← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

٢٥٨٢ - ورُوي: أن عُقْبَةَ بن عامرٍ ﵁ سألَ النبيَّ ﷺ عن أُختٍ له نذرَتْ أنْ تَحُجَّ حافيةً غيرَ مُختمِرَةٍ؟ فقال: "مروها فلْتَخْتَمِرْ ولتَركبْ، ولتَصمْ ثلاثةَ أيامٍ". قوله: "نذرتْ أن تحجَّ حافيةً غيرَ مُختمِرة"، (حافية): حال من الضمير في (أن تحجَّ)، و (غيرَ مُختمِرة): حال بعد حال من الضمير المذكور. قوله: "مُرُوها فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَركبْ، وَلْتَصمْ ثلاثةَ أيام"، قال الخطَّابي: أمَّا أمرُه إياها بالاختمار والاستتار، فلأنَّ النذرَ لم ينعقدْ فيه؛ لأنَّ ذلك معصيةٌ، والنساءُ مأموراتٌ بالاختمار والاستتار. وأمَّا نذرُها المشي حافيةً، فالمشي قد يصحُّ فيه النذر، وعلى صاحبه أن يمشيَ إن قدرَ عليه، فإذا عجز ركبَ وأهدى هَدْيًا، وقد يحتمل أن تكونَ أختُ عقبة كانتَ عاجزةً عن المشي، بل قد رُوي ذلك من رواية ابن عباس. وأمَّا قولُه: (وَلْتَصمْ ثلاثةَ أيام)، فإنَّ الصيامَ بدلٌ من الهدي، خُيرتْ فيه كما خُير قاتلُ الصيد أن يفديَه بمثله إذا كان له مثلٌ، وإن شاء قوَّمَه وأخرجَه إلى المساكين، وإن شاء صام بدلَ كلِّ مُدٍّ من الطعام يومًا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، هذا كلُّه لفظُ الخطَّابي. * * * ٢٥٨٣ - وعن سعيدِ بن المُسيبِ: أنَّ أَخَوَيْنِ مِن الأنصارِ كانَ بينَهما ميراثٌ فسألَ أحدُهما صاحبَهُ القِسْمَةَ فقال: إنْ عُدتَ تسألُني القِسْمَةَ فكلُّ مالي في رِتاجِ الكعبةِ، فقالَ لهُ عمرُ ﵁: إنَّ الكعبةَ غنيةٌ عن مالِكَ، كفِّرْ عن يمينِكَ وكلَّم أخاكَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يمينَ عليكَ، ولا نذرَ في معصيةِ الربَّ، ولا في قَطيعةِ الرَّحِمِ، ولا فيما لا تملكُ".

стр. 1787

قوله: "إن عدتَ تسألُني القِسمةَ فكلُّ مالي في رِتاجِ الكعبةِ"، (الرَّتاج، والرَّتَج) بالتحريك: الباب العظيم، ذكره في "الصِّحاح". قال في "شرح السُّنَّة": ومَن ذكر هذا لا يريد نفسَ الباب، إنما يريد به أن يكونَ مالُه هَدْيًا إلى الكعبة، فيضعه منها حيث نواه وأراده؛ هذا نذرٌ أخرجَه مخرجَ اليمين؛ لأنه قصد به منعَ نفسِهِ عن الفعل، كالحالف يقصد بيمينه منعَ نفسه عن الفعل، فذهب الشافعي - في أصحِّ أقواله - وأحمد وإسحاق إلى أنه إذا فعل ذلك الفعلَ، يجبُ عليه كفَّارةُ اليمين، كما لو حنثَ في يمينه. وذهب قومٌ إلى أنَّ عليه الوفاءَ بما سَمَّى، وهو المشهور من قول أصحاب الرأي، وبه قال مالك. ° ° °

стр. 1788

١٤ - كِتَابُ القِصَاصِ

стр. 1789

[١٤] (كِتابُ القِصَاصِ) (كتاب القِصَاص) (القصاص): القَوَد، قيل: (القِصَاص) فِعَال؛ إمَّا من (قصَّ الأثرَ)؛ أي: تتبَّعَه؛ لأنَّ الوليَّ يتبعُ القاتلَ في فعله، وإمَّا من (المُقاصَّة)، وهي المساواة والمماثلة. مِنَ الصَّحَاحِ: ٢٥٨٤ - عن عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلمٍ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّي رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيبُ الزَّاني، والتارِكُ لدينِهِ المُفارِقُ للجماعةِ". قوله: "إلا بإحدى ثلاثٍ"؛ أي: بإحدى ثلاثِ خِصالٍ. قوله: "المارق لدينه"، (المارق): اسم فاعل من (مَرَق السهمُ من الرمية)؛ أي: خرجَ من جانبها الآخر. قوله: "والتارك للجماعة"؛ أي: الذي ترك الإجماع. يعني: يحلُّ دماء هؤلاء الثلاثة؛ الأول: للقصاص، والثاني: للارتداد، والثالث: لترك الإجماع؛ لأنه مَن ترك الإجماع فكأنه قد ترك آيةً من كتاب الله تعالى. * * *

стр. 1790

٢٥٨٥ - وقال رسول الله ﷺ : "لنْ يزالَ المؤمنُ في فُسْحَةٍ مِن دينِهِ ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا". قوله: "لن يزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ من دِينهِ ما لم يُصبْ دمًا حرامًا"، (لن): لتأكيد نفي المستقبل، (الفُسحة): السعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، (ما) في (ما لم يُصبْ) للدوام، (أصاب): إذا وجد. يعني: المؤمن إذا لم يصدر منه قتلُ نفس بغير حقًّ تسهلُ عليه أمورُ دِينه، ويُوفَّق للعمل الصالح، وإذا صدر منه ذلك، تضيق عليه أمورُ دِينه، ويُشتَّت عليه شَملُه ما لم يَتبْ، أو لم يعفُ وليُّ الدم. * * * ٢٥٨٨ - عن المِقْدادِ بن الأَسودِ: أنه قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلاً مِن الكُفَّارِ فاقْتَتَلْنا فضربَ إحدَى يديَّ بالسَّيفِ فقطعَها ثم لَاذَ مِنِّي بشجرةٍ، فقال: أسلمتُ للهِ، أَأَقْتُلُه بعدَ أَنْ قالَها؟ قال: "لَا تقتلْهُ"، فقالَ: يا رسولَ الله! إنه قطعَ إحدى يديَّ! فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تقتلْهُ، فإنْ قَتَلْتَه فإنَّهُ بمنزِلَتِكَ قبلَ أَنْ تقتُلَهُ، وإنكَ بمنزِلَتِهِ قبلَ أنْ يقولَ كلمتَهُ التي قالَها". قوله: "فإن قتلتَه فإنه بمنزلتِكَ قبل أن تقتلَه، وإنكَ بمنزلتِهِ قبلَ أن يقولَ كلمتَه التي قالَ": يريد بالكلمة: كلمةَ الشهادة. قيل: ظاهرُ الحديث شُبهةُ الخوارج ومَن على مذهبهم في تكفير صاحب الكبيرة، وتأويلُ الحديث واجبٌ بدلائل منفصلة، منها قولُه ﷺ : "لا تُكفَّرْه بذنبٍ، ولا تُخرِجْه عن الإسلام بعملٍ"؛ فتأويلُ الحديث: أنَّ التسويةَ بينهما من حيث إباحةُ الدم، لا من حيث الكفرُ؛ لأنَّ الكافرَ قبل ما تلفَّظَ بكلمة التوحيد كان مُباحَ الدم بالكفر، وقاتلُه بعدما أسلمَ يصير بمنزلته قبل ما أسلمَ؛ لأنه صار مُباحَ الدم

стр. 1791

بالقِصاص، والتسويةُ بينهما في إباحة الدم. * * * ٢٥٨٩ - وعن أسامةَ بن زيدٍ ﵁ قال: بعَثَنا رسولُ الله ﷺ إلى أُناسٍ من جُهَينةَ، فأتيتُ على رجلٍ منهم فذهبتُ أَطعنهُ فقالَ: لا إله إلا الله فطعنتُهُ فقتلتُه، فجئتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبرتُهُ فقالَ: "أَقَتَلْتَه وقد شهِدَ أنْ لا إلهَ إلا الله؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّما فعلَ ذلكَ تعوُّذًا، قال: "فهلَّا شَقَقْتَ عن قلبهِ". ٢٥٩٠ - ورواه جُنْدبٌ البَجَلِيُّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كيفَ تصنعُ بلا إلهَ إلا الله إذا جاءَتْ يومَ القيامةِ" قالَهُ مِرارًا. قوله: "فذهبتُ أطعنه"، (ذهبت)؛ أي: طفِقتُ، (الطعن): الضرب بالرمح. قوله: "فجئتُ إلى النبيِّ ﷺ "؛ أي: جئتُ قاصدًا إلى النبيِّ ﷺ . قوله: "أقتلتَه وقد شهد أن لا إله إلا الله"، (وقد شهد): حال من الضمير المنصوب في (قتلتَه). قوله: "إنما فعل ذلك تعوُّذًا"؛ يعني: ما أسلمَ إلا مُستعيذًا من القتل بكلمة التوحيد، وما كان مُخلِصًا في إسلامه. قوله: "فهلا شققتَ عن قلبه"، الفاء في (فهلا): جواب شرط مُقدَّر، تقديره: إذا عرفتَ ذلك فهلا؛ أي: فلم لا شققتَ قلبَه؛ يعني: قال له في مَعرِض التوبيخ: إخلاصُه في الإسلام شيءٌ لا يُطَّلع عليه؛ لأنَّ محلَّه القلب، فبمَ عرفتَ ذلك؟! قال في "شرح السُّنَّة": وفيه دليلٌ على أنَّ الكافرَ إذا تكلَّم بالتوحيد، وجبَ الكفُّ عن قتله.

