← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقال الشافعيُّ في قولٍ آخر: يُقْرَعُ بين المتداعيين، فمن خرجَتْ قرعتُه يَحْلِفُ ويأخُذُ، وكذلك قال أحمد، إلا أنه قال: إذا خرجتْ لأحدهما القرعةُ يكون ذلك المتاعُ له بلا يمين. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٣٩ - عن أُمِّ سَلمةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ : في رَجُلَيْنِ اختصَما إليهِ في مَوَاريثَ لم يكنْ لهما بينَةٌ إلا دَعْوَاهُمَا فقال: "مَنْ قضَيتُ لهُ بشيءٍ مِن حقِّ أخيهِ فإنَّما أَقطعُ لهُ قِطعةً مِن النّارِ"، فقال الرَّجُلانِ كلُّ واحدٍ منهما: يا رسولَ الله! حقِّي هذا لِصَاحِبي، فقالَ: "لا ولكنْ اذهبَا فاقتسِما وتَوَخَّيا الحقَّ، ثم استَهِما ثم لْيُحَلِّلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحِبَهُ". ويُروى أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ في هذا الحديث: "إنما أَقضي بينَكم برأيي فيما لم يُنْزَلْ عليَّ فيهِ". قوله: "في مَوَاريثَ"، وهي جَمْعُ موروث؛ يعني: تداعَيا في أمتعة، فقال أحدهما: هذه الأمتعة لي ورثْتُها من مُوْرِثي، وقال الآخر: بل إنها لي، ورثْتُها من مُوْرِثي، ولم يكنْ لهما بَينَةٌ بما قالا، فخَوَّفَهما رسولُ الله بقوله: إنما أَقْطَعُ له قِطْعةً من النار، فخافا وقال كلُّ واحدٍ منهما: هذا لصاحبي، وقال النبي ﷺ : "فاقتسِما وتوخَّيا الحقَّ"؛ أي: اطلُبا العَدْلَ في القِسْمة، واجْعَلاها نِصْفَين. "ثم اسْتَهِمَا"؛ أي: ثم أَقْرِعا، حتى يَظْهَرَ بالقُرْعَة، أيُّ القسمين وقعَ في نصيب كلِّ واحدٍ منكما، ثم ليحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه. * * *

стр. 1927

٢٨٤١ - عن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيا بعيرًا على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فبعثَ كلُّ واحدٍ منهما شاهدَينِ فَقَسَمَهُ النبيُّ ﷺ بينَهما نِصفينِ. وبإسناده: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بعيرًا ليستْ لواحدٍ منهما بينَةٌ فجَعَلَهُ النبيُّ ﷺ بينَهما. قوله: "فجعلَه النبيُّ ﷺ بينهما"؛ اعلم أن رجلين إذا تداعيا مَتاعًا، وتساويا في أنَّ لكل واحدٍ منهما بَينَةً، أو ليس لكلِّ واحدٍ منهما بَينةٌ، وكان المتاع في أيديهما، أو لم يكن في يدِ واحدٍ منهما = يُقْسَمُ ذلك المتاعُ بينهما نصفين؛ لتساويهما في جميع هذه الأشياء، وإن كان في يد أحدهما يُحْكَم به لصاحب اليد. * * * ٢٨٤٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رَجُلينِ اختصَمَا في دابَّةٍ وَلَيْسَ لهما بينَةٌ، فقال النبيُّ ﷺ : "استهِمَا على اليَمينِ". قوله: "أن رجلين اختصما في دابةٍ وليس لهما بينةٌ، فقال النبي ﷺ : استهما على اليمين"، هذا الحديث مثلُ الحديث الذي ذُكر شَرْحُه قبل حِسَانِ هذا الباب. * * * ٢٨٤٤ - عن الأَشْعَثِ قال: كانَ بَيْنِي وبينَ رجُلٍ مِن اليَهودِ أرضٌ فجحدَني، فقدَّمتُهُ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: "ألَكَ بَينَةٌ؟ "، قلتُ: لا، قال لليهوديِّ: "احلِفْ"، قلتُ: يا رسولَ الله، إِذَنْ يَحْلِفَ ويذهبَ بمالي، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، صحيح.

стр. 1928

قوله: "إذنْ يَحْلِفَ ويذهبَ بمالِي"؛ يعني: لو حلَّفته لحلف، ولذهب بمالي يعني لو حَلَّفه يحلف؛ لأنه يهوديٌّ لا يخاف الله، فأنزل الله هذه الآية تخويفًا لمن يحلِفُ كاذبًا، أو ينقضُ عهدًا لسبب متاعِ الدنيا. شرح الآية: قوله: " ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ "؛ أي: مالًا قلَّ أو كَثُرَ؛ لأن جميعَ متاع الدنيا قليل. " ﴿لَا خَلَاقَ﴾ "؛ أي: لا نصيب لهم في الآخرة من الخير والثواب. " ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ "؛ أي: ولا يكلمهم الله بما يَسرُّهم ويُفْرِحُهم، بل يُسمعهم ما يُحزنهم. " ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ "؛ أي: ولا يطهِّرهم من ذلك الذنب حتى عُذِّبُوا بذلك الذنب، ثم خرجوا من النار إن كانوا مسلمين. * * * ٢٨٤٥ - عن الأَشْعَثِ بن قيْسٍ: أنَّ رَجُلاً مِن كِنْدَةَ ورَجُلاً مِن حَضْرَمَوْتَ اختصَمَا في أرضٍ مِن اليمنِ، فقال الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ الله، إنَّ أرضي اغتَصبنيها أبو هذا وهي في يَدِهِ، قال: "هَلْ لَكَ بَينَةٌ؟ "، قال: لا ولكن أُحَلِّفُه: والله ما يَعْلمُ أنَّها أرضي اغتَصَبنيها أبوهُ، فَتَهَيَّأَ الكِنْدِيُّ لليمينِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَقْتَطِعُ أحدٌ مالاً بيمينٍ إلا لقيَ الله وهو أَجْذَمُ"، فقالَ الكِنْدِيُّ: هي أَرْضُه. قوله: "وهو أَجْذَمُ"، (الأَجْذَمُ): مقطوعُ اليد، والمراد به ها هنا: أنه يكون يوم القيامة بلا عُذْرٍ ولا حُجَّة؛ يعني: يكون خاسرًا خائبًا، ولا يكونُ له عند الله عُذْرٌ وحُجَّةٌ في أَخْذِ مالِ مسلمٍ ظلمًا، وفي حَلِفِه كاذبًا.

стр. 1929

٢٨٤٦ - عن عبد الله بن أُنَيْسٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِن أكبرِ الكَبائِرِ الشِّركَ بالله وعُقوقَ الوالدَيْنِ، واليمينَ الغَمُوسَ، وما حَلَفَ حَالِفٌ بالله يمينَ صَبْرٍ، فأَدْخَلَ فيهِ مثلَ جَناحِ بعُوضَةٍ إلا جُعِلَتْ نُكْتَةً في قلبهِ إلى يومِ القِيامَةِ"، غريب. قوله: "فأدخلَ فيها مثلَ جناحِ بعوضةٍ"؛ أي: أدخلَ في تلك اليمينِ شيئًا من الكَذِب. * * * ٢٨٤٧ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحْلِفُ أَحَدٌ عندَ مِنبري هذا عَلَى يَمِينٍ آِثمَةٍ - ولو على سِوَاكٍ أخضرَ - إلا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ من النَّارِ، أو وَجَبَتْ لهُ النَّارَ". قوله: "عند منبري"، إنما خصَّ ﷺ منبَره بتعظيمه وشرفِه، وإلا لكان الكذبُ في اليمين وغيرِه موجِبًا للإثم، فإذا كان الكذبُ إثمًا يكونُ مع اليمين أكثرَ كذبًا وإثمًا، ويكون في الموضع الشريف أكثرَ إثمًا من موضعٍ غيرِ شريف. * * * ٢٨٤٨ - عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ قال: صلى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبح فلمَّا انصرفَ قامَ قائِمًا وقالَ: "عُدِلَتْ شَهادةُ الزُّورِ بالإشراكِ بالله، ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ". قوله: "عُدِلَتْ شهادةُ الزُّوْر بالإشراكِ بالله"؛ أي: جُعِلَت الشهادةُ الكاذبة متماثلةً للإشراك بالله في الإثم؛ يعني: كما أن الإشراكَ بالله مُوْجِبٌ للعذاب،

стр. 1930

فكذلك شهادةُ الزور، إلا أن الإشراكَ بالله موجِبٌ للخلود في النار؛ لأنه كفرٌ، وشهادة الزور غير موجبة للخلود؛ لأنه ذنبٌ لا كفرٌ. * * * ٢٨٤٩ - عن عائشةَ ﵂ تَرْفَعُه قالتْ: لا تَجُوزُ شَهادةُ خائنٍ ولا خائِنَةٍ ولا مَجلُودٍ حدًّا، ولا ذِيْ غِمْرٍ على أخيهِ، ولا ظَنِينٍ في وَلاءٍ، ولا قَرابَةٍ، ولا القانِعِ لِأَهْلِ البيتِ. ضعيف. قوله: "لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ"؛ يعني: لا يجوزُ شهادةُ الفاسِقَين، والخيانةُ من جملة الفسوق، والفاسق: من فعلَ كبيرةً، أو أصرَّ على الصغائر، فإذا تاب تُقْبَلُ شهادته، والخيانةُ من الكبائر، وهي أخذُ مالِ أحدٍ غصبًا، أو سرقة، وبأي سبب يأخذ مالَ أحدٍ بغير إذنه وبغير استحقاق، فهو خائن. قوله: "ولا مجلود حَدًا"، قال أبو حنيفة: إذا جُلِدَ القاذفُ لا تقبلُ شهادتُه أبدًا وإن تاب، وأما قبل الجَلْد تُقْبلُ شهادتُه. وقال غيره: (القذف) من جملة الفسوق، لا يتعلَّقُ بإقامة الحَدِّ، بل إن تاب قُبلَتْ شهادتُه سواءٌ جُلِدَ أو لم يُجلَد، وإن لم يتبْ لا تُقبَلُ شهادتُه سواءٌ جُلد أو لم يُجلَد. قوله: "ولا ذي غِمْرٍ على أخيه"، (الغِمْرُ): الحقدُ على أخيه؛ أي: على أخيه المسلمِ سواءٌ كان أخاه من النسب، أو كان أجنبيًا؛ أي: لا تقبل شهادةُ العدوِّ على عدوٍّ خلافًا لأبي حنيفة. قوله: "ولا ظَنِينٍ في وَلاء، ولا قَرابة"، (الظَّنِينُ): المُتَّهم؛ يعني: مَن قال: أنا عَتِيقُ فلانٍ، وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله: أنا عتيق فلان،

