← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

٢٦٨٩ - عن ابن عباسٍ ﵄: "أنَّ النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ: "أَحَقٌّ ما بَلَغني عنكَ؟ " قال: وما بلغَكَ عني؟ قال: "بلغَني أنكَ وقعْتَ على جاريةِ آلِ فلانٍ"، قال: نعم، فشهدَ أربعَ شهاداتٍ فأَمَرَ به فرُجِمَ". قوله: "وقعت على جارية آل فلان"؛ أي: زنيت بها. * * * ٢٦٩١ - وعن يزيدَ بن نُعيمٍ، عن أبيه: أنَّ ماعِزًا أتى النبيَّ ﷺ فأقرَّ عندَه أربعَ مراتٍ، فأمرَ برجمِهِ وقال لهزَّالٍ: "لو سَتَرْتَه بثوبكَ كانَ خيرًا لك". قوله: "لو سترتَهُ بثوبكَ لكانَ خيرًا لك"، قيل: كناية عن التثريب على فعل هزَّال في هتك ستر ماعز؛ لأنه حرض ماعز على الإتيان إلى النبي ﷺ ، وغرضه من المجيء إليه ﷺ فضيحَتَهُ، وهو أنه باعترافه على نفسه بالزنا؛ لأنه وقع على مولاة له اسمها فاطمة، وما فعل ذلك به إلا قصاصًا لفعله. * * * ٢٦٩٢ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرِو بن العاصِ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "تَعافَوا الحُدودَ فيما بينَكم فما بَلغني مِن حدٍّ فقد وَجَبَ". قوله: "تعافَوا الحدودَ فيما بينكم فما بلغني من حدٍّ فقد وَجَبَ"؛ يعني: الحدود التي بينكم ينبغي أن يعفوا بعضكم عن بعض قبل أن يبلغني ذلك؛ لأنه إذا بلغني ذلك وَجَبَ عليَّ إقامتُهُ عليكم، هذا الخطاب لغير الأئمة. * * * ٢٦٩٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَقِيلُوا

стр. 1857

ذَوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهم إلا الحُدودَ". قوله: "أقيلوا ذوي الهَيْئَاتِ عثراتِهم": (أَقَاَلَ يَقِيْلُ): إذا عفا، (الهيئات): جمع هيئة، وهي صورة الشيء وشكله، يقال: فلان حسن الهيئة، (العثرات): جمع عثرة، وهي الزلة. قيل: أراد بـ (ذوي الهيئات): أصحاب المناصب والمروءات، وقيل: أهل الصلاح والورع؛ يعني: إن بدرت منهم زلة، فاعفوها عنهم، فإنها نادرة، والنادرة إذا كانت نادرة فهي بالعفو أولى. أما الحدود فلا يعفى عنها البتة فإنه ﷺ استثنى الحدود عنها، واستثناء الحدود دليل على أن الخطاب للأئمة، فإنهم إذا بلغهم الحدود فلا يقدرون على عفوها. قال في "شرح السنة": وفيه دليل على جواز ترك التعزير، وأنه غير واجب، ولو كان واجبًا كالحد لاستوى فيه ذو الهيئة وغيره. * * * ٢٦٩٤ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ادرَؤوا الحدودَ عن المسلمينَ ما اسْتَطَعْتُمْ، فإنْ كانَ لهُ مَخْرَجٌ فخلُّوا سبيلَهُ، فإنَّ الإمامَ أنْ يُخطِئَ في العفوِ خيرٌ مِن أن يُخطِئَ في العقوبةِ" ولم يرفعْهُ بعضُهم وهو الأصحُّ. قوله: "ادرَؤوا الحدودَ عن المسلمين ما استَطَعْتُم"، (درأ): دفع، و (استطاع): إذا أطاق، (ما) في (ما استطعتم) للدوام. قوله: "فإنَّ الإمام أن يُخطئَ في العفوِ خيرٌ من أن يُخطئَ في العقوبة"، (خَطِئَ): إذا أثم متعمدًا، و (أخطأ): إذا لم يتعمد.

стр. 1858

قال الأزهري: قال غيره: (أخطأ) إذا سلك سبيل خطأ عامدًا أو غير عامد. لفظة: (فإن) علة للدرء، فـ: فإنَّ، ولأنَّ، وبأنَّ، وأنَّ مفتوح الهمزة: ترد للعلة. يعني: ادفعوا الحدود ما استطعتم قبل أن يصل إليَّ، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صَدَرَ منكم خيرٌ من أن يسلك الخطأ في الحدود، فإن الحدود إذا وصلت إليه وجبَ عليه الإنفاذ. * * * ٢٦٩٥ - عن وائلِ بن حُجْرٍ ﵁ قال: استُكْرِهَتْ امرأةٌ على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فدَرَأَ عنها الحَدَّ وأقامَهُ على الذي أصابَها، ولم يذكرْ أنَّه هل جعلَ لها مهرًا. قوله: "استُكْرِهَت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فدَرَأَ عنها الحدَّ"، (استكره)؛ أي: أكره على الشيء، (العهد) ها هنا: الزمان. يعني: وقع أحدٌ على امرأة بالإكراه في زمان الوحي، فأمر رسول الله ﷺ بحدِّ الرجل، ولم يأمر بحدِّ المرأة لكونها مُكرهة. قوله: "ولم يَذكُرْ أنه جَعَلَ لها مهرًا" يحتمل أنه ﷺ جَعَلَ للمكرهة مهرًا، ولم يذكره الراوي؛ لأن عدم ذكر الراوي أنه جعل لها مهرًا لا يدل على عدم وجوب المهر؛ لأنه ثبت وجوبه لها بإيجابه ﷺ في أحاديثه الأخر. * * * ٢٦٩٦ - عن علقمةَ بن وائلٍ، عن أبيه: أنَّ امرأةً خرجَتْ على عهدِ رسولِ الله ﷺ تريدُ الصلاةَ، فتلقَّاها رَجُلٌ فتَجَلَّلَها فقَضَى حاجتَه منها، فصاحَتْ وانطلقَ، ومرَّتْ عِصابةٌ مِن المُهاجرينَ فقالَت: إنَّ ذلكَ فعلَ بي كذا وكذا،

стр. 1859

فأخذوا الرَّجُلَ فأَتَوا بهِ رسولَ الله ﷺ ، فقال لها: "اذهبي فقد غفرَ الله لكِ"، وقالَ للرَّجُل الذي وقعَ عليها: "ارجمُوهُ"، وقال: "لقد تابَ توبةً لو تابَها أهلُ المدينةِ لَقُبلَ منهم". قوله: "فتلقَّاها رجل فتجلَّلها فقضى حاجته"، (تلقى): إذا استقبل، (تجلَّلها): إذا علاها، (قضى حاجته): أصابها. قوله: "فقال لها: اذهبي قد غفرَ الله لك"؛ يعني: ما أمر بحدِّها لكونها مكرهة، ولكنه أمر بحدِّ الذي وقع عليها لكونه محصنًا. * * * ٢٦٩٨ - عن سعيدِ بن سعدِ بن عُبادةَ: أنَّ سعدَ بن عُبادة أَتَى النبيَّ ﷺ برجلٍ كانَ في الحيِّ مُخْدَجٍ سقيمٍ، فوُجِدَ على أَمةٍ مِن إمائِهم يَخْبُثُ بها فقال: "خُذُوا لهُ عِثْكالاً فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضرِبُوهُ بهِ ضربةً". قوله: "أتي النبي ﷺ برجلٍ كان في الحيِّ مُخْدَجٍ سقيمٍ"، (المخدَج): ناقص الخلق، (سقيم): مريض. قوله: "فَوُجدَ على أمة من إمائهم يَخْبُثُ بها"؛ أي: فوجد واقعًا على أمة يزني بها. قوله: "خُذوا له عِثْكالاً فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضربُوه به ضربة" واحدة بحيث تصبه الشماريخ كلها فيسقط عنه الحد، قال "في شرح السنة": (العِثْكَال والاِثْكَال): هو العِذْقُ الذي يسمى الكباشة، يقال: اِثكال واُثكَول وعِثكال وعُثكول، وأغصانه: شَماريخ، واحدها: شِمْرَاخ. قال الشافعي: هذا في مريض به مرض لا يرجى زواله، وإن كان به مرض يرجى زواله يُؤخر حتى يبرأ.

стр. 1860

وكذلك لا يقام في الحرِّ والبرد الشديدين، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، هذا إذا كان غير محصن. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يضرب بالشماريخ ضربة واحدة بحيث تمسه الشماريخ كلها فيسقط الحد عنه. * * * ٢٦٩٩ - عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ وجدتُموه يعملُ عملَ قومِ لُوطٍ فاقُتلوه، الفاعِلَ والمفعولَ بهِ". قوله: "فاقتلوا الفاعل والمفعول به": قال في "شرح السنة": اختلف أهل العلم في حدّ اللواط، فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد: إلى أنَّ حدَّ الفاعل حد الزنا إن كان محصنًا يرجم، وإن لم يكن محصنًا يجلد مئة، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مئة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة، محصنًا كان أو غير محصن؛ لأن التمكن في الدبر لا يحصنها، فلا يلزمها بها حد المحصنات، وذهب قوم إلى أن اللوطي يُرجم محصنًا كان أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد. القول الآخر للشافعي: أنه يُقتل الفاعل والمفعول به، كما جاء في الحديث، وقد قيل في كيفية قتلهما: هدم بناء عليهما، وقيل: رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط، وعند أبي حنيفة: يعزر ولا يحد. * * * ٢٧٠٠ - وقال: "مَن أَتَى بهيمةً فاقتُلُوهُ واقتلوها مَعَه". قوله: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"، قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأحمد وأبو حنيفة: أنه يُعَزَّر، وقال إسحاق: يُقتل إن تعمد ذلك مع العلم بالنهي.

