← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قوله: "غزوتُ مع رسول الله ﷺ جيشَ العُسْرة"، قال ابن عرفة: سُمَّي جيشُ تبوك جيشَ العسرة؛ لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في حَمَارَّةِ القَيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إِبَّان ابتياع الثمر، ذكره في "الغريبين". (حَمَارَّة القيظ): شدة الحرارة، (إِبَّان) بمعنى حين. قوله: "فانتزعَ المعضوضُ يدَهُ مِنْ فِيِّ العَاضِّ فأَنْدَرَ ثنيَّتَهُ"، (انتزع ونزع) بمعنى واحد، (المعضوض) مفعول من عَضَّ: إذا أخذ بالسنِّ؛ يعني: جَرَّ الذي عُضَّتْ يده من فم ذلك العاض، فأسقط سنًا واحدة من أسنانه. قوله: "أَيَدَع يدَهُ في فيكَ تقضمُها كالفحل"، قال ﷺ للعاضِّ على سبيل الإنكار: أيتركُ يدَهُ في فمك (تقضمها)؛ أي: تأكلها، كما يقضمها الفحل من الإبل. فيه دليل على أن دفع الصَّائل عن نفسه جائز، وإنه إذا لم يمكن الخلاص إلا بقتله كان دمه مهدرًا. * * * ٢٦٣٧ - وعن عبدِ الله بن عَمرٍو ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فَهُو شَهيدٌ". قوله: "من قُتِلَ دونَ مالهِ فهو شهيدٌ"، (دون ماله)؛ أي: عند الدفع عن ماله. * * * ٢٦٣٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! أَرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يُريدُ أخْذَ مالي؟ قال: "فلا تُعْطِه مالَكَ"،

стр. 1822

قال: أرأيتَ إنْ قاتَلَني؟ قال: "قاتِلْهُ"، قال: أرأيتَ إنْ قتَلَني؟ قال: "فأنتَ شهيدٌ"، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه، قال: "هوَ في النَّارِ". قوله: "أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي"، (أرأيت)؛ معناه: أخبرني، وكذا (أرأيت) الذي بعده في هذا الحديث؛ معناه: أخبرني. قوله: "إنْ قتلتُه، قال: هو في النار" فيه دليل على أن دفع الصَّائل وإن هلك في الدَّفع مباح. * * * ٢٦٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁، سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لو اطَّلَعَ في بيتِكَ أَحدٌ ولم تَأذَنْ له، وخَذَفْتَه بحَصاةٍ فَفَقَأْتَ عينَهُ، ما كانَ عليكَ مِن جُناحٍ". قوله: "خذفته بحصاة ففقأت عينه"، (الخَذْفُ) بالخاء المنقوطة: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سَبَابَتَيْك. و (الحذف) بالحاء المهملة: رميك زيدًا بالعصا، والخذف - بالخاء المنقوطة - ها هنا. * * * ٢٦٤٠ - وعن سَهْلِ بن سَعدٍ: أنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ في جُحْرٍ مِن بابِ رسولِ الله ﷺ ، ومعَ رسولِ الله ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بهِ رأسَهُ فقال: "لو أَعلمُ أنَّكَ تَنْظُرني لَطَعَنْتُ بهِ في عينِكَ، إنَّما جُعِلَ الاستِئْذانُ مِن أَجلِ البَصَرِ". قوله: "مِدْرًى يحكُّ به رأسه"، (المِدْرَى): قيل: هو الشيء شبه مِسَلَّةٍ تصلح به الماشطة قرون النساء، وقيل: هو شيء شبه سكين يُحَكُّ به الرأس. * * *

стр. 1823

٢٦٤١ - عن عبدِ الله بن مُغفَّلٍ ﵁: أنَّه رأى رَجُلاً يَخذِفُ فقال له: لا تَخذِفْ فإنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن الخَذْفِ وقال: "إنه لا يُصادُ به صَيدٌ، ولا يُنْكَأُ به عدوٌّ، ولكنَّه قد يَكْسِر السِّنَّ ويَفقأُ العينَ". قوله: "ولا يُنْكَأُ به عدوٌّ"، نكَأتُ القَرحَةَ أنْكَؤُها نَكْأً: إذا قشرتها؛ يعني: لا يخرج عدو بحصى الخذف بل يكسر به الأسنان. و"يفقأ"؛ أي: يعمي به العيون. * * * ٢٦٤٢ - وقال: "إذا مرَّ أحدُكم في مسجِدنا، أو في سُوقِنا، ومعَه نَبْلٌ فليُمسِك على نِصالِها أنْ يُصيبَ أحدًا مِن المسلمينَ منها بشيءٍ". قوله: "فليمسِك على نِصالها أن يُصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء"؛ يعني: فليأخذْ نِصالها بيده؛ حذرًا من أن يصيب أحدًا من المسلمين من تلك النِّصال بشيء، أو كراهةَ أن يصيب. * * * ٢٦٤٣ - وقال: "لا يُشيرُ أحدكم على أخيهِ بالسِّلاحِ، فإنَّه لا يدري لعَلَّ الشَّيطانَ ينزِعُ في يدِه فيقَعُ في حُفرةٍ مِن النَّارِ". قوله: "لا يشيرُ أحدُكم على أخيه بالسلاح .... " إلى آخره، قال في "الصحاح": (نزَعَ) في القوس: مدها؛ يعني: لا ينبغي لأحدكم أن يشير إلى أخيه بالسلاح، لعلَّ الشيطان يجرُّ يدَ المشير إلى المشار إليه، فتقع يده مع السلاح عليه، فيقع المشير في النار، والضمير في (يده) يعود إلى (الأحد) الذي هو المشير. * * *

стр. 1824

٢٦٤٧ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يوشِكُ إنْ طالَتْ بكَ مُدَّةٌ أنْ تَرَى قَومًا في أَيديهم سِياطٌ مثلُ أذنابِ البقرِ، يَغْدُونَ في غَضبِ الله، ويَرُوحونَ في سَخَطِ الله". ويُروى: "ويَروحونَ في لَعْنَتِهِ". قوله: "يوشِكُ إن طالَتْ بكَ مدةٌ أن ترى قومًا في أيديهم مثلَ أذنابِ البقر"، "يوشك"؛ أي: يسرع ويقرب، و"أن ترى": اسم (يوشك) ولا خبر له؛ لأنه ليس بناقص، "الغدو": نقيض الرواح، و"الرواح": من زوال الشمس إلى الغروب. يعني: قال ﷺ لأبي هريرة: إن طال عمرُك يوشك أن ترى قومًا من خدمة الملوك والأمراء الظالمة، في أيديهم أخشاب أمثال أذناب البقر، يؤذون الناس بها، ويروعونهم ويسعون بين أيديهم، وعلى أعناقهم تلك الأخشاب، يطردون المارة بها عن الطرق، فهؤلاء القوم يَغْدُون في غضبِ الله، ويروحون في لعنته. * * * ٢٦٤٨ - وقال ﷺ : "صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهم سِياطٌ كأَذنابِ البقرِ يضرِبُونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مُمِيلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسُهنَّ كأَسنِمَةِ البُخْتِ المائلةِ، لا يَدخُلْنَ الجنَّةَ ولا يَجِدنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لتوجَدُ مِن مَسيرةِ كذا وكذا". قوله: "ونساء كاسياتٌ عارياتٌ"؛ يعني: أنهن يلبسن ثيابًا رقيقة، تحكي عن بشرتهن لمن ينظر إليهن، وإذا كان كذلك: فهن عاريات حقيقة كاسيات صورة، وقيل: كاسيات من نعمة الله تعالى، عاريات من شكره سبحانه. قوله: "مائلات مميلات": قال أبو بكر: قوله: (مائلات)؛ أي: زائغات عن استعمال طاعة الله وما يلزمهن من حفظ الفروج، و (مميلات): يُعَلَّمْنَ غيرَهُنَّ

стр. 1825

الدخولَ في مثل فعلهن، يقول: أخبثَ فلانٌ فلانًا فهو مُخبث: إذا علمه الخبث فأدخله فيه، وفيه وجه آخر (مائلات): متبخترات في مشيهن، و (مميلات): يُمِلْنَ أكتافهن وأعطافهن، ذكره في "الغريبين". قوله: "رؤوسهن كَأسْنِمة البخت"، (الأَسْنِمَة): جمع سَنَام الإبل، (البُخت) بضم الباء: من الإبل، معرب، البَخَاتِي جمع: البُخْتِي. قيل: المراد أنهن يعظمن رؤوسهن بالخمر والعصائب حتى تشبه أسنمة البُخت. * * * ٢٦٤٩ - وقال ﷺ : "إذا قاتَلَ أحدكم فليجتَنِبِ الوجْهَ، فإنَّ الله تعالى خَلَقَ آدمَ على صورَتِهِ". قوله: "إذا قاتَلَ أحدُكم فليجتنب الوجه فإن الله خلقَ آدم على صورَتِهِ"، (قاتل)؛ أي: حارب، (فليجتنب)؛ أي: فليحترز عن ضربهِ وجهَ مَنْ يقاتلُهُ، فإن الله سبحانه خلق ابن آدم على صورة آدم. ومعنى إضافة الصورة إلى آدم، وكل أحد خلق على صورة نفسه: التنبيهُ على اختراع عظيم في خلقه، إذ كل مخلوق قد تقدم له أمثال، فيُخلَقون على صورة أمثالهم المتقدمة، وأما آدم فاختُرِعَ خلقًا جديدًا عجيبًا، ملكيَّ الروح، حيوانيَّ الجسم، منتصبَ القامة، فلم يُوجد على مثال له تقدم. كأنه قال: ارتجل صورته اختراعًا لا تشبيهًا لمتقدم، ولا محاذيًا لخلق آخر لشيء له يشبهه، بل تولى القديمُ بنفسه خلقَ هذا الصورة إبداعًا جديدًا، وخَلْقًا عجيبًا، لم يسبقه ما يشبهه بصورة ما، وتعظيم وجه الإنسان ونسبته (١) إلى القديمِ