стр. 1931

ويكذبونه لا تقبل شهادته؛ لأنه فاسق؛ لأنَّ قَطْعَ الولاء عن المُعْتِق، وإثباتَ ولائه لمن ليس بمعتِقه كبيرة، وفاعلُ الكبيرةِ فاسقٌ، وكذلك الظَّنين في القرابة، وصورتُه أن يقول: أنا ابن فلان، وأنا أخو فلان من النسب، وهو كاذب بحيث يتَّهِمُه الناس، ويكذِّبونه في ذلك الانتساب لا تُقبَلُ شهادتُه؛ لما ذكرنا. قوله: "ولا القانع من أهل البيت"، (القانعُ): السائلُ المُقْتَنع؛ أي: الصابرُ بأدنى قُوْت، والمراد به ها هنا: مَن كان في نفقةِ أحدٍ لا تُقبَلُ شهادتُه له؛ لأنه يَجُرُّ نَفْعًا بشهادته إلى نفسه؛ لأنَّ ما حصلَ من مالٍ للمشهود له يعودُ نفعًا إلى الشاهد؛ لأنه يأكلُ من نفقته. وكذلك لا تُقبَلُ شهادةُ مَنْ جرَّ نفعًا بشهادته إلى نفسه كالوالد يشهدُ لولده، أو الولد يشهدُ لوالده، أو الغريمِ يشهدُ بمالٍ للمُفْلِس على أحد، وتُقْبَلُ شهادةُ أحدِ الزوجين لآخر، خلافًا لأبي حنيفة وأحمدَ، وتُقْبَلُ شهادةُ الأخِ لأخيه خلافًا لمالك. * * * ٢٨٥١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوزُ شهادةُ بَدَويٍّ على صاحِبِ قَرْيةٍ". قوله: "لا تجوزُ شهادةُ بَدَويٍّ على صاحبِ قَرْية"، قال الخَطَّابي: إنما لا تُقبَلُ شهادةُ البَدَوِيِّ؛ لجهالتهم بأحكام الشريعة، وبكيفية تحمُّلِ الشهادةِ وأدائها، وغلبةِ النسيانِ عليهم، فإن عَلِمَ كيفيةَ تحمُّلِ الشهادة وأدائها بغير زيادة ونقصان، وكان عَدْلاً، مِن أهل قَبُول الشهادة جازت شهادتُه خلافًا لمالك. * * * ٢٨٥٢ - عن عَوْفِ بن مالكٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بينَ رَجُلينِ، فقالَ المَقْضيُّ عليهِ لَمَّا أَدبرَ: حَسْبيَ الله ونِعْمَ الوكيلُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الله يَلُومُ

стр. 1932

على العَجْزِ، ولكنْ عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقلْ: حَسْبيَ الله ونِعْمَ الوكيلُ". قوله: "حسبي الله ونعم الوكيل"، إنما قال المقضيُّ عليه - وهو المُدَّعى عليه - هذا الكلامَ: إشارةً إلى أن المُدَّعِي أخذَ مني المال باطلاً، فقال له رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يلومُ على العَجْز"؛ يعني: أنت مقصِّرٌ في الاحتياط، ولعل المقضيَّ عليه كان عليه دَيْنٌ للمُدَّعِي، فأدَّاه مرةً، ولم يكنْ له في الأداء بَينةٌ، فادَّعى المُدَّعِي مرة أخرى، وأخذ الدَّيْن منه مرة أخرى، فقال المَقْضيُّ عليه: قد أَدَّيْتُ الدَّيْنَ مرةً، ولكن لمَّا لم يكن له بَينَةٌ في الأداء لم يُسمعْ منه دَعْوى الأداء، فعابه النبي ﷺ على التقصير في الإشهاد. قوله: "فإذا غلبَكَ أمرٌ"؛ يعني: بالغْ في الاحتياط بقَدْرِ طاقتك، فإذا بالغتَ في الاحتياط، ثم وقعَ عليك واقعةٌ بحيث لم يكنْ منك تقصيرٌ، فحينئذ قل: حسبي الله. * * * ٢٨٥٣ - عن بَهْزِ بن حَكِيْمٍ، عن أبيه، عن جده: "أنَّ رسولَ الله ﷺ حَبَسَ رَجُلاً في تُهْمةٍ ثم خلَّى عنه". قوله: "حبسَ رجلاً في تُهمةٍ، ثم خَلَّى عنه"؛ يعني: ادُّعِيَ على ذلك الرجل ذنبٌ أو دينٌ، فحبسَه رسول الله؛ ليعلمَ صدقَ تلك الدعوى بالبَينَة، فلمَّا لم يكن للمُدَّعِي بَينَةٌ رُفِعَ عنه الحبسُ، وهذا دليلٌ على أن الحَبْسَ من أحكام الشرع. ° ° °

стр. 1933

١٧ - كِتابُ الجهَادِ

стр. 1934

[١٧] كِتابُ الجهَادِ (كتاب الجهاد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٨٥٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ آمَنَ بالله وَبرَسُولهِ، وأقامَ الصلاةَ، وصامَ رمضانَ، كانَ حَقًّا على الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، جاهدَ في سبيلِ الله أو جَلَسَ في أرضهِ التي وُلِدَ فيها"، قالوا: أفلا نُبَشِّرُ الناسَ؟ قال: "إنَّ في الجَنَّةِ مئةَ درجةٍ أعدَّها الله للمُجاهِدِينَ في سبيلِ الله، ما بين الدَّرجتَيْنِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، فإذا سَأَلتمُ الله فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإنَّه أَوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعلى الجَنَّةِ، وفوقَهُ عَرْشُ الرَّحمَنِ، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ". قوله: "جاهدَ في سبيل الله، أو جلسَ في أرضه التي وُلِدَ فيها"؛ يعني: ليس الجهادُ فرضَ عينٍ كالإيمان بالله ورسوله، وإقامِ الصلاة، وصومِ رمضان، والزكاة، فإنهن فروضُ عينٍ مَنْ تركَهُنَّ عُذِّبَ يومَ القيامة، والجهادُ فرضٌ على الكفاية، فإذا قام به جماعةٌ سقطَ عن الباقين. * * * ٢٨٥٥ - وقال: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ الله كمثلِ الصائمِ القائمِ القانِتِ

стр. 1935

بآياتِ الله، لا يَفْتُرُ مِن صِيامٍ ولا صَلاةٍ حتى يرجِعَ المُجاهدُ في سَبيلِ الله". قوله: "القانتِ بآياتِ الله"؛ يعني: العاملِ بالقرآن، أو قارئِ القرآن في صلاته. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٥٦ - وقالَ: "انتدَبَ الله لِمَن خَرجَ في سَبيلهِ لا يُخْرِجُه إلا إيمانٌ بي، وتصدِيقٌ برُسُلِي، أنْ أُرْجِعَهُ بما نالَ مِن أجْرٍ أو غَنِيمةٍ، أو أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ". قوله: "انتدبَ الله لمَنْ خرجَ في سبيله"، (ندبَ): إذا دُعِيَ إلى أمرٍ، و (انتدب): إذا أجاب؛ أي: أجابَ الله لمن خرجَ في سبيله؛ أي: في الجهادِ، وضَمِنَ له. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٥٧ - وقال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لو أَنَّ رِجَالاً مِن المؤمنينَ لا تطيبُ أنفسُهم أنْ يتخلَّفوا عني، ولا أجدُ ما أَحمِلُهم عليه، ما تَخلَّفتُ عن سَرِيَّةٍ تَغْزو في سَبيلِ الله، وقال: والذي نفسِي بيدِهِ، لَوَدِدْتُ أنيِّ أُقْتَلُ في سَبيلِ الله ثم أُحيا، ثم أُقْتَلُ ثم أُحيَا، ثم أُقْتَل ثم أُحْيَا ثم أُقْتَلُ". قوله: "لولا أنَّ رجالاً من المؤمنين لا تَطِيبُ أنفسُهم أن يتخلَّفُوا عني، ولا أجِدُ ما أَحْمِلُهم عليه"؛ يعني: أريدُ أن أمشيَ إلى الغزو مع كلِّ جيشٍ من غايةِ فَضْلِ الغَزْو، وإلا أن بعضَ أصحابي فقراءُ ليس لهم مركوباتٌ، فإن ذهبتُ إلى الغزو، وتركتُهم في مقامهم؛ لضاق صدرُهم بتخلُّفِهم؛ أي: بتأخُّرِهم عني،

стр. 1936

ومفارقتهم إياي، وليس لي مركوباتٌ أُعْطِيها إياهم؛ ليركبوا عليها. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٥٨ - وقال: "رِبَاطُ يومٍ في سَبيلِ الله خيرٌ مِن الدُّنيَا وما فيها". قوله: "رباطُ يومٍ في سبيلِ الله خيرٌ من الدنيا وما عليها"؛ أي: إقامةُ يومٍ في الجهاد، وانتظار الغزو يومًا خيرٌ من الدنيا وما فيها من المال. روى هذا الحديث سهل بن سعد الساعدي. * * * ٢٨٥٩ - وقال: "لَغَدوَةٌ في سَبيلِ الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ مِن الدُّنيَا وما فيها". قوله: "لَغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ"، (الغَدْوَةُ) - بفتح الغين -: الذهابُ أولَ النهار، و (الرَّوْحَةُ) - بفتح الراء -: الذهابُ والعملُ آخرَ النهار. روى هذا الحديثَ سهلُ بن سعدٍ وأنسٌ. * * * ٢٨٦٠ - وقال: "رِباطُ يوم وليلةٍ خيرٌ من صِيامِ شَهرٍ وقِيامِهِ، وإنْ مَاتَ جَرَى عليهِ عَمَلُه الذي كانَ يعمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عليهِ رِزقُهُ، وأَمِنَ الفَتَّانَ". قوله: "وإن ماتَ جَرَى عليه عملُه الذي كان يعملُه" في حياته؛ يعني: إن مات أو قُتِلَ في الغزو يُكتبْ له ثوابُ العمل الذي كان يعملُه في حياته؛ يعني: أبدًا يصلُ إليه ثوابُ العمل؛ لأنه كان يسعى في إحياء الدين، وقَتْلِ أعداءِ الله. قوله: "وأُجْرِيَ عليه رِزْقُه"؛ أي: يُطْعَمُ من طعامِ الجنة، ويَشْربُ من

