتُبه بين امرأتين، لا يُحكَم.

стр. 1723

وقال محمد بن الحسن: إن اشتبه بين جماعةٍ أو أقلَّ من الرجال والنساء، يُحكَم بأنه ولدُهم. * * * ٢٤٧٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "من ادَّعى إلى غيرِ أبيهِ وهو يعلمُ فالجنةُ عليهِ حرامٌ". قوله: "مَن ادَّعى إلى غير أبيه - وهو يعلم - فالجنةُ عليه حرامٌ"؛ يعني: كلُّ ولدٍ لا يُعرَف أبوه على التعيين، فإن كان يدَّعيه واحدٌ أو اثنان، عُرِضَ ذلك الولدُ على القافة؛ ليتبينَ أباه، فإن لم تكن قافةٌ، تُرك الولدُ حتَّى يبلغَ، فينتسبُ بميل نفسه إلى أبيه؛ فغلَّظَ رسولُ الله ﷺ إثمَ مَن انتسبَ إلى غير أبيه مع أنه يَعرف: أنَّ الذي يَنتسب إليه ليس بأبيه. قوله: "فالجنةُ عليه حرامٌ": هذا يَحتمل أن يكونَ جزاءَ مَن اعتقد أنَّ الانتسابَ إلى غير أبيه حلالٌ، فمَن اعتقد الحرامَ حلالًا كفرَ، وحُرمت عليه الجنةُ. ويُحتمَل أنَّ معناه: فالجنةُ عليه حرامٌ قبلَ أن يُعذَّبَ بقدرِ إثمِ الانتسابِ إلى غير أبيه، وهذا جزاءُ مَن لم يعتقد الانتسابَ إلى غير أبيه حلالًا. رَوى هذا الحديثَ سعد وأبو بَكْرَة. * * * ٢٤٧٦ - وقال: "لا تَرْغبُوا عن آبائِكم فمن رَغِبَ عن أبيهِ فقد كفَرَ". قوله: "لا تَرغبوا عن آبائكم"؛ يعني: لا تنتسبوا إلى غيرِ آبائكم، كما ذُكر. قوله: "فمَن رغبَ عن أبيه، فقد كفرَ": فإن اعتقدَ الانتسابَ إلى غير أبيه حلالًا، فلا شكَّ أنه كافرٌ، وإن لم يعتقدْه حلالًا، لم يكنْ كافرًا، وحينَئذٍ قولُه:

стр. 1724

(فقد كفرَ) معناه: فقد جحدَ حقَّ أبيه ونعمتَه، وجحودُ النعمة: عصيان. رَوى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَانِ: ٢٤٧٧ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّه سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ لما نزلَت آيةُ المُلاعَنَةِ: "أيُّما امرأةٍ أَدخَلَتْ على قومٍ مَن ليسَ منهم فليسَتْ مِن الله في شيءٍ، ولن يُدخِلَها الله جنَّتَهُ، وأيُّما رَجُلٍ جَحَدَ ولدَهُ وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله منه وفضحَه على رؤوسِ الخلائقِ في الأوَّلينَ والآخِرينَ". ويُروى "وفَضَحَهُ على رؤوسِ الأَشهادِ". قوله: "فليست من الله في شيء"؛ يعني: أيةُ امرأةٍ وَلدتْ من الزِّنا، وهي تعلم كونَ الولد من الزِّنا، ثم قالت: هذا الولدُ من زوجي، فليست من الله في رحمةٍ وعفوٍ؛ يعني: لا تجد العفو. وبحث هذا الحديث كبحث الحديث المتقدم في أنها تعتقد الحِلَّ أم لا. قوله: "هو ينظر إليه"؛ أي: يَعلم أنه ولدُه ويُنكرُه مع العلم. قوله: "على رؤوس الأشهاد"، (الأشهاد): جمع شاهد، وهو يَحتمل أن يكونَ بمعنى: الحاضر؛ أي: الحاضرين يومَ القيامة، ويَحتمل أن يكونَ بمعنى: الشاهد، والمراد منه أيضًا: أهلُ القيامة؛ لأنهم يَشهدُ بعضُهم على بعضٍ. * * * ٢٤٧٨ - ويُروَى عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنَّ لي امرأةً لا تَردُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "طلِّقْها"، فقال: إني

стр. 1725

أُحِبُّها، قال: "فأمْسِكْها إذًا". قوله: "لا تردُّ يَدَ لامسٍ"؛ أي: لا تمنع مَن يقصدُها بفاحشةٍ. قوله ﷺ : "فأَمسِكْها"؛ أي: فاحفظْها ولازِمْها كي لا تفعلَ فاحشةً. وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ تطليقَ مثل هذه المرأة أَولى؛ لأنه ﷺ قدَّم الطلاقَ على الإمساك، فلو لم يتيسَّرْ تطليقُها بأن يكونَ يُحبُّها، أو يكونَ له منها ولدٌ يشقُّ مفارقةُ الولدِ الأمَّ، أو يكونَ لها عليه دَينٌ ولم يتيسَّرْ له قضاؤها، فحينَئذٍ يجوز له أن لا يُطلَّقَها؛ ولكن بشرط أن يمنعَها عن الفاحشة، فإذا لم يُمكنْه أن يمنعَها عن الفاحشة، يعصي بترك تطليقها. * * * ٢٤٧٩ - عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى: أنَّ كلَّ مستَلْحَقٍ استُلحِقَ بعدَ أبيهِ الذي يُدْعَى له ادَّعاهُ ورثَتُه، فقَضَى: أنَّ مَن كانَ مِن أَمَةٍ يملِكُها يومَ أصابَها فقد لحِقَ بمن استلحَقَهُ، وليسَ له مما قُسِمَ قبلَه مِن الميراثِ شيءٌ، وما أدركَ من ميراثٍ لم يُقْسَمْ فلهُ نصيبُه، ولا يُلحَقُ إذا كانَ أبوهُ الذي يُدعى لهُ أنكرَهُ، فإن كانَ مِن أَمَةٍ لم يملِكْها، أو مِن حُرَّةٍ عاهَرَ بها فإنه لا يَلحقُ ولا يرثُ، وإن كانَ الذي يُدعى له هو ادَّعاهُ فهو ولدُ زَنْيَةٍ، مِن حُرَّةٍ كانَ أو أَمَةٍ. قوله: "إن النبيَّ ﷺ قضَى أن كلَّ مُستلحَق ... " إلى آخر الحديث. (المُستلحَق) بفتح الحاء: الولد. "استُلحِق" علي بناء المجهول؛ أي: طلب وادَّعَى نسبَه. "يُدعَى له"؛ أي: يُنسَب إليه. ذكرَ هذا الحديثَ الخطَّابي وقال: في ظاهر هذا الحديث إشكالٌ كثيرٌ،

стр. 1726

ورفعُ إشكالِه بأن يعلمَ سببَ تكلُّمِ النبيِّ ﷺ بهذا الحديث: وهو أنَّ أهلَ الجاهلية كانت عادتُهم أنهم يُرسلون إماءَهم؛ ليَكتسبن لهم الأموالَ بالزِّنا، وكان ساداتُهنَّ يَطؤُونهن أيضًا، فلما ولدَتْ أَمَةٌ منهنَّ ولدًا، فربما يَدَّعي ذلك الولدَ الزاني وسيدُها؛ لأنهما يَطآنها جميعًا، فقضَى النبيُّ ﷺ أنَّ الولدَ للسيد؛ لأنَّ الولدَ للفِراش، والأَمَةُ فِراشُ السيد كمنكوحتِه، فإن ادَّعاه الزاني وسكت السيدُ، فلم يدَّعِه السيدُ، ولم يُنكرْه حتى مات السيدُ، فلما مات السيدُ استَلحقَ ذلك الولدَ ورثتُه، لَحقَ بهم، فإنْ قُسِمَ الميراثُ في الجاهلية بين ورثة ذلك الميتِ قبل أن يَستَلحقَ ورثتُه ذلك الولدَ؛ لم يكن لذلك الولد شيءٌ من ذلك الميراث، لأنَّ ذلك الميراثَ وقعَت قسمتُه في الجاهلية، والإسلامُ يعفو عما وقع في الجاهلية، ولا يُؤاخِذ به، فإن لم يُقسم الميراثُ قبل أن يَستَلحقَ الورثةُ ذلك الولدَ، يكون الولدُ شريكًا للورثة في الميراث. هذا بحثُ ما إذا مات سيدُ الأَمَة، ولم يَدَّعِ الولدَ ولم يُنكرْه، فأمَّا إذا أنكرَ الولدَ، فلم يجزْ لورثته أن يَستلحقوا ذلك الولدَ بعد موته، فإن استَلحقوا، لم يَلحَقْ به. فإذا عرفتَ هذه القاعدةَ فاعرفْ أنَّ مقصودَ هذا الحديث ما ذُكر في هذا الشرح، وبعد ذلك نشرحُ كلَّ لفظٍ فيه إشكالٌ. قوله: "بعد أبيه الذي يُدعَى له"؛ يعني: بعد موت سيد تلك الأَمَة، والضمير في (أبيه) ضمير الولد؛ يعني: إذا كان الولدُ يَنسبُه الناسُ إلى سيد تلك الأَمَة، ولم ينكرْه أبوه حتَّى يموتَ؛ فيجوز استلحاقُ ورثته، هذا ظاهرُ الحديث، ولكن لا يُشترَط أن يَنسبَ الناسُ ذلك الولدَ إلى سيد الأَمَة، بل إذا لم يُنكر السيد ذلك، صحَّ استلحاقُ ورثته بعد موته، سواءٌ نسبَ الناسُ ذلك الولدَ إلى سيد الأَمَة، أو إلى الزاني، أو سكتوا عن نسبته؛ وإنما يصحُّ الاستلحاقُ إذا كانت الأَمَة ملكًا لسيدها الواطئ يومَ الوطء.

