← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

عن الطَّوع والرغبة، وشرار الأئمة الذين ظلموا عليكم بحيث انعقدَتْ بينكم وبينهم عداوةٌ، بحيث تلعنوهم ويلعنونكم، ولم يذكر ها هنا: أنكم لا تُصَلُّونَ عليهم؛ لأن الصلاةَ واجبةٌ على كل مسلم وإن كان ظالمًا، ولا يجوز تَرْكُ الصلاة على ميتٍ مسلم، وإن كان بينه وبين مَنْ يصلي عليه عداوة، إلا إذا صلى عليه واحدًا أو أكثر، فإذا صُلِّيَ عليه سقط الفرض عن الباقين. قولهم: "أفلا نناِبذُهُمْ عندَ ذلك"؛ يعني: أفلا نعِزلُهم عن الإمامة، فقال ﷺ : "لا"؛ لأن عزل الإمام يهيج الفتنة، وتهييج الفتنة، لا يجوز. * * * ٢٧٦٢ - عن أمِّ سلمةَ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يكونُ عليكم أمراءُ تَعرِفُونَ وتُنكِرون، فمَن أَنْكَرَ فقد بَرِئَ، ومَن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكنْ مَن رضيَ وتابعَ"، قالوا: أَفَلا نُقاتلُهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا، لا، ما صلَّوا"، يعني: مَن كَرِهَ بقلبه وأنكرَ بقلبه. قوله: "تَعِرفُون وتُنكرون"؛ يعني: سترون أنهم يفعلون أفعالاً ويقولون أقوالاً تعرفونها من الشرع، ويفعلون أفعالاً ويقولون أقوالاً تُنكرونها؛ أي: تنكرون كَونها من الشرع. "فمن أنكر فقد برئ"؛ أي: فمن أنكر أفعالهم وأقوالهم القبيحة بلسانِهِ "فقد برئ" من الإثم، ومن لم يقدر أن ينكرها بلسانه، وكرهها بقلبه فقد سلم من الإثم أيضًا، ولكن "مَنْ رضيَ وتابَع"؛ يعني: ليس على المُنْكِرِ والكَاره إثمٌ، ولكنَّ الإثم على من رضيَ وتابَعَ أفعالهم وأقوالهم القبيحة. قوله: "مَنْ كَرِهَ بقلبهِ ومَن أَنْكَرَ بقلْبهِ" هذا التفسير غير مستقيم؛ لأن الإنكار يكون باللسان، والكراهية تكون بالقلب، ولو كان كلاهما بالقلب لكانا

стр. 1892

مكررين؛ لأنه لا فرقَ بينهما بالنسبة إلى القلب، وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى، وفي تلك الرواية: "مَنْ أنكَرَ بلسانِهِ فقد بَرِئَ، ومَنْ كَرِهَ بقلبه فقد سَلِمَ". * * * ٢٧٦٣ - عن عبدِ الله ﵁ قال: قالَ لنا رسولُ الله ﷺ : "إنكم سَتَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً وأُمورًا تُنْكِرونها"، قالوا: فما تامُرنا يا رسولَ الله؟ قال: "أَدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حَقَّكم". قوله: "سَتَرَون بعدي أَثَرَةً وأمورًا تُنْكِرونها"، قوله: (أمورًا تنكرونها) هذا بيان قوله: (أَثَرَةً) (الأَثَرُ) بفتح الهمزة والثاء: اسمٌ مِن (اسْتَأْثَرَ): إذا فعل وقال شيئًا من غير إذنِ أحد، أو اختار شيئًا لنفسه. يعني: سترونَ أمراء يفعلون ويقولون أشياءَ لستم عنها راضين، ويُفَضلُون عليكم مَنْ ليس له فضيلة، وأنتم تكرهون تلك الأشياء. قوله: "أَدُّوا إليهم حقَّهم"؛ يعني: أطيعوهم فيما يأمرونكم وأعطوهم ما يطلبون منكم، وإن كان ما يطلبونَ ظُلمًا، ولا تطلبوا حقوقكم منهم كرهًا، فإن لم يعطوكم حقوقكم فلا تحاربوهم، بل اتركوها واسألوا الله الثواب على ما يظلمونكم. * * * ٢٧٦٤ - وسأل سلمةُ بن يزيدٍ الجُعْفيُّ رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله! أرأيتَ إنْ قامَتْ علينا أُمراءُ يَسأَلونَنا حقَّهم ويَمنعونَنا حقَّنا، فما تَأمرُنا؟ قال: "اسمعُوا وأَطيعوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلُوا وعليكم ما حُمِّلْتُم".

стр. 1893

قوله: "عليهم ما حُمِّلُوا"، (حُمِّلوا) بتشديد الميم، و (حملوا) بتخفيفها: إذا وُضعَ شيءٌ على أحد؛ يعني: إنما يسألهم الله عما أمرهم به، ويسألكم عما أمركم به، هذا مثل قوله: لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم. * * * ٢٧٦٥ - عن عبدِ الله بن عُمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن خَلعَ يدًا مِن طاعةٍ لقيَ الله يومَ القيامةِ لا حُجَّةَ لهُ، ومَن مَاتَ وليسَ في عُنقِهِ بَيْعةٌ ماتَ مِيتَةً جاهليةً". قوله: "من خَلَعَ يدًا من طاعة". (خَلَعَ)؛ أي: نزعَ؛ يعني: من تركَ طاعة الإمام يكونُ يومَ القيامة مأخوذًا، ولا يكون له عذرٌ؛ لأنه خالفَ أمر الرسول. "وليس في عنقه بيعةٌ"؛ أي: وليس مطيعًا لإمام المسلمين. * * * ٢٧٦٦ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيلَ تَسُوسُهم الأنبياءُ، كُلَّما هلكَ نبيٌ خَلَفَهُ نبيٌّ، وإنَّه لا نبيَّ بعدي، وسيكونُ خلفاءُ فيَكثُرون"، قالوا: فما تَأْمرُنا؟ قال: "فُوا بَيْعَةَ الأولِ فالأولِ، أَعطُوهم حقَّهم، فإنَّ الله تعالى سائِلُهم عَمَّا استرعاهُم". قوله: "تَسُوسُهُم"؛ أي: يحفظهم ويَلِي أمرَهم. "خَلَفَه"؛ أي: قام مَقامه. "فَيكْثُرون"؛ يعني: يقوم في كلِّ ناحيةٍ شخصٌ يطلب الإمامةَ فيكثرون. "فما تأمرُنا"؛ يعني: باقتدائهم بأمرنا.

стр. 1894

قوله: "فُوْا بيعةَ الأَوَّل". (فُوْا)؛ أمرُ الجماعةِ الحاضرين، مِن (وَفَى بالعهد) يعني: اقتدوا مَن عُقِدَتْ له الإمامةُ أولاً، واعزِلُوا مَن كان بعدَه، إلا مَن كان نائبًا عن الإمام الأول، فإنَّ الله سائلُهم عمَّا استرْعاهُم. "استرعى": إذا طلبَ رعايةَ شيءٍ من أحدٍ؛ يعني: إذا جعلَ الله أحدًا حاكمًا على قومٍ فقد استرعاه حِفْظَ نفوسِهم وأموالِهم وجميعِ أمورهِم، فإن ظَلَمُوا عليهم فيسألهم عما ظَلَمُوا؛ يعني: لا تنتقِمُوا منهم، بل اصبرُوا على ظُلْمِهم، فإن الله ينتقمُ منهم لكم. * * * ٢٧٦٧ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا بُويعَ لخليفتَيْنِ، فاقتلوا الآخِرَ منهما". قوله: "إذا بويعَ لخَلِيفَتَيْنِ فاقتلُوا الآخِرَ منهما"؛ يعني: إذا عُقِدَتِ الإمامةُ لشخصين فإمامةُ الأولِ صحيحةٌ وإمامةُ الثاني باطلةٌ؛ لأنه لا يجوزُ أن يكونَ للمسلمين إمامان؛ لأنه لو كان كذلك لتفرَّقَ أمرُ المسلمين ولَوَقَعتِ الفتنةُ بينهم، فلأجلِ أن تتفقَ أمورُ المسلمين لا يجوزُ إلا إمامٌ واحد. * * * ٢٧٦٨ - وقال: "إنَّه سيكونُ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمَن أرادَ أنْ يُفرِّقَ أمرَ هذهِ الأُمةِ وهي جَمِيعٌ، فاضرِبُوهُ بالسَّيفِ كائِنًا مَنْ كانَ". قوله: "سيكونَ هَناتٌ". (الهَنَاتُ): محصِّلاتُ سوءٍ؛ يعني: ستظهر في الأرض أنواعُ الفتنة والفسادِ،

стр. 1895

ويطلبُ الإمارَة في كلِّ ناحيةٍ أحدٌ، فليكنِ الإمام واحدًا، فمن أراد أن يعزِلَ الإمامَ الأولَ ويأخذَ الإمامةَ فاقتلُوه. "كائنًا من كان"؛ يعني سواءٌ كان من أقاربي أو من أولادي أو من غيرهم، بشرطِ أن يكونَ الإمامُ الأول قُرَشيًا أهلاً للإمامة، ولا يجوزُ إمامةُ غير القرشي، ونعني بالإمامةِ في هذا البابِ الخلافةَ، روى هذا الحديثَ والذي بعدَه عَرْفَجةُ بن شُرَيح. * * * ٢٧٦٩ - وقال: "مَنْ أَتاكُم وأَمرُكم جَمِيعٌ على رَجُلٍ واحدٍ، يريدُ أنْ يَشُقَّ عَصَاكُم، ويُفرِّقَ جماعتَكم فاقتُلُوه". قوله: "مَن أتاكم"؛ يعني من قصدَ أن يعزِلَ إمامَكم الذي اتفقُتم على إمامته، وأراد أن يأخذَ الإمامةَ أولاً بقصْدِ عَزْلِ الإمامِ الأول، ولكن يريدُ أن يكونَ إمامًا آخرَ في ناحيةٍ أخرى فاقتلوه. ومعنى: "أن يَشُقَّ عصاكم"؛ أي: يفرِّقَ جمعَكم. و (العصا): الجمعُ والجَمْعِيَّة. * * * ٢٧٧٠ - وقال: "مَنْ بايَعَ إمامًا فأعطاهُ صَفْقَةَ يدِه وثَمَرةَ قلْبهِ، فلْيُطِعْهُ إنْ استطاعَ، فإنْ جاءَ آخرُ يُنازِعُه فاضرِبُوا عُنُقَ الآخرِ". قوله: "فأعطاه صفقَة يدهِ وثمرَة قلبه"، (الصفقة): العَقْدُ، وسُمِّيَ العَقْدُ صفقةً لأن التَّصْفيقَ ضربُ اليدِ باليدِ، وعادةُ المُتَعاقِدَينِ والمُتَبايعَيْنِ أن يأخذَ أحدُهما يدَ الآخر، فلهذا سُمِّيَ العَقْدُ والبيعة صفقةً، يعني: مَن بايعَ إمامًا ووقعَ في قلبه حبُّه.

