← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الأُجْرةِ في الغزو، فليس له إلا تلكَ الأجرة، وليس له ثوابٌ من الغزو. * * * ٢٩٠٩ - عن يَعلى بن أُميَّةَ قال: آذَنَ رسولُ الله ﷺ بالغزوِ، وأنا شيخٌ كبيرٌ ليسَ لي خادِمٌ، فالتمستُ أجيرًا يَكفيني، فوَجَدْتُ رَجُلاً سَمَّيتُ لهُ ثلاثةَ دنانيرَ، فلمَّا حضرَتْ غَنيمةٌ أردْتُ أنْ أُجريَ لهُ سهمَهُ، فجئتُ إلى النبيَّ ﷺ فذكرتُ لهُ فقالَ: "ما أَجِدُ لهُ في غَزوَتِهِ هذهِ في الدُّنيا والآخرةِ، إلا دنانيرَهُ التي سَمَّى". قوله: "آذنَ رسولُ الله ﷺ "؛ أي: أَمَرَ. "فالتمسْتُ"؛ أي: طَلَبْتُ. "يَكْفِيني"؛ أي: يدفعُ عني الخروجَ إلى الغَزْوِ بأن يأخذَ مني أجرةً، ويخرجَ عني إلى الغزو. "أن أُجْرِيَ له سهمَه"؛ أي: أن آخذَ له من القِسْمةِ سهمًا مثلَ سهامِ سائرِ الغانمين. فقال رسول الله ﷺ : "ما أجدُ له في غَزْوَتهِ"؛ يعني: ليس لهم سهمٌ من الغَنيمة، بل ليس له في الدنيا من القِسْمة، ولا في الآخرة من الثَّواب، إلا ما أخذَ من الأُجْرة، وهل للأجيرِ سهمُ الغنيمة؟. * * * ٢٩١٠ - عن أبي هريرةَ: أنَّ رَجُلاً قال: يا رسولَ الله! رجلٌ يريدُ الجهادَ في سبيلِ الله وهو يبتغي عَرَضًا مِن عَرَضِ الدنيا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا أَجْرَ لهُ". قوله: "يبتغي عَرَضًا"؛ أي: يطلُبُ مالاً، يحتمل أن يريد بقوله: (عَرَضًا): الغنيمة، ويحتمل أن يريد به: الأجرة التي يأخذها الرجلُ ليغزوَ بها.

стр. 1962

قوله: "لا أَجْرَ له"؛ أي: لا ثوابَ له؛ لأنه لم يَغْزُ لله تعالى. * * * ٢٩١١ - وعن معاذٍ عن رسولِ الله ﷺ قال: "الغَزْوُ غَزْوانِ، فأمَّا مَن ابتغَى وجهَ الله، وأَطاعَ الإِمامَ، وأَنفقَ الكريمةَ، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ الفسادَ، فإنَ نومَهُ ونُبْهَهُ أجرٌ كلُّه، وأمَّا مَن غَزا فَخْرًا ورِياءً وسُمْعَةً، وعَصَى الإمامَ وأَفسدَ في الأرضِ، فإنه لم يرجعْ بالكَفافِ". قوله: "وأنفق الكَرِيمةَ"؛ أي: أنفقَ المالَ العزيزَ؛ يعني: ليكنْ ما تحتاجُ إليه من الفَرَس والسلاح والزاد مِن خاصِّ ماله، ولم يأخذْه من أحدٍ غَصْبًا، كما هو عادة الظالمين. "وياسرَ الشريكَ"، (المياسرة): المساهَلَةُ والموافَقَةُ وتَرْكُ الخشونةِ والإيذاءِ؛ يعني: ليكنْ سهلًا رحيمًا برفيقِه في الطريق. "ونُبْهَهُ"؛ أي: يقظته. قوله: "لم يرجِعْ بالكَفَاف"؛ أي: لم يرجِعْ من الغَزْوِ رأسًا برأسِ بحيث لا يكونُ له أَجْرٌ، ولا يكونُ عليه وِزْرٌ، بل يرجِعْ ووزْرُه أكثرُ من أجره؛ لأنه لم يغزُ لله، وأفسدَ في الأرض. * * * ٢٩١٢ - عن عبدِ الله بن عَمرٍو أنه قال: يا رسولَ الله! أَخبرني عن الجهادِ؟ فقالَ: "إنْ قاتلْتَ صابرًا مُحْتسِبًا بعثَكَ الله صابرًا محتسبًا، وإنْ قاتلْتَ مُرائيًا مُكاثِرًا، بعثَكَ الله مُرائيًا مُكاثِرًا، يا عبدَ الله بن عمروٍ! على أَيِّ حالٍ قاتلْتَ أو قُتِلْتَ بعثَكَ الله على تِيكَ الحالِ".

стр. 1963

قوله: "مكاثِرًا"، (المكاثَرَةُ): أن يقولَ رجلٌ لآخر: أنا أكثرُ منك مالاً وعددًا؛ يعني: إن غزوتَ ليقال: جيشُكَ أكثرُ وأشجعُ من جيش أميرٍ آخرَ، وخُدَّامُك وخيلُك أكثرُ من غيرك؛ فليسَ لك ثوابٌ، بل ينادى يومَ القيامة: إن هذا قد غزا فخرًا ورياءً، لا محتسِبًا؛ أي: لا طالبًا لثواب الله. * * * ٢٩١٣ - عن عُقبَةَ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَعَجَزتُم إذا بَعثتُ رَجُلاً فلم يَمْضِ لأمري، أنْ تَجْعَلُوا مكانَه مَن يَمضي لأمري". قوله: "أَعَجَزْتُم إذا بعثتُ رجلاً فلم يمضِ لأمري أن تَجْعلُوا مكانَه مَن يَمْضي لأمري". (يمضي)؛ أي: يذهبُ؛ يعني: إذا جعلتُ عليكم أحدًا أميرًا، وأمرتُ ذلك الأميرَ بأمرٍ، فلم يُطِعْني ذلك الأميرُ، ولم يذهبْ إلى حيثُ أرسَلْته، فاعزِلُوه، وأقيموا مكانَه أميرًا آخر. وهذا الحديثُ معمولٌ به أبدًا إذا كان الأميرُ لا يحفَظُ أمرَ الرعية، ويظلمُ عليهم جاز أن يعزِلَه المسلمون، ويقيموا مُقَامه آخرَ إن أمكنَ العَزْلُ بغير إثارةِ فتنةٍ، وإراقةِ دماءٍ، فإن احتاجَ في عزلِه إلى إراقَة دمِه، ودمِ جماعةٍ من مُحِبيه، فانظر؛ فإن كان لا يُرِيقُ دمَ أحدٍ ظلمًا، بل يظلمُ عليهم في الأموال لا يجوزُ قتلُه، ولا قتلُ أحدٍ من محبيه. وإن كان يقتلُ الناسَ ظلمًا، فانظر؛ فإن كان حصولُ القتلِ في عزله أقلَّ من القتل في بقائه على العمل جازَ قتلُه وقتلُ متعصِّبيه، وإن كان القتلُ في عزلِه أكثرَ من القتل في بقائه على العمل، لا يجوزُ عزلُه. * * *

стр. 1964

٢ - باب إعدادِ آلةِ الجِهادِ (باب إعداد آلة الجهاد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٩١٤ - عن عُقبةَ بن عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إنَّ القوةَ الرَّميُ". قوله تعالى: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ", (أَعِدُّوا)؛ أي: هَيئُوا لهم؛ أي: للكفار (﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾)؛ أي: من رمي؛ أي: هَيئُوا القِسِيَّ والنِّبال، وتعلَّمُوا الرَّمْيَ لترمُوا الكفار. * * * ٢٩١٥ - وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ستُفْتَحُ عليكم الرُّومُ، ويَكفيكُم الله، فلا يَعجَزْ أحدُكم أنْ يَلهُوَ بأَسهُمِهِ". قوله: "ستُفْتَحُ عليكم الرومُ، ويكفيكم الله، فلا يعجِز أحدُكم أن يلهوَ بأسهمه"، (ويكفيكُم)؛ أي: يدفعُ عنكم، (أن يَلْهوَ)؛ يعني: أن يلعب، (بأسهمه)؛ أي: بنباله؛ يعني: أهلُ الرُّوم غالبُ حَرْبهم بالرمي، وأنتم تتعلَّمُون الرميَ؛ ليمكنكم محاربةُ أهلِ الروم. (ستفتح عليكم الروم)، ويدفعُ الله عنكم شرَّ أهل الروم، فإذا فُتِحَ لكم الروم، فلا تتركوا الرَّمْيَ بأن تقولوا: لم يكنْ أحدٌ يحتاجُ في قتاله إلى الرمي، بل تعلَّمُوا الرَّمْيَ، وداوِمُوا على الرمي، وتعلَّمُوا الرمي؛ فإن الرميَ مما يُحتَاجُ إليه

стр. 1965

في القتال أبدًا. روى هذا الحديثَ عقبةُ. * * * ٢٩١٦ - وقال: "مَن عَلِمَ الرَّميَ ثم تَرَكَهُ فليسَ مِنَّا، أَوْ: قد عصى". "مَنْ عَلمَ الرَّمْيَ ثم تَرَكَه فليسَ مِنَّا أو قَدْ عَصَى"، إنما أَكَّدَ رسولُ الله ﷺ استحبابَ تعلُّمِ الرميِ، وبالغَ في النهي عن نسيانِ الرمي؛ لأن الرميَ كان قليلاً في العرب، بل أكثرُ محاربة العرب بالسيف والرُّمْحِ، فحَرَّضَهم النبيُّ ﷺ على تعلُّمِ الرمي والمداومةِ عليه؛ لأن الرميَ أنفعُ في دفعِ الأعداءِ من السيف والرمح. روى هذا الحديثَ عقبة. * * * ٢٩١٧ - وعن سَلَمةَ بن الأَكْوعِ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ على قومٍ من أسلمَ يَتناضَلُونَ بالسُّوقِ فقال: "ارمُوا بني إسماعيلَ! فإن أَباكم كانَ راميًا، وأَنا معَ بني فلانٍ"، لأَحدِ الفَرِيقينِ، فأَمسَكُوا بأيديهم فقال: "ما لَكم؟ "، قالوا: وكيفَ نرَمي وأنتَ مَعَ بني فلانٍ؟ قال: "ارمُوا وأَنا معكم كلِّكم". قوله: "مِن أَسْلَمَ"؛ أي: من قبيلة أسلم. "بالسُّوق"، هو اسمُ موضعٍ. "بني إسماعيل"؛ يعني: يا بني إسماعيلَ، والمرادُ منهم: العرب. "فإنَّ أباكم"؛ أي: فإن إسماعيلَ. "فأمسَكُوا بأيديهم"؛ أي: تركَ الفريقُ الآخرُ الرَّمْيَ.

