← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

٢٥١٦ - وقال: "مَن فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها، فرَّقَ الله بينَهُ وبينَ أَحِبَّتِهِ يومَ القيامَةِ". قوله: "مَن فرَّق بين والدة وولدها"؛ يعني: التفريقُ بيَن جاريةٍ وولدِها بالبيع والهِبَة قبلَ سبع سنين لا يجوزُ؛ لأنه تفريقٌ مُحرَّمٌ، فأفسدُ البيع والهِبة، كالتفريق بين الجارية وحملِها، وبعد سبع سنين قولانِ، الأظهرُ: أنه جائز. * * * ٢٥١٩ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه يَسَّرَ الله حَتْفَهُ وأدخَلَهُ جَنَّتهُ: رِفْقٌ بالضَّعيفِ، وشَفَقَةٌ على الوالدينِ، والإحسانُ إلى المَمْلوكِ"، غريب. قوله: "يسَّر الله حتْفَه"، (الحَتْف): الهلاك؛ يعني: يسَّر الله موتَه، وأزال عنه سكراتِه. "الرِّفقُ": المداراة. * * * ٢٥٢١ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵄ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! كَمْ نعفو عن الخادِمِ؟ فَسَكَت، ثم أعادَ عليهِ الكلامَ فصمتَ، فلمَّا كانت الثالثةُ قال: "اُعفُوا عنه كلَّ يومٍ سبعينَ مرةً". قوله: "كم نعفو عن الخادم؟ "، (كم) ها هنا: منصوبٌ على الظَّرف؛ أي: كم مرةً نعفو عن المماليك؟! * * *

стр. 1752

٢٥٢٢ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لاءَمَكم مِن مَملُوكِيكُم فأَطعِمُوه ممَّا تأكلونَ، واكسُوهُ مما تكْتَسون، ومَن لم يُلائِمْكُم مِنهم فبيعوهُ، ولا تُعذِّبوا خَلْقَ الله". قوله: "مَن لاءَمَكم من مملوكيكم"، (لاءَمَ): وافَقَ، فاعَلَ من (الملاءمة) بالهمز؛ يعني: مَن كان موافقًا لرضاكم، فأَحسِنوا إليه، ومَن لم يكن موافقًا لرضاكم بأن كان مُسيئًا ومُقصِّرًا في الخدمة، فبيعُوه. * * * ١٧ - باب بلوغِ الصَّغيرِ وحضانتهِ في الصِّغَرِ (باب بلوغ الصغير وحَضَانته) قيل: (الحَضَانة): عبارةٌ عن القيام بتربيةِ طفلٍ لا يستقلُّ بأمره، وحفظِه عما يُهلكُهُ. * * * مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٢٤ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: عُرِضْتُ على رسولِ الله ﷺ عامَ أُحُدٍ وأنا ابن أَرْبَعَ عشرةَ سنةً فردَّني، ثم عُرِضْتُ عليهِ عامَ الخندق وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً فأَجازني. وقال عمرُ بن عبدِ العزيز: هذا فرْقُ ما بينَ المُقاتِلَةِ والذُّريةِ. قوله: "فأجازني"؛ أي: كتبَ لي الجائزةَ؛ يعني: أَثبتَ رزقي في ديوان الغزَاة. "المُقاتِلة"؛ أي: الزُّمرة المُقاتِلة، وهم الذين يُقاتلون، و"الذُّرِّيَّة": قيل: فُعْلِيَّة من (الذَّرِّ)، بلا تغيير.

стр. 1753

وقيل: فُعْلُولة، أصله: ذُرُّورة؛ واوٌ وثلاثُ راءاتٍ، قُلبت الراءُ الأخيرةُ ياءً، كـ: (سَرَّيتُ) في (تسرَّرتُ)، ثم قُلبت الواوُ ياءً؛ لاجتماع الواو والياء والأُولى منهما ساكنةٌ، ثم أُدغمتِ الياءُ في الياء، فبقي ذُرِّيَّة. وقيل: أصله (ذُرِّيئة) بالهمزة، من (ذَرَأ): إذا خَلَق، قُلبت الهمزةُ ياءً، وأُدغمت في الياء، فعلى هذا أيضًا فُعْلِيَّة. * * * ٢٥٢٥ - عن البراءِ بن عازبٍ ﵁ قال: صالَحَ النبيُّ ﷺ يومَ الحُديبيةِ على ثلاثةِ أشياءَ، على أنَّ مَن أتاهُ مِن المشركينَ ردَّه إليهم، ومَن أَتاهم مِن المسلمينَ لم يَرُدُّوه، وعلى أنْ يَدخُلَها مِن قابلٍ ويُقيمَ بها ثلاثةَ أيَّامٍ، فلمَّا دَخَلَها ومَضَى الأجلُ خرجَ فتَبعَتْهُ ابنةُ حمزةَ تنادي: يا عمِّ يا عمِّ، فَتَناولها عليٌّ فأَخَذَ بِيَدِها، فاختصمَ فيها عليٌّ، وزيدٌ، وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أَنا أخذتُها وهي بنتُ عمِّي، وقال جعفرٌ: ابنةُ عمِّي وخالتُها تحتي، وقال زيدٌ: ابنةُ أَخي، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتِها وقال: "الخالةُ بمنزِلَةِ الأُمِّ"، وقال لعليٍّ: "أنتَ مِنِّي وأنا منكَ"، وقال لجعفرٍ: "أَشْبَهتَ خَلْقي وخُلُقي"، وقال لزيدٍ: "أنتَ أَخونا ومولانا". قوله: "يا عمِّ"، أصله: يا عمِّي، فحُذفت الياءُ اكتفاءً بكسرة الميم. "تَناوَل": إذا أخذ. قوله: "وخالتُها تحتي"؛ أي: خالتُها زوجتي. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥٢٦ - عن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الله بن عمروٍ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابني هذا كانَ بَطني لهُ وعاءً، وثَدْيي له سِقاءً،

стр. 1754

وحِجْري له حِواءً، وإنَّ أباهُ طلَّقني وأَرادَ أنْ ينزِعَه مني؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أنتِ أَحَقُّ بهِ ما لم تَنْكِحي". قولها: "وحِجْري له حِواء"، (حَجْر الإنسان) بفتح الحاء وكسرها: ذيله، و (الحِواء): اسم المكان الذي يحوي الشيء؛ أي: يجمعه، ذكره في "شرح السُّنَّة". ° ° °

стр. 1755

١٣ - كِتابُ العِتْقِ

стр. 1756

[١٣] كِتابُ العِتقِ (باب العتق) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٢٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "من أعتقَ رقبةً مُسلمةً أعتَقَ الله بكلِّ عُضوٍ منها عُضْوًا منه من النارِ، حتى فَرْجَهُ بفَرجِهِ". قوله: "حتى فرجه بفرجه"، (حتى) ها هنا: حرف عطف؛ أي: حتى أعتق الله فرج المعتق من النار بإعتاق فرج المملوك من الرقِّ، وذكر النبي ﷺ (حتى) ها هنا للتحقير؛ لأن الفرج حقير بالنسبة إلى باقي الأعضاء. قال الخطَّابي: يستحبُّ عند بعض أهل العلم أن لا يكون العبد المعتق خصيًا، فيكون ناقص العضو؛ ليكون معتِقُهُ قد نال الموعود في عتق أعضائه كلها من النار بإعتاقه إياه من الرقِّ في الدنيا. * * * ٢٥٣٠ - وعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: سألتُ النبيَّ ﷺ أيُّ العملِ أَفضلُ؟ قال: "إيمانٌ بالله وجِهادٌ في سبيلِهِ"، قالَ: قلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أَفضلُ؟ قال: "أَغلاها ثَمَنًا وأنفَسُها عندَ أهلِها"، قلتُ: فإنْ لم أَفعَلْ؟ قال: "تُعِينُ صانِعًا، أو تَصنعُ لأخْرَقَ"، قلتُ: فإنْ لم أَفعَلْ؟ قال: "تَدَع الناسَ مِن الشرِّ، فإنها صدقةٌ تَصَّدَّقُ

стр. 1757

بها على نفسِك". قوله: "وأَنْفَسُها عند أهلها"، (الأَنفَسُ): الأحبُّ والأكرمُ، يُقال: هذا أنفسُ مالي؛ أي: أحبُّه وأكرمُه عندي، الضمير في (أنفسها) و (أهلها) يعود إلى (الرِّقاب). قوله: "تُعينُ صانعًا، أو تَصنعُ لأخرقَ"، قيل: الصنعة: ما يُصنَع، وحاصله: ما يَحدث ويتبيَّن، كما في جميع الصنائع. قال في "شرح السُّنَّة": (الأَخرَق): الذي ليس في يده صنعةٌ. حاصل الحديث: أفضلُ الأعمال الإيمانُ بالله سبحانه والجهادُ في سبيله، ثم إعتاقُ مملوكٍ أحبَّ إلى أهله وقيمتُه أرفعُ، ثم معاونةُ ذوي الحاجات والضعفاء، ثم دفعُ شرِّك عن الناس، فإنك إذا دفعتَ شرَّك عنهم، تصدَّقتَ به على نفسك. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥٣١ - عن البَراءِ بن عازِبٍ ﵁ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: علِّمني عَمَلًا يدخِلُني الجنةَ، قال: "لئنْ كنتَ أَقْصَرْتَ الخُطبةَ لقد أَعْرَضْتَ في المسألةَ، اِعتِقْ النَّسمةَ، وفُكَّ الرَّقَبَةَ"، قال: أَوَلَيْسا واحدًا؟ قال: "لا، عِتْقُ النَّسمةِ أنْ تَفرَّدَ بعِتْقِها، وفَكُّ الرقبةِ أنْ تُعينَ في ثمنِها، والمنحةَ الوَكُوفَ، والفيءَ على ذي الرَّحمِ الظَّالمِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلكَ فأَطعِمَ الجائعَ، واسقِ الظَّمآنَ، وَأْمُرْ بالمعروفِ، وَانْهَ عن المنكرِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلكَ فَكُفَّ لسانَكَ إلا مِن خيرٍ".