стр. 1896

روى هذا الحديث ابن عمر. * * * ٢٧٧١ - وقال: "يا عبدَ الرحمنِ بن سَمُرةَ! لا تَسأل الإمارةَ، فإنَّك إنْ أُعطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلتَ إليها، وإنْ أُعطِيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعِنتَ عليها". قولُه: "إنْ أعطيتَها"؛ يعني: إن طلبتَ الإمارة فأعطيتها. "وُكِلْتَ إليه"؛ أي: لا يُعِينكَ الله فيها؛ لأنك حرصْتَ على العمل والمنصِب، فلا يكونُ عملُك لله، فإذا لم يكن عملُك لله لا يُعينُك الله فيها، وإذا أُكْرِهْتَ على الإمارة يكونُ عملكَ لطاعةِ الإمامِ الذي أَكْرهكَ على العمل، وطاعةُ الإمام طاعةُ الله، ومن يطعِ الله يُعِنْه الله؛ أي: يحفظه من أن يُجْرِيَ على يده ولسانه ما فيه عليه إثمٌ. * * * ٢٧٧٢ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّكم ستحرِصُونَ على الإمارةِ وستكونُ نَدامةً يومَ القِيامَةِ، فَنِعمَتِ المُرضعَةُ، وبئْستِ الفاطِمَةُ". قوله: "وستكونُ نَدامةً يومَ القيامة"، وإنما تكونُ الإمارةُ ندامةً لأنه قلَّ ما يَقْدِرُ الرجلُ على العَدْل، بل يغلِبُ عليه حبُّ المالِ والجاهِ ومراعاةُ جانبِ الأحباء، فلا يعدِلُ لهذه الأشياء. قوله: "فنعمَ المُرْضعَةُ، وبئستِ الفَاطِمةُ"، لفظة (نعم وبئس) إذا كان فاعلهما مؤنثًا جاز إلحاقُ تاء التأنيث، فنقول: نعمت وبئست، وجاز تركُ إلحاقها فنقول: نعم وبئس، فلم يلحقها هنا في (نعم)، وألحقها في (بئست)، يعني: مثالُ العملِ ومَنْ يعطيكَ العمل: مثال امرأة تُرْضعُك، ومثال مفارقتِك العملَ بأن تُعزَلَ أو تموتَ مثالُ المرأةِ التي تقطعُ عنك الرضَاع؛ يعني: تفرحُ

стр. 1897

بالعمل، ولكن ستغتمُّ بما يلحَقُكَ من العذاب على العمل يومَ القيامة. * * * ٢٧٧٣ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله! ألا تَستعمِلُني، قال: فضربَ بيدِه على مَنْكِبيْ ثم قال: يا أبا ذر، إنَّك ضعيفٌ، وانَّها أَمانةٌ، وإنَّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ ونَدامةٌ، إلا مَنْ أخذَها بحقِّها وأَدَّى الذي عليهِ فيها". قوله: "ألا تَسْتَعْمِلُني"، الهمزة للاستفهام؛ أي: ألا تجعلني حاكمًا على قومٍ. * * * ٢٧٧٣/ م - وقال: يا أبا ذرٍّ! إنّي أَرَاكَ ضعيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنينِ ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيمٍ". قوله: "أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لنفسي"؛ أي: أحبُّ لك الخيرَ كما أحبُّ لنفسي الخيرَ، وخيرُكَ في أنْ لا تَأَمَّرَ على اثنين؛ أي: ألَاّ تصيرَ حاكمًا على اثنين أو أكثر، فإن العَدْلَ في الحكمِ شَدِيدٌ. * * * ٢٧٧٤ - عن أبي موسى ﵁ قال: دخلتُ على النبيِّ ﷺ أنا ورَجُلانِ مِن بني عمِّي فقالا: أمِّرْنا على بعضِ ما وَلَاّكَ الله، فقال: "إنّا والله لا نُوَلِّي على هذا العملِ أحدًا سألَهُ، ولا أحدًا حَرَصَ عليهِ". قوله: "أَمِّرْنا"، بتشديد الميم؛ أي: اجعلنا أميرين. "ما ولَاّكَ الله"؛ أي: ما جعلكَ الله حاكمًا فيه من الأمور. * * *

стр. 1898

٢٧٧٤/ م - وقال: "لا نستعملُ على عَملِنا مَنْ أرادَهُ". قوله: "لا نَسْتَعْمِلُ على عَمِلنِا مَنْ أَرادَه". (لا نستعمل)؛ أي: لا نجعلُ عاملاً مَنْ طلبَ العملَ وحَرِصَ عليه؛ لأن حِرْصَه على العمل دليلٌ على أنه حريصٌ على حبه للمنصب وجمعِ المال، ومَن كان كذلك قلَّما عَدَلَ في الحكم. روى هذا الحديثَ أبو موسى. * * * ٢٧٧٥ - وقال: "تَجِدونَ مِن خيرِ النَّاسِ أشدَّهُم كَراهِيةً لهذا الأمرِ حتى يقعَ فيه". قوله: "لهذا الأمر"؛ أي: للإمارة؛ يعني: مَنْ يفرُّ عن الإمارة فيَكْرِهُه الإمامُ على عملٍ خيرٌ ممن يطلبُ الإمارةَ والعمل. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٧٧٦ - وقال: "ألا كلُّكُم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رَعِيَّتِه، فالإمامُ الذي على النَّاسِ راعٍ، وهوَ مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ زوجها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرَّجُلِ راعٍ على مالِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ، أَلا فَكُلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعِيَّتِهِ". قوله: "ألا كُلُّكم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيته". (الراعي): الحافظ، و (الرعية): المحفوظ، والمراد بالراعي هنا: مَن

стр. 1899

جُعِلَ حاكمًا على أحدٍ أو قومٍ أو في شيءٍ؛ يعني: يسألُ الله يومَ القيامة عن كلِّ حاكمٍ وعن كلِّ أميرٍ: هلْ حَفِظَ العَدْلَ والأمانةَ أم لا، روى هذا الحديثَ عمرُ بن الخطاب ﵁. * * * ٢٧٧٧ - وقال: "ما مِن والٍ يلي رعيةً مِن المسلمينَ، فيموتُ وهو غاشٌّ لهم إلا حرَّمَ الله عليهِ الجنةَ". قوله: "وهو غاشٌّ"؛ أي خائنٌ، لا يعطي حقوقَهم، ويأخذ منهم ما لم يجبْ عليهم. روى هذا الحديث مَعْقِل بن يسار (١). * * * ٢٧٧٨ - وقال: "ما مِن عبدٍ يَسْتَرعيهِ الله رَعِيَّةً، فلم يَحُطْها بنصيحةٍ إلاّ لم يَجِدْ رائحةَ الجنَّةِ". قوله: "يَستَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً"؛ أي: يطلُبُ منه أن يكونَ راعيَ جماعة؛ أي: أميرَ جماعة. "فلم يَحُطْها"؛ أي: فلم يحفظْها، مِن (حاطَ يحوطُ): إذا حفظَ بنصيحة؛ أي: بخير. روى هذا الحديث مَعْقِلُ بن يَسَار. * * *

стр. 1900

٢٧٧٩ - وقال: "إنَّ شرَّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ". قوله: "إن شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمة"، (الحُطَمَة) هنا معناها: قليلُ الرَّحمة، يعني: شرُّ الملوك من قلَّتْ رحمتُه وشفقتُه على الرعية. روى هذا الحديثَ عائذُ بن عمرو. * * * ٢٧٨٠ - وقال: "اللهم مَن وَلِيَ مِن أَمْرِ أُمَّتي شَيئًا فشَقَّ عليهم فاشْقُقْ عليهِ، ومَن وَلِيَ مِن أمرِ أُمَّتي شَيئًا فَرَفَقَ بهم فارْفُقْ بهِ". قوله: "فشقَّ عليهم"؛ أي: عَسَّرَ عليهم أمورَهم، وأوصلَ المشقَّة إليهم. "فَرفِقَ بهم"؛ أي: فرَحِمَ عليهم ويسَّرَ عليهم أمورَهم. روت هذا الحديثَ عائشةُ. * * * ٢٧٨١ - وقال: "إنَّ المُقسِطينَ عندَ الله على منابرَ مِن نورٍ عن يمينِ الرَّحمنِ، وكِلتا يديهِ يمينٌ، الذينَ يَعدِلُون في حُكْمِهِم وأهليهم وما وَلُوا". قوله: "إن المُقْسِطين"؛ أي: إن العادِلين عند الله؛ أي: لهم قُربةٌ من الله من حيث الثوابُ والدرجةُ، لا من حيثُ المكان، فإن الله منزَّهٌ عن المكان. "عن يمين الرحمن". قال الخطابي: ليس اليمينُ هنا اليمين التي هي ضدُّ الشِّمَال، فإن الشِّمالَ ضعيفٌ بالنسبة إلى اليمين، فلو كان للهِ يمينٌ وشِمالٌ لكانَ أضيفتْ إليه قوةٌ وضعفٌ، والله تعالى منزَّهٌ عن الضَّعْف، بل لله القدرةُ الكاملةُ من غير نقصٍ، بل ما جاءَ من ذِكْرِ اليمين واليدِ والإصبَعِ وغيرِها في صفات الله، لا نؤوله بل نؤمن