стр. 1792

قال الشيخ ﵀: وهذا في الثَّنَوي الذي لا يعتقد التوحيدَ؛ إذا أتى بكلمة التوحيد يُحكَم بإسلامه، ثم يُجبَر على سائر شرائط الإسلام، فأمَّا مَن يعتقد التوحيد، لكنه ينكرُ الرسالةَ، فلا يُحكَم بإسلامه بمجرَّد كلمة التوحيد حتى يقول: محمَّدٌ رسولُ الله، فإذا قاله كان مسلمًا؛ إلا أن يكونَ من الذين يقولون: إنَّ محمَّدًا ﷺ مبعوثٌ إلى العرب خاصةً، فحينَئذٍ لا يُحكَم بإسلامه بمجرَّد الإقرارِ بالرسالة حتى يُقرَّ: أنه مبعوثٌ إلى كافة الخلق، ثم يُستحَبُّ أن يُمتحَن بالإقرار بالبعث والتبرُّؤ عن كل دِينٍ خالَفَ الإسلام. وذهب أكثرُ أهل العلم إلى قَبول توبة الكافر الأصلي والمُرتد، وذهب جماعةٌ إلى أن إسلام الزَّنديق والباطنيَّة لا يُقبَل، ويقتلون بكلَّ حال، وهو قول مالك وأحمد، وقالت طائفة: إذا ارتدَّ المسلمُ الأصليُّ، ثم أسلمَ، لا يُقبَل إسلامُه، فأمَّا الكافرُ الأصليُّ إذا أسلمَ ثم ارتدَّ، ثم عاد إلى الإسلام، يُقبَل إسلامُه، وظاهرُ الحديث دليلُ العامةِ على قَبول إسلام الكل. وفي قوله: (هلا شققتَ عن قلبه) دليلٌ على أن الحكمَ إنما يجري على الظاهر، وأنَّ السرائرَ مَوكولةٌ إلى الله ، وليس في الحديث: أنه ألزَمَ أسامةَ الدِّيةَ. قال أبو سليمان الخطَّابي: يشبه أن يكونَ المعنى فيه: أنَّ الأصلَ في دماء الكفار الإباحةُ، وكان عند أسامةَ أنه إنما تكلَّم بكلمة التوحيد مُستعيذًا من القتل، لا مُصدَّقًا به، فقتلَه على أنه مُباحُ الدم، وأنه مأمورٌ بقتله، والخطأُ عن المجتهد موضوعٌ، أو تأوَّل في قتله: أنه لا توبةَ له في هذه الحالة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. * * * ٢٥٩١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن قتلَ مُعاهِدًا لم يَرِحْ رائحةَ الجنةِ، وإنَّ

стр. 1793

ريحَها تُوجدُ مِن مَسيرةِ أربعينَ خريفًا". قوله: "مَن قتل مُعاهِدًا لم يَرِحْ رائحةَ الجنةِ"، (المُعاهد): الكافر الذي أجارَه واحدٌ من المسلمين، بأن يدخلَ في دار الإسلام لأجل تجارةٍ أو سماعِ كلامِ الله تعالى؛ بشرط أن لا يتضرَّرَ به المسلمون كالجاسوس، وينعقد الأمانُ بكلَّ لفظ يفيد مقصودَ الأمان، كقولك: أجرتُك، أو أمَّنتُك، ويجوز مدة الأمان إلى أربعة أشهر، وفيما فوق ذلك إلى السَّنة قولانِ، أصحُّهما: المنعُ قبل العهد. والأمان للكفار على قسمين: أحدهما: عهدٌ أبديٌّ، كمَن عُصم دمُه ومالُه لأجل الجزية. والثاني: مَن له عهدٌ مؤقتٌ، فإذا انقضت المدة صار حربيًّا مُباحَ الدم، كما كان قبل العهد. قال في "الغريبين": (لم يرح): يُروَى على ثلاثة أوجه: لم يَرَح، ولم يَرِح، ولم يُرِح بضم الياء، يُقال: رُحتُ الشيءَ أَرَاحُه، ورحتُه أَرِيحه، وأَرحتُه أُرِيحه: إذا وجدتُ رائحتَه. يعني: لم يدخل الجنة حتى يُعذَّبَ بقدر إثم قتل المُعاهد. وقيل: إنما قال ﷺ : "لم يجدْ رائحة الجنة"؛ لأنَّ مَن استحقَّ دخولَ الجنة ما دام في موقف الحساب يجدُ رائحة الجنة ويستريحُ بها، فهو يُحرَم عن تلك الرائحة المريحة؛ لأجلِ ما صدرَ منه. قوله: "أربعين خريفًا"، (الخريف): السَّنة؛ وإنما غلَّظ رسولُ الله ﷺ إثمَ مَن قتل مُعاهَدًا؛ لأنَّ مَن قتلَ مُعاهدًا، فقد استخفَّ أمرَ رسول الله ﷺ ؛ فإنه مَن جوَّز للمسلمين أن يُدخلوا الكفَّارَ إلى دار الإسلام بالأمان. * * *

стр. 1794

٢٥٩٢ - وقال رسولُ الله ﷺ : "من تردَّى مِن جبلٍ فقتلَ نفسَه فهو في نارِ جهنمَ يترَدَّى فيها خالدًا مُخلَّدًا فِيها أبدًا، ومَن تَحَسَّى سُمًّا فقَتَلَ نفسَه فسمُه في يدهِ يتحسَّاهُ في نارِ جهنمَ خالِدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومَن قتلَ نفسَهُ بحديدَةٍ فحديدتُه في يدهِ يَجَأ بها في بطنِهِ في نارِ جهنمَ خالِدًا مخلَّدًا فيها أبدًا". قوله: "يتردَّى فيه خالدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا"، تردَّى يتردَّى: إذا سقط، الضمير في (فيه) يعود إلى جهنم، (خالدًا مخلدًا): منصوبان على الحال من الضمير في (يتردَّى). يعني: مَن قتل نفسَه بالتردِية من مكان علوًّ، واستحلَّ هذا الفعل، يصير كافرًا، ويُعذِّب نفسَه بالتردية من مكان علو في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا، كما فعل بنفسه في الدنيا، وإذا لم يَستحلَّ هذا الفعلَ، ومات قبل التوبة، فهو إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء عفا عنه. قوله: "ومَن تحسَّى سمًا": شربه. قوله: "يَجَأ به في بطنه"، (وَجَأهُ بالسكين)؛ أي: ضربَه. * * * ٢٥٩٣ - وقال: "الذي يخنُق نفسَه يخنُقُها في النَّار، والذي يطعنُها يطعنُها في النار". قوله: "يخنُق نفسه"، خنَقَه يخنِقُه - بكسر النون -: عصرَ حلقَه. * * * ٢٥٩٤ - عن جُندبِ بن عبدِ الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كانَ فيمن كانَ قبلَكم رجلٌ به جُرحٌ فجزِعَ، فأخذَ سِكَّينًا فَحَزَّ بها يدَهُ فما رَقَأَ الدَّمُ حتى ماتَ،

стр. 1795

قال الله تعالى: بادَرَني عبدِي بنفسِه فحرَّمتُ عليهِ الجنة". قوله: "فحزَّ بها يدَه"، حزَّه واحتزَّه: قطعه؛ أي: قطع يدَه بتلك السكين، (السكين): يُذكَّر ويُؤنَّث. قوله: "فما رَقَأ الدمُ حتى ماتَ"، رَقَأ الدمُ والدمعُ: سكَن وانقطع. * * * ٢٥٩٥ - عن جابرٍ ﵁: أنَّ الطُّفيلَ بن عمرٍو الدَّوسيَّ لما هاجَرَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، هاجرَ إليه وهاجرَ معَهُ رجلٌ مِن قومِهِ فمَرِضَ فجزِعَ، فأخَذَ مشاقِصَ له فقطَعَ بها بَراجِمَهُ فشخَبتْ يداهُ حتى ماتَ، فرآهُ الطُّفيلُ بن عمرٍو ﵁ في منامهِ وهيئتُه حَسَنةٌ، ورآهُ مُغطَّيًا يدَيْهِ، فقالَ له: ما صنعَ بكَ ربُّكَ؟ فقال: غفرَ لي بهجرَتي إلى نبيهِ ﷺ ، فقالَ: ما في أراكَ مُغَطَّيًا يديْكَ؟ قالَ، قيلَ لي: لن نُصلِحَ منكَ ما أَفْسَدْتَ، فقصَّها الطُّفيلُ على رسولِ الله ﷺ ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ وَلِيَدَيْهِ فاغفِرْ". قوله: "فأخذ مَشَاقصَ له، فقطعَ بَرَاجِمَه"، (المَشَاقص): جمع مِشْقَص، وهو: نصل طويل عريض، وقيل: سكين. مفاصل الأصابع الأربعة: الأول الرَّوَاجب، ثم البَرَاجم، ثم البنان، ثم الأنامل، فالرواجب: جمع راجبة، وهي متصلة بالكف، والبراجم: جمع برجمة، وهي التي فوق الراجبة، والبنان: جمع بنانة، وهي: التي فوق البُرْجُمة، والأنامل: جمع أُنْمُلة، وهي: رأس الأصابع. قوله: "فشخَبَت يداه"؛ أي: سالَتَا دمًا. قوله: "وهيئتُه حسنةٌ"، (الهيئة): الصورة. قوله: "اللهم ولِيدَيه فاغفرْ": الفاء في (فاغفر) جواب شرط مُقدَّر؛ يعني:

стр. 1796

إذا غفرتَ يا ربِّ لجميع جوارحه، فاغفر ليدَيه أيضًا برحمتك التي وسعَتْ كلَّ شيءٍ. * * * ٢٥٩٦ - عن أبي شُرَيْحٍ الكَعْبيَّ، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "ثم أنتم يا خُزَاعَةُ قد قتلْتُم هذا القتيلَ مِن هُذَيْل وَأَنا والله عاقِلُهُ، مَن قَتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه بينَ خِيرَتَيْنِ إن أَحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أَحبُّوا أَخَذُوا العَقْلَ". قوله: "فأهلُه بين خِيَرتَين: إن أحبُّوا قَتلوا، وإن أحبُّوا أخذوا العَقْل"، (الخِيَرة) بكسر الخاء وفتح الياء: اسم بمعنى الاختيار، و (العَقل): الدِّية، قيل: عَقلتُ القتيل؛ أي: أعطيتُ دِيتَه، وقيل: مأخوذ من (عَقلتُ البعيرَ): إذا حبستُه بالعِقال، وقيل: مأخوذ من أن تُعقَل الإبلُ بفِناء وليِّ الدم. يعني: الخِيار إلى أولياء الدم بين القِصاص وبين أخذ الدِّية. قال الخطَّابي ﵀: فيه دليلٌ على أنَّ الدِّيةَ مُستحَقةٌ لأهله كلَّهم، ويدخل في ذلك الرجال والنساء والزوجات؛ لأنهم جميعًا أهلُه، وفيه دليلٌ على أنَّ بعضَهم إذا كان غائبًا أو طفلاً، لم يكنْ للباقين القِصَاصُ حتى يبلغَ الطفلُ ويقدَمَ الغائبُ؛ لأنَّ مَن كان له خِيارٌ في أمرٍ لم يجزْ أن يفتاتَ عليه قبل أن يختارَ؛ لأنَّ في ذلك إبطالَ خِياره، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: للكِبارِ أن يستوفوا حقَّهم في القَوَد، ولا ينتظروا بلوغ الصِّغار. * * * ٢٥٩٧ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ يهوديًّا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حَجَريْنِ فقيلَ لها: مَنْ فعلَ بكِ هذا أَفُلانٌ؟ أَفُلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُ فأَوْمَأَتْ برأسِها، فجيءَ باليهوديَّ فاعتَرفَ، فأمرَ به النبيُّ ﷺ فَرُضَّ رأسُه بالحِجارةِ.