стр. 1758

"أقصَرتَ الخُطبة"؛ أي: جئتَ بها قصيرةً، و"أَعرَضتَ المسألةَ"؛ أي: جئتَ بها عريضةً؛ يعني: لفظُها قصيرٌ، ومعانيها كثيرةٌ. قوله: "أوليسا واحدًا"؛ يعني: أوليسَ إعتاقُ النَّسَمة وفكُّ الرَّقبة واحدًا؟ "النَّسمة": النفس والإنسان. قوله: "لا؛ عتقُ النسمة أن تَفرَّدَ بعتقها، وفكُّ الرَّقبة أن تُعينَ في ثمنها"؛ يعني: ليس إعتاقُ النَّسمة وفكُّ الرَّقبة واحدًا، بل المراد بالنسمة ها هنا: التفردُ بإعتاق الرقبة، وفك الرقبة في سائر مواضع: الإعتاق، وفي هذا: الشَّرِكة في إعتاق الرَّقبة. قوله: "والمِنْحة الوَكُوف، والفَيءُ على ذي الرَّحِم الظالم ... " إلى آخره، مِنْحة اللَّبن كالناقة والشاة: تُعطيها غيرَك يحلبُها، ثم يردُّها عليك، ذكره في "الصِّحاح". (الوَكُوف)؛ أي: غزيرةُ اللَّبن، ومنه: وَكَفَ البيتُ والدمعُ، ذكره في "شرح السُّنَّة". (الفيء): الرجوع. يعني: من جملة الأعمال المُؤدِّية صاحبَها إلى الجنة: إعطاءُ المِنْحة الفقراءَ؛ لينتفعوا بلبنها وصوفها ووبرها مدةً، ثم يردُّها على صاحبها، وكذلك الرجوعُ إلى ذي الرَّحم الظالم عليك بالإحسان والشفقة والصِّلة. قيل: الروايةُ في (المِنْحة) و (الفَيء) بالنَّصب على أنهما مفعولٌ به، تقديره: أعطِ المِنْحةَ والفَيءَ، وإن رُوي بالرفع، فهما مبتدآن، تقديره: ومنها المِنْحةُ والفَيءُ. * * *

стр. 1759

٢ - باب إعتاقِ العَبْدِ المُشتَرَك وشراءِ القريبِ والعتقِ في المَرَضِ (باب إعتاق العبد المشترك، وشراء القريب، والعتق في المرض) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٣٣ - عن ابن عُمرَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أَعتَقَ شِرْكًا لهُ في عَبْدٍ وكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ، قُوِّمَ العبدُ عليهِ قيمةَ عدلٍ، فأَعْطى شُرَكاءَهُ حِصَصَهم وعَتَقَ عليه العَبْدُ، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ". قوله: "مَن أعتق شِركًا له في عبدٍ ... " إلى آخره، (الشِّرك): النصيب، و"الحِصَص": جمع حِصَّة، وهي النصيب أيضًا. قال في "شرح السُّنَّة": في الحديث دليلٌ على أنَّ مَن أعتقَ نصيبَه من عبدٍ مُشترَكٍ بينه وبين غيره؛ وهو مُوسِرٌ لقيمة نصيب الشريك، يعتق كلُّه بنفس الإعتاق، ولا يتوقَّفُ على أداء القيمة، ولا على الاستسعاء - الاستسعاء: طلب السعي من المُكاتِب في تحصيل مالٍ يُؤدَّى إلى مُكاتِبه بسعي نفسه، على خلاف القياس، لكنَّ الشارعَ له تشوُّفٌ إلى العتق؛ فجوَّز هذا، كما جوَّزَ في العَرَايا لحاجة المساكين -، ويكون ولاءُهُ كلُّه للمُعتِق، وإن كان مُعسِرًا، عتقَ نصيبُهُ، ونصيبُ الشريك رقيقٌ لا يُكلَّف إعتاقه، ولا يُستسعَى العبدُ في فكِّه، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال مالك: لا يُعتَق نصيبُ الشريك بنفس اللفظ ما لم يُؤدِّ إليه قيمتَه، وقاله الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة: إن كان الشريكُ المُعتِقُ مُوسِرًا، فالذي لم يُعتِق بالخيار؛ إن شاء أَعتَقَ نصيبَ نفسه، وإن شاء استَسعَى العبدَ في قيمة نصيبه، فإذا أدَّى عتقَ، وكان الولاءُ بينهما نصفَين، وإن شاء ضَمِنَ المُعتِقُ قيمةَ نصيبه، ثم شريكُهُ

стр. 1760

بعدما ضمن، رجعَ على العبد، واستسعاهُ فيه، فإذا أدَّاه عتقَ، وولاؤه كلُّه له؛ أي: للمُعتِق. * * * ٢٥٣٤ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أَعْتَقَ شِقْصًا من عبدٍ عَتَقَ كلُّه إنْ كانَ له مالٌ، فإن لم يكنْ لهُ مالٌ استُسعيَ العبدُ غيرَ مَشقوقٍ عليهِ". قوله: "مَن أعتق شِقْصًا في عبد، أُعتق كلُّه"، (الشَّقْص والشَّقيص): النصيب. قوله: "إن لم يكنْ له مالٌ استُسعي العبدُ غيرَ مشقوقٍ عليه"، قال الخطَّابي: وقد تأوَّلَه بعضُ الناس، فقال: معنى السعاية: أن يُستسعَى العبدُ لسيده؛ أي: يُستخدمَ، ولذلك قال: (غيرَ مشقوق عليه)؛ أي: لا يُحمَّل فوقَ ما يلزمُه من الخدمة، بل يُقدَّر ما فيه من الرِّقِّ، لا يُطالَبُ بأكثرَ منه. معنى قول الخطَّابي: أي: يُستسعَى العبدُ لسيده؛ أي: لسيده الذي لم يُعتِق إن كان المعتِقُ مُعسِرًا. حاصل معنى هذا الحديث: أنَّ مَن أَعتقَ نصيبًا من عبدٍ مُشترَكٍ بينه وبين شريكه، عتقَ كلُّه إن كان مُوسِرًا، وإن كان مُعسِرًا، فلشريكِهِ أن يَستخدمَ العبدَ بقدر نصيبه فيه، ولا يُكلِّفَه فوق حقِّه. * * * ٢٥٣٥ - عن عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁: أنَّ رجلًا أعتقَ ستةَ مَمْلوكينَ لهُ عندَ مَوْتِهِ، لم يكنْ لهُ مالٌ غيرُهم، فدَعا بهم رسولُ الله ﷺ فجَزَّأَهم أَثلاثًا ثم أَقرَعَ بينَهم، فأَعْتَقَ اثنينِ، وأَرَقَّ أربعةً، وقالَ لهُ قولًا شديدًا.

стр. 1761

قوله: "فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرَع بينهم، فأعتقَ اثنين، وأرقَّ أربعةً، فقال له قولًا شديدًا"، يُقال: جزَّأت الشيءَ تجزئةً؛ أي: قسَّمتُه، وجعلتُه أجزاءً، و (أقرَعَ): إذا ضربَ القُرعةَ، وكيفيتُه: أن تُأخَذَ مثلًا ثلاثُ رِقاعٍ متساويةٍ، فيكتب في واحدٍ منها: عتقٌ، وفي الاثنين الباقيين: رِقٌّ، وتُدرَج في بنادقَ، وتُخرَج رقعةٌ واحدةٌ منها باسم أحد العبيد؛ فإن خرج سهمُ العتق، عتقَ ذلك العبدُ الذي خرج باسمه، ورقَّ الآخرانِ، وإن خرج سهمُ الرقِّ، رقَّ العبدُ الذي خرج باسمه، ويُخرجُ رقعةً أخرى باسم آخر؛ فإن خرج سهمُ العتق، عتقَ الذي خرج باسمه، ورقَّ الثالثُ، وإن خرج سهمُ الرقِّ، رقَّ الذي خرج باسمه، وعتقَ الثالثُ؛ وقِسْ على هذه الصورة ما ذُكر في الحديث. يُقال: أَرقَّ فلانًا: إذا جعلَه رقيقًا. قال في "شرح السُّنَّة": في هذا الحديث دليلٌ على أن العتقَ المُنجَّز في مرض الموت في حكم المُعلَّق بالموت في الاعتبار من الثُّلثِ، وفي أنَّ مَن لا يصحُّ له الوصيةُ، لا يصحُّ التبرعُ معه في مرض الموت. ويفترقان في حُكمَين: أحدهما: أنه يجوز له الرجوعُ عن المُعلَّق بالموت؛ لأنَّ المُلكَ لم يحصل للمُتبرَّع عليه قبل الموت، ولا يملك الرجوعَ عن المُنجَّز؛ لحصول المُلك له. والثاني: أن في المُنجَّز يُقدَّم الأسبقُ فالأسبقُ، وفي المُعلَّق بالموت لا يُقدَّم ما لم يُقيدْه. بيانه: لو قال في مرض موته لثلاثة أَعبُدٍ له: سالمٌ حرٌّ وغانمٌ حرٌّ وزيادٌ حرٌّ؛ ولم يَخرجْ من الثُّلثِ إلا واحدٌ منهم، عتقَ الأولُ، فإن خرج اثنان من الثلث، عتقَ الأولانِ. وفي المُعلَّق بالموت لو قال: إذا متُّ فسالمٌ حرٌّ وغانمٌ حرٌّ وزيادٌ حرٌّ؛