стр. 1861

و (البهيمة): قيل: إن كانت مأكولةً تُقتل، وإلا فوجهان: أحدهما: تقتل لظاهر الحديث. والثاني: لا تقتل للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله. * * * ٢٧٠٣ - عن عَمْرَةَ، عن عائِشَةَ ﵂ أنَّها قالت: لمَّا نزلَ عُذري قامَ النبيُّ ﷺ على المنبرِ فذكرَ ذلكَ، فلمَّا نزَلَ أَمَرَ بالرَّجُلَيْنِ والمرأةِ فضُرِبُوا حدَّهم. قوله: "لما نزل عذري"؛ يعني: قالت عائشة ﵂: لما نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ [النور: ١١] الآيات في براءتي عما قاله أهل الإفك. قولها: "فلما نَزَلَ أمرَ بالرجُلَيْنِ والمرأة فضُربوا حدهم"؛ يعني: فلما نزل النبي ﷺ عن المنبر، أَمَرَ بحدِّ الرجلين: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، وأمر بحدِّ المرأة، وهي حمنة بنت جحش حدَّ القذف؛ لأنهم كانوا من أصحاب الإفك. * * * ٢ - باب قَطْعِ السَّرِقَةِ (باب قطع السرقة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧٠٤ - عن عائِشَةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُقطَعُ يدُ السَّارقِ إلا في رُبُعِ دينارٍ فصاعِدًا".

стр. 1862

قوله: "إلا في ربع دينار فصاعدًا"، (الفاء) في (فصاعدًا) لعطف جملة على جملة. (فصاعدًا)؛ أي: زائدًا، نصب على الحال من المسروق المقدَّر؛ يعني: إذا وقع المسروق مرة ربع دينار، فيقع مرة أخرى في حال كونه زائدًا على الربع الذي هو نصاب القطع، فيجب القطع في كلتا المرتين. * * * ٢٧٠٥ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: قَطعَ النبيُّ ﷺ يدَ سارقٍ في مِجَنٍّ، ثمنُه ثلاثةُ دراهمَ. قوله: "قطع النبي ﷺ يد سارق في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم"، (المِجَن): الترس، مفعل من (جَنَّ): إذا ستر. قال الشيخ في "شرح السنة": اختلف أهل العلم فيما تقطع فيه يد السارق، فذهب أكثرهم إلى أن نصاب السرقة ربع دينار، وإذا سرق دراهم أو متاعًا يُقَوَّم بالدنانير، فإن بلغت قيمتها ربع دينار قطعت يده، وإن لم تبلغ فلا قطع، وبه قال الشافعي. وقال مالك: نصاب السرقة ثلاثة دراهم؛ فإن سرق ذهبًا أو متاعًا يقوَّم بالدراهم، فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطعت يده، وإن لم يبلغ فلا قطع عليه. وقال أحمد: إن سرق ذهبًا فبلغ ربع دينار قطع، وإن سرق فضة وكان مبلغها ثلاثة دراهم قطع، وإن سرق متاعًا بلغت قيمته ثلاثة دراهم أو ربع دينار قطع؛ قولًا بالخبرين معًا. قال الخطابي: المذهب الأول في رد القيم إلى ربع دينار أصح، وذلك أن أصل النقد في ذلك الزمان الدنانير، فجاز أن يقوَّم بها الدراهم، ولهذا كتب في

стр. 1863

الصكوك قديمًا عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل، فَعُرِّفت الدراهم بالدنانير، وحُصرت بها. وأما تقويم المِجَنِّ بالدراهم، فقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن الشيء التافه - أي: القليل - قد جرت العادة تقويمها بالدراهم، وإنما تُقَوَّم الأشياء النفيسة بالدنانير؛ لأنها أنفس النقود، فتكون هذه الدراهم الثلاثة التي هي ثمن المِجَن تبلغ قيمتها ربع دينار، وقد روي عن عثمان ﵁ أنه قطع سارقًا في أترجة قُوِّمت ثلاثة دراهم، من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فدل على أن العبرة بالذهب، ومن أجل ذلك ردت قيمة الدراهم إليه بعد ما قومت الأترجة بالدراهم. وقال أبو حنيفة: لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم. * * * ٢٧٠٦ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لعنَ الله السَّارقَ يسرقُ البيضةَ فتُقطَعُ يدُه، ويسرقُ الحبلَ فتُقطَعُ يدُه". قوله: "لعنَ الله السارقَ يسرقُ البيضةَ فتُقطع يدُه ويسرقُ الحبلَ فتُقطع يدُه": قال الأعمش: كانوا يَرَون أنه بَيْضُ الحديدِ والحَبْلُ، كانوا يرونَ أنه منها ما يساوي ثلاثة دراهم. ذكر في "شرح السنة": (يَرَوْنَ)؛ أي: يعتقدون، وقيل: كان هذا في الابتداء، وهو قطع اليد في الشيء القليل، ثم نسخ بقوله: "القطع في ربع دينار". قيل: المراد بـ (البيضة) بيضة الدجاج وغيره لا بيضة الحديد، فإن سياق الحديث يدل عليه، وهو قوله: (يسرق الحبل)؛ يعني: أنه يُعَوِّدُ نفسه في

стр. 1864

السرقة، ولا يبالي بأخذ الشيء اليسير حتى يؤدي إلى سرقة ما هو نصاب في القطع فتقطع يده. * * * ٢٧٠٧ - عن رافعِ بن خَديجٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ". قوله: "لا قَطْعَ في ثمرٍ ولا كَثرٍ": قال في "شرح السنة": (الثمر): الرطب ما دام في رأس النخلة، فإذا صرم فهو الرطب. و (الكَثَر): جُمَّار النخل، وهو شحمُهَا، قيل: شحم النخل: شيء أبيض في وسط النخل يُؤكل، وقيل: هو الطلع أول ما يبدو وهو يؤكل أيضًا. وذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث فلم يوجب القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليها اللحوم والألبان والأشربة والحبوب، وأوجب الآخرون القطع في جميعها إذا كانت محرزة، وهو قول مالك. وتأول الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة، وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، فلا تكون محرزة. * * * ٢٧٠٩ - وقال: "لا قَطْعَ في ثمرٍ مُعَلَّقٍ، ولا في حَرِيسةِ جبلٍ، فإذا آواهُ المُراحُ والجَرِينُ، فالقطعُ فيما بلغَ ثمنَ المِجَنِّ". قوله: "ولا في حَرِيْسَةِ جبل، فإذا آواه الجَرِين"، و (الجَرِين): الحِرز، "فالقطع فيما بلغ ثمن المِجَن"، وأراد بـ (حَرِيْسَةِ الجبل): الشاة المسروقة من

стр. 1865

المرعى، و (الاحْتِرَاس): أن تؤخذ الشاة من المرعى، يقال: فلان يأكل الحريسات: إذا كان يسرق أغنام الناس فيأكلها، والسارق مُحْتَرِسٌ، ذكره في "شرح السنة". (المُرَاح) بالضم: مأوى الإبل والغنم بالليل، و (الجَرِيْنُ) موضع يُجفف فيه التمر. * * * ٢٧١٠ - عن جابرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ليسَ على المُنتَهِبِ قَطْعٌ، ومَنْ انتَهَبَ نُهبَةً مشهورةً فليسَ مِنا". ٢٧١١ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ليسَ على خائنٍ، ولا مُنتهِبٍ، ولا مُختلِسٍ قَطْعٌ". "ليس على المنتهب قطع"، (الانتهاب): الإغارة؛ يعني: ليس على المُغِير إذا أغارَ شيئًا ولو كان نصابًا، لا قطع؛ لأن شرط القطع: إخراجُ ما هو نصاب أو قيمته من الحِرز. * * * ٢٧١٢ - ورُوِيَ: أنَّ صفوانَ بن أُميَّةَ قدِمَ المدينةَ فنامَ في المسجدِ وتَوَسَّدَ رِداءَهُ، فجاءَ سارقٌ وأخذَ رِداءَه، فأخذهُ صفوانُ، فجاءَ بهِ إلى رسولِ الله ﷺ فأَمَرَ أنْ تُقْطَعَ يدُه، فقال صفوانُ: إنِّي لم أُرِدْ هذا، هو عليهِ صدقةٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "فهلَّا قبلَ أنْ تأتيَني به". قوله: "فهلَّا قبلَ أن تأتيَني به"، (هلَّا)؛ أي: لِمَ لا؛ يعني: لِمَ لا تركتَ حقَّك عليه قبلَ وصوله إليَّ، فالآن قطعه ليس لك فيه حق، بل هو حق الشرع. * * *