стр. 1797

قوله: "رضَّ رأسَ جارية بين حَجرَين"، (الرَّضَّ): الكسر والدَّقَّ، (الجارية مِن النساء): مَن لم تبلغ الحُلم. قوله: "فأوْمَتْ"؛ أي: أشارت، وهذا اللفظُ مهموزٌ، أصله: أَومَأَتْ، فلُين، ثم حذف الهمزة، فصار: أَومَتْ. قال الخطَّابي ﵀: وفيه دليلٌ على وجوب قتل الرجل بالمرأة، وهو قول عوام أهل العلم إلا الحسنَ البصريَّ وعطاءً؛ فإنهما زَعَمَا أنَّ الرجلَ لا يُقتَل بالمرأة. وفيه دليلٌ على جواز اعتبار جهة القتل؛ فيُقتَصُّ من القاتل بمثل فعله، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أصحاب الرأي: لا يُقتَصُّ منه إلا بالسيف؛ فحاصل الخلاف: أنَّ المُماثَلةَ في صفة القتل مَرعيةٌ عند الشافعي ومالك وأحمد في القِصاص، سواءٌ قتلَه بمُحدَّد أو غيره من تخنيق وتجويع وغير ذلك، إلا إذا قتله بالسحر، فإنه يُقتَل بالسيف؛ لأن فعل السحر مُحرَّم، وكذا إذا قتله بسقي الخمر أو اللَّواط يُقتَل أيضًا بالسيف، وعند أصحاب الرأي إذا قتلَه بغير مُحدَّد يُقتَل بالسيف مطلقًا. وقال الخطَّابي: وفي هذا اللفظ - أعني: قوله: "فاعترف" - الشفاء والبيانُ: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يقتل اليهوديَّ بإيماء المُدَّعِي أو بقوله، بل بقول المُدَّعَى عليه واعترافِهِ، وقد شغَّب - أي: شنَّع - بعضُ الناس في هذا حين وجد أكثر الروايات خاليًا عن هذه اللفظة، فقال: كيف يجوز أن يُقتَلَ أحدٌ بقول المُدَّعِي وبكلامه، فضلاً عن إيمائه برأسه؟! وأنكروا هذا الحديث، وأبطلوا الحكم في اعتبار جهة المماثلة، وقال: وهذا اللفظ لو لم يكن مروية في هذه القصة لم يكن جائزًا؛ لأنَّ مِن العلم الشائع المستفيض - أي: المشهور - على لسان الأمة؛ خاصَّهم وعامِّهم: أنه لا يُستَحقَّ دمٌ ولا مالٌ إلا ببينة، وقد يُروَى كثيرٌ من الحديث على

стр. 1798

الاختصار؛ اعتمادًا على أفهام السامعين له والمُخاطَبين به. * * * ٢٥٩٨ - عن أنس ﵁: أنَّه قال: كَسَرَتْ الرُّبَيعُ، وهي عمَّةُ أنسِ بن مالكٍ، ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصارِ فأَتَوا النبيَّ ﷺ فأمَرَ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بن النّضر، عمُّ أنسِ بن مالكٍ ﵁: لا والله لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "يا أنسُ كتابُ الله القِصاصُ"، فرَضيَ القومُ وقَبلُوا الأَرْشَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إن مِن عبادِ الله مَنْ لو أَقسَمَ على الله لأبَرَّهُ". قوله: "لا، والله لا تُكسر ثنيَّتُها"، (لا): ردٌّ لأمره بالقِصاص على سبيل التعجُّبِ، لا على سبيل الإنكار؛ فإنَّ الكاسِرةَ كانت أشرفَ، (الثنِيَّة) واحدة الثَّنَايا من الأسنان. قوله: "يا أنسُ! كتابُ الله القِصاصُ"، قال في "شرح السُّنَّة": قيل: أراد به قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهذا على قول مَن يقول: إن شرائعَ الأنبياء ﵈ لازمةٌ لنا ما لم يَرد النسخُ في شرعنا. وقيل: هذا إشارة إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وإلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] على قراءة مَن يقرؤه مرفوعًا على طريق الابتداء. وقيل: (كتاب الله) معناه: فرضَ الله الذي فرضَه على لسان نبيه ﷺ . قوله: "إن مِن عباد الله مَن لو أقسمَ على الله لأَبرَّه"، (برَّ وأبرَّ): إذا صدَّق اليمين؛ أي: لو أقسم على الله بفعل شيء يفعل ذلك الشيء اختراعًا في الحال - ولو كان عظيمًا كفتق جبل - (لأَبرَّه)؛ أي: أحدَث ذلك الشيء وصدَّقه إكرامًا

стр. 1799

له، وهذا من كرامات الأولياء، وفيه دليلٌ على وجود ذلك لقوله: (لأَبرَّه)، وفيه دليلٌ على توقير عباد الله وتعظيمهم الله ولو كانوا فقراء خاملين. * * * ٢٥٩٩ - وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: سألتُ عليًا هل عِندَكم شيءٌ ليسَ في القرآنِ؟ فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ ما عِندَنا إلا ما في القرآنِ، إلَّا فَهْمًا يُعطَى رجلٌ في كتابهِ، وما في الصَّحيفةِ! قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قال: العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسلمٌ بكافرٍ. قوله: "والذي فلَق الحبةَ وبرأَ النسمةَ! ما عندنا إلا ما في القرآن"، الواو في (والذي): واو القسم، و (ما عندنا): جواب القسم، (فلق): إذا شقَّ، و (برأ): إذا خلق، (النسمة): النفس والروح، كأنه قال: والذي خلقَ الرزقَ والمرزوقَ، وهذا مبالغةٌ في الحَلف، وإنما بالَغَ في الحَلف في سؤال السائل درءًا لتوهُّم مَن يتوهَّمُ أنَّ النبيَّ ﷺ خصَّ أهلَ بيته بشيء من العلوم، وحلف وقال: "ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فَهْمًا يُعطَى رجل"؛ يعني: ما عندنا غيرُ ما في القرآن، لكن الناس متفاوتون في الفهم والإدراك واستنباط المعاني، كما قال النبيُّ ﷺ : "أنا قاسمٌ، والله يُعطي"؛ يعني: أنا مُبلَّغ للوحي السماوي إلى جميعهم من غير فرق, لكن الله سبحانه يُعطي الفهمَ مَن يشاء، ثم ذكر ما في الصحيفة التي كانت مُعلَّقةً بحمالة سيفه؛ إمَّا تورُّعًا واحتياطًا في يمينه، وإمَّا أن يكونَ منفردًا بسماع ذلك إن قيل: ما في الصحيفة أكثر مما في هذا الحديث؛ لأنه إذا سُئل عما فيها قال: "لعنَ الله مَن غيَّر مَنَارَ الأرض، لعنَ الله مَن تولَّى غيرَ مَواليه". قيل: إذا ثبت هذا يُحتمَل أنه حدَّث بجميع ما فيها ونسي الراوي غيرَ ما في هذا الحديث، أو حدَّث بمجالسَ متفرقةٍ، ويُحتمَل أنه اقتصر على ما في هذا الحديث في ذلك الوقت.

стр. 1800

وقيل: أراد بالعقل في هذا الحديث أسنانَ ما يُؤدَّى من الإبل في الدَّية وعددها. قوله: "وفِكاكُ الأسير"، (الفكاك): ما يُفتَكُّ به، و (الافتكاك): التخليص، (الأسير): فَعيل بمعنى: مأسور، من (أَسَرَه يأسِرُه أسرًا): إذا شدَّه بالإسار، وهو القدُّ؛ لأنهم كانوا يشدُّونه بالقدَّ؛ يعني: مِن جملة ما في الصحيفة تخليصُ الأسير. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٦٠٠ - عن عبدِ الله بن عمرٍو ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَزَوالُ الدُّنيا أهونُ على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ"، ووقَفَه بعضُهم، وهو الأصحُّ. قوله: "لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله مِن قتل رجل مسلم"؛ يعني: الدنيا التي هي مَعبَرُ الإنسان إلى دارِ البقاء، ومَحلُّ تحصيل الأنبياء والأولياء أنواعَ القُربات من عالم الملكوت وممَّا عند الله تعالى مِنْ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطَرَ على قلب بشر، فلو أزالها واحدٌ مثلاً لَكان أهونَ على الله من إراقة دم مسلم؛ لأنَّ الدنيا مَعبَرٌ وطريقٌ، والمسلمُ هو المقصودُ مِن إيجاد الدنيا وخلقتها. قوله: "ووَقَفَه بعضُهم؛ وهو الأصحُّ"؛ يعني: وقفَ بعضُ أصحاب الحديث هذا الحديث على ابن عمرَ. * * * ٢٦٠١ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁، وأبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لو أنَّ أهلَ السماءَ والأرضِ اشتركُوا في دمِ مؤمنٍ لأَكبَّهم الله في النارِ"، غريب.

