لا تدري أن الله ينزل الوحي على نبيه فيهم أو لم ينزل.
ومع أن زمان النبي زمانُ الوحي لا يجوز للإمام أن يشترط نزول أهل قلعة بحكم الله، فكيف يجوز بعد النبي لإمامٍ أو لأمير جيش أن يشترط نزول أهل قلعة بحكم الله على واحد من الأشياء المذكورة على التعيين؛ لأن أحدًا لا يعرف مراد الله تعالى، بل يشترط الإمام مع أهل القلعة النزول بما يقتضي إليه اجتهاده من الأشياء المذكورة.
* * *
٢٩٧٧ - عن عبدِ الله بن أبي أَوْفَى ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ في بعضِ أيَّامِهِ التي لَقِيَ فيها العَدُوَّ انتظرَ حتى مالَت الشمسُ ثمَّ قامَ في الناسِ فقالَ: "يا أيُّها الناسُ، لا تتمَنَّوا لقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لقيتمُوهم فاصبرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تحتَ ظِلالِ السيوفِ، ثمَّ قال: اللهمَّ مُنزِلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السحابِ، وهازِمَ الأحزابِ، اهْزِمْهُمْ، وانصرَنا عليهم".
قوله: "لقي فيها"؛ أي: قاتل الكفار، الضمير في (فيها) ضمير (الأيام).
"انتظر حتى مالت الشمس"؛ يعني: لم يحارب قبل الظهر لفَرْطِ الحرارة، وانتظر حتى دخل الظهر وانكسر بعض الحرارة، ثم وعظ الناس وحرَّضهم على القتال.
قوله: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"؛ يعني: الجنة تحصل للرجل عند استعمال السيوف في قتال الكفار، وإنما ذكر السيوف من بين آلات الحرب؛ لأن أكثر سلاح العرب السيوف، ولأن استعمال السيوف أشد من استعمال السهم؛ لأن استعمال السيوف إنما يكون بمقاربة العدو، ومقاربةُ العدو أشدُّ خوفًا من مباعدته.
* * *
стр. 1997
٢٩٧٨ - عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا غزا بنا قومًا لم يكنْ يَغْزُو بنا حتى يُصبحَ وينظرَ، فإنْ سمعَ أذانًا كَفَّ عنهمْ وإنْ لم يَسْمَعَ أذَانًا أغارَ عليهم، قال: فخرجْنَا إلى خيبرَ فانتهَيْنَا إليهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ ولم يسمعْ أذانًا ركبَ وركبتُ خلفَ أبي طلحةَ وإنَّ قَدَمي لَتَمَسُّ قدمَ نبيِّ الله ﷺ قال: فخرجُوا إلينا بِمَكاتِلِهم ومَساحِيهم، فلمَّا رَأَوْا النبيَّ ﷺ قالوا: مُحمَّدٌ والله، محمدٌ والجيشُ، فَلَجَؤوا إلى الحصنِ، فلمَّا رآهمُ رسولُ الله ﷺ قال: "الله أكبرُ الله أكبرُ، خَرِبَتْ خيبرُ، إنَّا إذا نَزَلْنا بساحةِ قومٍ فَساءَ صباحُ المُنْذَرِينَ".
قوله: "غزا بنا" الباء بمعنى المصاحبة والمعية؛ يعني: إذا غزونا وهو مصاحبنا لم يتركنا أن نُغِير بلدًا في الليل حتى يدخل الصباح، ونستمعَ الأذانَ.
ويُعرف بلد المسلمين من بلد الكفار بالأذان.
ويحتمل أن يكون تركُ الإغارة لأجل أن يكون الكفار في الليل عراةً نائمين الرجال منهم والنساء، فكره ﷺ أن يفضحهم، فتركهم حتى يستيقظوا من النوم ولبسوا ثيابهم ثم أغار عليهم.
قوله: "وإن قدميَّ لتمسُّ قدم النبي ﷺ "؛ يعني: كنت وأبو طلحة والنبيَّ ﷺ راكبينَ على جمل واحد.
"فخرجوا إلينا"؛ أي: خرجوا من القلعة قاصدين عمارة نخلهم ولم يعلموا دخولنا عليهم.
"المكاتل": جمع مكتل وهو الزنبيل، و"المساحي": جمع مِسْحاةٍ وهي معروفة.
قوله: "محمَّد"؛ أي: هذا محمَّد.
"والخميس"؛ أي: وهذا الجيش جيشه.
"فلجؤوا"؛ أي: التجؤوا وعادوا إلى القلعة.
стр. 1998
"بساحة قوم"؛ أي: بأرض قوم.
"فساء صباح المنذرين"، (ساء): بمعنى بئس؛ أي: ينزل العذاب من الله والقتلُ والإغارةُ معًا على مَن أنذرتُه ولم يؤمن.
* * *
٢٩٧٩ - وعن النُّعمانِ بن مُقَرِّن قال: شهدتُ القتالَ مَع رسولِ الله ﷺ ، فَكانَ إذا لم يُقاتِلْ أولَ النهارِ انتظرَ حتى تهبَّ الأرواحُ وتحضُرَ الصَّلاةُ.
قوله: "حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة"، (تهب الأرواح)؛ أي: تجيء الأرواح، جمع ريح، وأصله: رِوْح، فقلبت الواو ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وأراد بـ "الصلاة" هنا: صلاة الظهر؛ أي: أخَّر القتال حتى تكسر الحرارة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٩٨٠ - عن النُّعمانِ بن مُقَرَّن قال: شهِدْتُ معَ رسولِ الله ﷺ فكانَ إذا لم يقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ انتظرَ حتى تزولَ الشمسُ وتَهُبَّ الرياحُ وينزِلَ النصرُ.
قوله: "وينزل النصر"؛ يعني: حتى يدخل وقت صلاة الظهر والعصر، ويدعو المسلمون عقيب الصلاة لجيوش المسلمين، فإن عادة المسلمين أن يدعو عقيب الصلوات لجيوش المسلمين، فإنهم إذا دعوا جيوش المسلمين تقبل دعوتهم.
* * *
стр. 1999
٥ - باب القِتالِ في الجهاد
(باب القتال في الجهاد)
مِنَ الصِّحاحِ:
٢٩٨٤ - قال كعبُ بن مالكٍ: لم يكنْ رسولُ الله ﷺ يريدُ غزوةً إلا وَرَّى بغيرِها، حتى كانَتْ تلكَ الغَزْوةُ - يعني: غزوةَ تبوكَ - غزاها رسولُ الله ﷺ في حَرًّ شديدٍ، واستقبلَ سَفَرًا بعيدًا ومَفازًا، وعَدُوًّا كثيرًا، فجلَّى للمُسلمينَ أمرَهم ليتأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِم، فأَخبرَهم بوَجْهِه الذي يريد.
قوله: "ورَّى بغيرها" توريةً: إذا أخفى شيئًا في خاطره وأظهر خلافه، وتوريةُ رسول الله ﷺ الغزو ليس بأنْ قال: أنا أريد غزو أهل الموضع الفلاني، وهو يريد غيرهم؛ لأن هذا كذبٌ، والكذب لا يجوز، بل إنما كان بالتعريض، مثل أن يريد غزو بلدة ولم يقل: إني أريد ذلك الموضع، بل يخفي ذلك في قلبه ويسأل عن الناس سبيل بلد آخر، مثل أن يريد مكة ويسأل عن الناس حال خيبر وكيفيةَ سبيلها، حتى يظن الناس أنه يريد خيبر، فإذا هيأ أسباب غزو مكة قصد مكة بحيث لا يعرف أهل مكة، ولم يصل إليهم خبرٌ، حتى لا يفروا ولا يهيئوا أسباب القتال، وذلك جائز في الغزو.
"تبوك": اسم ناحية في البرِّية قِبَلَ الروم، بينها وبين المدينة قَدْرُ مسيرة شهر.
"جلَّى"؛ أي: أظهر.
* * *
стр. 2000
٢٩٨٥ - وقال جابرٌ: قال النبيُّ ﷺ : "الحربُ خُدْعَةٌ".
قوله: "الحرب خدعة" يجوز فتح الخاء وسكون الدال، وضمُّ الخاء وسكون الدال، وضم الخاء وفتحُ الدال، وأفصحها فتح الخاء وسكون الدال؛ لأنه نُقل عن النبي ﷺ هكذا، وهي المرة الواحدة من (خدع): إذا غرَّ ومكر.
* * *
٢٩٨٧ - وقالت أمُّ عطِيَّةَ: غَزَوْتُ معَ رسولِ الله ﷺ سبعَ غَزَوَاتٍ: أَخْلُفُهم في رِحالِهم فأصنعُ لهم الطَّعامَ، وأُداوي الجرحَى، وأَقومُ على المرضى.
قوله: "أخلفهم في رحالهم"؛ أي: أقوم مقامهم في منزلهم إذا غابوا، وأحفظ أمتعتهم.
* * *
٢٩٨٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "هَلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقونَ إلا بضُعفائِكم".
قوله: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" إنما قال رسول الله ﷺ هذا الحديث كيلا يتكبر المجاهدون على الضعفاء الذين لا يقدرون على الجهاد؛ يعني: هم معذورون في تخلُّفهم لضعفهم وقلبهم مع المجاهدين يدعون لهم بالنصرة في الخلوات، وخلف الصلوات.
روى هذا الحديث سعد بن أبي وقاص.
* * *
٢٩٩٠ - عن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن أهلِ الدارِ يُبَيَّتونَ مِن المُشركينَ، فيُصابُ مِن نسائِهم وذَرارِيهم، فقال: "هُم منهم".
стр. 2001
وفي روايةٍ: "هُم مِن آبائهم".
قوله: "سئل النبي ﷺ عن أهل الدار يبيَّتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم"، (عن أهل الدار)؛ أي: عن أهل بلدهم من المشركين، و (يبيَّتون) بفتح الياء الثانية؛ أي: يُقْصَدون في الليل بالقتل، ويقتل الرجال والنساء والصبيان.
قوله ﷺ : "هم منهم"؛ يعني: لا بأس بقتل النساء والصبيان عند تبييتهم؛ لأن الغازي لا يعرف في الليل النساء والصبيان من الرجال، فهو معذور في قتل مَن وجد منهم، وإنما المنهيُّ من قتل النساء والصبيان في النهار؛ لأن الغازي يعرف النساء والصبيان من الرجال.