стр. 1866

٢٧١٣ - عن بُسْرِ بن أَرَطاةَ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قال: "لا تُقطَعُ الأَيْدي في الغَزوِ". قوله: "لا تقطع الأيدي في الغزو"، ومعنى لا يقطع يد السارق في الغزو: إذا كانت الجيش في دار الحرب، ولم يكن الإمام فيهم، بل يكون أميرًا أو صاحب جيش، فأمير الجيش لا يقيم الحدود في أرض الحرب على مذهب بعض الفقهاء إلا أن يكون الإمام، أو يكون أمير واسع المملكة، كصاحب العراق والشام أو مصر ونحوها من البلدان فإنه يقيم الحدود في عسكره، وهو قول أبي حنيفة. وقال الأوزاعي: لا يقطع أميرٌ العسكر حتى يقفل من الدرب، فإذا قفل قطع. وأما أكثر الفقهاء: فإنهم لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها، ويرون إقامةَ الحدود على من ارتكبها، كما يرون وجوبَ الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام والحرب سواء، ذكره في "المعالم". * * * ٢٧١٥ - ورُوِيَ عن جابرٍ ﵁ قال: جيءَ بسارقٍ إلى النبيِّ ﷺ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، ثم جيءَ به الثانيةَ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، ثم جيء به الثالثةَ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، ثم جيءَ به الرابعةَ فقال: "اقطعُوه" فقُطِعَ، فأُتيَ به الخامسةَ فقال: "اقتُلوه"، فانطلقْنا به فقتلْناه، ثم اجترَرْناه فألقيناهُ في بئرٍ ورميْنَا عليهِ الحِجارةَ. قوله: "فأُتيَ به الخامسةَ، فقال: اقتلوه، فانطلقنا به فقتلناه ... " إلى آخره، (انطلق به)؛ أي: أذهبه، (اجتر وجر): بمعنى واحد. قال في "شرح السنة": قال أبو سليمان الخطابي: ولا أعلم أحدًا من العلماء

стр. 1867

يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرة بعد أخرى، إلا أنه قد يخرج على مذهب بعض الفقهاء أن يباحُ دمُه، وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، وللإمام أن يجتهد في تعزير المفسد ويبلغ به ما رأى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد، وإن رأى أن يُقتل قُتل، ويعزى هذا الرأي إلى مالك بن أنس - (يُعْزَى)؛ أي: ينسب - وحديث جابر إن كان ثابتًا فهو يؤيد هذا الرأي. قوله: (يُخرَّج على مذهب بعض الفقهاء)؛ أي: يستقيم معنى هذا الحديث على مذهب بعض الفقهاء. قوله: "فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة": هذا غير معمول به عند الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، ولا أعرف أحدًا سواهم من الأئمة الباقية عمل بذلك، فحينئذ لا يكون إلا للتهديد. * * * ٢٧١٦ - ورُوِيَ في قطعِ السارقِ عن النبي ﷺ قال: "اقطعُوه ثم احسِمُوه". قوله: "اقطعوه ثم احسموا"، (الحَسْمُ): القَطْعُ، ومنه: حَسْمُ العِرْقِ؛ أي: كَيُّهُ بالنار لينقطعَ دَمُ المَحْسُوْمِ. * * * ٢٧١٧ - عن فُضالةَ بن عُبيدٍ ﵁ قال: أُتيَ رسولُ الله ﷺ بسارقٍ فقُطِعَتْ يَدُه، ثم أَمَرَ بها فعُلِّقَت في عُنقِهِ. قوله: "فعُلِّقَتْ في عُنِقِه"؛ أي: عُلِّقَتِ اليدُ المقطوعةُ في عُنقِ السَّارقِ نكالاً وعِبرةً. * * *

стр. 1868

٢٧١٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا سرقَ المَمْلوكُ فبعْهُ ولو بنشٍّ"، متصل. قوله: "بعْهُ ولَو بنشٍّ"، (النَّشُّ): عشرون درهمًا. * * * ٣ - باب الشَّفاعةِ في الحُدودِ (باب الشفاعة في الحدود) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧١٩ - عن عائشةَ ﵂: أنَّ قُريشًا أَهَمَّهم شأنُ المَرأةِ المخزوميَّةِ التي سرقَتْ فقالوا: مَنْ يُكلِّمُ فيها رسولَ الله ﷺ ؟ فقالوا: ومَن يَجترِئُ عليهِ إلَّا أُسامةُ بن زيدٍ حِبُّ رسولِ الله ﷺ ، فكلَّمَه أُسامةُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَتشفعُ في حدٍّ مِن حدودِ الله!؟ " ثم قامَ فاختطبَ ثم قال: "إنَّما أَهلكَ الذينَ مِن قبلِكم أنَّهم كانوا إذا سَرقَ فيهم الشريفُ تركُوهُ، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقامُوا عليهِ الحدَّ، وَايمُ الله، لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرقَتْ لقطعْتُ يدَها". ورُوِيَ عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: كانتْ امرأةٌ مخزوميةٌ تستعيرُ المَتاعَ وتجحدُ، فأمرَ النبيُّ ﷺ بقطعِ يدِها، فأَتَى أهلُها أسامةَ فكلَّموه، فكلَّمَ رسولَ الله ﷺ فيها، فذكَر نحوه. "أهمَّهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت"، (أهمَّه): أحزنه الأمر الشديد، (الشأن): الأمر.

стр. 1869

قوله: "حِبُّ رسول الله ﷺ "؛ أي: محبوبه. قوله: "أتشفع في حَدٍّ من حدودِ الله؟ " استفهام بمعنى التوبيخ. قوله: "فاختَطَبَ"؛ أي: خطب. قوله: "وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد"، (أيم الله)؛ أي: والله. قال في "شرح السنة": وفيه دليل على أن ما روي: أن امرأة مخزومية كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها أنه إنما أمرَ بقطع يدها للسرقة، وذكر استعارة المتاع والجحود للتعريف؛ يعني: كان ذلك فعلها فقطعت يدها في السرقة، وفيه دليل على أن الشفاعة في الحدود غير جائزة. قيل: إنما ضرب المثل بفاطمة ابنته لأنها كانت سَمِيَّةً لها، وكانَتْ أعز أهله عليه. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٧٢٠ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن حالَتْ شفاعتُه دونَ حدٍّ مِن حدودِ الله تعالى فقد ضادَّ الله، ومَن خاصَمَ في باطلٍ هو يعلَمُه لَمْ يزلْ في سخطِ الله تعالى حتى ينزِعَ، ومَن قالَ في مُؤْمِنٍ ما ليسَ فيه أَسكنَهُ الله رَدْغَةَ الخَبالِ حتى يخرُجَ ممّا قالَ". ويُروى: "ومَن أعانَ على خُصومةٍ لا يدري أَحَقٌّ هو أمْ باطلٌ، فهو في سخطِ الله حتى ينزِعَ". قوله: "مَنْ حَالَتْ شفاعتُه دونَ حدٍّ من حدودِ الله فقد ضادَّ الله"؛ يعني: مَنْ مَنَعَ حدًا من حدود الله سبحانه بشفاعته، فقد خالَفَ أمر الله تعالى، وهذا بعد أن بلغ ذلك الإمام، فأما قبل بلوغ الإمام، فإن الشفاعة فيه جائزةٌ حفظًا للستر، فإن الستر

стр. 1870

على المذنبين مندوب إليه. قوله: "مَنْ قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنه الله رَدْغَةَ الخَبَالِ": قال في "الصحاح": الماء والطين؛ أي: الوحل الشديد، ومعناه في الحديث: عصارة أهل النار، (الخَبَال): الفساد، وقيل: (الخَبَال): موضع من جهنم. * * * ٢٧٢١ - عن أبي رِمْثَةَ المخزوميِّ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بلصٍّ قد اعترفَ اعترافًا وَلَمْ يوجدْ معَهُ مَتاعٌ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما إخالُكَ سرقتَ؟ " قال: بلى، فأعادَ عليهِ مرتينِ أو ثلاثًا، فأمرَ بهِ فقُطِعَ وجيءَ بهِ فقالَ: "استغفر الله وتُبْ إليهِ"، فقالَ: أَستغفِرُ الله وأتوبُ إليهِ، فقال: "اللهمَّ تُبْ عليهِ" ثلاثًا. قوله: "أُتي بلصٍّ قد اعترفَ"؛ أي: جِيءَ بسارق قد أَقَرَّ. قوله: "ما إخالُكَ سَرَقْتَ"، (إخالُكَ): أظنك، وهذه اللفظة تستعمل مكسورة الهمزة على خلاف القياس، والقياس مفتوحة. قوله: "اللهم تُبْ عليه ثلاثًا"؛ أي: ثلاث مرات. * * * ٤ - باب حدِّ الخمرِ (باب حد الخمر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧٢٢ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ ضربَ في الخمرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، وجلَدَ أبو بكرٍ ﵁ أربعينَ.