стр. 1966

"وكيف نَرْمِي وأنتَ مع بني فلان"؛ يعني: إذا كنتَ مع بني فلان لا نقدِرُ أن نقاوِمَ فريقًا أنتَ معهم. * * * ٢٩١٨ - عن أنسٍ قال: كانَ أبو طلحةَ يَتترَّسُ مَعَ النبيَّ ﷺ بِتُرْسٍ واحدٍ، وكانَ أبو طلحةَ حَسَنَ الرَّميِ، فكانَ إذا رَمَى تشرَّفَ النبيُّ ﷺ فينظرُ إلى موضعِ نَبْلِهِ. قوله: "يَتَترَّسُ مع النبي"؛ أي: وقفَ هو والنبيُّ ﷺ خَلْفَ تُرْسٍ واحدٍ. "تَشَرَّفَ النبيُّ ﷺ "؛ أي: رفعَ رأسَه من خَلْف التُّرْس؛ لينظرَ أين وقعَ سهمُ أبي طلحة، وهذا تحريضٌ على الرمي وتعلُّمِه، فإنه ﷺ من غاية حبِّ الرمي كان يَطَّلِعُ بكلِّ رميٍ على موقعِ النبل، ولمَّا كان الرميُ محبوبًا ومرضيًا لرسول الله ﷺ ينبغي أن يحبَّه ويتعلَّمَه كلُّ مَن يَقْدِرُ عليه. * * * ٢٩٢٠ - وعن جريرِ بن عبدِ الله قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَلْوي ناصيةَ فرسٍ بإصبَعِه وهو يقولُ: الخيلُ معقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ: الأجرُ والغَنِيمةُ". قوله: "يَلْوِي"؛ أي: يَفْتِلُ؛ أي: يُدِيرُ بإِصبَعه. قوله: "الأجرُ والغنيمة"، هذان تفسيران للخير؛ يعني: إذا استعملَ الفرسَ في محاربةِ الكفارِ يحصلُ للرجلِ الأجرُ والغنيمةُ. * * * ٢٩٢٢ - عن أبي هريرةَ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَكْرهُ الشِّكالَ في الخَيلِ،

стр. 1967

والشِّكالُ: أنْ يكونَ الفرسُ في رجلِه اليُمنى بياضٌ وفي يدهِ اليُسرى، أَوْ في يدِه اليُمنى ورجلِه اليُسرى. قوله: "كان رسول الله ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ في الخيل"، وتفسير (الشِّكَال): ما ذكر ها هنا. وقيل: بل الشِّكَالُ أن تكونَ الفرسُ ثلاثُ قوائمَ منها أبيضُ، أو واحدٌ أبيض، ووجهُ كَراهةِ الشِّكَال شيءٌ عَلِمَه النبيُّ وإن لم نَعْلَمْه. * * * ٢٩٢٣ - عن عبدِ الله بن عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ سابَقَ بين الخيلِ التي أُضْمِرَتْ مِن الحَفياءِ، وأَمَدُها ثَنِيَّةُ الوداعِ، وبينَهما ستةُ أميالٍ، وسابَقَ بين الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ مِن الثَّنيَّةِ إلى مسجدِ بني زُريقٍ، وبينَهما مِيلٌ. قوله: "سابَقَ"؛ أي: رَكَضَ؛ ليُظْهِرَ أيُّهما أَحْسَنُ وأشَدُّ عَدْوًا. "أُضْمِرَتْ"؛ أي: جُعِلَتْ ضَامرًا؛ أي: دقيقَ الوَسَط. قال في "صحاح اللغة": (التَّضْمِيرُ): أن يُعْلَفَ الفرسُ حتى يَسْمَن، ثم يردَّه إلى القُوْت، ويفعل ذلك مرارًا، ويركُضُها مرارًا، حتى تعتادَ بالجوع والعَدْو، فتصيرُ دقيقَ الوَسَط، وذلك في أربعين يومًا. "الحَفيَاء"، اسم موضع، وكذا "ثنيةُ الوداع"، و"الأَمَدُ": الغاية. * * * ٢٩٢٤ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانتْ ناقةٌ لرسولِ الله ﷺ تُسمَّى العَضْباءَ، وكانتْ لا تُسبَقُ، فجاءَ أعرابيٌّ على قَعُودٍ لهُ فسبقَها، فاشتدَّ ذلكَ على المُسلمينَ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ حَقًا على الله أنْ لا يرتَفِعَ شَيءٌ مِن الدُّنيا إلا وَضَعَهُ".

стр. 1968

قوله: "تُسمَّى عَضْبَاء"، وإنما سُمِّيتْ عَضْبَاء؛ لأنها كانت مقطوعةَ الأُذُن، والعَضْبَاءُ: مقطوعة، والعَضْبُ: القَطْعُ. "القَعُود" - بفتح القاف -: الجملُ الذي أُعِدَّ وهُيئَ للركوب، والغرض من هذا الحديث والذي قبله: بيانُ جواز المسابقة بالخيل والإبل. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٩٢٥ - عن عقبةَ بن عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الله يُدخِلُ بالسَّهمِ الواحدِ ثلاثةَ نفرٍ الجنةَ: صانِعَهُ يَحتسِبُ في صنعَتِهِ الخيرَ، والرامي بهِ، ومُنَبلَهُ، وارمُوا واركبُوا، وأنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إليَّ مِن أنْ تَرْكبُوا، كلُّ شيءٍ يَلهُو بهِ الرجلُ باطِلٌ، إلا رَميَهُ بِقَوْسِهِ، وتَأْديبَهُ فرسَه، ومُلاعبتَهُ امرأتَهُ، فإنهنَّ مِن الحقِّ، ومَن تَرَكَ الرَّميَ بعدَ ما عَلِمَهُ رغبةً عنه، فإنه نِعمةٌ تَرَكَها، أو قال: كَفَرَها". قوله: "ومُنْبلَه"؛ أي: الذي يُعْطِي الراميَ السهمَ ليرميَ، سواءٌ كان السهمُ ملكَ المُعْطِي، أو الرامي. قوله: "وتأديبَه فرسَه"؛ أي: وتعليمه فرسَه الركض والجَوَلان على نِيَّةِ الغَزْو. * * * ٢٩٢٦ - عن أبي نَجِيحٍ السُّلَميَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن بلغَ بسهمٍ في سبيلِ الله فهوَ لهُ درجةٌ في الجنَّةِ، ومَن رَمَى بسهمٍ في سبيلِ الله فهوَ لهُ عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومَن شابَ شَيْبَةً في الإسلامِ كانَتْ لهُ نورًا يومَ القيامةِ".

стр. 1969

قوله: "ومن بلغَ بسهمٍ في سبيل الله"؛ يعني: ومن أَوْصَلَ سهمًا إلى كافر. قوله: "ومن رَمَى بسهمٍ في سبيل الله"؛ يعني: ومن رَمَى سهمًا كان له من الثوابِ مثلُ ثوابِ إعتاقِ رقبة، وإن لم يوصِلْ ذلك السهمَ إلى كافر. * * * ٢٩٢٧ - وعن أبي هريرةَ، عن النبيَّ ﷺ قال: "لا سَبْقَ إلا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حافِرٍ". قوله: "لا سَبْقَ"؛ أي: لا يجوزُ المسابقةُ إلا في النَّصْل، أو رَكْضُ الفَرَسَين، أو البعيرين، أراد بـ "النصل": جميعَ آلاتِ الحرب؛ يعني: يرمي اثنان بالسهم إلى هدف؛ ليُعْرَف أيُّهما أحسنُ رميًا. وأراد بـ "الخف": ذواتُ الخُفِّ، وهي الإبل، وأراد بـ "الحافر": ذواتُ الحافِر، وهي الأفراس هنا دون الحِمَار والبَغْل، وفي الحمار والبغلِ والفيلِ خلافٌ، ولا يجوزُ المسابقةُ والمناضلةُ بِعِوَضٍ عند أبي حنيفة. والمسابقة تكون في رَكْضِ الفرسَين وغيرهما، والمناضَلَةُ تكون في الرمي. و"السبْق" - بسكون الباء - مصدرٌ، والسَّبَق - بفتح الباء -: المالُ الذي يأخذُه من سَبَقَ. قال الخَطَّابي: الأصحُّ من الروايات في قوله ﷺ : "لا سَبَقَ" بفتح الباء؛ أي: لا يجوزُ أخذُ المالِ إلا في هذه الأشياء. * * * ٢٩٢٨ - وقال: "مَن أدخلَ فَرسًا بينَ فرسينِ فإنْ كانَ يُؤمَنُ أَنْ يَسبقَ فلا