* * *
٢٩٩١ - وعن البراءِ بن عازبٍ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ رَهطًا من الأنصارِ إلى أبي رافِعٍ، فدخلَ عليهِ عبدُ الله بن عَتِيكَ بيتَه لَيْلًا فقتَلَهُ وهو نائمٌ.
قوله: "رهطًا"؛ أي: جماعةً "إلى أبي رافع" وهو يهودي يؤذي رسول الله ويمنع الناس من الإِسلام.
وهذا الحديث دليلٌ على جواز قتل الكافر الحربي بأيِّ طريق كان، ليلًا أو نهارًا، يهوديًا كان أو غيره من الكفار.
* * *
٢٩٩٢ - عن ابن عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَطَعَ نخلَ بني النَّضيرِ وحَرَّقَ، ولها يقولُ حسانٌ ﵁:
وهَانَ على سَراةِ بني لُؤَيًّ ... حَريقٌ بالبُوَيرةِ مُستَطِيرُ
стр. 2002
وفي ذلكَ نَزَلَت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ ".
قوله: "قطع نخل بني النضير وحرق": هذا يدل على جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، وتحريق بيوتهم وأموالهم إذلالًا لهم، وكره أحمد ذلك.
قوله: "ولها"؛ أي: ولتلك الواقعة أو لنخلهم قال حسان شعرًا، وهو حسان بن ثابت شاعرُ رسول الله ﷺ .
"وهان"؛ أي: سهل.
"على سَرَاة"؛ أي: على سادات بني لؤي، هم قبيلة قريش، ولؤي بن غالب من أجداد النبي ﷺ .
و"حريق"؛ أي: مُحْرِقٌ، وتقديره إشعال وإضرام نارٍ محرقة.
"بالبُوَيْرة": وهي اسم ذلك الموضع.
"مستطير"؛ أي: متفرق؛ أي: كثير، و (مستطير) صفة (حريق).
قوله تعالى: " ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ "؛ أي: من نخلة " ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ "؛ يعني أو تركتم تلك النخلة قائمةً على حالها، كل ذلك بإذن الله؛ أي: لا بأس عليكم بما قطعتم من النخل وبما تركتم قطعه.
* * *
٢٩٩٣ - عن عبدِ الله بن عَوْنٍ: أنَّ نافِعًا كتبَ إليه يُخْبرُهُ، أنَّ ابن عمرَ أخبَرَهُ: أنَّ النبيَّ ﷺ أغارَ على بني المُصطَلَقِ غارتينَ في نَعَمِهِم بالمُرَيْسيعِ، فقتَلَ المُقاتِلة وسَبَى الذُّرِّيَّةَ.
قوله: "أغار على بني المصطلق غارِّين في نعمهم"، (غارين) حال من (بني المصطلق) وهو من (غرَّ غَرارةً): إذا غفل؛ يعني: كان بنو المصطلق
стр. 2003
غافلين مقيمين بين مواشيهم إذ أغار عليهم رسول الله، وهذا يدل على أن قتل الكفار وأخذ أموالهم جائزٌ في حال كونهم غافلين.
"المريسيع": اسم موضع. "المقاتِلة": جمع مقاتل، والمراد بالمقاتِلَةِ هنا: مَن يصلح للقتال، وهو الرجل البالغ العاقل.
* * *
٢٩٩٤ - وعن أبي أُسَيْدٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لنا يومَ بدرٍ حينَ صَفَفْنَا لقُرَيشٍ وصَفُّوا لنا: "إذا أَكْثَبُوكُمْ فعليكم بالنَّبْلِ".
وفي روايةٍ: "إذا أكْثَبوكم فارمُوهم، واسْتَبْقُوا نَبْلَكم".
قوله: "إذا أكثبوكم"؛ أي: إذا قربوا منكم بحيث تصلُ إليهم سهامكم فارموهم بالسهام "واستَبْقوا نبلكم"، (النبل): السهم؛ يعني: ارموهم بالنبل، ولكن لا ترموهم بجميع نبالكم، بل اتركوا بعض نبالكم، فإنكم لو رميتم بجميع نبالكم فحينئذ بقيتم بلا نبلٍ فغلبوا عليكم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٩٩٥ - رُوِيَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَستَفتِحُ بصَعَالِيكِ المُهاجربنَ.
قوله: "كان يستفتح"؛ أي: يطلب الفتح والظفر على الكفار من الله.
"بصعاليك المهاجرين"؛ أي: ببركتهم، بأن يسأل دعاءهم، أو بأن يقول: اللهم انصرنا على الكفار بحق عبادك المهاجرين من الصعاليك، وهي جمع صعلوك: وهو الفقير.
стр. 2004
وهذا الحديث يدل على تعظيم الفقراء، وطلبِ دعائهم والتبرُّكِ بهم، ويدل أيضًا على أن عظيم الشأن يُستحبُّ له أن يطلب الدعاء ممن هو دونه في عظم الشأن.
روى هذا الحديثَ أمية بن عبد الله بن خالد بن أَسيد.
* * *
٢٩٩٦ - عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ابغوني في ضُعَفائكم فَإنَّمَا تُرْزَقُون وتُنْصَرُونَ بِضُعَفائِكُمْ".
قوله: "ابغوني في ضعفائكم" أصله: ابغيوني، فأُسكنت العين ونُقلت ضمةُ الياء إليها، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو؛ يعني: اطلبوني في ضعفائكم فإني معهم في الصورة في بعض الأوقات، وقلبي معهم في كل الأوقات؛ لِمَا أعرف من عظيم منزلتهم عند الله، فإنكم ببركتهم تُرزقون وتنصرون؛ يعني: عظِّموهم لأجل خاطري، فإنَّ مَن حَفِظَهم فقد حفطني، ومن أحبهم فقد أحبني.
* * *
٢٩٩٧ - قال عبدُ الرَّحمن بن عَوْفٍ: عَبَّأَنَا النبيُّ ﷺ ببدرٍ ليلًا.
قوله: "عبأنا" هذا من التعبئة، وهي تسويةُ صفوف الجيش في القتال، وإقامةُ كلِّ واحدٍ منهم مُقامًا يصلح له.
* * *
٢٩٩٨ - ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنْ بَيَّتَكُم العدوُّ فليكنْ شِعَارُكم: (حم لا يُنْصَرُون) ".
стр. 2005
قوله: "إن بيتكم العدو فليكن شعاركم حم لا ينصرون"، (بيَّت تبييتًا): إذا قصد العدو للقتل والإغارة ليلًا، (الشعار): العلامة؛ يعني إن اتَّفق قتالكم الكفارَ بالليل فليقل كلُّ واحد منكم إذا لقي أحدًا: (حم لا ينصرون) ليعرف المسلمُ المسلمَ؛ يعني: إذا لقي المسلم أحدًا في الليل، فإن تكلم ذلك الأحد بـ (حم لا ينصرون) فهو مسلم، وإن لم يقل فهو كافر فليقتله المسلم.
ويستحبُّ لأمير الجيش أن يأمر جيشه بأن يتكلموا بلفظٍ في الليل إذا لقوا العدو؛ ليعرف المسلم الكافر.
روى هذا الحديث [المهلَّب بن أبي صُفرة].
* * *
٣٠٠١ - عن قيسِ بن عُبَادٍ قال: كانَ أصحابُ النبيِّ ﷺ يَكرهُونَ الصَّوتَ عندَ القتالِ.
"يكرهون الصوت عند القتال" عادة المحاربين أن يرفعوا أصواتهم: إما لتعظيم أنفسهم وإظهارِ كثرتهم بتكثير أصواتهم، أو لتخويف أعدائهم بكثرة أصواتهم، أو لإظهار كلِّ واحد الشجاعةَ عن نفسه، بأن يقول: أنا البطل، أنا الشجاع، أنا طالب الحرب، أنا فلان بن فلان، والصحابة ﵃ يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بشيء من هذه الأشياء؛ لأنها ليست مما يُتقرب به إلى الله تعالى، بل يرفعون أصواتهم بذكر الله فإن به فوزَ الدنيا والآخرة.
* * *
٣٠٠٢ - عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "اقتلوا شيوخَ المُشركينَ، واستَحيوا شَرْخَهُم"، أي: صِبيانَهم.
стр. 2006
قوله: "اقتلوا شيوخ المشركين"، (الشيوخ): جمع شيخ، وهو المُسِنُّ الأشيب، والمراد بـ (الشيوخ) هنا: مَن كان بالغًا من الرجال، والمراد بـ (الشرخ): مَن لم يكن بالغًا.
"واستحيوا" أصله: استَحْييوا، فأُسكنت الياء الأولى ونُقلت ضمة الياء الثانية إليها، وحذفت الياء الثانية لسكونها وسكون الواو، وهو من (استَحْيَى): إذا ترك أحدًا حيًّا؛ أي: لم يقتله.
* * *
٣٠٠٣ - قال النبيُّ ﷺ لأسامَة: "أَغِرْ على أُبنى صباحًا وحَرِّقْ".
قوله: "أغر على أبني"، (أُبنى): اسم موضع، وقيل: (أُبنى) قرية بمؤتة، وقيل: الصواب: يُبنى، وهو اسم قريةٍ من قرى الرملة، والرملة: بلد في أرض العرب.
روى هذا الحديث عروة بن الزبير.
* * *
٣٠٠٤ - عن أبي أُسَيْدٍ قال: قال النبيُّ ﷺ يومَ بَدْرِ: "إذا أَكْثَبُوكم فارمُوهم، ولا تَسُلُّوا السُّيوفَ حتى يَغْشَوْكُم".
قوله: "ولا تسلوا السيوف"؛ أي: لا تُخرجوا السيوف من الغمد.
"حتى يغشوكم"؛ أي: حتى يقربوا منكم بحيث تصلُ إليهم سيوفكم، (يغشوكم) أصله: يَغْشَيوكم، فقُلبت الياء ألفًا ثمَّ حُذفت الألف لسكونها وسكون الواو، وهو من الغشيان، وهو المجيء من علو.
