أي: وحضرتُ قتالها بنفسي، فإنا أخمس الغنائم أقسم عليهم بنفسي] (١).
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٠٤٣ - عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما أُعطِيكُم ولا أمنعُكم، أنا قاسِمٌ أضعُ حيثُ أُمِرْتُ".
قوله: "ما أعطيكم" ذُكر هذا الحديث في (باب رزق الولاة).
* * *
٣٠٤٤ - عن خَوْلةَ الأنصاريَّةَ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ رِجالًا يتخوَّضُون في مالِ الله بغيرِ حقٍّ، فلَهُم النارُ يومَ القيامةِ".
قوله: "يتخوضون"؛ أي: يَشْرَعون في الغنيمة والفيء والزكاة ويتصرَّفون فيها بغير أمر الله ورسوله، "فلهم النار".
* * *
٣٠٤٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ فذَكرَ الغُلولَ، فعَظَّمَهُ وعظَّمَ أمرَهُ ثم قال: "لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ بعيرٌ لهُ رُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ الله أَغِثْني! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ فرسٌ لهُ حَمْحَمَةٌ فيقولُ: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ على رقبَتِهِ شاةٌ لها ثُغاءٌ يقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ:
стр. 2032
لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ على رقبَتِهِ نفسٌ لها صياحٌ فيقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ رِقاعٌ تَخفِقُ فيقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِهِ صامِتٌ فيقولُ: يا رسولَ الله أغثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ".
قوله: "لا أُلفين أحدكم"؛ يعني: لا أجد أحدكم؛ يعني لا تغُّلوا من الغنيمة شيئًا، فإن مَن غلَّ منها شيئًا يكون يوم القيامة حاملًا لذلك الشيء؛ ليكون أفضحَ له.
"الرُّغاء": صوت البعير، و"الحمحمة": صوت الفرس، و"الثغاء": صوت الشاة.
"الرِّقاع": جمع رقعة وهي قطعة من الكرباس وغيره. "تخفق"؛ أي: تتحرك؛ يعني: ليُعلم أنه غلَّ رِقاعًا من الغنيمة وغيرها.
"الصامت": الذهب والفضة.
قوله: "لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك"؛ يعني: قد قلت لك في الدنيا: إن الغلول والسرقة والخيانة موجبةٌ للعذاب فلم تقبل قولي، فاليومَ لا أملك أن أدفع عنك من عذاب الله شيئًا.
واعلم أن رسول الله لا يشفع لجميع أمته في جميع ذنوبهم حتى يدخلوا الجنة بلا عذاب؛ لأنه لو شفع لهم لبطل ما عليهم من المظالم، بل يشفع لمن أذن الله له في شفاعته وفي الوقت الذي أذن الله له في شفاعته؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 2033
٣٠٤٦ - عن أبي هريرةَ قال: أهدى رَجُلٌ لرسولِ الله ﷺ غُلامًا يقالُ له: مِدْعَمٌ، فبينَما مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لرسولِ الله ﷺ إذا سهمٌ عائِرٌ فقتلَهُ، فقالَ النَّاسُ: هنيئًا له الجَّنَةُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "كلا! والذي نفسي بيدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ التي أخذَها يومَ خيبرَ مِن المغانِمِ لم تُصِبْها المَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عليهِ نارًا"، فلمَّا سمعَ ذلكَ الناسُ جاءَ رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَيْنِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "شِراكٌ مِن نارٍ، أو شِراكانِ مِن نارٍ".
قوله: "يحط رحلًا لرسول الله"؛ أي: يأخذ الرحل على ظهر المركوب ويضعه على الأرض.
"سهم عائر"؛ أي: سهم لا يُدرى راميه.
"هنيئًا له الجنة"؛ يعني وجبت له الجنة لأنه قتل في خدمة رسول الله.
"كلا"؛ أي: ليس الأمر كما تظنون.
"لم تصبها المقاسم"؛ أي: أخذها من المغنم قبل القسمة وهي كانت مشتركةٌ بين الغانمين، فكان أخذُها غُلُولًا.
"تشتعل"؛ أي: ترتفع نارها؛ يعني: تلفُّ تلك الشملة عليه في جهنم وتُجعل نارًا لتحرقه. "شراك من نار"؛ يعني: مَن أخذ شراكًا من المغنم تُجعل شراكًا من نار على رحله يوم القيامة.
* * *
٣٠٤٧ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: كانَ على ثَقَلِ النبيِّ ﷺ رجلٌ يقالُ لهُ كَرْكَرْةُ، فماتَ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هوَ في النَّارِ"، فذَهبوا ينظرونَ، فوجدُوا عباءَةً قد غلَّها.
стр. 2034
قوله: "على ثِقَل" بكسر الثاء وفتح القاف، وهو ممَاع المسافر؛ يعني: كان هذا الرجل يحفظ متاع رسول الله في السفر، وينقله من منزل إلى منزل.
"فذهبوا ينظرون"؛ أي: فذهبوا إلى رحل ذلك الرجل ونظروا في رحله، فوجدوا في رحله عباءةً قد غلَّها، و (العباءة): كساء.