стр. 1871

وفي روايةٍ عن أنس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يضرِبُ في الخمرِ بالجريدِ والنِّعال أربعينَ. قوله: "ضَرَبَ في حدِّ الخمر بِجَريدة"، (الجريدة): السَّعف، جمعها: جريد، سميت جَرِيدة لكونها مُجَرَّدَةٌ عن الخُوص، ذكره في "الغريبين". (الخُوص): ورقُ النخل. * * * ٢٧٢٣ - عن السَّائبِ بن يزيدَ قال: "كانَ يُؤتَى بالشَّاربِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ وإمْرَةِ أبي بكرٍ وصَدْرًا مِن خلافةِ عمرَ، فنقومُ فيهِ بأيدينا ونِعالِنا وأَرديَتِنا، حتى كانَ آخرُ إمرةِ عمرَ ﵁ فجلدَ أربعينَ، حتى إذا عَتَوا وفسقُوا جلدَ ثمانينَ". قوله "وإمرة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر". (الإمرة): الإمارة، و (صَدْرُ) كل شيء: أولُهُ. قوله: "جلد ثمانين"؛ يعني: جلد عُمَرُ ﵁ ثمانين. قال في "شرح السنة": ذهب قوم إلى أنَّ حدَّ الخمر أربعون جلدة، وبه قال الشافعي، وما زاد عمر على أربعين كان تعزيرًا، وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أدى إليه اجتهاده، وذهب جماعة إلى أن حد الخمر ثمانون، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. * * * مِنَ الحِسَانِ: ٢٧٢٤ - عن جابرِ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ مَنْ شَرِبَ الخمرَ

стр. 1872

فاجلِدُوه، فإنْ عادَ في الرَّابعةِ فاقتُلُوه". قال: ثم أُتِيَ النبيُّ ﷺ بعدَ ذلكَ برجلٍ قد شربَ في الرَّابعةِ فضَربَهُ ولم يقتلْهُ. قوله: "فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"؛ أي: فإن عادَ شاربُ الخمرِ في المرة الرابعة إلى شُربهَا فاقتلُوه. قال في "شرح السنة": وهذا أمرٌ لم يذهب إليه أحد من أهل العلم قديمًا وحديثًا أن شارب الخمر يقتل. قال الخطابي: قد يَرِدُ الأمرُ بالوعيدِ ولا يُراد به وقوع الفعل، وإنما المراد به: الرَّدع والتحذير. قال أبو عيسى: إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعده، وسياق الحديث يدل على ما قاله أبو عيسى، وهو قوله: "قد شربَ في الرابعة فضربَهُ ولم يقتله". * * * ٢٧٢٥ - وعن عبدِ الرحمنِ بن الأزهرِ ﵁ قال: كأني أنظرُ إلى رسولِ الله ﷺ ، إذْ أُتيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فقالَ للناسِ: "اضرِبُوه"، فمِنهم مَنْ ضربه بالنِّعالِ، ومنهم مَن ضربَه بالعَصا، ومِنهم مَن ضربَهُ بالمِيتَخَةِ، ثم أخذ رسولُ الله ﷺ تُرابًا مِن الأرضِ فرمَى بهِ في وجهِهِ. قوله: "ضربه بالمِيتَخَةِ"، قال الخطابي: (المِيْتَخَة) بالياء قبل التاء: هي اسم للعصا الخفيفة، وهي أيضًا بالتاء المعجمة من فوق قبل الياء، وسميت (ميْتَخَة) لأنها تتوخ؛ أي: تأخذ في المضروب، من قولك: تاخت إصبعي في الطين؛ أي: غابت، ذكر في "الغريبين" ما ذكره الخطابي، وزاد عليه لغة أخرى: وهي (منتخة) بالنون قبل التاء من فوقها بنقطتين، قيل الرواية قد وردت بالوجوه الثلاثة.

стр. 1873

قال ابن وهب: الجريدة الرطبة. * * * ٢٧٢٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ أُتيَ برجلٍ قد شرِبَ الخمرَ فقال: "اضرِبُوه"، فمِنَّا الضارِبُ بيدِه، والضارِبُ بثوبه، والضاربُ بنعلِه، ثم قال: "بَكِّتُوهُ"، فأَقبلُوا عليهِ يقُولونَ: ما اتقيتَ الله؟ ما خشيتَ الله؟ وما استحيَيْتَ مِن رسولِ الله ﷺ ؟ فقالَ بعضُ القوم: أَخزاكَ الله، قال: "لا تقُولوا هكذا، لا تُعينُوا عليهِ الشيطانَ، ولكنْ قولوا: اللهم اغفرْ لهُ اللهم ارحمْهُ". قوله: "بَكِّتُوْهُ": (التَّبْكِيْتُ) والتوبيخ بمعنى. قوله: "أخزاك الله"، (أخزى): إذا فضح. * * * ٢٧٢٧ - عن ابن عباسٍ ﵄ قال: شرِبَ رجلٌ فسكرَ، فلُقيَ يميلُ في الفَجِّ، فانطُلِقَ بهِ إلى رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا حاذَى دارَ العبَّاسِ انفلَتَ فدخلَ على العبَّاسِ فالتزَمَهُ، فذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فضحِكَ وقال: "أَفَعَلَها؟ " ولم يَأْمُرْ فيهِ بشيءٍ. قوله: "فلُقِيَ يَميلُ في الفَجِّ"، (اللقاء): الرؤية، (الفَجُّ): الطريق الواسع بين جبلين، (يميل): نصب على الحال من الضمير في (لقي)، (حَاذَى): إذا قابل. "انفلَتَ": فَرَّ، "التزَمَ": عانق. قوله: "لم يأمر فيه بشيء" الضمير في (فيه) يعود إلى الشارب؛ يعني: ما أمر النبي ﷺ بحدِّه؛ لأنه ما ثبتَ شربُ خمرِهِ عندَهُ بعدُ. * * *

стр. 1874

٥ - باب لا يُدْعى على المَحدودِ (باب لا يدعى على المحدود) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧٢٨ - عن عمرَ بن الخطابِ ﵁ قال: إنَّ رَجُلاً اسمُه عبد الله يُلقَّبُ حِمارًا، كانَ يُضْحِكُ النبيَّ ﷺ ، وكانَ النبيُّ ﷺ قد جَلَدَهُ في الشَّرابِ، فأُتيَ به يومًا فأَمَرَ به فجُلِدَ، فقال رَجُلٌ مِن القومِ: اللهم العَنْه، ما أكثرَ ما يُؤتَى بهِ! فقال النبيُّ ﷺ : "لا تَلْعنُوهُ، فَوَالله ما عَلِمْتُ إلا أنَّه يحبُ الله ورسولَهُ". قوله: "ما أكثرَ ما يُؤتى به"، (ما): للتعجب، و (يؤتى به)؛ أي: يُؤخذ بشربِ الخمر. قوله: "فوالله ما علمت أنه يحبُّ الله ورسولَه"، (ما) في (ما علمت) موصول وإن مع اسمه وخبره سد مسد مفعولي (علمت)؛ لكونه مشتملاً على المنسوب والمنسوب إليه، و (علمت) صلة (ما)، والضمير في (أنه) يعود إلى (ما)، والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف، تقديره: والله لهو الذي علمت أنه، والمبتدأ وخبره جواب القسم؛ يعني: هو الذي علمت من حاله أنه محب لله ورسوله؛ يعني: هو محب لله ورسوله، ولكنه يصدر منه هذه الزلة. وهذا دليل على أنه لا يجوزُ لعنُ مَنْ يصدرُ منه إثم ولا شتمه، ولا يجوز أن يُحكم بكفره، أو بكونه غيرَ محبٍّ لله ورسوله، بل يستحبُ أن يستغفر له ويطلب له التوبة من الله تعالى. * * * من الحسان: ٢٧٣٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ الأسلَميُّ إلى النبيِّ ﷺ فشهِدَ على

стр. 1875

نفسِهِ أنهُ أصابَ امرأةً حرامًا، أربعَ مراتٍ، كلَّ ذلكَ يُعرِضُ عنهُ، فأَقبَلَ في الخامسةِ فقالَ: "أَنِكْتَها؟ " قال: نعم، قال: "حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها"، قال: نعم، قال: "كما يغيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشاءُ في البئرِ"، قال: نعم، قال: "هل تَدري ما الزِّنا؟ " قال: نعم، أَتَيْتُ منها حَرامًا ما يأتي الرَّجُلُ مِن أهلِهِ حَلالاً، فأَمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسمعَ نبيُّ الله ﷺ رجُلينِ مِن أصحابهِ يقولُ أحدُهما لصاحبه: انظرْ إلى هذا الذي سترَ الله عليهِ، فلمْ تدعْهُ نفسُه حتى رُجِمَ رجْمَ الكلبِ، فسَكتَ عنهما، ثم سارَ ساعةً حتى مرَّ بجِيفِة حمارٍ شائلٍ برجلِه، فقال: "أينَ فلانٌ وفلانٌ؟ " فقالا: نحنُ ذانِ يا رسولَ الله فقال: "انزِلا فكُلا من جِيفةِ هذا الحِمارِ"، فقالا: يا نبيَّ الله! مَنْ يأكلُ مِنْ هذا؟ قال: "فما نِلتُما مِن عِرْضِ أخيكُما آنِفًا أشدُّ مِن أَكْلٍ منه، والذي نفسي بيدِه إنَّه، الآنَ لَفي أنهارِ الجنَّةِ ينغمِسُ فيها". قوله: "حتى غابَ ذلك منكَ في ذلكَ منها"، (ذلك) الأول: إشارة إلى آلة الرجل، و (ذلك) الثاني: إشارة إلى آلة المرأة. قوله: "كما يغيب المرود في المكحلة والرِّشاء في البئر"، (المِرْوَدُ): المِيْلُ، و (المُكْحَلَةِ): الظرف الذي فيه الكُحل، (الرِّشَاء): الحبل، هما كنايتان عن غيبوبة الحشفة في الفرج. قوله "حتى مَرَّ بجيفةِ حمارٍ شائلٍ برجلِه"، (الجيفة): الميتة، (شَال) به: إذا رفعه؛ أي: رافعٌ رجلَه لكثرة انتفاخه وورمه. قوله: "فما نلتما من عرض أخيكما آنفًا": (ما) في (ما نلتما) موصول، و (نلتما) - أي: وجدتما - صلتُهُ، والموصول مع صلته مبتدأ، و (أشد) خبره، والضمير العائد إلى الموصول محذوف، تقديره: فما نلتماه. و (العرض) من الإنسان: ما يمدح ويذم، (آنفًا)؛ أي: الآن والساعة؛