* * *
стр. 2007
٣٠٠٥ - عن رباحِ بن الربيعِ قال: كنّا معَ رسولِ الله ﷺ في غزوةٍ، فَرَأَى الناسَ مجتمعين علي شيءٍ، فبعثَ رَجُلًا فقال: "انظرْ عَلَامَ اجتمَع هؤلاءِ؟ " فجاءَ فقالَ: امرأةٌ قتيلٌ، فقال: "ما كانَتْ هذه لِتُقاتِلَ"، وعلى المُقَدِّمَةِ خالدُ بن الوليدِ، فبعثَ رجلًا وقال: "قُلْ لخالدٍ: لا تقتلْ امرأةً ولا عَسِيفًا".
قوله: "ما كانت هذه لتقاتل"؛ أي: لم تكن من المحاربين؛ يعني: إنما يُقتل الكافر المحارب، ولا يقتل مَن ليس بمحاربٍ كالنساء والصبيان.
"وعلى المقدمة"، (المقدمة): الجماعة السابقة على الجيش؛ يعني: كان خالد أمير مقدمة الجيش.
"العسيف": الأجير؛ يعني: لا تقتل خدَّامُ الكفار إذا لم يحاربوا، مثل راعي دوابهم وغيره.
* * *
٣٠٠٦ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "انطلِقُوا باسمِ الله، وبالله، وعلى مِلَّةِ رسولِ الله، لا تَقتلُوا شَيْخًا فانِيًا، ولا طِفْلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غنائِمَكم، وأَصلِحُوا، وأَحسِنُوا فإنَّ الله يحِبُّ المحسنين".
قوله: "شيخًا فانيًا"؛ أي: شيخًا ضعيفًا من غاية الكبر.
"ولا تغلوا" بتشديد اللام: ولا تسرقوا من الغنيمة.
"وضموا غنائمكم"؛ أي: اجمعوا ما حصل لكم من الغنيمة، ولا تأخذوا منها شيئًا حتى تقسموها.
"وأصلحوا"؛ أي: وأصلحوا أموركم؛ أي: لا يتكبَّرْ بعضكم على بعض، ولا تتركوا شيئًا من أوامر الله، ولا تأتوا شيئًا من مناهيه، ولا تُؤذوا مسلمًا.
* * *
стр. 2008
٣٠٠٧ - قال عليٌّ ﵁: تقدَّمَ عُتْبَةُ بن ربيعةَ، وتَبعَهُ ابنهُ وأخوهُ، فنادَى: مَن يبارِزُ؟ فانتدبَ له شبابُ مِن الأنصارِ فقالَ: مَن أنتم؟ فأَخبرُوه، فقال: لا حاجةَ لنا فيكم، إنَّما أردْنَا بني عَمِّنا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قُمْ يا حمزةُ! قُمْ يا عليُّ! قُمْ يا عُبيدةُ بن الحارثِ! " فأقبلَ حمزةُ إلى عتبةَ، وأقبَلْتُ إلى شيبةَ، واختلفَ بينَ عُبيدةَ والوليدِ ضربتانِ، فأَثْخَنَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَهُ، ثمَّ مِلْنَا على الوليدِ فَقتَلْناهُ، واحْتَمَلْنا عُبَيْدة.
قوله: "تقدم عتبة"؛ يعني يوم بدر، "فنادى"؛ أي: فنادى عتبة: "من يبارز"؛ أي: مَن يخرج إلينا بالمحاربة، "فانتدب له"؛ أي: أجابه "شباب": جمع شابًّ، "فقال: من أنتم"؛ أي: فقال عتبة لشباب الأنصار، "فأخبروه"؛ أي: فقالوا: نحن من المدينة.
"إنما أردنا بني عمِّنا"؛ يعني: قرشيون، نريد مَن كان بيننا وبينهم قرابة قريبة.
"واختلف"؛ أي: تردَّد وجرى.
"فأثخن"؛ أي: جرح، (الإثخان): الجراحة الشديدة.
"صُلْنا" من (صال يَصُول): إذا حمل على أحدٍ.
* * *
٣٠٠٨ - عن ابن عمرَ قال: بعَثَنَا رسولُ الله ﷺ في سَرِيةٍ، فحاصَ الناسُ حَيْصةً، فَأَتَيْنا المدينةَ فاختَفَيْنا بها، وقلنا: هَلَكْنا، ثمَّ أَتينا رسولَ الله ﷺ فقلْنا: يا رسولَ الله! نحنُ الفرَّارونَ؟ قال: "بل أنتَمْ العَكَّارُونَ، وأنا فِئَتُكم".
وفي روايةٍ قال: "لا، بل أنتم العَكَّارون"، قال: فَدَنَوْنَا فقبَّلْنا يَدَهُ فقال: "أنا فِئَةُ المُسلمين".
стр. 2009
قوله: "فحاص الناس حيصة"، حاص يَحِيصُ: إذا فرَّ، و (الناس) هنا: أصحاب رسول الله الذين فروا من الحرب ذلك اليوم.
"فاختفينا بها"؛ أي: استترنا بالمدينة خوفًا من رسول الله واستحياءً منه في فرارنا، "وقلنا: هلكنا"؛ أي: قلنا: صرنا مستحقَّين للعذاب بسبب الفرار من الحرب.
"بل أنتم العكَّارون وأنا فئتكم"، (عَكَر): إذا رجع وكر؛ يعني: المتحيزون إلى فئةٍ، (وأنا فئتكم)؛ يعني: مَن فرَّ من الحرب على نية أن يجتمع مع جيشٍ آخر ويتقوَّى بهم ثمَّ يرجع إلى الحرب، فلا إثم عليه، فكذلك أنتم فررتم لطلب المدد، وأنا مددكم فلا إثم عليكم في الفرار.
"أنا فئة المسلمين"؛ أي: مدد المسلمين، وأنا معاذ المسلمين، فإذا فروا التجؤوا إلي وأنا أنصرهم.
* * *
٦ - باب حُكْمِ الأُسارى
(باب حكم الأُسراء)
(الأُسراء): جمع أسير، والمراد بـ (الأسراء) هنا: الكفار الذين أخذهم المسلمون.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٠٩ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "عَجِبَ الله من قومِ يدخُلونَ الجنةَ في السَّلاسِلَ".
стр. 2010
وفي روايةٍ: "يُقادُونَ إلى الجنةِ بالسَّلاسلِ".
"عجب الله"؛ أي: رضي الله "من قوم"؛ أي: كفار؛ أي: من كفارِ أخذهم المسلمون ووضعوا السلاسل على أيديهم وأرجلهم وأدخلوهم دار الإِسلام، ثم رزقهم الله الإيمان فأسلموا ودخلوا الجنة بإسلامهم، هذا هو المراد من هذا الحديث.
* * *
٣٠١٠ - عن سَلَمةَ بن الأكْوَعِ ﵁ قال: أتى النَّبيَّ ﷺ عينٌ مِنَ المشركينَ وهو في سفرٍ، فجلسَ عندَ أصحابهِ يتحدثُ، ثم انفَتَلَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اُطلبُوه واقتلُوهُ"، فَقتَلْتُهُ، فنفَّلَنِي سَلَبَهُ.
قوله: "عين من المشركين"؛ أي: جاسوس لهم.
"انفتل"؛ أي: رجع.
"نفَّله" بتشديد الفاء؛ أي: أعطاه.
"سلبه"؛ أي: فرسه وما كان عليه من السلاح.
* * *
٣٠١١ - وعن سَلَمَةَ بن الأكوَعِ قال: غَزَوْنَا مع رسولِ الله ﷺ هَوازِن، فَبَيْنَا نحنُ نَتَضَحَّى معَ رسولِ الله ﷺ إذ جاءَ رجلٌ على جملٍ أحمرَ فأَنَاخَهُ، وجَعَلَ ينظرُ، وفينا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِن الظَّهْرِ، وبعضُنا مشاةٌ، إذ خرجَ بشتدُّ فأَتَى جملَهُ فَأَثَارَهُ، فاشتدَّ به الجَمَلُ، وخرجْتُ أشتدُّ حتى أخذتُ بخِطامِ الجَمَلِ فأَنَخْتُهُ، فلمَّا وضعَ ركبتَهُ في الأرضِ اخْتَرَطْتُ سيفي فضربْتُ رأسَ الرَّجلِ، ثم جئتُ بالجملِ أقودُه وعليهِ رَحْلُه وسِلاحُه، فاستقبلَني رسولُ الله ﷺ والناسُ
стр. 2011
فقالَ: "مَن قتلَ الرَّجلَ؟ " قالوا: ابن الأكوَعِ، قال: "لهُ سَلَبَهُ أَجْمَعُ".
قوله: "هوازن" اسم قبيلة.
"نتضحى"؛ أي: نتغدَّى؛ أي: يكون في وقت الضحى، أو نأكل في وقت الضحى.
"فأناخه": فأبركه. "وجعل"؛ أي: طفق.
"وفينا ضَعْفَةٌ ورقة من الظهر"؛ يعني: كان فينا ضعفٌ وقلَّة المركوب، (الرقة): استعارة من القلة، و (الظهر): المركوب.
"المشاة": جمع الماشي، وهو خلاف الراكب.
"إذ خرج"؛ أي: خرج من بيننا بعد ما رآنا وعَرَفَ حالنا، "يشتد"؛ أي: يعدوا. "فأثاره"؛ أي: أقامه من موضعه، "فاشتد به الجمل"؛ أي: أسرع به الجمل.
"أشتُّد"؛ أي أعدو، "فاخترطت"؛ أي: أخرجت سيفي من الغمد، "فضربت رأس الرجل"؛ يعني: قَتْلُ الجاسوس من الكفار جائز.
"له سلبه أجمع"؛ أي: كله له.
* * *
٣٠١٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: لما نزَلَتْ بنو قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سعدِ بن معاذٍ، بعثَ رسولُ الله ﷺ فجاءَ على حمارٍ فلمَّا دَنَا قَالَ رسولُ الله ﷺ : "قوموا إلى سَيدِكم"، فجاءَ فجلسَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ هؤلاء نَزَلُوا على حُكْمِكَ"، قال: فإني أَحْكُمُ أنْ تُقتَلَ المُقاتِلَةُ وأنْ تُسْبَى الذُّرِّيةُ، قال: "لقد حكمْتَ فيهم بحُكْمِ الْمَلِكِ".