стр. 1727

قوله: "ولا يَلحق إذا كان أبوه الذي يُدعَى له أنكرَه"؛ يعني: إذا قال السيد: ليس هذا الولدُ مني، [فـ]ـلا يجوز لورثته أن يَستلحقوا ذلك الولدَ بعد موت أبيهم؛ لأنَّ الولدَ انتَفى عن أبيهم بانكاره الولدَ، وإنما ينتفي الولدُ عنه إذا ادَّعى الاستبراءَ، وهو أن يقول: مضى عليها حَيضٌ بعد أن وطِئتُها، وما وطئتُها بعد مضي الحَيض حتى ولدَتْ، وحلفَ على الاستبراء، فحينَئذٍ ينتفي عنه الولدُ. قوله: "فإن كان الَّذي يُدعَى هو ادَّعاه، فهو ولدُ زَنْيةٍ من حرَّة كان أو أَمَة". * * * ٢٤٨٠ - عن جابرِ بن عَتيكٍ ﵁: أنَّ النّبيَّ ﷺ قال: "مِن الغَيْرَةِ ما يُحِبُّ الله، ومنها ما يُبْغِضُ الله، فأمَّا التي يُحبُّها الله: فالغَيْرةُ في الرِّيبةِ، وأمَّا التي يُبغِضُها الله: فالغَيْرةُ في غيرِ رِيبةٍ، وإنَّ مِن الخُيَلاءِ ما يُبْغِضُ الله، ومنها ما يحبُّ الله، فأمَّا الخُيَلاءُ التي يحبُّ الله: فاختيالُ الرجلِ عندَ القِتالِ واختيالُه عندَ الصَّدقةِ، وأمَّا التي يُبْغِضُ الله تعالى: فاختيالُهُ في الفخرِ". ويُروى: "في البَغْيِ". قوله: "فالغَيرة في الرِّيبة"، (الرَّيبة): التُّهمة؛ يعني: إذا علمَ الرجلُ أنَّ زوجتَه أو أَمَتَه أو غيرَهما من أقاربه تدخل على أجنبيًّ، أو يدخل أجنبيٌّ عليها، أو يجري بينهما مزاحٌ وانبساطٌ فها هنا موضعُ الرِّيبة؛ فينبغي للرجل أن لا يَرضَى بهذا، بل يدفعُ تلك المرأةَ عن الأجنبيِّ، ويدفع الأجنبيَّ عن الدخولَ عليها والانبساط معها؛ فإنَّ هذه الغَيرةَ يحبُّها الله. وأمَّا إذا لم يرَ عليها الدخولَ على أجنبيٍّ، ولا دخولَ أجنبيٍّ عليها، ولكن يقع في خاطره ظنُّ سوءٍ في حقِّها من غير أن يَرى بها أمارةَ فاحشةٍ فالغَيرةُ - أي: ظنُّ السوء - ها هنا ليسـ[ـت]، مما يحبُّها الله، بل يُبغضها الله؛ لأنَّ ظنَّ السوء في حقِّ الناس من غير أمارةٍ ظاهرةٍ مذموم.

стр. 1728

قوله: "فاختيالُ الرجل عند القتالِ، واختيالُه عند الصدقةِ"، (الخُيلاء): التكبُّر، والاختيالُ مثلُه؛ يعني: التكبُّرُ عند القتال محمودٌ، وهو: أن يَرى نفسَه عظيمةً قادرةً على القتال، ويُوقع نفسَه في الحرب، ويُظهر الشجاعةَ عن نفسه، ولا يَفرُّ كالعاجزين، وكذلك عند الصدقة؛ مثل أن يقولَ مع نفسه: إني أُعطي صدقةً كثيرةً كبيرةً؛ فإني غنيٌّ، ولي ثقةٌ وتوكُّلٌ على الله، ولا يطيع نفسَه بأن تأمرَه بالبخل، وتُخوِّفَه بأن يصيرَ فقيرًا. وأمَّا الاختيالُ في الفخر، فهو أن يقولَ: أنا أشرفُ من فلانٍ نسبًا وكرمًا. والمراد بـ (البغي) هنا: الاختيال. * * * ١٤ - باب العِدَّة (باب العدة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٨١ - عن أبي سلمةَ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ: أنَّ أبا عمروِ بن حفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائبٌ، فأرسلَ إليها وكيلَه بشعيرٍ، فتَسَخَّطَتْهُ، فقال: والله ما لكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ الله ﷺ فذكرَتْ ذلكَ له، فقال: "ليسَ لكِ نفقةٌ"، فأَمَرَها أنْ تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال: "تلكَ امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابن أُمِّ مكتومٍ فإنه رجلٌ أعمى، تَضعِينَ ثيابَكِ، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني"، قالت: فلمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيانَ، وأبا جَهْمٍ خَطَباني؟ فقال: "أمَّا أبو جَهْمٍ: فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاوِيةُ: فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أُسامةَ بن زيدٍ"، فَكَرِهْتُهُ ثم قال: "انكِحي أُسامةَ

стр. 1729

ابن زيدٍ"، فَنَكَحتُه فجعلَ الله فيهِ خيرًا واغتبَطْتُ". وفي روايةٍ: "فأمَّا أبو جَهْمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساءِ". ورُوي: أنَّ زوجَها طلَّقَها ثلاثًا، فأتَتْ النبيَّ ﷺ فقال: "لا نفقةَ لكِ إلا أنْ تكوني حامِلًا". قوله: "فأرسل إليها وكيلُه الشعيرَ، فسخطَتْه"؛ أي: غضبَتْ على الوكيل؛ يعني: أرسل وكيلُ زوجِها الشعيرَ للنفقة، فلم تَرضَ بتلك النفقة، إمَّا لكون تلك النفقة شعيرًا لا حنطةً، أو لكونه قليلًا، فقال ذلك الوكيل: ليس لك النفقةُ؛ لأنك مُطلَّقةٌ بائنةٌ، ولا نفقةَ للمُطلَّقة البائنةِ. قوله: "تلك امرأةٌ يغشَاها أصحابي"، (يغشَاها)؛ أي: يدخلُ عليها؛ يعني: لأمِّ شَريك أولادٌ وأقاربُ كثيرةٌ من الرجال يدخلون بيتَها، ولا يصلح بيتُها للمُعتدَّة؛ لأنَّ العِدَّةَ يجب أن تكونَ في موضعٍ خالٍ. قوله: "تضعينَ ثيابَكِ"؛ يعني: لا تلبسي ثيابَ الزينة، فإنه لا يجوز للمُعتدَّة أن تلبَسَ ثيابًا فيها زينةٌ. قوله: "فإذا حلَلتِ"؛ يعني: وإذا تَمَّتْ عِدَّتُك، "فآذِنيني"؛ أي: فأعلِمِيني انقضاءَ عدَّتِك. قوله: "فلا يضع عصاه عن عاتقه"، يريد: أنه يُكثر ضربَ النساء، فلا تُطيقين ضربَه. وهذا تصريحٌ منه ﷺ على جواز ذكر عيبٍ في الزوج؛ لتحترزَ الزوجةُ منه، كي لا تقعَ في مشقَّةٍ، وكذلك لو كان في المرأة عيبٌ من فعلٍ أو قولٍ أو قبحِ صورةٍ؛ جازَ له أن يذكرَ ذلك العيبَ للزوج، كي لا يقعَ الزوجُ في مشقَّةٍ. وقيل: المراد بقوله: (لا يضع عصاه عن عاتقه) أنه يُكثر المسافرةَ، فلا يكون