стр. 1970

خيرَ فيهِ، وإنْ كانَ لا يُؤمَنُ أنْ يَسبقَ فلا بأسَ بهِ". وفي روايةٍ: "وهوَ لا يَأْمنُ أنْ يَسبقَ فليسَ بقِمارٍ، وإنْ كانَ قد أَمِنَ أنْ يَسبقَ فهو قِمارٌ". قوله: "من أدخلَ فرسًا بين فَرَسَيْنِ ... " إلى آخره. اعلم أن المسابقة بين الفَرَسَيْن بِعِوَضٍ يأخذُه السابقُ جائزٌ، وشرطُه: أن يكونَ المالُ من أحدِ المسابقَين، لا من كليهما، أو مِنْ غيرِ المسابقَين بأن يقول رجلٌ للفارِسَين: اركُضَا من الموضع الفلاني إلى الموضع الفلاني، فمن سبقَ منكما الآخرَ أعطيتُه كذا. وإن أخرجَ كلُّ واحدٍ من المُسَابقَين قَدْرًا من المال على أنَّ مَن سبقَ منهما أخذَ المالَيْنِ؛ لم يَجُزْ؛ لأن هذا عادةُ أهلِ القِمَار. وطريق تصحيحِ هذا العَقْدِ: أن يكونَ بينهما مُحلِّلٌ، والمحلِّل - بكسر اللام -: من جَعَلَ العَقْدَ حلالاً، وهو أن يَدْخُلَ ثالثٌ بينهما لا يُخْرِجُ الثالثُ شيئًا من المال، على أنَّ المُحَلِّلَ لو سبقَ أخذَ المَالَيْنِ، ولو سبقَ أحدُ المُخْرِجَيْنِ أخذَ مالَ نَفْسِه، ومالَ المُتَأَخَّر، فلو كان بين جماعة أخرجوا المال بمُحَلِّلٍ واحد جاز. ومقصودُ هذا الحديثِ: أن المُحَلِّلَ ينبغي أن يكونَ على فرسٍ مثلِ فَرَسَي المُخْرِجَين، أو قريبًا من فَرَسَيْهِما في العدو، فإن كانَ فَرَسُ المُحَلِّلِ جوادًا بحيثُ يَعْلَمُ أنه لا يَسْبقُه فرسا المُخْرِجَين لم يَجُزْ، بل وجودُه كعَدَمِه، وإن كان لا يعلمُ أنه يسبقُ فَرَسَي المُخْرِجَيْنِ يقينًا، بل يُمْكنُ أن يكونَ سابقًا، وأن يكونَ مسبوقًا جاز، وكذلك لو كان فرسُ المُحَلِّلِ بَلَيدًا بحيث يَعْلَمُ أنه يكون مسبوقًا لا يجوز، وإن أمكنَ أن يكونَ سابقًا، وأن يكونَ مسبوقًا جاز.

стр. 1971

روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢٩٢٩ - وقال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ" يعني: في الرِّهانِ. قوله: "لا جَلَبَ ولا جَنبَ، يعني: في الرهان"، (الرِّهَانُ والمراهنة): المسابَقَةُ. ذكر شرح: (لا جَلَبَ ولا جَنبَ) في (كتابِ الزكاة)، و (باب الغَصْب). روى هذا الحديثَ عِمران بن حُصَين. * * * ٢٩٣٠ - وعن أبي قتادةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "خيرُ الخيلِ الأدْهمُ الأقرَحُ الأرثَمُ، ثم الأقرَحُ المُحَجَّلُ طُلْقُ اليمين، فإنْ لم يكنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ على هذه الشِّيَةِ". قوله: "الأَدْهَمُ الأَقْرَحُ الأَرْثَمُ"، (الأَدْهَمُ): الأسود، و (الأَقْرَحُ): الذي في جبهته بياضٌ بقَدْرِ دِرْهَمٍ، أو دونَه، و (الأَرْثَمُ): الذي شَفَتُه العُلْيا بَيْضَاءُ. قولُه: "ثم الأَقْرَحُ المُحَجَّلُ طَلْقُ اليمين"، أراد بـ (طَلْقِ اليمين): أن لا يكون يمينُها محجَّلاً، و (المُحَجَّلُ): الأبيض. "فإنْ لم يكنْ أَدْهَمَ، فكُمَيْتٌ على هذهِ الشِّيَة"، و (الكُمَيْتُ): الفرسُ الذي ذَنَبُه وعُرْفُه - أي: شَعْرُ عُنُقِه - أسودان، والباقي: أحمر، (الشِّيَةُ): العلامة. وقوله: (هذه الشِّيَة)، إشارة إلى الأَقْرَحِ الأَرْثَمِ، والأَقْرَحِ المُحَجَّلِ طَلْقِ اليمين. * * *

стр. 1972

٢٩٣١ - عن أبي وهبٍ الجُشَميِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عليكم بكلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحجَّلٍ، أو أَشقرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ". قوله: "أَغرَّ مُحجَّلٍ"، (الأَغَرُّ): الأبيضُ الوَجْه، (المُحَجَّلُ): أبيضُ القوائم، و"الأَشْقَرُ": الفرسُ الذي جميعُ لونهِ أحمرُ. * * * ٢٩٣٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُمْنُ الخَيلِ في الشُّقْرِ". قوله: "يُمْنُ الخيل في الشُّقْر"، (الشُّقْر): الحمرة؛ يعني: البركةُ فيما هو أحمرُ من الخيل. * * * ٢٩٣٣ - عن شيخٍ من بني سُلَيمٍ، عن عُتبةَ بن عبدِ الله السُّلَميَّ أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَقُصُّوا نَواصيَ الخيلِ ولا معارِفَها ولا أَذنابَها، فإنَّ أذنابَها مَذابُّها، ومَعارفَها دِفاؤُها، ونَواصيَها معقودٌ فيها الخيرُ". قوله: "لا تَقُصُّوا"؛ أي: لا تَقْطَعُوا. "المَذَابُّ": جمع مِذَبَّة، وهي ما يُذَبُّ به الذُّبابُ؛ يعني: تَذُبُّ الفرسُ بذَنبَها الذبابَ عن نفسها. "المعارف": جمعُ مَعْرِف، وهو ها هنا شَعْرُ عُنُقِ الفَرَس. و"الدِّفاء" - بكسر الدال وسكون الفاء -: الحرارةُ، وما يُدْفَأُ به؛ أي: يصيرُ به حارًا؛ أي: يندفِعُ البَرْدُ عن الفَرَس بمَعْرِفِه. * * *

стр. 1973

٢٩٣٤ - وعن أبي وَهْبٍ الجُشَميِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ارتبطوا الخيلَ، وامْسَحُوا بنواصِيها وأَعجازِها - أو قال: أَكفالِها - وقَلِّدوها، ولا تُقَلَّدُوها الأوتارَ". قوله: "ارتبطُوا الخيلَ"؛ أي: ارتبطُوها وسَمِّنُوها لأجل الغَزْوِ. قوله: "وامسَحُوا بنواصيها وأعجازِها"، النواصي: جمعُ ناصية، و (الأعجازُ): جمع عَجُز، وهو الكِفْل؛ لعلَّه ﷺ يريد بهذا المسح: تنظيفَ الخَيْل من الغُبَار، وتعرُّفَ حالِها من السِّمَن والعَجَف، فإن الخيلَ لِيَكُنْ سمينًا؛ ليقدرَ على الرَّكْض والجَوَلَانِ في المحاربة، ولتكنْ نظيفةً حسنةً كيلا يستخفَّها ويستحقِرَها الكفار، ولهذا جَوَّزَ تحليةَ آلاتِ الحرب بالفضة كي لا يستَحقِرَ الكفارُ المسلمين. قوله: "وقَلِّدُوها"؛ أي: عَلَّقوا بأعناقها ما شئتم إلا الأوتارَ، وهو جمِعُ وَتَر، وإنما نَهَى عن تقليدِها الوترَ؛ لأنَّ العربَ كانوا يعتقِدُون أن الوَتَرَ يدفعُ العينَ عما عُلقَ به الوَتَر، فنهاهم النبي ﷺ عن هذا الفعلِ والاعتقادِ؛ لأنه لا دافعَ ولا معطيَ إلا الله. وقيل: إنما نهاهم عن تعليق الوَتَر كيلا يختَنِقَ الفَرَسُ به. * * * ٢٩٣٥ - عن ابن عبَّاسٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ عبدًا مأمورًا، ما اختصَّنا دونَ النَّاسِ بشيءٍ إلا بثلاثٍ: أَمَرَنا أنْ نُسبغَ الوُضوءَ، وأنْ لا نأكلَ الصَّدَقةَ، وأنْ لا نُنْزِيَ حِمارًا على فرسٍ. قوله: "كان رسول الله ﷺ عَبدًا مأمورًا ما اختصَّنا دونَ الناسِ بشيءٍ إلا بثلاث"، مفهومُ كلامِ ابن عباس: أن النبي ﷺ إنما اختصنا بهذه الثلاثة بأمر الله؛ لأنه لا يقولُ شيئًا إلا بأمر الله. قوله: "أن نُسْبغَ الوُضُوءَ".

стр. 1974

قوله: "وأن لا نأكلَ الصدقةَ"، وعِلَّتُه: أن الزكاةَ والصدقةَ وسخُ المالِ، وآل النبي ﷺ أعزُّ من أن يأكلوا وَسَخَ المال. قوله: "وأن لا نُنْزِيَ حمارًا على فرس"، نهى النبي صلى الله عليه وآله من إِنزاءِ الحمارِ على الفَرَس؛ لأنَّ الفرسَ إذا حَمَلَتْ من جنسِها يكونُ ولدها مأكولَ اللحم، ويكونُ صالحًا للركض، والجَوَلانِ في الحرب، وتخويفِ الأعداء، ويكون له سهمان في القِسْمة، ويكون له نَسْلٌ، ولو حَمَلَتِ الفرسُ من الحمار لا يكونُ لولدِها شيءٌ من هذه المنافع. ولا شكَّ أن تفويتَ هذه المنافعِ لا يَلِيقُ بآل النبي ﷺ ، وإنزاءُ الحِمارِ على الفَرَسِ جائزٌ للأمة. * * * ٢٩٣٦ - عن عليًّ ﵁ قال: أُهديَتْ لرسولِ الله ﷺ بَغْلَةٌ فركبَها، فقال عليٌّ: لو حَمَلْنا الحَميرَ على الخيلِ لكانَتْ لنا مثلَ هذه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما يفعلُ ذلكَ الذينَ لا يعلمونَ". قوله: "إنما يفعلُ ذلك الذين لا يَعْلَمُون"؛ يعني: إنما يُنْزِي الحمارَ على الفرسِ الذين لا يعلَمون أن إنزاءَ الفرسِ على الفرسِ خيرٌ من إنزاء الحمارِ على الفرس؛ لما ذُكِرَ قُبَيْلَ هذا من الفوائد. وإنما قال ﷺ هذا تسلَّيًا لخواطر آله ﵃ حين نهاهم. إنزاءُ الحمار على الفرسِ جائزٌ؛ لأن النبيَّ ﷺ قد ركبَ البَغْلَ، ومنَّ الله على عباده بالبغل فقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ولو لم يكنْ إنزاءُ الحمار على الفرس جائزًا لم يمنَّ الله على عباده بشيءٍ غيرِ جائز.