стр. 1901

به ونقول هو صفة من صفات الله تعالى ولا نعلم كيفيتَها. قوله: "وما وَلُوا"، أصلُه (وَلِيُوا) على وزن (عَلِمُوا)، نُقِلَتْ ضمةُ الياء إلى اللام، وحُذِفَت الياء لسكونها وسكونِ الواو، والمراد بقوله: (وما وَلُوا)؛ أي: يعدِلُون فيما تحتَ أيديهم من أموال اليَتَامى، مثل الجد فإنه وليُّ الطفل، والوصيُّ فإنه حاكمٌ في التصرُّفِ في مال الطفل اليتيم، والقاضي فإنه حاكمٌ في التصرُّفِ في أموال اليتامى. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمرو. * * * ٢٧٨٢ - وقال: "ما بَعَثَ الله مِن نبيٍّ ولا استخلَفَ مِن خَليفةٍ إلا كانَتْ لهُ بِطانتَان: بِطانَةٌ تَأمُرُهُ بالمعروفِ وتَحُضُّهُ عليهِ، وبطانةٌ تأمرُهُ بالشرِّ وتَحضُّهُ عليهِ، والمعصومُ مَن عَصَمَهُ الله". قوله: "بِطَانة"، (البطَانَةُ): الخَلِيلُ. "تَحُضُّه"؛ أي: تُحَرِّضُه؛ يعني: لكلِّ أحدٍ جليسٌ وخليلٌ يأمرُه بالخير، وجليسٌ وخليلٌ يأمرُه بالشر، والمعصومُ من عصمَه الله؛ يعني: لا يقدِرُ الرجلُ على طاعة الذي يأمرُه بالخير واجتنابِ قولِ الذي يأمرُه بالشر إلا بتوفيق الله تعالى. روى هذا الحديثَ أبو سعيد وأبو هريرة. * * * ٢٧٨٣ - وقال أنس ﵁: كانَ قيسُ بن سعدٍ ﵁ مِن النبيِّ ﷺ بمنزلةِ صاحِبِ الشُّرَطَةِ مِن الأميرِ.

стр. 1902

قوله: "بمنزلة صاحبِ الشُّرَط". (الشُّرَطُ): بضم الشين: جمعُ شُرْطَة، وهو الذي يقال له بالفارسي سرهنك؛ يعني: نَصَّبَ رسولُ الله ﷺ قيسَ بن سعدٍ ليحبسَ مَن يستحقُّ الحَبْسَ، ويأخذَ مَن يستحقُّ الأَخْذَ، ويضربَ من يستحقُّ الضَّرْب، أو يأمرَ بهذه الأشياءِ جماعةً. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٧٨٥ - قال رسولُ الله ﷺ : "آمُرُكم بخمسٍ: بالجَماعةِ، والسَّمعِ، والطَّاعةِ، والهِجرةِ، والجِهادِ في سَبيلِ الله، فإنَّهُ مَن خرجَ مِن الجَماعةِ قِيْدَ شِبْرٍ، فقد خَلعَ رِبْقةَ الإسلامِ مِن عُنُقِهِ، إلا أنْ يُراجِعَ، ومَن دَعا بدعْوَى الجاهِليةِ فهوَ مِن جُثَاء جهنَّمَ، وإنْ صامَ وصلَّى وزَعمَ أنَّه مسلمٌ". قوله: "بالجماعة"؛ أي: باتِّباع إجماعِ المسلمين في الاعتقادِ والقولِ والفِعْل. قوله: "والسَّمْع"؛ أي: بسماع كلمةِ الحقَّ من الأمير أو المُفْتِي أو غيرهما. قوله: "والطاعة"؛ أي: بطاعة الأمير. قوله: "والهجرة"؛ أي: بالهجرة من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، وبالهجرة من الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى التوبة. "قِيْدَ شِبْرٍ"؛ أي: قَدْرَ شِبْر. "فقد خَلَعَ"؛ أي: نَزَعَ.

стр. 1903

"رِبْقَةُ الإسْلام"، (الرِّبْقَةُ): الحبلُ؛ أي: عَقْد الإسلام؛ يعني: مَن خرجَ من موافقة إجماع المسلمين فقد خرجَ من دائرة أهل السُّنَّةِ إلى دائرة أهل البدْعة. "ومن دعا بدعوى الجاهلية"؛ أي: ومن قال أو فعل أو أمر بشيء لم يَجُزْ في الإسلام. "فهو من جُثَا جهنم"، (الجُثَا): جمع جُثوَة بضم الجيم، وهي الجماعة. روى هذا الحديثَ الحارثُ الأشعري. * * * ٢٧٨٦ - وقال: "مَن أهانَ سُلطانَ الله في الأرضِ أَهَانَهُ الله"، غريب. قوله: "مَنْ أهانَ سلطانَ الله"؛ أي: من أذلَّ حاكمًا من الحُكَّام بأن آذاه أو عصاه أذلَّه اللهُ. روى هذا الحديثَ أبو بكرة. * * * ٢٧٨٧ - وقال: "لا طَاعةَ لمخلُوقٍ في معصيةِ الخَالقِ". قوله: "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق"؛ يعني لا يجوزُ لأحدٍ أن يطيعَ أحدًا فيما فيه معصية. روى هذا الحديثَ نَوَّاس بن سَمْعَان. * * * ٢٧٨٨ - وقال: "ما مِن أميرِ عَشَرَةٍ إلا يُؤتَى بهِ يومَ القيامةِ مَغْلولاً، حتى يَفُكَّ عنه العَدلُ، أو يُوبقَهُ الجَوْرُ".

стр. 1904

قوله: "مغلولاً"؛ أي: مشدودًا يداه على عنقه. "حتى يَفُكَّ"؛ أي: يَحُلَّ ويزيلَ عنه القيدَ. "أو يوبقَه"؛ أي: أو يهلكه؛ يعني: يؤتَى يومَ القيامة بكلِّ حاكمٍ أسيرًا متحيرًا في أمره حتى يحاسَبَ له، فإنْ كان قد عدلَ في الحكم خلَّصَه العدلُ، وإن كان قد ظلمَ أُدخِلَ النارَ بظلمه. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٧٨٩ - وقال: "وَيْلٌ للأُمراءِ، ويلٌ للعُرفاءِ، ويلٌ للأُمناءِ، لَيَتَمنَّينَّ أقوامٌ يومَ القيامةِ أنَّ نوَاصِيَهم مُعلَّقةٌ بالثُريَّا، يَتَجَلْجَلُونَ بينَ السَّماءِ والأرضِ وأنَّهم لم يَلُوا عَملاً". قوله: "ويل للعُرَفاء"، (العرفاء)؛ جمعُ العريف، وهو من يعرِفُ قومَه عند الأمير، ويجعلُ الأميرُ حكمَ قومه إليه، وهو سيدُ القوم. "الأُمَنَاء"؛ جمعُ الأمين، وهو الذي نُصِّبَ قَيمًا على اليتامى لحفظهم وحِفْظِ أموالهم، وكذلك من جُعِلَ أمينًا على خزانة مال، أو تَصرَّفَ في مال. "يتجَلْجَلُون"؛ أي: يتحرَّكون. "لم يَلُوا": أصلهُ: (لم يَوْلِيُوا) فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ونُقلَتْ ضمةُ الياء إلى اللام، وحذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع؛ ومعناه: لم يصيروا حاكمين؛ يعني: لمَّا رأى الأمراء والعرفاء والأمناء الذين ظلَمُوا وخانوا في عملهم عذابَ الله يومَ القيامة ندِمُوا على ما عملوا، ويقولون: يا ليتنا كنا في الدنيا معلّقين بين السماء والأرض، معذَّبين، ولم نعملْ ما عَمِلْنا حتى لم نكُنْ معذَّبين في هذا اليوم.

стр. 1905

روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٧٩٠ - وقال: "إنَّ العِرافَةَ حقٌّ، ولا بُدَّ للنَّاسِ مِن عُرَفاءَ، ولكنَّ العُرفاءَ في النَّارِ". قوله: "إن العِرَافَةَ حَقٌّ"، (العرافة)؛ مصدر، معناها: صار الرجل عريفًا لقوم إذا أقام بمصالحهم ورئاستهم، يعني: سيادةُ القومِ جائزةٌ، وهي من الأمور الجائزة في الشرع؛ لأنها تتعلَّق بمصالح الناسِ وقضاءِ أشغالهم. "ولكنَّ العُرَفَاءَ في النار"؛ أي: العُرَفَاءُ الذين لم يعدِلُوا في الحكم، وهذا تحذيرٌ عن الرئاسة والسيادة؛ لأن فيها خطرًا؛ لأن الرجلَ يصيرُ بها مغرورًا متكبرًا، وبها يأخذُ الرشوةَ ويظلِمُ الناسَ. قال الخَطَّابي: روى هذا الحديثَ غالبٌ القَطَّانُ عن رجلٍ عن أبيه عن جده * * * ٢٧٩٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن سَكن الباديةَ جَفا، ومن اتَّبَع الصَّيدَ غَفَلَ، ومَن أَتَى السُّلطانَ افتُتِنَ". ويروى: "من لزِمَ السُّلطانَ افتُتِنَ، وما ازدادَ عبدٌ مِن السُّلطانِ دُنُوًّا إلا ازدادَ مِن الله بُعْدًا". قوله: "من سكنَ الباديَة جفا"؛ يعني من اتخذَ البادية وطنًا ظلمَ على نفسه، إذ لم يحضُرْ صلاة الجمعة، ولا الجماعة، ولا مجلسَ العلماء، ولم يتعلَّم العِلْم. "ومن اتَّبَعَ الصَّيدَ غَفَلَ"؛ يعني: من اعتاد الاصطيادَ للهو والطَّرَب يكون

стр. 1906

غافلاً؛ لأن اللهوَ والطَّرَبَ يكونُ من القَلْب المَيت، وأما من يصطادُ لا للهو والطَّرَب، بل للاضطرار أو ليبيعَ ما يصطادُ ويجعلَه قوتَه، جاز؛ لأن سلمةَ بن الأَكْوَع ﵁ وغيرَه من الصحابة كانوا يصطادون بإذن النبي ﷺ . "ومن أتى السُّلْطانَ اْفتُتِنَ"؛ يعني: من دخلَ على السلطان وصدَّقَه على ظُلْمِه، أو داهَنه على ظُلْمِه، أو يرى الظُّلْمَ منه ولم ينصحْه، وقعَ في الفتنة، فإنه رضيَ بالظلم، وأما من دخلَ على السلطان وأَمَره بالمعروف ونهاه عن المُنكَر فكان دخولُه عليه أفضلَ الجهاد. * * * ٢٧٩٤ - عن عُقْبةَ بن عامرٍ قال: قالَ النبيُّ ﷺ : "لا يدخُلُ الجنَّةَ صاحِبُ مَكْسٍ"، يعني الذي يَعْشُرُ النَّاسَ. قوله: "يَعْشُرُ الناسَ"؛ أي: يأخذُ عُشْرَ أموالِ المسلمين، وأما أَخْذُ عُشْرِ أموال الكفار إذا دخلوا دار الإسلام فجائزٌ. ٢٧٩٥ - وقال: "إنَّ أحبَّ النَّاسِ إلى الله يومَ القِيامةِ، وأَقربَهم منهُ مجلِسًا إمامٌ عادِلٌ، وإنَّ أبغضَ النَّاسِ إلى الله يومَ القيامةِ وأشدَّهم عذابًا - ويروى: وأَبعدَهم منهُ مجْلِسًا - إمَامٌ جائرٌ"، غريب. "وأقربُهم منه مجلسًا"؛ يريدُ بهذا القرب الثوابَ والدرجةَ لا قُرْبَ المكانِ، فإنَّ الله تعالى منزَّهٌ عن المكان. روى هذا الحديث أبو سعيد. * * * ٢٧٩٦ - وقال: "أفضلُ الجِهادِ مَن قالَ كلمةَ حَقٍ عندَ سُلطانٍ جائرٍ".