стр. 1730

لك منه حظٌّ، وقيل: ضرَّابٌ للنساء، وقيل: كناية عن المجامعة؛ أي: كثير الجماع، وهذا بعيد. قوله: "فصُعلوك"؛ أي: فقير، وإذا كان فقيرًا، فلا تستريحين منه. قولها: "اغتَبطتُ"؛ أي: فرحتُ وربحتُ. قوله: "إلا أن تكوني حاملًا"؛ يعني: فإن كنتِ حاملًا، وجبَتْ لك النفقةُ حتى تَلِدي. * * * ٢٤٨٢ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ فاطمةَ كانتْ في مكان وَحْشٍ فخيفَ على ناحيَتِها، فلذلكَ رَخَّصَ لها رسولُ الله ﷺ ، تَعني في النُّقْلَة. قولها: "في مكان وَحْش"، (الوَحِشُ) بسكون الحاء وكسرها: الخالي. "في النُّقْلة"، (النُّقْلَة) بضم النون؛ أي: في الانتقال من ذاك الموضع إلى موضعٍ آخرَ. * * * ٢٤٨٣ - وقالت عائشةُ ﵂: ما لِفاطمةَ أنْ لا تَتَّقي الله - يعني في قولها: لا سُكنَى ولا نفقةَ -. قولها: "ما لفاطمة"، (ما): استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ يعني: ألا تتقي الله فاطمةُ بنتُ قيسٍ في نسبة الكذب إلى رسول الله ﷺ ؛ يعني: نَقلَتْ فاطمةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا نفقةَ لك ولا سُكنَى"، وما قال لها رسولُ الله ﷺ هذا، بل يجب للمُطلَّقة البائنة النفقةُ والسُّكنَى. وإنما أمرَ رسولُ الله ﷺ فاطمةَ بالخروج من منزلها، وتعتدَّ في بيت ابن أمِّ

стр. 1731

مَكتوم؛ لأنَّ مكانَها كان خاليًا تخافُ، فلأجل هذا أمرَ رسولُ الله ﷺ في الانتقال من موضعها، لا لأنه لا سُكنَى لها على الزوج. واختيارُ عائشةَ ﵂ وجوبُ النفقة والسُّكنى للمُعتدَّة البائنة؛ حاملًا كانت أو حائلًا، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي ومالك: لها السُّكنَى بكل حال، وأمَّا النفقةُ فإن كانت حاملًا استحقَّتْ، وإلا فلا، وقال أحمد: لا نفقةَ لها ولا سُكنَى، إلا أن تكون حاملًا. وأمَّا المُتوفَّى عنها زوجُها فلا نفقةَ لها بلا خلافٍ، ولها السُّكنَى في قول مالك وأحمد وأصحِّ قولَي الشافعي، وفي القول الثاني للشافعي - وهو قول أبي حنيفة -: أنه لا سُكنَى لها. ولا خلافَ في المُطلَّقة الرَّجعية: أنَّ لها النفقةَ والسُّكنَى. * * * ٢٤٨٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: طُلِّقَتْ خالتي ثلاثًا، فَأرادَتْ أنْ تَجُدَّ نخلَها فزجرَها رجُل أنْ تَخْرُجَ، فأتَت النبيَّ ﷺ فقالَ: "بلى فَجُدِّي نخلَكِ، فإنه عَسَى اْنْ تَصَدَّقي أو تَفْعلي معروفًا". قوله: "أن تَجدَّ نخلَها"، أي: أن تقطعَ ثمرَ نخلها. قوله: "بلى، فجُدِّي نخلَك"؛ يعني: لا يجوز للمُعتدَّة أن تخرجَ من منزل العِدَّة لغير عذرٍ، حتى تنقضيَ عدَّتُها، فإن خرجت بالنهار بعذرٍ جازَ، وخروجُ خالة جابر لجدِّ النخل عذرٌ؛ لأنه ليس لها مَن يَجُدُّ نخلَها، ولو لم تخرجْ لَتَلفتْ ثمرتُها، فرخَّصَ لها رسولُ الله ﷺ في الخروج لتحصيل المال؛ لأنَّ المالَ يحصل به خيرٌ لصاحبه بالتصدُّق وإخراج الزكاة، ولا يجوز إتلافُ ما فيه خيرٌ. قوله: "أن تصدَّقي"؛ يعني: لعلَّ ثمرةَ نخيلك تبلغُ نِصابًا، فتؤدِّي

стр. 1732

زكاتَها، و (تصدَّقي) بمعنى: تُؤدِّي الزكاة. قوله: "أو تفعلي معروفًا"؛ يعني: أو تُعطي صدقةَ تطوُّعٍ. * * * ٢٤٨٦ - وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة: أن سُبَيْعةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعدَ وفاةِ زوجها بليالٍ - ويُروَى: وضعَتْ بأربعينَ ليلةً - فجاءَتْ النبيَّ ﷺ فاستأذنَتْه أنْ تَنكِحَ فأذِنَ لها فَنَكَحَتْ. قوله: "نُفست بعد وفاة زوجها بليالٍ ... " إلى آخره، (نُفست) بضم النون: إذا وَلدت المرأةُ، وبفتحها: إذا حاضَت. يعني: كانت حاملًا حين مات زوجُها، فوَلدت بعد موته بزمانٍ يسيرٍ، فأذنَ رسولُ الله ﷺ لها في النكاح؛ يعني: إذا وَلدت المرأةُ بعد وفاة الزوج، أو بعد الطلاق، فقد انقضت عدَّتُها، وجاز لها التزوُّجُ بزوجٍ آخرَ، وإن كان ولادتُها بعد الوفاة أو الطلاق بلحظةٍ (١). * * * ٢٤٨٧ - عن أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: جاءَتْ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ

стр. 1733

فقالت: يا رسولَ الله! إِنَّ ابنتي تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وقد اشتَكَتْ عينَها أَفَنَكْحُلُها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لا"، مرتينِ أو ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ: "لا"، ثم قال: "إنما هي أربعةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهليةِ تَرْمي بالبَعرةِ على رأسِ الحولِ". قولها: "تُوفِّي"؛ أي: مات، وأصلُه: تَوفَّاه الله؛ أي: استوفاه، فتُوفِّي؛ أي: وفَّاه أجَلَه المكتوبَ، ولم يَنقصْه شيئًا. "اشتكَت عينَها"؛ أي: وَجِعَتْ عينَها. "أفنَكحلُها؟ "؛ أي: نَكحلُها نحن، أو تأذن لها، فتَكتحل. "فقال ﷺ : لا، مرتين أو ثلاثًا"، (أو): شكٌّ من الرَّاوي؛ يعني: قال رسول الله ﷺ : لا يجوز لها الاكتحالُ، قاله مرتين أو ثلاثَ مراتٍ للمبالغة. الظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مُستنَدُ أحمدَ رحمةُ الله عليه؛ فإنه لم يُجوِّز للمُتوفَّى عنها زوجُها الاكتحالَ بالإثمد في حالة الرَّمَد وفي غيره، ذكرَه الخِرَقيُّ في "مختصره"، وعند أبي حنيفة ومالك: يجوز لها الاكتحالُ به في الرَّمَد. وعند الشافعي: يجوز لها أن تَكتحلَ به ليلًا، وتمسَحه نهارًا إذا احتاجت إليه لرَمَدٍ، ذكره مُحيي السُّنَّة في "معالم التنزيل". قوله: "قد كانت إحداكنَّ في الجاهلية تَرمي بالبَعرة على رأس الحَول"، (البَعْرة) بسكون العين: واحدة البَعْر والأبعار، وهي رَوث البعير، (الحَول): السَّنة. وقال في "شرح السُّنَّة": معنى رميها بالبَعرة كأنها تقول: كان جلوسُها في البيت وحبسُها نفسَها سَنةً على زوجها أهونَ عليها من رمي البَعرة، أو هو يسيرٌ في جنب ما يجبُ من حقِّ الزوج، وكانت عدَّةُ المُتوفَّى عنها زوجُها حَولًا كاملًا، فنُسخ بأربعةِ أشهرٍ وعشرٍ.