стр. 1762

ولم يَخرجْ إلا واحدٌ منهم من الثُّلث، يُقرَعَ بينهم، فإن قيَّدَ بالتأخير، فقال: إذا متُّ فسالمٌ حرٌّ ثم غانمٌ ثم زيادٌ، أو قال: سالمٌ حرٌّ، وأَعتِقُوا غانمًا، ولم يَخرجْ إلا واحدٌ من الثُّلث، عتقَ الأولُ. وفي الحديث إثباتُ القُرعةِ بينهم إذا أَعتقَهم معًا في مرض موته أو بعد موته؛ ليتميز العتيق عن غيره، فإن كانوا ثلاثةً قيمتُهم سواءٌ أُقرِعَ بينهم بسهمَي رقٍّ وسهم حريةٍ، فمَن خرج له سهمُ الحرية، كان عتيقًا من وقت إنشاء العتق، وما اكتسبَ من ذلك الوقتِ فله، ورقَّ الآخرانِ. وإن كانوا ستةً، جزَّأهم على ثلاثة أجزاء على اعتبار القيمة، فإن كانت قيمتُهم متفاوتةً بأن كانت ثلاثةٌ منهم قيمةُ كلِّ واحدٍ مئةٌ، وثلاثةٌ قيمةُ كلِّ واحدٍ خمسون؛ ضُمَّ كلُّ واحدٍ ممن قلَّتْ قيمتُه إلى واحدٍ ممن كثرَتْ قيمتُه، ثم أُقرِع بينهم بسهمَي رقًّ وسهم حريةٍ. وإن لم تمكن التسويةُ بين الأجزاء في العدد بأن كانت قيمةُ واحدٍ مئةً، وقيمةُ اثنين مئةً، وقيمةُ ثلاثةٍ مئةً؛ جُعل الواحدُ جزءًا، والاثنين جزءًا، والثلاث جزءًا. وإن كانوا ثلاثةً قيمةُ واحدٍ مئةٌ وخمسون، وقيمةُ الآخر مئةٌ، وقيمةُ الثالث خمسون؛ أُقرِع بينهم بسهمَي رقٍّ وسهم حريةٍ؛ فإن خرجت القُرعةُ للذي قيمتُه مئةٌ وخمسون عتقَ ثلثاه وتمَّ الثُّلث، وإن خرجت القُرعةُ للذي قيمتُه مئةٌ، عتقَ كلُّه، وهو ثلثُ ماله، وإن خرجت القُرعةُ للذي قيمتُه خمسون، عتقَ كلُّه، ثم تُعاد القُرعةُ بين الآخرَين، فيُقرَع بينهما بسهم رقٍّ وسهم حريةٍ، فإن خرج سهمُ الحرية للذي قيمتُه مئةٌ، عتقَ نصفُه، وإن خرج للذي قيمتُه مئةٌ وخمسون، عتقَ ثلثُه. وذهب إلى الإقراع جماعةٌ من أهل العلم، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.

стр. 1763

وذهب قوم إلى أنه لا يُقرَع، بل يُعتَق من كل عبدٍ ثلثُه، ويُستسعَى في ثُلثَيه للوَرَثة، حتى يعتقَ كله، وبه قال أصحابُ الرأي. * * * ٢٥٣٦ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَجْزِي وَلَدٌ والِدَهُ إلا أنْ يَجِدَهُ مَملوكًا فيشتَرِيَهُ فيُعتِقَهُ". قوله: "لا يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه مملوكًا؛ فيَشتريَه، فيُعتقَه"، قال في "شرح السُّنَّة": والعملُ على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا اشترى الرجلُ أحدًا من آبائه أو أمَّهاته، أو أحدًا من أولاده وأولاد أولاده، أو ملكَه بسببٍ آخرَ، يعتقُ عليه من غير أن يُنشِئَ فيه عتقًا. وقال أيضًا: قوله: (فيُعتقه) لم يُرِدْ به: أنَّ إنشاءَ الإعتاق شرطٌ، بل أراد به: أنَّ الشراءَ يُخلِّصه عن الرِّقِّ، فعلى هذا المعنى الفاء في (فيُعتقه) للسببيَّة؛ يعني: سببُ إعتاقِه شراؤه، ولا يحتاج إلى قوله: (أَعتقتُك) بعد الشراء، بل عَتَقَ بنفس الشراء. وذهب أهلُ الظاهر وبعضُ المُتكلِّمين: إلى أنَّ الأبَ لا يعتقُ على الابن؛ لأنَّ في الحديث: (فيَشتريَه، فيُعتقَه)؛ يعني: الفاء في (فيُعتقه) للتعقيب، لا للسببيَّة، وإذا صحَّ الشراءُ، ثبتَ المُلكُ، والمُلكُ يُفيدُ التصرُّفَ. و (مملوكًا): نُصب على الحال من الضمير المنصوب في (يجده)، وهو ضمير الوالد، والعامل فيه (يجد). * * * ٢٥٣٧ - عن جابرٍ ﵁: أنَّ رجلًا من الأنصارِ دَبَّرَ مملوكًا ولم يَكُنْ لهُ مالٌ غيرُه، فبلغَ النبيَّ ﷺ فقال: مَن يَشتريهِ مِنَّي؟ فاشتراهُ نُعيمُ بن النَّحَّامِ العدويٌ بثمانمائةِ درهمٍ.

стр. 1764

وفي روايةٍ: فاشتراهُ نُعيمُ بن عبدِ الله العدويُّ بثمان مئةِ درهمٍ، فجاءَ بها رسولَ الله ﷺ فدَفَعَها إليهِ، ثم قال: "ابدَأ بنفسِكَ فَتَصَدَّق عليها، فإنْ فَضَلَ شيءٌ فلأِهلِكَ، فإنْ فَضَلَ عن أهلِكَ شيءٌ فَلِذي قرابَتِكَ، فإنْ فَضَلَ عن ذي قرابَتِكَ شيءٌ فهكذا وهكذا، يقولُ: فبَيْنَ يَدَيْكَ وعن يميِنكَ وعن شِمالك". قوله: "دبَّر مملوكًا، ولم يكن له مالٌ غيرُه"، (التدبير): تعليقُ عتق مملوكه بموته؛ يعني: يقول له: إذا متُّ فأنت حرٌّ. وفي الحديث دليلٌ على أنَّ بيعَ المُدبر جائزٌ، وهو مذهب الشافعي وأحمد. وعند أبي حنيفة ومالك: لا يجوز بيعُه، لكن عند مالك: يجوز بيعُه بعد موته إذا كان على الميت دَينٌ يحيط بتَرِكتِهِ. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥٣٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وَلَدت أَمَةُ الرَّجلِ منهُ فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منهُ، أو بعدَه". قوله: "إذا ولدتْ أَمَةُ الرجل منه، فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه، أو بعدَه"، (أو): شكٌّ من الراوي، والضمير في (منه) عائدٌ إلى (الرجل)، و (دُبُرُ كل شيء): آخرُه؛ يعني: تُعتَق أمُّ الولد بعدَ موتِ سيدها. * * * ٢٥٤٠ - عن جابرٍ ﵁ قال: بِعْنا أُمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ نهانا عنه فانتَهَيْنا. قوله: "بِعْنا أمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسول الله ... " إلى آخره، (العهد) ها هنا: الزمان.

стр. 1765

قال الخطَّابي: يُحتمَل أن يكونَ ذلك مُباحًا في العصر الأول؛ أي: في ابتداء الإسلام، ثم نهى النبيُّ ﷺ عن ذلك قبل خروجه من الدنيا، ولم يعلمْ به أبو بكر؛ لأنَّ ذلك لم يحدث في أيامه لقصرِ مدتها، ولاشتغالِه بأمور الدِّين ومحاربة أهل الرِّدة واستصلاحِ أهل الدعوة، ثم بقي الأمرُ على ذلك في عصر عمرَ مدةً من الزمان، ثم نهى عنه عمرُ حين بلغَه ذلك عن رسول الله ﷺ ، فانتهَوا عنه. * * * ٢٥٤١ - عن ابن عمَر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أعتَقَ عبدًا ولهُ مالٌ فمالُ العبدِ له إلا أنْ يشترِطَ السيدُ". قوله: "فمالُ العبدِ له إلا أن يَشترطَ السيدُ"؛ يعني: فمالُ العبد المُعتَقِ للسيد، إلا إذا شرط السيدُ للعبد في إعتاقه. * * * ٢٥٤٢ - وعن أبي المَلِيحِ، عن أبيه: أنَّ رَجُلًا أعتقَ شِقْصًا مِن غلامٍ فذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقال: "ليسَ للهِ شَريكٌ". قوله: "ليس لله شريكٌ"؛ يعني: الأَولى أن يُعتقَ جميعَ عبده؛ فإنَّ العتقَ لله سبحانه، فإن أَعتقَ بعضَه وبقي الباقي على الرِّقِّ، فيكون أمرُ سيده نافذًا فيه؛ فهو كشريكٍ له تعالى صُورةً. * * * ٢٥٤٣ - عن سَفينَةَ قال: كنتُ مَملوكًا لأمِّ سَلَمَةَ فقالتْ: أُعتِقُكَ وأَشتَرِطُ عليكَ أنْ تخدُمَ رسولَ الله ﷺ ما عِشْتَ؟ فقلتُ لها: إنْ لَمْ تَشْتَرِطي عليَّ ما فارقتُ رسولَ الله ﷺ ما عِشتُ، فأعتقَتْني واشترطَتْ عليَّ.