стр. 1826

تعالى؛ إما لأنه أشرف جزء في الإنسان؛ إذ أكثر الحواس فيه، أو لأنه إذا عُدِمَ عدم الكل بخلاف بقية الأعضاء. فإن قيل: كيف المطابقة بعد النهي عن ضرب الوجه وبعد الإخبار بخلق آدم، وهذا ليس بآدم حتى يُنهى عن ضَرْبِ وجهه، إذ ضرب وجه آدم محرَّمٌ، بل جميع أعضائه لما ذكر من خلقه إياه؟ قيل: فيه إضمار كأنه قال: هذا المضروب من أولاد آدم، فاجتنبوا ضرب وجهه العضو الأشرف منه؛ احترامًا لهذا الوجه الذي يشبه وجه آدم ﵇. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٦٥٠ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الرِّجْلُ جُبارٌ". ٢٦٥١ - وقال: "النَّارُ جُبارٌ". قوله: "الرِّجلُ جُبَارٌ"، "والنار جُبارٌ"، قال الخطابي: ذهبَ أصحابُ الرأي إلى أن الراكب إذا رَمَحَتْ دابتُهُ إنسانًا برجلها - أي: ضربت برجلها - فهو مهدر - أي: باطل -، وإن نَفَخَتْهُ بيدها - أي: ضربته - فهو ضامن، قالوا: وذلك أن الراكب يملك تصريفَهَا من قُدامها، ولا يملك ذلك منها فيما وراءها. وقال الشافعي: اليد والرجل سواء، لا فرق بينهما، وهو ضامن؛ لأنه إن كان فارسًا يقدر عليها من قدامها ومن ورائها جميعًا. * * * ٢٦٥٢ - وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن كَشَفَ سِترًا

стр. 1827

فأَدخَلَ بصرَهُ في البيتِ قبلَ أنْ يُؤذَنَ له فرأَى عَورةَ أهلِهِ فقد أَتَى حدًّا لا يَحِلُّ له أنْ يأتيَهُ، ولو أنَّه حينَ أَدخَلَ بصرَهُ فاستقبلَهُ رجلٌ ففقَأَ عينَهُ ما عَيَّرتُ عليهِ، وإنْ مرَّ الرَّجُلُ على بابٍ لا سِترَ له، غيرِ مُغلَقٍ، فنظرَ فلا خطيئةَ عليهِ، إنَّما الخطيئةُ على أهلِ البيتِ"، غريب. قوله: "مَنْ كَشَفَ سترًا فأدخل بصره في البيت ... " إلى آخره؛ يعني: مَنْ رَفَعَ سترَ بيتٍ، فنظر إلى مَنْ هو فيه مِن عورات أهله من غير إذن صاحبه. "فقد أتى حدًا"؛ أي: فقد فعل شيئًا يُوجب حدًا؛ يعني: أذنب ذنبًا صغيرًا، فيه يستحق التعزير والملامة؛ لأن فعل الذنب محرمٌ فمن ارتكب المحرم استحق الذنب والتعزير. قوله: "ففقأ عينه ما عَيَّرتُ عليه"، (التعيير) والتوبيخ واحد؛ يعني: من نظرَ إلى عورةِ أحدٍ في بيته بعد ما كشف ستر بيته من غير إذنه، أو نظر من ثقبه في ستر بيته أو في بابه، فإذا أعمى صاحبُ البيت عينَ الناظر في ذلك الوقت بشيء خفيفٍ كحصاة أو مِدرًى، فليس بضامن عند الشافعي، وعند أبي حنيفة ضامن. وقال بعضهم: إنما لا يضمن إذا زجَرَهُ فلم ينصرِفْ، هذا إذا كان الباب مغلقًا أو الستر مرسلًا (١)، فأما إذا كان الباب مفتوحًا أو الستر مرفوعًا، ونظر أحدٌ إلى من هو في ذلك البيت من النسوان، فلا ذنب عليه، فإن فعلَ به ما ذُكِرَ فهو ضامن. * * * ٢٦٥٤ - وعن الحسنِ، عن سَمُرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى أنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بينَ أُصبَعَينِ.

стр. 1828

قوله: "نهى أن يُقَدَّ السَّيْرُ بين أُصبعين"، (القَدُّ): الشِّقُّ طولاً، و (السَّير): مَا يُقَدُّ من الجلد، (سُيُوْرُ) جمعه، هذا النهيُ نهيُ تنزيه، وإنما نهى مَنْ يفعل ذلك شفقةً له، كي لا يلحقه ضرر بذلك. * * * ٢٦٥٥ - وعن سعيدِ بن زيدٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ : "مَن قُتِلَ دونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ دمِهِ فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ أهلِهِ فهو شَهيدٌ". قوله: "من قتل دون دينه فهو شهيد"؛ يعني: مَنْ قُتِلَ عند محافظة دينه، وعند محافظة نفسه، وذبِّ الصائل عنها، وعند حفظ ماله عن السارق، وعند محافظة أهله وحرمه عمن قصده، فهو شهيد إذا قُتِلَ عند كل واحدة من الأربعة المذكورة في الدفع. * * * ٤ - باب القَسامة (باب القسامة) قال "شارح الوجيز": (القَسَامة) في اللغة: اسم الأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم، وفي الفقه: هي الأيمان، وهي اسم أُقيم مَقام المصدر يُقال: أَقْسَمَ إقْسَامًا وقَسَامَة، كما يقال: أَكْرَمَ إكرَامًا وكَرَامة. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٦٥٧ - عن رافعِ بن خَديجٍ، وسَهْلِ بن أبي حَثْمةَ: أنَّهما حدَّثا: أنَّ

стр. 1829

عبدَ الله بن سَهْلٍ ومُحَيصَةَ بن مسعودٍ أَتَيا خيبرَ فتَفَرَّقا في النَّخلِ، فقُتِل عبدُ الله ابن سَهْلٍ، فجاءَ عبدُ الرحمنِ بن سَهْلٍ ﵁، وحُوَيصَةُ ومَحيصةُ ابنا مسعودٍ ﵄ إلى النبيِّ ﷺ ، فتَكلَّموا في أمرِ صاحبهم، فَبَدَأَ عبدُ الرحمنِ، وكانَ أصغرَ القومِ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : "كَبرِ الكُبْرَ" - يعني لِيَليَ الكلامَ الأكبرُ منكم - فتكلَّموا فقال النبيُّ ﷺ : "استحِقُّوا قتيلَكُم - أو قال: صاحبَكُم - بأَيْمانِ خَمسينَ منكُم"، قالوا: يا رسولَ الله! أَمْرٌ لم نَرَهُ قال: "فتُبْرِئُكم يهودُ في أَيْمانِ خَمسينَ منهم"، قالوا: يا رسولَ الله! قومٌ كفارٌ، ففدَاهُم رسولُ الله ﷺ من قِبَلِهِ. وفي روايةٍ: "تَحلِفونَ خَمسينَ يَمِينًا وتستحِقُّونَ قاتِلَكُم - أو صاحِبَكُم -" فَوَداهُ رسولُ الله ﷺ مِن عندِه بمئةِ ناقَةٍ". قوله: "فتكلموا في أمر صاحبهم"؛ يعني: قتيلهم. قوله: "كَبرِ الكُبْرَ"؛ أي: عظِّمْ من هو أكبرُ منك بأن تُفوض إليه الكلام. قال الخطابي: فيه إرشاد إلى الأدب في تقديم ذوي السنِّ والكبر. وفي رواية: "الكُبْرَ الكُبْرَ"، نُصِبَ بفعلٍ مقدَّرٍ، تقديرُه: قَدِّم الكُبْرَ. وفيه من الفقه: جوازُ الوكالة في المطالبة بالحدود، وفيه: جوازُ وكالة الحاضر، وذلك أن وليَ الدم إنما هو "عبدُ الرحمن بن سَهْلٍ" أخو القتيل و"حُوَيصَةُ ومَحَيصَةُ" ابنا عمه. قوله: "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون قاتلكم" قال الخطابي: وفيه من الفقه: أن الدَّعوى في القسامة مخالفة لسائر الدَّعاوى، وأن اليمين بدأ فيها بالمُدَّعِي قبل المُدَّعَى عليه، وفيه دلالة على وجوب ردِّ اليمين على المدعي عند نكول المُدَّعَى عليه.