стр. 1876

يعني: ما وجدتماه من غيبة ماعز في الساعة أقبحُ وأشدُّ مِنْ أكلِ هذه الجيفة. قوله: "ينغمس فيها"؛ أي: يخوض ويدخل. * * * ٦ - باب التَّعْزيرِ (باب التعزير) (التعزير) ها هنا: التأديب والضرب دون الحَد. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧٣٣ - عن أبي بُرْدَةَ بن نِيارٍ ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يُجلَدُ فوقَ عَشْرِ جَلَداتٍ إلا في حدٍّ مِن حُدودِ الله". قوله: "لا يُجلَدُ فوقَ عشرِ جلداتٍ إلا في حدٍّ من حدودِ الله": اعلم أن الذنب قسمان: قسم شُرع فيه الحَد، وقسم لم يُشرع فيه الحد؛ أما لذي شرع فيه الحد فلا يخفى، وأما الذي لم يشرع فيه الحد فمن ارتكب ذلك يستحق التعزير وذلك كمقدمات الزنا، كالقبلة المحرمة وغيرها، وسرقة مال قليل لا يبلغ قدرًا تقطع به اليد، وشتم أحد بغير الزنا مثل أن يقول لأحد: يا فاجر، يا خبيث، إذا لم يكن بنية الزنا. والتعزير منوط بنظر الإمام؛ يعني: إذا فعل أحد ذنبًا لا يوجب حدًا، فالإمام يجتهد في تعزيره؛ إن رأى المصلحة في العفو فليعف عنه، وإن رأى المصلحة في توبيخه باللسان فليفعل، وإن رأى أن يضربه فليضربه. قال أحمد: لا يجوز أن يزيد ضربه على عشر ضربات بالسوط أو النعل أو غيرهما؛ لهذا الحديث، وقال غيره: جاز أن يزيد بشرط أن ينقصَ عن أقل

стр. 1877

الحدود، وأقل الحدود حد العبد في شرب الخمر، وهو عشرون ضربة، فعلى هذا القول: يجب أن يكون التعزير تسعة عشر ضربة أو أقل. وقيل: ينقص من كل جنس عن أقل حد ذلك الجنس؛ يعني: إن كان ما يُعزر فيه من مُقدمات الزنا فلينقص التعزير عن أقل حد الزنا، وهو خمسون جلدة، وهو حد العبد، وإن كان في شتم أحد فلينقص عن أربعين، وهو حد العبد في القذف، وإن كان في سرقة شيء لا يوجب القطع يتخير الإمام في التعزير. * * * ٢٧٣٥ - عن ابن عبَّاسِ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا قال الرَّجُلُ للرجلِ: يا يهوديُّ فاضرِبُوه عشرينَ، وإذا قال: يا مُخَنَّثُ فاضرِبُوه عشرينَ، ومَنْ وقعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلُوه"، غريب. قوله: "ومن وقع على ذاتِ مَحْرَمٍ فاقتلوه": حكم أحمد بظاهر هذا الحديث، وقال غيره: هذا زَجْرً وإلا حكمه حكم سائر الزناة؛ يرجم إن كان محصنًا، ويجلد إن لم يكن محصنًا. * * * ٢٧٣٦ - عن عمرَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا وجدْتُم الرَّجُلَ قد غَلَّ في سبيلِ الله فأحرِقُوا متاعَهُ واضرِبُوه"، غريب. قوله: "إذا وَجدْتُم الرَّجلَ قد غَلَّ في سبيل الله فاحرقوا متاعَه واضربوه"، (غل)؛ أي: سرق شيئًا من الغنيمة. لا خلاف في تعزيره، واختلفوا في إحراق متاعه: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق بن راهويه: يُحرق متاعه الذي ليس من مال الغنيمة، ويؤخذ منه ما سَرق من مال الغنيمة ويُرد في الغنيمة.

стр. 1878

وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: لا يُحرق متاعه، بل هذا الحديث زجرٌ له، ولا يُحرق الحيوانُ وثيابُه التي هي ملبوسُه بالاتفاق. * * * ٧ - باب بيانِ الخَمْرِ ووعيدِ شاربها (باب بيان الخمر ووعيد شاربها) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧٣٧ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ : أنَّه قال: "الخَمرُ مِن هاتينِ الشجرتَيْنِ، النَّخلةِ والعِنَبةِ". قوله: "الخمرُ من هاتينِ الشَّجرتَيْنِ: النَّخلَةِ والعِنَبَة": قال الخطابي: إنما خصَّ هاتين الشجرتين لأن أكثرَ الخمور منهما، ولم يخصَّهما لأن الخمر لا يكون من غيرهما، بل من أي شيء جعل الخمر المسكرة فهي خمر، ووجبَ الحدُّ على شاربها، وكذلك حديث عمر تأويله: أن أكثر الخمور من هذه الخمسة، وليس معناه: أن الخمر لا يكون من غير هذه الخمسة. ألا ترى أنه قال: "الخمرُ ما خَامر العقل"؛ يعني: كل ما خامَرَ العقل فهو خمر من أيِّ شيء كان. و (خامر العقل)، معناه: سَتَرَ العقلَ وأزالَهُ. * * * ٢٧٤١ - عن ابن عُمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كلُّ مُسكرٍ خَمرٌ، وكلُّ خَمرٍ حرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمرَ في الدُّنيا فماتَ وهوَ يُدْمِنُها، لم يَتُبْ، لم

стр. 1879

يشربْها في الآخرةِ". قوله: "يُدْمِنُها"؛ أي: يداومُ على شربها، ولم يتبْ حتى يموتَ على ذلك. "لم يشرَبْهَا في الآخرة"؛ أي: لم يشربْ خمرَ الجنة؛ ومعناه: أنه لا يدخل الجنة حتى يُطَهَّرَ من ذنبِ شُرْبِ الخمر بأن يعفوَ الله عنه بفضله، أو يعذبُه بقدرِ ذلك الإثم، فإذا طهرَ من ذلك الإثم دخل الجنة وشرب خمرَ الجنةَ لا محالة، ولم يكن أحدٌ دخلَ الجنةَ ولم يشربْ خمر الجنة، بل كلُّ مَنْ دخلَ الجنةَ شربَ من جميع شراب الجنة، وأكل من جميع أطعمتها. * * * ٢٧٤٢ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً قدِمَ مِن اليمنِ، فسألَ النبيَّ ﷺ عن شَرابٍ يَشربُونَه بأَرضهم من الذُّرَةِ، يُقالُ له: المِزْرُ، فقال النبيُّ ﷺ : "أَوَ مُسْكِرٌ هو؟ " قال: نعم، قال: "كلُّ مُسكرٍ حرامٌ، إنَّ على الله عهْدًا لِمَن يَشربُ المُسكِرَ أنْ يَسقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ"، قالوا: يا رسولَ الله! وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قال: "عَرَقُ أهلِ النَّارِ، أو عُصارةُ أهلِ النَّارِ". قوله: "عُصَارة أهلِ النَّارِ"؛ أي: ما يسيل عنهما من الصَديد والدَّم. * * * ٢٧٤٣ - عن أبي قَتادةَ: أنَّ نبيَّ الله ﷺ نَهَى عن خَلِيطِ التمرِ والبُسرِ، وعن خليطِ الزبيبِ والتمرِ، وعن خليطِ الزَّهْوِ والرُّطَبِ، وقال: "انتبذُوا كلَّ واحدٍ على حِدَةٍ". قوله: "نهى عن خليط التمر والبُسْر ... " إلى آخره، قال مالك وأحمد:

стр. 1880

يَحرم شربُ نبيذٍ خلط فيه شيئان كالتمر والبُسْر، إو التمر والزبيب أو غيرهما، قالا: يحرم شرب هذا الشراب وإن لم يكن مسكرًا؛ عملاً بظاهر الحديث، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لم يحرم إن لم يكن مسكرًا، وهو القول الثاني للشافعي. * * * ٢٧٤٤ - عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن الخمرِ تُتَّخذُ خلاً، فقال: "لا". قوله: "سُئِلَ عن الخَمرِ تُتخذ خَلاً، فقال: لا"؛ يعني: سئل النبي ﷺ عن جعل الخمرِ خَلاً بإلقاء شيء فيه، فقال ﷺ : لا يجوز، وبهذا قال الشافعي وأحمد ومالك، وجَوَّز أبو حنيفة أن يُلْقَى فيها شيءٌ حتى يصيرَ خلاً. وقال أحمد وابن المبارك: جاز أن يصبَّ فيها خَلٌّ قبل أن يصيرَ العصير أو العنب خمرًا، ولا يجوز بعد أن صَار خمرًا. * * * ٢٧٤٦ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن شرِبَ الخمرَ لم يَقبلِ الله لهُ صلاةً أربعينَ صباحًا، فإن تابَ تابَ الله عليه، فإنْ عادَ لم يَقبلِ الله له صلاةً أربعينَ صباحًا، فإنْ تابَ تابَ الله عليهِ، فإن عادَ لم يَقبلِ الله له صلاةً أربعينَ صباحًا، فإنْ تابَ تابَ الله عليه، فإنْ عادَ الرَّابعةَ لم يَقبَل الله له صلاةً أربعينَ صباحًا، فإنْ تابَ لم يَتُب الله عليهِ، وسَقاهُ مِن نهرِ الخَبالِ". قوله: "من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا"؛ هذا وجميع ما ذكر من أمثال هذا مبنيٌ على الزجْرِ، وإلا يسقط عنه فرضُ الصلاة إذا