стр. 1801

قوله: "لو أن أهل السماوات والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكَبَّهم الله في النار": فالصوابُ: كبَّهم، قال في "الصَّحاح": كَبَّه لوجهه؛ أيا صرَعَه، فأَكبَّ هو على وجهه، وهذا من النوادر؛ أن يكونَ (أفعلَ) لازمًا، و (فعلَ) متعديًا، يُقال: كبَّ الله عدوَّ المسلمين، ولا يُقال: أكبَّ. وقال الزَّمخشري: لا يكون بناء (أفعلَ) مطاوعًا لـ (فعلَ)، بل همزةُ (أكبَّ) للصيرورة أو للدخول، فمعناه: صار ذا كبًّ، أو دخل في الكبَّ، ومُطاوع (فعل): انفعل، نحو: كبَّ فانكبَّ، وقطع فانقطع. و (لو) للمضيِّ، و (أنَّ) فاعلَ فعلٍ مُقدَّرٍ يُفسَّره ما في (أن) من معنى الثبوت، تقديره: لو ثبت أنَّ أهلَ السماء، و (أن): حرف المصدر، وهي مع الفعل الذي وقع في خبره على تقدير المصدر؛ يعني: لو ثبت اشتراك أهل السماء والأرض في إزهاق روح مؤمن لَصرَعَهم الله في النار. * * * ٢٦٠٢ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيَّ ﷺ : أنَّه قال: "يجيءُ المقتولُ بالقاتِلِ يومَ القيامةِ ناصيتُه ورأسُه بيدِه وأَوْداجُه تَشْخُبُ دمًا يقولُ: يا ربِّ قتلَني حتى يدُنِيَه مِن العَرشِ". قوله: "وأوداجهُ تَشخُبُ دمًا"، (الأوداج): جمع وَدَج، وهو: عرق في العنق، (تَشخُب)؛ أي: تَسيل. "حتى يُدنيَه من العرش"، (يُدنيَه)؛ أي: يُقرِّبه. * * * ٢٦٠٤ - عن أبي الدَّرداءِ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لا يزالُ المؤمنُ مُعنِقًا صالحًا ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ".

стр. 1802

قوله: "لا يزال المؤمن مُعنِقًا صالحًا"، (مُعنِقًا)؛ أي: مُنبسِطًا في سيره؛ يعني: يوم القيامة، ذكره في "الغريبين". قيل: قول صاحب "الغريبين": (يوم القيامة) فيه ما فيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قد قيَّدَ قولَه: (لا يزال المؤمنُ مُعنِقًا) بقوله: "ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا"، وإصابةُ الدمِ الحرامِ في القيامة غيرُ جائزٍ [ة]؛ بل معناه: يكون مُوفَّقًا للطاعة ما لم يَقتل نفسًا بغير حقٍّ، فإذا قتلَها انقطعَ عنه التوفيقُ للخيرات. قال في "شرح السُّنَّة": أراد بالمُعنِق: خفيفَ الظَّهر، يُعنِق في مَشيهِ سيرَ المُخِفَّ، و (العَنَق): ضربٌ من السير وسيعٌ. وقيل: معنى مُعنِقًا؛ أي: ذا حُجَّةٍ ظاهرةٍ، ومنه: "المُؤذَّنون أطولُ الناس أعناقًا"؛ أي: أظهرُ حُجَّةٌ بالتوحيد. وقوله: "بلَّح" معناه: أعيَى وانقطع، يقال: (بَلَحَ الفرسُ): إذا انقطع جَريُه، و (بَلَحَتِ الرَّكِيَّة): انقطع ماؤها، (الرَّكِيَّة): البئر، ذكره في "شرح السُّنَّة"، قال الإمام التُّورِبشتي في "شرحه": الرواية في هذا الحديث (بلَّح) بالتشديد. * * * ٢٦٠٥ - وعنه، عن رسول الله ﷺ قال: "كلُّ ذنبٍ عسى الله أنْ يغفِرَهُ إلا مَن ماتَ مُشركًا، أو من يَقتُلُ مؤمنًا مُتعمِّدًا". قوله: "ومَن يَقتل مؤمنًا مُتعمدًا"؛ يعني: إذا كان مُستحِلًّا دمَه. * * * ٢٦٠٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُقامُ الحدودُ في المساجدِ، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ".

стр. 1803

قوله: "لا تُقام الحدودُ في المساجد"؛ لأنَّ المساجدَ ما بنيت إلا للصلاة وقراءة القرآن والذَّكر وغير ذلك من العبادات، فإذا أُقيمت الحدودُ فيها فلا تخلو عن صخبٍ ولوثٍ بالدم وغيره، فإذا كان كذلك، فلا تُقام الحدودُ في المساجد؛ صيانةً لها وحفظًا لحرمتها، هذا على سبيل الأولوية، أمَّا لو التجأ مَن عليه القِصاص إلى الحَرَم، فجاز استيفاؤه منه في الحَرَم، سواءٌ كان القِصاصُ واجبًا عليه في النفس أو الطرف، فتُبسط الأنطاعُ، ويُقتَل في الحَرَم؛ تعجيلاً لاستيفاء الحقَّ، وعند أبي حنيفة لا يُستوفَى قِصاصُ النفس في الحَرَم، بل يُضيَّق عليه الأمرُ بحيث لا يُكلَّم ولا يُعامَل ولا يُطعَم حتى يخرجَ بنفسه، فيُقتَل. قوله: "ولا يُقاد بالولد الوالدُ"، قال في "شرح السُّنَّة": والعملُ عليه عند أهل العلم، قالوا: لا يُقاد أحدٌ من الوالدَين بالولد، ولا يُحدُّ بقذفه، ويُقاد الولدُ بالوالد، ويُحدُّ بقذفه، وإنما قال: لا يُقاد الوالدُ بالولد؛ لأنَّ الوالدَ سببُ وجوده، فلا يجوز أن يكونَ الولدُ سببًا لعدمه، وحُكمُ الأجداد والجدَّات مع الأحفاد حُكمُ الوالدَين مع الولد. * * * ٢٦٠٧ - عن أبي رِمْثَةَ ﵁ قالَ: دخلتُ مع أبي على رسولِ الله ﷺ ، فرأَى أبي الذي بظَهرِ رسولِ الله ﷺ ، فقالَ: دَعْني أُعالجُ الذي بظهركَ فإني طبيبٌ، فقالَ: "أنتَ رفيقٌ، والله الطبيبُ"، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ هذا مَعَك؟ " قالَ: ابني فاشهدْ به، فقالَ: "أَما إنه لا يَجني عليكَ ولا تَجْني عليهِ". قوله: "فرأى أبي الذي بظَهر رسول الله ﷺ ": أراد بالذي بظَهر رسول الله ﷺ : خاتمَ النبوَّة، وظنَّ أنه سِلَعةٌ، و (السلعة): شيء ينتشر من جسم الإنسان يشبهُ الغُدَّة، فقال: "دعني أعالجُ الذي بظَهرك؛ فإني طبيب"؛ يعني: اتركْني أُداوي

стр. 1804

ما بظهرك من الداء الذي ظهر؛ فإني أعرف الطبَّ، فقال ﷺ : "أنت رفيقٌ، والله الطبيب". قال في "شرح السُّنَّة": قوله: (أنت رفيق) معناه: أنت ترفق بالمريض، فتحميه مما يُخشَى أن لا يتحملَه بدنُه، وتُطعمه ما تَرى أنه أرفقُ به. (الطبيبُ) هو العالِمُ بحقيقة الداء والدواء القادرُ على الصحة والشفاء، وليس ذلك إلا الله الواحد القهار، ثم تسميةُ الله تعالى به أن يُذكَرَ في حال الاستشفاء، مثل أن يقول: اللهم أنتَ المُصحِّح والمُمرِض والمُداوِي والطبيب، ونحو ذلك، فأمَّا أن يقولَ: يا طبيبُ! افعلْ كذا، كما يقول: يا حليمُ يا رحيمُ، فإنَّ ذلك مُفارقٌ لأدب الدعاء؛ فإنما الدعاءُ الثناءُ عليه بأبلغِ الألفاظ والمُختصِّ به، بخلاف الشائع المشترك بينه وبين غيره، ولأنَّ أسماءَه توقيفيةٌ، وأيضًا الطبيب عُرفًا: إنسان آخر سوف يمرض ويموت، فنُزِعَ عن لفط مُشعرٍ بنقصانٍ. * * * ٢٦٠٩ - عن الحسنِ، عن سَمُرَة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن قتلَ عبدَهُ قتلْناهُ، ومَن جَدع عبدَهُ جَدَعْناهُ، ومَن أَخْصَى عبدَه أَخصيْناهُ". قوله: "مَن قتل عبدَه قتلْناه"، قال الخطَّابي: هذا زجرٌ؛ ليَرتدعوا فلا يُقدموا على ذلك، كما قال النبيُّ ﷺ في شارب الخمر: "إذا شربَ فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، ثم قال في الرابعةِ أو الخامسةِ: فإن عادَ فاقتلوه"، ثم لم يقتلوه حين جِيء به وقد شرب رابعًا أو خامسًا. وقد تأوَّلَه بعضُهم على أنه إنما جاء في عبدٍ يملكه مرةً، فزال عنه ملكُه، وصار كفُؤًا له بالحرية، فإذا قتلَه كان مقتولاً به، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ أي: مَن كنَّ أزواجًا قبل الموت. وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ هذا الحديثَ منسوخٌ.

стр. 1805

قال في "شرح السُّنَّة": وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ طرَفَ الحرِّ لا يُقطَع بطرَف العبد، فثبت بهذا الاتفاق أن الحديثَ محمولٌ على الزَّجر والرَّدع، أو هو منسوخٌ. قال في "شرح السُّنَّة": "جدَعَ" الأنفَ واليدَ والأذنَ: قطعَها، خَصيتُ الفحلَ خِصاءً و"أَخصيتُه": سَلَلتُ خُصيَيه، ذكره في "الصِّحاح". * * * ٢٦٠٩/ م - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن قتَلَ متعمِّدًا دفع إلى أولياءِ المقتولِ فإنْ شاءوا قَتَلُوا، وإنْ شاؤوا أخذُوا الدِّيَةَ وهي: ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفَةً، وما صالَحوا عليهِ فهو لهم". قوله: "أربعون خَلِفة"، (الخَلِفة): الحامل. * * * ٢٦١٠ - عن عليًّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "المسلمونَ تَتكافَأُ دماؤُهم، ويَسعَى بذِمَّتِهم أَدناهم، ويَرُدُّ عليهم أَقْصاهم، وهُم يَدٌ على مَنْ سِواهم، ألا لا يُقتَلُ مُسلمٌ بكافرٍ، ولا ذُو عهدٍ في عهدِه". قوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، قال في "شرح السُّنَّة": يريد أنَّ دماءَ المسلمين متساويةٌ في القِصاص؛ يُقاد الشريفُ منهم بالوضيع، والكبيرُ بالصغير، والعالِمُ بالجاهل، والرجلُ بالمرأة، وإذا كان المقتولُ شريفًا أو عالمًا، والقاتلُ وضيعًا جاهلًا لا يُقتَل به غيرُ قاتله، على خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية؛ كانوا لا يرضَون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع حتى يقتلوا عِدَّةَ من قبيلة القاتل.