ويروى: "بحُكْمِ الله".
стр. 2012
قوله: "لما نزلت بنو قريظة" كانت بنو قريظة من اليهود، فحاصرهم رسول الله ﷺ فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ؛ أي: رضينا بما يحكم علينا، وسعد بن معاذ من كبار الصحابة.
"قوموا إلى سيدكم"؛ أي: قوموا من مكانكم لحرمة سعد، وهذا دليل على جواز قيام الجالسين إلى مَن يدخل عليهم من أصحاب المناصب والأستاذين والصُّلحاء والأبوين، ومَن يستحق الاحترام.
"بحكم المَلِك" بكسر اللام؛ أي: بحكم الله.
ومن الناس من يقول: (بحكم المَلَك) بفتح اللام، قال محيي السنة: هذا بعيد؛ لأنه إذا روي: (بحكم الله) عُلم أن الصواب ها هنا: (بحكم المَلِك) بكسر اللام، ومَن قال: (بحكم المَلَك) - بفتح اللام - معناه: بالحكم الذي نزل به الملك وهو جبريل ﷺ .
يعني: يا سعد! حَكَم الله فيهم مِثْلَ ما حَكَمْتَ فيهم.
* * *
٣٠١٣ - وعن أبي هريرةَ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ خيلًا قِبَلَ نَجْدٍ فجاءَتْ برجلٍ مِن بني حَنِيفةَ يقال له: ثُمَامَةُ بن أُثالٍ سَيدُ أهلِ اليَمامةِ، فربطوهُ بساريةٍ من سَوارِي المسجدِ فخرجَ إليه رسولُ الله ﷺ فقال: "ماذا عندَكَ يا ثُمَامَةُ؟ "، قال: عندي يا محمدُ! خيرٌ، إنْ تَقْتُلْ تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكِرٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المالَ فسلْ تُعْطَ منه ما شئتَ، فترَكَهُ رسولُ الله ﷺ حتى كانَ الغدُ فقالَ لهُ: "ما عندَكَ يا ثُمَامَةُ؟ "، قال: عندي ما قلتُ لك: إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكرٍ، وإنْ تَقْتُلْ تقتلْ ذا دَمٍ، وإنْ كُنْتَ تريدُ المالَ فَسَلْ تعْطَ منهُ ما شِئتَ، فتركَهُ رسولُ الله ﷺ حتى كانَ بعدَ الغدِ فقال: "ما عِندكَ يا ثُمامَةُ؟ "، قال:
стр. 2013
عندي ما قلتُ لكَ: إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكرٍ، وإنْ تقتُلْ تقتُلْ ذا دمٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المالَ فسلْ تُعْطَ منه ما شئتَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَطْلِقُوا ثُمامَةَ"، فانطلَقَ إلى نَخْلٍ قريبٍ من المسجدِ فاغتسلَ ثمَّ دخلَ المسجدَ فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، يا محمدُ! والله ما كانَ على الأرضِ وَجْهٌ أبغضَ إليَّ مِن وجهِكَ، فقد أصبحَ وجهُكَ أحبَّ الوجوهِ كلِّها إليَّ، والله ما كانَ مِن دِينٍ أبغضَ إليَّ مِن ديِنكَ فأصبحَ دينُكَ أحبَّ الدِّينِ كلِّه إليَّ، والله ما كانَ مِن بلدٍ أبغضَ إليَّ من بلدِكَ، فأَصْبَحَ بلدُكَ أحبَّ البلادِ كلَّها إليَّ، وإنَّ خيلَكَ أَخَذَتْني وأنا أُريدُ العُمْرةَ فماذا ترى؟ فَبَشَّرَهُ رسولُ الله ﷺ وَأَمَرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ، فلمَّا قَدِمَ مكةَ قَالَ له قائلٌ: صَبَأْتَ؟! فقال: لا، ولكنِّي أسلَمْتُ مع رسولِ الله ﷺ ، وَلا والله لا يأْتِيكُمْ مِن اليمامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حتى يأذَنَ فيها رسولُ الله ﷺ .
قوله: "بعث رسول الله ﷺ خيلًا"؛ أي: جيشًا.
قوله: "ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر" إن تُعتقني أشكر لك وأعرف نعمتك عليَّ، وإن كنت تريد المال؛ يعني: وإن أردت المال مني، فقل كم تريد حتى أعطيك.
"أطلقوا"؛ أي: خلُّوا سبيله.
وهذا الحديث يدل على جواز دخول الكافر المسجد، وجواز إطلاق الأسير بغير فداءٍ إذا رأى الإمام المصلحة.
"قال له قائل: صبوت"، (صبا يصبو): إذا مال؛ يعني: قال له كافر من كفار مكة: مِلْتَ عن دين الحق إلى دين الباطل، فقال: ما ملتُ عن الحق إلى الباطل، بل أسلمتُ مع محمَّد، ودينه هو دين الحق.
* * *
стр. 2014
٣٠١٤ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال في أُسارَى بدرٍ: "لو كانَ المُطْعِمُ بن عَدِيًّ حَيًّا ثمَّ كلَّمني في هؤلاءَ النَّتْنَى لترَكْتُهم له".
قوله: "لو كان المطعم حيًا" هذا المطعم هو أبو جابر بن مطعم، وكان أثبت على النبي بمكة حقوقًا، فأراد النبي أن يجازيه لو كان حيًا بأن يهب له مَن أسره من كفار مكة يوم بدر.
و"النَّتْنَى": جمع مُنْتِنٍ ونَتِنٍ، قال الفرَّاء: جعلت العرب فَعْلَى علامةً لجمع كلَّ ذي زَمانةٍ وضررٍ وهلاك، ولا يبالون أكان واحدُه فاعلًا أو فعيلًا أو فَعِلًا أو أفعل.
* * *
٣٠١٥ - عن أنسٍ: أن ثمانينَ رَجُلًا مِن أهلِ مكَّةَ هَبَطُوا على رسولِ الله ﷺ مِن جبلِ التَّنعيمِ مُتَسَلَّحِينَ، يُريدونَ غِرَّةَ النبيِّ ﷺ وأصحابهِ، فأخذَهم سِلْمًا فاسْتَحْيَاهُم - ويُروى: فَأَعْتَقَهُمْ - فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ ".
قوله: "هبطوا"؛ أي: نزلوا، "يريدون غِرَّةَ النبي"؛ أي: يقصدون؛ أي: تنزَّلوا على غفلةٍ منه.
"فأخذهم سلمًا"؛ أي: فأخذهم النبي ﷺ أُسراء، يقال: رجل سِلْمٌ؛ أي: أسير، وقوم سِلْمٌ؛ أي: أُسراء، يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع.
"فاستحياهم"؛ أي: أبقاهم أحياءً ولم يقتلهم.
* * *
٣٠١٦ - عن أبي طلحةَ: أنَّ نبيَّ الله ﷺ أمرَ يومَ بدرٍ بأربعةٍ وعشرينَ رَجُلًا من صَنادِيدِ قُرَيشٍ، فَقُذِفُوا في طَوِيًّ من أطواءِ بدرٍ خَبيثٍ مُخْبثٍ، وكانَ إذا
стр. 2015
ظهرَ على قومٍ أقامَ بالعَرْصَةِ ثلاثَ ليالٍ، فلمَّا كانَ ببدرٍ اليومَ الثالثَ أمرَ براحِلَتِهِ فَشُدَّ عليها رَحْلُها ثمَّ مَشَى، واتَّبَعَهُ أصحابُهُ، حتى قامَ على شَفَةِ الرَّكِيِّ، فجعلَ يُنادِيهِم بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم: "يا فُلانُ بن فلانٍ، ويا فُلَانُ بن فلانٍ، أَيَسرُّكم أنكم أطَعْتُم الله ورسولَهُ؟ فإنَّا قد وَجَدْنَا ما وَعَدَنا ربنا حَقًّا، فهل وجدْتُم ما وَعَدَ ربُّكم حقًا؟ قَالَ عمرُ: يا رسولَ الله! ما تُكَلِّمُ مِن أجسادٍ لا أَرْوَاحَ لها؟ قال النبيُّ ﷺ : والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، ما أنتُم بأسمَعَ لِما أقولُ منهم".
وفي روايةٍ: "ما أنتُمْ بأسمعَ منهم، ولكنْ لا يُجيبونَ".
قوله: "من صناديد قريش" وهو جمع صنديد، وهو السيد؛ يعني: من كبراء كفار مكة. "فقذفوا"؛ أي: فطرحوا. "في طويًّ"؛ أي: بئر.
"وكان"؛ أي رسول الله "إذا ظهر"؛ أي: إذا غلب "على قوم" وأخذ بلدًا من بلاد الكفار أقام بعَرْصةِ ذلك البلد ثلاثةَ أيامٍ ليطهِّر تلك العَرْصةَ من الكفار.
"على شفة الرَّكِيَّ"؛ أي: على طرف البئر التي أُلقي فيها أولئك الصناديد.
"فجعل"؛ أي: فطفق النبي ﷺ ينادي كلَّ واحدٍ من أولئك الكفار المقتولين المقذوفين في تلك البئر "أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله"؛ يعني: هل تتمنَّون أن تكونوا مسلمين بعد ما وصلتم إلى عذاب.
"فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا"؛ أي: ما وعدنا ربنا من أن يجعلنا غالبين عليكم، ومن أن يقوِّيَ ديننا، فقد جعل ما وعدنا به حقًا وصدقًا، فهل وجدتم وعد ربكم من العذاب حقًا.
"ما تَكلَّم من أجساد لا أرواح لها"؛ أي: ما تتكلم، (ما) للاستفهام، ويجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي؛ يعني: الذي تتكلمُ معه من الأجساد أجسادٌ لا أرواح لها، فكيف يجيبونك؟!
стр. 2016
"ما أنتم بأسمع منهم" هذا يدل على أن الموتى يسمعون ما يقال لهم، ولكن لا يقدرون على الإجابة.