стр. 1830

وقد اختلف الناس فيمن يبدأ به في القسامة، فقال مالك والشافعي وأحمد: يُبدأ بالمُدَّعين قولاً بظاهر الحديث. وقال أصحاب الرأي: يبدأ بالمُدَّعى عليه على قضية سائر الدعاوَى، وهذا حكمٌ خاص جاءت به السنة لا يُقاس على سائر الأحكام، وللشريعة أن تخصَّ كما لها أن تعمَّ، ولها أن تخالف بين الأحكام المتشابهة في الصور كما لها أن توفق بينها. قوله: "فودَاه رسول الله ﷺ "؛ أي: أعطاه الدِية. * * * ٥ - باب قتلِ أهل الرِّدَّةِ والسُّعاةِ بالفسادِ (باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد) و (السُعاة): جمع السَّاعي. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٦٥٨ - عن عِكرِمةَ قال: أُتيَ عليٌّ بزنادِقةٍ فأَحرقَهم، فبلَغَ ذلكَ ابن عبَّاسٍ فقال: لو كنتُ أنا لَمْ أُحَرِّقهم لِنهيِ رسولِ الله ﷺ : "لا تُعَذِّبُوا بعذابِ الله"، وَلَقَتَلْتُهُم لقولِ رسولِ الله ﷺ : "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلُوه". قوله: "أُتِيَ عليٌّ بزنادقةٍ فأحرقَهم"، (الزنَادِقة): جمع زنديق، وهو الذي يُخفي الكفر، وأصل (الزنادقة): زناديق، فحذفت منها الياء وعوضت منها الهاء، ومعنى التعويض هنا: عدم اجتماعهما لا لمناسبة بينهما، بل هذه معاقبة لفظته متى حضر أحدهما دفع الآخر، ولو كان هو منه لوجب (١) منع صرف

стр. 1831

(زنادقة)، كما يمتنع صرف (زناديق). وقيل: (الزنديق) أصله: الزندي، كما يقول فلان: قرآني، ونصراني: إنجيلي، يُنسب كل واحد منهما إلى كتاب نبيه، و (زند) كتابٌ لهم؛ أي: للمجوس، أتى به زرادشت، وادَّعى أنه أتى به من السَّماء وأنه بخط الملائكة، والآخر بخط الله تعالى، ولمَّا وصلت العرب إلى هذا الاسم غيرته وعربته إلى الزنديق. وإنما سُموا بـ (الثنوية) لمقالتهم بالأثنوة؛ لأنهم يقولون: إن الله تعالى وهو بوذان تفكر في الأزل هل يخلق مثله أم لا؟ فحدث إبليس وهو المُسمَّى: أهَرْمَن عندهم، فنازع الحق تعالى، ثم اصطلحا على تقسيم العالم الأرضيات لإبليس، فالشرور والظلم منه، والسماويات لله تعالى، فالخيرات والنور منه. * * * ٢٦٦٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سيخرجُ قومٌ في آخرِ الزَّمانِ حُدَّاثُ الأَسنانِ، سُفهاءُ الأحلامِ، يقُولونَ خَيْرَ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجِرَهم يَمرُقونَ من الدِّينِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَمِيَّةِ، فأينما لقيتُموهُم فاقتُلوهُم، فإن في قَتْلِهم أجرًا لِمَن قَتَلَهم يومَ القيامَةِ". قوله: "حُدَّاثُ الأسنان سفهاءُ الأحلام"، (الحداث): جمع حَدَث (١)، و (الأسنان): جمع سِنٍّ، و (السفهاء): جمع سفيه، وهو الذي في عقله خفة؛ يعني: الذي لا يهتدي إلى عواقب الأمور ومصالح نفسه.

стр. 1832

قوله: "يقولون من خَيْرِ قَوْلِ البريَّة" يريد به نفسه ﷺ أراد بـ (خير قول البرية): القرآن، و (البرية): الخلق، و (البرايا) جمع. قوله: "لا يجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم"، (الحناجر): جمع حنجرة، وهي الحلقوم؛ يعني: لا يكون إيمانهم عند الله تعالى مقبولاً مرضيًّا. قوله: "يمرقُون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِية"، يقال: (مَرَقَ السهمُ من الرَّمِيَّة مروقًا)؛ أي: خَرَجَ من الجانب الآخر. قال في "شرح السنة"؛ أي: يخرجون من الدين؛ أي: من طاعة الأئمة، و (الدين): الطاعة، وهذا نعت الخوارج الذين لا يدينون للأئمة، ويستعرضون الناس بالسيف. "الرَّمِيَّة": الصيد الذي تقصده فترميه، فـ (الرَّمية) فعيلة بمعنى مفعولة. قوله: "فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة": قال في "شرح السنة": إن قيل: كيف منع عمر ﵁ عن قتلهم مع قوله: (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم)؟. قيل: إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا الناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم، وأول ما نَجَمَ - أي: ظهر - من ذلك في زمان علي ﵁، فقاتلهم حتى قتل كثيرًا منهم. وكان ابن عمر يرى الخوارج شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. (يرى)؛ أي: يعتقد. وقال أيوب السختياني: إن الخوارج اختلفوا في الإسلام، واجتمعوا على السيف. معنى قول السختياني - والله أعلم -: أنهم اختلفوا في ماهية الإسلام وحقيقته، ثم رجع اختلافهم إلى أنهم يجب قتل مَنْ يخالفهم في الاعتقاد، فاتفقوا

стр. 1833

على قتل من سواهم، واستحلوا دماء المسلمين بهذا الاتفاق. * * * ٢٦٦١ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تكونُ أُمَّتي فِرْقَتَينِ، فيخرجُ مِن بيِنِهما مارِقةٌ، يَلي قَتْلَهم أَوْلاهم بالحقِّ". قوله: "فيخرج من بينهما مَارِقةٌ يَلي قتلهم أولاهم بالحق"، (مارقة)؛ أي: فرقة مَارِقة، (يَلي)؛ أي: يقرب، (أولى): أفعل التفضيل، معناه: أقرب. يعني: يخرج من بين الفرقتين زمرة مارقة مَنْ يقومُ بقتلهم فهو أولاهم بالحق؛ أي: أولى المسلمين بالحق. * * * ٢٦٦٢ - عن جَرِيْرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوداعِ: "لا تَرْجِعُنَّ بعدي كُفَّارًا يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ". قوله: "لا ترجِعُنَّ بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض"، (الرِّقاب): جمع رقبة. يتأول الخوارج هذا الحديث على الكفر، الذي هو الخروج عن الدين، ويستدلون بهذا الحديث على تكفير من ارتكب الكبيرة، وليس كذلك بل هو زجرٌ ووعيدٌ وتأوله أهل العلم فقال: معناه: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا، وقيل: هؤلاء أهل الردة الذين قتلهم أبو بكر، هذا قول محيي السنة في "شرح السنة". * * * ٢٦٦٣ - عن أبي بَكْرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا التقى المُسلمانِ

стр. 1834

فحَمَلَ أحدُهما على أخيهِ بالسِّلاحِ فهُما في جُرُفِ جَهنَّمَ، فإذا قَتَلَ أحدُهما صاحِبَهُ دَخلاها جميعًا". قوله: "إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما في جرت جهنم"، (المسلمان): فاعلُ فعلٍ مقدَّر، و (حمل) مفسرٌ لذلك المقدَّر، تقديره: وإذا حمل المسلمان حمل، (الجُرْفُ والجُرُفُ) مثل (عُسْرٌ وعُسُرٌ) ما تجري فيه السيول وأكلته من الأرض، والجمع: جِرَفَة، كـ (جُحْر وجِحَرَة). يعني: إذا حمل مسلمٌ على أخيه المسلم السلاح فهما قريبان من الهلاك، فكأنهما أوقفا في حرف جهنم. ومعلوم أن من وقف على حرف الوادي فهو متعرض للسقوط فيه في الشاهد فكذا في الغائب. قوله: "فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا": الفاء في (فإذا) جواب شرط مقدر؛ يعني: إذا ثبت ذلك، فإذا قتل أحد المسلمين صاحبه يدخلان جميعًا في جهنم؛ أما دخول القاتل في النار فظاهر، وأما دخول المقتول فلشغفه على قتل صاحبه واهتمامه بذلك، كما أجاب النبي ﷺ السائل في الحديث الذي بعده. * * * ٢٦٦٥ - عن أنسٍ ﵁ قال: قَدِمَ على النبيِّ ﷺ نفرٌ من عُكْلٍ فأَسْلَمُوا، فاجتَوَوْا المدينةَ فأَمَرهم أنْ يأتُوا إبلَ الصَّدقةِ فيشربُوا مِن أَبوالِها وأَلبانِها، فَفَعلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتلُوا رُعاتَها واستاقُوا الإبلَ، فبَعثَ في آثارِهم فأُتيَ بهم،

стр. 1835

فقطعَ أيديَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، ثُمَّ لم يَحْسِمْهم حتى ماتوا. ويروى: "فسَمِّروا أعينَهم". ويروى: فَأَمَرَ بمساميرَ فأُحمِيَتْ فَكَحَّلَهم بها، وطرَحهم بالحرَّة يَستسقونَ فما يُسْقَونَ حتَّى ماتوا. قوله: "قدم على النبي ﷺ نفر من عُكْل فأسلموا فاجتَووا المدينة": (النفر) من الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: كانوا ثمانية. قال في "الصحاح": (عُكْل) قبيلة وبلد أيضًا، يقال: (اجتوى البلد)؛ أي: كره المقام به وإن كان في نعمة؛ يعني: أسلم هؤلاء النفر، فما وافقهم ماء المدينة وهواءها، فمرضوا وكرهوا الإقامة بها. قوله: "فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها": فيه دليل لأحمد فإنه يقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه، والأئمة الباقية يحملون الحديث على التداوي ويستدلون به في التداوي بالنجاسة عند الحاجة. قوله: "وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل"، (الرُّعاة): جمع الراعي، (استاق وساق) بمعنى واحد. يعني: هؤلاء الثمانية إذا شربوا أبوال الإبل وألبانها صَحَّتْ أبدانهم، ثم قتلوا رعاة الإبل مرتدين، وساقوا الإبل سارقين إلى ديارهم كفرانًا لأنعمه تعالى. قوله: "وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا"، و (سمل العين): فقؤها، يقال: سُمِلَتْ عينُه تُسْمَلُ: إذا فُقِئَتْ بحديدةٍ مُحمَّاة، ذكره في "الصحاح". (الحَسْمُ): القَطع، ومنه: حَسْمُ العِرْقِ؛ أي: كَيُّه لينقطع دم المحسوم. قوله: "فسَمَرُوا أعينهم"، (سَمَرَ): إذا كحل بمسامير محماة. قال ابن الأعرابي: "الحَرَّة" حجارةٌ سُودٌ بين جبلين، وإنما أمر رسول الله ﷺ بمثلتهم لأنهم قطعوا أيدي الرعاة وأرجلهم، وفقأوا أعينهم، ففعل بهم ما فعلوا