стр. 1766

قولها: "أَعتقتُكَ، وأشترطُ عليكَ أن تخدمَ رسولَ الله ﷺ ما عِشتَ"، (ما) في (ما عشتَ) للدوام، هذا لا يوجب الخدمة؛ لأنه وعدٌ، والوعد لا يلزمُه الوفاءُ به، وإنما كان وعدًا؛ لأنه عَتَقَ بقول سيدته: أَعتقتُك؛ فلفظُ (أشترط) قد وقع بعد عتقه. قال الخطَّابي: هذا وعدٌ عُبر عنه باسم الشرط، وأكثرُ الفقهاء؟ لا يُصحِّحون إيقاعَ الشرط بعد العتق؛ لأنه شرطٌ لا يُلاقي في مُلكًا، ومنافعُ الحرِّ لا يملكها غيرُه إلا بالإجارة أو ما في معناها. وقد اختلفوا في هذا؛ فكان ابن سيرين يُثبتُ الشرطَ في مثل هذا، وسُئل أحمدُ بن حنبلَ عنه، فقال: يشتري هذه الخدمةَ من صاحبه الذي اشتَرط له، قيل له: يشتري بالدراهم؟ قال: نعم. قال في "شرح السُّنَّة": لو قال رجلٌ لعبده: أَعتقتُك على أن تخدمَني شهرًا، فقبلَ؛ عتقَ في الحال، وعليه قيمةُ رقبتِهِ للمولى. * * * ٢٥٤٥ - عن أمِّ سَلَمَةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كانَ عندَ مُكاتَبِ إحداكُنَّ وَفاءٌ فلتَحْتَجِبْ منه". قوله: "إذا كان عند مُكاتَبِ إحداكنَّ وفاءٌ، فَلْتَحتجِبْ منه"؛ يعني: خاطَبَ رسولُ الله ﷺ جماعةَ نسوةٍ، فقال: إذا قدر مُكاتَبُ إحداكنَّ على أداء النجومِ نجومِ الكتابة، ولم يُؤدِّ بعدُ، ينبغي أن تحتجبَ منه؛ من حيث الورعُ والاحتياطُ؛ لأنه بصددِ أن يعتقَ ساعةً فساعةً، بأن يُؤديَ نجومَ الكتابة، لكنه رقيقٌ بعدُ، هذا معنى قول مُحيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة". * * *

стр. 1767

٢٥٤٦ - وعن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن كاتَبَ عبدَه على مائةِ أوقيةٍ فأدَّاها إلا عَشْرَ أواقٍ - أو قال: عَشْرةَ دنانيرَ، ثم عَجَزَ فَهُوَ رَقيقٌ". قوله: "مَن كاتَبَ عبدَه على مئةِ أوقيةٍ ... " إلى آخره، في الحديث دليلٌ على أنَّ المُكاتَبَ إذا أدَّى نجومَ الكتابة إلا قليلًا منها، ثم عجز عن أداء ذلك الباقي، يعود رِقُّه كما كان. قوله: "عشرة أواق"، حقه: عشر أواق؛ لأن واحد (أواق): أوقية، وفيها تاء التأنيث. * * * ٢٥٤٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أصابَ المُكاتبُ حدًّا أو ميراثًا وَرِثَ بحسابِ ما عَتَقَ منه". وقال: "يُؤدِّي المكاتَبُ بحصَّةِ ما أدَّى ديةَ حُرٍّ، وما بقي ديةَ عبدٍ"، ضعيف. قوله: "إذا أصابَ المُكاتَب حدًّا أو ميراثًا ورثَ بحسابِ ما عَتَقَ منه"؛ يعني: إذا ثبت لمكاتَبٍ ديةٌ أو ميراثٌ يثبتُ له من الدِّية والميراث بحساب ما عتق من نفسه، كما لو أدَّى نصف مال الكتابة، ثم مات أبوه، وهو حرٌّ، وما خلَّف سواه، يرث من أبيه نصفُ مالِهِ؛ لعتق نصفه، وقياسُ الدِّية على الميراث، كما يأتي في الحديث الذي بعده شرحها، وهذا الحديثُ والذي بعده غيرُ معمولٍ بهما. قوله: "يُؤدِّي المُكاتَب بحصة ما أدَّى ... " إلى آخره، قال في "شرح السُّنَّة": وعامةُ أهل العلم على أنَّ المُكاتَب إذا قُتِلَ، وقد بقي عليه شيءٌ من

стр. 1768

النجوم، يجبُ على قاتله قيمتُهُ كالعبد؛ إلا إبراهيمَ النَّخَعيَّ، فإنه قال بظاهر الحديث، والآخرون لعلَّهم ذهبوا إلى أنَّ الحديثَ غيرُ ثابت. ومعنى الحديث: أنَّ المُكاتَبَ إذا أدَّى ثلثَ نجوم الكتابة مثلًا، فديتُه أثلاثٌ؛ ثلثٌ دِيةُ الحرِّ، وثلثانِ آخرانِ دِيةُ عبدٍ، وهي ثلثا قيمته، وهو غيرُ ثابت، كما ذُكر. * * * ٣ - باب الأيمانِ والنُّذورِ (باب الأيمان والنُّذور) (الأيمان): جمع يمين، وهي: الحَلف، و (النُّذور): جمع نَذر، قيل: هو وعدٌ بطاعةٍ مؤكدٌ بعقدٍ. * * * مِنِ الصِّحَاحِ: ٢٥٤٨ - عن ابن عمرَ ﵄ أنه قال: كان أكثرُ ما كانَ النبيُّ ﷺ يَحلِفُ: "لا، ومُقَلِّبِ القلوبِ". قوله: "لا، ومُقلِّبِ القلوب"؛ يعني: كان أكثرُ حلف النبيِّ ﷺ في النفي: (لا، ومُقلِّبِ القلوب)؛ وإنما حلف بهذا ليكونَ دليلًا على أنه يجوزُ أن يكونَ الحلفُ بصفاته الأفعالية، كما هو جائزٌ بذاته وصفاته الذاتية. * * *

стр. 1769

٢٥٤٩ - عن ابن عمرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ألا إن الله تعالى ينهاكمُ أن تحلِفُوا بآبائِكم، مَنْ كانَ حالِفًا فليحلِفْ بالله أو ليَصمُتْ". قوله: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، (ألا): كلمة تنبيه؛ أي: اعلَموا؛ يعني: اليمينُ بغير اسم الله سبحانه وصفاته منهيَّة؛ وإنما نُهيتْ لأنَّ الغرضَ من اليمين أن يُذكَرَ اسمُ الله تعالى أو صفاتُه؛ لتُؤثِّرَ عظمةُ الله في نفسه، حتى لا يأخذَ ما لا حقَّ له فيه، ويُؤدِّيَ ما عليه من الحقِّ؛ لأنه لا يُؤثِّر غيرُ اسم الله وصفاته في نفس الحالف، فلهذا ما جوَّز الشرعُ أن يُحلَف بغير ذاته وصفاته تعالى. وأمَّا ما ورد بخلاف ذلك مثل ما قاله ﷺ في جواب الأعرابي: لا أزيدُ على هذا ولا أنقص: "أفلحَ - وأبيه - إن صدقَ"، وفي موضع آخر: "ذلك وأبي"؛ فقد تكلَّم بهما على عادة كلام العرب، لا على قصد القَسَم تعظيمًا. * * * ٢٥٥٠ - وقال: "لا تَحلِفُوا بالطَّواغي ولا بآبائِكم". قوله: "لا تحلفوا بالطَّواغي"، (الطَّواغي): جمع طاغية، وهي مصدر كـ (العاقبة)، و (الخاطئة)، ومعناها: الطُّغيان، والطَّواغي ها هنا: بمعنى الأوثان، وقد ورد: طاغية فلان، وطاغية فلان، يريد بها: الصَّنم، سُميت الأوثانُ طَواغيَ؛ لأنها سببُ الطغيان. وقيل: هذا خطاب لقومٍ قربَ عهدهم بالإسلام كانوا يحلفون بالطَّواغي؛ لكونهم معتادين بذلك في الجاهلية، فقد نُهُوا عن هذا الحَلف. * * *

стр. 1770

٢٥٥١ - وقال: "من حلفَ وقال في حَلفِهِ: بِاللاّتِ والعُزَّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومَن قال لصاحِبه: تعالَ أُقامِرْكَ، فلْيَتَصدَّقْ". قوله: "مَن حلفَ، فقال في حلفه: باللات والعُزَّى! فَلْيَقلْ: لا إله إلا الله"، (اللات): اسم صنم كان لثقيف، و (العُزَّى): لسُلَيم وغطفان. قال الخطَّابي: فيه دليلٌ على أنَّ الحالفَ باللات والعُزَّى لا يلزمُه كفَّارة اليمين، فإنما يلزمُه الإنابةُ والاستغفارُ، وفي معناه إذا قال: أنا يهوديٌّ أو نَصرانيٌّ، أو: بريءٌ من الإسلام إن فعلتُ كذا، وهو قول مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: إذا قال: هو يهوديٌّ إن فعلَ كذا، فحنثَ، كان عليه كفَّارةُ يمين، وبه قال أحمد. وإنما قال الخطَّابي ﵀: لا يلزمُه إلا الإنابةُ والاستغفارُ؛ لأنه لا يجوز الحلفُ إلا بالله، فإذا حلفَ بالأصنام تعظيمًا لها، كَفَرَ، فإذا كفرَ، فعليه كلمةُ التوحيد والإنابةُ إلى الإسلام؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَه بكلمة التوحيد، فقال: (فليقل: لا إله إلا الله)، أمَّا إذا حلف باللات، ولم يعتقد تعظيمًا لها، فَسَقَ، فعليه الاستغفارُ فقط. قوله: "مَن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْك فَلْيَتَصدَّقْ"، قال الخطَّابي: معناه: فَلْيَتَصدَّقْ بقدر ما جعله خطرًا في القِمار. (الخطر): المال الذي يريد أن يُقامرَه به. وقيل: يتصدق بشيءٍ من ماله كفَّارة لِمَا تكلَّم به. (أقامرْك): مجزوم جوابًا لقوله: (تعالَ)؛ لأنَّ في (تعالَ) معنى الشرط، تقديره: إن تأتِني أُقامِرْك. * * *