* * *
٣٠١٧ - عن مروانَ، والمِسْوَرِ بن مَخْرَمَة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ حينَ جاءَهُ وفدُ هَوازِنَ مسلمينَ فسألُوهُ أَنْ يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبْيَهم، قال: "فاختارُوا إحدى الطَّائفَتينِ: إمَّا السَّبْيَ، وإمَّا المالَ"، قالوا: فإنَّا نختارُ سَبْيَنَا، فقامَ رسولُ الله ﷺ فَأَثْنَى على الله بما هوَ أهلُهُ ثم قَالَ: "أمَّا بعدُ فإنَّ إخوانَكم قد جَاؤوا تائبينَ، وإني قد رأيتُ أنْ أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فَمَنْ أَحَب منكم أنْ يُطَيبَ ذلكَ فَلْيَفْعَلْ، ومَن أحبَّ منكُمْ أنْ يكونَ على حظِّهِ حتى نُعطِيَهِ إيَّاهُ مِن أوَّلِ ما يُفِيءُ الله علينا فليَفْعَلْ"، فقالَ الناسُ: قد طَيَّبَنا ذلكَ يا رسولَ الله! فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنا لا نَدري مَن أذِنَ منكم ممن لَمْ يأذنْ، فارجِعُوا حتى يرفعَ إلينا عُرَفاؤُكم أَمْرَكُم"، فرجعَ النَّاسُ فكلَّمَهم عُرَفاؤُهم، ثم رَجَعُوا إلى رسولِ الله ﷺ فأخبروهُ أنهم قد طَيَّبُوا وأَذِنُوا.
"وفد هوازن"، (الوفد): الجماعة التي جاؤوا من عند قوم لرسالة.
قصة هذا: أن رسول الله ﷺ لمَّا أغار على قبيلة هوازن وأخذ أموالهم وسبى ذراريهم، فأسلم من بقي منهم، وبعثوا جماعة إلى النبي ﷺ فطلبوا أموالهم وذريتهم، فقال النبي ﷺ : ليس لكم أن تطلبوا الأموال والسبي كليهما، بل أطلبوا أحدهما.
المراد بـ "إحدى الطائفتين": إحد الشيئين من المال والسبي، فاختاروا السبي.
قوله: "تائبين"؛ أي: مسلمين.
قوله: "فمن أحب منكم أن يطيب ذلك": إنما استأذن رسول الله ﷺ الصحابة في رد سبيهم؛ لأن أموالهم وسبيهم صار ملكًا للمجاهدين، ولا يجوز رد ما ملكه
стр. 2017
المجاهدون إلا بإذنهم؛ يعني: مَن طاب قلبه بردِّ سبيهم إليهم بلا عوضٍ فليخبرنا، ومن أراد عوضًا عن سبيهم فليخبرنا حتى نعطيه عوضَ نصيبه من سبيهم "من مالٍ يُفيء الله"؛ أي: يرزقنا الله بعد هذا من فيء.
قوله: "إنا لا ندري من أذن منكم"؛ يعني: لا ندري من رضي منكم ممَّن لم يرض على التعيين، فليخبر كلُّ واحد عريف قومه ليخبرنا ذلك العريف، و (العريف): مَن يعرِّف الأميرَ حالَ قومه.
* * *
٣٠١٨ - عن عِمرانَ بن حُصَيْنٍ قال: كان ثَقِيفٌ حليفًا لبني عُقَيْلٍ، فأسَرَتْ ثَقيفٌ رجلينِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وأَسَرَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ رجلًا من بني عُقَيْلٍ، فأَوْثَقوهُ فطَرَحُوه في الحَرَّةِ، فمرَّ به النبيُّ ﷺ فَنَادَاهُ: يا مُحمدُ! يا محمدُ! فيمَ أُخِذْتُ؟ قال: "بجريرةِ حُلفائِكم ثَقيفٍ"، فتركَهُ ومضى، فنادَاهُ: يا محمدُ! يا محمدُ! فَرَحِمَهُ رسولُ الله ﷺ فرجَعَ فقال: "ما شأنُكَ؟ "، فقال: إنَّي مُسلِمٌ، فقال: "لو قُلْتَها وأنتَ تملِكُ أمرَكَ أفلحْتَ كلَّ الفَلَاحِ"، قال: فَفَداهُ رسولُ الله ﷺ بالرَّجُلَينِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُما ثقيفٌ.
قوله: "كان ثقيف حليفًا لبني عقيل"؛ يعني: جرى بين قبيلة ثقيف وبين بني عقيل محالفةٌ، فأخذ ثقيفٌ رجلين من أصحاب رسول الله، وأخذ أصحاب رسول الله رجلًا من بني عقيل عوضًا عن الرجلين الذين أخذهما ثقيف، وكان عادة العرب أن يأخذوا الحليف بجُرم حليفه، ففعل رسول الله هذا الصنيع على عادة العرب.
قوله: "بجريرة حلفائكم"، (الجريرة): الجُرم، و (الحلفاء): جمع حليف.
стр. 2018
"فرحمه"؛ أي: حصل فيه رحمة ورقة له.
قوله: "لو قلتها"؛ أي: لو قلت كلمة الإِسلام في حال اختيارك؛ أي: قبل أن أُخذت "أفلحت"؛ أي: لنجوت من أن نأخذك، ومن عذاب يوم القيامة.
وهذا الحديث يدل على أن الكافر إذا قال بعد الأخذ: أنا مسلم، لا يُحكم بإسلامه حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن قوله: (أنا مسلم) يحتمل أن يريد به: إني منقادٌ مطيعٌ لحكمكم.
والدليل على أن النبي ﷺ لم يحكم بإسلامه أنه ردَّه إلى الكفار وأخذ بدله الرجلين الذين أسرتْهما ثقيف من أصحابه، ولو كان مسلمًا لم يردَّه إلى الكفار.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠١٩ - عن عائشةَ قالت: لمَّا بعثَ أهلُ مكَّةَ في فداءِ أُسرَائِهم، بعثَتْ زينبُ في فداءَ أبي العاص بمالٍ، وبعثَتْ فيهِ بقِلادةٍ لها كانَتْ عندَ خديجةَ أدخلَتْها بها على أبي العاصِ، فلمّا رَآها رسولُ الله ﷺ رَقَّ لها رِقَّةً شديدةً، وقال: "إنْ رأيتُم أنْ تُطْلِقُوا لها أَسيرَها، وتردُّوا عليها الذي لها؟ "، فقالوا: نعم، وكانَ النبيُّ ﷺ أخذَ عليه أنْ يُخلَيَ سبيلَ زينبَ إليه، وبعثَ رسولُ الله ﷺ زيدَ بن حارثةَ ورَجُلًا من الأنصارِ فقال: "كُونَا ببطنِ يَأْجِجٍ حتى تَمُرَّ بِكُمَا زينبُ فَتَصْحَبَاها حتى تَأْتِيا بها".
قولها: "لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم" قصة هذا: أن النبي ﷺ لمَّا غلب يومَ بدرِ على كفار مكة قتل بعضهم وأسر بعضهم وطلب منهم الفداء، فأُرسل لكل أسيرٍ مَن له قريبٌ بفداءٍ يفتديه، فبعثت زينب بنت النبي ﷺ ورضي
стр. 2019
عنها فداءً لزوجها أبي العاص، وهو كان من جملة أسراء بدر، وكان في بدءِ الإِسلام تزوُّج الكافر بالمسلمة جائزًا، فنسخ هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].
قولها: "أدخلتها بها على أبي العاص"؛ يعني: كانت تلك القلادة لخديجة فدفعتْها إلى بنتها زينب بنت رسول الله ﷺ حين زُفت إلى زوجها أبي العاص، فبعثت زينب تلك القلادة إلى رسول الله فداءً لزوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله تلك القلادة رقَّ لزينب ولِمَا تذكَّر من صحبة خديجة، وقال: "إن رأيتم"؛ أي: قال رسول الله ﷺ للصحابة: إن رضيتم بأن تُخَلُّو زوج زينب وتردُّوا إليها مالها الذي أرسلتْه لفداء زوجها فافعلوا.
"أخذ عليه"؛ أي: أخذ عهدًا من أبي العاص وقال: نخليك بشرطِ أن ترسل إلي زينب، فقبل هذا الشرط.
"بطن يَأْجِج" اسم موضع قريب من مكة.
* * *
٣٠٢١ - ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا أرادَ قتلَ عُقبَةَ ابن أبي مُعَيْطٍ قال: مَن للصَّبْيَةِ؟ قال: "النارُ".
قوله: "من للصبية"؛ يعني: مَن يُترك لحفظ أطفالي إذا قتلتني.
* * *
٣٠٢٢ - عن عُبَيْدَةَ عن عليًّ، عن رسولِ الله ﷺ : أنَّ جبريلَ هبطَ عليهِ فقالَ لهُ: "خَيرْهُم - يعني: أصحابَكَ - في أُسارَى بدرٍ: القتلَ، أو الفِداءَ على
стр. 2020
أنْ يُقتَلَ منهم قابلًا مثلُهم"، قالوا: الفِداءُ ويُقتَلُ مِنَّا. غريب.
قوله: "خيرهم"؛ يعني قل لأصحابك: أنتم مخيرون بين أن تقتلوا أُسراء بدر ولا يلحقكم ضرر، وبين أن تأخذوا منهم الفداء وتخلُّوهم، ولكن يكون الظفر للكفار في السنة القابلة، فيقتلون منكم بعدد مَن تخلى من أسراء بدر.
* * *
٣٠٢٤ - عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: خرجَ عِبْدَانٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، يعني يومَ الحُدَيْبيَةِ قبلَ الصُّلحِ، فكتبَ موالِيهِم قالوا: يا محمدُ! والله ما خَرَجوا إليكَ رَغبةً في دينِكَ، وإنَّما خَرجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ، فقال ناسٌ: صدَقُوا يا رسولَ الله! رُدَّهُم إليهم، فغضبَ رسولُ الله ﷺ وقال: "ما أُراكُم تَنْتَهونَ يا معشَرَ قريشٍ! حتى يبعثَ الله عليكم مَن يَضْرِبُ رِقابَكم على هذا، وأَبَى أن يَرُدَّهُم وقال: هُمْ عُتَقَاءُ الله".
قوله: "خرج عُبْدان" وهي جمع عبد، يعني: فر عبيدٌ من مكة من مواليهم وجاؤوا النبيَّ ﷺ وأسلموا.