стр. 1836

بالرعاة قصاصًا بمثل صنيعهم، وهذا كان قبل النهي عن المُثْلة، فالآن لا تجوز المُثْلة بحال. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٦٦٧ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، عن أبيه ﵁ قال: كُنَّا معَ رسولِ الله ﷺ في سفرٍ فانطلقَ لحاجتِهِ، فرأينا حُمَّرَةً معها فَرخانِ فأَخذنا فرخَيْها، فجاءتْ الحُمَّرةُ فجعلَتْ تُفَرِّشُ، فجاءَ النبيُّ ﷺ فقال: "مَنْ فَجَّعَ هذه بولدِها؟ رُدُّوا ولدَها إليها"، ورَأَى قريةَ نملٍ قد حرَّقناها قال: "مَن حرَّقَ هذه؟ " فقلنا: نحن، قال: "إنَّه لا ينبغي أنْ يُعذِّبَ بالنَّارِ، إلا رَبُّ النَّارِ". قوله: "فانطلق لحاجته"؛ أي: ذهب رسول الله ﷺ إلى قضاء حاجته الإنسانية. قوله: "فرأينا حُمَّرَة معها فرخان"، (الحُمَّرَة): ضرب من الطير كالعصفور، و (الفرخ): ولد الطير. قوله: "فجعلت تُفَرِّش"، (جعلَتْ)؛ أي: طفقت، (تُفَرِّش) أصله: تتفرش، فحذفت إحدى التائين. قال في "الصحاح": تفرش الطائر: رفرف بجناحيه وبسطهما. قال في "الغريبين": معنى (تُفَرِّش)؛ أي: تَقْرب من الأرض، وتُرَفرف بجناحيها. قيل في رواية: "تعرش" بالعين؛ أي: تجعل جناحيها عريشًا لها، وهو عبارة عن حفظ الحُمَّرَة فرخيها. قيل: في (كتاب أبي داود): "فجعلت تفرُش أو تعرُش" بالضم، من

стр. 1837

التفريش والتعريش. قال الخطابي: (التفريش) مأخوذ من فرش الجناح وبسطه، و (التعريش): أن ترتفع فوقهما وتظلل عليهما. قوله: "مَنْ فَجَعَ هذه بولدها"، (التَّفْجِيْعُ): الإيجاع، يقال: (فَجَعَتْهُ) المصيبةُ، و (فَجَّعَتْهُ)؛ أي: أوجعته؛ يعني: مَنْ أذى هذا الطائر بأخذ ولدها. قوله: "ردُّوا": أمر استحباب، لا أمر إيجاب؛ لأن اصطياد فرخ الطائر جائز. قوله: "قرية نمل"؛ أي: محلها، و (النَّمل): جمع نملة. * * * ٢٦٦٨ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأنسِ بن مالكٍ ﵄، عن رسولِ الله ﷺ قال: "سيكونُ في أُمتي اختلافٌ وفُرْقةٌ، قوم يحسِنُونَ القِيلَ ويُسيؤون الفِعلَ، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيَهم، يَمرُقونَ مِن الدِّينِ مُرُوقَ السَّهمِ مِن الرميَّة، لا يَرجِعونَ حتى يرتدَّ السَّهمُ على فُوقِه، هم شرُّ الخلقِ والخليقةِ، طُوبَى لمن قَتَلهم وقتلُوه، يَدْعونَ إلى كتابِ الله ولَيْسوا مِنا في شيءٍ، مَنْ قاتَلَهم كانَ أَوْلَى بالله مِنهم، قالوا: يا رسولَ الله ما سِيماهُم؟ قال: التَّحْلِيقُ". قوله: "قوم يحسنون القيل"، (القِيل): القول. قوله: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، (التَّرَاقي): جمع تَرْقُوَة، وهي عظم وصل بين ثُغْرة النَّحر والعَاتِق؛ يعني: قرائتهم تظهر في الحناجر فحسب، بحيث يسمع منها أصوات مجردة، ولا مَدخل لها في قلوبهم؛ لكونها قاسية مظلمة لا تقبل ذلك. قوله: "لا يرجعون حتى يرتدَّ سهم على فُوْقِهِ"، (الفُوق): بضم الفاء موضع

стр. 1838

الوتر من السهم، الأفواق جمع؛ يعني: لا يرجعون إلى طاعة الله ورسوله حتى يرجع السهم المرمي إلى فُوقه، عَلَّقَ رجوعهم إلى الدين بأمر مُحال؛ ليفهم أنهم لا يرجعون أبدًا إلى الدين، كما علق الله تعالى دخول الكفار الجنة بشيء مستحيل عقلاً وقال: "ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط". قوله: "هم شر الخلق والخليقة"، (الخلق والخليقة) واحد إلا أنه ﷺ ذكرهما معًا للتأكيد، وقيل: أراد بـ (الخليقة) مَنْ خُلِقَ، وبـ (الخلق) من سيُخْلَق. قوله: "ما سيماهم؟ قال: التحليق"، (السِّيماء): العلامة، (التَّحليق): حلق شعر الرأس. فإن قيل: التحليق ركن أو واجب في الحج على خلاف فيه، أو سنة العلماء المحققين من المشايخ، فكيف وصف رسول الله ﷺ أهل الإباحة بذلك؟ قيل: التحليق لا محالة صفةُ مدح لكونه مندوبًا إليه، أو محبوبًا في نفسه، والشيء إذا كان مستحقًا للمدح لا يصير مذمومًا لكونه سمتًا لهم، وقد ذكر استيفاء الشرح في الحديث الثالث من الباب. * * * ٢٦٦٩ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: زنًا بعدَ إحصانٍ فإنَّه يُرجَمُ، ورجلٌ خرجَ مُحارِبًا للَّهِ ورسولِهِ فإنَّه يُقتَلُ أو يصلَبُ أو يُنفَى من الأرضِ، أو يَقتلُ نفسًا فيُقتَلُ بها". قوله: "زنًا بعد إحصانٍ فإنه يرجم"، (أحصنت المرأة): عفت، فهي محصنة - بكسر الصاد وفتحها -، ويعتبر في الإحصان ثلاث صفات: التكليف،

стр. 1839

والحرية، والإصابة في نكاح صحيح، (الرجم): الرمي بالحجارة. يعني: مَنْ زنى بعد ما حصل له الإحصان، فهو يرمى بحجارة معتدلة حتى يموت. قوله: "خرج محاربًا لله ورسوله"؛ يعني به: قاطع الطريق، فقاطع الطريق إذا أخذ المال وقتل صاحبه، يقتل قتلاً واجبًا، لا كالقصاص الذي يَرِدُ فيه العفو، والفتوى أنه يُقتل ثم يُصلب ويترك ثلاثة أيام نَكَالاً وعبرة، فإذا قتل شخصًا ولم يأخذْ مالَه، يُقتل ولا يصلب، وإذا لم يصدر منه إلا تخويفُ الرفقة وسدُّ الطريق، يستحق التعزير بالحبس وغيره. * * * ٢٦٧٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يُرَوِّعَ مسلمًا". قوله: "لا يحل لمسلم أن يُرَوِّعَ مسلمًا"، (الترويع): التخويف. * * * ٢٦٧١ - عن أبي الدَّرداءِ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن أخذَ أرضًا بجِزْيَتِها فقد استقالَ هِجْرَتَه، ومَن نَزَعَ صَغارَ كافرٍ مِن عُنُقِهِ فجعلَه في عُنُقِه فقد ولَّى الإسلامَ ظهرَهُ". قوله: "من أخذ أرضًا بجزيتها فقد استقال هجرته"، (الجِزية): ما يُؤخذ من أهل الذمة، (جِزًى) جمع، قال الخطابي: معنى (الجزية) ها هنا: الخراج. ودلالة الحديث: أن المسلم إذا اشترى أرضًا خراجية من كافر؛ فإنَّ الخَراج لا يسقط عنه، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي إلا أنهم لم يَرَوا فيما