стр. 1937

شرابها، ويأتي شرحُ هذا في هذا الباب في قوله: "أرواحُهم في جوفِ طير". قوله: "وأَمِنَ الفَتَّانَ"، للفتن معانٍ كثيرةٌ، واللائقُ هنا أن تكون بمعنى الإحراقِ والتعذيب. و (الفُتَّان) - بضم الفاء -: جمع فاتن، وبفتحها: مبالغة، وكلاهما من الفَتْنِ بمعنى الإحراق والتعذيب؛ أي: أمنَ من النار المُحْرِقَة، أو من الزبانية الذين يعذِّبون الكفار والفجار، أو من فتنة القبر؛ أي: عذابه، ويسهلُ عليه جوابُ المنكَرِ والنَّكير. روى هذا الحديثَ سلمانُ الخير. * * * ٢٨٦١ - وقال: "ما اغبَرَّت قَدَمَا عبدٍ في سَبيلِ الله فتمسَّهُ النَّارُ". قوله: "ما اغْبَرَّتْ قدما عبدٍ"، (اغبرَّ)؛ أي: صارَ ذا غُبَار؛ يعني: من وصلَ إليه الغبارُ في الغزو لم تصلْ إليه نارُ جهنم. روى هذا الحديثَ أنسٌ. * * * ٢٨٦٢ - وقال: "لا يجتَمعُ كافِرٌ وقاتِلُهُ في النَّارِ أبَدًا". قوله: "لا يجتمع كافرٌ وقاتِلُه في النار أبدًا"؛ يعني: إذا كان الكافرُ في النار لا يكون قاتلُه في النار. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٦٣ - وقال: "مِن خَيْرِ مَعاشِ النَّاسِ لَهم، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فرسِهِ في

стр. 1938

سَبيلِ الله يطيرُ على مَتْنِهِ، كلما سَمِعَ هَيْعةً أو فَزْعَةً طارَ عليه يبتغي القتلَ والمَوتَ مَظَانَّةُ، أو رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ في رأسِ شَعَفَةٍ مِن هذهِ الشَّعَفِ أو بطنِ وادٍ من هذه الأودِيةِ، يُقيمُ الصَّلاةَ ويُؤْتي الزَّكاةَ ويعبدُ ربَّهُ حتى يَأتِيَه اليقينُ، ليسَ مِن النَّاسِ إلا في خَيرٍ". قوله: "يطيرُ"؛ أيَ: يُسْرِعُ "على مَتْنِه"؛ أي: على ظهره. "هَيْعَةً"؛ أي: صوتًا. "فَزْعَةً"؛ أي: خوفًا. "طار عليه"؛ أي: أسرعَ على ظهر فرسه؛ يعني: كلَّما سمع صوتًا أو خوفًا بحضور الكفار يَقْصِدُ دَفْعَهم. قوله: "يبتغي القتلَ والموتَ مَظَانَّه"، (يبتغي)؛ أي: يطلبُ، (المَظَانُّ): جمع مَظِنَّة، وهي الموضع، و (مظانَّه): نصبٌ على الظرف. يعني: يطلبُ الموتَ والقتلَ في مواضعه؛ أي: في مواضعِ القَتْل؛ أي: في المحاربة؛ لأن المحاربةَ سببُ القَتْل. "في غُنَيْمَةٍ"؛ أي: في قطيعةٍ من الغَنَم يَفِرُّ من الناس، ويسكن رأسَ جبل، أو واديًا، حتى لا يلحَقَه ضَرَرُ الناسِ وفتنتُهم، ولا يلحَقُهم ضررٌ، ويقضي حقوقَ الله وأَمْرَه، فهو في خيرٍ من الناس؛ أي: لا يلحَقُه ضررُهم ولا يؤذيه أحد، ولا يؤذي أحدًا. "الشَّعَفَة": رأس الجبل. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٦٤ - وقال: "مِن جَهَّزَ غازِيًا في سَبيلِ الله فقد غَزَا، ومَن خَلَفَ غازيًا

стр. 1939

في أهلِهِ فقد غَزَا". قوله: "مَنْ جَهَّزَ غازيًا"؛ يعني: مَنْ أَعْطَى غازيًا فرسًا وسلاحًا ونفقةَ ذهابه إلى الغزو، فقد حصلَ له ثوابُ الغزو. قوله: "ومن خَلَفَ غازيًا في أهله"، (خَلَفَ) - بتخفيف اللام -: إذا قامَ مَقامَه؛ يعني: مَنْ قامَ مقامَ غازٍ في خدمةِ أهل بيته، فقد حصلَ له ثوابُ الغَزْو. روى هذا الحديثَ زيدُ بن خالد الجُهَني. * * * ٢٨٦٥ - وقال: "حُرمَةُ نساءِ المُجَاهدينَ على القَاعِدينَ كحُرمةِ أُمَّهاتِهِم، وما مِن رَجُلٍ مِن القاعِدين يَخْلُفُ رَجُلاً مِن المُجاهدينَ في أهلِهِ، فيَخُونهُ فيهم، إلا وُقِفَ له يومَ القيامَةِ فيَأْخُذُ مِن عَمَلِهِ ما شاءَ، فما ظَنُّكم؟ ". قوله: "فما ظَنُّكم"، (ما): للاستفهام؛ يعني: هل تشكُّون في هذه المجازاة أم لا؛ يعني: فإذا علمتم صدقَ ما أقولُ، فاحذروا من الخيانةِ في نساء المجاهِدين، وإنما خصَّ الوعيدَ بالخيانة في نساء المجاهدين؛ لأنهم أفضلُ من غيرِهم من المشتغلين بالطاعات، والخيانةُ فيمن هو أفضلُ أَقْبَحُ. روى هذا الحديثَ بُرَيدةُ الأسلمي. * * * ٢٨٦٦ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ بناقةٍ مَخْطومَةٍ فقالَ: هذه في سَبيلِ الله، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لكَ بها يومَ القيامَةِ سَبع مِئَةِ ناقَةٍ كلُّها مَخْطُومَةٌ". قوله: "مَخْطُومةٍ"؛ أي: جُعِلَ الخِطَامُ على أنفها، والخِطَامُ: الزِّمام.

стр. 1940

٢٨٦٧ - وعن أبي سعيدٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ بَعْثًا إلى بني لِحْيانَ مِن هُذَيْلٍ، فقالَ: "لِيَنْبَعِثْ مِن كُلِّ رَجُلينِ أحدُهما والأجرُ بينَهما". قوله: "بَعَثَ بَعْثًا"؛ أي: أرسلَ جيشًا إلى الغزو. قولُه: "والأَجْرُ بينهما"؛ أي: ثوابُ الغَزْو بينهما، أمَّا ثوابُ مَنْ غَزا فظاهرٌ، وأما ثوابُ من قَعَدَ في بيته؛ فلأنَّه يَخْدِمُ الذي ذهبَ إلى الغزو، ويعينُ أهلَ بيته. * * * ٢٨٦٨ - وقال: "لنْ يَبْرَحَ هذا الدِّينُ قائمًا يقاتِلُ عليهِ عِصابةٌ مِن المسلمين حتى تقومَ الساعةُ". قوله: "لن يَبْرحَ هذا الدِّينُ"؛ يعني: لن يزالَ هذا الدينُ يجاهِدُ عليه جماعةٌ من المسلمين إلى يوم القيامة؛ يعني: لا يخلُو وَجْهُ الأرضِ من الجهاد إن لم يكنْ في ناحيةٍ يكونُ في ناحيةٍ أخرى. روى هذا الحديثَ جابرُ بن سَمُرَة. * * * ٢٨٦٩ - وقال: "لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سبيلِ الله - والله أعلمُ بمَنْ يُكْلَمُ في سبيلِهِ - إلا جاءَ يومَ القيامَةِ وجُرْحُهُ يَثْعَبُ دمًا، اللونُ لونُ الدَّمِ، والريحُ ريحُ المِسْكِ". قوله: "لا يُكْلَمُ"؛ أي: لا يُجْرَح. "يَثْعَبُ"؛ أي: يسيلُ؛ يعني: تكونُ علامةُ الشهداء على الشهيدِ من غيرِ أن يكونَ له ألمٌ بسيلانِ ذلك الدمِ منه منه تشريفان:

стр. 1941

أحدُهما: أن تفوحَ منه رائحةُ المِسْك في العَرَصَات. والثاني: أن يظهرَ كونهُ شهيدًا؛ لينالَ ثوابَ الشهداء. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٧٠ - وقال: "ما أحدٌ يدخلُ الجَنَّةَ يحبُّ أنْ يَرجعَ إلى الدُّنيا وله ما في الأرض مِن شيءٍ إلا الشهيدُ، يتمنَّى أنْ يرجَعَ إلى الدُّنيا فيُقْتَلَ عَشْرَ مرَّاتٍ لِمَا يرى من الكرامةِ". قوله: "وله ما في الأرضِ من شيءٍ"، هذا معطوفٌ على قوله: "أن يرجعَ إلى الدنيا"؛ يعني: ما يحبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا، وما يحبُّ أيضًا أن يكونَ له شيءٌ مما في الأرض، بل لا يحبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا، ولا يتمنَّى مَتاعَ الدنيا. ويجوز أن تكون الواو في (وَلَهُ) واوَ الحال؛ أي: لا يحبُّ أن يرجِعَ إلى الدنيا في حال كونه مالكًا لكثير من أمتعة الدنيا والبساتينِ والأملاك والأقارب ونفوذِ الأمر؛ يعني: مع أنه كان في الدنيا طَيبَ العيش لا يتمنَّى أن يرجِعَ إلى الدنيا. روى هذا الحديثَ أنسٌ. * * * ٢٨٧١ - وسُئِلَ عبدُ الله بن مسعودٍ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: إنَّا قد سَأَلْنَا عن ذلكَ فقال: "أرواحُهُم في جَوْفِ طيرٍ خُضْرٍ لها قناديلُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شاءَتْ، ثم تَأْوِي إلى تلكَ القناديلِ، فاطَّلَعَ عليهم ربُّهم اطِّلاعةً فقال:

стр. 1942

هل تَشْتهونَ شيئًا؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نَشْتَهِي ونحنُ نَسْرَحُ مِن الجنَّةِ حيثُ شِئْنَا! فَفَعَلَ ذلكَ بهم ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمَّا رَأَوْا أنَّهم لن يُتْرَكُوا مِن أَنْ يُسْأَلُوا، قالوا: يا ربِّ نريدُ أنْ تَرُدَّ أرواحَنَا في أجسادِنَا حتى نُقتَلَ في سبيلِكَ مرَّةً أُخرى، فلمَّا رَأَى أنْ ليسَ لهم حاجةٌ تُرِكُوا". قوله: " ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ "؛ أي: ليسوا أمواتًا، بل هم أحياءٌ عند الله يُرزقون، وكيفية رزقهم ما ذكره رسول الله ﷺ في أن أرواحَهم في أجوافِ طَيْر. قوله: "ففَعَلَ بهم ذلك"؛ أي: اطلع الله عليهم ثلاثَ اطِّلاعات، وسألهم عما يشتهون. * * * ٢٨٧٢ - عن أبي قتادةَ ﵁ قال: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أرأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيلِ الله يُكَفَّرُ عنِّي خطايَايَ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نعمْ، إنْ قُتِلتَ في سبيلِ الله وأنتَ صابرٌ مُحتَسِبٌ، مُقْبلٌ غيرُ مُدْبرٍ"، ثم قال: "كيفَ قلتَ؟ "، قال: أرأيتَ إنْ قُتِلتُ في سبيلِ الله أَيُكَفَّرُ عني خطايَايَ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نعم، وأنتَ صابرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبلٌ غيرُ مُدْبرٍ، إلا الدَّيْنَ فإنَّ جبريلَ قالَ لي ذلكَ". قوله: "مُحْتسِبٌ"؛ أي: طالبٌ ثوابَ الله لا طالبٌ الرياءَ والصِّيْتَ. * * * ٢٨٧٣ - وقال: "القتلُ في سبيلِ الله يُكَفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّيْن". قوله: "القَتْلُ في سبيل الله يُكَفِّرُ كلَّ شيء إلا الدَّيْن"؛ يعني: مَنْ قُتِلَ في سبيل الله غُفِرَ له جميعُ ذنوبه إلا حقوقَ الآدميين.

стр. 1943

روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمرو. * * * ٢٨٧٤ - وقال: "يَضْحَكُ الله إلى رجُلَيْنِ يَقتلُ أحدُهما الآخرَ يَدخُلَانِ الجنَّةَ، يُقاتِلُ هذا في سبيلِ الله فيُقْتَلُ ثم يتوبُ الله على القاتِلِ فيُسْتَشْهَدُ". قوله: "يَضْحَكُ الله إلى رَجُلَين"، اعلم أن الضَّحِكَ يحصُلُ من استحسان فعلٍ وقولٍ، وأثرُ الضَّحِكِ من الضاحك إيصالُ الخيرِ إلى مَن ضحكَ إلى وجهه. والمراد بهذا الحديث: أن الله يرحَمُ القاتلَ والمقتولَ، وصورتُه أن يقاتِلَ مسلمٌ وكافر، فيقتلُ الكافرُ المسلمَ، فيرحمُ الله المسلمَ لأنه قُتِلَ شهيدًا، ثم يوفِّقُ الله ذلك الكافرَ للإيمان فآمن، ثم يوفَّقُه للغزو فيغزو فيستشهد؛ أي: يُقْتَل شهيدًا، فيرحَمُه الله أيضًا. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٧٥ - وقال: "مَن سألَ الله الشهادةَ بصِدقٍ، بَلَّغَهُ الله منازِلَ الشهداءِ وإنْ ماتَ على فراشِهِ". قوله: "من سألَ الله الشهادةَ"؛ يعني: مَنْ طلبَ مِن الله أنْ يجعله شهيدًا عن نية خالصة آتاه الله أجرَ الشهداء بصدق نيته، وإن ماتَ على فراشه. روى هذا الحديثَ سهلُ بن سعد. * * * ٢٨٧٦ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ الرُّبَيع بنتَ البَراءِ - وهي أمُّ حارِثَةَ بن سُراقَةَ -

стр. 1944

أَتَت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ الله! أَلَا تُحَدِّثُنِي عن حَارِثَةَ، وكانَ قُتِلَ يومَ بَدرٍ أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فإنْ كَانَ في الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وإنْ كَانَ غيرَ ذلكَ اجتهدتُ عليهِ في البكاءِ، قال: "يا أُمَّ حارِثَةَ! إنها جِنانٌ في الجنةِ، وإنَّ ابنكَ أصابَ الفِردوسَ الأعلى". قوله: "سهمٌ غَربٌ" بفتح الراء وسكونها، ويجوز إضافة السهم إلى غرب، ويجوزُ أن نجْعَلَ (غَربًا) صفة لسهم، ومعنى كليهما: سهم لا يُدْرى راميه. * * * ٢٨٧٧ - عن أنسٍ ﵁ قال: انطلَقَ رسولُ الله ﷺ وأصحابهُ، حتى سَبقُوا المشركينِ إلى بدرٍ، وجاءَ المشركونَ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قُومُوا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ"، قالَ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ: بَخٍ بَخٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما يَحْمِلُكَ على قولِكَ: بَخٍ بَخٍ؟ "، قال: لا والله يا رسولَ الله! إلَاّ رجاءَ أنْ أكونَ من أهلِها، قال: "فإنكَ مِن أَهلِهَا"، قال: فأخرجَ تمراتٍ فجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثم قال: لئنْ أَنَا حَييتُ حتى آكُلَ تَمَراتِي إنَّها لحَيَاةٌ طويلة، قال: فَرَمَى بما كانَ معَهُ مِنَ التَّمر ثم قاتَلَهم حتّى قُتِلَ". قوله: "سبقوا المشركين"؛ أي: نزلَ رسولَ الله وأصحابُه البدر قبل نزول الكفار. قوله: "بخ بخٍ"، هذه كلمةٌ يقولُها المتعجِّبُ من شيء، والمستحسِنُ شيئًا. قوله: "اخْتَرَجَ"؛ أي: أخرجَ تميراتٍ من ظَرْفِها. * * *

стр. 1945

٢٨٧٩ - وقال: "ما مِن غازِيَةٍ أو سَرِيَّةٍ تغزُو فتَغْنَمُ وتَسْلَمُ إلا كانُوا قد تَعَجَّلُوا ثُلُثي أجورِهم، وما مِن غازِيَةٍ أو سَرِيَّةٍ تُخفِقُ وتُصابُ إلا تَمَّ أُجورُهم". قوله: "ما من غازيةٍ"؛ أي: ما من جماعةٍ غازيةٍ. "أو سَرِيَّةٍ"، هذا شكٌّ من الراوي في أنه ﷺ قال: ما من غازية، أو قال: ما من سرية. "تُخْفِقَ" - بضم التاء وسكون الخاء وكسر الفاء -؛ أي: تخلُو يدُه مما يطلبُه من المال، أو الكسب، أو الغنيمة. "وتُصَابُ"؛ أي: تُجْرَح أو تُقْتَل؛ يعني: مَن غزا، وحَصَلَتْ له الغنيمةُ يكون أجرُه أقلَّ من الذي غزا، ولم يحصلْ له الغنيمةُ، وجُرِحَ أو قُتِلَ؛ لأن الأجر بقدْر التعب. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو. * * * ٢٨٨٠ - وقال: "مَن ماتَ ولم يَغْزُ، ولم يُحَدِّثْ نفسَه، ماتَ على شُعبةٍ مِن نِفاقٍ". قوله: "ولم يحدِّثْ نفسَه"؛ يعني: ولم يقلْ مع نفسه: يا ليتني كنتُ غازيًا؛ يعني: من لم يَغْزُ ولم يتمنَّ الغَزْوَ عند القدرة فهو منافق، أو شابهَ المنافقين في عدمِ إرادةِ الغزو؛ لأن المنافقينَ لا يتمنَّون الغَزْوَ؛ لأنهم كُفَّار. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٨٨١ - وعن أبي موسى ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: الرَّجلُ

стр. 1946

يُقاتِلُ للمَغْنَمِ، والرجلُ يقاتِلُ للذِّكْرِ، والرجلُ يقاتِلُ ليُرَى مكانُه، فمَن في سبيلِ الله؟ قال: "مَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا فهوَ في سبيلِ الله". قوله: "للذَّكْر"؛ أي: ليشتهرَ صيتُ شجاعتِه بين الناس. قوله: "ليُرَى مكانُه"؛ أي: ليُرَى منزِلُه من الجنة؛ أي: لتحصلَ له الجنة. قوله: "من قاتلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا"، (كلمة الله)؛ أي: دِينُ الله؛ يعني: من غزا لإعزاز الدين لا للغنيمة وإظهارِ الشجاعة، فهو غازٍ، ومَن غزا لمجرد الغنيمة وإظهارِ الشجاعة، فليس له ثوابُ الغُزَاة. * * * ٢٨٨٢ - وعن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ رجعَ مِن غزوةِ تبوكَ فدَنَا مِن المدينةِ فقال: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما سِرْتُم مَسِيرًا ولا قَطَعْتُم وادِيًا إلا كانُوا معَكم - وفي روايةٍ: إلَاّ شَركُوكُم في الأجر -"، قالوا: يا رسولَ الله وَهُم بالمدينةِ! قالَ: "وهَمُ بالمدينةِ حَبَسَهُم العذرُ". قوله: "حبَسهم العُذْرُ"؛ أي: الفقراءُ والضعفاءُ الذين لم يقدِرُوا على الغزو لضعفهم، أو لعدم زادِهم ومركوبهم = حصلَ لهم ثوابُ الغزو وإن لم يَغْزُوا؛ لأنهم يتمنَّون الغزوَ، ولكنهم لم يقدِرُوا عليه. * * * ٢٨٨٣ - عن عبدِ الله بن عَمرٍو قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فاستأذَنَهُ في الجهادِ، فقال: "أَحَيٌّ والِدكَ؟ "، قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهِد". وفي روايةٍ: "فارجِعْ إلى والدَيْكَ فأَحْسِنْ صُحْبَتَهُما". قوله: "ففيهما فجاهِدْ"؛ يعني: اخدُمْهما واطلبْ رضاهما، فإن خِدْمَتَهُمَا