стр. 1881

أدَّاها بشرائطها، ولكن ليسَ ثوابُ صلاةِ الفاسقِ كثوابِ صلاة الصالح، بل الفسق ينفي كمال الصلاة وغيرها من الطاعات. قوله: "فإن تابَ لم يتَبِ الله عليه"؛ أي: فإن تابَ باللسان وقلبه عازم على أن يعود إلى شرب الخمر، لا تقبل توبته، أما لو تابَ عن الإخلاص ولم يكن في قلبهِ عزمُ العَودِ إلى شرب الخمر أو غيره من المعاصي، ثم اتفق عوده إلى الذنب الذي تاب عنه، ثم تاب توبة عن الإخلاص قبلت توبته، وإن اتفق نقض توبته ألف مرة. قوله: "لم يتب الله عليه (١) ": مبنيٌ على الزَّجْرِ. "الخَبَال": صديد أهل النار. * * * ٢٧٤٨ - وعن عائِشَةَ ﵂، عن رسولِ الله ﷺ قال: "ما أَسْكَرَ الفَرَقُ، فمِلءُ الكفِّ منهُ حرامٌ". قوله: "الفَرْقُ": مكيال بالمدينة يسع ستة عشر رطلاً، يجوز (الفرق) بسكون الراء وفتحها. * * * ٢٧٥٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كانَ عندَنا خمرٌ لِيَتيمٍ، فلمَّا نَزَلَت المائدةُ سألتُ رسولَ الله ﷺ وقلتُ: إنَّه لِيَتيمٍ، قال: "أَهرِيقُوه". قوله: "فلما نَزَلَتِ المائدةُ"؛ يعني: فلما أُنزلت الآية التي هي من سورة المائدة وفيها بيان تحريم الخمر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ

стр. 1882

وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠]. (الميسر): القمار، و (الأنصاب): جمع نَصْب - بفتح النون وسكون الصاد - وهو الحجرُ الذي يُنْصَبُ لِيُعبَد، والمراد منه: الصنم. و (الأزلام): جمع زُلَم - بضم الزاي وفتح اللام - والأزلام: ثلاثة قداح كانت العرب كتبوا على واحد: أمرني ربي، وعلى الثاني: نهاني ربي، ولم يكتبوا على الثالث شيئًا وكان أحدهم إذا أراد فعلاً أجَالَهَا تحت كساء أو في كيس، وأخرج منها واحدًا، فإن كان الخارج ما كتب عليه: أمرني ربي، فعل ذلك، وإن خرج ما كتب عليه نهاني ربي، لم يفعل، وإن خرج ما لم يكتب عليه شيء، أجالَهَا مرةً أخرى أو مرتين حتى يخرج ما كتب عليه: أمرني، أو نهاني، وفي هذه الآية والتي بعدها سَبْعُ دلائل على تحريم الخمر: أحدها: قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ والرِّجْسٌ: هو النجس، وكل نجس حرام. الثاني: قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: وما هو عمل الشيطان حرامٌ. الثالث: قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وما أمر الله باجتنابه، فهو حرام. الرابع: قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وما عُلِّقَ رَجَاءُ الفلاحِ باجتنابه، فالإتيانُ به حرام. الخامس: قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ وما هو سببُ وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين، فهو حرام. السادس: قوله: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ وما يصدُّ به الشيطان المسلمين عن ذكرِ الله وعن الصلاة، فهو حرام. السابع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، قال المفسرون: معناه: انتهوا، وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه، فالإتيان به حرام. * * *

стр. 1883

٢٧٥١ - وعن أنسٍ عن أبي طلحَة ﵄: أنَّه قال: "يا نبيَّ الله! إنِّي اشتريتُ خَمرًا لأيتامٍ في حِجْري، فقال: أَهرِقِ الخَمرَ، واكسِرِ الدِّنانَ"، ضعيف. وفي رواية: أنَّه سَألَ النبيَّ ﷺ عن أيتامٍ ورِثُوا خَمرًا، قال: "أهرِقْها"، قال: أَفَلا أَجْعَلُها خَلاً؟ قال: "لا". قوله: "واكسِرِ الدِّنَان": (الدِّنان): جمع دَنٍّ، وهو ظرف الخمر أو الخل، إذا كان كبيرًا من الطين. ° ° °

стр. 1884

١٦ - كِتابُ الإمَارَة وَالقَضَاءِ

стр. 1885

[١٦] كِتابُ الإمَارَة وَالقَضَاءِ ١ - باب مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٧٥٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله، ومن عصَاني فقد عَصَى الله، ومَن يُطِع الأميرَ فقد أطاعَني، ومن يَعْصِ الأميرَ فقد عصَاني، وإنَّما الإمامُ جُنَّةٌ، يُقاتَلُ مِن ورَائِه ويُتَّقَى بهِ، فإنْ أَمَرَ بتقوَى الله وعَدلَ فإنَّ له بذلك أَجْرًا، فإن قالَ بغيرِه فإنَّ عليهِ مِنهُ". "إنما الإمام جُنَّةٌ، يقاتَلُ من ورائه ويُتَّقَى به"؛ يعني: الإمام كترسٍ ينبغي أن يكون قدام جيشه في الحرب؛ ليقاتل المسلمونَ الكفارَ بقوته واستظهاره، ويتعلم الجيشُ الشجاعةَ منه، ولا يجوز له أن يفرَّ ويترك المسلمين بين الكفار، وكذلك في جميع الأمور ينبغي أن يكون ملجأً للمسلمين، يقضي حوائِجَهم، ويعينُهُم على أمورِهِم، ويدفع الظالمينَ عن المظلومين. و (يُتَّقَى به)؛ أي: يُدفع بسببه وبقوته الظلمُ عن المسلمين. قوله: "فإنَّ عليه منه"؛ يعني: فإن عليه وزرًا منه؛ أي: من ذلك الظلم وتَرْكِ العدل. * * *

стр. 1886

٢٧٥٣ - وقال: "إنْ أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ يَقودُكم بكتابِ الله، فاسمَعُوا له وأَطيعُوا". قوله: "إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ يقودُكم بكتابِ الله فاسمعوا له وأطيعوا"، (أُمِّرَ)؛ أي: جُعل أميرًا، و (المُجَدَّعُ): مقطوع الأنف أو الأذن. (يقودُكُمْ)؛ أي: يأمركم بإتباع ما في القرآن، فأطيعوه ولا تحقروه لحقارة صُورَتِهِ؛ لأنه نائب الشرع. روت هذا الحديث: أم الحصين. * * * ٢٧٥٤ - وقال: "اسمعُوا وأطيعُوا وإنْ استُعمِلَ عليكم عبدٌ حَبَشيٌّ، كأنَّ رأسَهُ زَبيبةٌ". قوله: "وإن استُعْمِلَ عليكم"؛ أي: وإن جُعِلَ عليكم أميرًا وحاكمًا، "كأنَّ رأسَهُ زبَيبةٌ"؛ يعني: وإن كان صغيرَ الجثة حتى كأن رأسه زبيبة في الصغر، هذا مبالغةٌ في تركِ حقارة الحاكم، وإن كان حقيرَ الصورة. روى هذا الحديث: أنس. * * * ٢٧٥٥ - وقال: "السَّمعُ والطَّاعةُ على المرءِ المسلمِ فيما أَحَبَّ وكرِهَ، ما لم يُؤمرْ بمعصيةٍ، فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ". قوله: "السمعُ والطاعةُ"؛ يعني: سماعُ كلام الحاكم وطاعتُه واجبٌ على كل مسلم؛ سواء أمره بما يوافق طبعه، أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره

стр. 1887

بمعصية، فإن أمره بمعصية فلا تجوز طاعتُهُ، ولكن لا يجوز محاربة الإمام، بل يخبر الإمامَ بأني لا أفعلُ هذا لأنه معصية، فإن تركه من غير إيذاء فهو المراد، وإن قصد إيذائه فليفرَّ منه. روى هذا الحديث: ابن عمر. * * * ٢٧٥٦ - وقال: "لا طاعةَ في معصيةٍ، إنَّما الطَّاعةُ في المعروفِ". قوله: "لا طاعة في معصية"؛ يعني: لا تجوزُ طاعةُ الإمامِ فيما لا يرضى الله به. روى هذا الحديث: علي بن أبي طالب ﵁. * * * ٢٧٥٧ - وعن عُبادة بن الصَّامت ﵁ قال: بايعْنا رسولَ الله ﷺ على السَّمعِ والطَّاعةِ، في العُسرِ واليُسرِ، والمَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وعلى أَثَرَةٍ علينا، وعلى أنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَهُ، وعلى أنْ نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا، لا نخافُ في الله لومَةَ لائمٍ. وفي روايةٍ: وعلى أنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، إلا أنْ تَرَوْا كُفرًا بَواحًا عندَكم مِن الله فيهِ بُرهانٌ. قوله: "المَنْشَطِ والمَكْرَهِ": كلُّ واحد منهما مصدرٌ ميمي، أو مكان أو زمان، وكل واحد من هذه الثلاثة يُحتمل فيهما؛ يعني: أطعناه ونصرناه فيما فيه لنا نَشَاطٌ وكراهيةٌ، أو في زمانِ النَّشاط والكراهية، أو في موضع فيه نشاط وكراهية؛ أي: فيما يوافقُ طباعنا أو لا يوافِقَهَا.