стр. 1840

أخرجت من حَبٍّ عشرًا، أو قالوا: لا يجتمع الخراج مع العشر. وقال عامة أهل العلم: العشر عليه واجب فيما أخرجته الأرض من الحَب إذا بلغ خمسة أوسق. و (الخراج) عند الشافعي على وجهين: أحدهما: جزية، والآخر: بمعنى الكراء والأجرة، فإذا فتحت الأرض صُلحًا على أن أرضها لأهلها، فما وضع عليها من خَراج فمجراه مجرى الجزية التي تؤخذ من رؤوسهم، فمن أسلم منهم يسقط ما عليه من الخراج كما يسقط ما على رقبته من الجزية، ولزمه العشر فيما أخرجت أرضه. وإن كان الفتح إنما وقع على أن الأرض لنا ويؤدون في كل سنة منها شيئًا، فالأرض للمسلمين وما يؤخذ منهم عنها فهو أجرة الأرض، فسواء من أسلم منهم أو أقام على كفره. فعليه إذا ما اشترط عليه، ومن باع منهم شيئًا من تلك الأرضين فبيعه باطل؛ لأنه باع ما لا يملك، وهذا سبيل أرض السواد عنده - أي: عند الشافعي - هذا كله منقول من "المعالم" وإنما قال ﷺ : "استقال هجرته" لأنه حطَّ منصبه بوضعه على نفسه صَغَار أهل الذمة باشترائه أرضًا خراجية، فيطالب بالخَراج كما يطالب أهل الذمة، وسياق الحديث يدل على هذا التعليل وهو قوله ﷺ : "ومن نزع صَغَار كافر من عنقه فجعله في عنقه، فقد ولَّى الإسلام ظهره"، (نزع): إذا جذب وجر، (الصَغار) بفتح الصاد: الذُّل، (ولَّى) أصله من (وَلِيَ): إذا قرب. يعني: مَنْ تحمل ذل كافر وجعله في عنقه فقد جعل الإسلام في جانب ظهره. * * *

стр. 1841

٢٦٧٢ - عن جرِير بن عبدِ الله قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ سَرِيةً إلى خثعم، فاعتصمَ ناسٌ منهم بالسُّجودِ، فأسرعَ فيهم القتلُ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ فأمرَ لهم بنصفِ العَقْلِ وقال: "أنا بريءٌ مِن كلِّ مسلمٍ مُقيمٍ بينَ أَظْهُرِ المشركينَ"، قالوا: يا رسولَ الله! لِمَ؟ قال: "لا تَتَراءى ناراهُما". قوله: "بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خَثْعَمَ، فاعتصم ناس منهم بالسجودِ، فأسرع فيهم القتل"، (بعث): أرسل، (السَّرية): قطعة من الجيش، (خَثْعَم): قبيلة. (اعتصم)؛ أي: تمسك وأخذ. يعني: جماعة من تلك القبيلة إذا رأوا الجيش شرعوا في السجود، فالجيش قتلوهم ولم يبالوا بسجودهم ظانين أنهم يستعيذون من القتل بالسجود، فإذا بلغ ذلك النبي ﷺ ألزم على القاتلين نصف ديتهم، وإنما لم يلزم عليهم الدية الكاملة؛ لأنهم قتلوا بجناية أنفسهم وجناية غيرهم بسبب أنهم أقاموا مسلمين في دار الحرب. قال في "شرح السنة": المسلم المضمون الدم لم يسقط ضمان دمه بالمقام فيما بين الكفار أصلاً، فلا يجوز أن ينتقض به الضمان. ألا ترى أن القاتل إذا عرف مسلمًا مقيمًا فيما بينهم فقتله من غير ضرورة، يجب عليه القصاص أو كمال الدية، ولا تجعل إقامته فيما بينهم مشاركة لقاتله في قتله، فتحتمل - والله أعلم - أن تكون الدية غير واجبة بقتلهم؛ لأن مجرد الاعتصام بالسجود لا يكون إسلامًا، فإنهم يستعملونه على سبيل التواضع والانقياد، فلا يحرم به قتل الكافر، فهؤلاء لم يحرم قتلهم بمجرد سجودهم، إنما سبيل المسلمين في حقهم التثبت والتوقف، فإن ظهر أنهم كانوا قد أسلموا ثم اعتصموا بالسجود فقد قتلوا مسلمًا مقيمًا بين أظهر الكفار ولم يعرفوا إسلامه، فلا دية عليهم غير أنه ﷺ أمر لهم بنصف الدية استطابة لأنفس أهلهم،

стр. 1842

وزجرًا للمسلمين عن ترك التثبت عند وقوع الشبهة. قوله: "لا تتراءى ناراهما": قال في "الغريبين": لا يتَّسم المسلم بِسِمَةِ المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، ولا يتخلق بأخلاقه، من قولك: ما نارُ نعمك؛ أي: ما سمتها، وقرأت لأبي حمزة في تفسير هذا الحديث يقول: لا يجتمعان في الآخرة لبعد كل واحد منهما عن صاحبه. قال أبو عبيدة: يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لا يحل للمسلم أن يسكن بلاد المشركين، فيكون مسكنُ كل واحد منهما قريبًا من مسكن الآخر بحيث يرى كل واحد نار صاحبه. والثاني: أن المراد بها نار الحرب؛ أي: نار الطائفتين مختلفتان، فنار المسلمين تدعو إلى الله تعالى، ونار الكفرة تدعو إلى الشيطان فأنى تتفقان، فكيف يسكن المسلم في ديارهم، فإسناد الرؤية إلى النار مجاز. قال في "شرح السنة": جعل الرؤية للنار ولا رؤية لها، ومعناه: أن تدنوا هذه من هذه كما يقال: داري ينظر إلى دار فلان، وقيل: معناه: لا يستوي حكماهما يقول: كيف يساكنهم في بلادهم وحكم دينهما مختلف. قال ابن الأعرابي: النار ها هنا: الرأي، يقول: لا يشاورهم. * * * ٢٦٧٣ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الإِيمانُ قيَّدَ الفتْكَ، لا يفتِكُ مؤمنٌ". قوله: "الإيمانُ قيدُ الفَتْكِ لا يفتِكُ مؤمنٌ"، (الفتْكُ): قتلُ أحدٍ بغتةً، (قَيَّدَ): شدَّ ومنعَ؛ يعني: الإيمان يمنع صاحبه من قتل أحد بغتة، حتى يسأل عن إيمانه، كما يمنع المقيد قيده، فإذا كان كافرًا ينبغي أن يُدعى إلى الإسلام، فإن أبى يقتل.

стр. 1843

قوله: "لا يفتِكُ" خبر بمعنى النهي. * * * ٢٦٧٤ - عن جريرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أَبَقَ العبدُ إلى الشِّركِ فقد حَلَّ دمُه". قوله: "إذا أبقَ العبدُ إلى الشركِ فقد حلَّ دمُه"، (أبق): إذا فرَّ وهرب؛ يعني: إذا هرب مملوك أحد إلى دار الشرك، فإذا ظفر أحد من المسلمين بقتله فلا شيء عليه. * * * ٢٦٧٥ - عن عليٍّ ﵁: أنَّ يهوديةً كانتْ تشتُمُ النبيَّ ﷺ وتقعُ فيه، فخنقَها رجل حتى ماتَتْ، فأبطلَ النبيُّ ﷺ دمَها. قوله: "وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل النبي ﷺ دمَها". (وَقَعَ) في الناس (وقيعةً)؛ أي: اغتابهم، و (تقع فيه)؛ أي: تغتاب النبي ﷺ ، (خَنَقَ يَخْنُقُ): إذا عَصَرَ حَلْقَهُ. وإنما أبطل ﷺ دمها لكونها أبطلت ذمتها لشتم النبي ﷺ وصارت حربيةً بذلك، وفيه دليل على أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله تعالى ورسوله ودينه فهو حربي مباح الدم. ٢٦٧٦ - عن جُنْدُبٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "حدُّ السَّاحرِ ضربةٌ بالسَّيفِ". قوله: "حدُّ الساحرِ ضربةٌ بالسيف"، قال في "شرح السنة": واختلف أهل العلم في قتل الساحر، روي عن عمرو بن دينار أنه سمع بَجَالَةَ تقول:

стр. 1844

كتب عمر ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر. وروي عن حفصة زوج النبي ﷺ : أنَّ جاريةً لها سحرتْهَا، فأمرَتْ بها فَقُتِلَتْ، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة، وغيرهم من أهل العلم، وهو قول مالك. وعند الشافعي: يُقتل السَّاحر إن كان ما يسحر به كفر، إن لم يتب، فإن لم يبلغ عمله الكفر، فلا يقتل، وتعلم السحر لا يكون كفرًا عنده إلا أن يعتقد قلب الأعيان منه، وذهب قوم إلى أن تعلمه كفر، وهو قول أصحاب الرأي. ° ° °

стр. 1845

١٥ - كِتَابُ الحُدُودِ

стр. 1846

[١٥] كِتَابُ الحُدُودِ (كِتَابُ الحُدُود) (١) (الحدود): جمع حَدٍّ، وهو المنع، يقال: حَدَدْتُ الرجلَ: أقمت عليه الحد؛ لأنه يمنعه عن المعاودة. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٦٧٧ - عن أبي هريرةَ، وزيدِ بن خالدٍ: أنَّ رَجُلينِ اختصَما إلى رسولِ الله ﷺ فقالَ أحدُهما: اقضِ بينَنا بكتابِ الله، وقال الآخرُ: أجلْ يا رسولَ الله، فاقضِ بينَنا بكتابِ الله وائذنْ لي أنْ أَتكلَّمَ، قال: "تَكَلَّم"، قال: إنَّ ابني كانَ عَسِيفًا على هذا، فزنَى بامرأتِه فأَخبرُوني أنَّ على ابني الرَّجمَ، فافتدَيْتُ مِنهُ بمئةِ شاةٍ وبجَاريةٍ لي، ثم إني سألتُ أهلَ العِلْمِ فأَخبروني أنَّ على ابني جلدَ مئةٍ وتَغرِيبَ عامٍ، وإنَّما الرجمُ على امرأتِهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَمَا والذي نفسي بيدِه لأَقضيَنَّ بينَكما بكتابِ الله تعالى، أَمَّا غَنَمُكَ وجاريتُكَ فردٌّ عليكَ، وأمَّا ابنك فعليهِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، وأمَّا أنتَ يا أُنَيْسُ فاغدُ على امرأةِ هذا فإنْ اعترفَتْ فارجمْها"، فاعترفَتْ فرجمَها.