стр. 1947

وطلبَ رضاهما هو جهادُك. * * * ٢٨٨٤ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ يومَ الفتحِ: "لا هِجْرَةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ وإذا اسْتُنْفِرتُمْ فانْفِرُوا". قوله: "ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ"؛ يعني: إذا فُتِحتْ مكةُ لا فضيلةَ في تَرْكِ مكة، والإتيانِ إلى المدينة؛ لأن كليهما من دار الإسلام، ولكنْ تكونُ الفضيلةُ في الجِهاد، ونيةِ الخير، وإرادةِ ما يحب الله. "وإذا استنفرتم فانْفِروا"، (النِّفَار والنفور): الانتقالُ والخروجُ، و (الاستنفارُ): طلبُ الخروج والانتقال؛ يعني: إذا أمرَكم إمامُكم بالخروجِ إلى الغزو، فأطيعوه واخرجوا إلى الغزو. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٨٨٥ - عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الحقِّ ظاهرينَ على مَن ناَوأَهم، حتى يُقاتِلَ آخِرُهم المَسيحَ الدَّجَّالَ". قوله: "ظاهرين"؛ أي: غالبين. "على من ناوَأَهم"؛ أي: مَن عاداهم. * * * ٢٨٨٦ - عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ لم يَغْزُ ولم يُجَهِّزْ غَازِيًا،

стр. 1948

أو يَخْلُفْ غَازِيًا في أهلِه بخيرٍ، أصابَهُ الله بقارعةٍ قبلَ يومِ القيامةِ". قوله: "بقارعة"؛ أي: بعذاب. * * * ٢٨٨٧ - عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "جاهِدُوا المُشركينَ بأموالِكُم وأنفسِكُمْ وأَلسِنَتِكُمْ". قوله: "جاهدوا المشركين بأموالكم"؛ يعني: المشركون أعداؤكم, فأظهروا العداوةَ عليهم بأن تصرِفُوا أموالَكم في تهيئة أسبابِ المجاهدين إن لم تقدِرُوا أن تجاهِدُوا بأنفسكم، وإن قدَرْتُم، فجاهِدُوا بأنفسكم، وجاهدوهم بألسنتكم بأن تذمُّوهم، وتعيبوهم وتعيبوا أصنامهم، ودينَهم الباطل، واعتقادَهم الفاسد، وبأن تخوِّفوهم بالقتل والأخذ، وما أشبهَ ذلك. * * * ٢٨٨٨ - عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَفشُوا السَّلامَ، وأَطعِمُوا الطَّعامَ، واضْرِبُوا الهامَ، تُورَثُوا الجِنانَ"، غريب. قوله: "واضربوا الهَامَ"، (الهامُ): جمع هامَة بتخفيف الميم؛ يعني: اقطعوا رؤوس الكفار. * * * ٢٨٨٩ - عن فُضالةَ بن عُبيدٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كلُّ مَيتٍ يُخْتَمُ على عملِهِ، إلا الذي ماتَ مُرابطًا في سبيلِ الله؛ فإنه يُنَمَّى لهُ عملُهُ إلى يومِ القيامَةِ ويَأْمَنُ فتنةَ القبرِ". قال: وسمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "المُجاهِدُ مَن جاهَدَ نفسَه".

стр. 1949

قوله: "يُخْتَمُ على عمله"؛ يعني: انقطع عملُه؛ أي: لا يصلُ إليه ثوابُ عمل؛ لأنه لم يكن حيًا حتى يعملَ فيُثَاب، إلا الشهيد، فإنه يُنْمَى له عملُه؛ أي: يزادُ ويربى عمله، ويصلُ إليه كلَّ لحظةٍ أجرٌ جديد؛ لأنه فدى نفسَه في شيءٍ يعود نفعُه إلى المسلمين، وهو إحياءُ الدين، ودفعُ الكفار عن المسلمين، فيكون داخلاً في قوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عملُه إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فسعيُه مما يستريحُ به المسلمون؛ لأنه دَفَعَ الكفار عنهم، أو لم يدفَعْ، ولكن كانت نيتُه أن يدفعَ الكفارَ عن المسلمين فقُتِلَ قبل أن يبلغَ ما في نيته. * * * ٢٨٩٠ - وعن معاذِ بن جبلٍ ﵁ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ قَاتَلَ في سبيلِ الله فَوَاقَ ناقةٍ، فقد وَجَبَتْ لهُ الجنَّةُ، ومَن جُرحَ جُرحًا في سبيلِ الله أو نُكِبَ نَكْبَةً، فإنها تَجيءُ يومَ القيامةِ كَأَغْزَرِ ما كانت، لونُها الزَّعْفَرانُ وريحُها المِسْكُ، ومَن خَرَجَ به خُرَاجٌ في سبيلِ الله فإنَّ عليهِ طابَعَ الشُّهداءِ". قوله: "من قاتل في سبيل الله فَوَاقَ ناقةٍ، فقد وجبتْ له الجنة"، قال أهل اللغة: (الفَوَاقُ): ما بين الحَلْبتين من الوقت، وهذا يحتملُ أن يكونَ ما بين الغداةِ إلى المساءِ؛ لأن الناقةَ تُحلَب في وقت الغداة، ثم في وقت المساء، أو تُحلَبُ في وقت المساء، ثم إلى المساء الآخر. ويحتملُ أن يكونَ ما بينَ أن يحلِبَ في ظرفٍ فامتلأ، ثم يحلِبَ في ظرفٍ آخر في ذلك الوقت، فيكون الفواق الزمان الذي فرغ في ملء ظرف، ثم الحلب إلى ظرف آخر. ويحتملُ أن يكونَ ما بين جَرِّ الضَّرْعِ إلى جَرِّه مرةً أخرى، كلَّ ذلك

стр. 1950

مُحْتمَل، والوجه الآخَرُ أَلْيَقُ بالترغيب في الجهاد، وإكمالِ أجره؛ يعني: من قاتل في سبيل الله لحظةً ثبتتْ له الجنة. قوله: "ومن جُرِحَ جرحًا في سبيل الله، أو نُكِبَ نَكبةً". (الجرحُ) و (النكبةُ) كلاهما واحدٌ هنا؛ بدليل أنه يصفُ لونهما بلون الزَّعْفَران؛ يعني: يسيلُ منهما الدمُ، ولونُ ذلك الدمِ كلون الزعفران، وريحُه ريحُ المِسْك، ولون الزعفران في حال كونه يابسًا يشبه لونَ الدَّمْ، وهذا الحديث مثلُ قوله: "لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل الله"، وقد ذكرنا شرحَه في هذا الباب. واعلمْ أن الفرقَ بين الجرح والنكبة هنا: أن الجرح: ما يكون من نَصْلِ الكفار، والنكبة: الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابة، أو وقع عليه سلاحُ نفسِه، وغير ذلك. قوله: "ومن خرجَ به خُرَاجٌ في سبيل الله فإنَّ عليه طابَعَ الشهداء". (الخُرَاجُ) - بضم الخاء -: ما يخرُجُ في البدن من القروح والدَّمَاميل. (الطابَع): - بفتح الباء - والخاتم: ما يُخْتَمُ به على شيء؛ أي: يُعَلَّم؛ يعني: من كان في سبيل الله، فخرج منه دُمَّل، أو أصابته جِراحةٌ غير جِراحَةِ الكفار، فيحشَرُ يومَ القيامة وعليه علامةُ الشهداء؛ ليُعْلَمَ أنه سعى في سبيل الله؛ ليُعْطَى أجرَ المجاهدين. * * * ٢٨٩٢ - عن أبي أمامةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أفضلُ الصَّدقاتِ ظِلُّ فُسْطاطٍ في سبيلِ الله، ومِنْحَةُ خادمٍ في سبيلِ الله، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سبيلِ الله". قوله: "ظِلُّ فُسْطاطٍ"، (الفسطاط): نوعٌ من الخَيْمة؛ يعني: أفضلُ

стр. 1951

الصدقاتِ إعطاءُ خيمةٍ صدقةً في سبيل الله؛ ليستريحَ بظلِّها المجاهدون، وكذلك جميعُ الصدقات ما يكون في سبيل الله منها أفضلُ مما يكون في غيرِ سبيلِ الله. قوله: "ومِنْحَةُ خادم"؛ أي: إعطاءُ عبدٍ في سبيل الله؛ ليخدمَ المجاهدين. "أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ"، (الطَّرُوقَةُ) - بفتح الطاء -: الناقةُ التي بَلَغَتْ إلى سِنٍّ ينزو عليها الفَحْلُ، والمراد بها: إعطاءُ مركوبٍ في سبيل الله. * * * ٢٨٩٣ - عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لا يَلِجُ النَّارَ مَن بَكَى مِن خشيةِ الله، حتى يعودَ اللَّبن في الضَّرْعِ، ولا يجتمعُ غُبَارٌ في سبيلِ الله ودُخَانُ جهنَّمَ في مَنْخِرَي مُسلمٍ أبدًا". ويُروَى: "في جوفِ عبدٍ أبدًا، ولا يجتمعُ الشُّحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا". قوله: "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله، ودخانُ جهنَّمَ في مَنْخِرَي مسلمٍ أبدًا"؛ يعني: من دخلَ الغبارُ مَنْخِرَه في الجهاد لا يدخل دخانُ جهنَّم مَنْخِرَه. قوله: "ولا يجتمعُ الشحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا"؛ يعني: منْ كان في قلبه الشُّحُّ لا يكونُ في قلبهِ الإيمانُ، ومن كان في قلبه الإيمانُ لا يكون في قلبه الشحُّ. وهذا مَشْكِلٌ إن أريدَ بالشُّحِّ منعُ الزكاةِ مع اعتقاد وجوبها، أو أريدَ به منعُ الصدقات؛ لأن الإيمانَ يجتمعُ في قلبِ مانعِ الصدقات ومانعِ الزكاةِ مع اعتقاد وجوبها. وتصحيحُ معنى هذا الحديثِ أن نقول: لا يجتمعُ الإيمانُ ومنعُ الزكاةِ مع