стр. 1888

"وعلى أثَرَةٍ علينا"، (الأَثَرَة) بفتح الهمزة والثاء: اسم من (استأثرَ) الشيءَ: إذا استبدَّ به؛ أي: أخذه بخاصة نفسه، وفعل الشيء بنفسه من غير إذن أحد، والمراد من (أَثَرَة) في الحديث: أَنَّا نطيعُ الأمير، وإن كان يفعل شيئًا لنفسه بغير إذننا ورضانا، وإن كان يفضل أحدًا علينا من غير استحقاق، وإن كان يأخذ شيئًا لنفسه بغير رضانا؛ يعني: لا نخالفُهُ ولا نعصيه فيما يفعل، وإن كان شيئًا لا نرضى به. قوله: "وعلى أن لا ننازعَ الأمرَ أهلَهُ"؛ يعني: بايعناه على أن لا نأخذ الحكم من الحاكم؛ أي: لا نعزلَ الأميرَ عن الإمارة، ولا نحاربُهُ. "في الله"؛ أي: في أمر الله؛ أي: في سبيل الله. "لومةَ لائمٍ": ملامَةَ لائمٍ؛ أي: عاذل؛ يعني: لا نخافُ إيذاءَ مَنْ يُؤذِينا فيما فيه رضى الله تعالى. "إلا أن تروا كُفْرًا بَوَاحًا عندكم منَ الله فيه برهان"، (البَوَاح): الخالص والظاهر؛ يعني: لا تعزلوا الأميرَ إلا أن تروا منه كفرًا ظاهرًا لا يحتملُ تأويلاً، ويكون لكم بقتله في الكفر عند الله عذرٌ، فحينئذ جازَ أن تقتلوه بالكفر، وإن لم يصدر منه كفرٌ لا تقتلوه، ولا تعزلوه بصدورِ المعصية والظلم منه. * * * ٢٧٥٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "من رَأَى مِن أمِيرِه شيئًا يكرهُهُ فليصبرْ، فإنَّه ليسَ أحدٌ يُفارِقُ الجماعةَ شِبرًا فيموتُ، إلا ماتَ مِيتةً جاهليةً". قوله: "مِيْتَةً جاهلية"؛ يعني: كانت عادة أهل الجاهلية أن يستقلَّ كلُّ واحدٍ برأيه وكلُّ جماعةٍ برأيهم، ولا يطيعون أميرًا. وفي الشَّرع: لا يجوزُ هذا، بل يجبُ على المسلمين أن يكونَ لهم إمامٌ

стр. 1889

يطيعونَهُ؛ كيلا تتفرقَ أمورُ المسلمين، فإنَّ حُكْمَ الشرع على جميع المسلمين واحدٌ، فيجب أن يكونَ إمامُهُم واحدًا، لتُحْفَظَ أحكامُ الشرع، ويُزْجَرَ مَنْ خَالف الشرعَ، وكلُّ حاكم في ناحية من البلاد، يجبُ أن يكون نائبًا للإمام الأعظم، ويحكم على الوجه الذي أمره الإمام. فمن تركَ طاعةَ الإمام أو طاعةَ نائبه فقد خرجَ من الجماعة، ومن خرجَ من الجماعة فهو مخالفٌ لرسول الله ﷺ ؛ لأن الإمامَ نائبٌ لرسول الله ﷺ ، ومن خالف نائبَ رسول الله فقد خالف رسول الله ﷺ . روى هذا الحديث: ابن عباس. * * * ٢٧٦٠ - وقال ﷺ : "مَن خرجَ مِن الطَّاعةِ وفارقَ الجَماعةَ فماتَ، ماتَ مِيتةً جاهليةً، ومَن قاتَل تحتَ رايةٍ عُمِّيَّةٍ يَغضبُ لِعَصبيَّةٍ، أو يَدعُو لِعَصبيَّةٍ، أو يَنصرُ عَصبيَّةً فقُتِلَ، فقِتلَةٌ جاهليةٌ، ومَن خرجَ على أُمَّتي بسيفِهِ يَضرِبُ بَرَّها وفاجِرَها، ولا يتحاشَى مِن مؤمِنِها، ولا يَفي لذي عَهْدٍ عهدَه، فليسَ مِنِّي ولَستُ مِنهُ". قوله: "ومن خرجَ من الطَّاعة"؛ أي: من طاعةِ الإمامِ، وفارقَ ما عليه جماعة المسلمين من طاعةِ الإمام، وما اجتمع عليه أئمة المسلمين من الاعتقادات والحلال والحرام، "فمات" على مفارقة الإمام قبل أن يرجع إلى طاعته "فقد مات ميتة جاهلية". قوله: "تحتَ رايةٍ عمِّيَّةٍ"، (العمِّيَّة): الأمرُ المُشْتَبه، الذي لا يُدَرى ما سببه، ولا يُدرَى أنه حق أو باطل؛ يعني: من سَمِعَ أنَّ أميرًا يقاتلُ مع أمير آخر

стр. 1890

أو مع الإمام، ولم يكن قتالُهُ للدِّين، بل لغضبٍ حصلَ في نفسِهِ، أو لطلبِ مالٍ، أو لغيره من الأمور الدنيوية = فهذا القتال باطل، فمن قُتِلَ مع ذلك الأمير الظالم، فقتله قِتْلَةٌ جاهلية. قوله: "لا يتحاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا"؛ أي: ولا يجتنبُ من المؤمنين، بل يقاتل مَنْ رأى. قوله: (من مؤمنها): تأكيد وتكرار؛ لأنه إذا قال: (من خرجَ على أمتي) عُلِمَ أن أمته لا تكون إلا المؤمنين، إلا أن يريد بالأمة هنا: الناس، وحينئذ يدخل فيه أمة الإجابة وأمة الدعوة، فأمةُ الإجابة: مَنْ دعاهم رسولُ الله ﷺ فأجابوه، وأمة الدعوة: من دعاهم فلم يجيبوه، فإذا كان المراد بالأمة هنا: الناس فقوله: (لا يتحاشى من مؤمنها) مميزٌ للكفار، فمَنْ خرج بسيفه على الكفار لم يكن داخلاً في هذا الوعيد. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٢٧٦١ - عن عوفِ بن مالكٍ اْلأَشجعيِّ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "خِيارُ أئِمَّتِكُم الذينَ تُحِبُّونَهم ويُحِبُّوَنُكم، وتُصَلُّونَ عليهم ويُصَلُّوَن عليكم، وشِرارُ أئِمَّتُكم الذينَ تُبغِضُونَهم ويُبغِضُونَكم، وتَلعنُونَهم ويَلعنُونَكم"، قال: قُلنا: يا رسولَ الله! أفلا نُنابذُهم عندَ ذلك؟ قال: "لا، ما أَقامُوا فيكم الصلاةَ، لا، ما أَقامُوا فيكم الصلاةَ؛ أَلا مَن وُلِّيَ عليهِ والٍ فرآهُ يأتي شيئًا مِن معصيةِ الله، فليَكرهْ ما يأتي مِن معصيةِ الله، ولا يَنزِعنَّ يدًا مِن طاعةٍ". قوله: "يُصَلُّونَ عليكم"؛ يعني: خير الأئمة الذين عدلوا في الحكم، فينعقد بينكم وبينهم مودة، بحيث يُصَلُّوْنَ عليكم إذا متم، وتُصَلُّونَ عليهم إذا ماتوا

стр. 1891

عن الطَّوع والرغبة، وشرار الأئمة الذين ظلموا عليكم بحيث انعقدَتْ بينكم وبينهم عداوةٌ، بحيث تلعنوهم ويلعنونكم، ولم يذكر ها هنا: أنكم لا تُصَلُّونَ عليهم؛ لأن الصلاةَ واجبةٌ على كل مسلم وإن كان ظالمًا، ولا يجوز تَرْكُ الصلاة على ميتٍ مسلم، وإن كان بينه وبين مَنْ يصلي عليه عداوة، إلا إذا صلى عليه واحدًا أو أكثر، فإذا صُلِّيَ عليه سقط الفرض عن الباقين. قولهم: "أفلا نناِبذُهُمْ عندَ ذلك"؛ يعني: أفلا نعِزلُهم عن الإمامة، فقال ﷺ : "لا"؛ لأن عزل الإمام يهيج الفتنة، وتهييج الفتنة، لا يجوز. * * * ٢٧٦٢ - عن أمِّ سلمةَ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يكونُ عليكم أمراءُ تَعرِفُونَ وتُنكِرون، فمَن أَنْكَرَ فقد بَرِئَ، ومَن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكنْ مَن رضيَ وتابعَ"، قالوا: أَفَلا نُقاتلُهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا، لا، ما صلَّوا"، يعني: مَن كَرِهَ بقلبه وأنكرَ بقلبه. قوله: "تَعِرفُون وتُنكرون"؛ يعني: سترون أنهم يفعلون أفعالاً ويقولون أقوالاً تعرفونها من الشرع، ويفعلون أفعالاً ويقولون أقوالاً تُنكرونها؛ أي: تنكرون كَونها من الشرع. "فمن أنكر فقد برئ"؛ أي: فمن أنكر أفعالهم وأقوالهم القبيحة بلسانِهِ "فقد برئ" من الإثم، ومن لم يقدر أن ينكرها بلسانه، وكرهها بقلبه فقد سلم من الإثم أيضًا، ولكن "مَنْ رضيَ وتابَع"؛ يعني: ليس على المُنْكِرِ والكَاره إثمٌ، ولكنَّ الإثم على من رضيَ وتابَعَ أفعالهم وأقوالهم القبيحة. قوله: "مَنْ كَرِهَ بقلبهِ ومَن أَنْكَرَ بقلْبهِ" هذا التفسير غير مستقيم؛ لأن الإنكار يكون باللسان، والكراهية تكون بالقلب، ولو كان كلاهما بالقلب لكانا