стр. 1847

قوله: "اقضِ بيننا"؛ أي: احكم بكتاب الله؛ أي: بحكم الله. "العَسِيفُ": الأجير، وإنما قال: "عسيفًا على هذا" ولم يقل: لهذا؛ نظرًا إلى جانب العَسِيْف، فإنَّ له على المستأجر الأجرة المسماة من جهة الخدمة والعمل، ولو قال: عسيفًا لهذا، لكان نظره إلى جانب المستأجر؛ لما يلزم له على العسيف العمل المسمى المعلوم. قوله: "ثم إني سألت أهل العلم"؛ أي: سألت العلماء عن هذه المسألة، فيه دليل على أن الاستفتاء من المفضول مع وجود الفاضل جائز؛ لأن النبي ﷺ لم يُنكر على السائل في ذلك. قوله: "أما والذي نفسي بيده لأقضين بكتاب الله"، (أَمَا) كلمة تنبيه؛ يعني: تنبهوا. قال في "شرح السنة": قيل: المراد من (الكتاب): الفرض، يَقول: لأقضينَّ بينكما بما فرضه الله وأوجبه؛ إذ ليس في كتاب الله ذِكْرُ الرجم منصوصًا كذكر الجلد والقطع في السرقة، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض، قال الله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: فرضه. وقيل: (بكتاب الله)؛ أي: بحكم الله، وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أي: يحكمون. وقيل: ذِكْرُ الرجم وإن لم يكن منصوصًا عليه صريحًا، فإنه مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] و (الأذى) يُطلق على الرَّجم وغيره من العقوبات، أو ضَمِنَ الكتابُ بأن يجعل لهنَّ سبيلاً، ثم بيَّنهُ عليه على لسان رسوله ﷺ فقوله: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام": بيان حُكْم الكتاب.

стр. 1848

وقد قيل: كان حكم الرجم منزلاً متلوًا فيما أنزل الله، فرفعت تلاوته، وبقي حكمه. وفيه دليل على أن للحاكم أن يبتدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء، وفيه دليل على جواز الإجارة لأن النبي ﷺ لم ينكر قوله: "إن ابني كان عسيفًا على هذا". وفي قوله: "أما غنمك وجاريتك فَرَدٌّ عليك"؛ أي: مردود، دليلٌ على أن المأخوذ بحكم البيع الفاسد، والصلح الفاسد مُستحق الرَّدِّ غير مملوك للآخذ. وفي قوله: "فإن اعترفت فارجمها" دليلٌ على أن مَنْ أقرَّ بالزنا على نفسه مرةً واحدة يُقام الحد عليه، ولا يشترط فيه التكرار، كما لو أقر بالسرِقة مرة واحدة يقطع، أو لو أقرَّ بالقتل مرة واحدة يُقْتَصُّ منه، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: لا يحدُّ ما لم يقر أربع مرات، غير أن أصحاب الرأي قالوا: ينبغي أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس، فإذا أقر أربع مرات في مجلس واحد فهو كإقرار واحد. قوله: "يا أُنيس" المراد به: الأنيس الأسلمي. قوله: "فاغدُ": أمر من غَدَا يَغْدُو: إذا مشى وقت الغَداة. * * * ٢٦٧٩ - وقال عمرُ ﵁: إنَّ الله تعالى بعثَ مُحمَّدًا بالحقِّ وأنزلَ عليهِ الكتابَ، وكان ممَّا أَنزلَ الله: آيةَ الرَّجمِ، فرجَمَ رسولُ الله ﷺ ورَجَمْنا بعدَه، والرَّجمُ في كتابِ الله حقٌّ على مَنْ زَنَى إذا أُحْصِنَ، مِن الرجالِ والنساءِ إذا قامَتْ البينَةُ، أو كانَ الحَبَلُ، أو الاعترافُ.

стр. 1849

قوله: "فكان مما أنزل الله تعالى آيةُ الرجم"، (الآية) اسم كان، (وما أنزل) خبره. فقول عمر ﵁ وسكوت باقي الصحابة رضوان الله عليهم إجماع عند الشافعي على ثبوت الرجم بنصِّ آية رفعت تلاوتها من القرآن. قوله: "أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف"، (الحَبَل): بفتح الباء: الحمل، و (الاعتراف): الإقرار. * * * ٢٦٨٠ - عن عُبادةَ بن الصَّامتِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خُذُوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلاً، البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائةٍ والرَّجمُ". قوله: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً"؛ أي: خذوا عنِّي هذا الحكم في حدِّ الزنا، وقد جعل الله لهن سبيلاً؛ أي: حَدًا واضحًا في حق المحصن وغيره، وإنما قال: "قد جعل الله لهن سبيلاً"، ولم يقل: لهم؛ لأنه تعالى قال في حق الزانيات: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] يعني: يأمر بشرع الحدِّ فيهن، فإذا أمر رسول الله ﷺ بشرع الحد في الزناة تلفظ بما هو عبارة القرآن، وهو قوله: ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. * * * ٢٦٨١ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄: أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ فذكروا لهُ أنَّ رجلاً مِنهم وامرأةً زَنيَا، فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ : "ما تَجِدونَ في التوراةِ؟ " قالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ، فقال عبدُ الله بن سَلَام: كذبْتم، إنَّ فيها

стр. 1850

الرجمَ، فأَتَوا بالتوراةِ فنَشَرُوها فوَضَعَ أحدُهم يدَه على آيةِ الرجم، فقرأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقال له عبدُ الله بن سَلَام: ارفَعْ يدَكَ فرفَعَ يَدَه، فإذا فيها آيةُ الرجمِ - ويروى: فإذا فيها آيةُ الرَّجمِ تلوحُ - فأَمَر بهما رسولُ الله ﷺ فرُجِما. قوله: "أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا ... " إلى آخره، قال في "شرح السنة": في هذا الحديث دليل على أن الذمي إذا أصاب بالنكاح الذي عقده على اعتقاده يصير محصنًا، وإن أنكحة الشرك يُعطى لها حكم الصحة ولولا ذلك لم يُقروا عليه بعد الإِسلام، ولم يجب الرجم عليهم بالزنا، وإذا كان لها حكم الصحة يحصل بها التحليل، حتى لو طلق امرأته الكتابية ثلاثًا، فنكحت ذميًا وأصابها حَلَّتْ لزوجها المسلم بهذه الإصابة، وكذلك المسلم إذا أصاب زوجته الكتابية يصير محصنًا، حتى لو زنى بعده يجب عليه الرجم، وهو مذهب الشافعي، وتأولوا هذا الحديث على أن النبي ﷺ رجمهما بحكم التوراة، وهذا تأويل غير صحيح؛ لأن الله تعالى قال له: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولا يجوز أن يظن به ﷺ أنه يتركُ حكمَ كتابه، وأمرَ الله تعالى بأن يحكم به، ويحكم بالمنسوخ، وإنما احتج عليهم بالتوراة استظهارًا. * * * ٢٦٨٢ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ وهو في المسجدِ فناداهُ: يا رسولَ الله! إنِّي زنيتُ، فأَعرضَ عنه النبيُّ ﷺ ، فتَنَحَّى لِشقِّ وجههِ الذي أَعرضَ قِبَلَه فقال: إنِّي زنيتُ فأَعرَضَ عنه، فلمَّا شَهِدَ أربعَ شهاداتٍ دعاهُ النبيُّ ﷺ فقالَ: "أَبكَ جنونٌ؟ " قال: لا، فقال: "أَحْصَنْتَ؟ " قال: نعم، يا رسولَ الله، قال: "اذهبُوا بهِ فارجمُوه".

стр. 1851

قوله: "فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه": قال في "شرح السنة": أي: قصد الجهة التي إليها وجهُهُ ونحا نحوها، من قولك: نحوتُ الشيء أنحُوه. * * * ٢٦٨٣ - وقال جابرٌ ﵁: فأَمَرَ بهِ فرُجِمَ بالمصلَّى، فلمَّا أَذْلَقَتْه الحجارةُ فرَّ فأُدرِكَ فرُجِمَ حتى ماتَ، فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ خيرًا، وصلَّى عليهِ. قوله: "أَذْلَقَتْهُ الحجارة"؛ أي: بلغ منه الجُهد حتى قلق. و (الجُهد) بالضم: الطاقة، وقيل: مسته الحجارةُ بذلقها، و (ذلق) كل شيء: حده؛ أي: أصابته الحجارة بحدِّ طرفها. قال في "شرح السنة": يحتج بهذا الحديث من يشترط التكرار في الإقرار بالزنا حتى يقام عليه الحد، ويحتج أبو حنيفة لمجيئه من الجوانب الأربعة على أنه يشترط أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس، ومن لم يشترط التكرار قال: إنما رده مرة بعد أخرى بشبهة داخلة في أمره، ولذلك سأل: "أبكَ جُنون؟ "، فأخبر أن ليس به جنون، فقال: "أزنيت؟ "، قال: نعم، فأُمِرَ به فَرُجِمَ، فرده مرة أخرى للكشف عن حاله، لا أن التكرار فيه شرط. * * * ٢٦٨٤ - وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: "لمَّا أَتَى ماعِزُ بن مالكٍ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! زنيتُ فطهِّرْني، فقال لهُ: "لعلَّكَ قبَّلْتَ أو غَمَزْتَ أو نظرْتَ"، قال: لا يا رسولَ الله، قال: "أَنِكْتَها؟ " - لا يَكْني - قال: نعم، فعند