стр. 1734

وقيل: معناه: إظهارُ انقضاء العِدَّة بهذا الفعل المحسوس مِن قِبلها، أو أرادت أني تفرَّغتُ من العِدَّة كما يَتفرَّغ البعيرُ برمي البَعرة إذا أراد قضاءَ حاجته، أو لعلَّها تُقال لمجيء زوجٍ آخرَ؛ كما أنَّ البعيرَ إذا رمى البَعر يحتاج إلى غذاءٍ جديدٍ. * * * ٢٤٨٨ - عن أمِّ حبيبةَ، وزينبَ بنتِ جَحْشٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ إلا على زوجٍ: أربعةَ أشهرٍ وعشرًا". قوله: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاث"؛ أي: ثلاث ليال، (أن تحدَّ): فاعلُ (لا يحلُّ)، و (تؤمن): صفةٌ لـ (امرأةٍ)، تقدير الكلام: لا يحلُّ لامرأةٍ مؤمنةٍ بالله واليوم الآخر الإحدادُ على ميتٍ. الظاهر: أنَّ المرادَ بالإحداد: الجزعُ والبكاءُ والتحرق على الميت أكثرَ من ثلاثِ ليالٍ؛ فقد جاء في خبرٍ آخرَ: "العَزاءُ ثلاثةُ أيام"، وأمَّا العِدَّةُ فإن كانت تُسمَّى إحدادًا، فالمراد غير هذا، بل المراد: تركُ الزينة فقط، كما قال مُحيي السُّنَّة ﵀: معنى الإحداد هو الامتناع من الزينة، يقال: أحدَّتِ المرأةُ على زوجها، فهي مُحِدَّة، وحَدَّتْ أيضًا، وحدود الله: ما يجب الامتناعُ دونها. * * * ٢٤٨٩ - وعن أمِّ عطيَّةَ ﵂، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تُحِدُّ امرأةٌ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، ولا تَلْبَسُ ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكتحلُ، ولا تَمَسُّ طِيْبًا إلا إذا طَهُرت نُبذةً مِن

стр. 1735

قُسْطٍ، أو أَظفارٍ". ويروى: "ولا تَختضبْ". قوله: "إلا ثوبَ عَصْب"، (العَصْب): نوع من البُرُود يُعصَب غزلُه، ثم يُصبَغ، ثم يُنسَج، فلا بأسَ بلبسه. قوله: "إلا إذا طَهُرت نبذةً من قُسط أو أظفار"، (النُّبذة): القطعة اليسيرة، (القُسط) بضم القاف: من عقاقير البحر، قال مُحيي السُّنَّة: هو عودٌ يُحمَل من الهند يُجعَل في الأدوية، و (الأظفار): شيءٌ طيبٌ أسودُ يُجعَل في الدُّخْنَة، لا واحدَ لها. ويُروَى: "نُبذةً من كُسْت أظفارٍ"، وأراد بالكُست: القُسط، وتُبدَل القافُ بالكاف، والطاءُ بالتاء، كما يُقال: كافور وقافور، ونُقل عن الأزهريِّ: أنه قال: واحدها: ظُفْر. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٤٩٠ - عن زينبَ بنتِ كعبٍ: أنَّ الفُرَيعةَ بنتَ مالكِ بن سِنانٍ، وهي أختُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵂، أخبرَتْها أنها جاءَتْ إلى رسولِ الله ﷺ تسألُه أنْ تَرجِعَ إلى أهلِها في بني خُدْرةَ، فإنَّ زوجَها خرجَ في طلبِ أَعْبُدٍ له أَبَقُوا فقتلُوه، قالت: فسألتُ رسولَ الله ﷺ أنْ أَرجِعَ إلى أهلي، فإنَّ زوجي لم يترُكْني في منزلٍ يملِكُهُ ولا نفقةٍ، فقالت: قال رسولُ الله ﷺ : "نعم"، فانصرَفْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرةِ أو في المسجدِ دَعاني، فقال: "اُمْكُثي في بيتِكِ حتى يبلغَ الكتابُ أجلَهُ"، قالت: فاعتدَدْتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا. قوله: "حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه"، و (الأَجَل): المدة؛ أي: حتى تنقضيَ العِدَّةُ؛ وإنما سُميت العِدَّةُ كتابًا؛ لأنها فريضةٌ من الله سبحانه، كما قال الله

стр. 1736

تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ أي: فُرض. قولها: "فاعتددتُ فيه"، الاعتداد ها هنا بمعنى: قضاء العِدَّة؛ أي: قضيتُ عِدَّتي بما أمرَني سبحانه. * * * ٢٤٩١ - عن أمَّ سَلَمةَ قالت: "دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ حينَ توفي أبو سلَمةَ وقد جعلتُ على عَينيَّ صَبرًا فقال: "ما هذا يا أُمَّ سلمةَ؟ " فقلتُ: إنما هو صَبرٌ ليسَ فيه طِيبٌ، فقال: "إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تجعَليهِ إلا بالليلِ وَتَنْزَعِيهِ بالنَّهارِ، ولا تَمْتَشِطي بالطِّيبِ، ولا بالحِنَّاءِ فإنه خِضابٌ"، قلتُ: بأيِّ شيءٍ أَمْتَشِطُ يا رسولَ الله؟ قال: "بالسِّدر تُغَلِّفينَ به رأسَكِ". قولها: "وقد جعلتُ على [عينيَّ] صبرًا"، (الصَّبر) بكسر الباء: هذا الدواء المُرُّ، ولا يُسكَّن إلا في ضرورة الشعر. قيل: يجوز كلاهما على السَّويَّة كـ (كَتْف) و (كَتِف). قوله: "إنه يشبُّ الوجهَ"، تقول: (شبَبتُ النارَ والحربَ أُشبُّها شَبَبًا وشُبُوبًا): إذا أوقدتَها، يقال للجميل: إنه لَمشبوبٌ، قال الشيخ مُحيي السُّنَّة: أي: يُوقده ويُلوِّنه ويُحسِّنه. قوله: "ولا تمتشطي بالطِّيب"، (الامتشاط والمَشط): تسريحُ الشَّعر، الباء في (بالطيب): للحال؛ أي: لا تمتشطي في حالِ كونِ المُشط مُطيَّبًا. قوله: "بالسِّدر تَغلَّفين به رأسَك"، (تَغلَّفين) بفتح التاء: أصله: تتغلَّفين، فحُذفت إحدى التاءَين، ذكرُه الإمامُ شهابُ الدِّين التُّورِبشْتِيُّ ﵀ في "شرحه". قال في "الصِّحاح": تَغلَّفَ الرجلُ بالغالية، وغَلَفَ بها لحيتَه غَلْفًا.

стр. 1737

وقيل: هو بضم التاء من: التغليف، وهو جعلُ الشيءِ غلافًا لشيءٍ. حاصل الروايتَين: أنه إن رُوِي بفتح التاء فمعناه: لا تُكثري من الطِّيب على شَعرك حتى يصيرَ الطِّيبُ غلافًا للشَّعر، فيُغطي الشَّعرَ ويحويه كتغطيةِ الغلافِ المغلوفَ، وإن رُوِي بضم التاء فمعناه: لا تُمكِّني أن يُفعَل بك ذلك؛ أي: امتنعي وامنعي غيرَك منه. * * * ٢٤٩٢ - عن أمِّ سلمةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ أنه قال: "المُتَوفَّى عنها زوجُها لا تلبَسُ المُعَصفَرَ من الثِّيابِ، ولا المُمَشَّقةَ، ولا الحُليَّ، ولا تختَضبُ، ولا تكتَحِلُ". قوله: "لا تلبَس المُعصفَر من الثياب ولا المُمشَّقة"، (عُصفِرَ الثوبُ): إذا صُبغ بالعُصْفُر، وهو صِبْغٌ أحمرُ، يُقال له بالفارسية: خَسَك. قال في "الغريبين": (المِشْقُ): المَغْرَةُ، وثوبٌ مُمَشَّقٌ: مصبوغٌ بالمِشْق، والمَغْرَةُ: الطِّين الأحمر، وقد تُحرَّك الغينُ، ومعدنه ظَفَارِ. يعني: لا يجوز للمُتوفَّى عنها زوجُها أن تلبسَ ثيابَ الزينة والحُليَّ، ولا يجوز لها أيضًا أن تَطيَّبَ في بدنها ولا في ثيابها، ولا أن تأكلَ الأطعمةَ التي فيها طِيبٌ؛ يعني: الطعامَ المُزعفَرَ، ولا أن تكتحلَ بالإثمد من غير رَمَد - كما ذُكر قبلُ - إلى انقضاء عِدَّتها. * * *