стр. 1907

قوله: "أفضلُ الجهادِ مَنْ قالَ كلمةَ حقٍّ عند سلطانٍ جائِرٍ"، تقديرُ هذا الكلام: أفضلُ الجهادِ تكلُّمُ مَنْ قالَ كلمةَ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ؛ يعني: من أمرَ سلطانًا بمعروف أو نهاه عن منكَرٍ فهو أفضلُ المجاهدين؛ لأن الجهادَ هو قَتْلُ كافرٍ، وقتلُ كافرٍ نفعُه أقلُّ من نهيِ سلطانٍ عن ظلم؛ لأن ظُلْمَ السلطان يتعلَّقُ بجميع الرعية، والرعيةُ في مُلْكِه ربما تكون كثيرةً، فإذا دفعَ سلطانًا عن ظلمٍ فقد أوصلَ النفعَ إلى خَلْقٍ كثير. روى هذا الحديثَ أبو أُمامة. * * * ٢٧٩٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا أرادَ الله بالأميرِ خيرًا جَعلَ لهُ وزيرَ صدقٍ، إنْ نَسيَ ذَكَّرَهُ وإنْ ذَكرَ أعانَهُ، وَإذا أرَادَ بهِ غيرَ ذلكَ جَعلَ لهُ وزيرَ سُوءٍ، إنْ نَسيَ لم يُذَكِّرْهُ، وإنْ ذكرَ لم يُعِنْهُ". قوله: "وزير صِدْقٍ"؛ أي: وزيرًا صادقًا مصلحًا. "إن نَسِيَ"؛ أي: نسيَ السلطانُ ما هو الحقُّ علَّمَه الوزيرُ، وإن كان السلطانُ عالمًا بما هو الحقُّ أعانه الوزير بأن يحرِّضَه على إتمام الحقِّ، ويعلَّمَه ثوابَه، ولا يتركه أن يَتَّكِلَ ويغترَّ فيه. * * * ٢٧٩٨ - عن أبي أُمامةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الأميرَ إذا ابتغَى الرِّيبَةَ في النَّاسِ أَفْسَدَهم". قوله: "إنَّ الأميرَ إذا ابتغى الرِّيبةَ في الناس أَفْسَدَهم". (ابتغى)؛ أي: طَلَبَ الريبةَ؛ أي: اتَّهمَه يعني: لو طلبَ الأميرُ عيوبَ

стр. 1908

الناس، وتجَسَّسَ أحوالهم لأهلكهم، فإن الإنسانَ قلَّما سلمَ من صغيرةٍ أو زلَّةٍ، فلو آذاهم بكلِّ ما يقولون ويفعلون لاشتدَّت عليهما الأحوالُ، بل ينبغي أن يسْتُرَ عليهم عيوبَهم ويعفوَ عنهم ذنوبَهم ما استطاع. * * * ٢٧٩٩ - وعن مُعاويةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّك إذا اتَّبَعْتَ عَوراتِ النَّاسِ أَفسدْتَهم". قوله: "إنك إذا اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ الناسِ أَفْسدتَهم". (العورات)؛ جمعُ عَوْرة، وهي القبيحُ من القول أو الفعل، معنى هذا الحديث كمعنى الحديث المتقدِّم. * * * ٢٨٠٠ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ أنتم وأَئمةً مِن بَعدي يَسْتأثِرونَ بهذا الفَيْءِ؟ "، قلتُ: أَما والذي بعَثَكَ بالحقِّ أَضَعُ سَيْفِي على عاتِقي ثم أَضْرِبُ بهِ حتى أَلقاكَ، قال: "أَوَلا أَدُلُّكَ على خيرٍ من ذلكَ؟ تَصْبرُ حتى تَلْقاني". قوله: "يستَأْثِرون بهذا الفيء"؛ يأخذُون مالَ بيتِ المال وما حصَلَ من الغنيمة، ويستخلصونه لأنفسهم، ولا يُعْطُونه مستحقِّيه. "أَضَعُ سيفي على عاتِقي"؛ أي: أحارِبُهم حتى يقتلوني. "تَصْبرُ حتى تَلْقَاني"؛ يعني لا تحاربْهم، بل اصْبرْ على ظُلْمِهم حتى تموت. * * *

стр. 1909

٢ - باب ما على الوُلاةِ من التَّيسيرِ (باب ما على الولاة من التيسير) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٠١ - عن أبي موسى ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا بعثَ أحدًا مِن أصحابهِ في بعضِ أمرهِ قال: "بَشِّروا ولا تُنَفِّروا ويَسِّروا ولا تُعَسِّرُوا". قوله: "بَشِّرُوا ولا تُنَفِّروا"؛ يعني بَشِّروا الناسَ بالأجر على الطاعات وعلى إعطائهم الزكاةَ والصدقةَ وغيرَهما من الخيرات، ولا تُخَوِّفوهم بأن تَجْعلُوهم قانِطين آيسين من رحمة الله بأن فَعَلُوا ذنوبًا. "ويسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا"؛ يعني سَهِّلُوا عليهم أُمُورَهم بأن تَأْخُذُوا منهم الزكاةَ على سهولةٍ وتَلَطُّفٍ، ولا تَظلِمُوهم بأن تَأْخُذُوا أكثرَ مما يجبُ عليهم، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، كما ذُكِرَ شرحُه في الحديث المتقدِّم على هذا الباب. * * * ٢٨٠٣ - وعن أبي بُردَةَ ﵁ قال: بَعثَ النبيُّ ﷺ جدَّهُ أبا موسى ومُعاذًا إلى اليَمَنِ فقالَ: "يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا". قوله: "وتطاوَعا ولا تَخْتَلِفا"؛ يعني كونا مُتَّفِقين في الحكم ولا تختلفا، فإنكما لو اختلفتما وحَكَمَ كلَّ واحدٍ منكما حُكْمًا آخر لاختلفَ الناسُ، واقتدى كلُّ جَمْعٍ منهم بأحدكما، وحينئذ يقعُ بينكما وبين أتباعكما العداوةُ والمحارَبَةُ. * * *

стр. 1910

٢٨٠٥ - وقال: "لِكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يومَ القيامَةِ يُعرَفُ به". قوله: "لكلَّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ يُعْرَفُ به"؛ يعني: يُنْصَبُ عَلَمٌ يومَ القيامة لكلِّ غادرٍ وينادَى: أنَّ هذا غَدْرَةُ فلانٍ ليفتضحَ ذلك الغادِرُ بين أهل العَرَصَات. و (الغادِرُ): الذي لا يَفِي بالوَعْدِ والعَهْد، ويدخُلُ فيه مَنْ لم يَفِ بما نَذَرَ وبما حَلَفَ عليه، ومن لم يفِ بشرطٍ شَرَطَه. روى هذا الحديث أنس وابن عمر. ٢٨٠٦ - وقال: "لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ عندَ استِهِ يومَ القيامةِ، أَلا ولا غادِرَ أَعْظمُ غَدْرًا مِن أميرِ عَامَّةٍ". قوله: "عند اسْتِه"؛ أي: خَلْفَ ظَهْرهِ. و (الاستُ): الدُّبُر، وإنما يُنصَبُ علمُ الغَدْر خلفَ ظهرِ الغادرِ للفضيحةِ والمذلَّةِ؛ لأن عَلَمَ العِزَّةِ ينصَبُ تِلقاءَ وجهِ الرجلِ، وعَلَم الفضيحةِ والمذَلَّةِ يُنصَبُ خلفَ الظَهر. روى هذا الحديثَ أبو سعيد. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٠٧ - عن عَمرِو بن مُرَّةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن وَلَاّهُ الله شيئًا مِن أمرِ المُسلمينَ، فاحتَجَبَ دونَ حاجَتِهم وخَلَّتِهم وفقرِهم، احتجَبَ الله دونَ حاجَتِهِ وخَلَّتِهِ وفقرِهِ". وفي رواية: "أَغلَقَ الله أبوابَ السَّماءِ دونَ خَلَّتِهِ وحاجَتِهِ ومَسْكَنَتِهِ".