стр. 1852

ذلك أمرَ بِرَجمِهِ. قوله: "لعلَّك قَبَّلْتَ أو غَمَزْتَ أو نظرْتَ؟ "، هذا دليل على أن مَنْ أقرَّ بما يوجب عقوبة لله تعالى على نفسه، فيجوز للإمام أن يُلَقِّنَهُ ما يسقط به عنه الحد. (النَّيْكُ): الجماع. قوله: "طهِّرني"؛ أي: طهِّرني بإقامة الحدِّ علي. * * * ٢٦٨٥ - عن بُريدَة قال: جاءَ ماعِزُ بن مالكٍ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! طهِّرني، فقال: "وَيْحَكَ، ارجعْ فاستغفر الله وتُبْ إليهِ"، قال: فرجعَ غيرَ بعيدٍ ثم جاءَ فقال: يا رسولَ الله! طهِّرني، فقال النبيُّ ﷺ مثلَ ذلكَ، حتى إذا كانتْ الرابعةُ قالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "فممَّ أُطهِّرُكَ؟ " قالَ: مِن الزنا، فسألَ رسولُ الله: "أَبهِ جنونٌ؟ " فأُخبرَ أنَّه ليسَ بمجنونٍ، فقال: "أشربَ خمرًا؟ " فقامَ رجلٌ فاستَنْكَهَهُ فلم يجدْ منهُ ريحَ خمرٍ، فقال: "أَزَنيتَ؟ " قال: نعم، فأَمَرَ بهِ فرُجِمَ، فلَبثُوا يومينِ أو ثلاثةً ثم جاءَ رسولُ الله ﷺ فقال: "استغفُروا لِماعزِ ابن مالكٍ، لقد تابَ توبةً لو قُسِمَتْ بينَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهم"، ثم جاءَتْه امرأةٌ مِن غامِدٍ من الأزْدِ فقالت: يا رسولَ الله! طهِّرني، فقالَ: "وَيْحكِ! ارجِعِي فاستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: تُريدُ أنْ تُرَدِّدَني كما رَدَّدْتَ ماعِزَ بن مالكٍ، إنَّها حُبْلى مِن الزنا! فقال: "أنتِ؟ " قالت: نعم، قالَ لها: "حتى تَضَعي ما في بطنِكِ"، قال: فكَفَلَها رجلٌ من الأنصارِ حتى وضعَتْ، فأَتَى النبيَّ ﷺ فقال: قد وضعَتْ الغامِديةُ، فقال: "إذًا لا نرجُمُها وندعُ ولدَها صغيرًا ليسَ له مَن تُرضعُه"، فقامَ رجلٌ مِن الأنصارِ فقال: إليَّ رَضاعُه يا نبيَّ الله، قال: فرجَمَها. ويروى أنَّه قالَ لها: "اذهبي حتى تَلِدي"، فلمَّا وَلَدَت قال: "اذهبي فأَرضعيهِ حتى تَفْطِميه"،

стр. 1853

فلمَّا فطمَتْه أَتَتْه بالصبيِّ في يدِه كِسْرةُ خبزٍ فقالت: هذا يا نبيَّ الله! قد فطمْتُه وقد أكلَ الطعامَ، فدفعَ الصبيَّ إلى رجلٍ من المسلمينَ، ثم أمرَ بها فحُفِرَ لها إلى صدرها وأمَرَ الناسَ فرجمُوها، فيُقبلُ خالدُ بن الوليدِ بحجرٍ فرَمَى رأسَها، فتَنَضَّح الدمُ على وجهِ خالدٍ فَسَبَّها، فقال النبيُّ ﷺ : "مهلاً يا خالدُ! فوَالذي نفسي بيدِه لقد تابَتْ توبةً لو تَابَها صاحبُ مَكْسٍ لغُفِرَ لهُ"، ثم أَمَرَ بها فصلَّى عليها ودُفِنَتْ. قوله: "فاسْتَنْكَهَهُ": قال في "الصحاح": فاسْتَنْكَهْتُ الرجلَ فَنَكَهَ في وجهي يَنْكِهُ نَكْهًا: إذا أمرتُهُ بأن يَنْكَهَ، ليعلمَ أشاربٌ هو أم غيرَ شاربٍ، النَّكْهَةُ: ريحُ الفم. قوله: "فَكَفَلَهَا رجلٌ من الأنصار حتى وَضَعَتْ"، (كَفَلَهَا)؛ أي: ضمنها؛ يعني: صار كفيلاً لها وقائمًا بمصالحها حتى وضعت ولدها. قوله: "إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا"، (إذًا) جواب وجزاء، (ندع)؛ أي: نترك؛ يعني: إذا وضعت ما في بطنها، فقال ﷺ : إذن نؤخر رجمها حتى أرضعت ولدها. وفيه دليل على أنه إذا وجب الحدُّ على الحامل لا يقام عليها ما لم تضع الحمل؛ لأن الإذن في معاقبتها قبل الوضع إهلاك البريء بسبب المذنب، سواء كانت العقوبة لله تعالى أو للعباد. قوله: "فتقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها": وفي أكثر "نسخ المصابيح": "تقيل" على وزن (تفعل) بياء تحتها نقطتين؛ معناه: تتبع، وفي بعضها: "يقبل" على وزن (يَفعل) مضارع معروف من أقبل إقبالًا، فعلى هذا فكأن الراوي قال: رأيت خالدًا يقبل بحجر، على حكاية الحال، قيل: الثاني هو الرواية.

стр. 1854

قوله: "فتنضَّحَ الدم": (تنضح يتنضح): إذا ترشش؛ يعني: وقع رشاش الدم من المرجومة على وجه خالد. قوله: "لو تابها صاحب مَكْسٍ لَغُفِرَ له". (المَكْسُ): الخيانة، و (الماكِسُ): العشار؛ يعني: الذي يأخذ العشور. * * * ٢٦٨٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال، سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُم فتَبَيَّنَ زناها فلْيَجْلِدْها الحدَّ ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إنْ زَنَتْ فلْيجلِدْها الحدَّ ولا يُثرِّبْ، ثم إنْ زنَت الثالثةَ فتبيَّنَ زناها فليَبعْها ولو بحبْلٍ من شَعرٍ". قوله: "فليجلدْها الحدَّ ولا يثرِّبْ عليها"، (التثريب والتعيير) واحد؛ يعني: ينبغي أن يقام عليها الحد، ولا يقتصر على توبيخها ويترك الحد الواجب عليها، وقيل: إذا أقيم عليها الحدُّ فلا يجوز أن يعيرها أحد. قال في "شرح السنة": يجوزُ للسيد أن يقيم الحد على مملوكه من دون السلطان، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يقيم المولى بنفسه بل يرفعه إلى الإمام. قوله: "فليبعها ولو بحبل من شعر"؛ يعني: إذا اعتادت الزنا فليبعها ولو بشيء قليل. قال في "شرح السنة": وفي الحديث دليل أن بيع غير المحجور بما لا يتغابن به الناس جائز، وفيه دليل على أن حد المماليك الجلد لا الرجم، وفيه دليل على أن الزنا عيب في المملوك يُرَدُّ به البيع، ولذلك حط من قيمته. * * *

стр. 1855

٢٦٨٧ - عن عليٍّ ﵁ قال: يا أيُّها الناسُ! أقيموا على أَرِقَّائِكُم الحدَّ، مَن أَحْصَنَ منهم ومَن لم يُحْصِنْ، فإنَّ أَمَةً لرسولِ الله ﷺ زَنَتْ، فأَمَرَني أنْ أجلِدَها فإذا هيَ حديثُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إنْ أنا جلدتُها أنْ أقتُلَها، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: "أحسنتَ". وفي روايةٍ قال: "دعْها حتى ينقطعَ دمُها ثم أَقِمْ عليها الحدَّ، وأقيمُوا الحدودَ على ما ملكَتْ أيمانُكم". قوله: "أقيموا على أَرِقَّائِكُم"، (الأَرِقَّاء): جمع رقيق، (الحدَّ): الجلد، والإحصان وعدم الإحصان في الرقيق سواء. قوله: (أقيموا) دليل على الوجوب على السادات إقامة الحد على المماليك إذا زنوا؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٦٨٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ ماعِزٌ الأسلَميُّ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنّه قد زنى - فذكر الحديثَ وقال - فلمَّا وجدَ مسَّ الحجارةِ فرَّ يشتدُّ حتى مرَّ برجلٍ معه لَحْيُ جملٍ فضَربَهُ بهِ وضَربَهُ الناسُ حتى ماتَ، فذَكرُوا لرسولِ الله ﷺ أنَّه فرَّ فقال: "هلَّا تركتُموه". وفي روايةٍ: "هلَّا تركتُموه لعلَّه أنْ يتوبَ فيتوبَ الله عليهِ". قوله: "فَرَّ يشتدُّ"، (يشتد)؛ أي: يعدو. قوله: "لَحْيُ جملٍ"، (اللَّحي) بفتح اللام: منبتُ اللحية من الإنسان وغيره، ذكره في "الصحاح". * * *