стр. 1806

قوله: "ويسعى بذِمَّتهم أدناهم"، (أدنى): أفعل التفضيل من دَنَا يَدْنَأُ دَنَاءَةً: إذا سَفُلَ في فعْلِهِ ومَجَنَ، ذكره في "الصَّحاح"، و (أدنى) معناه ها هنا: مَن يَقِلُّ اعتباره وقَدره كالعَبيْدِ والنسوان. يعني: مَن أجارَ واحدًا من الكفار وأمَّنَه، ولو كان المُجير ممن يقلُّ قَدرُه واعتباره، لا يجوزُ لأحد أن يُبطلَ ذمَّتَه ويقتلَه؛ فمَن أبطلَ ذمَّتَه وقتله، لم يجد رائحة الجنة. قوله: "ويردُّ عليهم أقصاهم"، (أقصى): أفعل التفضيل، من (قصَى المكانُ يَقْصُو قُصُوًّا): إذا بَعُد. قال في "شرح السُّنَّة": معناه: أن يخرج الجيش، فيُنيخوا بقرب دار العدو، ثم تنفصل منهم سَرية، فيغنموا، يردُّون ما غنمُوه على الجيش الذين [هم] رِدءٌ لهم - أي: عونٌ - ولا يتفرَّدون به، بل يكونون جميعًا شركاء فيه، فأمَّا مَن أقامَ ببلدة ولم يخرج معهم فلا شِركةَ له فيه. قوله: "وهم يدٌ على مَن سواهم"؛ يعني: المسلمين، لا يسعهم التخاذل، بل يُعاون بعضُهم بعضًا على جميع الأديان والمِلل، ذكره في "الغريبين". قيل: جعلَهم كاليد الواحدة في التعاون والتناصر على مَن سواهم. قوله: "لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده"، قال الخطَّابي: فيه البيان الواضح أنَّ المسلمَ لا يُقتَل بأحد من الكفار، سواءٌ كان المقتولُ منهم ذِمَّيًّا أو مُعاهدًا أو مُستأمَنًا أو ما كان، وذلك أنه نفيٌ في نكرةٍ؛ فاشتمل على جنس الكفار عمومًا. وقد اختلف الناس في هذا؛ فقال بظاهر الحديث جماعةٌ من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد

стр. 1807

ابن حنبل وإسحاق، وقال الشَّعْبي والنَّخَعي: يُقتَل المسلمُ بالذَّمَّيَّ، وإليه ذهب أصحاب الرأي، وتأوَّلوا قوله: "لا يُقتَل مؤمنٌ بكافرٍ"؛ أي: بكافرٍ حربيًّ، دونَ مَن له عهدٌ وذِمَّةٌ من الكفار، وادَّعوا في نظم الكلام تقديمًا وتأخيرًا، كأنه قال: لا يُقتَل مؤمنٌ ولا ذو عهد في عهده بكافر، قالوا: ولولا أنَّ المرادَ به هذا لَكان الكلامُ خاليًا عن الفائدة؛ لأنه معلوم بالإجماع: أنَّ المُعاهدَ لا يُقتَل في عهده، ولم يجرِ حملُ الخبر (١) الخاص على شيء قد استُفيد معرفتُه من جهة العلم العام المُستفيض. قال في "شرح السُّنَّة": قوله: "لا يُقتَل مؤمن بكافر" كلامٌ تامٌّ مستقلٌّ بنفسه؛ فلا وجهَ لضمَّه إلى ما بعدَه وإبطالِ حُكم ظاهرِه، وقد رَوينا عن (صحيفة عليًّ): "أن لا يقتل مؤمن بكافر" من غير ذكر ذي العهد، فهو عامٌّ في حقِّ جميع الكفار أن لا يُقتَلَ به مؤمنٌ، كما قال النبيُّ ﷺ : "لا يَرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ"، وكان الذَّمَّيُّ والمُستأمَنُ والحربيُّ فيه سواءً. وقال أيضًا في "شرح السُّنَّة": قوله: "ولا ذو عهد" وأراد به أنَّ ذا العهد لا يجوز قتلُه ابتداءً ما دام في العهد، وفي ذكر المُعاهَد أنه لا يُقتَل ابتداءً فائدةٌ: وهو أنَّ النبيَّ ﷺ لما أسقطَ القَوَدَ عن المسلم إذا قتل الكافرَ أوجبَ ذلك توهينَ حُرمة دماء الكفار، فلم يُؤمَن من وقوع شبهة لبعض السامعين في حُرمة دمائهم، وإقدام المُسرِع من المسلمين إلى قتلهم، فأعادَ القولَ في حظر دمائهم دفعًا للشبهة، وقطعًا لتأويل المُتأوَّل. * * *

стр. 1808

٢٦١١ - عن أبي شُرَيحٍ الخُزاعيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن أُصيبَ بدمٍ أو خَبْلٍ - والخَبْلُ: الجُرْحُ - فهو بالخيارِ بينَ إحدَى ثلاثٍ، فإنْ أرادَ الرَّابعةَ فَخُذُوا على يَدَيْه، بينَ أنْ يَقتَصَّ، أو يَعفُوَ، أو يأخذَ العَقْلَ، فإنْ أخذَ مِن ذلكَ شيئًا ثم عَدا بعدَ ذلكَ، فلهُ النارُ خالِدًا فَيها مخلَّدًا أبدًا". قوله: "فإن أراد الرابعةَ فخُذوا على يدَيه: بين أن يَقتصَّ، أو يعفوَ، أو يأخذ العقل"، (بين أن يقتصَّ): بدل من قوله: (بين إحدى ثلاث)، الفاء في: (فإن أراد الرابعة) جواب شرط مُقدَّر، تقديره: إذا تقرَّر هذا فإن أراد الرابعةَ زائدةً على الثلاث. "فخُذوا على يدَيه"؛ أي: اعتَرِضوا عليه، ولا تُخلُّوا سبيلَه، واحبسوه عن ذلك. قوله: "فإن أخذَ من ذلك شيئًا، ثم عدا بعد ذلك فله النار"، (ذلك) إشارة إلى الخِصال الثلاث؛ يعني: إن أخذ شيئًا من الخصال الثلاث، ثم تجاوز بعد ذلك - يعني: طلب شيئًا آخرَ، كما أنه إذا عفا وأخذ الدية، ثم قتله - فله النارُ. * * * ٢٦١٢ - عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "من قُتِلَ في عِمِّيَّةٍ، في رميٍ يكونُ بينَهم بالحجارةِ أو جَلْدٍ بالسِّياطِ أو ضَرْبٍ بعصًا، فهو خطأٌ، وعَقْلُه عَقْلُ الخَطَإ، ومَن قتلَ عمدًا فهو قَوَدٌ، ومَن حالَ دونَه فعليهِ لعنةُ الله وغضَبُه، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ". قوله: "مَن قُتل في عِمِّيَّة في رمي يكون بينهم بالحجارة" قال في "الغريبين": قال أحمد بن حنبل: هي الأمر الأعمى كالعصبية لا يَستبين ما وجهه، وقال

стр. 1809

إسحاق: هذا في تجارح (١) القوم، وقتل بعضهم بعضًا، وكان أصله من (التَّعْمِية) وهو: التلبيس. وقال في "شرح السُّنَّة": (عِمِّيَّة) فعيلة من العَمَى، ومعناه: أن يَترامَى القومُ، فيُوجَد منهم قتيلٌ لا يُدرَى مَن قاتلُه ويُعمَّى أمرُه؛ ففيه الدِّيةُ. قوله: "ومَن حال دونَه فعليه لعنةُ الله"، (حَالَ): إذا حجز ومنع، الضمير في (دونه) يعود إلى القاتل؛ يعني: مَن حجز بين القاتل ووليِّ الدم فعليه لعنةُ الله، و"لا يُقبل منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ": قيل: (الصَّرْف): التوبة، و (العَدْل): الفِدية، وقيل: (الصَّرْف): النافلة، و (العَدل): الفريضة. * * * ٢٦١٣ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا أُعفي مَن قتلَ بعدَ أخْذِ الدَّيةِ". قوله: "لا أُعفي مَن قتلَ بعد أخذ الدِّية"، (أَعْفَى): إذا ترك؛ يعني: إذا أخذ وليُّ الدم الدِّيةَ، ثم قتلَ القاتلَ بعد ذلك، لا أعفو عن هذا الصنيع؛ بل أقتلُه بالقِصاص، وفي بعض النسخ: "لا يُعفَى" على بناء ما لم يُسمَّ فاعلُه من (العَفْوِ)، بدل: "لا أُعفي". * * * ٢٦١٤ - عن أبي الدَّرداءِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما مِن رجلٍ يُصابُ بشيءٍ في جسدهِ فَتَصَدَّقَ به إلَّا رفَعَه الله بهِ درجةً، وحَطَّ عنهُ بهِ خطيئةً".

стр. 1810

قوله: "ما من رجل يُصاب بشيء في جسده، فتصدَّق به إلا رفعَه الله به درجة" (أصاب) مأخوذ من (أصابَ المطرُ): إذا نزل، ومعنى (أصاب)؛ أي: نزل به شيءٌ يكرهه كالجراحات والآفات وغير ذلك؛ يعني: ما من رجل جُنِي عليه، فعفى عن الجاني وترك القِصاص؛ طلبًا لرضا الله سبحانه إلا رفعَه الله بذلك العفو درجةً عنده، و"حطَّ": أسقط عنه بذلك ذنبًا من ذنوبه. * * * ٢ - باب الدَّيَاتِ (باب الدَّيات) (الدِّيات): جمع الدَّية، وهي مصدر كأنها اسم للمال. ٢٦١٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قَضَى رسولُ الله ﷺ في جَنِينِ امرأةٍ من بني لِحْيانَ بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ، ثم إنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيَت، فقَضَى بأنَّ ميراثِها لِبنيها وزوجِها، والعَقْلُ على عَصَبَتِها. قوله: "قضى رسولُ الله ﷺ في جنين امرأة من بني لَحْيان بغُرَّةٍ عبدٍ أو أَمَةٍ"، (الجنين): الولد ما دام في البطن، والجمع: الأَجنَّة، و (الغُرَّة): بياض [في] الوجه، والمراد بها ها هنا: عبدٌ أو أَمَةٌ. قال فى "شرح السُّنَّة": والغُرَّة من كل شيء: أنفسه، والمراد من الحديث: النَّسَمة من الرقيق ذكرًا كان أو أنثى. وقال أبو عمرو بن العلاء: (الغُرَّة): عبدٌ أبيضُ أو أَمَةٌ بيضاءُ، سُمِّي غُرَّةً لبياضه، وذهب إلى أنه لا يُقبَل فيه العبدُ الأسودُ؛ ولم يقلْ به أحدٌ. وقيل: (الغُرَّة) قد فسَّرها الفقهاءُ بعبدٍ أو أَمَةٍ ثمنُه يبلغ عُشرَ الدِّية.