стр. 1952

اعتقاد أنها غيرُ واجبةٍ؛ لأنه حينئذ يصيرُ كافرًا لإنكار ركن من أركان الإسلام. أو نقول: يريد ﷺ بالإيمانِ هنا كمالَ الإيمان؛ يعني: لا يجتمعُ كمالُ الإيمان، ومنعُ الصدقاتِ والزكاةِ في قلبِ رجلٍ. * * * ٢٨٩٤ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عَيْنَانِ لا تمسُّهما النارُ: عينٌ بَكَتْ مِن خشيةِ الله، وعينٌ باتَتْ تحرُسُ في سبيلِ الله". قوله: "تحرسُ في سبيل الله"؛ أي: يكونُ حارسًا للمجاهدين يحفظُهم عن الكفار. * * * ٢٨٩٥ - عن أبي هريرةَ قال: مَرَّ رجلٌ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ بِشِعْبٍ فيهِ عُيَيْنَةٌ من ماءٍ عذبةٌ فَأَعْجَبَتْهُ، فقال: لو اعتزلتُ الناسَ فأَقَمْتُ في هذا الشِّعْبِ، فذكر ذلكَ لرسولِ الله ﷺ فقال: "لا تفعلْ! فإنَّ مُقامَ أحدِكم في سبيلِ الله أفضَلُ مِن صلاتِهِ في بيتِهِ سبعينَ عامًا، ألا تُحِبونَ أنْ يغفرَ الله لكم وُيدْخِلَكُمْ الجَنَّةَ، اُغزُوا في سبيلِ الله، مَن قاتَلَ في سبيلِ الله فَوَاقَ ناقةٍ وجبَتْ له الجَنَّةُ". قوله: "بشِعْبٍ" بكسر الشين؛ أي: بطريقٍ وفُسْحَةٍ بينَ الجبلين. "فيه عُيَيْنَةٌ"، تصغيرُ عين، وهي عينُ الماء. وفي بعض نسخ "المصابيح": (غَيْضَة)، وهذا سهوٌ من النساخ، ولو ثبتَ مجيئها في رواية؛ لكان المرادُ بالغَيضة عينًا من الماء؛ لأن الغيضةَ مجتَمعُ الأشجارِ والنباتات، واللازمُ في الغَيضة أن يكون فيها الماءُ، فسمِّيَ العينُ

стр. 1953

غَيْضَةً؛ لاشتمال الغيضة بالعين العذبة الطَّيبة. "فأعجبته"؛ أي: حَسُنَتْ في عينه، وطابَتْ في قلبه. * * * ٢٨٩٧ - وعن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "عُرِضَ عليَّ أولُ ثلاثةٍ يدخلونَ الجنةَ: شهيدٌ وعَفيفٌ مُتعفِّفٌ، وعبدٌ أحسنَ عبادةَ الله ونصحَ لِمَوَاليهِ". قوله: "عُرِضَ عليَّ أولُ ثلاثةٍ يَدْخُلُون الجَنَّةَ: شهيدٌ، وعفيفٌ متعفِّفٌ، وعبدٌ أحسن عبادةَ الله ونصحَ لمواليه". (العفيفُ): الذي يمنَعُ نفسَه عما لا يجوزُ في الشرع، (المتعفِّفُ): الصابر على مخالفة نفسه، (ونصح لمواليه)؛ أي: أراد الخير لسيده وأقام بخدمته. قوله: "أول ثُلَّةٍ"، (الثُّلَّةُ): الجماعة؛ يعني: هذه الثُّلَّةُ أولُ جماعةٍ يدخلُون الجنة. وفي بعض الروايات: (أول ثلاثة)، فعلى هذا تقديرُ الكلام: أولُ ثلاثةٍ يدخلون الجَنَّةَ: شهيدٌ، ثم عفيفٌ متعفِّفٌ، وعبدٌ أحسنَ عبادةَ الله. * * * ٢٨٩٨ - عن عبدِ الله بن حُبْشِيٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "إيمانٌ لا شَكَّ فيهِ، وجِهادٌ لا غُلولَ فيهِ، وحَجَّةٌ مَبرورَةٌ"، قيلَ: فَأَيُّ الصَّلاةِ أفضلُ؟ قال: "طولُ القيامِ"، قيلَ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: "جُهْدُ المُقِلِّ"، قيل: فأيُّ الهِجْرةِ أفضلُ؟ قال: "مَن هَجَرَ ما حَرَّم الله عليهِ"، قيل: فأيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: "مَن جاهَدَ المشركينَ بمالِهِ ونفسِهِ"، قيل: فأيُّ القتلِ أشْرَفُ؟ قال: "مَن أُهْريقَ دَمُهُ وعُقِرَ جَوادُهُ".

стр. 1954

قوله: "طولُ القِيام"؛ أي: طولُ القيامِ في الصلاة. قوله: "جُهْدُ المُقِلِّ"، (الجُهْدُ) - بضم الجيم -: الطاقةُ، و (المُقِلُّ): الفقيرُ؛ يعني: ما أعطاه الفقيرُ مع احتياجه إلى ما أعطاه، وهذا بشرطِ أن يكونَ المُعطي قد أعطى نفقةَ العيال، ثم جوَّع نفسَه، وأعطى نصيبَه السائلَ، ولا يجوزُ أن يقطَعَ النفقةَ عن العيال، ويدفعَها إلى السائل إلا برضا العيالِ البالغين. قوله: "فأيُّ القتل أشرفُ؟، قال: من أُهرِيقَ دمُه، وعُقِرَ جوادُه"، وتقدير هذا الكلام: قتلُ مَنْ أُهريقَ دمُه في الجِهاد، وعُقِرَ جوادُه فيه، فحذفَ المضافَ، وهو الَقْتلُ، وأقامَ المضافَ إليه، وهو لَفْظَةُ (مَنْ) مُقَامَه. (العَقْرُ): القَتْلُ، وقَطْعُ عَقِبِ الرَّجُل، و (الجَوادُ): الفرسُ الجَيد. يعني: القتلُ في الجهاد أنواع: أحدها: أن يخرجَ المجاهِدُ، ثم يفرَّ ويموتَ بعد الفرار. والثاني: أن يخرجَ المجاهِدُ في صفِّ المسلمين بأن يقعَ عليه سهمٌ فيموت. والثالث: أن يحملَ على الكفار، ويوقِعَ نفسه بين الكفار، ويحاربَهم حتى يَعْقِرَ الكفارُ فرسَه ويقتُلوه، فهذا أفضلُ القَتْلِ في الجهاد. * * * ٢٨٩٩ - عن المِقْدَامِ بن مَعدِ يكرِبَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "للشَّهيدِ عندَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لهُ في أولِ دفعةٍ، ويَرَى مَقْعَدَهُ مِن الجَنَّةِ، ويُجَارُ مِن عذابِ القبرِ، ويَأْمَنُ مِن الفَزَعِ الأكبرِ، ويُوضَعُ على رأسِهِ تاجُ الوَقارِ، الياقوتَةُ منها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العينِ، ويُشُفَّعُ في سبعينَ مِن أقربائه".

стр. 1955

قوله: "ويُرى مَقْعَدَه من الجنة"، بضم الياء مضارع مجهولٌ مِن (رأى) إذا أبصرَ، فنقلَه إلى باب أَفْعَلَ ليُعَدَّى إلى مفعولين، أحد المفعولين: ذاك الرجل، وهو أقيم مُقامَ الفاعل، والمفعول الثاني (مقعده)؛ يعني: عند زهوق روحِ الشهيد يُرَى مقعدَه من الجنة. قوله: "ويُجَار"؛ أي: ويُحْفَظُ. قوله: "وَيأْمَنُ من الفَزَعِ الأكبر"، قيل: (الفزع الأكبر): الوقتُ الذي يُؤْمَرُ أهلُ النار بدخول النار. وقيل: الوقت الذي يُذْبَحُ الموتُ، فيَيْأَسُ الكفارُ عن التخلُّصِ من النارِ بالموت. وقيل: الوقتُ الذي أطبقتِ النارُ على الكفار، فييأَسَوا عن الخروج منها. قوله: "تاجُ الوقار"؛ أي: تاج العزة. قوله: "ويُشَفَّعُ" بضم الياء وتشديد الفاء؛ أي: تُقْبَلُ شفاعته. * * * ٢٩٠٠ - وقال: "مَن لَقِيَ الله بغيرِ أثرٍ مِن جهادٍ، لقِيَ الله وفيهِ ثُلمَة". قوله: "بغير أثرٍ"؛ أي: بغير علامةٍ للغَزْو عليه. وتلك العلامة: إما التعبُ النفساني، أو الجراحةُ في الغزو، أو بذلُ المالِ في الغزو، وإرادة تهيئة أسباب المجاهدين، كلُّ ذلك داخلٌ في الأَثَر؛ يعني: مَنْ كان له شيءٌ من هذه الأشياء؛ فقد كان عليه أَثَرُ الغزو، ومَن كان خارجًا من هذه الأشياء لم يكنْ عليه أثرُ الغزو، وحينئذٍ يكونُ عليه "ثُلْمَةٌ" يومَ

стр. 1956

القيامة؛ أي: نقصانٌ. فهذا الحديث مثل قوله: "من مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّثْ نفسَه، ماتَ على شعبةٍ من النفاق"، وقد ذكر في هذا الباب. روى هذا الحديث - أعني: "من لقي الله بغير أثرٍ" - أبو هريرة. * * * ٢٩٠١ - وقال: "الشَّهيدُ لا يجدُ أَلَمَ القَتْلِ، إلا كما يَجِدُ أَحَدُكم ألمَ القَرْصَةِ"، غريب. قوله: "الشهيدُ لا يجدُ ألمَ القَتْل إلا كما يجدُ أحدكم ألم القَرْصَة"، (القَرْصَةُ): عضُّ النملةِ الإنسانَ. فإن قيل: إذا كان ألمَ القَتْلِ مثلُ أَلَمِ القَرْصَة، فبأيِّ شيءٍ يموتُ الشهيد، فإنَّ مثلَ هذا الألمِ مما لا يموتُ به الإنسان؟. قلنا: ليس زهوقُ الروحِ بالألم، بل بأمر الله تعالى، فإنه قد يُزْهِقُ الروحَ بغير ألم بأمر الله، وقد يكون الألمُ بالإنسان على غاية الشدة، ولا تُزْهَقُ به روحُه إذا لم يأمر الله بزهوق روحِه. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٩٠٢ - وعن أبي أُمامَةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "ليسَ شيءٌ أَحَبَّ إلى الله مِن قَطْرَتَيْنِ وأثَرَيْنِ: قطرةُ دَمْعٍ مِن خَشيةِ الله، وقطرةُ دمٍ يُهْراقُ في سبيلِ الله، وأمَّا الأَثَرانِ: فأَثَرٌ في سبيلِ الله، وأَثَرٌ في فريضةٍ مِن فرائضِ الله تعالى"، غريب.