قوله: "ما أراكم تنتهون"؛ يعني: لا تنتهون من تعصُّب أهل مكة.
* * *
٧ - باب الأمانِ
(باب الأمان)
مِنَ الصَّحاحِ:
٣٠٢٥ - عن أُم هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ قالت: ذهبتُ إلى رسولِ الله ﷺ -
стр. 2021
عامَ الفتحِ فوجدتُهُ يغتسلُ، وفاطمةُ ابنتُهُ تَستُرُه بثوبٍ، فَسَلَّمْتُ فقال: "مَن هذهِ؟ "، فقلتُ: أنا أمُّ هانئٍ بنتُ أبي طالبٍ، فقالَ: "مرحبًا بأمِّ هانئٍ"، فلمَّا فرغَ مِن غُسْلِهِ قامَ فصلَّى ثمانيَ رَكَعاتٍ مُلْتَحِفًا في ثوبٍ ثم انصرفَ، فقلتُ: يا رسولَ الله! زَعَمَ ابن أُمي عليٌّ أنهُ قاتِلٌ رجلًا أَجَرْتُه فلانُ بن هُبَيرةَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أَجَرْنَا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئٍ! "، وذلك ضُحَى.
ورُوِيَ عن أمِّ هانئٍ قالت: أجرْتُ رَجُلَينِ من أحمائي، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قد أَمَّنَّا مَن أَمَّنْتِ".
قوله: "ملتحفًا في ثوب"؛ أي: ملفوفًا في ثوب. "ابن أمي"؛ أي: أخي. "أنه قاتل رجلًا"؛ أي: يريد أن يقتل رجلًا "أجرته"؛ أي: أمنته.
"أَجَرْنا من أَجَرْت"؛ يعني: أمَّنَّا مَن أمَّنْتِ، وهذا تصريحٌ بأن أمان المرأة للكافر صحيح، ولا يجوز لأحد قتل كافر أجارته امرأة؛ أي: أمَّنتْه.
"من أحْمائي" وهو جمع حَمًا، وهو أبو زوج المرأة، تعني بـ (الأحماء) هنا: أقارب زوجها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠٢٦ - قال رسولُ الله ﷺ : "المسلمونَ تَتكافَأُ دماؤُهم ويَسْعَى بذِمَّتِهم أَدْناهُم".
قوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" ذُكر هذا الحديث في (كتاب القصاص).
* * *
стр. 2022
٣٠٢٧ - وعن أبي هريرةَ، عن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ المرأةَ لتأخُذُ للقَومِ"، يعني: تُجِيرُ على المسلمينَ.
قوله: "إن المرأة لتأخذ للقوم"؛ يعني: جاز أن تأخذ المرأة الأمان؛ يعني: جاز لها أن تقول لكافر دخل دار الإسلام: فإني قد أمَّنتك.
* * *
٣٠٢٩ - وعن سُلَيْمِ بن عامرٍ قال: كانَ بينَ معاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهْدٌ، فكانَ يسيرُ نحوَ بلادِهم حتى إذا انقضَى العهدُ أغارَ عليهم، فجاءَ رجلٌ على فرسٍ أو بِرْذَوْنٍ وهو يقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، وفاءٌ لا غَدْرٌ، فنَظَروا فإذا هو عمرُو بن عَبَسَةَ، فسأَلَهُ معاويةُ عن ذلكَ، فقالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن كانَ بينَهُ وبينَ قومٍ عَهْدٌ فلا يَحُلَّنَ عَهْدًا ولا يَشُدَّنه حتى يَمضيَ أمدُه أو يَنْبذَ إليهم على سواءٍ"، قال: فرجعَ معاويةُ بالناسِ.
قوله: "يسير نحو بلادهم"؛ يعني كان يذهب قبل انقضاء مدة العهد ليقرب من بلادهم حين انقضاء مدة العهد، ليُغِير عليهم على غفلةٍ منهم.
"على فرس"؛ أي: فرسٍ عربي، "أو برذون" يعني: أو فرس تركي.
"وفاء لا غدر"؛ يعني: ليكن منكم وفاءٌ بالعهد لا غدرٌ، أو: الواجب عليكم وفاء لا غدر.
"فلا يَحُلَّن عهدًا ولا يشُدَّنه"؛ يعني: لا يجوز نقضُ العهد ولا الزيادة على تلك المدة إلا بعد أن يخبر خصمه بذلك.
"أمَدَه"؛ أي: غايته، "أو ينبذ إليهم على سواء"؛ يعني: أو يخبرهم بأنه نَقَض؛ ليكون خصمه متساويًا في نقض العهد كي لا يكون ذلك منه غدرًا.
* * *
стр. 2023
٣٠٣٠ - عن أبي رافعٍ قال: بَعَثَتْنِي قُرَيشٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا رأيتُ رسولَ الله ﷺ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّي والله لا أَرجِعُ إليهم أبدًا، قال: "إنِّي لا أَخِيسُ بالعهدِ ولا أحبسُ البُرُدَ، ولكنْ ارجعْ فإنْ كانَ في نفسِكَ الذي فى نفسِكَ الآنَ فارجِعْ"، قال: فذهبتُ ثم أَتيتُ النبيَّ ﷺ فأَسلمْتُ.
قوله: "لا أخيس"؛ أي: لا أنقض العهد ولا أغدر، "ولا أحبس البرد"، (البُرُد): جمع بريد، وهو الرسول، "فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن"؛ يعني: إن كان في قلبك الإسلام كما كان في قلبك الإسلام الآن "فارجع" يعني: ارجع من بين الكفار إلينا ثم أسلم؛ لأني لو قبلت منك الإسلام الآن ولم أَرُدَّك إليهم لغدرتُ.
* * *
٣٠٣٢ - عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جِّده: أن رسولَ الله ﷺ قالَ في خُطبتِهِ: "أَوْفُوا بحِلْفِ الجاهليةِ فإنه لا يزيدُه - يعني: الإسلامَ - إلا شِدَّةً، ولا تُحْدِثُوا حِلْفًا في الإسلامِ".
قوله: "أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده"؛ يعني: الإسلام "إلا شدة"؛ يعني: إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضًا ويرث بعضكم عن بعض، فإذا أسلمتم أوفوا بذلك الحلف، فإن الإسلام يحرضكم على الوفاء بالعهد والحلف، ولا يأمركم بنقض العهد وترك الوفاء، ولكن لا تُحدثوا محالفةً في الإسلام بأن يرث بعضكم من بعض.
* * *
стр. 2024
٨ - باب قِسْمَةِ الغنائمِ والغُلولِ فيها
(باب قسمة الغنائم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٣٣ - عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "فلم تَحِلَّ الغنائمُ لأحدٍ من قبلِنا، ذلكَ بأنَّ الله رَأَى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فَطَيَّبَها لنا".
قوله: "ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا"، (ذلك) إشارةٌ إلى تحليل الله الغنائم لنا.
* * *
٣٠٣٤ - عن أبي قَتادةَ قال: خَرَجْنا معَ النبيِّ ﷺ عامَ حُنَيْنٍ، فلمَّا التقيْنا كانَتْ للمُسلمينَ جَوْلَةٌ، فرأيتُ رجلًا مِن المشركينَ قد عَلا رجلًا مِن المسلمينَ، فضربتُ مِن وَرائه على حَبْلِ عاتقِهِ بالسَّيفِ، فقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وأقبلَ عليَّ فضَمَّني ضَمَّةً وجدتُ منها ريحَ الموتِ، ثم أَدْرَكَهُ الموتُ فأَرسلَني، فلَحِقْتُ عمرَ فقلتُ: ما بالُ النَّاسِ؟ قال: أمرُ الله، ثم رجعُوا وجَلَسَ النبيُّ ﷺ فقالَ: "مَن قتلَ قتيلًا لهُ عليهِ بَينةٌ فلهُ سَلَبُه"، فقلتُ: مَن يشهدْ لي؟ ثم جلستُ، فقال النبيُّ مثلَه، فقمتُ فقالَ: "ما لَكَ يا أَبا قَتادةَ؟ "، فأَخبرتُهُ، فقالَ رجلٌ: صَدَقَ، وسلَبُهُ عندي فأرْضهِ مِنِّي، فقالَ أبو بكرٍ: لاها الله، إذًا لا يَعمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ الله يقاتلُ عن الله ورسولهِ فيُعطيكَ سلَبَه! فقالَ النبيُّ ﷺ : "صَدَقَ فأَعْطِهِ"، فأعطانِيهِ، فابتَعْتُ بهِ مَخْرَفًا في بني سَلَمةَ، فإنه لأَوَّلُ مالٍ
стр. 2025
تَأَثَّلُتُه في الإِسلامِ.
قوله: "جولة"؛ أي: جَوَلانٌ ومحاربة مع الكفار؛ أي: اختلط المسلمون بالكافرين في المحارَبة.
"قد علا"؛ أي: غلب على رجل من المسلمين وألقاه. "فضمني"؛ أي: ضغطني (١) وعصرني. "فأرسلني"؛ أي: تركني.
"ما بال الناس؟ "؛ أي: حال الناس.
"أمر الله"؛ أي: أمر الله غالبٌ؛ يعني النصرة للمسلمين.
"من يشهد لي"؛ يعني: مَن يشهد لي أني قتلتُ رجلًا من المشركين ليكون سلبه لي.
"وسلبه عندي" يعني: صدق أبو قتادة أنه قتل كافرًا، وسلبُ ذلك الكافر عندي، "فأرضه"؛ يعني: فأعطه عوضًا عن ذلك السلب ليكون ذلك السلب لي.
قوله: "لا ها الله" لفظة (ها) بدلٌ من حروف القسم، ولفظة (لا) نفيُ كلام الرجل؛ أي: لا يفعل ما تقول والله، "إذًا لا يعمد"؛ يعني: لا يقصد رسولُ الله "إلى أسد"؛ أي: إلى أبي قتادة، فيأخذ منه حقُّه - وهو سلب ذلك المقتول - ويدفعه إليك.