стр. 1975

٢٩٣٧ - وقال أنسٌ ﵁: كانتْ قَبيعَةُ سيفِ رسولِ الله ﷺ مِن فِضَّةٍ. قوله: "كان قَبيعةُ سيفِ رسول الله ﷺ من فِضَّة". (قبيعة السيف) بمنزلة شعيرة السِّكِّين، فهي ما بين المِقْبَضِ وما بعده من المَقْطَع. وهذا الحديث صريحٌ بأن تحليةَ آلاتِ الحربِ بالفضة جائزةٌ كيلا يستحقرَ الكفارُ المسلمين. * * * ٢٩٣٩ - عن السَّائبِ بن يزيدَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ عليهِ يومَ أُحُدٍ دِرْعانِ قد ظاهرَ بينَهما. قوله: "قد ظاهَرَ بينهما"؛ يعني: لَبسَ أحدَهما فوقَ الأخرى، وهذا الحديث صريحٌ بأن لُبْسَ السلاحِ وما يَدْفَعُ سهامَ الأعداء وضَرَرَهم سُنَّةٌ. * * * ٢٩٤٠ - عن ابن عبَّاسٍ قال: كانَتْ رايةُ النبيَّ ﷺ سوداءَ ولِواؤُهُ أبيضَ. قوله: "كانت رايةُ نبيِّ الله ﷺ سَوْدَاءَ، ولواؤُه أبيضَ"، (الرَّايةُ): العلم الكبير، و (اللواءُ): العَلَمُ الصغيرُ، يقالُ له: البَيْرَق. * * * ٢٩٤١ - وسُئِلَ البراءُ بن عازبٍ عن رايةِ رسولِ الله ﷺ ؟ فقال: كانَت سوداءَ مُرَبَّعةً مِن نَمِرةٍ. قوله: "من نَمِرَة"، (النَّمِرَةُ): بُردَةٌ من صُوْف. * * *

стр. 1976

٣ - باب آدابِ السَّفَرِ (باب آداب السفر) مِنَ الصِّحاحِ: ٢٩٤٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لو يعلمُ النَّاسُ ما في الوَحْدَةِ ما أَعْلَمُ، ما سارَ راكِبٌ بليلٍ وَحْدَهُ". "لو يَعْلَمُ الناسُ ما في الوَحْدَةِ ما أَعْلَمُ، ما سارَ راكبٌ بليلٍ وحدَه"؛ يعني: السيرُ بلا رفيقٍ فيه مَضرَّةٌ دنيوية ودينية. أما الدنيوية: فهي أنه لا يكونُ معه من يعينُه في الحوائج. وأما الدينية: فهي أنه لا يكونُ معه من يصلَّي معه الصلاةَ بالجماعة، فيُحْرَم من ثوابِ الجماعة. روى هذا الحديثَ ابن عمر. * * * ٢٩٤٥ - وقال: "لا تَصْحَبُ الملائكةُ رُفْقةً فيها كلبٌ ولا جَرَسٌ". قوله: "لا تصحبُ الملائكةُ رُفْقةً فيها كَلْبٌ ولا جَرَسٌ"، (الرُّفْقَةُ): العِيْرُ، وَجْهُ نهيِ استصحابِ الكلب؛ لكونه نَجِسًا، وينجسُ ما وَصَلَ إليه فمُه، أو شيءٌ من أعضائه الرَّطْبة، ووجهُ نهيِ تعليقِ الجَرَسِ بالدَّوابِّ ما ذُكِر. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 1977

٢٩٤٦ - وقال: "الجَرَسُ مَزاميرُ الشَّيطانِ". قوله: "الجَرَسُ مزامير الشيطان"، (المزاميرُ): جمع مِزْمَار. روى هذا الحديثَ أيضًا أبو هريرة. * * * ٢٩٤٧ - عن أبي بشيرٍ الأنصاريِّ: أنه كانَ مع رسولِ الله في بعضِ أسفارِهِ فأرسلَ رسولُ الله ﷺ رسولًا: "لا يُبْقَيَنَّ في رقبةِ بعيرٍ قِلادةٌ مِن وَتَرٍ، أو قِلادةٌ إلا قُطِعَت". قوله: "أو قلادة"، شَكَّ الراوي في أن رسول الله ﷺ قال: (قلادة من وتر)، أو قال: (قلادة) مطلقًا، ولم يَقُلْ: (مِن وَترٍ) أو غيره؟. ولعلَّ النبي ﷺ قال: (قِلَادة من وَتَر) على التعيين، ولكن أدخَلَ الراوي الشكَّ بأن المنهيَّ هو القلادة من وَتَر، أو القلادة التي فيها جَرَس؛ لأن القلادة التي لم تكن من وَتَر، ولم يكن فيها جَرَس لم يكنْ تعليقُها برقبة الدابَّةِ منهيًّا. * * * ٢٩٤٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا سافرْتُم في الخِصْبِ فأعطُوا الإبلَ حَظَّها مِن الأرضِ، وإذا سافرتُم في السَّنَةِ فأسرِعُوا عليها السَّيْرَ، وإذا عرَّسْتُم بالليلِ فاجتنِبُوا الطَّريقَ، فإنها طُرُقُ الدَّوابِّ ومَأوَى الهوامِّ بالليلِ". وفي روايةٍ: "وإذا سافرتُم في السَّنةِ فبادِرُوا بها نِقْيَها". قوله: "إذا سافرتم في الخِصبِ فأعطوا الإبلَ حقَّها"، (الخِصْبُ): كثرةُ العَلَف والطَّعام، والسَّنَةُ ضدُّه؛ يعني: إذا كان العَلَفُ في الطريق كثيرًا،

стр. 1978

فأعطُوا الإبل حقَّها من السير؛ أي: لا تسيروا إلا بقدْرِ العادة، ولا تُسْرِعُوا الإبل كي لا يلحقَها مشقةٌ، وإذا سافرتم في زمان القحْطِ، ولم يكن في الطريق العَلَفُ، فأسْرِعُوها حتى تُلْحِقُوها إلى الماء والعَلَف قبلَ أن يَلْحَقَها جوعٌ وعطشٌ في الطريق، فتضعُفَ عن السير. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. قوله: "فبادروا بها نَقَبها"، (النَّقَبُ) - بفتح النون والقاف -: الطريقُ بين الجبلين، والمراد به ها هنا: مُطْلَقُ الطريق، تقديره: فبادروا بالإبل في نَقَبها؛ أي: في طريقها؛ يعني: إذا سافرتم في زمان قِلَّة العلفِ، فأسرعوا بالإبل في الطريق. * * * ٢٩٤٩ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: بينما نحنُ في سفرٍ معَ رسولِ الله ﷺ ، إذ جاءَ رجلٌ على راحلةٍ فجعلَ يضرِبُ يَمينًا وشمالًا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن كانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فلْيَعُدْ بهِ على مَن لا ظَهْرَ لهُ، ومَن كانَ لهُ فَضْلُ زادٍ فلْيَعُدْ بهِ على مَن لا زادَ لهُ، قال: فذكرَ مِن أصنافِ المالِ حتى رأيْنا أنه لا حَقَّ لأحدٍ منا في فَضْلٍ". قوله: "إذا جاء رجلٌ على راحلةٍ فجعلَ يضربُ يمينًا وشمالًا". (جعل)؛ أي: طَفِقَ، (يَضْرِبُ)؛ أي: يمشي يمينًا ويسارًا؛ أي: يسقطُ من التعب؛ أي: كانت راحلتهُ ضعيفةً لم يقدر أن يركبَها، ويمشي راجلًا، ويسقطُ من الضعف. ويحتملُ أن تكونَ راحلتُه قويةً، إلا أنها قد حملَ عليها زادَه وأقمشتَه، ولم يقدِرْ أن يركبَها من ثِقَلِ حَمْلِها، فطلبَ له رسولُ الله ﷺ من الجيش فَضْلَ ظَهْرٍ؛

стр. 1979

أي: دابة زائدةً على حاجةِ صاحبها. قوله: "فليَعُدْ به"، الباء للتعدية. "لا ظَهْرَ"؛ أي: لا مركوبَ. * * * ٢٩٥٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "السَّفَرُ قِطعةٌ مِن العذابِ، يمنعُ أحدَكم نومَهُ وطَعامَهُ، فإذا قَضَى نَهْمَتَهُ مِن وَجهِهِ فليُعجِّلْ إلى أهلِهِ". قوله: "نَهْمَتَه"؛ أي: حاجتَه. "من وجْهِه"؛ أي: من السفر الذي قَصَدَه. قال الخطابي: هذا الحديثُ تحريضٌ على الإقامة وتَركِ السفر إذا لم تكنْ حاجةٌ إلى السفر؛ لأن في السفر فوتَ الجمعة والجماعات وقضاءِ الحقوقِ، ونقصانَ الصلاة من أربع ركعات إلى ركعتين. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ٢٩٥٢ - عن أنسٍ: أنه أَقبَلَ هو وأبو طلحةَ معَ النبيِّ ﷺ ، ومعَ النبيِّ ﷺ صَفِيَّةُ مُردِفَها على راحلتِه. قوله: "مُرْدِفَها"، اسم فاعل مِنْ (أردف): إذا رَكَّبَ أحدًا خلفَه على دابَّته. وهذا الحديث وأشباهُه يدلُّ على أنَّ الإرداف سُنَّةٌ؛ لأنَّ فيه تواضعًا، ويدلُّ على أن استصحابَ الزوجاتِ في السفر سُنَّةٌ. * * *

стр. 1980

٢٩٥٣ - عن أنسٍ قال: كانَ النبيُّ ﷺ لا يَطْرُقُ أهلَهُ، كانَ لا يدخلُ إلا غُدْوةً أو عَشِيَّةً. قوله: "لا يَطْرُقُ"؛ أي: لا يجيء ليلًا، بل بالنهار في أوله وفي آخره قبل الغروب، وإنما يدخل نهارًا كي يبلغَ خبرُ مجيئهِ إلى الزوجاتِ؛ ليجْعَلْنَ على أنفسهنَّ نظافةً، كي لا تَنْفِرَ طباعُ أزواجهنَّ منهنَّ بترْكِ التنظيف. * * * ٢٩٥٥ - وعن جابرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا دخلتَ ليلًا فلا تدخُلْ على أهلِكَ، حتى تَستحِدَّ المُغِيبَةُ، وتَمْتشِطَ الشَّعِثَةُ". قوله: "فلا تَدْخُلْ أهلَك"؛ يعني: اِلْبَثْ في مسجدٍ حتى يبلغَ خبرُ مجيئك إلى الزوجات؛ ليجعلْنَ على أنفسهن نظافةً. "حتى تَسْتَحِدَّ"؛ أي: تستعملَ الحديد؛ أي: تَحلِقَ العانةَ. "المُغِيَبةُ"، - بضم الميم -: المرأةُ التي غابَ زوجُها. "وتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ"؛ أي: تجعل رأسَها بالمِشْط، (الشَّعِثَةُ): المتفرَّقَةُ شَعْرِ الرأس. * * * ٢٩٥٦ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا قدِمَ المدينةَ نحرَ جَزُورًا أو بقَرةً. قوله: "نَحَرَ جَزُورًا أو بقرة"؛ يعني: السنَّةُ لمن قَدِمَ من سفر أن يُضيفَ بقَدْرِ وُسْعِه. * * *