стр. 1911

قوله: "فاحتجبَ دونَ حاجَتِهم وخَلَّتِهم وفَقْرِهم". الخَلَّةُ والفَقْرُ متماثلان، إلا أن الخَلَّةَ أشدُّ؛ يعني: كلُّ أميرٍ أغلقَ البابَ على وجهه، أو أقام على بابه حاجبًا وشُرَطًا ليمنعوا المسلمين عن الدخول عليه، ولم يقضِ حوائجَ المسلمين = فعلَ الله به يومَ القيامة مثلَ ما فعلَ بالمسلمين. * * * ٣ - باب العَملِ في القضاءِ والخَوفِ منهُ (باب العمل) مِنَ الصَّحَاحِ: ٢٨٠٨ - عن أبي بَكْرَةَ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَقْضيَنَّ حَكَمٌ بيْنَ اثنينِ وهو غَضبانُ". قوله: "لا يقضيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان"؛ يعني: لا ينبغي للحاكم أن يحكمَ في حال الغضب؛ لأنه لا يقدِرُ على الاجتهاد والفِكْرِ في مسألة الخَصْمين من غاية غضبه، وكذلك الحَرُّ الشديد، والبَرْدُ الشديد، والجوعِ والعطش والمرض، وكل حالةٍ تمنعُه عن الاجتهاد، فإنْ حكمَ في هذه الأحوال نُفِّذَ حُكْمُه مع الكَراهِية. * * * ٢٨٠٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا حَكَمَ الحاكمُ فاجْتَهَدَ فأصابَ فلهُ أجرانِ، وإذا حكمَ فاجتَهَدَ فأَخطأَ فلهُ أَجْرٌ واحدٌ". قوله: "إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهدَ فأصابَ فله أجران، وإذا حكمَ واجتهدَ وأخطأ فله أجر واحد"؛ يعني: إذا وقع اجتهادُه موافقًا لحكم الله فله أجران: أجرُ

стр. 1912

السَّعْيِ في طلب الصواب وطلبِ الدليل، وأجرُ وجدانِ الصوابِ وعَمَلِ من يعمَلُ بذلك من المستفتين، أو إيصال الحق إلى صاحبه من الخَصْمَين، وأما إذا أخطأ فله أجرُ سَعْيه في طلب الدلائل والبراهين، ولكنْ ليس له أجرُ التكلُّم والإفتاء بالصواب، وإيصال الحقَّ إلى المستحِقَّ وعَمَلِ من يَعْمَلُ بقوله، أمَّا ليسَ عليه مع أخطائه إثمٌ؛ لأنه لم يتكلَّمْ بباطلٍ عن القَصْد، وقد قال النبي ﷺ : "رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استُكْرِهُوا عليه". روى هذا الحديثَ - أعني: (إذا حكم الحاكم) - عمرو بن العاص. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨١٠ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَن جُعِلَ قاضيًا بينَ النَّاسِ فقد ذُبحَ بغيرِ سِكِّينٍ". قوله: "من جُعِلَ قاضيًا بين الناس فقد ذُبحَ بغيرِ سِكِّين"؛ يعني: الذبحُ بالسكين أيسرُ من الذبح بالحَجر أو الخَشَب وغيرهما، يعني: من جُعِلَ قاضيًا فكأنه ذُبحَ ذبحًا شديدًا، أو ذُبحَ بحيث لا يَرى ذبحَه أحدٌ، يعني: فقد ذُبحَ القاضي وهو لا يَعْلَم، وإنما قال النبي ﷺ هذا الحديث؛ لأن ضررَ القضاء كثير؛ لأنه قلما عدَلَ القاضي بين الخصمين؛ لأن النفسَ مائلةٌ إلى ميلِ مَنْ تحبُّه أو تخدِمُه، أو من له منصِبٌ يتوقَّعُ جاهه، أو يخاف سلطنَته، وربما وَسْوسَتْه نفسُه على تجويز قَبول الرِّشْوَة، فمن كانت هذه صفاتُه، فالموتُ خير له من القضاء؛ لأن الموتَ يدفعُه عن المعاصي، والقضاءُ الموصوفُ بهذه الصفاتِ يوقِعُه في المعاصي، هذا التهديد في حقِّ قاضٍ لم يَعْدِل في الحكم. أما القاضي العادلُ في الحُكْم، فله ثوابٌ كثير؛ لأنه تابعَ النبيَّ ﷺ في

стр. 1913

القضاء، فإنه ﷺ كان قاضيًا يَقْتضي بين الناس بالعَدْل، ومَن عدلَ كان وارثًا له ﷺ ، وجميع ما ذُكِرَ من فَضْلِ العِلْمِ في (باب العلم) متوجِّهٌ في حقه. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨١١ - وقال: "مَن ابتغَى القضاءَ وسألَهُ وُكِلَ إلى نَفْسِه، ومَن أُكْرِهَ عليهِ أَنزَلَ الله عليهِ ملَكًا يُسدِّدُه". قوله: "من ابتغى القضاء ... " إلى آخره. أي: من طلبَ القضاء لميلِ نفسِه إلى المَنْصِب والحُكْمِ وجَمْعِ المال لم يُعِنْه الله؛ لأنه اتَّبعَ مرادَ نفسِه وقَلْبه، ومن لم يطلب القضاءَ، فأكرهه السلطانُ على القضاء أعانَه الله، وألهمَه الصوابَ، وسدَّد لسانَه؛ أي: سوَّى لسانَه وقلبَه بالحقِّ، وأصلحَه؛ لأنه قَبلَ القضاءَ لطاعة السلطان، وطاعةُ السلطان طاعةُ الله. روى هذا الحديث أنس. * * * ٢٨١٢ - وقال: "القضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنَّةِ، واثنانِ في النَّارِ، فأمَّا الذي في الجنَّةِ: فرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فقَضَى بهِ، ورَجُلٌ عرفَ الحقَّ فَجارَ في الحُكْمِ فهوَ في النَّارِ، ورَجُلٌ قضَى للنَاسِ على جهلٍ فهوَ في النَّارِ". قوله: "قضى للناس على جَهْلٍ"؛ يعني: الذي ليس له علمٌ فقضى، فهو آثم في القضاء سواءٌ اتفقَ قضاؤُه صوابًا أو خطأً؛ لأن من ليس له علمٌ لا يجوزُ أن يقبلَ القضاء، ولا يصحُّ قضاؤه ولا فتواه. روى هذا الحديثَ بُرَيدَةُ. * * *

стр. 1914

٢٨١٣ - وقال: "مَن طلَبَ قضاءَ المسلمينَ حتى ينالَهُ، ثم غلبَ عدلُه جَوْرَهُ فلهُ الجنَّةُ، ومَن غلبَ جَوْرُهُ عدلَهُ فلهُ النَّارُ". قوله: "حتى ينالَه"؛ أي: حتى يجدَه. قوله: "غلبَ عدلُه جَوْرَه"؛ يقال: (غَلَبَ) باعتبارين: أحدهما: بمعنى: قَوِيَ، والثاني: بمعنى: صار أكثرَ مِن غيرِه في العَدَد. ومعنى (غَلَبَ) هنا: قوي؛ أي: مَنْ قويَ عَدْلُه بحيثُ لا يدَعُ عدلَه أن يصْدُرَ منه جورٌ، وهو الظُّلْم. وقوله: "غَلَبَ جورُه عَدْلَه"؛ معناه: قَوِيَ جَوْرُه بحيث لم يقدِرْ عدلُه أن يمنَعه عن الجَوْر، بل صدَرَ منه الجَوْرُ والعَدْل، فمن صدَرَ منه جورٌ عن عمد، ولم يستحلَّ صاحبُه استحقَّ النارَ، ثم إن شاء الله عفا عنه بأن يرضيَ خصمَه، وإن شاء عاقَبه بقدْرِ ظلمه. والجَوْرُ لا يُعْفَى عنه، لا عن قليله، ولا عن كثيره؛ لأنه حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين تتعلَّق بالاقتصاص، ولا يعفو الله عنه إلا بإرضاء الخصوم. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨١٤ - عن معاذِ بن جَبلٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا بعثَهُ إلى اليمنِ قال: "كيفَ تقضي إذا عَرضَ لكَ قضاءٌ؟ "، قال: أقضي بكتابِ الله، قال: "فإنْ لم تَجِدْ في كتابِ الله؟ "، قال: فبسُنَّةِ رسولِ الله، قال: "فإنْ لم تَجِدْ في سُنَّةِ رسولِ الله؟ "، قال: "أَجتهِدُ رأيي ولا آلو، قال: فضربَ رسولُ الله ﷺ على صدرِهِ وقال: "الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لِما يُرضي رسولَ الله". قوله: "أَجْتَهِدُ رأيي"؛ أي: أطلُبُ تلك الواقعةَ بالقياس على المسائل التي

стр. 1915

جاء فيها نَصٌّ، فإذا وجدتُ مشابَهةً بين تلك الواقعة، وبين المسألة التي جاء فيها نصٌّ أَحْكُمُ في تلك الواقعة مِثْلَ حُكْمِ المسألة التي جاء فيها نَصٌّ؛ لمَا بينهما من المشابهة، مثاله: جاءَ النصُّ بتحريم الربا في البُرِّ، ولم يجئ نصٌّ بتحريم الربا في البطِّيخ. قاس الشافعي البطِّيخَ على البُرِّ؛ لما وجدَ بينهما من عِلَّةٍ مُتَّحِدَة، وهي أنَّ كليهما مطعومٌ. وقاس أبو حنيفة الجِصَّ على البُرِّ؛ لِمَا وجدَ بينهما من عِلَّةٍ مُتَّحِدة، وهي أنَّ الجِصَّ مَكِيلٌ كالبُرِّ. وهذا الحديثُ يدلُّ على أن الاجتهاد حكمٌ شرعي؛ لأن رسول الله ﷺ حَمَد معاذًا على هذا القول، ولو لم يكن مُرضياً لرسول الله لم يَحْمَدْه رسولُ الله. قوله: "ولا آلو"؛ أي: ولا أُقصِّر. * * * ٢٨١٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما أقضي بينَكم برَأْيي فِيمَا لم يُنْزَلْ عليَّ فيهِ". قوله ﷺ : "إنما أَقْضي بينكم برأيي فيما لم يُنْزَلْ عليَّ فيه"؛ يعني: إذا رُفِعَتْ عليَّ مرافعةٌ، ولم يُنْزَلْ عليَّ منها في القرآن شيءٌ أجتهدُ الصوابَ، وأحكمُ فيها ما أجدُه صوابًا في رأيي، وهذا دليلٌ على جواز الاجتهادِ أيضًا. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 1916