стр. 1957

قوله: "فأثرٌ في سبيل الله"، (الأَثَرُ): العلامةُ؛ يعني: علامةُ الغزو على الغازي من الجِرَاحة، أو غبارُ الطريق وغيرهما، "وأثرُ فريضةِ الله": علامةُ الوضوءِ ببللِ الماءِ على الأعضاءِ، وعلامةُ السجود على الجبهة، و (الأثرُ) أيضًا: الخُطْوَة؛ يعني: الخطواتُ في الغزو، وفي المشي إلى الصلاة. * * * ٢٩٠٣ - عن عبدِ الله بن عَمرٍو قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَركبِ البحرَ إلا حاجًا أو مُعتَمِرًا أو غازيًا في سبيلِ الله، فإنَّ تحتَ البحرِ نارًا، وتحتَ النارِ بحرًا". قوله: "لا تركب البحر إلا حاجًّا، أو معتمِرًا، أو غازيًا في سبيل الله"، هذا الحديثُ يدلُّ على وجوبِ ركوبِ البحرِ للحَجِّ والجهاد إذا لم يجدْ طريقًا آخر، وفيه قولٌ للشافعي: أنه لا يجب. قوله: "فإن تحت البحر نارًا، وتحتَ النَّارِ بحرًا"، يُحْمَلُ هذا الحديثُ على ظاهره؛ يعني: خلقَ الله تحتَ ما ترى من البحر نارًا، وتحتَ تلك النارِ بحرًا، فإن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والغَرَضُ من هذا الحديث: تعظيمُ خَطَرِ ركوبِ البحر؛ يعني: إذا كان في ركوب البحر خطرٌ شديدٌ عظيمٌ لا تركبوه إلا لضرورة. * * * ٢٩٠٤ - عن أمَّ حرامٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "المائدُ في البحرِ الذي يُصيبهُ القَيْءُ لهُ أجرُ شهيدٍ، والغريقُ لهُ أجرُ شهيدَيْنِ". قوله: "المائِدُ في البحر"، هذا اسمُ فاعلٍ من مادَ يَمِيدُ: إذا دارَ رأسُ

стр. 1958

الرجلِ من خوفِ البحرِ وغِشْيانِ معدتهِ من تحرك السفينة في البحر؛ يعني: مَن ركب البحرَ وأصابَه دُوارٌ له أجرُ شهيدٍ إن كان يمشي إلى طاعةٍ، كالغزو والحج وتحصيل العلم. وأما التجار؛ فإن لم يكن لهم طريقٌ سوى البحر، وكانوا يتَّجِرون للقُوت لا لجمعِ المال، فهم داخلون في هذا الأجر. * * * ٢٩٠٥ - عن أبي مالكٍ الأشعريِّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن فَصَلَ في سبيلِ الله فماتَ، أو قُتِلَ، أو وَقَصَهُ فرسُه أو بعيرُه، أو لدَغتْهُ هامَّةٌ، أو ماتَ على فراشِهِ بأَيِّ حتفٍ شاءَ الله فإنه شهيدٌ، وإنَّ لهُ الجَنَّةَ" قوله: "من فَصَلَ"؛ أي: خَرَجَ. "وقَصَه فرسُه"؛ أي: ألقاه على الأرض، فمات منه. "هامّة"؛ يعني: حيوانٌ له سُمٌ مثلُ الحيةِ والعَقْرَب. "أو ماتَ على فراشه"؛ يعني: في طريق الغزو. "بأيِّ حَتْفٍ"؛ أي: بأي هلاك قدَّره الله. * * * ٢٩٠٦ - عن عبدِ الله بن عَمرٍو أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "قَفْلَةٌ كغزوةٍ". قوله: "قَفْلَةٌ كغزوة"، (القَفلَةُ): الرجعة، وصورتُها: أن يغزوَ جيشُ الإسلام، وأغاروا على بلدٍ من بلاد الكفار، ثم خرجوا من ذلك البلد إلى موضعٍ آخر، ثم يأمر أميرُ الجيشِ سَرِيَّةً من جيشه أن يرجِعُوا إلى ذلك البلد، وأغاروا على مَن بَقِيَ من كفار ذلك البلد وأموالهم، ثم يُرَغِّبُ رسول الله ﷺ في هذه الرجعة

стр. 1959

والإغارة على الكفار مرة ثانية، ويقول: لا فرقَ في الثواب بين هذه الرَّجْعَةِ وبين الغَزْوِ الأول مع أمير الجيش، ويجوز أن يريد ﷺ بالقفلة: الرجوعَ إلى أوطانهم. يعني: المجاهدون يؤجَرون في الرجوع من الغزو إلى أوطانهم كما يُؤْجَرون في الذهاب إلى الغزو. * * * ٢٩٠٧ - وقال: "للغازي أَجْرُه، وللجاعِل أَجرُهُ وأجرُ الغازي". قوله: "للغازي أَجْرُه، وللجَاعِلِ أَجْرُه، وأَجْرُ الغازي"، (الجَاعِلُ): الذي يدفع جُعْلاً؛ أي: أُجرةً إلى غازٍ ليغزو. وهذا العَقْدُ صحيحٌ عند أبي حنيفة ومالك، فإذا كان صحيحًا يكون للغازي أجرٌ بسعيه، وللجاعل أجران: أجرُ صَرْفِ المال في سبيل الله، وأجرُ كونهِ سببًا لغزو ذلك الغازي؛ فإنه لولاه لما خرجَ ذلك الغازي إلى الغزو، ومن لم يَجَوِّز هذا العَقْدَ يقول: يجبُ على الغازي رَدُّ الأجرة التي أخذها للغزو على مالكها. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو. * * * ٢٩٠٨ - عن أبي أيوبَ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يقول: "ستُفتَحُ عليكم الأمصارُ، وستكونُ جنودٌ مُجَنَّدةٌ، يُقطَعُ عليكم فيها بُعوثٌ، فيَكرهُ الرَّجلُ البعثَ فيَتخلَّصُ مِن قومِهِ، ثم يتصفَّحُ القبائلَ يَعرِضُ نفسَهُ عليهم: مَن أَكْفِيهِ بعثَ كذا، ألا وذلك الأجيرُ إلى آخرِ قطرةٍ من دمِهِ". قوله: "ستُفْتَحُ عليكم الأمصارُ، وستكونُ جنودٌ مجنَّدَةٌ"؛ أي: مجموعة؛

стр. 1960

يعني: إذا بلغ الإسلامُ في كلِّ ناحية، فحينئذ يحتاجُ الإمامُ إلى أن يرسِلَ في كلِّ ناحيةٍ جيشًا ليحاربَ من يَلِي تلك الناحيةَ من الكفار، كي لا يغلبَ كفارُ تلك الناحيةِ على أهل تلك الناحيةِ من المسلمين، فإذا احتاجَ الإمامُ إلى أن يرسلَ إلى كل ناحيةٍ جيشًا يحتاج إلى أن يجمعَ الجيشَ من كلِّ قبيلة، ومن كل بلدٍ من بلاد المسلمين. فأخبر ﷺ أنه يكون في ذلك الوقت مَن لا يرغَبُ في الجهاد، بل يفِرُّ من قبيلته إلى قبيلةٍ أخرى، ويأخذُ أُجْرةً على الجهاد، ويمشي بما أخذ من الأجرة إلى الجهاد، فأخبر ﷺ أنَّ مَن فَرَّ عن أمر الإمام وطاعته، ولم يَفِرَّ بأمر الإمام من غير الأجرة، ثم أخذ الأجرة من أحدٍ، وغزا بالأجرة لم يكنْ له ثوابٌ بمخالفة أمرِ الإمام، وبأخذِ الأجرة. قوله: "يُقْطَعُ"؛ أي: يُؤْمَرُ ويُوْضَع. "عليكم فيها"؛ أي: في تلك الجنود. "بُعوثٌ"؛ أي: جنودٌ، و (البُعُوثُ): جمع بَعْث، وهو جماعةٌ يرسِلُها الإمام إلى ناحيةٍ للغزو. "فيكْرَهُ الرجلُ البَعْثَ"؛ أي: يكونُ بعضُ الرجالِ يَكْرَهُ أن يخرُجَ بلا أجرةٍ إلى ذلك الغزو. "فيتخَلَّصُ"؛ أي: فيخرُجُ من بينِ قومه، "ثم يتصفَّح القبائلَ"؛ أي: ثم يتتبَّعُ. "من أَكْفِيه"؛ يعني: يقول لأهلِ تلكَ القبائل: مَن يعطيني أجرةً لأمشيَ إلى الغزو عنه، وأكفي؛ أي: أدفعُ عنه الخروجَ بنفسِه إلى الغزو. "ألا وذلك الأجيرُ إلى آخرِ قطرةٍ من دمه"؛ يعني: وذلك الأجيرُ أجيرٌ، وليس بغازٍ إلى أن يُقْتَل؛ يعني: إذا رغبَ عن الثواب، وطاعةِ الامام، وأَخْذِ