"فابتعت"؛ أي: اشتريت "به"؛ أي: بذلك السلب "مخرفًا"؛ أي: بستانَ نخلٍ "في بني سلمة"؛ أي: في قبيلة بني سلمة؛ أي: في مَحَلَّتهم وفي بقعتهم، "فإنه"؛ أي: فإن ذلك المَخْرَفَ "أول مال تأثلت"؛ أي: اتخذتُه رأسَ مالي.
* * *
стр. 2026
٣٠٣٥ - عن ابن عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَسْهَمَ للرَّجلِ ولفرسِهِ ثلاثةَ أَسْهُمٍ: سهمًا له وسهمَينِ لفرسِهِ.
قوله: "أسهم"؛ أي: أعطى.
* * *
٣٠٣٦ - عن يزيدَ بن هُرْمزَ قال: كتبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابن عبَّاسٍ يسألُه عن العبدِ والمرأةِ يحضُرانِ المَغْنَمَ، هل يُقسَمُ لهما؟ فقالَ ليزيدَ: اكتبْ إليهِ أنه ليسَ لهُما سَهْمٌ إلا أنْ يُحْذَيا.
وفي روايةٍ: كتبَ إليه ابن عباسٍ: إِنكَ كتبتَ تَسألُني: هل كانَ رسولُ الله ﷺ يغزُو بالنِّساءِ، وهل كانَ يَضْرِبُ لهنَّ بسهمٍ؟ قد كانَ يغزُو بهِنَّ يُداوينَ المرضَى، ويُحْذَيْنَ مِن الغنيمةِ، وأمَّا السَّهمُ فلم يَضْرِبْ لهنَّ بسهمٍ.
قوله: "إلا أن يُحْذَيا"، (الإحذاء): الإعطاء؛ يعني: يُعطيا شيئًا أقلَّ من نصيب ذكرٍ حر.
"فلم يضرب لهن"؛ أي: فلم يَقسم لهنَّ بسهم تام.
* * *
٣٠٣٧ - وعن سلمةَ بن الأكْوَعِ قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ بظهرِهِ معَ رباحٍ غلامِ رسولِ الله ﷺ ، وأنا معه، فلمَّا أصبحْنا إذا عبدُ الرَّحمنِ الفَزارِيُّ قد أغارَ على ظهرِ رسولِ الله ﷺ ، فقُمْتُ على أَكَمَةٍ فاستقبلتُ المدينةَ فناديْتُ ثلاثًا: يا صَباحاهُ، ثم خرجتُ في آثارِ القومِ أَرميهِم بالنبلِ، وأرتجِزُ أقولُ:
أنا ابن الأكْوَعِ ... واليومُ يومُ الرُّضَّعِ
стр. 2027
فما زلتُ أَرميهِم وأعقِرُ بهم، حتى ما خلَقَ الله مِن بعيرٍ من ظهرِ رسولِ الله ﷺ إلا خَلَّفتُه وراءَ ظَهْري، ثم اتَّبعْتُهم أَرميهِم، حتى ألْقَوا أكثرَ من ثلاثينَ بُردةً وثلاثينَ رُمحًا يَستخِفُّونَ، ولا يَطرَحُونَ شيئًا إلَّا جعلتُ عليهِ آرامًا مِن الحجارةِ يعرفُها رسولُ الله ﷺ ، وأصحابُهُ، حتى رأيتُ فوارِسَ رسولِ الله ﷺ ولحِقَ أبو قتادةَ فارسُ رسولِ الله ﷺ بعبدِ الرَّحمنِ فقتلَهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "خيرُ فُرْساننا اليومَ أبو قتادةَ، وخيرُ رجَّالتِنا سَلَمةُ"، قال: ثم أَعطاني رسولُ الله ﷺ سهمَينِ، سهمَ الفارسِ وسهمَ الرَّاجِلِ، فجمَعُهما لي جميعًا، ثم أَرْدَفَني رسولُ الله ﷺ وراءَهُ على العَضْباءِ راجعينَ إلى المدينةِ.
قوله: "بظهره"؛ أي: بدوابه؛ يعني: دفع دوابه إلى رباحٍ ليرعاها ويسرِّحها في الصحراء.
"على أكمة"؛ أي: على موضع مرتفع.
"فاستغثت" هو من الاستغاثة، وهي رفع الصوت لينصره أحدٌ على عدوه، "يا صباحاه" هذا لفظٌ يقال عند إتيان جيشٍ وإغارةٍ؛ يعني: قد أغار علينا العدوُّ فانصرونا.
"واليوم يوم الرضع"، (الرضَّع): جمع راضع، وهو اللئيم، من (رضُع) بضم الضاد؛ أي: لؤم؛ يعني: اليوم يوم هلاك الرضَّع؛ يعني: اليوم تهلكون أيها الكفار بأيدينا.
"وأعقرُهم"؛ أي: أجرحهم، (العقر): القتل وقطع عقب الرجل والجراحة.
"خلَّفته"؛ أي: تركته؛ يعني: كنت اتبعتهم ورميتهم بالسهم، وكانوا يفرون مني، وكنت آخذ منهم دوابَّ رسول الله ﷺ ، حتى أخذتُ منهم جميع دواب رسول الله، ثم اتبعتهم حتى ألقوا من أمتعتهم كثيرًا ليخف حملهم ليَسْهُلَ عليهم الفرار.
стр. 2028
قوله: "يستخفُّون"؛ أي: يطلبون الخفَّة في الفرار.
"إلا جعلت عليه آرامًا"؛ يعني: وضعت عليه حجرًا ليَعلم مَن يجيء خلفي أن أحدًا أخذ هذا من الكفار ليأت بعدي لإعانتي، (الآرام): جمع أَرِم، وهو العلامة من الحجر.
"الرجالة" بتشديد الجيم: جمع راجل، وهو خلاف الفارس.
قوله: "أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهمَ الفارس وسهم الراجل": فإن قيل: أخذ هذه الأمتعة سلمة من أولئك الكفار فينبغي أن تكون جميعًا له، فلمَ قسمها رسول الله بين أصحابه؟
قلنا: مَن حضر الحرب قبل انقضائها على قصد الحرب هو شريكٌ الغنيمة قاتَلَ أو لم يقاتل، وسلمة بعدُ مشغول في الحرب؛ لأنه يمشي خلف أولئك الكفار ولم يقتلهم، ورسول الله وأصحابه لحقوا قبل فراغ سلمة من الحرب، فلهذا قسم رسول الله تلك الأمتعة بين مَن حضر تلك الوقعة من أصحابه، وحقُّ سلمة من تلك الغنيمة سهم راجل لأنه كان راجلًا، ولكن أعطاه رسول الله ﷺ سهم فارس مع سهم راجل؛ لأن معظم أخذ تلك الغنيمة كان بسبب سلمة، ويجوز للإمام أن يعطي مَن فيه كثرة السعي في الجهاد شيئًا زائدًا على نصيبه لترغيب الناس في الحرب.
ومذهب الشافعي ومالك وأحمد استحقاقُ الغنيمة مَن حضر الحرب قبل انقضائها، وليس لمن حضر بعد انقضائها.
وقال أبو حنيفة: مَن حضر الحرب على قصد المدد بعد انقضاء الحرب يستحق الغنيمة أيضًا.
قوله: "أردفني"؛ أي: أركبني خلفه "على العضباء" وهي ناقةٌ معروفة لرسول الله، سميت عضباء؛ لأن أذنها قد غُضبت؛ أي: قطعت.
* * *
стр. 2029
٣٠٣٨ - عن ابن عمرَ قال: نَفَّلَنا رسولُ الله ﷺ نفلًا سِوى نصيبنا مِن الخُمُسِ فأصابني شارِفٌ، والشارِفُ المُسِنُّ الكبيرُ.
قوله: "نفلنا"؛ أي: أعطانا "نفلًا" وهي الزيادة، يعني: أعطانا سهامنا من الغنيمة، وزاد على سهامنا شيئًا من نصيب بيت المال؛ يعني: يجوز للإمام أن يعطي أحدًا شيئًا زائدًا على سهمه إذا رأى فيه المصلحة.
* * *
٣٠٤٠ - وعن ابن عمرَ قال: ذهبتْ فرسٌ لهُ فأخذَها العَدُوُّ، فظهرَ عليهمُ المسلمونَ فرُدَّ عليهِ في زمنِ رسولِ الله ﷺ ، وأَبَقَ عبدٌ لهُ فلَحِقَ بالرُّومِ، فظهرَ عليهمُ المسلمونَ فردَّهُ عليهِ خالدُ بن الوليدِ بعدَ النبيِّ ﷺ .
قوله: "ذهبت فرس له"؛ أي: نفرت وذهبت إلى ديار الكفار، "فظهر"؛ أي: غلب المسلمون على تلك الديار وأغاروا عليهم، وكانت تلك الفرس فيما أغاروا عليه من أموالهم، فردُّوها إلى ابن عمر، فذهب الشافعي أن الكفار إذا أخذوا مال مسلم قهرًا ثم غلب عليهم المسلمون وأخذوا ذلك المال، وجب عليهم ردُّه إلى صاحبه سواءٌ كان قبل القسمة أو بعدها.
وفي مذهب مالك وأبي حنيفة: إن وجد ذلك المال قبل القسمة وَجَبَ ردُّه إلى صاحبه، وإن وجد بعد القسمة فصاحبه أحقُّ بقيمته.
وأما العبد الآبق إلى دار الكفار، فإذا أخذه المسلمون وجب ردُّه إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها عندهم جميعًا.
* * *
٣٠٤١ - عن جُبَيْرِ بن مُطعِمٍ قال: مشيتُ أنا وعثمانُ بن عفَّانَ إلى
стр. 2030
النبيَّ ﷺ فقلنا: أعطيتَ بني المطَّلِبِ مِن خُمُسِ خيبرَ وتركتنا، ونحنُ بمنزلةٍ واحدةٍ منكَ، فقال: "إنَّما بنو هاشمٍ وبنو المطَّلبِ شيءٌ واحدٌ"، قال جُبَيرٌ: ولم يَقْسِم النبيُّ ﷺ لِبني عبدِ شمسٍ وبني نوفلٍ شيئًا.
قوله: "أعطيتَ لبني المطلب من خمس خيبر ... " إلى آخره، إذا أخذت الغنيمة من الكفار تُقسم على خمسة أسهم: أربعة للمجاهدين، وواحدٌ يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ ويصرف بعده في المصالح، وسهم لليتامى، وسهم للفقراء والمساكين، وسهم لابن السبيل وهم المسافرون، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب.