стр. 1981

٢٩٥٧ - وعن كعبِ بن مالكٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ لا يَقْدَمُ مِن سفرٍ إلا نهارًا في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بَدَأَ بالمسجدِ فصلَّى فيهِ ركعتينِ، ثم جلسَ فيهِ للناسِ. قوله: "جَلَسَ فيه للناس"؛ يعني: جَلَسَ في المسجد؛ ليزورَه الناسُ ويرَوه، ويفرحوا بقدومه، ويصلَ خبرُ مجيئه إلى أهل بيته، ثم يدخل بيتَه، وهذا سُنَّة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٩٥٩ - عن صَخْرٍ الغامِديِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ بارِكْ لأِمتي في بُكورِها"، وكانَ إذا بعثَ سريةً أو جيشًا بعثَهم مِن أوَّلِ النَّهارِ. قوله: "اللهم باركْ لأُمَّتي في بُكُورها"، (المسافَرَةُ) سُنَّةٌ في أول النهار؛ أي: السفر للتجارة، وكان صخرٌ هذا يراعي هذه السُنَّةَ، وكان تاجرًا يبعَثُ مالَه في أولِ النهار إلى السَّفَر للتجارة، فكَثُرَ مالُه ببركة مراعاةِ السُّنَّة، ولأن دعاءَ النبيِّ ﷺ مقبولٌ لا مَحَالة. * * * ٢٩٦٠ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عليكم بالدُّلْجَةِ، فإنَّ الأرضَ تُطوَى باللَّيلِ". قوله: "عليكم بالدُّلْجَة"؛ يعني: الْزَمُوا الدُّلْجَة، الدُّلجة - بضم الدال وسكون اللام - اسم مِن (أدْلَجَ القومُ) - بسكون الدال -: إذا ساروا أَوَّلَ الليل. والدُّلْجَة أيضًا اسمٌ مِن (ادَّلَجُوا) بفتح الدال وتشديدها: إذا ساروا آخر

стр. 1982

الليل، والمراد بالدُّلْجَة هنا: السيرُ آخرَ الليل؛ يعني: لا تَقْنَعُوا بالسير نهارًا، بل سِيرُوا آخرَ اللَّيلِ أيضًا. "فإنَّ الأرضَ تُطْوَى بالليل"؛ أي: يَسْهُلُ السيرُ من الليل بحيث يَظُنُّ الماشي في الليل أنه سارَ قليلًا من المسافة، وقد سارَ مسافةً كثيرةً. * * * ٢٩٦١ - وعن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الرَّاكِبُ شيطانٌ، والرَّاكِبانِ شيطانانِ، والثلاثةُ رَكْبٌ". قوله: "والراكب شيطان"؛ يعني: مشيُ الواحدِ منفردًا منهيٌّ، وكذلك مشيُ الاثنين، فإذا فعَل رجلٌ منهيًّا فقد أطاعَ الشيطانَ في فِعْلِ منهيًّ، فكلُّ مَنْ فَعلَ فعلًا على وِفْقَ أمرِ الشيطانِ، فكأنَّه شيطانٌ، فلهذا سمَّاه رسول الله ﷺ شيطانًا. وإنما كان مشيُ الواحدِ والاثنين منهيًّا؛ لأن الاثنين إذا سافرا، فربما يموتُ أحدُهما، فيَبْقَى واحدٌ، ولم يَقْدِر الواحدُ على القيام بتجهيز دَفْنِه من حَمْلِ الجنازة، والغُسْل، وحَفْرِ القبر، ووضعِ الَميتِ في القبر، ولو كانوا ثلاثةً وماتَ واحدٌ يبقى الاثنان، ويقدِرُ الاثنان على تجهيز دَفْنِ الميت، فلهذا سَيْرُ الثلاثة غيرُ منهيًّ، وسيرُ اثنين منهيٌّ. قوله: "والثلاثة رَكْبٌ"، (الرَّكْبُ): جمعُ راكب؛ يعني: الثلاثةُ جماعةٌ، والجماعةُ محمودةٌ في الشرع. * * * ٢٩٦٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدريَّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كانَ ثلاثةٌ

стр. 1983

في سَفَرٍ فليُؤمِّروا أحدَهم". قوله: "فليؤمِّروا أحدَهم"؛ يعني: فلْيَجْعَلُوا أحدَهم أميرَهم؛ ليفعلِ الاثنان بأمر الأميرِ ما يفعلان، وكذلك كلُّ جماعةٍ ينبغي أن يكون أحدُهم أميرَهم، كيلا تختلفَ أفعالُهم وأقوالُهم. * * * ٢٩٦٣ - عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "خيرُ الصَّحابةِ أربعةٌ، وخيرُ السَّرايا أربعُمائةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفًا مِن قِلَّةٍ"، غريب. قوله: "خيرُ الصحابة أربعةٌ"؛ يعني: خيرُ الرفقاءِ أربعةٌ؛ يعني: الرفقاءُ إذا كانوا أربعةً خيرٌ من أن يكونوا ثلاثةً؛ لأنهم إذا كانوا ثلاثةً ومَرِضَ أحدُهم فأراد أن يجعلَ أحدَ رفيقيه وصيَّ نفسِه لم يكن هنا من يَشْهَدُ بإيصائه إلا واحدٌ، وشهادةُ الواحدِ غيرُ كافيةٍ، ولو كانوا أربعةً ومَرِضَ أحدُهم وأرادَ أن يَجْعَلَ أحدَ رفقائه، وصيَّ نفسِه يكون مَنْ يَشْهدُ بإيصائه اثنين، وشهادةُ الاثنين كافيةٌ، ولأنَّ الجَمْعَ إذا كان أكثرَ يكون مُعاوَنةَ بعضهم بعضًا أكثرَ، وفضْلُ صلاة الجماعة أيضًا أكثر، فخمسةٌ خيرٌ من أربعة، وكذلك كلُّ جماعةٍ خيرٌ ممن أقلُّ منهم، ولم يكونوا خيرًا ممن فوقَهم. * * * ٢٩٦٤ - عن جابرٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يتخلَّفُ في السَّيرِ، فيُزْجي الضَّعيفَ، ويُرْدِفُ، ويَدْعُو لهم. قوله: "يتخلَّفُ"؛ أي: يتأخَّرُ، ويمشي خلفَ الجيش.

стр. 1984

"ليُزْجِيَ"؛ أي: ليسُوقَ فيُعينَ مَنْ عَجَزَ وضَعُفَ عن السير من الجيش، هذا تواضعٌ ورحمةٌ منه على الخَلْق. * * * ٢٩٦٥ - عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ قال: كانَ النَّاسُ إذا نَزَلوا مَنزِلًا تَفَرَّقوا في الشِّعابِ والأوديةِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إن تَفَرُّقَكُم في هذهِ الشِّعابِ والأوديةِ إنما ذلكم مِن الشَّيطانِ"، فلم ينزِلوا بعدَ ذلكَ منزِلًا إلا انضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى يقالَ: لو بُسِطَ عليهم ثوبٌ لعمَّهم. قوله: "في الشعاب"، (الشِّعاب): جمع شِعْب بكسر الشين، وهو الفُسْحةُ بين الجَبَلين. "والأوديةُ"، جمعُ الوادي، وهو مسيلٌ في الصحراء. * * * ٢٩٦٦ - وعن عبدِ الله بن مسعودٍ قال: كنا يومَ بدرٍ كلُّ ثلاثةٍ على بعيرٍ، فكانَ أبو لُبابَةَ وعلي بن أبي طالبٍ زَميلَيْ رسولِ الله ﷺ ، قال: وكانت إذا جاءَتْ عُقْبَةُ رسولِ الله ﷺ قالا: نحنُ نَمشي عنكَ، قال: "ما أنتما بأَقوَى منِّي، وما أنا بأغنَى عن الأجرِ منكما". قوله: "زَمِيْلَيْ رسولِ الله ﷺ ". (الزَّميلُ): المُزامِلُ، وهو الذي يركَبُ معك على دابةٍ واحدةٍ. "عُقْبَةُ رسولِ الله"؛ أي: نَوْبةُ رسول الله في النزول عن الدابة. "نمشي عنك"؛ أي: نمشي راجِلَين حتى لا تحتاج أنت إلى النزول؛ يعني: نحن نمشي راجِلَين في جميع الطريق لتركبَ في جميع الطريق.

стр. 1985

قوله: "ما أنتما بأقوى مني"؛ أي: بأقوى مني على السَّير راجلًا، بل أنا أقوى. قوله: "وما أنا بأغنى عن الأجر منكما"؛ يعني: أنتما تريدان أن تمشِيا راجلين لطلب الأجر، وأنا أيضًا أطلب الأجرَ بأن أنزِلَ وأُرْكِبَكُما على الدابة، وإنما قال هذا لتعليمِ الأمة طلبَ الأجر، وان كان طالبُ الأجرِ عالمًا أو زاهدًا، فإنَّ أحدًا لا يستغني عن الأجر؛ لأن الأجر مزيدُ درجاتِ النعيم، وكلُّ المؤمنين ليكونوا حريصين على مزيد درجات النعيم. ألا ترى أن رسولَ الله مع عُلُوِّ شأنِه رغَّبَ أمته في أن يقولوا بعد الأذان: آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، كما ذكر في (باب الأذان). * * * ٢٩٦٧ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تَتَّخِذوا ظُهورَ دوابكم منابرَ، فإنَّ الله تعالى إنَّما سخَّرَها لكم لتُبلِّغَكم إلى بلدٍ لم تَكونوا بالِغِيهِ إلا بِشِقَّ الأنفُسِ، وجعلَ لكم الأرضَ، فعليها فاقضُوا حاجاتِكم". قوله: "لا تتخذوا ظهورَ دوابكم منابرَ"؛ يعني: لا تركَبُوا على الدوابِّ إلا لحاجةٍ بأن تَلْحَقَكُم المشقةُ في السير راجلًا، ولا تجعلوا الدوابَّ مثل المنابرِ تركبونها من غير حاجة وضرورة كما هو عادةُ بعض الناس. قوله: "إلي بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بِشِقِّ الأنفس"؛ يعني إلى بلدٍ بعيدٍ تلحَقُكُم المشقةُ بالذهاب إليه راجِلِين. قوله: "وجعل لكم الأرضَ"؛ يعني: خلقَ لكم الأرضَ لتسْكُنوا فيها، وتَرَدَّدوا عليها كيف شئتم، ومتى شئتم فلا حرَج عليكم في التَّرَدُّدِ على الأرض بخلافِ ركوب الدوابِّ، فإنَّ ركوبَها بغير حاجة منهيٌّ.