стр. 1811

و"غُرةٍ عبدٍ أو أَمَةٍ" بالتنوين، والإضافةُ روايةٌ، قيل: رواية التنوين أكثرُ، ووجه التنوين: أنه يكون (العبدُ) عطفَ بيانٍ أو بدلاً، وإذا رُفع (العبدُ) فهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي عبدٌ، وإذا نُصب يُحتمَل أن يكونَ تمييزًا، ويُحتمَل أن يكونَ مفعولاً به؛ أعني: عبدًا أو أَمَةً. قوله: "والعَقل على عصبتها"، قيل: أراد بـ (العَقل) ها هنا: الغُرَّة التي هي جنين المضروبة، ويُحتمل أن المراد بالعَقل: الدِّيةُ المضروبة. * * * ٢٦١٧ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: اقتتلَت امرأتانِ من هُذَيلٍ فرمَتْ إحداهما الأخرى بحَجَرٍ فقتلَتْها وما في بطنِها، فقضَى رسولُ الله ﷺ أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ: عبد أو وَلِيدَةٌ، وقضَى بديَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، وَوَرَّثَها وَلَدَها ومَن معهم. قوله: "وقضى بدِية المرأة على عاقِلَتِها"، (العاقلة): العَصَبة، وهي القرابة مِن قِبَل الأب؛ وإنما سُمِّيت عاقلةً لأنها مأخوذةٌ من (العَقل) الذي هو بمعنى الشدِّ، وذلك أنَّ القاتلَ كان يأتي بالإبل فيَعقلُها، أي: يشدُها بالعِقال في فِناء المقتول. وقيل: سُمِّيت عاقلةً لأنها مأخوذة من (العَقل) وهو المنع، وبه سُمَّي العقلُ المُركَّب في الإنسان؛ لأنه يمنعه عما لا يَحسُن ولا يَجمُل. وليس ذلك بقياسٍ لمؤاخذة غير الجاني بجناية الجاني؛ ولكنَ أهلَ القاتل كانوا ينصرون الجاني منهم، ويمنعون أولياء المَجنيِّ عليه من طلب حقَّهم، فجعل الشرعُ تلك النصرةَ ببذل المال. واختصَّ بالخطأ وشبه العمد، لأنه مما لا يمكن الاحترازُ عنه، ويكثر ذلك،

стр. 1812

ففي الإيجاب عليه يكون إجحافًا، فأوجب على العاقلة بطريق المواساة، وجعله عليهم مُؤجَّلاً إلى ثلاث سنين؛ نظرًا لهم في المواساة، ولم يوجب على مَن بينه وبين الجاني بَعضية؛ لأنه كنفسه. وعند أبي حنيفة: يجب على الإبعاض، ويجب في ماله إذا كان بالغًا عاقلاً ذكرًا ما يجب على واحدٍ من العاقلة. قال في "شرح السُّنَّة": إذا جنى على امرأةٍ حاملٍ، فألقَتْ جنينًا ميتًا يجب على عاقلة الضارب غُرَّةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ من أي نوع كان من الأرِقَّاء، سواءٌ كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وإن سقط حَيًّا ثم مات، ففيه الدَّيةُ الكاملةُ، وإن ألقَتْ جنينَين ميتَين، فعليه غُرَّتانِ، ولِمُستحقَّها أن لا يَقبلَ مَعيبةً كالإبل في الدَّية، وله أن لا يَقبلَ دونَ سبع سنين أو ثماني سنين. وقال أبو حنيفة: يجب قَبولُ الطفل إذا كانت قيمتُها خمسَ مئةِ درهمٍ، وإذا عُدمت الغُرَّةُ ففيه نصفُ عُشْرِ دِية المسلم، وهي خمسٌ من الإبل في قول الشافعي، وقال مالك: ستُّ مئةِ درهمٍ، وقال أبو حنيفة: عليه غُرَّةٌ أو خمسُ مئةِ درهمٍ أو خمسون دينارًا. * * * ٢٦١٨ - وعن المُغيرةِ بن شُعبةَ ﵁: أن ضَرَّتينِ رَمَتْ إحداهُما الأُخرى بعمُودِ فُسطاطٍ فأَلْقَتْ جنينَها، فقضَى رسولُ الله ﷺ في الجنينِ غُرةً: عبدًا أو أَمَةً، وجعلَها على عاقلةِ المرأةِ، ويروى: فَقتَلَتها، فجعلَ رسولُ الله ﷺ دِيَةَ المقتُولةِ على عَصَبةِ القاتِلَةِ. قوله: "أن ضَرَّتيْنِ رَمَتْ إحداهما الأخرى بعمودِ فُسطاطٍ فأَلْقَتْ جنينَها"، (ضَرَّة المرأة): امرأة زوجها، سميت (ضَرَّة) لمُضَارَّتها الأخرى.

стр. 1813

(الفسطاط): بيت من شعر، وفيه لغات: (فُسطاط) بضم الفاء، أو (فِسطاط) بكسرها، و (فُسَّطاط) بضم الفاء وتشديد السين، و (فِسَّطاط) بكسر الفاء وتشديد السين، و (فِستاط) بكسر الفاء وبالتاء المنقوطة فوقها بنقطتين بعد السين. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٦١٩ - عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ألَا إنَّ في قَتيلِ العمدِ الخطأ بالسَّوطِ أو العَصا مائةً من الإبلِ مُغلَّطةً، منها أربَعونَ خَلِفَةً في بُطونِها أولادُها". قوله: "ألا إن في قتيلِ العبد الخطأ بالسوط ... " إلى آخره، (ألا): كلمة تنبيه، و (قتل العبد الخطأ): عبارة عن شبه العمد، وفي الحديث دليل على إثبات العبد الخطأ في القتل، وعند بعضهم القتل قسمان: عمد مَحض، وخطأ مَحض، وشبه العمد لا يُعرف، وهو قول مالك. وأما استدلال أبي حنيفة بحديث ابن عمر على أن القتل بالمثقل شبه عمد لا يوجب القصاص، فليس له حجة في ذلك؛ لأن الحديث في السَّوط والعصا الخفيف الذي لا يقصد به القتل، فإذا حصل منه القتل يكون ذلك شبه عمد، فأما المُثقل الكبير فيلحق بالمحدد المُهيَّأ للقتل، هذا معنى كلام الشيخ في "شرح السنة". * * * ٢٦٢٠ - عن أبي بكرِ بن محمَّد بن عَمرِو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كتبَ إلى أهلِ اليمنِ، وكانَ في كتابه: أنَّ مَن اعتَبَطَ مؤمِنًا

стр. 1814

قتلاً فإنَّه قَوَدُ يدِهِ، إلا أنْ يَرضَى أولياءُ المقتولِ، وفيه: أنَّ الرَّجلَ يُقتَلُ بالمرأةِ، وفيه: في النَّفسِ الدِّيَةُ، مائةٌ مِن الإِبلِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُه الديةُ مائةٌ من الإِبلِ، وفي الأسْنانِ الدِّيةُ، وفي الشِّفتَيْنِ الدِّيةُ، وفي البيضَتَينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ، وفي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ، وفي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدَّيةِ، وفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي المُنَقِّلَةِ خمسَ عشْرةَ من الإِبلِ، وفي كُلِّ إِصبَعٍ مِن أصابعِ اليدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ من الإِبلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ من الإِبلِ. وفي رواية: وفي العينِ خَمسُونَ، وفي اليدِ خمسونَ، وفي الرِّجْلِ خمسونَ، وفي المُوضحَةِ خَمْسٌ. قوله: "منَ اعتَبَطَ مؤمنًا قتلاً فإنه قَوَدُ يدِهِ"، (عَبَطْتُ النَّاقة واعتبطتُها): إذا ذبحتُها وليس بها علة، فهي عَبيْطَة؛ يعني: مَنْ قتلَ مؤمنًا من غير جنايةٍ وجُرْمٍ موجبٍ ذلك (فإنه قود يده)؛ أي: فإن ذلك القتل موجبٌ للقصاص جزاءً لفعل يده الخاطئة. قوله: "وفيه: أنَّ الرجلَ يُقتل بالمرأة"، الضمير في (فيه) يعود إلى الكتاب. قوله: "وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُه الديةُ مئةٌ من الإبل"، (أُوْعِبَ جدعه)؛ أي: قطع الأنف من أصله. قوله: "وفي البيضتين الدية"؛ أي: في قطع البَيْضَتَيْن، (البَيْضَةُ) ها هنا: الخصية "الصُّلب": الظهر. قوله: "وفي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الديةِ"، (المَأْمُومَة): هي التي تبلغ أمَّ الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به، وتسمى أمه؛ لأنها بلغت أم الرأس. قوله: "وفي الجائفة ثلث الدية"، (الجائفة): وهي أن يضرب ظهره أو

стр. 1815

بطنه أو صدره، فينفذه إلى جوفه، فإن خرجت من الجانب الآخر فهي: جائفتان. قوله: "وفي المنقَّلة خمسة عشر من الإبل"، (المنقَّلة) بكسر القاف: هي التي تنقل العظم. قوله: "وفي الموضحة خمس"، (الموضحة): هي التي توضح العظم؛ أي: تظهره. * * * ٢٦٢٤ - عن عمْروِ بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: خطبَ رسولُ الله ﷺ عامَ الفتحِ ثم قال: "أيُّها الناسُ إنَّه لا حِلْفَ في الإِسلامِ، وما كانَ مِنْ حِلفٍ في الجاهليةِ فإنَّ الإِسلامَ لا يَزيدُه إلا شِدَّةً، المؤمنونَ يدٌ على مَن سِواهم، يُجِيرُ عليهم أَدْناهم، ويَرُدُّ عليهم أَقصاهُم، ويَرُدُّ سَراياهم على قَعِيدَتِهم، لا يُقتَلُ مؤمن بكافرٍ، دِيَةُ الكافرِ نِصفُ دِيةِ المسلم، ولا جَلَبَ ولا جَنَبَ، ولا تُؤخذُ صَدقاتُهم إلا في دُورِهم". ويروى: "دِيَةُ المُعاهِدِ نصفُ دِيةِ الحرَّ". قوله: "عامَ الفتح"؛ أي: فتح مكة. "لا حِلْفَ في الإسلام"، (الحِلف) بكسر الحاء: العهد بين قوم، (حالف): إذا عاهد، قيل: (الحِلف والمُحَالفة): عبارة عن جريان التحالف بين قوم في الجاهلية على أن سِلْمَ بعضهم سِلْمُ كلهم، وحَرْبَ بعضهم حربُ كلهم، وأن يرثَ بعضُهم بعضًا، ويغرم بعضهم بعضًا، فإذا جاء الإسلام دفع هذه القاعدة من أصلها وأبدلها بالمؤاخاة والأخوة، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].