٢٨١٦ - وقال عليٌّ ﵁: بَعثَني رسولُ الله ﷺ إلى اليمنِ قاضيًا، فقلتُ: يا رسولَ الله! تُرسِلُني وأنا حديثُ السنِّ ولا عِلْمَ لي بالقضاءِ! فقال: "إنَّ الله تعالى سيَهدي قلبَكَ ويُثَبتَ لِسانَك، إذا تَقاضَى إليكَ رجلانِ فلا تَقْضِ للأولِ حتى تسمعَ كلامَ الآخَرِ، فإنَّه أَحْرَى أنْ يتبَيَّنَ لكَ القضاءُ"، قال: فما شكَكْتُ في قضاءٍ بَعْدَهُ. قوله: "ولا عْلِمَ لي بالقضاء"، هذا القول منه ﵁ ليس نفيًا للعلم، بل كان كثيرَ العلم، وإنما أراد بهذا القول: أنه لم يجرِّبْ سماعَ المرافَعة بين الخُصَماء، وكيفية دفْعِ كلامِ كلِّ واحدٍ من الخَصْمَين، ودَفْعِ مَكْرِ كلِّ واحد، فإنه ربما مَكَرَ خصمٌ على خَصْمِه بكلامٍ أو فعل، ويَخْفَى على القاضي ذلك المَكْرُ. قوله: "فإنه أحرى"؛ أي: أجْدَرُ وأقرب إلى الحقِّ. * * * ٤ - باب رزق الوُلاةِ وهداياهم (باب رزق الولاة وهداياهم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨١٧ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما أُعطيكم ولا أمنعُكم، أنا قاسِمٌ أضعُ حيثُ أُمِرْتُ". "ما أُعطيكم ولا أَمْنعُكم"؛ يعني: كلُّ ما أعطي أحدًا إنما أعطيه ذلك الشيءَ بأمر الله وإيحائه إليَّ، أوبإلهامه إياي، ولا أُعْطِي أحدًا شيئًا بمَيْلِ نفسي،

стр. 1917

وكذلك ما أَمْنَعُ أحدًا شيئًا إلا بأمرِ الله هذا الإعطاءَ والمَنْع. * * * ٢٨١٨ - وقال: "إنَّ رِجالاً يَتَخَوَّضُونَ في مالِ الله بغيرِ حقٍّ، فلهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ". قوله: "إن رجالاً يَتَخَوَّضُون"؛ أي: يُسْرِعُون ويتصرَّفُون في مالِ بيتِ المال، أو الزكاةِ، أو الغنيمةِ، أو الفيءِ بغيرِ إذن الإمام، ويأخذُون منه أكثرَ من أُجْرَة عملهم، فلهم النار. روت هذا الحديثَ خولةُ الأنصارية. * * * ٢٨١٩ - عن عائشةَ ﵂ قالت: لمَّا استُخْلِفَ أبو بكرٍ قال: لقد عَلِمَ قومي أنَّ حِرْفَتي لم تكنْ تعجِزُ عن مَؤُونةِ أهلي، وشُغِلتُ بأمرِ المُسلمينَ، سيأكلُ آلُ أبي بكرٍ من هذا المالِ، ويَحترِفُ للمسلمينَ فيهِ. قوله: "أنَّ حِرْفَتي لم تكنْ تَعْجِزُ عن مؤونة أهلي"، كان أبو بكر ﵁ يبيعُ الثيابَ في السوق، فلما جُعِلَ خليفةً أخبرَ الصحابةَ بأنه لمَّا اشتغلَ بقضاءِ أمورِ المسلمين لم يقدِرْ على حرفته؛ لَيعْذِرَه الصحابةُ فيما صَرَفَ على نفسه وعيالِه من مالِ بيتِ المال؛ لأنه أُجْرَةُ عَمَلِه. قوله: "ويَحْتَرِفَ للمسلمين فيه"؛ يعني: يجلسُ في ديوان الخلافة، ويقضي حوائجَ المسلمين. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٢١ - وقال عمرُ ﵁: عَمِلْتُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ فعَمَّلَني.

стр. 1918

قوله: "عَمَّلَني": - بتشديد الميم -؛ أي: أعطاني العُمَالة بضم العين، وهي أُجْرَةُ العَمَل. * * * ٢٨٢٢ - عن مُعاذٍ ﵁ قال: بعثَني رسولُ الله ﷺ إلى اليمنِ، فلمَّا سِرْتُ أَرسلَ في أَثَري فرَدَدْتُ، فقال: "أَتدري لِمَ بعثتُ إليكَ؟ لا تُصيبن شيئًا بغيرِ إذْني فإنّهُ غَلولٌ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، لهذا دَعوْتُكَ فامضِ لِعَملِك". قوله: "بَعَثْتُ إليك"؛ أي: أَرْسَلْتُ إليك أحدًا يدعوك إلي. "فامضِ"؛ أي: اذهب. * * * ٢٨٢٣ - عن المُسْتَورِدِ بن شدَّادٍ ﵁ قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "مَن كانَ لنا عامِلاً فليكتَسبْ زوجةً، فإنْ لم يكنْ لهُ خادمٌ فليكتَسبْ خادمًا، فإنْ لم يكنْ لهُ مَسْكَنٌ فليكتَسبْ مَسكنًا". ويروى: "مَن اتخذَ غيرَ ذلكَ فهو غالٌّ". "فليكتَسِبْ زوجةً"؛ أي: يَحِلُّ له أن يأخذَ مما في تصرُّفِه من مال بيتِ المالِ قَدْرَ مَهْرِ زوجةٍ ونفقتِها وكُسْوتِها، وكذلك ما لا بدَّ له منه من غير إسراف وتنعُّم، فإن أخذَ أكثرَ مما يحتاجُ إليه ضرورةً فهو حرامٌ عليه. * * * ٢٨٢٤ - وعن عَدِيِّ بن عُمَيْرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يا أيُّها النَّاسُ، مَن عُمِّلَ منكم لنا على عملٍ، فكتَمَنا منهُ مِخْيَطًا فما فوقَهُ فهوَ غالٌّ يأتي

стр. 1919

بهِ يومَ القيامةِ"، فقامَ رجلٌ مِن الأنصارِ فقالَ: يا رسولَ الله!، اقبلْ عنِّي عَمَلَك فقال: "وما ذاكَ؟ "، قال: سمعتُكَ تقولُ كذا وكذا، قال: "وأنا أقولُ ذلكَ، مَن استعملناهُ على عَمَلٍ فليَأْتِ بقليلِهِ وكثيرِهِ، فما أُوتيَ منهُ أخذَهُ، وما نُهيَ عنهُ انتهَى". قوله: "عُمِّلَ" بضم العين وتشديد الميم؛ أي: جُعل عاملاً. "مَخِيطًا" بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء؛ أي: إبرةً. * * * ٢٨٢٥ - عن عبدِ الله بن عمرِو قال: "لعنَ رسولُ الله ﷺ الرَّاشيَ والمُرْتَشيَ". قوله: "لعنَ رسولُ الله الرَّاشيَ والمُرْتَشِي"، (الراشي): الذي يُعْطِي الرِّشْوة، و (المُرْتَشي): الذي يأخذ الرِّشْوة. اعلم أن الرِّشْوةَ حرامٌ، و (الرِّشْوَة): هي التي يدفعُها الرجلُ إلى حاكمٍ ليحكُمَ له حُكْمًا بالباطل، فأما لو دفعَ أحدٌ شيئًا من المال إلى أحد ليوصِلَ إليه حقَّه، أو ليعينَه في أخذ حقِّه من ظالمٍ، أو ليدفَعَ عنه ضَرَرًا، فليس برِشْوةٍ منهيةٍ، بل هو جائزٌ، هكذا ذكر الخَطَّابي. ورويَ: أن عبد الله بن مسعود ﵁ أُخذ بشيءٍ في الحَبشَة، فأعطى دينارين حتى خُلِّي سبيلُه. * * * ٢٨٢٦ - وعن عمرِو بن العاصِ قال: أرسلَ إليَّ رسولُ الله ﷺ : أَنْ اجمعْ عليكَ سِلاحَكَ وثيابَكَ ثُم ائتِني، قال: فأَتيتُهُ وهوَ يتوضَّأُ فقال: "يا عَمْرُو، إنِّي

стр. 1920

أرسلتُ إليكَ لأِبعثَكَ في وَجْهٍ يُسَلِّمُكَ الله ويُغنِّمُكَ، وأَزْعبُ لكَ زَعْبَةً مِن المالِ"، فقلتُ: يا رسولَ الله! ما كانَتْ هِجرَتي لِلمالِ، ما كانَتْ إلا للهِ ولرسولِه، فقال: "نِعِمَّا بالمالِ الصَّالحِ للرَّجُلِ الصَّالحِ". قوله: "لأبعثَك في وَجْهٍ"؛ أي: لأرسلَك في عمل. "وأَزْعَبَ"؛ أي: وأدفعَ إليك "زُعْبَةً" - بضم الزاء -؛ أي: قطعةً من المال؛ يعني: أعطيكَ أُجْرَةِ سَعْيك. "نِعِمَّا بالمال الصالِح"، الباء زائدة؛ أي: نِعْمَ الشيءُ المالُ الحلال "للرجل الصالح"؛ أي: لا بأسَ بجمعِ المالِ الحلالِ إذا كان الرجلُ يؤدِّي منه حقوقَ الله تعالى. * * * ٥ - باب الأقضيةِ والشَّهاداتِ (باب الأقضية والشهادات) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٢٧ - عن ابن عباسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "لو يُعْطَى النَّاسُ بدعْواهُم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ البينةَ على المُدَّعي, واليمينَ على المُدَّعَى عليهِ". قولُه: "ولكن اليمين على المدَّعَى عليه"؛ يعني: لا يدفَعُ إلى المدَّعِي ما ادَّعاه بمجرَّدِ دعواه، ولكنْ عليه البَيِّنَة، فإن لم يكنْ له بَيِّنَةٌ يحلِفُ المدَّعى عليه أنه لا شيءَ في ذِمَّتِه للمُدَّعِي، وتَبْرأ ذمته. * * *

стр. 1921

٢٨٢٨ - وقال: "مَن حَلَفَ على يمينِ صَبْرٍ، وهو فيها فاجِرٌ، يَقتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، لقيَ الله يومَ القيامةِ وهو عليهِ غضبانُ". قوله: "يمينِ صَبْر"، (الصبرُ)؛ الحَبْسُ، والمراد باليمين الصَّبْر: اليمينُ التي يكونُ الرجلُ فيها متعمِّدًا قاصدًا لإذهاب مالِ مسلم. "وهو فيها فاجر"؛ أي: وهو فيها كاذب. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن مسعود. * * * ٢٨٢٩ - وقال: "مَن اقتَطَعَ حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيَمينِه فقد أَوْجَبَ الله لهُ النَّارَ وحرَّم عليهِ الجنَّةَ"، فقالَ لهُ رَجُلٌ: وإنْ كانَ شَيْئًا يَسيْرًا يا رسولَ الله؟ قال: "وإن كانَ قَضيبًا مِن أراكٍ". قوله: "وحَرَّمَ عليه الجَنَّةَ"؛ يعني: حَرَّمَ عليه الجَنَّةَ حتى يطهُرَ من ذلك الذنبِ والمَظْلَمة. روى هذا الحديثَ إياس بن ثعلبة الحارثي. * * * ٢٨٣٠ - وقال: "إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكم تَخْتصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ أَلحنَ بحُجَّتِه مِن بعضٍ، فأَقضيَ لهُ على نحوِ ما أسمَعُ منهُ، فمَن قضيتُ لهُ بشيءٍ مِن حقِّ أخيهِ فلا يأخُذنَّهُ، فإنَّما أَقطعُ لهُ قِطعةً مِن النَّارِ". قوله: "أَلحن بحُجَّته"؛ أي: أفصحُ وأقدَرُ على العِبَارة، فيُزين كلامَه بحيث أظنُّه صادقًا في دعواه، وربما يكون كاذبًا، فأقضي على وفق ظاهر دعواه، ولم أعرف أنه كاذبٌ بينه وبين الله.