стр. 1986

قوله: "فعليها"؛ أي: فعلى الدوابِّ، "فاقْضُوا حاجاتِكم" من المسافرة راكِبين. * * * ٢٩٦٨ - قال أنسٌ: كنا إذا نَزَلْنا منزِلًا لا نُسبحُ حتى نَحُلَّ الرَّحالَ أي: لا نُصلِّي الضُّحى. قوله: "حتى تُحَلَّ الرِّحالُ"؛ يعني حتى تُحَطَّ الأحمالُ عن ظهور الدوابِّ كي لا تتعبَ الدَّوابُّ بكون الحملِ على ظهورها، يعني: لا تشتغلْ بشيءٍ قبلَ حَطِّ الأحمال. * * * ٢٩٦٩ - عن بُرَيدَةَ قال: بينَما رسولُ الله ﷺ يمشي، إذ جاءَ رجلٌ معَهُ حمارٌ فقال: يا رسولَ الله! اركبْ، وتَأَخَّرَ الرجلُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا، أنتَ أَحَقُّ بصدرِ دابَّتِكَ إلا أنْ تجعلَهُ لي"، قال: قد جعلْتُه لكَ، فركِبَ. قوله: "إلا أن تجعلَه لي"؛ يعني إلا أن تجعلَ صَدْرَ دابَّتِك لي، وترضى بركوب مُؤَخَّرِها، وإنما قال: (لا) أولًا ليعلِّمَه أن صَدْرَ دابته حقُّه، فإنه لم يقلْ ﷺ : أنتَ أحق بصدر دابتك لظنَّ الرجل ومن سَمِعَ هذا الحديثَ أنَّ مَنْ هو أكبرُ وأعظمُ شأنًا أحقُّ بركوبِ صَدرِ الدابَّة مالكًا كان أو غيره، فبيَّنَ النبيُّ ﷺ أن المالكَ أحقُّ بركوب صدر دابته إلا أن يؤثر غيره بصدر دابته على نفسه، وصدر الدابة من ظهرها ما يلي عنقها. * * * ٢٩٧٠ - عن سعيدِ بن أبي هندٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قَالَ رسول الله ﷺ :

стр. 1987

"تكونُ إبلٌ للشَّياطينِ، وبيوتٌ للشَّياطينِ، فأمَّا إبلُ الشَّياطينِ فقد رأيتُها، يخرُج أحدُكم بنجيباتٍ مَعَهُ قد أَسْمَنَها فلا يَعْلو بعيرًا منها، ويَمُرُّ بأَخيهِ قد انقطعَ بهِ فلا يحمِلُه، وأمَّا بيوتُ الشَّياطينِ فلم أَرَها" كان سعيدٌ يقولُ: لا أُراها إلا هذهِ الأقفاصَ التي تسترُ الناسَ بالدِّيباجِ. قوله: "بنجيبات"، هي جمع نَجِيبةٍ، وهي الناقة المختارة؛ يعني: الدوابُّ إنما خلقها الله لينتفع بها بالركوب والحمل، فإذا كانت مع الرجل في الطريق نجيباتٌ ولم يركبها، ولم يحمل عليها مَن أَعْيَى في الطريق، ولم يحمل أقمشته عليها، فقد أطاع الشيطان في منع الانتفاع بدوابه، وإذا أطاع الشيطان في أمر دوابه فكأن دوابه للشيطان حتى أطاع ما يأمره الشيطان بترك الانتفاع بها. قوله: "هذه الأقفاص"؛ يعني بـ (الأقفاص): الأحداج، وهي جمع حِدْج، وهي ما تجلس فيها النساء على ظهر الدابة شبه بيت، ويسمَّى: المِحَفَّة، ووجه كراهية ركوب المِحَفَّة لا لذاتها، بل لسترها بالديباج وغيره من الثياب الإبريسمية. * * * ٢٩٧١ - عن سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، قال: غَزَوْنا معَ النبيِّ ﷺ فضَيَّقَ الناسُ المنازلَ وقطعُوا الطَّريقَ، فبعثَ نبيُّ الله ﷺ مُنادِيًا يُنادي في النَّاسِ: "أنَّ مَن ضيَّقَ منزِلًا أو قطعَ طريقًا فلا جهادَ لهُ". قوله: "فلا جهاد له"؛ أي: فلا كمالَ ثوابِ الجهاد له بإضراره الناس؛ لأنه إذا نزل في الطريق يمنع الناس من المرور، أو يضيقُ الطريق فيتضررون بالمرور، وإضرار الناس إثم. * * *

стр. 1988

٢٩٧٢ - عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أحسنَ ما دخلَ الرجلُ على أهلِهِ إذا قدِمَ مِن سفرٍ أولُ الليلِ". قوله: "إن أحسن ما دخل الرجل أهله إذا قدم من سفر أول الليل" قد ذكر قبل هذا أن النبي ﷺ وأنه لا يطرق أهله، وأنه ﷺ قال: "إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً"، وكان رسول الله ﷺ لا يقدمُ من سفر إلا نهارًا. هذه الأحاديث صريحةٌ بأن الدخول على الأهل من السفر قبل الليل أفضل من الدخول ليلًا، وتأويل هذا الحديث أن أحسن ساعات الليل في الدخول على الأهل أول الليل؛ يعني: أنه إذا فاته الدخول نهارًا وأراد أن يدخل ليلًا فأولُ الليل قبل أن يظلم الليل أحسن من الدخول في وسط الليل. * * * ٤ - باب الكتابِ إلى الكُفَّارِ ودعائِهم إلى الإسلامِ (باب الكتاب إلى الكفار) مِنَ الصِّحاحِ: ٢٩٧٣ - عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كتبَ إلى قيصرَ يدعُوه إلى الإِسلام، وبعثَ بكتابهِ إليه مع دِحْيَةَ الكلبيَّ، وأمَرَهُ أنْ يدفعَهُ إلى عظيم بُصْرَى ليدفَعه إلى قيصرَ، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم مِن محمدٍ عبدِ الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَ

стр. 1989

الهدَى، أمَّا بعدُ: فإني أَدعُوكَ بداعيةِ الإِسلامِ، أسلِمْ تَسْلَم، وأسلِمْ يُؤْتِكَ الله أجرَكَ مرَّتينِ، فإنْ تَوَلَيتَ فعليكَ إثمُ الأرِيسيَّينَ، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ". ويُروَى: "بدِعايةِ الإِسلامِ". قوله: "بعث بكتابه إليه"، (بكتابه)؛ أي: مع كتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر. "إلى عظيم بصرى"؛ أي: إلى أمير بصرى، و (بصرى): اسم بلد من الشام. "من محمَّد"؛ أي: هذا الكتاب جاء من محمَّد، أو مبعوثٌ من محمَّد "عبد الله" صفةُ (محمَّد). "هرقل" بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف: اسم عظيم الروم؛ أي: ملك الروم في ذلك الوقت، و (قيصر) اسمٌ لجميع ملوك الروم، كما يقال في بعض البلاد لملكهم: أتابك، ولبعض البلاد: سلطان. "سلام على من اتبع الهدى"، (الهدى): طريق الحق وهو الإِسلام، ولم يقل: سلام عليك؛ لأنه كافرٌ ولا يجوز أن يسلَّم النبي على كافر، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يسلَّموا على كافرِ، بل يقولون: السلام على مَن اتبع الهدى. قوله: "بداعية الإِسلام"، (الداعية): بمعنى الدعاء. قوله: "أسلم تسلم"؛ يعني: أَسْلِمْ لكي تَسْلَمَ من أن نقتلك، وتَسْلَمَ من عذاب يوم القيامة. "يؤتك الله أجرك مرتين" قد ذكرناه في أول الكتاب في قوله: "ثلاثة لهم أجران"، وكان هرقل نصرانيًا فلهذا قال ﷺ : "يؤتك الله أجرك مرتين". "فإن تولَّيت"؛ أي؛ فإن أعرضت عن الإِسلام.