стр. 1738

١٥ - باب الاستبراء (باب الاستِبراء) الاستِبراء ها هنا: طلبُ براءةِ الرحمِ من النطفةِ. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٩٣ - عن أبي الدرداءِ ﵁ أنَّه قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بامرأةٍ مُجِحٍّ فسألَ عنها؟ فقالوا: أَمَةٌ لفلانٍ، قال: "أَيُلِمُّ بها؟ " قالوا: نعم، قال: "لقد همَمْتُ أنْ أَلعنَهُ لعنًا يدخلُ معَهُ في قبرِهِ، كيفَ يستخدِمُه وهوَ لا يحِلُّ لهُ؟ أَمْ كيفَ يوَرِّثُه وهو لا يحِلُّ له". قوله: "مرَّ النبيُّ ﷺ بامرأةٍ مُجِحٍّ ... " إلى آخره، (المُجِحُّ) بتقديم الجيم على الحاء المهملة: الحاملُ المُقرِب؛ أي: الحامل التي قرُبت ولادتُها، قال في "الصِّحاح": أجحَّتِ المرأةُ: حَمَلتْ، وأصل الإجحاح للسِّباع، تقول: لكلِّ سَبُعةٍ إذا حَملَتْ، فأَقرَبَتْ، وعظُمَ بطنُها: قد أجحَّت، فهي مُجِحٌّ. قال الخطّابي في "معالمه": وفيه بيانُ أنَّ وطءَ الحَبَالى من السَّبَايا لا يجوز، حتى يَضعْنَ حملَهنَّ. وقوله: "كيف يُورثه وهو لا يَحلُّ له؟! أم كيف يَستخدمُه وهو لا يَحلُّ له؟! "، (كيف): استفهامٌ فيه معنى الإنكار، والمراد به: المنعُ عن الوطء قبل الاستِبراء، والاستِبراءُ واجبٌ، ولا يحصل ذلك إلا بالوَضْع؛ يعني: لا يجوز لأحد أن يُجامعَ جاريتَه الحاملَ قبل الوَضْع؛ لأنه إذا جامَعَها، [فـ]ـكيف يجوز له أن يَستعبدَ ولدَها ويُنزلَه منزلةَ العبيد؛ لاحتمال أنه خُلق من مائه؟! وكيف يجوز له أن يُشركَه في الميراث مع الوَرثة، ويَستلحقَه إلى نفسه؛ لاحتمال أنه من غيره؟!

стр. 1739

وقال الخطَّابي أيضًا: يريد أنَّ ذلك الحَملَ قد يكون من زوجِها المُشرِكِ، فلا يحلُّ له استلحاقُه وتوريثُه، وقد يكون منه إذا وطِئها بأن تنفُشَ ما كان في الظاهر حَملًا، وتَعلَقَ من وطئه، ولا يجوز له نفيُه واستخدامُه، وفي هذا دليلٌ على أنه لا يجوز استرقاقُ الولد بعد الوطء إذا كان وضعُ الحَمل بعدَه بمدةٍ تبلغ أدنى مدة الحَمل، وهي ستةُ أشهر؛ يعني: إذا وضعَت الحَملَ بعدَما مضى من حين الوطء ستةُ أشهرٍ فصاعدًا، لم يجزْ له استرقاقُ ذلك الولد. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٤٩٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁، رفَعَه إلى النبيِّ ﷺ : قال في سبايا أوْطاسٍ: "لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تَحيضَ حَيْضةً". قوله في سَبَايا أَوطَاس: "لا تُوطَأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا غيرُ ذات حملٍ حتى تحيضَ حَيضةً"، (السَّبَايا): جمع سَبيَّة بمعنى: مَسبيَّة، وهي امرأةٌ كافرةٌ أسيرةٌ, و (أَوطَاس): موضعٌ، (لا تُوطَأ): خبرٌ بمعنى النهي؛ يعني: لا تُجامعوا مَسبيَّةً حاملًا حتى تضعَ حملَها، ولا حائلًا ذاتَ قُرُوءٍ حتى تحيضَ حَيضةً كاملةً، وإن كانت لا تحيضُ لصغرها أو كبرها، فاستبراؤها يحصل بشهرٍ واحدٍ أو بثلاثةِ أشهرٍ، فيه قولانِ، أصحُّهما الأولُ. قال الخطَّابي: فيه من الفقه: أنَّ السَّبيَ يَنقض المُلكَ المتقدمَ، ويَفسخُ النكاحَ، وفيه دليلٌ على أنَّ استحداثَ المُلك يُوجِب الاستِبراءَ في الإمَاء؛ فلا تُوطَأ ثيبٌ ولا عذراءُ حتى تُستبرَئَ بحيضةٍ، ويدخل في ذلك المُكاتِبةُ إذا عجزت، فعادت إلى المُلك المُطلَق، وكذلك مَن رجعت إلى مُلكه بإقالةٍ بعد البيع، وسواءٌ كانت الأَمَةُ مُشترَاةً من رجلٍ أو امرأةٍ؛ لأنَّ العمومَ يأتي على ذلك أجمع.

стр. 1740

وفي قوله: (حتى تحيضَ حَيضةً) دليلٌ على أنه إذا اشتراها وهي حائضٌ، فإنه لا يُعتَدُّ بتلك الحَيضة، حتى تُستبرَئَ بحيضةٍ مُستأنَفةٍ. * * * ٢٤٩٥ - وعن رُوَيْفِعِ بن ثابتٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ حُنينٍ: "لا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يَسقي ماؤُه زَرْعَ غيرِه - يعني إتيانَ الحَبالَى -، ولا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يقعَ على امرأةٍ من السَّبْيِ حتى يستبرِئَها، ولا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يَبيعَ مَغْنمًا حتى يُقْسَمَ". قوله: "لا يحلُّ لامرئ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أن يسقيَ ماءَه زرعَ غيره ... " إلى آخره، (يؤمن بالله): صفةٌ لـ (امرئ)، و (أن يسقي): فاعل (لا يحلُّ)، (لا يقعُ على امرأةٍ)؛ أي: لا يُجامعها. يعني: لا يحلُّ لرجلٍ يؤمن بالله والبعث بعد الموت أن يُجامعَ حاملًا من السَّبي، وحائلًا منه حتى يستبرئها، كما ذكر في الحديث المتقدم، وأن يبيعَ شيئًا من الغنيمة أو يَهبَه قبل القِسمة، أمَّا المطعومُ فيَحلُّ له أكلُه قبلَ القِسمة. قال الخطَّابي ﵀: شبَّهَ رسولُ الله ﷺ الولدَ إذا علقَ بالرَّحم بالزَّرع إذا نبتَ ورسخَ في الأرض. وفيه: كراهةُ وطء الحُبلى إذا كان الحَبَلُ من غير الواطئ على الوجوه كلِّها، وقد يَستدلُّ به مَن يَرى إلحاقَ الولد بالواطئَينِ إذا كان ذلك منهما في وقتٍ يمكن أن يَعلقَ من كلِّ واحدٍ منهما، وقالوا: قد شبَّهَ النبيُّ ﷺ الولدَ بالزَّرع؛ أي: فكما يزيدُ الماءُ في الزَّرع، كذلك يزيد المنيُّ في الولد. * * *

стр. 1741

١٦ - باب النَّفقاتِ وحَقِّ المَملوكِ (باب النفقات وحق المملوك) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٤٩٦ - عن عائشةَ ﵂: أنَّ هِندًا بنتَ عتبةَ قالت: يا رسولَ الله! إنَّ أَبا سُفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليسَ يُعطيني ما يَكفيني وولدي إلا ما أَخذتُ منه وهوَ لا يَعلم، فقال: "خُذي ما يَكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ". قولها: "رجلٌ شَحيحٌ"، (الشَّحيح): فَعيل من (الشُّحِّ)، ومعناه: البخلُ مع حرصٍ، وذلك فيما كان عادةً لا عارضًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]؛ أي: خُلقت معه، ذكرَه الراغبُ ﵀ في "مفرداته". قوله: "خُذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف"، (المعروف): ما يَعرفُه الشرعُ ويأمرُ به. شرح هذا الحديث مذكورٌ في (باب الشَّرِكة). * * * ٢٤٩٧ - وقال: "إذا أَعْطَى الله أحدَكم خيرًا فليَبدَأْ بنفسِه وأهلِ بيتِهِ". قوله: "إذا أعطى الله أحدكم خيرًا، فَلْيبدأْ بنفسِهِ وأهلِ بيته"، الخير ها هنا: بمعنى المال؛ يعني: إذا رُزق أحدُكم مالًا، فَلْيَبدأ بالإنفاق على نفسه، وعلى مَن في نفقته من زوجته وأولاده وأبوَيه إذا كانا محتاجَين إليه، ثم على غيرهم. * * *