стр. 1771

٢٥٥٢ - وقال: "من حلَفَ على مِلَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذِبًا فهوَ كما قالَ، وليسَ على ابن آدمَ نذرٌ فيما لا يملِكُ، ومَن قتلَ نفسَه بشيءٍ في الدُّنيا عُذِّبَ بهِ يومَ القيامةِ، ومَن لعنَ مُؤْمِنًا فهو كقتلِهِ، ومَن قَذَفَ مؤمنًا بكفرٍ فهوَ كقتلِهِ، ومَن ادَّعى دَعْوَى كاذِبةً ليَتَكَثَّر بها، لم يَزِدْهُ الله إلا قِلَّةً". قوله: "مَن حلفَ على مِلَّة غيرِ الإسلامِ كاذبًا فهوَ كما قالَ"؛ يعني: مَن حلف على مِلَّة من المِلَل الباطلة بأن قال: بالمِلَّةِ اليهوديةِ والنصرانيةِ لأَفعلَنَّ كذا؛ فهو كما قال؛ أي: فهو صار من جملة أهل الدِّين الذي حلف به، سواءٌ كان صادقًا أو كاذبًا؛ لأنه عظَّم دِينًا باطلًا بأن حلف به، فأمَّا لو قال: إن فعل كذا فهو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ؛ إن كان كاذبًا فهو كما قال؛ يعني: إن فعل ذلك فهو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ كما قال، وإن كان صادقًا - أي: إن لم يفعلْه - فلم يَرجعْ إلى الإسلام سالمًا، بل يحتاج إلى تجديدِ كلمةِ التوحيد؛ فعند الشافعي ومالك: لا كفَّارةَ عليه إذا فعل ذلك لتعظيمه؛ يعني: تعظيمُهُ ذلك لا يُقبَلُ الكفَّارةَ، وعند أبي حنيفة وأحمد: فعليه كفَّارةُ اليمين. قوله: "عُذِّب به يومَ القيامة"؛ أي: عُذِّب بذلك الشيء الذي قَتل به نفسَه. قوله: "ومَن لعن مؤمنًا فهو كقتلِه"، (هو): عائدٌ إلى اللَّعن الذي يدلُّ عليه (لعنَ)؛ يعني: مَن لعن مؤمنًا فلعنُه إياه كقتلِه من بعض الوجوه؛ وإنما شبَّه اللَّعنَ بالقتل؛ لأنه إذا قتلَه أذهبَ عيشَه الدُّنيويَّ له بإزهاقِ روحِهِ، وإذا لعنَه أذهبَ عِرضَه بلعنِه وشتمِه؛ فإذهابُ عِرضه كإذهابِ نفسِهِ، كلاهما يُوجب الإثمَ له، وكذلك "قذفُه مؤمنًا بكفرٍ" مثلُ قتله، كما ذُكِر. وقيل: تشبيه اللَّعن بالقتل، والقَذف بالكُفر من حيث إنَّ الجميعَ مُحرَّم؛ يعني: كما أنَّ القتلَ مُحرَّمٌ، فكذا اللَّعنُ والقَذفُ، فلهذا شبَّههما ﷺ بالقتل.

стр. 1772

وحملُ مثلِ هذا الحديث على الزَّجر والتهديد أَولى. قوله: "ومَن ادَّعى دعوى كاذبةً؛ لِيتَكثرَ بها، لم يَزِدْه الله إلا قلَّةً"، (كاذبة): صفة دعوى، (التكثُّر): طلب الكثرة، الضمير في (بها) يعود إلى الدعوى؛ يعني: مَن طلب كثرةَ المال بدعواه الكاذبة، لا يحصل له إلا قلةُ المال. * * * ٢٥٥٤ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن سَمُرةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "يا عبدَ الرحمنِ بن سَمُرةَ: لا تسألِ الإِمارةَ، فإنَّك إنْ أُوتيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُوتيتَها عن غيرِ مسألةٍ، أُعِنتَ عليها، وإذا حلفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فكفِّرْ عن يمينِكَ وَائْتِ الذي هو خيرٌ". وفي روايةٍ: "فائتِ الذي هوَ خيرٌ وكفِّرْ عن يمينِكَ". قوله: "لا تسألِ الإمارةَ؛ فإنك إن أُوتيتَها ... " إلى آخره، السؤال ها هنا: بمعنى الطلب، (الإمارة): الحكم والولاية، (الإيتاء): الإعطاء؛ يعني: لا تطلبِ الإمارةَ والولايةَ، فإن أُعطيتَ الولايةَ، وُكِلتَ بها؛ يعني: خُلِّيتَ والولايةَ، وما أُعِنتَ على حُكمِكَ، وإن أُعطيتَها من غير طلبك إياها، "أُعنتَ عليها"؛ يعني: وُفِّقتَ لحكمك في الأمور المرضية ونفاذها. قوله: "وإذا حَلفتَ على يمينٍ، فرأيتَ غيرها خيرًا منها ... " إلى آخره؛ يعني: إذا حلفتَ على شيء، فرأيت غيره خيرًا منه؛ بأن حلفتَ على ترك مندوب أو فعل مكروه، فالأفضلُ أن يُكفِّرَ، ثم يُحنثَ نفسَه؛ أي: يفعل ذلك المندوبَ، أو لا يفعل ذلك المكروه، وإلا فحفظُ اليمين أَولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ أي: احفظوها عن الحِنث. قال في "شرح السُّنَّة": اختلف أهل العلم في تقديم كفَّارة اليمين على

стр. 1773

الحِنث؛ فمذهب أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﷺ وغيرهم إلى جوازه، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد؛ إلا أنَّ الشافعي يقول: إن كفَّرَ بالصوم قبل الحِنث لا يجوز، إنما يجوز تقديمُ العتق أو الإطعام أو الكسوة، كما يجوز تقديمُ الزكاة على الحَول، ولا يجوز تعجيلُ صوم رمضان قبل وقته. قوله: "وفي رواية: فائتِ الذي هو خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينك"، وفي هذه الرواية التحنيثُ مُقدَّمٌ على التكفيرِ، بخلاف الرواية الأولى. * * * ٢٥٥٦ - وقال: "والله لأنْ يَلِجَّ أحَدُكم بيمينهِ في أهلِه، آثَمُ لهُ عندَ الله من أنْ يُعطيَ كفَّارتَه التي افترضَ الله عليهِ". قوله: "والله لأَنْ يلجَّ أحدُكم بيمينه في أهلِهِ ... " إلى آخره، لَجِجْتَ - بالكسر - تَلَجُّ لَجَاجًا، ولَجَاجةَ، فهو لَجُوجٌ، و (لجَجْتَ - بالفتح - تَلِجُّ) لغةٌ، ذكره في "الصِّحاح". يعني: إذا حلف أنه لا يفعلُ الشيءَ الفلاني، ويعرفُ أن فعلَ ذلك الشيء خيرٌ من إقامته على اليمين، ثم يلجُّ مع أهله، ولا يفعلُ ذلك تعلُّلًا باليمين؛ يكون إثْمُه أكثرَ في الوفاء على اليمين من فعلِ المحلوف عليه، وإعطاءِ الكفارة المفروضةِ عليه. * * * ٢٥٥٨ - وقال: "اليمينُ على نِيَّةِ المُسْتَحلِفِ". قوله: "اليمينُ على نيَّة المُستحلِف"، (النية): القصد، و (المُستحلِف): طالب الحلف؛ يعني: النظر في اليمين على نيَّة طالب الحلف واعتقاده، فالتأويلُ على خلاف قصد طالب الحلف لا يدفعُ إثمَ اليمين الكاذبة.

стр. 1774

قيل: عند إبراهيمَ النَّخَعيِّ تفصيلٌ؛ فهو ينظر إلى أنه إن كان المُستحلِفُ ظالمًا، فالنيةُ على ما نواه الحالف، وإن كان مظلومًا، فالنيةُ على ما نواه المُستحلِف. * * * ٢٥٥٩ - وعن عائشةَ ﵂: أنها قالت: لَغْوُ اليمينِ قولُ الإنسانِ: لا والله، وبَلَى والله، ورفَعَهُ بعضُهم عن عائشةَ ﵂. قولها: "لغوُ اليمينِ قولُ الإنسان: لا، والله! وبلى، والله! "؛ يعني: قولُ الإنسان: لا، والله! وبلى، والله! من غير أن يعتقدَ به قلبُه، كما هو عادةُ العرب في المكالمة = لا يُؤاخَذ به؛ فإنه مما يسبق إليه اللسان، وإليه ذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لغو اليمين عبارةٌ عن أن يحلفَ على شيءٍ مضى وهو كاذبٌ فيه، ولكن يظنُّ أنه صادقٌ فيه، فلا كفَّارةَ عليه ولا إثمَ. * * * مِنِ الحِسَان: ٢٥٦١ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن حَلَفَ بغيرِ الله فقد أَشْرَكَ". قوله: "مَن حلفَ بغير الله فقد أشرَكَ"؛ يعني: مَن حلف بغير الله وصفاته مُعتقدًا له التعظيمَ فقد أشرَكَ؛ لأنه أشرَكَ المحلوفَ به مع الله فى التعظيمِ المُختصِّ به، وإذا لم يحلفْ به إلا من حيث العادةُ كما يقول: لا، وأبي! فلا بأسَ، هذا هو الظاهر. قال الشيخ في "شرح السُّنَّة": وفسَّر هذا الحديثَ بعضُ أهل العلم على التغليظ، وهذا مثل ما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الرِّياءُ شِركٌ"، وقد فسَّر بعضُ

стр. 1775

أهل العلم: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] قال: لا يُرائي, وهذا التفسير يدلُّ على أنَّ قولَه ﷺ : "فقد أشرَكَ" شِركٌ دونَ شِركٍ، يريد به: الشِّركَ الخفيَّ. * * * ٢٥٦٢ - عن بُرَيدةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن حَلَفَ بالأَمانةِ فليسَ منا". قوله: "مَن حلف بالأمانة، فليس منَّا"؛ أي: فليس ممَّن اقتدى بطريقتنا. قيل: شدَّد رسولُ الله ﷺ في الكراهية بالحلف بالأمانة؛ لأنه من مُبتدَعاتِ أهلِ الكتاب. قال في "شرح السُّنَّة": وهذا أيضًا يُشبه أن يكونَ وعيدًا؛ لمَّا أنه حلفَ بغير الله، وإنما قال الشيخ ﵀: حلف بغير الله؛ لأنَّ الأمانةَ ليست من صفاته تعالى، وإنما هي أمرٌ من أمره، وفرضٌ من فروضه، فنُهوا عنه؛ لِمَا في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته. ولا يجب به كفَّارةٌ عند الشافعي، وقال أصحاب الرأي: إذا قال: وأمانةِ الله! كان يمينًا تجب به الكفَّارةُ. * * * ٢٥٦٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: "كانتْ يمينُ رسولُ الله ﷺ إذا حلفَ: لا، وأستغفِرُ الله". قوله: "إذا حلف: لا، وأستغفر الله"، قيل: إذا حلف رسولُ الله ﷺ يمينَ اللغو، وهي قوله: لا، والله! و: بلى، والله! كما ذُكر قبلُ، كان يقولُ: (وأستغفرُ الله) عَقيبَه؛ تداركًا لِمَا جرى على لسانه من غير قصد، ولو كان مَعفوًّا عنه كما نطقَ