стр. 1922

قوله: "فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فلا يأخُذنَّه"؛ يعني: ما كانَ حرامًا لا يحِلُّ بأن يقضيَ القاضي بحِلِّه، وما كان حلالاً لا يحرَّم بأن يقضيَ القاضي بتحريمه، وبهذا قال الشافعي وأحمد ومالك. وقال أبو حنيفة: الحُكْمُ ما قضى به الحاكمُ في العقود والفسوخِ، حتى لو شهدَ شاهدا زورٍ ببيعِ مال، فحكمَ القاضي بشهادتهما بالمُلْك للمُدَّعي في ذلك المبيع = حَلَّ ذلك المبيعُ للمُدَّعي، وإن كان كاذبًا فيما بينَه وبينَ الله تعالى. روت هذا الحديثَ أمُّ سَلَمَة. * * * ٢٨٣١ - وقال: "إنَّ أبغضَ الرِّجالِ إلى الله الأَلدُّ الخَصِمُ". قوله: "الأَلَدُّ الخَصِمُ"، (الأَلَدُّ) مبالغة؛ أي: أشدُّ مخاصمةً، الأَلَدُّ مضافٌ، والخَصِمُ مضافٌ إليه، وهو مصدر، وتقديره: الذي لدَّتْ مخاصمتُه؛ أي: اشتدَّتْ. روت هذا الحديث عائشة. * * * ٢٨٣٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بيَمينٍ وشاهدٍ. قوله: "أن النبي ﷺ قضى بيمينٍ وشاهدٍ"؛ يعني: كان للمدَّعِي شاهدٌ واحدٌ، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلِفَ على ما يدَّعيه بدلاً من الشاهدِ الآخر، فلما حلَفَ قضى له رسولُ الله ﷺ بما ادَّعاه، وبهذا قال الشافعيُّ ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوزُ الحُكْمُ بالشاهد واليمين، بل لا بدَّ من الشاهدين،

стр. 1923

وخلافُهم في الأموال، فأما إذا كان الدَّعوى في غير الأموال، فلا يُقبَلُ شاهدٌ ويمينٌ بالاتفاق. * * * ٢٨٣٣ - وعن عَلْقَمَةَ بن وائِلٍ، عن أبيهِ، قال: جاءَ رجلٌ مِن حَضْر مَوْتَ ورَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلى النبيَّ ﷺ ، فقالَ الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا غَلبني على أرضٍ لي، فقالَ الكِنْدِيُّ: هي أرضي وفي يَدِي ليسَ له فيها حَقٌّ، فقالَ النبيُّ ﷺ للحضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَينَةٌ؟ "، قال: لا، قال: "فَلَكَ يمينُهُ"، قال: يا رسولَ الله! إنَّ الرَّجُلَ فاجِرٌ لا يُبالِي على ما حَلفَ عليه، وليسَ يَتَوَرَّعُ مِن شيء، قال: "ليسَ لك مِنهُ إلَاّ ذلك"، فانْطَلَقَ ليَحلِفَ، فقال رسُولُ الله ﷺ لمَّا أَدْبَرَ: "لَئِنْ حَلَفَ على مالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلمًا لَيَلْقَينَّ الله وهوَ عنهُ مُعرِضٌ". قوله: "إلا ذلك"؛ أي: إلا اليمين. قوله: "وهو عنه مُعْرِضٌ"؛ أي: لا ينظرُ إليه بنظَرِ الرحمة حتى يأخذَ مِن حسناته بقَدْر ما ظلمَ على المظلوم. * * * ٢٨٣٤ - وقال: "مَن ادَّعى ما ليسَ لهُ فليسَ منَّا، وليَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِن النَّارِ". قوله: "من ادَّعى ما ليس له فليس منا"؛ يعني: مَن ادَّعى دعوى كاذبةً؛ ليأخذَ مالَ أحدٍ بالباطل، فليس مِنَّا في هذا الفعل، وله النار. روى هذا الحديثَ أبو ذر ﵁. * * *

стр. 1924

٢٨٣٥ - وقال: "أَلَا أُخْبرُكم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتِي بشهادَتِهِ قبلَ أن يُسْأَلَها". قوله: "ألا أخبرُكُم بخيرِ الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبلَ أنْ يَسْأَلها" هذا في شهادة الحسِبْة؛ أي: في حقوق الله تعالى كالزكاة وغيرها. من عَلِمَ أنَّ على رجلٍ زكاةً جازَ له أن يشهدَ عليه عند عاملِ الزكاة على وجوب الزكاة على ذلك الرجل، وكذلك لو علمَ أن رجلاً أعتقَ عبدًا، أو وقفَ أرضَه وَقْفًا عامًا، أو طَلَّقَ امرأتَه = جازَ أن يشهدَ في هذه الأشياء، وإن لم يسأَلْه أحدٌ تلك الشهادةَ؛ لأنه ليس لهذه الأشياء مطالبُ، فلو لم يشهدْ بها؛ لضاعت هذه الأشياءُ، وكذلك لو كان حقٌّ لآدمي، وفيه شهادةٌ عند رجل، ولم يَعْلَمِ المُدَّعي أن له شاهدًا بذلك = جازَ للشاهد أن يشهَدَ بذلك الحقِّ، كيلا يضيعَ حقُّه. والأَولى أن يخبرَ الشاهدُ المُدَّعِيَ قبلَ أن يَدَّعِيَ، بأن يقول: أنا شاهدٌ في هذا، فاطلُبني حتى أشهدَ لك به عند الحاكم، فأما كلُّ حقًّ لآدميٍّ يعلَمُ المُدَّعِي الشاهدَ لا يجوزُ للشاهد أن يشهدَ فيه حتى تُطْلَبَ منه الشهادةُ. روى هذا الحديثَ زيدُ بن خالد الجُهَني. * * * ٢٨٣٦ - وقال: "خيرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ يَجيءُ قومٌ تَسْبقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُهُ شهادَتَه". قوله: "ثم يجيءُ قومٌ تسبقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه"؛ يعني: يشهدُ من غير أن يُسْتَشْهدَ، ثم يَحْلِفُ بأن يقولَ: والله إني لصادقٌ فيما شهدتُ به. وقوله: "ويمينُه شهادتُه"؛ أي: يَحْلِفُ بأن يقولَ: إني لصادقٌ فيما أَشْهَدُ

стр. 1925

به، ثم يَشْهدُ، ويحتملُ أن يكونَ هذا مِثلَ هذا في سرعة الشهادة واليمين، وحَرِصَ الرجلُ عليهما؛ يعني: يحرِصُ عليهما، وشرعُ فيهما حتى لا يَدْرِي أنه بأيهما يبتدئ، فكأنه يسبقُ شهادتُه يمينَه، ويمينُه شهادتَه من قِلَّة مبالاته بالدِّين. وإنما تكونُ الشهادةُ مذمومةً قبل أن يستشهَد إذا علم صاحبُ الحق أن له في ذلك الحقِّ شاهدًا، فإذا كان كذلك لا يجوزُ للشاهد أن يشهدَ حتى يطلبَ صاحبُ الحقِّ منه الشهادة، وكذلك لا يجوزُ اليمينُ إذا وجبتْ عليه يمينٌ قبل أن يستَحْلِفَه صاحبُ الحقِّ، فلو حلفَ قبل أن يستَحْلِفَه ولم يعتدَّ بحَلِفِه، بل يلزمه إعادةُ الحَلفِ إذا استَحْلَفَه صاحبُ الحَقِّ. * * * ٢٨٣٧ - وعن أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ عرضَ على قومٍ اليمينَ فأَسرَعوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بينَهم في اليمينِ أَيُّهم يَحلِفُ. قوله: "أن النبي ﷺ عرضَ على قومٍ اليمينَ فأسرعوا، فأمر أن يُسْهَمَ بينهم في اليمين أَيُّهم يحلف"، (أَسْهَمَ)؛ أي: أَقْرَع. صورة هذا: أن رجلين إذا تداعيا مَتاعًا في يدِ ثالث، ولم يكنْ لهما بَينَةٌ، أو لكلِّ واحدٍ منهما بَينَةٌ، وقال الثالث: لم أعلمْ أنه لكما، أو لغيركما، فحُكْمُ هذا أن يُقْرَعَ بين المتداعِيَيْن، فأيُّهما خَرَجَتْ له القُرْعَةُ يَحْلِفُ مع القُرْعة، ويُقْضَى له بذلك المتاع، وبهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. ففي هذه الصورة في قول الشافعي: يُتْرَكُ ذلك المتاعُ في يدِ الثالث، وفي قولٍ آخرَ للشافعي، ومذهب أبي حنيفة: أنه يُجْعلُ بين المتداعِيَين نصفان مع يمينِ كلِّ واحدٍ منهما.