стр. 1961

الأُجْرةِ في الغزو، فليس له إلا تلكَ الأجرة، وليس له ثوابٌ من الغزو. * * * ٢٩٠٩ - عن يَعلى بن أُميَّةَ قال: آذَنَ رسولُ الله ﷺ بالغزوِ، وأنا شيخٌ كبيرٌ ليسَ لي خادِمٌ، فالتمستُ أجيرًا يَكفيني، فوَجَدْتُ رَجُلاً سَمَّيتُ لهُ ثلاثةَ دنانيرَ، فلمَّا حضرَتْ غَنيمةٌ أردْتُ أنْ أُجريَ لهُ سهمَهُ، فجئتُ إلى النبيَّ ﷺ فذكرتُ لهُ فقالَ: "ما أَجِدُ لهُ في غَزوَتِهِ هذهِ في الدُّنيا والآخرةِ، إلا دنانيرَهُ التي سَمَّى". قوله: "آذنَ رسولُ الله ﷺ "؛ أي: أَمَرَ. "فالتمسْتُ"؛ أي: طَلَبْتُ. "يَكْفِيني"؛ أي: يدفعُ عني الخروجَ إلى الغَزْوِ بأن يأخذَ مني أجرةً، ويخرجَ عني إلى الغزو. "أن أُجْرِيَ له سهمَه"؛ أي: أن آخذَ له من القِسْمةِ سهمًا مثلَ سهامِ سائرِ الغانمين. فقال رسول الله ﷺ : "ما أجدُ له في غَزْوَتهِ"؛ يعني: ليس لهم سهمٌ من الغَنيمة، بل ليس له في الدنيا من القِسْمة، ولا في الآخرة من الثَّواب، إلا ما أخذَ من الأُجْرة، وهل للأجيرِ سهمُ الغنيمة؟. * * * ٢٩١٠ - عن أبي هريرةَ: أنَّ رَجُلاً قال: يا رسولَ الله! رجلٌ يريدُ الجهادَ في سبيلِ الله وهو يبتغي عَرَضًا مِن عَرَضِ الدنيا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا أَجْرَ لهُ". قوله: "يبتغي عَرَضًا"؛ أي: يطلُبُ مالاً، يحتمل أن يريد بقوله: (عَرَضًا): الغنيمة، ويحتمل أن يريد به: الأجرة التي يأخذها الرجلُ ليغزوَ بها.

стр. 1962

قوله: "لا أَجْرَ له"؛ أي: لا ثوابَ له؛ لأنه لم يَغْزُ لله تعالى. * * * ٢٩١١ - وعن معاذٍ عن رسولِ الله ﷺ قال: "الغَزْوُ غَزْوانِ، فأمَّا مَن ابتغَى وجهَ الله، وأَطاعَ الإِمامَ، وأَنفقَ الكريمةَ، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ الفسادَ، فإنَ نومَهُ ونُبْهَهُ أجرٌ كلُّه، وأمَّا مَن غَزا فَخْرًا ورِياءً وسُمْعَةً، وعَصَى الإمامَ وأَفسدَ في الأرضِ، فإنه لم يرجعْ بالكَفافِ". قوله: "وأنفق الكَرِيمةَ"؛ أي: أنفقَ المالَ العزيزَ؛ يعني: ليكنْ ما تحتاجُ إليه من الفَرَس والسلاح والزاد مِن خاصِّ ماله، ولم يأخذْه من أحدٍ غَصْبًا، كما هو عادة الظالمين. "وياسرَ الشريكَ"، (المياسرة): المساهَلَةُ والموافَقَةُ وتَرْكُ الخشونةِ والإيذاءِ؛ يعني: ليكنْ سهلًا رحيمًا برفيقِه في الطريق. "ونُبْهَهُ"؛ أي: يقظته. قوله: "لم يرجِعْ بالكَفَاف"؛ أي: لم يرجِعْ من الغَزْوِ رأسًا برأسِ بحيث لا يكونُ له أَجْرٌ، ولا يكونُ عليه وِزْرٌ، بل يرجِعْ ووزْرُه أكثرُ من أجره؛ لأنه لم يغزُ لله، وأفسدَ في الأرض. * * * ٢٩١٢ - عن عبدِ الله بن عَمرٍو أنه قال: يا رسولَ الله! أَخبرني عن الجهادِ؟ فقالَ: "إنْ قاتلْتَ صابرًا مُحْتسِبًا بعثَكَ الله صابرًا محتسبًا، وإنْ قاتلْتَ مُرائيًا مُكاثِرًا، بعثَكَ الله مُرائيًا مُكاثِرًا، يا عبدَ الله بن عمروٍ! على أَيِّ حالٍ قاتلْتَ أو قُتِلْتَ بعثَكَ الله على تِيكَ الحالِ".

стр. 1963

قوله: "مكاثِرًا"، (المكاثَرَةُ): أن يقولَ رجلٌ لآخر: أنا أكثرُ منك مالاً وعددًا؛ يعني: إن غزوتَ ليقال: جيشُكَ أكثرُ وأشجعُ من جيش أميرٍ آخرَ، وخُدَّامُك وخيلُك أكثرُ من غيرك؛ فليسَ لك ثوابٌ، بل ينادى يومَ القيامة: إن هذا قد غزا فخرًا ورياءً، لا محتسِبًا؛ أي: لا طالبًا لثواب الله. * * * ٢٩١٣ - عن عُقبَةَ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَعَجَزتُم إذا بَعثتُ رَجُلاً فلم يَمْضِ لأمري، أنْ تَجْعَلُوا مكانَه مَن يَمضي لأمري". قوله: "أَعَجَزْتُم إذا بعثتُ رجلاً فلم يمضِ لأمري أن تَجْعلُوا مكانَه مَن يَمْضي لأمري". (يمضي)؛ أي: يذهبُ؛ يعني: إذا جعلتُ عليكم أحدًا أميرًا، وأمرتُ ذلك الأميرَ بأمرٍ، فلم يُطِعْني ذلك الأميرُ، ولم يذهبْ إلى حيثُ أرسَلْته، فاعزِلُوه، وأقيموا مكانَه أميرًا آخر. وهذا الحديثُ معمولٌ به أبدًا إذا كان الأميرُ لا يحفَظُ أمرَ الرعية، ويظلمُ عليهم جاز أن يعزِلَه المسلمون، ويقيموا مُقَامه آخرَ إن أمكنَ العَزْلُ بغير إثارةِ فتنةٍ، وإراقةِ دماءٍ، فإن احتاجَ في عزلِه إلى إراقَة دمِه، ودمِ جماعةٍ من مُحِبيه، فانظر؛ فإن كان لا يُرِيقُ دمَ أحدٍ ظلمًا، بل يظلمُ عليهم في الأموال لا يجوزُ قتلُه، ولا قتلُ أحدٍ من محبيه. وإن كان يقتلُ الناسَ ظلمًا، فانظر؛ فإن كان حصولُ القتلِ في عزله أقلَّ من القتل في بقائه على العمل جازَ قتلُه وقتلُ متعصِّبيه، وإن كان القتلُ في عزلِه أكثرَ من القتل في بقائه على العمل، لا يجوزُ عزلُه. * * *

стр. 1964

٢ - باب إعدادِ آلةِ الجِهادِ (باب إعداد آلة الجهاد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٩١٤ - عن عُقبةَ بن عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القوةَ الرَّميُ". قوله تعالى: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ", (أَعِدُّوا)؛ أي: هَيئُوا لهم؛ أي: للكفار (﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾)؛ أي: من رمي؛ أي: هَيئُوا القِسِيَّ والنِّبال، وتعلَّمُوا الرَّمْيَ لترمُوا الكفار. * * * ٢٩١٥ - وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ستُفْتَحُ عليكم الرُّومُ، ويَكفيكُم الله، فلا يَعجَزْ أحدُكم أنْ يَلهُوَ بأَسهُمِهِ". قوله: "ستُفْتَحُ عليكم الرومُ، ويكفيكم الله، فلا يعجِز أحدُكم أن يلهوَ بأسهمه"، (ويكفيكُم)؛ أي: يدفعُ عنكم، (أن يَلْهوَ)؛ يعني: أن يلعب، (بأسهمه)؛ أي: بنباله؛ يعني: أهلُ الرُّوم غالبُ حَرْبهم بالرمي، وأنتم تتعلَّمُون الرميَ؛ ليمكنكم محاربةُ أهلِ الروم. (ستفتح عليكم الروم)، ويدفعُ الله عنكم شرَّ أهل الروم، فإذا فُتِحَ لكم الروم، فلا تتركوا الرَّمْيَ بأن تقولوا: لم يكنْ أحدٌ يحتاجُ في قتاله إلى الرمي، بل تعلَّمُوا الرَّمْيَ، وداوِمُوا على الرمي، وتعلَّمُوا الرمي؛ فإن الرميَ مما يُحتَاجُ إليه

стр. 1965

في القتال أبدًا. روى هذا الحديثَ عقبةُ. * * * ٢٩١٦ - وقال: "مَن عَلِمَ الرَّميَ ثم تَرَكَهُ فليسَ مِنَّا، أَوْ: قد عصى". "مَنْ عَلمَ الرَّمْيَ ثم تَرَكَه فليسَ مِنَّا أو قَدْ عَصَى"، إنما أَكَّدَ رسولُ الله ﷺ استحبابَ تعلُّمِ الرميِ، وبالغَ في النهي عن نسيانِ الرمي؛ لأن الرميَ كان قليلاً في العرب، بل أكثرُ محاربة العرب بالسيف والرُّمْحِ، فحَرَّضَهم النبيُّ ﷺ على تعلُّمِ الرمي والمداومةِ عليه؛ لأن الرميَ أنفعُ في دفعِ الأعداءِ من السيف والرمح. روى هذا الحديثَ عقبة. * * * ٢٩١٧ - وعن سَلَمةَ بن الأَكْوعِ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ على قومٍ من أسلمَ يَتناضَلُونَ بالسُّوقِ فقال: "ارمُوا بني إسماعيلَ! فإن أَباكم كانَ راميًا، وأَنا معَ بني فلانٍ"، لأَحدِ الفَرِيقينِ، فأَمسَكُوا بأيديهم فقال: "ما لَكم؟ "، قالوا: وكيفَ نرَمي وأنتَ مَعَ بني فلانٍ؟ قال: "ارمُوا وأَنا معكم كلِّكم". قوله: "مِن أَسْلَمَ"؛ أي: من قبيلة أسلم. "بالسُّوق"، هو اسمُ موضعٍ. "بني إسماعيل"؛ يعني: يا بني إسماعيلَ، والمرادُ منهم: العرب. "فإنَّ أباكم"؛ أي: فإن إسماعيلَ. "فأمسَكُوا بأيديهم"؛ أي: تركَ الفريقُ الآخرُ الرَّمْيَ.
следующие страницы →