стр. 1776

به القرآنُ؛ ليكون دليلًا لأمَّته على الاحترازِ عنه. * * * ٢٥٦٦ - وعن ابن عمرَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن حلفَ على يمينٍ فقالَ: إنْ شاءَ الله، فلا حِنْثَ عليهِ"، وَوَقَفَهُ بعضُهم على ابن عمرَ ﵄. قوله: "مَن حلفَ على يمينٍ، فقال: إن شاء الله؛ فلا حِنثَ عليه"، (الحِنثُ): الخُلْفُ في اليمين؛ يعني: مَن حلف على فعل شيء أو تركه، فقال عَقيبَه: إن شاء الله؛ فلا ينعقد يمينُه. يعني: لو فعلَ ذلك الشيء أو تركَه، لم يحنث، ولا فرقَ بين الأيمان كلِّها في ذلك؛ يعني: بالله! والطلاقِ! والعتاقِ! لكنَّ الخلاف في أنَّ الاستثناءَ إذا كان منفصلًا عنها يصحُّ أم لا؟ قال في "شرح السُّنَّة": واختلف أهل العلم في الاستثناء إذا كان منفصلًا عن اليمين؛ فذهب أكثرُهم إلى أنه لا يُعمَل به إلا أن يكون بين اليمين والاستثناء سكتةٌ يسيرةٌ، كسكتة الرجل للتذكر أو للقيء أو للتنفس، فإن طال الفصل، أو اشتغل بكلامٍ آخرَ بينهما، ثم استثنى، فلا يصحُّ. وذهب بعضُهم إلى أنَّ الاستثناءَ جائزٌ ما دام في المجلس. وقال أحمد: له أن يَستثنيَ ما دام في ذلك الأمر. وقال ابن عباس: له استثناءٌ بعد حينٍ؛ قال الخطَّابي: ولو كان الأمرُ على ما ذهب إليه، لَكان للحالفِ المَخرجُ من يمينه حتى لا تلزمَه كفَّارةٌ بحال، وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيرًا منها، فَلْيَأتِ الذي هو خيرٌ، وَلْيُكفِّرْ عن يمينه"، ذُكر شرح الحديث الذي ذكرَه للاستدلال قبل هذا. * * *

стр. 1777

فصل في النُّذورِ (فصل في النُّذور) (النُّذور): جمع نذر، قيل: هو وعدٌ بطاعة الله على شرطٍ؛ يعني: إيجاب طاعةٍ على نفسه على شرطٍ، كما لو قال: إن شفى الله مريضي، فله عليَّ إعتاقُ رقبة. * * * مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٦٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَنْذُروا فإنَّ النَّذرَ لا يُغْني من القَدَرِ شيئًا، وإنما يُستَخرَجُ بهِ مِن البخيلِ". قوله: "لا تنذروا؛ فإن النذرَ لا يُغني من القَدَر شيئًا"، أراد بهذا النهي: تأكيدًا لأمر النذر، وتحذيرًا عن التهاون به بعد لزومه؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لَمَا وجبَ على الناذرِ الوفاءُ بنذره؛ لأنه إذا كان مَنهيًّا عنه، يكون الإتيانُ به معصيةً، وتركُ المعصية واجبٌ، وكلُّ ما كان تركُه واجبًا، كيف يلزمُ الوفاءُ به؟! وإذا تقرَّر هذا فوجهُ الحديث: أنَّ النذرَ لا يردُّ القضاءَ السماويَّ، ولا يجلب لصاحبه نفعًا، ولا يدفعُ عنه ضرًا؛ بل معناه: أنه لا تنذروا على ظنِّ أنكم تنتفعون بشيءٍ لم يُقدِّرْه الله سبحانه، أو تدفعون عن أنفسكم به القضاءَ الأزليَّ الذي جرى عليكم، فإذا نذرتُم فأتوا بالمنذور؛ فإنَّ الذي نذرتُمُوه، لزم عليكم الوفاءُ به، هذا ما أورده الخطَّابي ﵀ في "معالمه". قوله: "وإنما يُستخرَجُ به من البخيل"، (يُستخرَج) معناه: يخرج، الضمير في (به) يعود إلى النذر؛ يعني: يُخرَج المالُ من البخيل بواسطة النذر؛

стр. 1778

يعني: مَن لم يكن فيه بخلٌ، فهو يعطي باختياره من غير واسطة النذر، ومَن كان فيه بخلٌ، فلا يعطي إلا إذا وجبَ عليه الإعطاءُ بالنذر. وفيه دليلٌ على وجوب الوفاء بالنذر إذا لم يكن معصيةً، فإذا امتنعَ عن الوفاء بالنذر، ألزمَه الحاكمُ بالوفاء. * * * ٢٥٦٨ - وقال: "مَن نذرَ أنْ يُطيعَ الله فلْيُطِعْهُ، ومَن نذرَ أنْ يعصيَهُ فلا يَعصِه". قوله: "مَن نذرَ أن يطيعَ الله فَلْيُطِعْه، ومَن نذرَ أن يعصيَ الله فلا يَعصِه"، قال في "شرح السُّنَّة": فيه دليلٌ على أنَّ مَن نذرَ طاعةً يلزم الوفاءُ به، وإن لم يكن مُعلَّقًا بشيءٍ، وأنَّ مَن نذر معصيةً، فلا يجوز له الوفاءُ به، ولا تلزمُه به الكفَّارةُ، إذ لو كانت كفَّارةٌ لأشبهَ أن يبين، وهو قول الأكثرين، وبه قال مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: إذا نذر في معصية، فكفَّارتهُ كفَّارةُ يمين. * * * ٢٥٦٩ - وقال: "لا وفاءَ لنذْرٍ في مَعصِيةٍ، ولا فيما لا يَملِكُ العبدُ". وفي روايةٍ: "لا نذْرَ في معصيةِ الله". قوله: "ولا فيما لا يملك العبد"؛ يعني: لا يلزمُه الوفاءُ بنذرِ شيءٍ لا يملكه؛ فقال مالك والشافعي: لو نذرَ صومَ العيد، لم يجبْ عليه شيءٌ، وإن نذرَ نحرَ ولده فباطلٌ، وقال أبو حنيفة وأحمد: فعليه كفَّارةُ اليمين في النذر الثاني، وفي الأول: فعليه صومُ يومٍ آخرَ، هذا معنى ما أورده في "شرح السُّنَّة". * * *

стр. 1779

٢٥٧١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: قال: بينا النبيُّ ﷺ يخطُبُ إذا هو برجلٍ قائمٍ فسألَ عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أنْ يقومَ ولا يقعدَ، ولا يَستظِلَّ، ولا يتكلَّمَ، ويصومَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "مُرْهُ فليتكلَّمْ وليستظِلَّ وليَقعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ". قوله: "فسأل عنه"؛ أي: سأل النبيُّ ﷺ عن قيامه، لا عن اسمه. "فقالوا: أبو إسرائيل؛ نذر أن يقومَ ولا يقعدَ ... " إلى آخره، (أبو إسرائيل): رجل من قريش. تقول: استظلَّ بالشجرة؛ أي: استترَ بها وقعد في ظلَّها. وإنما أمرَه النبيُّ ﷺ بأن يُتمَّ صومَه فقط دون المنذورات الأُخَر؛ لأنَّ نذرَه كان على نوعَين: نذرُ طاعةٍ، ونذرُ معصيةٍ؛ فالصومُ كان نذرَ طاعةً، فأمرَه بالوفاء به، والباقي كان نذرَ معصيةٍ، فلم يأمرْه بالوفاء به. * * * ٢٥٧٢ - وعن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى شيخًا يُهادَى بين ابنيْهِ فقال: "ما بالُ هذا؟ " قالوا: نذرَ أنْ يمشيَ، قال: "إنَّ الله عَنْ تَعْذِيب هذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ"، وأَمَرَهُ أنْ يركبَ. وفي روايةٍ: "اركبْ أيُّها الشَّيخُ، فإنَّ الله غنيٌّ عنكَ وعن نذرِك". قوله: "رأى شيخًا يُهادَى بين ابنيه ... " إلى آخره، (المُهاداة): المشي بين الاثنين مُعتمِدًا عليهما من ضعفٍ أو تمايُلٍ؛ يعني: رأى النبيُّ ﷺ شيخًا يمشي بين ابنيه مُعتمِدًا عليهما من الضعف، بحيث كان يجرُّ أخمصَيه على الأرض، فقال: ما حالُ هذا الشيخ؟ قالوا: نذرَ أن يمشيَ إلى بيت الله، فقال: مُرُوه فَلْيَركبْ؛ فإنَّ الله سبحانه لَغنيٌّ عن تعذيبه نفسَه، وعن نذره.