стр. 1990

"فعليك إثم الأريسيين" وهو جمع أريسيًّ - بكسر الهمزة وتشديد الياء - وهو منسوبٌ إلى الإرِّيس وهو الزارع، والمراد بالأريسيين: أتباعه من الرعايا؛ يعني: فإن لم تُسْلِمْ يوافقك رعاياك في الكفر، فيكون عليك إثم كفرهم؛ لأنهم وافقوك في الكفر. قوله تعالى: " ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ "؛ يعني: تعالوا لنقول شيئًا هو واجب الإقرار به، والتكلُّمُ به في ديننا ودينكم، وقد أمركم نبيكم عيسى ﷺ بذلك وذلك الشيء هو: " ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا﴾ "؛ أي: ولا تتخذ مخلوقًا إلهًا. " ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ "؛ أي: فإذ أعرض أهل الكتاب عن اتخاد إله واحد فقولوا أيها المسلمون: اشهدوا يا أهل الكتاب بأنَّا مسلمون؛ لأنَّا لا نعبد مع الله إلهًا آخر، ولستم مسلمين؛ لأنكم تعبدون غير الله. قوله: "بدعاية الإِسلام"؛ أي: بدعاء الإسلام، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه لمَّا وصل كتاب رسول الله إلى هرقل، فسأل هرقلُ حالَ النبي مِن الذي جاء بكتابه فقال له: محمد من أشراف قومه، أو من أوساطهم، أو من أوضاعهم؟ فقال: بل من أوساطهم، فقال: هكذا كان الأنبياء، فقال: أتباعه فقراء أم أغنياء؟ فقال: بل فقراء، فقال: هكذا كان أتباع الأنبياء، فقال: إذا حارب قومًا يكون الظفر كله له أو يكون بعض الظفر له وبعضه لخصمه؟ فقال: يكون بعض الظفر له وبعضه لهم، فقال: هكذا كان الأنبياء. فلما ظهر لهرقل كون محمَّد نبيًا بما سأل من السؤالات، فقال: آمنت بمحمد، وأمر قومه أن يؤمنوا، فارتفعت أصوات قومه وقالوا: إنا لا ندع دين آبائنا، فخاف هرقل من قومه، وأمر بإغلاق باب قصره، وبعث مناديًا يأمر أن ينادى على سطح قصره: أيها الناس إن هرقل يمتحنكم بعرض دين محمَّد ﷺ -

стр. 1991

ليعلم أنكم ثابتون على دين آبائكم أم لستم بثابتين فيه، فارجعوا إلى دين آبائكم فإن هرقل ثابثٌ على دينه القديم ولم يؤمن بمحمد. وقال هرقل لمن جاء بكتاب نبي الله: قل لمحمد إني أعلم أنك نبي ولكن أخاف من الرعايا ومن ذهاب ملكي، فلهذا لا أُظهر الإيمان. * * * ٢٩٧٤ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ بكتابهِ إلى كِسرى مع عبدِ الله بن حُذافَةَ السَّهميِّ، فأمرَهُ أنْ يدفَعَه إلى عظيم البحرَيْنِ فدفعَهُ عظيمُ البحرينِ إلى كِسْرَى فلمَّا قرأَهُ مَزَّقَه، قال ابن المسيبِ: فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ أنْ يُمَزَّقُوا كلَّ ممزَّقٍ. قوله: "أن يدفعه ... إلى كسرى"، (كسرى): بفتح الكاف وكسرها: اسم ملوك العجم، كما أن قيصر اسمٌ لملوك الروم. "مزقه"؛ أي: خَرَّقه. "فدعا عليهم رسول الله أن يمزقوا كل ممزق"، (الممزق) هنا: مصدرٌ ميمي بمعنى التمزيق؛ يعني دعا عليهم رسول الله وقال: مزَّقهم الله تمزيقًا تامًا؛ أي: فرَّقهم الله. ذكر أن كسرى في ذلك الوقت خسرو الذي زوجته شيرين، فأجاب الله دعاء نبيه فيهم، فقام ابن خسرو شيرويه فشق بطن أبيه ليتزوَّج بشيرين لغلبة عشقه بها، فلما دفن خسرو قال شيرويه لشيرين: تعالي أتزوَّجُك، فقالت شيرين: اصبر لأدخل قبر أبيك وأودَّعه، ودخلت القبر وأخذت سيفًا ووضعت مقبضه على جرح خسرو، ووضعت بطنها على طرف السيف واعتمدت على السيف حتى دخل السيف في بطنها، وخرت على خسرو ميتة.

стр. 1992

وكان أخذ بلاد العجم في زمان عمر بن الخطاب ﵁، وكان ملك العجم في ذلك الوقت يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن برويز - وهو اسم خسرو - بن أنوشروان بن قباد بن هرمز، وتزوج أمير المؤمنين الحسين بن علي ﵄ شهريانو بنت يزدجرد. * * * ٢٩٧٥ - وقال أنسٌ: إنَّ نبيَّ الله ﷺ كتبَ إلى كِسْرَى وإلى قيصرَ وإلى النَّجاشيِّ وإلى كلِّ جبَّارٍ يدعُوهم إلى الله، وليسَ بالنَّجاشيِّ الذي صلَّى عليهِ النبيُّ ﷺ . قوله: "وإلي النجاشي"، و (النجاشي): اسم ملوك الحبشة. * * * ٢٩٧٦ - عن سليمانَ بن بُرَيْدةَ، عن أبيه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سريَّةٍ، أَوْصاهُ في خاصَّتِه بتقوَى الله، ومَن معَهُ مِن المسلمينَ خيرًا ثم قال: "اُغزُوا بسم الله في سبيلِ الله، قاتِلوا مَن كفَر بالله، اُغزُوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيتَ عدُوَّكَ مِن المُشركينَ فادعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ، أو خِلالٍ، فأيَّتُهنَّ ما أَجابُوكَ فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم: ثمَّ ادعُهم إلى الإسلام، فإنْ أجابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثمَّ ادعُهم إلى التحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرينَ، وأخبرْهم أَنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ فلهم ما للمُهاجرينَ، وعليهم ما على المُهاجرينَ، فإن أَبَوا أَنْ يتَحوَّلُوا منها فأَخْبرْهم أنهم يكونُونَ كأعرَابِ المسلمينَ، يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنينَ، ولا يكونُ لهم في الغنيمةِ والفيءِ شيءٌ إلا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المسلمينَ، فإن هُم أَبَوا فسَلْهم الجزْيَةَ، فإن هُم أَجابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ هم أَبَوا فاستَعِنْ بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهلَ حِصْنٍ

стр. 1993

فأَرادُوكَ أنْ تجعلَ لهم ذِمَّةَ الله وذِمَّةَ نَبيهِ فلا تَجعلْ لهم ذِمَّةَ الله ولا ذِمَّةَ نَبيهِ، ولكنْ اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وذمَّة أصحابكَ، فإنكم أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمِكُمْ وَذِمَمِ أصحابكم، أهونُ مِن أنْ تَخْفِرُوا ذِمَةَ الله وذمةَ رسولِهِ، وإنْ حاصرْتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أنْ تُنْزِلَهم على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلْهم على حُكْمِ الله، ولكنْ أَنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تدرِي أَتُصيبُ حكمَ الله فيهمْ أم لا". قوله: "أوصاه في خاصته بتقوى الله"؛ يعني: أوصاه في أمر نفسه، وفي أمر من معه من الجيش، فأما وصيته إياه في أمر نفسه أن يقول له: اتق الله، ووصيته إياه في أمر الجيش أن يأمره بحفظ مصالحهم، وأَمْرِه إياهم بما فيه الخير. قوله: "ولا تَغُلُّوا"؛ أي: ولا تسرقوا شيئًا من الغنيمة. "ولا تغدروا"؛ أي: ولا تحاربوا الكفار قبل أن تدعوهم إلى الإسلام. "ولا تمثَّلوا"؛ أي: ولا تجعلوا المثلة، وهي قطع الأعضاء؛ يعني: مَن قتلتموه فاتركوه ولا تقطعوا أعضاءه. "ولا تقتلوا وليدًا"؛ أي: ولا تقتلوا الأطفال بل اسبوهم، وكذلك النساء. "وإذا لقيتَ" هذا خطاب مع أمير الجيش. قوله: "إلى ثلاث خصال، أو خلال": هذا شك من الراوي في أنه ﷺ قال: (ثلاث خصال)، أو (ثلاث خلال)، و (الخصال): جمع الخصلة، و (الخلال): جمع خَلَّةٍ - بفتح الخاء - وهي الخصلة. "فأيتهن ما أجابوك"، (ما) هنا زائدة. "وكف عنهم"؛ يعني: فإذا فعلوا شيئًا من هذه الخصال اتركهم ولا تقتلهم. "ادعُهم إلى الإسلام" هذا هو الخصلةُ الأولى، "ثم ادعُهم إلى التحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين"؛ يعني: فلمَّا أسلموا فمُرْهم بالانتقال من دار الكفار إلى دار المسلمين.

стр. 1994

"فلهم ما للمهاجرين"؛ أي: فإن انتقلوا من دارهم إلى دار المسلمين فأخبرهم أن حكمهم حكم المهاجرين من حصول الثواب واستحقاق الفيء، وذلك الاستحقاق كان في زمن النبي ﷺ ، فإنه ﷺ كان ينفق على المهاجرين مما أتاه الله من الفيء، ولم يُعْطِ من الفيء شيئًا لأعراب المسلمين. "وعليهم ما على المهاجرين"؛ يعني: يجب عليهم الخروجُ إلى الجهاد إذا أمرهم الإمام، سواءٌ كان بإزاء العدو مَن به الكفايةُ أو لم يكن، بخلافِ غير المهاجرين فإنه لم يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بإزاء العدوَّ مَن به الكفايةُ، هكذا قال الخطابي. "منها"؛ أي: من دار الكفار. "فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين"، (الأعراب): أهل البادية؛ يعني: فإن لم ينتقلوا إلى دار المسلمين فلن يكون حكمُهم حكمَ المهاجرين، بل حكمُهم حكمُ المسلمين الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفار. "يجري عليهم حكم الله" من وجوب الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الأحكام، ويجري عليهم القصاصُ أو الدية والكفارة إذا قتلوا أحدًا، وليس لهم من الفيء والغنيمة شيءٌ وإذا لم يجاهدوا، بخلافِ المهاجرين، فإنَّ رسول الله ينفق عليهم من الفيء وإن لم يجاهدوا. "فإن هم أبوا"؛ يعني: فإن لم يقبلوا الإِسلام. "فسلهم الجزية" اعلم أن الجزية عند الشافعي لا تؤخذ إلَّا من المجوس وأهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى عربًا كانوا أو عجمًا. وقال مالك: تؤخذ من جميع الكفار إلا من المرتدِّ ومشركي قريش. وقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس ومن الوثني إذا كان من العجم.