стр. 1926

وقال الشافعيُّ في قولٍ آخر: يُقْرَعُ بين المتداعيين، فمن خرجَتْ قرعتُه يَحْلِفُ ويأخُذُ، وكذلك قال أحمد، إلا أنه قال: إذا خرجتْ لأحدهما القرعةُ يكون ذلك المتاعُ له بلا يمين. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٣٩ - عن أُمِّ سَلمةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ : في رَجُلَيْنِ اختصَما إليهِ في مَوَاريثَ لم يكنْ لهما بينَةٌ إلا دَعْوَاهُمَا فقال: "مَنْ قضَيتُ لهُ بشيءٍ مِن حقِّ أخيهِ فإنَّما أَقطعُ لهُ قِطعةً مِن النّارِ"، فقال الرَّجُلانِ كلُّ واحدٍ منهما: يا رسولَ الله! حقِّي هذا لِصَاحِبي، فقالَ: "لا ولكنْ اذهبَا فاقتسِما وتَوَخَّيا الحقَّ، ثم استَهِما ثم لْيُحَلِّلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحِبَهُ". ويُروى أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ في هذا الحديث: "إنما أَقضي بينَكم برأيي فيما لم يُنْزَلْ عليَّ فيهِ". قوله: "في مَوَاريثَ"، وهي جَمْعُ موروث؛ يعني: تداعَيا في أمتعة، فقال أحدهما: هذه الأمتعة لي ورثْتُها من مُوْرِثي، وقال الآخر: بل إنها لي، ورثْتُها من مُوْرِثي، ولم يكنْ لهما بَينَةٌ بما قالا، فخَوَّفَهما رسولُ الله بقوله: إنما أَقْطَعُ له قِطْعةً من النار، فخافا وقال كلُّ واحدٍ منهما: هذا لصاحبي، وقال النبي ﷺ : "فاقتسِما وتوخَّيا الحقَّ"؛ أي: اطلُبا العَدْلَ في القِسْمة، واجْعَلاها نِصْفَين. "ثم اسْتَهِمَا"؛ أي: ثم أَقْرِعا، حتى يَظْهَرَ بالقُرْعَة، أيُّ القسمين وقعَ في نصيب كلِّ واحدٍ منكما، ثم ليحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه. * * *

стр. 1927

٢٨٤١ - عن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيا بعيرًا على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فبعثَ كلُّ واحدٍ منهما شاهدَينِ فَقَسَمَهُ النبيُّ ﷺ بينَهما نِصفينِ. وبإسناده: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بعيرًا ليستْ لواحدٍ منهما بينَةٌ فجَعَلَهُ النبيُّ ﷺ بينَهما. قوله: "فجعلَه النبيُّ ﷺ بينهما"؛ اعلم أن رجلين إذا تداعيا مَتاعًا، وتساويا في أنَّ لكل واحدٍ منهما بَينَةً، أو ليس لكلِّ واحدٍ منهما بَينةٌ، وكان المتاع في أيديهما، أو لم يكن في يدِ واحدٍ منهما = يُقْسَمُ ذلك المتاعُ بينهما نصفين؛ لتساويهما في جميع هذه الأشياء، وإن كان في يد أحدهما يُحْكَم به لصاحب اليد. * * * ٢٨٤٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رَجُلينِ اختصَمَا في دابَّةٍ وَلَيْسَ لهما بينَةٌ، فقال النبيُّ ﷺ : "استهِمَا على اليَمينِ". قوله: "أن رجلين اختصما في دابةٍ وليس لهما بينةٌ، فقال النبي ﷺ : استهما على اليمين"، هذا الحديث مثلُ الحديث الذي ذُكر شَرْحُه قبل حِسَانِ هذا الباب. * * * ٢٨٤٤ - عن الأَشْعَثِ قال: كانَ بَيْنِي وبينَ رجُلٍ مِن اليَهودِ أرضٌ فجحدَني، فقدَّمتُهُ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: "ألَكَ بَينَةٌ؟ "، قلتُ: لا، قال لليهوديِّ: "احلِفْ"، قلتُ: يا رسولَ الله، إِذَنْ يَحْلِفَ ويذهبَ بمالي، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، صحيح.

стр. 1928

قوله: "إذنْ يَحْلِفَ ويذهبَ بمالِي"؛ يعني: لو حلَّفته لحلف، ولذهب بمالي يعني لو حَلَّفه يحلف؛ لأنه يهوديٌّ لا يخاف الله، فأنزل الله هذه الآية تخويفًا لمن يحلِفُ كاذبًا، أو ينقضُ عهدًا لسبب متاعِ الدنيا. شرح الآية: قوله: " ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ "؛ أي: مالًا قلَّ أو كَثُرَ؛ لأن جميعَ متاع الدنيا قليل. " ﴿لَا خَلَاقَ﴾ "؛ أي: لا نصيب لهم في الآخرة من الخير والثواب. " ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ "؛ أي: ولا يكلمهم الله بما يَسرُّهم ويُفْرِحُهم، بل يُسمعهم ما يُحزنهم. " ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ "؛ أي: ولا يطهِّرهم من ذلك الذنب حتى عُذِّبُوا بذلك الذنب، ثم خرجوا من النار إن كانوا مسلمين. * * * ٢٨٤٥ - عن الأَشْعَثِ بن قيْسٍ: أنَّ رَجُلاً مِن كِنْدَةَ ورَجُلاً مِن حَضْرَمَوْتَ اختصَمَا في أرضٍ مِن اليمنِ، فقال الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ الله، إنَّ أرضي اغتَصبنيها أبو هذا وهي في يَدِهِ، قال: "هَلْ لَكَ بَينَةٌ؟ "، قال: لا ولكن أُحَلِّفُه: والله ما يَعْلمُ أنَّها أرضي اغتَصَبنيها أبوهُ، فَتَهَيَّأَ الكِنْدِيُّ لليمينِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَقْتَطِعُ أحدٌ مالاً بيمينٍ إلا لقيَ الله وهو أَجْذَمُ"، فقالَ الكِنْدِيُّ: هي أَرْضُه. قوله: "وهو أَجْذَمُ"، (الأَجْذَمُ): مقطوعُ اليد، والمراد به ها هنا: أنه يكون يوم القيامة بلا عُذْرٍ ولا حُجَّة؛ يعني: يكون خاسرًا خائبًا، ولا يكونُ له عند الله عُذْرٌ وحُجَّةٌ في أَخْذِ مالِ مسلمٍ ظلمًا، وفي حَلِفِه كاذبًا.

стр. 1929

٢٨٤٦ - عن عبد الله بن أُنَيْسٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِن أكبرِ الكَبائِرِ الشِّركَ بالله وعُقوقَ الوالدَيْنِ، واليمينَ الغَمُوسَ، وما حَلَفَ حَالِفٌ بالله يمينَ صَبْرٍ، فأَدْخَلَ فيهِ مثلَ جَناحِ بعُوضَةٍ إلا جُعِلَتْ نُكْتَةً في قلبهِ إلى يومِ القِيامَةِ"، غريب. قوله: "فأدخلَ فيها مثلَ جناحِ بعوضةٍ"؛ أي: أدخلَ في تلك اليمينِ شيئًا من الكَذِب. * * * ٢٨٤٧ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحْلِفُ أَحَدٌ عندَ مِنبري هذا عَلَى يَمِينٍ آِثمَةٍ - ولو على سِوَاكٍ أخضرَ - إلا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ من النَّارِ، أو وَجَبَتْ لهُ النَّارَ". قوله: "عند منبري"، إنما خصَّ ﷺ منبَره بتعظيمه وشرفِه، وإلا لكان الكذبُ في اليمين وغيرِه موجِبًا للإثم، فإذا كان الكذبُ إثمًا يكونُ مع اليمين أكثرَ كذبًا وإثمًا، ويكون في الموضع الشريف أكثرَ إثمًا من موضعٍ غيرِ شريف. * * * ٢٨٤٨ - عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ قال: صلى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبح فلمَّا انصرفَ قامَ قائِمًا وقالَ: "عُدِلَتْ شَهادةُ الزُّورِ بالإشراكِ بالله، ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ". قوله: "عُدِلَتْ شهادةُ الزُّوْر بالإشراكِ بالله"؛ أي: جُعِلَت الشهادةُ الكاذبة متماثلةً للإشراك بالله في الإثم؛ يعني: كما أن الإشراكَ بالله مُوْجِبٌ للعذاب،

стр. 1930

فكذلك شهادةُ الزور، إلا أن الإشراكَ بالله موجِبٌ للخلود في النار؛ لأنه كفرٌ، وشهادة الزور غير موجبة للخلود؛ لأنه ذنبٌ لا كفرٌ. * * * ٢٨٤٩ - عن عائشةَ ﵂ تَرْفَعُه قالتْ: لا تَجُوزُ شَهادةُ خائنٍ ولا خائِنَةٍ ولا مَجلُودٍ حدًّا، ولا ذِيْ غِمْرٍ على أخيهِ، ولا ظَنِينٍ في وَلاءٍ، ولا قَرابَةٍ، ولا القانِعِ لِأَهْلِ البيتِ. ضعيف. قوله: "لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ"؛ يعني: لا يجوزُ شهادةُ الفاسِقَين، والخيانةُ من جملة الفسوق، والفاسق: من فعلَ كبيرةً، أو أصرَّ على الصغائر، فإذا تاب تُقْبَلُ شهادته، والخيانةُ من الكبائر، وهي أخذُ مالِ أحدٍ غصبًا، أو سرقة، وبأي سبب يأخذ مالَ أحدٍ بغير إذنه وبغير استحقاق، فهو خائن. قوله: "ولا مجلود حَدًا"، قال أبو حنيفة: إذا جُلِدَ القاذفُ لا تقبلُ شهادتُه أبدًا وإن تاب، وأما قبل الجَلْد تُقْبلُ شهادتُه. وقال غيره: (القذف) من جملة الفسوق، لا يتعلَّقُ بإقامة الحَدِّ، بل إن تاب قُبلَتْ شهادتُه سواءٌ جُلِدَ أو لم يُجلَد، وإن لم يتبْ لا تُقبَلُ شهادتُه سواءٌ جُلد أو لم يُجلَد. قوله: "ولا ذي غِمْرٍ على أخيه"، (الغِمْرُ): الحقدُ على أخيه؛ أي: على أخيه المسلمِ سواءٌ كان أخاه من النسب، أو كان أجنبيًا؛ أي: لا تقبل شهادةُ العدوِّ على عدوٍّ خلافًا لأبي حنيفة. قوله: "ولا ظَنِينٍ في وَلاء، ولا قَرابة"، (الظَّنِينُ): المُتَّهم؛ يعني: مَن قال: أنا عَتِيقُ فلانٍ، وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله: أنا عتيق فلان،
следующие страницы →