стр. 1742

٢٤٩٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "للمَمْلوكِ طَعامُه وكِسوتُه، ولا يُكلَّفُ مِن العملِ إلا ما يُطيقُ". قوله: "للمملوك طعامُه وكسوتُه، ولا يُكلَّف من العمل إلا ما يُطيق"؛ يعني: يجب على السيد نفقةُ رقيقه خبزًا وإدامًا؛ قدرَ ما يكفيه من غالب قُوت مماليك ذلك البلد وغالب الإدام والكسوة، ويُكلِّفُه [من] العمل ما يُطيق؛ أي: لا يأمرُه من العمل والخدمة إلا ما يُطيقه على الدوام. * * * ٢٤٩٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إخوانُكم خَوَلُكُم جَعلَهم الله تحتَ أيديكُم، فمن جَعلَ الله أخاهُ تحتَ يديهِ فليُطعِمْهُ مما يأكلُ، وليُلبسْهُ مما يلبَسُ، ولا يُكلِّفُهُ من العملِ ما يَغلِبُه، فإنْ كَلَّفَه ما يَغلِبُه فلْيُعِنْهُ عليهِ". قوله: "إخوانُكم جعلهم الله تحت أيديكم ... " إلى آخره؛ يعني: مماليكُكم إخوانُكم؛ لكنْ جعلَهم الله محكومين لكم، فيجب عليكم أن تُطعموهم من جنس ما تأكلونه، وتُلبسونهم من جنس ما تلبسونه، ولا تُكلِّفوهم من الأعمال ما يَغلبهم، فإن كلفتُمُوهم ما يغلبُهم، فينبغي أن تُعينوهم عليه رعايةً لحقوقهم. هذا معنى ظاهر الحديث. قال مُحيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة": هذا خطابٌ مع العرب الذين لَبُوسُ عامتِهم وأطعمتهم متقاربةٌ، يأكلون الجَشِبَ ويَلبَسون الخَشِنَ، فأمرَهم أن يُطعموا ويُلبسوا رقيقَهم ما يلبسون ويأكلون؛ فأمَّا مَن خالَفَ معاشَ السلف والعرب، فأكلَ رقيق الطعام، ولبسَ جيد الثياب، فلو واسَى رقيقَه كان أحسنَ، فإن لم يَفعلْ، فليس عليه لرقيقه إلا ما هو المعروف من نفقة رقيق بلده وكسوتهم.

стр. 1743

قال في "الصِّحاح": طعام جَشِبٌ وجَشُوب - بالجيم - أي: غليظ. قوله: "ولا يُكلِّفه من العمل ما يغلبه"، قال في "شرح السُّنَّة": يعني - والله أعلم -: لا يُكلِّفُه إلا ما يُطيق الدوامَ عليه، لا ما يُطيقُ يومًا أو يومين أو ثلاثةً، ثم يعجز، وجملةُ ذلك: ما لا يضرُّ ببدنه الضررَ البَينَ. اعلمْ أنَّ لكلِّ واحدٍ من السيد والمملوك حقًّا على صاحبه؛ أمَّا حقُّ السيد على المملوك: فهو أن يَنقادَ لسيده، ويمتثلَ أمرَه في جميع الأوقات إلا أوقات الصلوات الخمس؛ فإنها حقُّ الله تعالى، وهو مُقدَّمٌ على حقِّ سيده، وأمَّا حقُّ المملوك على السيد: فهو أن يُطعمَه ويَكسوَه بالمعروف، ولا يُكلِّفَه من الأعمال ما لا يُطيق عليه، كما ذُكر قبلُ. * * * ٢٥٠٠ - وعن عبدِ الله بن عَمرٍو ﵄: جاءه قَهْرَمانٌ له فقالَ: أَعطيتَ الرَّقيقَ قوتَهم؟ قال: لا، قال: فانطلِقْ فأَعطِهم فإنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كَفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يَحبسَ عَمَّن يملكُ قُوْتَه". وفي روايةٍ: "كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضَيعَ مَن يَقُوتُ". قوله: "وجاءه قَهرَمان له ... " إلى آخره، (القَهْرَمان): الوكيل، كأنه مُعرَّبٌ، أو مأخوذٌ من (القهر)؛ لأنَّ الوكيلَ مقهورُ الأمر بالنسبة إلى مُوكِّله. قوله: "كفى إثمًا أن تحبسَ عمَّن تملك قُوتَه"، (كفى): فعلٌ ماضٍ، وفاعله فيه مُضمَر فسَّره (إثمًا)؛ أي: كفى الإثم إثمًا حبسُك الطعام، و (أن) مع ما بعده: مبتدأ، و (كفى): خبرٌ مقدَّمٌ، مثل: بئس رجلًا زيد، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو (أن): فاعل (كفى)، و (إثمًا): نُصب على الحال أو التمييز؛ يعني: لو لم يكن لك إثمٌ إلا إثمَ منع القُوت عن المماليك والعِيال، أو تأخير

стр. 1744

قُوتهم، لَكان يَكفيك ذلك الإثمُ؛ أي: لَكان ذلك الإثمُ عظيمًا. * * * ٢٥٠١ - وقال: "إذا صَنعَ لأحدِكم خادِمُه طعامَه، ثم جاءَه بهِ، وقد وَليَ حرَّهُ ودُخانَه فَلْيُقعِدْه معَه، فَلْيأكلْ، فإنْ كانَ الطعامُ مشفُوهًا قليلًا فَلْيَضَعْ في يدِه منهُ أُكْلةً أو أُكُلَتَيْنِ". قوله: "إذا صنع لأحدكم خادمُه طعامَه ... " إلى آخره، (صنِعَ)؛ أي: فعلَ، يقال: صنعَ إليه معروفًا، وصنع به صنيعًا قبيحًا؛ أي: فعلَ، ذكره في "الصِّحاح". قوله: "ولِي حرَّه"؛ أي: تولَّى وقرُبَ. قوله: "فإن كان الطعامُ مشفوهًا قليلًا، فَلْيَضعْ في يده منه أُكلةً أو أُكلتَين"، قال في "شرح السُّنَّة": يُقال: (طعامٌ مشفوهٌ): إذا كثرُت عليه الأيدي، و (ماءٌ مشفوهٌ): كثيرٌ سائلوه، وأصل الكلمة مأخوذ من الشَّفة. و (الأُكْلة) بضم الألف: اللُّقمة، و (الأَكْلة) بالفتح: المرة الواحدة من الأكل. يعني: إذا طبخَ واحدٌ من خُدَّامكم طعامًا، ثم أتى به، وقد قاسَى الحرارةَ والدخانَ، فعليكم أن تُقعدوه معكم ليأكلَ، وإن كان الطعامُ قليلًا، فأعطوه لقمةً أو لقمتَين. * * * ٢٥٠٢ - وقال: "إنَّ العبدَ إذا نَصَحَ لسيدِه وأحسنَ عبادَةَ الله فلهُ أجرُهُ مَرَّتينِ"

стр. 1745

قوله: "إن العبدَ إذا نصحَ لسيدِهِ، وأحسنَ عبادةَ الله، فله أجرُه مَرَّتين"، يُقال: نصحتُه ونصحتُ له، وزيادة اللام للمبالغة في نصيحة المَنصوح، ومعنى النصيحة: طلب الخير. يعني: العبدُ إذا طلب الخيرَ لسيده، وامتثل أمرَه، وأحسن طاعةَ ربه، يستحقُّ الأجرَ مرتين؛ مرةً لطاعة ربه تعالى، والأخرى لطاعته لسيده. * * * ٢٥٠٣ - وقال: "نِعِمَّا للمَمْلوكِ أن يَتَوفَّاهُ الله يُحْسِنُ عبادَةَ ربه وطاعةَ سيدهِ نِعِمَّا لهُ". قوله: "نِعمَّا للمملوك أن يتوفَّاه الله تعالى"، (توفَّاه الله)؛ أي: قبض روحَه، (ما) في (نعما): نكرةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ، و (نعم): فعل المدح، وفيه فاعله، و (ما): بمعنى (شيء)، نُصب على التمييز، و (أن يتوفَّاه): مخصوصٌ بالمدح، تقدير الكلام: نعم الشيء شيئًا للمملوك توفاه الله؛ يعني: نعم شيئًا وفاته في طاعة الله سبحانه، ثم في طاعة سيده؛ امتثالًا لأمر ربه تعالى. * * * ٢٥٠٤ - وقال: "أيُّما عبدٍ أَبَقَ فقد بَرِئَتْ منهُ الذِّمَّةُ". قوله: "أيُّما عبدٍ أَبَقَ فقد برِئت منه الذمَّةُ"، (أَبَقَ يَأبقُ): إذا فرَّ، (الذمَّة): العَهد، (أيُّما): للشرط، مبتدأ، و (ما)؛ زائدةٌ للتأكيد، و (أبق): خبرُه لا صفةُ (عبد)؛ لأن المُضافَ إليه لا يُوصَف، ولأنَّ المبتدأ يبقى بلا خبرٍ، وما بعدَه جوابُ الشرط، و (أبق): ماضٍ لفظًا ومستقبلٌ مجزومٌ معنًى. يعني: إن أبقَ إلى ديار الكفَّار وارتدَّ، فقد برِئت منه الذمَّةُ؛ أي: عهدُ