وهاشم هو الجد الثالث لرسول الله؛ لأنه ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، والمطَّلبُ أخو هاشم، وكان لعبد منافٍ أربعُ بنين: هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل، فجعل رسول الله أولاد هاشم وأولاد المطلب من ذوي القربى، فأعطاهم خُمسَ خُمسٍ، ولم يعط أولاد عبد شمس ونوفلٍ شيئًا من خُمس خمس الغنيمة، وأجاب رسول الله ﷺ عثمان بأن أولاد المطلب كانوا مع أولاد [هاشم في الكفر والإسلام لم يكن بينهم مخالفة، وأما أولاد عبد شمس ونوفل كان بينهم وبين أولاد] هاشم مخالفةٌ، فلهذا حرمتهم من خمس الخمس.
* * *
٣٠٤٢ - وقال رسولُ الله ﷺ : "أَيُّما قَرْيَةٍ أَتيتُمُوها وأَقَمتُمْ فيها فسهمُكم فيها، وأَيُّما قَرْيَةٍ عَصَتِ الله ورسولَهُ فإن خُمُسَها للهِ ورسولِهِ، ثمَّ هي لكم".
[قوله: "فسهمكم فيها"؛ أي: كلُّ قرية غزوتُموها واستوليتم عليها ولم أكن فيكم، قسمتُم الغنائم بأنفسكم هناك، "وأيما قرية عصت الله ورسوله"؛
стр. 2031
أي: وحضرتُ قتالها بنفسي، فإنا أخمس الغنائم أقسم عليهم بنفسي] (١).
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٠٤٣ - عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما أُعطِيكُم ولا أمنعُكم، أنا قاسِمٌ أضعُ حيثُ أُمِرْتُ".
قوله: "ما أعطيكم" ذُكر هذا الحديث في (باب رزق الولاة).
* * *
٣٠٤٤ - عن خَوْلةَ الأنصاريَّةَ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ رِجالًا يتخوَّضُون في مالِ الله بغيرِ حقٍّ، فلَهُم النارُ يومَ القيامةِ".
قوله: "يتخوضون"؛ أي: يَشْرَعون في الغنيمة والفيء والزكاة ويتصرَّفون فيها بغير أمر الله ورسوله، "فلهم النار".
* * *
٣٠٤٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ فذَكرَ الغُلولَ، فعَظَّمَهُ وعظَّمَ أمرَهُ ثم قال: "لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ بعيرٌ لهُ رُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ الله أَغِثْني! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ فرسٌ لهُ حَمْحَمَةٌ فيقولُ: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ على رقبَتِهِ شاةٌ لها ثُغاءٌ يقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ:
стр. 2032
لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ على رقبَتِهِ نفسٌ لها صياحٌ فيقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ رِقاعٌ تَخفِقُ فيقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِهِ صامِتٌ فيقولُ: يا رسولَ الله أغثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ".
قوله: "لا أُلفين أحدكم"؛ يعني: لا أجد أحدكم؛ يعني لا تغُّلوا من الغنيمة شيئًا، فإن مَن غلَّ منها شيئًا يكون يوم القيامة حاملًا لذلك الشيء؛ ليكون أفضحَ له.
"الرُّغاء": صوت البعير، و"الحمحمة": صوت الفرس، و"الثغاء": صوت الشاة.
"الرِّقاع": جمع رقعة وهي قطعة من الكرباس وغيره. "تخفق"؛ أي: تتحرك؛ يعني: ليُعلم أنه غلَّ رِقاعًا من الغنيمة وغيرها.
"الصامت": الذهب والفضة.
قوله: "لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك"؛ يعني: قد قلت لك في الدنيا: إن الغلول والسرقة والخيانة موجبةٌ للعذاب فلم تقبل قولي، فاليومَ لا أملك أن أدفع عنك من عذاب الله شيئًا.
واعلم أن رسول الله لا يشفع لجميع أمته في جميع ذنوبهم حتى يدخلوا الجنة بلا عذاب؛ لأنه لو شفع لهم لبطل ما عليهم من المظالم، بل يشفع لمن أذن الله له في شفاعته وفي الوقت الذي أذن الله له في شفاعته؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 2033
٣٠٤٦ - عن أبي هريرةَ قال: أهدى رَجُلٌ لرسولِ الله ﷺ غُلامًا يقالُ له: مِدْعَمٌ، فبينَما مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لرسولِ الله ﷺ إذا سهمٌ عائِرٌ فقتلَهُ، فقالَ النَّاسُ: هنيئًا له الجَّنَةُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "كلا! والذي نفسي بيدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ التي أخذَها يومَ خيبرَ مِن المغانِمِ لم تُصِبْها المَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عليهِ نارًا"، فلمَّا سمعَ ذلكَ الناسُ جاءَ رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَيْنِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "شِراكٌ مِن نارٍ، أو شِراكانِ مِن نارٍ".
قوله: "يحط رحلًا لرسول الله"؛ أي: يأخذ الرحل على ظهر المركوب ويضعه على الأرض.
"سهم عائر"؛ أي: سهم لا يُدرى راميه.
"هنيئًا له الجنة"؛ يعني وجبت له الجنة لأنه قتل في خدمة رسول الله.
"كلا"؛ أي: ليس الأمر كما تظنون.
"لم تصبها المقاسم"؛ أي: أخذها من المغنم قبل القسمة وهي كانت مشتركةٌ بين الغانمين، فكان أخذُها غُلُولًا.
"تشتعل"؛ أي: ترتفع نارها؛ يعني: تلفُّ تلك الشملة عليه في جهنم وتُجعل نارًا لتحرقه. "شراك من نار"؛ يعني: مَن أخذ شراكًا من المغنم تُجعل شراكًا من نار على رحله يوم القيامة.
* * *
٣٠٤٧ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: كانَ على ثَقَلِ النبيِّ ﷺ رجلٌ يقالُ لهُ كَرْكَرْةُ، فماتَ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هوَ في النَّارِ"، فذَهبوا ينظرونَ، فوجدُوا عباءَةً قد غلَّها.
стр. 2034
قوله: "على ثِقَل" بكسر الثاء وفتح القاف، وهو ممَاع المسافر؛ يعني: كان هذا الرجل يحفظ متاع رسول الله في السفر، وينقله من منزل إلى منزل.
"فذهبوا ينظرون"؛ أي: فذهبوا إلى رحل ذلك الرجل ونظروا في رحله، فوجدوا في رحله عباءةً قد غلَّها، و (العباءة): كساء.
* * *
٣٠٤٨ - قال ابن عمرَ: كنَّا نُصيبُ في مَغازينا العَسَلَ والعِنبَ فنأكلُهُ ولا نرفعُه.
قوله: "في مغازينا" وهو جمع المَغْزَي، وهو مصدر ميميٌّ أو مكانٌ من: غزا يغزوا؛ يعني بهذا الحديث: أنه يجوز للمجاهدين أن يأكلوا من مال الكفار ما داموا في بلادهم قبل قسمة الغنيمة، سواءٌ فيه الخبزُ واللحم وغيرهما.
* * *
٣٠٤٩ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: أَصَبْتُ جِرابًا من شحمٍ يومَ خيبرَ فالتزمتُهُ فقلتُ: لا أُعطي اليومَ أَحَدًا مِن هذا شيئًا، فالتَفَتُّ فإذا رسولُ الله ﷺ يبتسِمُ إليَّ.
قوله: "فالتزمته"؛ أي: عانقته وضممته إلى نفسي، "فإذا رسول الله ﷺ تبسَّم إلي" هذا دليل على جواز أخذ المجاهدين من طعام الغنيمة قَدْرَ ما يحتاجون إليه؛ لأنه لو لم يكن جائزًا لمنع رسول الله ابن المغفَّل عن قوله: (لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا).
* * *
стр. 2035
مِنَ الحِسَانِ:
٣٠٥٢ - عن عوفِ بن مالكٍ الأَشْجَعِيَّ وخالدِ بن الوليدِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى في السَّلَبِ للقاتلِ، ولم يُخَمِّسْ السَّلَبَ.
قوله: "ولم يخمس السلب"؛ يعني: دفع السلب كلَّه إلى القاتل من غير أن يأخذ منه الخُمس، بخلاف الغنيمة فإنه يأخذ منها الخمس.
* * *
٣٠٥٤ - عن عُمَيْرٍ مَوْلى آبي اللَّحمِ قال: شهدتُ خيبرَ مع سادَتي، فكلَّمُوا فِيَّ رسولَ الله ﷺ ، فكلَّمُوه أني مملوكٌ، فأَمَرَني فقُلِّدْتُ سيفًا فإذا أَنا أجرُّه، فأمرَ لي بشيءٍ من خُرْثيَّ المتاعِ، وعرضتُ عليهِ رُقْيَةً كنتُ أرْقي بها المجانينَ، فأمرني بطَرْحِ بعضها وحَبْسِ بعضها.
قوله: "فقلدت سيفًا"؛ أي: علَّق سيفي بمنكبي؛ يعني: أمرني أن أحمل السلاح وأكون مع المجاهدين لأتعلم المحاربة.
"فإذا أنا أجره"؛ أي: كنت صغيرًا وكنت أجرُّ السيف على الأرض من قصر قامتي، "فأمر لي بشيء من خُرْثيِّ المتاع"، (الخُرْثي): أثاث البيت، وهو ما يستعمل في البيت كالقِدْرِ وغيرها؛ يعني: أمر بدفع شيء من خرثيِّ الغنيمة إلي.
"فأمرني بطرح بعضها"، يعني: كان بعضها حسنًا وبعضها كلمات قبيحة، فأمرني أن أترك قراءة ما هو السيئ منها وأقرأ ما هو الحسن منها.
* * *
٣٠٥٥ - عن مُجمِّعِ بن جاريةَ قال: قُسِمَتْ خيبرُ على أهلِ الحُدَيْبيةِ، قسمَها رسولُ الله ﷺ ثمانيةَ عَشَرَ سهمًا، وكانَ الجيشُ ألفًا وخمسَ مئةٍ، قال