стр. 1856

٢٦٨٩ - عن ابن عباسٍ ﵄: "أنَّ النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ: "أَحَقٌّ ما بَلَغني عنكَ؟ " قال: وما بلغَكَ عني؟ قال: "بلغَني أنكَ وقعْتَ على جاريةِ آلِ فلانٍ"، قال: نعم، فشهدَ أربعَ شهاداتٍ فأَمَرَ به فرُجِمَ". قوله: "وقعت على جارية آل فلان"؛ أي: زنيت بها. * * * ٢٦٩١ - وعن يزيدَ بن نُعيمٍ، عن أبيه: أنَّ ماعِزًا أتى النبيَّ ﷺ فأقرَّ عندَه أربعَ مراتٍ، فأمرَ برجمِهِ وقال لهزَّالٍ: "لو سَتَرْتَه بثوبكَ كانَ خيرًا لك". قوله: "لو سترتَهُ بثوبكَ لكانَ خيرًا لك"، قيل: كناية عن التثريب على فعل هزَّال في هتك ستر ماعز؛ لأنه حرض ماعز على الإتيان إلى النبي ﷺ ، وغرضه من المجيء إليه ﷺ فضيحَتَهُ، وهو أنه باعترافه على نفسه بالزنا؛ لأنه وقع على مولاة له اسمها فاطمة، وما فعل ذلك به إلا قصاصًا لفعله. * * * ٢٦٩٢ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرِو بن العاصِ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "تَعافَوا الحُدودَ فيما بينَكم فما بَلغني مِن حدٍّ فقد وَجَبَ". قوله: "تعافَوا الحدودَ فيما بينكم فما بلغني من حدٍّ فقد وَجَبَ"؛ يعني: الحدود التي بينكم ينبغي أن يعفوا بعضكم عن بعض قبل أن يبلغني ذلك؛ لأنه إذا بلغني ذلك وَجَبَ عليَّ إقامتُهُ عليكم، هذا الخطاب لغير الأئمة. * * * ٢٦٩٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَقِيلُوا

стр. 1857

ذَوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهم إلا الحُدودَ". قوله: "أقيلوا ذوي الهَيْئَاتِ عثراتِهم": (أَقَاَلَ يَقِيْلُ): إذا عفا، (الهيئات): جمع هيئة، وهي صورة الشيء وشكله، يقال: فلان حسن الهيئة، (العثرات): جمع عثرة، وهي الزلة. قيل: أراد بـ (ذوي الهيئات): أصحاب المناصب والمروءات، وقيل: أهل الصلاح والورع؛ يعني: إن بدرت منهم زلة، فاعفوها عنهم، فإنها نادرة، والنادرة إذا كانت نادرة فهي بالعفو أولى. أما الحدود فلا يعفى عنها البتة فإنه ﷺ استثنى الحدود عنها، واستثناء الحدود دليل على أن الخطاب للأئمة، فإنهم إذا بلغهم الحدود فلا يقدرون على عفوها. قال في "شرح السنة": وفيه دليل على جواز ترك التعزير، وأنه غير واجب، ولو كان واجبًا كالحد لاستوى فيه ذو الهيئة وغيره. * * * ٢٦٩٤ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ادرَؤوا الحدودَ عن المسلمينَ ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنْ كانَ لهُ مَخْرَجٌ فخلُّوا سبيلَهُ، فإنَّ الإمامَ أنْ يُخطِئَ في العفوِ خيرٌ مِن أن يُخطِئَ في العقوبةِ" ولم يرفعْهُ بعضُهم وهو الأصحُّ. قوله: "ادرَؤوا الحدودَ عن المسلمين ما استَطَعْتُم"، (درأ): دفع، و (استطاع): إذا أطاق، (ما) في (ما استطعتم) للدوام. قوله: "فإنَّ الإمام أن يُخطئَ في العفوِ خيرٌ من أن يُخطئَ في العقوبة"، (خَطِئَ): إذا أثم متعمدًا، و (أخطأ): إذا لم يتعمد.

стр. 1858

قال الأزهري: قال غيره: (أخطأ) إذا سلك سبيل خطأ عامدًا أو غير عامد. لفظة: (فإن) علة للدرء، فـ: فإنَّ، ولأنَّ، وبأنَّ، وأنَّ مفتوح الهمزة: ترد للعلة. يعني: ادفعوا الحدود ما استطعتم قبل أن يصل إليَّ، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صَدَرَ منكم خيرٌ من أن يسلك الخطأ في الحدود، فإن الحدود إذا وصلت إليه وجبَ عليه الإنفاذ. * * * ٢٦٩٥ - عن وائلِ بن حُجْرٍ ﵁ قال: استُكْرِهَتْ امرأةٌ على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فدَرَأَ عنها الحَدَّ وأقامَهُ على الذي أصابَها، ولم يذكرْ أنَّه هل جعلَ لها مهرًا. قوله: "استُكْرِهَت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فدَرَأَ عنها الحدَّ"، (استكره)؛ أي: أكره على الشيء، (العهد) ها هنا: الزمان. يعني: وقع أحدٌ على امرأة بالإكراه في زمان الوحي، فأمر رسول الله ﷺ بحدِّ الرجل، ولم يأمر بحدِّ المرأة لكونها مُكرهة. قوله: "ولم يَذكُرْ أنه جَعَلَ لها مهرًا" يحتمل أنه ﷺ جَعَلَ للمكرهة مهرًا، ولم يذكره الراوي؛ لأن عدم ذكر الراوي أنه جعل لها مهرًا لا يدل على عدم وجوب المهر؛ لأنه ثبت وجوبه لها بإيجابه ﷺ في أحاديثه الأخر. * * * ٢٦٩٦ - عن علقمةَ بن وائلٍ، عن أبيه: أنَّ امرأةً خرجَتْ على عهدِ رسولِ الله ﷺ تريدُ الصلاةَ، فتلقَّاها رَجُلٌ فتَجَلَّلَها فقَضَى حاجتَه منها، فصاحَتْ وانطلقَ، ومرَّتْ عِصابةٌ مِن المُهاجرينَ فقالَت: إنَّ ذلكَ فعلَ بي كذا وكذا،

стр. 1859

فأخذوا الرَّجُلَ فأَتَوا بهِ رسولَ الله ﷺ ، فقال لها: "اذهبي فقد غفرَ الله لكِ"، وقالَ للرَّجُل الذي وقعَ عليها: "ارجمُوهُ"، وقال: "لقد تابَ توبةً لو تابَها أهلُ المدينةِ لَقُبلَ منهم". قوله: "فتلقَّاها رجل فتجلَّلها فقضى حاجته"، (تلقى): إذا استقبل، (تجلَّلها): إذا علاها، (قضى حاجته): أصابها. قوله: "فقال لها: اذهبي قد غفرَ الله لك"؛ يعني: ما أمر بحدِّها لكونها مكرهة، ولكنه أمر بحدِّ الذي وقع عليها لكونه محصنًا. * * * ٢٦٩٨ - عن سعيدِ بن سعدِ بن عُبادةَ: أنَّ سعدَ بن عُبادة أَتَى النبيَّ ﷺ برجلٍ كانَ في الحيِّ مُخْدَجٍ سقيمٍ، فوُجِدَ على أَمةٍ مِن إمائِهم يَخْبُثُ بها فقال: "خُذُوا لهُ عِثْكالاً فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضرِبُوهُ بهِ ضربةً". قوله: "أتي النبي ﷺ برجلٍ كان في الحيِّ مُخْدَجٍ سقيمٍ"، (المخدَج): ناقص الخلق، (سقيم): مريض. قوله: "فَوُجدَ على أمة من إمائهم يَخْبُثُ بها"؛ أي: فوجد واقعًا على أمة يزني بها. قوله: "خُذوا له عِثْكالاً فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضربُوه به ضربة" واحدة بحيث تصبه الشماريخ كلها فيسقط عنه الحد، قال "في شرح السنة": (العِثْكَال والاِثْكَال): هو العِذْقُ الذي يسمى الكباشة، يقال: اِثكال واُثكَول وعِثكال وعُثكول، وأغصانه: شَماريخ، واحدها: شِمْرَاخ. قال الشافعي: هذا في مريض به مرض لا يرجى زواله، وإن كان به مرض يرجى زواله يُؤخر حتى يبرأ.

стр. 1860

وكذلك لا يقام في الحرِّ والبرد الشديدين، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، هذا إذا كان غير محصن. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يضرب بالشماريخ ضربة واحدة بحيث تمسه الشماريخ كلها فيسقط الحد عنه. * * * ٢٦٩٩ - عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ وجدتُموه يعملُ عملَ قومِ لُوطٍ فاقُتلوه، الفاعِلَ والمفعولَ بهِ". قوله: "فاقتلوا الفاعل والمفعول به": قال في "شرح السنة": اختلف أهل العلم في حدّ اللواط، فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد: إلى أنَّ حدَّ الفاعل حد الزنا إن كان محصنًا يرجم، وإن لم يكن محصنًا يجلد مئة، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مئة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة، محصنًا كان أو غير محصن؛ لأن التمكن في الدبر لا يحصنها، فلا يلزمها بها حد المحصنات، وذهب قوم إلى أن اللوطي يُرجم محصنًا كان أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد. القول الآخر للشافعي: أنه يُقتل الفاعل والمفعول به، كما جاء في الحديث، وقد قيل في كيفية قتلهما: هدم بناء عليهما، وقيل: رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط، وعند أبي حنيفة: يعزر ولا يحد. * * * ٢٧٠٠ - وقال: "مَن أَتَى بهيمةً فاقتُلُوهُ واقتلوها مَعَه". قوله: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"، قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأحمد وأبو حنيفة: أنه يُعَزَّر، وقال إسحاق: يُقتل إن تعمد ذلك مع العلم بالنهي.
следующие страницы →