стр. 1816

قوله: "ويردُّ سراياهم على قَعِيدَتِهم": المراد بـ (القَعيدة): الجيش الذين نزلوا قرب دار الحرب، والباقي مفسر قبل هذا. قوله: "ولا جَلَبَ ولا جَنَبَ" قد فسره الإمام مظهر الدين ﵀ في (كتاب الزكاة). قوله: "ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ الحُرِّ": قال في "شرح السنة": ذهب مالك وأحمد إلى أن ديته نصف دية الحر المسلم، غير أن أحمد قال: إذا كان القتل خطأ، فإن كان عمدًا لم يُقد به ويُضاعف عليه اثنا عشر ألفًا. وقال أصحاب الرأي: ديتُهُ مثلَ دية المسلم، وقال الشافعي: ديتُهُ ثلث دية المسلم، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، فأربعة الآلاف ثلث الدية. * * * ٢٦٢٧ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: كانت قيمةُ الدَّيَةِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ثمان مئةِ دينارٍ، أو ثمانيةَ آلافِ درهم، وَدِيَةُ أهلِ الكتابِ يومَئذٍ النِّصفُ من دِيَةِ المسلمين. قال: فكانَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عمرُ فقامَ خطيبًا فقال: إنَّ الإِبلَ قد غَلَتْ، فَفَرَضَها عمرُ ﵁: على أهلِ الذهبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثني عَشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البقرِ مائتَي بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتي حُلَّةٍ، قال: وتَركَ دِيَةَ أهلِ الكتابِ لمْ يرفعْها. قوله: "حتى استُخلِفَ عمر"؛ أي: جعل خليفة. "فقام خطيبًا"؛ أي: وعظنا فقال: "إن الإبل قد غلت"، (الغلاء): ارتفاع السعر؛ أي: إن الإبل قد زادت قيمتها، "ففرضها عمر ﵁": فقدرها، و"الورق":

стр. 1817

الفضة، و"الحُلَل": جميع حلة، وهي عبارة عن إزار ورداء. قال في "شرح السنة": وذهب الشافعي في القديم إلى أن التقدير الذي قدَّره عمر ﵁ عند إعواز الإبل، فأوجب ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم. عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً من بني عدي قُتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثنا عشر ألفًا. وذهب مالك وأحمد إلى أن الواجب في الدية مئة من الإبل أو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم. وذهب أبو حنيفة إلى أنها مئة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. * * * ٢٦٢٩ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُقَوِّمُ دِيَةَ الخطأ على أهلِ القُرى أربعَ مئةِ دينارٍ إلى ثمان مئةِ دينار، أو عَدْلَها مِن الوَرِقِ، ويُقَوَّمُها على أَثمانِ الإِبلِ، فإذا غَلَتْ رَفَعَ في قيمتِها، وإذا هاجَتْ برُخْصٍ نَقَصَ مِن قيمتِها، وبلغَتْ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ما بينَ أربع مئةِ دينارِ إلى ثمان مئةِ دينارٍ، أو عَدْلِها مِن الوَرِقِ ثمانيةِ آلافِ درهمٍ، قال: وَقَضَى رسولُ الله ﷺ على أهلِ البقرِ مائتي بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ أَلْفي شاةٍ، وقالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ العَقْلَ ميراثٌ بينَ ورثةِ القتيلِ، وقضَى رسولُ الله ﷺ : أنَّ عَقْلَ المَرأةِ بينَ عَصَبَتِها ولا يَرِثُ القاتِلُ شيئًا. قوله: "يُقَوِّمُ ديَةَ الخطأ على أهل القرى أربع مئة دينار"، (التقويم): جعل شيء ذا قيمة معينة، (القُرى): جمع قرية. قوله: "وإذا هاجَتْ رُخْصٌ"، (هاج): ثار، و (ظهر الرُّخْصُ): ضد الغلاء، و (عَدلها) بفتح العين: مثلها.

стр. 1818

وفيه دليل على أن الأصل في الدية الإبل، فإذا أعوزت تجب قيمتها ما بلغت، وهو قول الشافعي في الجديد، ذكره في "شرح السنة". قوله: "إن العَقْلَ ميراثٌ بين ورثةِ القتيل"، (العقل): الدية، بمعنى: ديةُ القتيل موروثةٌ، كما أن المالَ موروثٌ، يرثها ورثة القتيل من النسب والسبب جميعًا. قوله: "أنَّ عَقْلَ المرأةِ بين عصبَتِها، ولا يرثُ القاتلُ شيئًا"، (العصبة والعصابة): الجماعة؛ يعني: الدية التي تجب بجناية المرأة على العصبة الذين يسمون بالعاقلة، وليست كجناية العبد؛ فإن عاقلته لا تحمل عنه، بل يتعلق برقبته ودية الجاني الحر إذا كان خطأ تتحملها العاقلة وجوبًا، قد ذكر شرح العقل ومأخذه في أول الباب. * * * ٢٦٣١ - وقال: قضَى رسولُ الله ﷺ في العينِ القائمةِ السَّادَّةِ لمكانِها بثلثِ الديَةِ. قوله: "قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السَّادَّة لمكانها بثلث دية"، (العين القائمة السادة لمكانها): عبارة عن حدقة أعمى، ففي قلعها ثلث الدية عند إسحاق فإنه عمل بظاهر الحديث، وعند غيره من العلماء ما وجب إلا الحكومة. قال في "شرح السنة": معنى (الحكومة) أن يقال: لو كان هذا المجروح عبدًا كم كان ينتقص بهذه الجراحة من قيمته، فتجب من ديته بذلك القدر، وحكومة كل عضو لا يبلغُ بدَلَه المقدَّر، حتى لو جُرح رأسه جراحة دون الموضحة لا يبلغ حكومتها أرش الموضحة وإن قبح شينها. * * *

стр. 1819

٢٦٣٣ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدَّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ تطبَّبَ ولم يُعْلَم مِنْهُ طِبٌّ فهو ضامِنٌ". قوله: "منَ تَطَببَ ولم يُعلم منه طِبٌّ فهو ضامن": قال في "الصحاح": (المتطبب): الذي يتعاطى علم الطب؛ أي: يخوض فيه؛ يعني: مَنْ شرع في علم الطب ولا يكون مشهورًا فيه، فإذا عالج مريضًا فهو ضامن. وتلخيص البحث: أنَّ مَنْ عالجَ مريضًا وتعدَّى في علاجه، فمات المريض، صار ضامنًا، والذي تعاطى علمًا أو عملًا ولا يعرف ذلك فهو متعدي، فإذا تولد من فعله الهلاك، فهو ضامن لا محالة، ولكن يسقط عنه القصاص؛ لأنه ما عالج مستبدًا بل عالج بإذن المريض، فإذا كان مأذونًا من عنده تكون مرتبته مرتبة جناية الخطأ، فلهذا أوجب عامة الفقهاء دية جناية الطبيب على عاقلته، هذا معنى كلام الخطابي ﵀. * * * ٢٦٣٤ - عن عمران بن حصين: أنَّ غُلامًا لأُناسٍ فقراءَ قَطَعَ أُذُنَ غلامٍ لأُناسٍ أغنياءَ، فأَتَى أهلُهُ النبيَّ ﷺ فقالوا: إِنَّا أُناسٌ فقراءُ، فلَمْ يجعلْ عليهم شيئًا. قوله: "أنَّ غلامًا لأناسٍ فقراءَ قطعَ أُذُنَ غلامٍ لأُناسٍ أغنياءَ ... " الحديث، المراد بـ (الغلام الجاني): الحر لا الرقيق، والمراد بـ (جنايته): جناية خطأ، وعاقلته كانوا فقراء، والعاقلة لا يتحملون الدية إلا إذا كانوا ذوي قدرة وسَعَة، وإلا فليس على الفقراء شيء، فلهذا ما أوجب النبي ﷺ عليهم شيئًا، أما الرقيق إذا جنى على رقيق أو على حرًّ فأرش جنايته يتعلق برقبته عند جميع العلماء، وفقر مولاه لا يدفع عنه ذلك. * * *

стр. 1820

٣ - باب ما لا يُضْمَنُ من الجنايات (باب ما لا يضمن من الجنايات) مِنَ الصَّحَاحِ: ٢٦٣٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ والبئرُ جُبارٌ". قوله: "العَجماءُ جُرحها جُبَارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، والبئرُ جُبار" قال الخطابي ﵀: (العَجمَاءُ): البهيمة، وسميت عجماء لعجمتها، وكل من لم يقدر على الكلام فهو أعجم، ومعنى (الجُبَار): الهدر، وإنما يكون جرحها هدرًا إذا كانت منفلتة عائرة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق. وأما (البئر): فهو أن يحفر الرجل بئرًا في ملك نفسه فيتردى فيها إنسان، فإنه هدر لا ضمان عليه فيه، وقد يتأول أيضًا بالبئر التي تكون بالبوادي، يحفرها الإنسان فيحييها بالحفر والإنباط، فيتردى فيها إنسان فيكون هدرًا. و (المعدن): ما يستخرجه الإنسان من معادن الذهب والفضة ونحوهما، فيستأجر قومًا يعملون فيها، فربما انهارت على بعضهم، يقول: فدمائهم هجر؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، فزال العنت عمن استأجرهم. * * * ٢٦٣٦ - وعن يَعْلى بن أُميَّةَ قال: غَزَوْتُ معَ رسولِ الله ﷺ جيشَ العُسْرَةِ وكانَ في أَجيرٌ، فقاتلَ إنسانًا فَعَضَّ أحدُهما يدَ الآخرِ، فانتزَعَ المغضُوضُ يدَه مِن فِيْ العاضِّ فأنْدَرَ ثَنِيَّتَه فسقطَتْ، فانطلقَ إلى النبيَّ ﷺ فأَهدَرَ ثَنِيَّتَه وقال: "أَيَدَعُ يدَهُ في فيكَ تَقضمُها كالفَحْلِ؟ ".