стр. 1892

مكررين؛ لأنه لا فرقَ بينهما بالنسبة إلى القلب، وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى، وفي تلك الرواية: "مَنْ أنكَرَ بلسانِهِ فقد بَرِئَ، ومَنْ كَرِهَ بقلبه فقد سَلِمَ". * * * ٢٧٦٣ - عن عبدِ الله ﵁ قال: قالَ لنا رسولُ الله ﷺ : "إنكم سَتَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً وأُمورًا تُنْكِرونها"، قالوا: فما تامُرنا يا رسولَ الله؟ قال: "أَدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حَقَّكم". قوله: "سَتَرَون بعدي أَثَرَةً وأمورًا تُنْكِرونها"، قوله: (أمورًا تنكرونها) هذا بيان قوله: (أَثَرَةً) (الأَثَرُ) بفتح الهمزة والثاء: اسمٌ مِن (اسْتَأْثَرَ): إذا فعل وقال شيئًا من غير إذنِ أحد، أو اختار شيئًا لنفسه. يعني: سترونَ أمراء يفعلون ويقولون أشياءَ لستم عنها راضين، ويُفَضلُون عليكم مَنْ ليس له فضيلة، وأنتم تكرهون تلك الأشياء. قوله: "أَدُّوا إليهم حقَّهم"؛ يعني: أطيعوهم فيما يأمرونكم وأعطوهم ما يطلبون منكم، وإن كان ما يطلبونَ ظُلمًا، ولا تطلبوا حقوقكم منهم كرهًا، فإن لم يعطوكم حقوقكم فلا تحاربوهم، بل اتركوها واسألوا الله الثواب على ما يظلمونكم. * * * ٢٧٦٤ - وسأل سلمةُ بن يزيدٍ الجُعْفيُّ رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله! أرأيتَ إنْ قامَتْ علينا أُمراءُ يَسأَلونَنا حقَّهم ويَمنعونَنا حقَّنا، فما تَأمرُنا؟ قال: "اسمعُوا وأَطيعوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلُوا وعليكم ما حُمِّلْتُم".

стр. 1893

قوله: "عليهم ما حُمِّلُوا"، (حُمِّلوا) بتشديد الميم، و (حملوا) بتخفيفها: إذا وُضعَ شيءٌ على أحد؛ يعني: إنما يسألهم الله عما أمرهم به، ويسألكم عما أمركم به، هذا مثل قوله: لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم. * * * ٢٧٦٥ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن خَلعَ يدًا مِن طاعةٍ لقيَ الله يومَ القيامةِ لا حُجَّةَ لهُ، ومَن مَاتَ وليسَ في عُنقِهِ بَيْعةٌ ماتَ مِيتَةً جاهليةً". قوله: "من خَلَعَ يدًا من طاعة". (خَلَعَ)؛ أي: نزعَ؛ يعني: من تركَ طاعة الإمام يكونُ يومَ القيامة مأخوذًا، ولا يكون له عذرٌ؛ لأنه خالفَ أمر الرسول. "وليس في عنقه بيعةٌ"؛ أي: وليس مطيعًا لإمام المسلمين. * * * ٢٧٦٦ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيلَ تَسُوسُهم الأنبياءُ، كُلَّما هلكَ نبيٌ خَلَفَهُ نبيٌّ، وإنَّه لا نبيَّ بعدي، وسيكونُ خلفاءُ فيَكثُرون"، قالوا: فما تَأْمرُنا؟ قال: "فُوا بَيْعَةَ الأولِ فالأولِ، أَعطُوهم حقَّهم، فإنَّ الله تعالى سائِلُهم عَمَّا استرعاهُم". قوله: "تَسُوسُهُم"؛ أي: يحفظهم ويَلِي أمرَهم. "خَلَفَه"؛ أي: قام مَقامه. "فَيكْثُرون"؛ يعني: يقوم في كلِّ ناحيةٍ شخصٌ يطلب الإمامةَ فيكثرون. "فما تأمرُنا"؛ يعني: باقتدائهم بأمرنا.

стр. 1894

قوله: "فُوْا بيعةَ الأَوَّل". (فُوْا)؛ أمرُ الجماعةِ الحاضرين، مِن (وَفَى بالعهد) يعني: اقتدوا مَن عُقِدَتْ له الإمامةُ أولاً، واعزِلُوا مَن كان بعدَه، إلا مَن كان نائبًا عن الإمام الأول، فإنَّ الله سائلُهم عمَّا استرْعاهُم. "استرعى": إذا طلبَ رعايةَ شيءٍ من أحدٍ؛ يعني: إذا جعلَ الله أحدًا حاكمًا على قومٍ فقد استرعاه حِفْظَ نفوسِهم وأموالِهم وجميعِ أمورهِم، فإن ظَلَمُوا عليهم فيسألهم عما ظَلَمُوا؛ يعني: لا تنتقِمُوا منهم، بل اصبرُوا على ظُلْمِهم، فإن الله ينتقمُ منهم لكم. * * * ٢٧٦٧ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا بُويعَ لخليفتَيْنِ، فاقتلوا الآخِرَ منهما". قوله: "إذا بويعَ لخَلِيفَتَيْنِ فاقتلُوا الآخِرَ منهما"؛ يعني: إذا عُقِدَتِ الإمامةُ لشخصين فإمامةُ الأولِ صحيحةٌ وإمامةُ الثاني باطلةٌ؛ لأنه لا يجوزُ أن يكونَ للمسلمين إمامان؛ لأنه لو كان كذلك لتفرَّقَ أمرُ المسلمين ولَوَقَعتِ الفتنةُ بينهم، فلأجلِ أن تتفقَ أمورُ المسلمين لا يجوزُ إلا إمامٌ واحد. * * * ٢٧٦٨ - وقال: "إنَّه سيكونُ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمَن أرادَ أنْ يُفرِّقَ أمرَ هذهِ الأُمةِ وهي جَمِيعٌ، فاضرِبُوهُ بالسَّيفِ كائِنًا مَنْ كانَ". قوله: "سيكونَ هَناتٌ". (الهَنَاتُ): محصِّلاتُ سوءٍ؛ يعني: ستظهر في الأرض أنواعُ الفتنة والفسادِ،

стр. 1895

ويطلبُ الإمارَة في كلِّ ناحيةٍ أحدٌ، فليكنِ الإمام واحدًا، فمن أراد أن يعزِلَ الإمامَ الأولَ ويأخذَ الإمامةَ فاقتلُوه. "كائنًا من كان"؛ يعني سواءٌ كان من أقاربي أو من أولادي أو من غيرهم، بشرطِ أن يكونَ الإمامُ الأول قُرَشيًا أهلاً للإمامة، ولا يجوزُ إمامةُ غير القرشي، ونعني بالإمامةِ في هذا البابِ الخلافةَ، روى هذا الحديثَ والذي بعدَه عَرْفَجةُ بن شُرَيح. * * * ٢٧٦٩ - وقال: "مَنْ أَتاكُم وأَمرُكم جَمِيعٌ على رَجُلٍ واحدٍ، يريدُ أنْ يَشُقَّ عَصَاكُم، ويُفرِّقَ جماعتَكم فاقتُلُوه". قوله: "مَن أتاكم"؛ يعني من قصدَ أن يعزِلَ إمامَكم الذي اتفقُتم على إمامته، وأراد أن يأخذَ الإمامةَ أولاً بقصْدِ عَزْلِ الإمامِ الأول، ولكن يريدُ أن يكونَ إمامًا آخرَ في ناحيةٍ أخرى فاقتلوه. ومعنى: "أن يَشُقَّ عصاكم"؛ أي: يفرِّقَ جمعَكم. و (العصا): الجمعُ والجَمْعِيَّة. * * * ٢٧٧٠ - وقال: "مَنْ بايَعَ إمامًا فأعطاهُ صَفْقَةَ يدِه وثَمَرةَ قلْبهِ، فلْيُطِعْهُ إنْ استطاعَ، فإنْ جاءَ آخرُ يُنازِعُه فاضرِبُوا عُنُقَ الآخرِ". قوله: "فأعطاه صفقَة يدهِ وثمرَة قلبه"، (الصفقة): العَقْدُ، وسُمِّيَ العَقْدُ صفقةً لأن التَّصْفيقَ ضربُ اليدِ باليدِ، وعادةُ المُتَعاقِدَينِ والمُتَبايعَيْنِ أن يأخذَ أحدُهما يدَ الآخر، فلهذا سُمِّيَ العَقْدُ والبيعة صفقةً، يعني: مَن بايعَ إمامًا ووقعَ في قلبه حبُّه.
следующие страницы →