стр. 1780

قال الخطَّابي: قد اختلف العلماء فيمَن نذر أن يمشيَ إلى بيت الله؛ فقال الشافعي: يمشي إن أطاقَ المشيَ، فإن عجز أراق دمًا وركب، وقال أصحاب الرأي: يركب ويُريق دمًا، سواءٌ أطاقَ المشيَ أو لم يُطِقْه. * * * ٢٥٧٣ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ سعدَ بن عُبادَةَ استفْتَى النبيَّ ﷺ في نذرٍ كانَ على أُمَّهِ، فتُوفِّيَت قبلَ أنْ تَقْضيَه؟ فأفتَاه بأنْ يَقضيَه عنها. قوله: "استَفتَى النبيَّ ﷺ في نذرٍ كانَ على أمِّه"، (استفتى)؛ أي: طلب الفتوى، "فتُوفِّيت"؛ أي: ماتت. فيه دليلٌ على أنَّ مَن مات وعليه حقٌّ من حقوق الله تعالى كالزكاة والكفارة والنذر؛ يجب أداؤها من التركة قبل الوصايا والميراث، كما يجب أداء ديون الآدمي، سواءٌ كان وصَّى بها أو لم يُوصِ، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تُقضَى ما لم يُوصِ بها. وقال مالك: لا تُقضَى ما لم يُوصِ بها، فإذا أوصى يُقضَى من الثلث، لكنه يُقدَّم على سائر الوصايا، هذا معنى كلام "شرح السُّنَّة". * * * ٢٥٧٤ - وعن كعبِ بن مالكٍ ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ الله: إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أنخلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله وإلى رسولهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أمسِكْ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لكَ"، قلتُ: فإني أُمسِكُ سَهْمي الذي بخيبرَ. قوله: "إنَّ من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً"، (من توبتي): خبر (إن)، (أن أنخلعَ): اسمه، و (أن) مع ما بعده في تقدير المصدر، تقديره: من توبتي انخلاعي.

стр. 1781

قال الإمام التُّورِبشتي في "شرحه": الصواب أن يُروَى: (أنخلع)، من (الانخلاع)، بدل (أتخلَّعَ) من (التخلُّع)؛ وإنما قال: الانخلاع أصحُّ؛ لأنه مُطاوعٌ، خلعتُه فانخلعَ؛ أي: قَبلَ الخلعَ وانقادَ له، ولا يدلُّ التخلُّعُ على هذا، فلهذا عدل إليه، كأنه قال: ما أنا فيه يقتضي خلعَ مالي صدقة مكفرة، فينخلعُ منه بتَّةً، ولا يدل التخلُّعُ لا على الموجب الخالع المتقدم، ولا على بتِّ الخلع. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥٧٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نذرَ في معصيةِ الله، وكفَّارتُه كفارةُ اليمينِ". قوله: "لا نذرَ في معصيةِ الله، وكفارتُه كفارةُ اليمين": هذا مُستنَدُ أبي حنيفةَ ﵀ كما ذُكر قبلُ. * * * ٢٥٧٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لم يُسَمِّهِ فكفّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا في معصيةٍ فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطيقُه فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بهِ"، ووقَفه بعضُهم على ابن عباسٍ ﵄. قوله: "مَن نذرَ نذرًا لم يُسمِّه، فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ"؛ يعني: مَن نذر مطلقًا، فقال: للهِ عليَّ! ولم يُسمِّ شيئًا، فعليه كفَّارةُ اليمين، ذكرَه في "شرح السُّنَّة". * * *

стр. 1782

٢٥٧٧ - عن ثابتِ بن الضَّحَّاك: أنه قال: أتَى رَجُلٌ النبيَّ ﷺ فقالَ: إني نذرتُ أنْ أنحر إبلاً ببُوانَةَ قال: "أكان فيها وَثَنٌ مِن أَوثانِ الجاهليةِ يُعْبَدُ؟ " قالوا: لا، قال: "فهلْ كانَ فيها عيدٌ مِن أعيادِهم؟ " قالوا: لا، قال: "أَوفِ بنذرِكَ فإنه لا نَذْرَ في معصيةِ الله، ولا فيما لا يملِكُ ابن آدمَ". قوله: "نذرتُ أن أنحرَ إبلاً ببُوانةَ"، (بُوانة) بضم الباء: اسم موضع، وقال الشاعر: أَيَا نَخْلَتَي وَادِي بُوانةَ حَبَّذا ... إذا نامَ حُرَّاسُ النَّخِيلِ جَنَاكُمَا ذكره في "الصِّحاح". قال في "شرح السُّنَّة": أسفلَ مكةَ دونَ يَلَمْلَم، يُقال: كان السائلُ كرْدَمَ بن سفيانَ الثقفيَّ. وفيه دليلٌ على أنَّ الوفاءَ بنذرٍ لا معصيةَ فيه واجبٌ. * * * ٢٥٧٨ - وعن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدَّه: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إني نَذَرتُ أنْ أَضرِبَ على رأسِكَ بالدُّفَّ؟ قال: "أَوْفي بنذرِكِ"، قالت: إني نذرتُ أنْ أذبَحَ بمكانِ كذا وكذا - بمكانٍ كانَ يذبحُ فيهِ أهلُ الجاهليةِ، قالَ النبيُّ ﷺ : "لِصَنَمٍ؟ " قالت: لا، قال: "أَوْفي بنذرِك". قولها: "إني نذرتُ أن أضربَ على رأسِكَ بالدُّف، قال: أوفي بنذرك": ضربُ الدُّفَّ ليس من القُربات والطاعات التي وجب على الناذر الوفاءُ بها؛ بل من المباحات، كأكل الأطعمة اللذيذة، ولبس الثياب الناعمة وغير ذلك، لكنه ﷺ أمرَها بالوفاء به نظرًا إلى قصدها الصحيح، الذي هو إظهارُ الفرح والسرور بمَقدمِهِ الشريفِ سالمًا غانمًا ظافرًا على الأعداء، وذلك يُوجِب الفرحَ لأهل

стр. 1783

الإيمان، والمساءةَ لأهل النفاق والكفر والطغيان، فصار ضربُ الدُّفَّ ها هنا كالطاعات، فلهذا قال: (أوفي بنذرك)؛ وكذا استُحِبَّ ضربُ الدُّفَّ أيضًا في النكاح؛ لِمَا فيه [من] إعلانٍ وإظهارٍ للطاعة، التي هي موافقةُ الأنبياء والمرسلين، وكذلك قولُه ﷺ لحسان بن ثابت: "اُهجُ قريشًا؛ فإنه أشدُّ عليهم من رشقِ النبلِ"؛ فإنه مثلُ ضربِ الدُّفِّ في الموضَعين؛ لأنه يُوجبُ غيظَ أعداء الله تعالى، وهو كعين الطاعة. * * * ٢٥٧٩ - عن أبي لُبابَةَ: أنَّه قالَ للنبيِّ ﷺ : إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أَهْجُرَ دارَ قَوْمي التي أَصبتُ فيها الذنبَ، وأنْ أنخلِعَ مِن مالي كلَّه صَدَقةً، قال: "يُجْزِئ عنكَ الثُّلُثُ". قوله: "إن من توبتي أن أهجرَ دارَ قومي التي أصبتُ فيها الذنبَ ... " إلى آخره، (هجَر يهجُر هِجرانًا): إذا ترك، (أصاب): وجد؛ يعني: مِن جملة توبتي أن أتركَ الدارَ التي أذنبتُ فيها، وهي دار قومي، وإنما قال هذا فِرارًا عن موضع غلب عليه الشيطانُ بالذنب فيه، ومِن جملة توبتي أن أتصدَّقَ بجميع مالي شكرًا لقَبولِ توبتي، فقال له رسول الله ﷺ : "يُجزئ عنكَ الثلثُ"، (يُجزئ): يكفي؛ يعني: تصدُّقُك بثلث مالك يكفيك. قيل: فيه دليلُ الصُّوفيةِ على إثبات الغَرَامةِ على مَن يُذنب ذنبًا في الطريقة، ثم يستغفر. قيل: إنَّ أبا لُبابةَ كان من بني قُريظة، وسببُ ذنبه: أنَّ رسولَ الله ﷺ حاصَرَ يهودَ بني قُريظةَ إحدى وعشرين ليلةً، فسألوا الصلح كما صالَحَ إخوانَهم بني النَّضير؛ على أن يسيروا إلى أَذْرِعات وأريحا من أرض الشام، فأبى رسولَ الله ﷺ إلَّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبَوا وقالوا: أَرسِل إلينا أبا لُبَابةَ مروانَ بن

стр. 1784

المنذر، وكان مُناصِحًا لهم؛ لأنَّ عيالَه ومالَه في أيديهم، فبعثَه إليهم، فقالوا له: ما ترى؟ هل ننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح؛ يعني: إن تَنزلوا على حكم سعد تُقتَلوا، قال أبو لُبابة: فما زالتْ قدماي حتى علمتُ أني قد خنتُ الله ورسولَه ﷺ ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، فشدَّ نفسَه على ساريةٍ من سَواري المسجد وقال: والله لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا - يعني: أموت - أو يتوبَ الله عليَّ، فمكث سبعةَ أيام حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تِيب عليك، فحُلَّ نفسَك، فقال: لا، والله لا أحلُّها حتى يكونَ رسولُ الله هو الذي يحلُّني، فجاءه، فحلَّه بيده، فقال: إنَّ من تمامِ توبتي أن أهجرَ دارَ قومي ... إلى آخره، ذكرَه مولانا وسيدُنا صفيُّ الدِّين ﵀ في "تفسيره". * * * ٢٥٨٠ - عن جابرِ بن عبدِ الله ﵁: أنَّ رجلاً قالَ يومَ الفتحِ: يا رسولَ الله! إني نذرتُ إنْ فتحَ الله عليكَ مكَّةَ أنْ أُصلَيَ في بيتِ المَقْدسِ ركعتينِ، فقالَ: "صلِّ ههنا"، ثم أَعادَ عليهِ فقال: "صل ههنا"، ثم أَعادَ عليهِ فقالَ: "شَأنُكَ إذًا". قوله: "شأنَك إذًا"، (شأنَك): نُصب على المفعول به، تقديره: الزَمْ شأنَك، (إذًا): جوابٌ وجزاءٌ لمُقدَّرٍ هنا، تقديره: فإذا فعلتَ الصلاةَ هناك فقد جازيتَ شرطَك النذر، وجوابٌ لقوله: نذرتُ هناك، فكيف تأمرُني ها هنا؟! فأجابه بإجابة ذلك؛ أي: افعلْ ذلك. وقوله: (شأنَك) فيه نوعٌ من الرمز، يشير إلى أنَّ الصوابَ ما فاته، وهو أنَّ النذرَ والوفاءَ به عبادةٌ، والصلاةُ عبادةٌ، ومكةُ أفضلُ من بيت المَقدس، فيكون أداءُ العبادة فيها أكملَ، فلما نبَّهه على الأكمل ولم يَقبلْه، وَكَلَ ذلك إلى شأنه وخيَّرَه.