стр. 1746

الإسلام، حتى يجوز قتلُه، وأن أبقَ إلى بلدٍ من بلاد الكفر - لا على نيَّة الارتداد -[فـ]ـلا يجوز قتلُه، بل قوله: (برِئت منه الذمَّةُ) معناه: التهديد والمبالغة في جوازِ ضربهِ. * * * ٢٥٠٥ - وقال: "أيُّما عبدٍ أَبَقَ من مواليهِ فقدْ كَفَرَ حتى يرجعَ إليهم". قوله: "فقد كفر"؛ أي: ستر نعمةَ السيدِ عليه. * * * ٢٥٠٦ - وقال: "إذا أَبَقَ العبدُ لم تُقبَلْ له صلاةٌ". قوله: "لم تُقبَل له صلاةٌ"؛ أي: لا يُقبَل كمالُ صلاته حتى يرجعَ إلى سيده. * * * ٢٥٠٧ - وقال: "مَن قَذَفَ مَملوكَهُ وهو بريءٌ مما قالَ، جُلِدَ يومَ القيامَةِ إلا أنْ يكونْ كما قال". قوله: "مَن قذفَ مملوكَه وهو بريءٌ ... " إلى آخره؛ يعني: إذا برِئ مملوكُه عما قذفَه سيدُه، جُلدَ سيدُه يومَ القيامة حدَّ القَذْف؛ إلا إذا كان السيدُ صادقًا في قذفه. * * * ٢٥٠٩ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: كنتُ أَضرِبُ غلامًا لي فسمعتُ مِن خلفي صَوْتًا: اعلمْ أَبا مسعودٍ! لَلَّهُ أَقْدَرُ عليكَ منكَ عليهِ، فالتَفَتُّ

стр. 1747

فإذا هوَ رسولُ الله ﷺ ، فقلتُ يا رسولَ الله هوَ حُرٌّ لوجهِ الله فقالَ: "أَما لَو لَمْ تفعلْ للفَحَتْكَ النارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النارُ". قوله: "لَلَّهُ أقدرُ عليكَ منكَ عليه"؛ يعني: قدرةُ الله سبحانه عليك أتمُّ وأبلغُ من قدرتك على عبدك. (للهُ): مبتدأ، و (أقدرُ): خبرُه، و (عليك): متعلِّق بـ (أقدر) تعلُّقَ مفعولٍ به أيضًا، و (منك)؛ أي: من قدرتك، متعلِّقٌ أيضًا بـ (أقدر)؛ لأنه أفعل التفضيل، وهو في قوة فعلَين، يتعلَّقُ به حرفا جرٍّ، و (عليه): متعلِّق بقدرتك المُقدَّرَة بعد (مِن) في (منك) تعلُّقَ مفعولٍ به أيضًا، وإن كان المصدرُ لا يُحذَف ويبقى معمولُه، وإنما كان من جهة التقدير ذلك؛ لأنَّ المُقدَّرَ كالملفوظ. قوله: "لفحتْكَ النارُ"؛ أي: أحرقتْك النارُ. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥١٠ - عن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: "أنَّ رسولَ الله ﷺ جاءه رجلٌ فقال: إنَّ لي مالًا وإنَّ والِدي يحتاجُ إلى مالي، فقال: "أنتَ ومالُكَ لوالِدِكَ، إنَّ أَولادَكم مِن أطيبِ كَسبكم، كُلوا مِن كسبِ أولادِكم". قوله: "أنتَ ومالُكَ لوالدك"؛ يعني: أنتَ ومالُك ثابتانِ لوالدِك؛ لأنَّ والدَك أصلُ وجودِك، وأنتَ خُلقتَ من مائه، فحينَئذٍ وجودُك له، وإنما قال: (مالُك لوالدك)؛ لأنَّ والدَك إذا كان مُحتاجًا، تجب نفقتُه في مالِك قدرَ ما يكفيه، وكذا الإعفاف؛ فإذا كان بصددِ أن يكونَ له استحقاقٌ ما في مالِكِ يومًا من الأيام، صار المالُ كأنه له، فيكون عامًّا يريدُ به الخاصَّ. قوله: "إن أولادكم من أطيب كسبكم، كُلُوا من كسب أولادكم"؛ فإنه

стр. 1748

حلال، و (أطيب): أفعل التفضيل من (الطِّيب)، وهو الحلال؛ يعني: أولادُكم من أحلِّ أكسابكم وأفضلِها، كُلُوا مما كسب أولادُكم، فإنه حلالٌّ لكم، وإنما سُمِّي الولدُ أطيبَ كسبٍ وأحلَّه؛ لأنه أصلُه والسببُ الظاهرُ، ولم يكنْ قبلَه لأحدٍ، بخلاف كلِّ الأموالِ؛ لأنها زائلةٌ منتقلةٌ؛ كانت للغير، وسوف تنتقل إلى آخر، والولدُ لم يملكْه أحدٌ قبلَه، ولا يُملَك أبدًا. * * * ٢٥١١ - وعن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رَجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إني فقيرٌ وليسَ لي شيءٌ، وَلي يتيمٌ، فقال: "كُلْ مِن مالِ يتيمِكَ غيرَ مُسرِفٍ، وَلا مُبادِرٍ، ولا مُتَأثِّلٍ". قوله: "ولي يتيمٌ"، (اليتيم): الطفل الذي لا أبَ له؛ أي: ولي يتيمٌ في حجري؛ لأني وَصِيٌّ أو قيمٌ له. قوله: "كُلْ من مال يتيمِكَ غيرَ مُسرِفٍ، ولا مُبادِرٍ، ولا مُتأثِّلٍ"، (المُسرِف): المُفرِط، (المُبادِر): السابق، (المُتأثِّل): اسم فاعل من (تأثَّل): إذا اتخذ شيئًا من أصل مالِهِ؛ يعني: يجوز لوصيِّ اليتيم أن يأكلَ من ماله إذا سعى فيه مقدارَ أجرةِ السعي إن كان محتاجًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]؛ أي: قدرَ أجرة السعي. (غير مُسرِف)؛ أي: غيرَ مُفرِط في الإنفاق على نفسه من ماله، (ولا مُبادِرٍ)؛ أي: مُسرِعٍ في أكل ماله مخافةَ أن يَبلغَ، فيَلزمَه تسليمه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]. (ولا مُتأثِّلٍ)؛ أي: مُتَّخِذٍ أصلَ مالِهِ من مال اليتيم. * * *

стр. 1749

٢٥١٢ - عن أمِّ سلمَةَ: عن النبيِّ ﷺ أنه كانَ يقولُ في مرضه: "الصَّلاةَ وما مَلَكَت أَيْمانُكم". قوله: "الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم"، (الصلاةَ): نُصب بفعلٍ مُقدَّرٍ؛ أي: احفظوها وراعوها، (وما ملكت أيمانُكم): عُطف عليها. وقيل: و (ما ملكت أيمانكم) عبارةٌ عن الزكاة، وإنما قال: أراد به الزكاةَ؛ لأنَّ القرآنَ والحديثَ إذا ذُكر فيهما الصلاةُ فالغالبُ أنه ذُكر بعدَها الزكاةُ، قال تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٧١]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وفي الحديث: "وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج"، و"تُقيم الصلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ"؛ فقاسَ هذا المُبهَمَ بالمُعيَّنِ. وقيل: عبارةٌ عن المماليك؛ وهو الأظهرُ، وإيرادُ هذا الحديث في هذا الباب دليلٌ على أنه أراد به المماليكَ، وذكرُه عَقيبَ الصلاة إشارةٌ إلى أنَّ حقوقَ المماليك واجبةٌ على السادات، كما أنَّ الصلاةَ واجبةٌ عليهم؛ بحيث لا سعةَ في تركها. * * * ٢٥١٣ - وقال: "لا يدخلُ الجنَّةَ سَيئُ المَلَكَةِ". قوله: "لا يدخلُ الجنةَ سيئُ المَلَكَة"، قال في "الصِّحاح": يُقال: ما في مِلْكِه شيءٌ، ومَلْكِه شيءٌ؛ أي: لا يملك شيئًا، وفيه لغة ثالثة: ما في مَلَكَته شيءٌ؛ بالتحريك، يقال: فلانٌ حسنُ المَلَكَة: إذا كان حسنَ الصنع إلى مماليكه. يعني: مَن أضاعَ حقوقَ المملوك، ولم يُراعِها، وأساء إليه، فلا يدخل الجنة، هذا تهديدٌ ووعيدٌ حتى لا يتركوا حقوق المماليك.