стр. 1995

وعن أحمد روايتان: رواية كأبي حنيفة، ورواية كالشافعي. اعلم أن الخصال الثلاثة غير متضحة تحتاج إلى تبيينها: فإحدى الخصال: الإِسلام والتحوُّل إلى دار المسلمين. وثانيها: الإِسلام وتركُ التحوُّل. وثالثها: الجزية. "فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم (١) أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهونُ من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله". "الذمة": العهد؛ يعني: فإن قال أهل القلعة من الكفار لأمير جيش المسلمين: اجعل لنا ذمة الله وذمة رسول الله، فلا تقل؛ أيها الأمير: جعلت لكم ذمة الله وذمة رسوله، بل قل: جعلتُ لكم ذمتي، أو ذمتي وذمة أصحابي، فإنهم لو نزلوا ثم نقضوا عهدكم أهون من أن ينقضوا عهد الله وعهد رسوله. "وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيبُ حكمَ الله فيهم أم لا؟ ". يعني إن اشترط أهلُ القلعة معك وقالوا: إنا ننزل من القلعة بما تحكم علينا باجتهادك، فاقبل منهم هذا الشرط؛ لأنك تقدر على اجتهادك فيهم: مِن قتلهم، أو ضربِ الجزية عليهم، أو استرقاقهم، أو المنِّ، أو الفداء، فأيُّ شيء رأيت فيه المصلحة لجيشك من هذه الأشياء فاحكم به، وإن قالوا: ننزل بما يحكم الله علينا - أي: بما يوحي على نبيه فينا - فلا تقبل هذا الشرط منهم؛ لأنك

стр. 1996

لا تدري أن الله ينزل الوحي على نبيه فيهم أو لم ينزل. ومع أن زمان النبي زمانُ الوحي لا يجوز للإمام أن يشترط نزول أهل قلعة بحكم الله، فكيف يجوز بعد النبي لإمامٍ أو لأمير جيش أن يشترط نزول أهل قلعة بحكم الله على واحد من الأشياء المذكورة على التعيين؛ لأن أحدًا لا يعرف مراد الله تعالى، بل يشترط الإمام مع أهل القلعة النزول بما يقتضي إليه اجتهاده من الأشياء المذكورة. * * * ٢٩٧٧ - عن عبدِ الله بن أبي أَوْفَى ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ في بعضِ أيَّامِهِ التي لَقِيَ فيها العَدُوَّ انتظرَ حتى مالَت الشمسُ ثمَّ قامَ في الناسِ فقالَ: "يا أيُّها الناسُ، لا تتمَنَّوا لقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لقيتمُوهم فاصبرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تحتَ ظِلالِ السيوفِ، ثمَّ قال: اللهمَّ مُنزِلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السحابِ، وهازِمَ الأحزابِ، اهْزِمْهُمْ، وانصرَنا عليهم". قوله: "لقي فيها"؛ أي: قاتل الكفار، الضمير في (فيها) ضمير (الأيام). "انتظر حتى مالت الشمس"؛ يعني: لم يحارب قبل الظهر لفَرْطِ الحرارة، وانتظر حتى دخل الظهر وانكسر بعض الحرارة، ثم وعظ الناس وحرَّضهم على القتال. قوله: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"؛ يعني: الجنة تحصل للرجل عند استعمال السيوف في قتال الكفار، وإنما ذكر السيوف من بين آلات الحرب؛ لأن أكثر سلاح العرب السيوف، ولأن استعمال السيوف أشد من استعمال السهم؛ لأن استعمال السيوف إنما يكون بمقاربة العدو، ومقاربةُ العدو أشدُّ خوفًا من مباعدته. * * *

стр. 1997

٢٩٧٨ - عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا غزا بنا قومًا لم يكنْ يَغْزُو بنا حتى يُصبحَ وينظرَ، فإنْ سمعَ أذانًا كَفَّ عنهمْ وإنْ لم يَسْمَعَ أذَانًا أغارَ عليهم، قال: فخرجْنَا إلى خيبرَ فانتهَيْنَا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ ولم يسمعْ أذانًا ركبَ وركبتُ خلفَ أبي طلحةَ وإنَّ قَدَمي لَتَمَسُّ قدمَ نبيِّ الله ﷺ قال: فخرجُوا إلينا بِمَكاتِلِهم ومَساحِيهم، فلمَّا رَأَوْا النبيَّ ﷺ قالوا: مُحمَّدٌ والله، محمدٌ والجيشُ، فَلَجَؤوا إلى الحصنِ، فلمَّا رآهمُ رسولُ الله ﷺ قال: "الله أكبرُ الله أكبرُ، خَرِبَتْ خيبرُ، إنَّا إذا نَزَلْنا بساحةِ قومٍ فَساءَ صباحُ المُنْذَرِينَ". قوله: "غزا بنا" الباء بمعنى المصاحبة والمعية؛ يعني: إذا غزونا وهو مصاحبنا لم يتركنا أن نُغِير بلدًا في الليل حتى يدخل الصباح، ونستمعَ الأذانَ. ويُعرف بلد المسلمين من بلد الكفار بالأذان. ويحتمل أن يكون تركُ الإغارة لأجل أن يكون الكفار في الليل عراةً نائمين الرجال منهم والنساء، فكره ﷺ أن يفضحهم، فتركهم حتى يستيقظوا من النوم ولبسوا ثيابهم ثم أغار عليهم. قوله: "وإن قدميَّ لتمسُّ قدم النبي ﷺ "؛ يعني: كنت وأبو طلحة والنبيَّ ﷺ راكبينَ على جمل واحد. "فخرجوا إلينا"؛ أي: خرجوا من القلعة قاصدين عمارة نخلهم ولم يعلموا دخولنا عليهم. "المكاتل": جمع مكتل وهو الزنبيل، و"المساحي": جمع مِسْحاةٍ وهي معروفة. قوله: "محمَّد"؛ أي: هذا محمَّد. "والخميس"؛ أي: وهذا الجيش جيشه. "فلجؤوا"؛ أي: التجؤوا وعادوا إلى القلعة.

стр. 1998

"بساحة قوم"؛ أي: بأرض قوم. "فساء صباح المنذرين"، (ساء): بمعنى بئس؛ أي: ينزل العذاب من الله والقتلُ والإغارةُ معًا على مَن أنذرتُه ولم يؤمن. * * * ٢٩٧٩ - وعن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: شهدتُ القتالَ مَع رسولِ الله ﷺ ، فَكانَ إذا لم يُقاتِلْ أولَ النهارِ انتظرَ حتى تهبَّ الأرواحُ وتحضُرَ الصَّلاةُ. قوله: "حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة"، (تهب الأرواح)؛ أي: تجيء الأرواح، جمع ريح، وأصله: رِوْح، فقلبت الواو ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وأراد بـ "الصلاة" هنا: صلاة الظهر؛ أي: أخَّر القتال حتى تكسر الحرارة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٩٨٠ - عن النُّعمانِ بن مُقَرَّن قال: شهِدْتُ معَ رسولِ الله ﷺ فكانَ إذا لم يقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ انتظرَ حتى تزولَ الشمسُ وتَهُبَّ الرياحُ وينزِلَ النصرُ. قوله: "وينزل النصر"؛ يعني: حتى يدخل وقت صلاة الظهر والعصر، ويدعو المسلمون عقيب الصلاة لجيوش المسلمين، فإن عادة المسلمين أن يدعو عقيب الصلوات لجيوش المسلمين، فإنهم إذا دعوا جيوش المسلمين تقبل دعوتهم. * * *

стр. 1999

٥ - باب القِتالِ في الجهاد (باب القتال في الجهاد) مِنَ الصِّحاحِ: ٢٩٨٤ - قال كعبُ بن مالكٍ: لم يكنْ رسولُ الله ﷺ يريدُ غزوةً إلا وَرَّى بغيرِها، حتى كانَتْ تلكَ الغَزْوةُ - يعني: غزوةَ تبوكَ - غزاها رسولُ الله ﷺ في حَرًّ شديدٍ، واستقبلَ سَفَرًا بعيدًا ومَفازًا، وعَدُوًّا كثيرًا، فجلَّى للمُسلمينَ أمرَهم ليتأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِم، فأَخبرَهم بوَجْهِه الذي يريد. قوله: "ورَّى بغيرها" توريةً: إذا أخفى شيئًا في خاطره وأظهر خلافه، وتوريةُ رسول الله ﷺ الغزو ليس بأنْ قال: أنا أريد غزو أهل الموضع الفلاني، وهو يريد غيرهم؛ لأن هذا كذبٌ، والكذب لا يجوز، بل إنما كان بالتعريض، مثل أن يريد غزو بلدة ولم يقل: إني أريد ذلك الموضع، بل يخفي ذلك في قلبه ويسأل عن الناس سبيل بلد آخر، مثل أن يريد مكة ويسأل عن الناس حال خيبر وكيفيةَ سبيلها، حتى يظن الناس أنه يريد خيبر، فإذا هيأ أسباب غزو مكة قصد مكة بحيث لا يعرف أهل مكة، ولم يصل إليهم خبرٌ، حتى لا يفروا ولا يهيئوا أسباب القتال، وذلك جائز في الغزو. "تبوك": اسم ناحية في البرِّية قِبَلَ الروم، بينها وبين المدينة قَدْرُ مسيرة شهر. "جلَّى"؛ أي: أظهر. * * *

стр. 2000

٢٩٨٥ - وقال جابرٌ: قال النبيُّ ﷺ : "الحربُ خُدْعَةٌ". قوله: "الحرب خدعة" يجوز فتح الخاء وسكون الدال، وضمُّ الخاء وسكون الدال، وضم الخاء وفتحُ الدال، وأفصحها فتح الخاء وسكون الدال؛ لأنه نُقل عن النبي ﷺ هكذا، وهي المرة الواحدة من (خدع): إذا غرَّ ومكر. * * * ٢٩٨٧ - وقالت أمُّ عطِيَّةَ: غَزَوْتُ معَ رسولِ الله ﷺ سبعَ غَزَوَاتٍ: أَخْلُفُهم في رِحالِهم فأصنعُ لهم الطَّعامَ، وأُداوي الجرحَى، وأَقومُ على المرضى. قوله: "أخلفهم في رحالهم"؛ أي: أقوم مقامهم في منزلهم إذا غابوا، وأحفظ أمتعتهم. * * * ٢٩٨٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "هَلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقونَ إلا بضُعفائِكم". قوله: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" إنما قال رسول الله ﷺ هذا الحديث كيلا يتكبر المجاهدون على الضعفاء الذين لا يقدرون على الجهاد؛ يعني: هم معذورون في تخلُّفهم لضعفهم وقلبهم مع المجاهدين يدعون لهم بالنصرة في الخلوات، وخلف الصلوات. روى هذا الحديث سعد بن أبي وقاص. * * * ٢٩٩٠ - عن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن أهلِ الدارِ يُبَيَّتونَ مِن المُشركينَ، فيُصابُ مِن نسائِهم وذَرارِيهم، فقال: "هُم منهم".
следующие страницы →