стр. 1821

قوله: "غزوتُ مع رسول الله ﷺ جيشَ العُسْرة"، قال ابن عرفة: سُمَّي جيشُ تبوك جيشَ العسرة؛ لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في حَمَارَّةِ القَيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إِبَّان ابتياع الثمر، ذكره في "الغريبين". (حَمَارَّة القيظ): شدة الحرارة، (إِبَّان) بمعنى حين. قوله: "فانتزعَ المعضوضُ يدَهُ مِنْ فِيِّ العَاضِّ فأَنْدَرَ ثنيَّتَهُ"، (انتزع ونزع) بمعنى واحد، (المعضوض) مفعول من عَضَّ: إذا أخذ بالسنِّ؛ يعني: جَرَّ الذي عُضَّتْ يده من فم ذلك العاض، فأسقط سنًا واحدة من أسنانه. قوله: "أَيَدَع يدَهُ في فيكَ تقضمُها كالفحل"، قال ﷺ للعاضِّ على سبيل الإنكار: أيتركُ يدَهُ في فمك (تقضمها)؛ أي: تأكلها، كما يقضمها الفحل من الإبل. فيه دليل على أن دفع الصَّائل عن نفسه جائز، وإنه إذا لم يمكن الخلاص إلا بقتله كان دمه مهدرًا. * * * ٢٦٣٧ - وعن عبدِ الله بن عَمرٍو ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فَهُو شَهيدٌ". قوله: "من قُتِلَ دونَ مالهِ فهو شهيدٌ"، (دون ماله)؛ أي: عند الدفع عن ماله. * * * ٢٦٣٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! أَرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يُريدُ أخْذَ مالي؟ قال: "فلا تُعْطِه مالَكَ"،

стр. 1822

قال: أرأيتَ إنْ قاتَلَني؟ قال: "قاتِلْهُ"، قال: أرأيتَ إنْ قتَلَني؟ قال: "فأنتَ شهيدٌ"، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه، قال: "هوَ في النَّارِ". قوله: "أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي"، (أرأيت)؛ معناه: أخبرني، وكذا (أرأيت) الذي بعده في هذا الحديث؛ معناه: أخبرني. قوله: "إنْ قتلتُه، قال: هو في النار" فيه دليل على أن دفع الصَّائل وإن هلك في الدَّفع مباح. * * * ٢٦٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁، سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لو اطَّلَعَ في بيتِكَ أَحدٌ ولم تَأذَنْ له، وخَذَفْتَه بحَصاةٍ فَفَقَأْتَ عينَهُ، ما كانَ عليكَ مِن جُناحٍ". قوله: "خذفته بحصاة ففقأت عينه"، (الخَذْفُ) بالخاء المنقوطة: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سَبَابَتَيْك. و (الحذف) بالحاء المهملة: رميك زيدًا بالعصا، والخذف - بالخاء المنقوطة - ها هنا. * * * ٢٦٤٠ - وعن سَهْلِ بن سَعدٍ: أنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ في جُحْرٍ مِن بابِ رسولِ الله ﷺ ، ومعَ رسولِ الله ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بهِ رأسَهُ فقال: "لو أَعلمُ أنَّكَ تَنْظُرني لَطَعَنْتُ بهِ في عينِكَ، إنَّما جُعِلَ الاستِئْذانُ مِن أَجلِ البَصَرِ". قوله: "مِدْرًى يحكُّ به رأسه"، (المِدْرَى): قيل: هو الشيء شبه مِسَلَّةٍ تصلح به الماشطة قرون النساء، وقيل: هو شيء شبه سكين يُحَكُّ به الرأس. * * *

стр. 1823

٢٦٤١ - عن عبدِ الله بن مُغفَّلٍ ﵁: أنَّه رأى رَجُلاً يَخذِفُ فقال له: لا تَخذِفْ فإنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن الخَذْفِ وقال: "إنه لا يُصادُ به صَيدٌ، ولا يُنْكَأُ به عدوٌّ، ولكنَّه قد يَكْسِر السِّنَّ ويَفقأُ العينَ". قوله: "ولا يُنْكَأُ به عدوٌّ"، نكَأتُ القَرحَةَ أنْكَؤُها نَكْأً: إذا قشرتها؛ يعني: لا يخرج عدو بحصى الخذف بل يكسر به الأسنان. و"يفقأ"؛ أي: يعمي به العيون. * * * ٢٦٤٢ - وقال: "إذا مرَّ أحدُكم في مسجِدنا، أو في سُوقِنا، ومعَه نَبْلٌ فليُمسِك على نِصالِها أنْ يُصيبَ أحدًا مِن المسلمينَ منها بشيءٍ". قوله: "فليمسِك على نِصالها أن يُصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء"؛ يعني: فليأخذْ نِصالها بيده؛ حذرًا من أن يصيب أحدًا من المسلمين من تلك النِّصال بشيء، أو كراهةَ أن يصيب. * * * ٢٦٤٣ - وقال: "لا يُشيرُ أحدكم على أخيهِ بالسِّلاحِ، فإنَّه لا يدري لعَلَّ الشَّيطانَ ينزِعُ في يدِه فيقَعُ في حُفرةٍ مِن النَّارِ". قوله: "لا يشيرُ أحدُكم على أخيه بالسلاح .... " إلى آخره، قال في "الصحاح": (نزَعَ) في القوس: مدها؛ يعني: لا ينبغي لأحدكم أن يشير إلى أخيه بالسلاح، لعلَّ الشيطان يجرُّ يدَ المشير إلى المشار إليه، فتقع يده مع السلاح عليه، فيقع المشير في النار، والضمير في (يده) يعود إلى (الأحد) الذي هو المشير. * * *

стр. 1824

٢٦٤٧ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يوشِكُ إنْ طالَتْ بكَ مُدَّةٌ أنْ تَرَى قَومًا في أَيديهم سِياطٌ مثلُ أذنابِ البقرِ، يَغْدُونَ في غَضبِ الله، ويَرُوحونَ في سَخَطِ الله". ويُروى: "ويَروحونَ في لَعْنَتِهِ". قوله: "يوشِكُ إن طالَتْ بكَ مدةٌ أن ترى قومًا في أيديهم مثلَ أذنابِ البقر"، "يوشك"؛ أي: يسرع ويقرب، و"أن ترى": اسم (يوشك) ولا خبر له؛ لأنه ليس بناقص، "الغدو": نقيض الرواح، و"الرواح": من زوال الشمس إلى الغروب. يعني: قال ﷺ لأبي هريرة: إن طال عمرُك يوشك أن ترى قومًا من خدمة الملوك والأمراء الظالمة، في أيديهم أخشاب أمثال أذناب البقر، يؤذون الناس بها، ويروعونهم ويسعون بين أيديهم، وعلى أعناقهم تلك الأخشاب، يطردون المارة بها عن الطرق، فهؤلاء القوم يَغْدُون في غضبِ الله، ويروحون في لعنته. * * * ٢٦٤٨ - وقال ﷺ : "صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهم سِياطٌ كأَذنابِ البقرِ يضرِبُونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مُمِيلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسُهنَّ كأَسنِمَةِ البُخْتِ المائلةِ، لا يَدخُلْنَ الجنَّةَ ولا يَجِدنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لتوجَدُ مِن مَسيرةِ كذا وكذا". قوله: "ونساء كاسياتٌ عارياتٌ"؛ يعني: أنهن يلبسن ثيابًا رقيقة، تحكي عن بشرتهن لمن ينظر إليهن، وإذا كان كذلك: فهن عاريات حقيقة كاسيات صورة، وقيل: كاسيات من نعمة الله تعالى، عاريات من شكره سبحانه. قوله: "مائلات مميلات": قال أبو بكر: قوله: (مائلات)؛ أي: زائغات عن استعمال طاعة الله وما يلزمهن من حفظ الفروج، و (مميلات): يُعَلَّمْنَ غيرَهُنَّ

стр. 1825

الدخولَ في مثل فعلهن، يقول: أخبثَ فلانٌ فلانًا فهو مُخبث: إذا علمه الخبث فأدخله فيه، وفيه وجه آخر (مائلات): متبخترات في مشيهن، و (مميلات): يُمِلْنَ أكتافهن وأعطافهن، ذكره في "الغريبين". قوله: "رؤوسهن كَأسْنِمة البخت"، (الأَسْنِمَة): جمع سَنَام الإبل، (البُخت) بضم الباء: من الإبل، معرب، البَخَاتِي جمع: البُخْتِي. قيل: المراد أنهن يعظمن رؤوسهن بالخمر والعصائب حتى تشبه أسنمة البُخت. * * * ٢٦٤٩ - وقال ﷺ : "إذا قاتَلَ أحدكم فليجتَنِبِ الوجْهَ، فإنَّ الله تعالى خَلَقَ آدمَ على صورَتِهِ". قوله: "إذا قاتَلَ أحدُكم فليجتنب الوجه فإن الله خلقَ آدم على صورَتِهِ"، (قاتل)؛ أي: حارب، (فليجتنب)؛ أي: فليحترز عن ضربهِ وجهَ مَنْ يقاتلُهُ، فإن الله سبحانه خلق ابن آدم على صورة آدم. ومعنى إضافة الصورة إلى آدم، وكل أحد خلق على صورة نفسه: التنبيهُ على اختراع عظيم في خلقه، إذ كل مخلوق قد تقدم له أمثال، فيُخلَقون على صورة أمثالهم المتقدمة، وأما آدم فاختُرِعَ خلقًا جديدًا عجيبًا، ملكيَّ الروح، حيوانيَّ الجسم، منتصبَ القامة، فلم يُوجد على مثال له تقدم. كأنه قال: ارتجل صورته اختراعًا لا تشبيهًا لمتقدم، ولا محاذيًا لخلق آخر لشيء له يشبهه، بل تولى القديمُ بنفسه خلقَ هذا الصورة إبداعًا جديدًا، وخَلْقًا عجيبًا، لم يسبقه ما يشبهه بصورة ما، وتعظيم وجه الإنسان ونسبته (١) إلى القديمِ
следующие страницы →