стр. 1750

ويحتمل أن يريد: أنه لا يدخلُ الجنةَ حتى يقتصَّ ما ظلم. * * * ٢٥١٤ - عن رافِع بن مَكِيثٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "حُسْنُ المَلَكَةِ يُمْنٌ، وسوءُ الخُلُقِ شُؤْمٌ، والصَّدقةُ تمنعُ مِيتةَ السوءِ، والبرُّ زيادةٌ للعُمُرِ". قوله: "والصدقةُ تمنع مِيتةَ السوء"، (المِيتة) بكسر الميم: نوعٌ من الموت، كـ (الجِلْسَة) و (الرِّكْبَة)؛ يعني: حالة يموت عليها الإنسان. يعني: الصدقةُ تدفع موتَ الفجأة، فإنه موتٌ سيئٌ؛ لأنَّ الشخصَ إذا أتاه الموتُ بغتةً لا يقدر على التوبةِ والاستحلالِ وردِّ المظالم والوصيةِ بذلك. قوله: "والبرُّ زيادةٌ للعمر"، (البرُّ): الإحسان؛ يعني: الإحسانُ إلى الخلق يزيدُ في العمر، والزيادةُ في العمر يُحتمَل أن تكونَ محسوسةً علَّقَها الله سبحانه في الأزل: إنَّ عُمرَ فلانٍ كذا سَنةً، ولو أَحسنَ، زِيدَ عليه كذا سَنةً، كما أنه قدَّرَ إذا مرض؛ لو داوى لشُفي، وإلا فيموت. ويُحتمَل أن يريد بالزيادة: البركة والخير في العمر؛ يعني: يُوفِّقُه في عمره لِمَا يَرضَى عنه من العمل. وقيل: الذي بُورك له في عمره: يُوفَّق للتدارك في ساعةٍ ما لا يتداركُ سواه في سَنةٍ من عمرِهِ. * * * ٢٥١٥ - وقال: "إذا ضربَ أحدُكم خادِمَه فذَكَرَ الله فليُمْسِك". قوله: "فذكَّره الله فَلْيُمسِكْ"؛ يعني: إذا قال المضروب للضارب حالةَ الضرب: الله الله، فَلْيَتركِ الضربَ؛ عظمةً لذِكر الله سبحانه. * * *

стр. 1751

٢٥١٦ - وقال: "مَن فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها، فرَّقَ الله بينَهُ وبينَ أَحِبَّتِهِ يومَ القيامَةِ". قوله: "مَن فرَّق بين والدة وولدها"؛ يعني: التفريقُ بيَن جاريةٍ وولدِها بالبيع والهِبَة قبلَ سبع سنين لا يجوزُ؛ لأنه تفريقٌ مُحرَّمٌ، فأفسدُ البيع والهِبة، كالتفريق بين الجارية وحملِها، وبعد سبع سنين قولانِ، الأظهرُ: أنه جائز. * * * ٢٥١٩ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه يَسَّرَ الله حَتْفَهُ وأدخَلَهُ جَنَّتهُ: رِفْقٌ بالضَّعيفِ، وشَفَقَةٌ على الوالدينِ، والإحسانُ إلى المَمْلوكِ"، غريب. قوله: "يسَّر الله حتْفَه"، (الحَتْف): الهلاك؛ يعني: يسَّر الله موتَه، وأزال عنه سكراتِه. "الرِّفقُ": المداراة. * * * ٢٥٢١ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵄ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! كَمْ نعفو عن الخادِمِ؟ فَسَكَت، ثم أعادَ عليهِ الكلامَ فصمتَ، فلمَّا كانت الثالثةُ قال: "اُعفُوا عنه كلَّ يومٍ سبعينَ مرةً". قوله: "كم نعفو عن الخادم؟ "، (كم) ها هنا: منصوبٌ على الظَّرف؛ أي: كم مرةً نعفو عن المماليك؟! * * *

стр. 1752

٢٥٢٢ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لاءَمَكم مِن مَملُوكِيكُم فأَطعِمُوه ممَّا تأكلونَ، واكسُوهُ مما تكْتَسون، ومَن لم يُلائِمْكُم مِنهم فبيعوهُ، ولا تُعذِّبوا خَلْقَ الله". قوله: "مَن لاءَمَكم من مملوكيكم"، (لاءَمَ): وافَقَ، فاعَلَ من (الملاءمة) بالهمز؛ يعني: مَن كان موافقًا لرضاكم، فأَحسِنوا إليه، ومَن لم يكن موافقًا لرضاكم بأن كان مُسيئًا ومُقصِّرًا في الخدمة، فبيعُوه. * * * ١٧ - باب بلوغِ الصَّغيرِ وحضانتهِ في الصِّغَرِ (باب بلوغ الصغير وحَضَانته) قيل: (الحَضَانة): عبارةٌ عن القيام بتربيةِ طفلٍ لا يستقلُّ بأمره، وحفظِه عما يُهلكُهُ. * * * مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٢٤ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: عُرِضْتُ على رسولِ الله ﷺ عامَ أُحُدٍ وأنا ابن أَرْبَعَ عشرةَ سنةً فردَّني، ثم عُرِضْتُ عليهِ عامَ الخندق وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً فأَجازني. وقال عمرُ بن عبدِ العزيز: هذا فرْقُ ما بينَ المُقاتِلَةِ والذُّريةِ. قوله: "فأجازني"؛ أي: كتبَ لي الجائزةَ؛ يعني: أَثبتَ رزقي في ديوان الغزَاة. "المُقاتِلة"؛ أي: الزُّمرة المُقاتِلة، وهم الذين يُقاتلون، و"الذُّرِّيَّة": قيل: فُعْلِيَّة من (الذَّرِّ)، بلا تغيير.

стр. 1753

وقيل: فُعْلُولة، أصله: ذُرُّورة؛ واوٌ وثلاثُ راءاتٍ، قُلبت الراءُ الأخيرةُ ياءً، كـ: (سَرَّيتُ) في (تسرَّرتُ)، ثم قُلبت الواوُ ياءً؛ لاجتماع الواو والياء والأُولى منهما ساكنةٌ، ثم أُدغمتِ الياءُ في الياء، فبقي ذُرِّيَّة. وقيل: أصله (ذُرِّيئة) بالهمزة، من (ذَرَأ): إذا خَلَق، قُلبت الهمزةُ ياءً، وأُدغمت في الياء، فعلى هذا أيضًا فُعْلِيَّة. * * * ٢٥٢٥ - عن البراءِ بن عازبٍ ﵁ قال: صالَحَ النبيُّ ﷺ يومَ الحُديبيةِ على ثلاثةِ أشياءَ، على أنَّ مَن أتاهُ مِن المشركينَ ردَّه إليهم، ومَن أَتاهم مِن المسلمينَ لم يَرُدُّوه، وعلى أنْ يَدخُلَها مِن قابلٍ ويُقيمَ بها ثلاثةَ أيَّامٍ، فلمَّا دَخَلَها ومَضَى الأجلُ خرجَ فتَبعَتْهُ ابنةُ حمزةَ تنادي: يا عمِّ يا عمِّ، فَتَناولها عليٌّ فأَخَذَ بِيَدِها، فاختصمَ فيها عليٌّ، وزيدٌ، وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أَنا أخذتُها وهي بنتُ عمِّي، وقال جعفرٌ: ابنةُ عمِّي وخالتُها تحتي، وقال زيدٌ: ابنةُ أَخي، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتِها وقال: "الخالةُ بمنزِلَةِ الأُمِّ"، وقال لعليٍّ: "أنتَ مِنِّي وأنا منكَ"، وقال لجعفرٍ: "أَشْبَهتَ خَلْقي وخُلُقي"، وقال لزيدٍ: "أنتَ أَخونا ومولانا". قوله: "يا عمِّ"، أصله: يا عمِّي، فحُذفت الياءُ اكتفاءً بكسرة الميم. "تَناوَل": إذا أخذ. قوله: "وخالتُها تحتي"؛ أي: خالتُها زوجتي. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥٢٦ - عن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الله بن عمروٍ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابني هذا كانَ بَطني لهُ وعاءً، وثَدْيي له سِقاءً،

стр. 1754

وحِجْري له حِواءً، وإنَّ أباهُ طلَّقني وأَرادَ أنْ ينزِعَه مني؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أنتِ أَحَقُّ بهِ ما لم تَنْكِحي". قولها: "وحِجْري له حِواء"، (حَجْر الإنسان) بفتح الحاء وكسرها: ذيله، و (الحِواء): اسم المكان الذي يحوي الشيء؛ أي: يجمعه، ذكره في "شرح السُّنَّة". ° ° °

стр. 1755

١٣ - كِتابُ العِتْقِ
следующие страницы →