стр. 1785

وفيه نوعٌ تهديد ما. بقي أنَّ السائلَ كيف اجترأ على مخالفته؟! وكيف أذن له بعد أن نهاه؟! فَلْيُنظرْ فيه. * * * ٢٥٨١ - وعن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ أختَ عُقْبةَ بن عامرٍ نَذَرت أنْ تحُجَّ ماشيةً فسُئل النبيُّ ﷺ ، وقيلَ: إنها لا تطيقُ ذلكَ، فقال: "إنَّ الله لغنيٌّ عن مَشْي أُختِكَ، فلتَرْكبْ ولتُهْدِ بَدَنَةً". وفي روايةٍ: "فأمَرَها النبيُّ ﷺ أنْ تَرْكَبَ وتُهدِيَ هَدْيًا". وفي روايةٍ: قالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله لا يَصْنَعُ بشقاءِ أختِكَ شيئًا، فلْتَحُجَّ راكِبَةً وتُكَفِّرَ يمينَها". قوله: "إنها لا تُطيق ذلك": الضمير في (إنها) يعود إلى أخت عقبة، وذلك إشارة إلى قوله: "أن تحج ماشية"؛ يعني: إلى حجِّها بالمشي. قوله: "فَلْتَركبْ وَلْتُهدِ بَدَنة"، (البَدَنة): ناقة أو بقرة تُنحَر بمكة، الفاء في (فَلْتَركب) جواب شرط مُقدَّر؛ يعني: إذا عجزت عن المشي إليها، فَلْتَركبْ، وَلْتُرسلْ بَدَنة إلى مكة؛ يعني: إذا أطاقت المشي [فـ]ـلا يجوز لها الركوب، هذا مُستنَدُ الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يجوز للناذر أن يركبَ ويُريقَ دمًا، سواءٌ أطاق المشي أو لم يُطِقْه. قوله: "إن الله لا يصنعُ بشقاءِ أختِكَ شيئًا"، (الشقاء): المشقة والتعب، الفاء في "فَلْتَحجَّ" أيضًا جواب شرط مُقدَّر، وتقديره: إن عجزَتْ فَلْتَحجَّ. * * *

стр. 1786

٢٥٨٢ - ورُوي: أن عُقْبَةَ بن عامرٍ ﵁ سألَ النبيَّ ﷺ عن أُختٍ له نذرَتْ أنْ تَحُجَّ حافيةً غيرَ مُختمِرَةٍ؟ فقال: "مروها فلْتَخْتَمِرْ ولتَركبْ، ولتَصمْ ثلاثةَ أيامٍ". قوله: "نذرتْ أن تحجَّ حافيةً غيرَ مُختمِرة"، (حافية): حال من الضمير في (أن تحجَّ)، و (غيرَ مُختمِرة): حال بعد حال من الضمير المذكور. قوله: "مُرُوها فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَركبْ، وَلْتَصمْ ثلاثةَ أيام"، قال الخطَّابي: أمَّا أمرُه إياها بالاختمار والاستتار، فلأنَّ النذرَ لم ينعقدْ فيه؛ لأنَّ ذلك معصيةٌ، والنساءُ مأموراتٌ بالاختمار والاستتار. وأمَّا نذرُها المشي حافيةً، فالمشي قد يصحُّ فيه النذر، وعلى صاحبه أن يمشيَ إن قدرَ عليه، فإذا عجز ركبَ وأهدى هَدْيًا، وقد يحتمل أن تكونَ أختُ عقبة كانتَ عاجزةً عن المشي، بل قد رُوي ذلك من رواية ابن عباس. وأمَّا قولُه: (وَلْتَصمْ ثلاثةَ أيام)، فإنَّ الصيامَ بدلٌ من الهدي، خُيرتْ فيه كما خُير قاتلُ الصيد أن يفديَه بمثله إذا كان له مثلٌ، وإن شاء قوَّمَه وأخرجَه إلى المساكين، وإن شاء صام بدلَ كلِّ مُدٍّ من الطعام يومًا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، هذا كلُّه لفظُ الخطَّابي. * * * ٢٥٨٣ - وعن سعيدِ بن المُسيبِ: أنَّ أَخَوَيْنِ مِن الأنصارِ كانَ بينَهما ميراثٌ فسألَ أحدُهما صاحبَهُ القِسْمَةَ فقال: إنْ عُدتَ تسألُني القِسْمَةَ فكلُّ مالي في رِتاجِ الكعبةِ، فقالَ لهُ عمرُ ﵁: إنَّ الكعبةَ غنيةٌ عن مالِكَ، كفِّرْ عن يمينِكَ وكلَّم أخاكَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يمينَ عليكَ، ولا نذرَ في معصيةِ الربَّ، ولا في قَطيعةِ الرَّحِمِ، ولا فيما لا تملكُ".

стр. 1787

قوله: "إن عدتَ تسألُني القِسمةَ فكلُّ مالي في رِتاجِ الكعبةِ"، (الرَّتاج، والرَّتَج) بالتحريك: الباب العظيم، ذكره في "الصِّحاح". قال في "شرح السُّنَّة": ومَن ذكر هذا لا يريد نفسَ الباب، إنما يريد به أن يكونَ مالُه هَدْيًا إلى الكعبة، فيضعه منها حيث نواه وأراده؛ هذا نذرٌ أخرجَه مخرجَ اليمين؛ لأنه قصد به منعَ نفسِهِ عن الفعل، كالحالف يقصد بيمينه منعَ نفسه عن الفعل، فذهب الشافعي - في أصحِّ أقواله - وأحمد وإسحاق إلى أنه إذا فعل ذلك الفعلَ، يجبُ عليه كفَّارةُ اليمين، كما لو حنثَ في يمينه. وذهب قومٌ إلى أنَّ عليه الوفاءَ بما سَمَّى، وهو المشهور من قول أصحاب الرأي، وبه قال مالك. ° ° °

стр. 1788

١٤ - كِتَابُ القِصَاصِ

стр. 1789

[١٤] (كِتابُ القِصَاصِ) (كتاب القِصَاص) (القصاص): القَوَد، قيل: (القِصَاص) فِعَال؛ إمَّا من (قصَّ الأثرَ)؛ أي: تتبَّعَه؛ لأنَّ الوليَّ يتبعُ القاتلَ في فعله، وإمَّا من (المُقاصَّة)، وهي المساواة والمماثلة. مِنَ الصَّحَاحِ: ٢٥٨٤ - عن عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلمٍ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّي رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيبُ الزَّاني، والتارِكُ لدينِهِ المُفارِقُ للجماعةِ". قوله: "إلا بإحدى ثلاثٍ"؛ أي: بإحدى ثلاثِ خِصالٍ. قوله: "المارق لدينه"، (المارق): اسم فاعل من (مَرَق السهمُ من الرمية)؛ أي: خرجَ من جانبها الآخر. قوله: "والتارك للجماعة"؛ أي: الذي ترك الإجماع. يعني: يحلُّ دماء هؤلاء الثلاثة؛ الأول: للقصاص، والثاني: للارتداد، والثالث: لترك الإجماع؛ لأنه مَن ترك الإجماع فكأنه قد ترك آيةً من كتاب الله تعالى. * * *

стр. 1790

٢٥٨٥ - وقال رسول الله ﷺ : "لنْ يزالَ المؤمنُ في فُسْحَةٍ مِن دينِهِ ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا". قوله: "لن يزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ من دِينهِ ما لم يُصبْ دمًا حرامًا"، (لن): لتأكيد نفي المستقبل، (الفُسحة): السعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، (ما) في (ما لم يُصبْ) للدوام، (أصاب): إذا وجد. يعني: المؤمن إذا لم يصدر منه قتلُ نفس بغير حقًّ تسهلُ عليه أمورُ دِينه، ويُوفَّق للعمل الصالح، وإذا صدر منه ذلك، تضيق عليه أمورُ دِينه، ويُشتَّت عليه شَملُه ما لم يَتبْ، أو لم يعفُ وليُّ الدم. * * * ٢٥٨٨ - عن المِقْدادِ بن الأَسودِ: أنه قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلاً مِن الكُفَّارِ فاقْتَتَلْنا فضربَ إحدَى يديَّ بالسَّيفِ فقطعَها ثم لَاذَ مِنِّي بشجرةٍ، فقال: أسلمتُ للهِ، أَأَقْتُلُه بعدَ أَنْ قالَها؟ قال: "لَا تقتلْهُ"، فقالَ: يا رسولَ الله! إنه قطعَ إحدى يديَّ! فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تقتلْهُ، فإنْ قَتَلْتَه فإنَّهُ بمنزِلَتِكَ قبلَ أَنْ تقتُلَهُ، وإنكَ بمنزِلَتِهِ قبلَ أنْ يقولَ كلمتَهُ التي قالَها". قوله: "فإن قتلتَه فإنه بمنزلتِكَ قبل أن تقتلَه، وإنكَ بمنزلتِهِ قبلَ أن يقولَ كلمتَه التي قالَ": يريد بالكلمة: كلمةَ الشهادة. قيل: ظاهرُ الحديث شُبهةُ الخوارج ومَن على مذهبهم في تكفير صاحب الكبيرة، وتأويلُ الحديث واجبٌ بدلائل منفصلة، منها قولُه ﷺ : "لا تُكفَّرْه بذنبٍ، ولا تُخرِجْه عن الإسلام بعملٍ"؛ فتأويلُ الحديث: أنَّ التسويةَ بينهما من حيث إباحةُ الدم، لا من حيث الكفرُ؛ لأنَّ الكافرَ قبل ما تلفَّظَ بكلمة التوحيد كان مُباحَ الدم بالكفر، وقاتلُه بعدما أسلمَ يصير بمنزلته قبل ما أسلمَ؛ لأنه صار مُباحَ الدم
следующие страницы →