* * *
٣٠٤٨ - قال ابن عمرَ: كنَّا نُصيبُ في مَغازينا العَسَلَ والعِنبَ فنأكلُهُ ولا نرفعُه.
قوله: "في مغازينا" وهو جمع المَغْزَي، وهو مصدر ميميٌّ أو مكانٌ من: غزا يغزوا؛ يعني بهذا الحديث: أنه يجوز للمجاهدين أن يأكلوا من مال الكفار ما داموا في بلادهم قبل قسمة الغنيمة، سواءٌ فيه الخبزُ واللحم وغيرهما.
* * *
٣٠٤٩ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: أَصَبْتُ جِرابًا من شحمٍ يومَ خيبرَ فالتزمتُهُ فقلتُ: لا أُعطي اليومَ أَحَدًا مِن هذا شيئًا، فالتَفَتُّ فإذا رسولُ الله ﷺ يبتسِمُ إليَّ.
قوله: "فالتزمته"؛ أي: عانقته وضممته إلى نفسي، "فإذا رسول الله ﷺ تبسَّم إلي" هذا دليل على جواز أخذ المجاهدين من طعام الغنيمة قَدْرَ ما يحتاجون إليه؛ لأنه لو لم يكن جائزًا لمنع رسول الله ابن المغفَّل عن قوله: (لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا).
* * *
стр. 2035
مِنَ الحِسَانِ:
٣٠٥٢ - عن عوفِ بن مالكٍ الأَشْجَعِيَّ وخالدِ بن الوليدِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى في السَّلَبِ للقاتلِ، ولم يُخَمِّسْ السَّلَبَ.
قوله: "ولم يخمس السلب"؛ يعني: دفع السلب كلَّه إلى القاتل من غير أن يأخذ منه الخُمس، بخلاف الغنيمة فإنه يأخذ منها الخمس.
* * *
٣٠٥٤ - عن عُمَيْرٍ مَوْلى آبي اللَّحمِ قال: شهدتُ خيبرَ مع سادَتي، فكلَّمُوا فِيَّ رسولَ الله ﷺ ، فكلَّمُوه أني مملوكٌ، فأَمَرَني فقُلِّدْتُ سيفًا فإذا أَنا أجرُّه، فأمرَ لي بشيءٍ من خُرْثيَّ المتاعِ، وعرضتُ عليهِ رُقْيَةً كنتُ أرْقي بها المجانينَ، فأمرني بطَرْحِ بعضها وحَبْسِ بعضها.
قوله: "فقلدت سيفًا"؛ أي: علَّق سيفي بمنكبي؛ يعني: أمرني أن أحمل السلاح وأكون مع المجاهدين لأتعلم المحاربة.
"فإذا أنا أجره"؛ أي: كنت صغيرًا وكنت أجرُّ السيف على الأرض من قصر قامتي، "فأمر لي بشيء من خُرْثيِّ المتاع"، (الخُرْثي): أثاث البيت، وهو ما يستعمل في البيت كالقِدْرِ وغيرها؛ يعني: أمر بدفع شيء من خرثيِّ الغنيمة إلي.
"فأمرني بطرح بعضها"، يعني: كان بعضها حسنًا وبعضها كلمات قبيحة، فأمرني أن أترك قراءة ما هو السيئ منها وأقرأ ما هو الحسن منها.
* * *
٣٠٥٥ - عن مُجمِّعِ بن جاريةَ قال: قُسِمَتْ خيبرُ على أهلِ الحُدَيْبيةِ، قسمَها رسولُ الله ﷺ ثمانيةَ عَشَرَ سهمًا، وكانَ الجيشُ ألفًا وخمسَ مئةٍ، قال
стр. 2036
الشيخُ ﵁: فيهم ثلاثُ مئةِ فارسٍ! وهذا وَهْمٌ، إنَّما كانوا مئتي فارسٍ.
قوله: "قسمت خيبر"؛ أي: قُسم نصف أراضي خيبر وقُسم جميع منقولات غنائمها بين الجيش الذين كانوا مع رسول الله في الحديبية، وحفظ عليه نصفَ أراضيها لنفسه، فهيأ من غلتها أسباب بيته وأضيافه.
قوله: "وهذا وهم"، (الوهم): الخطأ؛ يعني: مَن قال: فيهم ثلاثُ مئة فارس، فقد سها ونسي الرواية، بل كانوا مئتي فارس، قال أبو داود: والرواية الصحيحة أن فيهم مئتي فارس.
وقد جاء في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ أعطى كلَّ فارس ثلاثة أسهم: سهمًا له وسهمين لفرسه، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وقد جاء في رواية أخرى ﷺ أعطى كلَّ فارس سهمين: سهمًا له وسهمًا لفرسه، وبه قال أبو حنيفة.
فإن قيل: كيف قسمها على ثمانية عشر سهمًا؟
قلنا: أعطى كلَّ مئةٍ سهمًا، فعلى قولِ مَن قال: كان فيهم ثلاث مئة فارس وأعطى كلَّ فارس مثلي راجل فهذا مستقيم؛ لأن الرجَّالة كانوا على هذه الرواية ألفًا ومئتين، فيكون نصيبهم اثني عشر سهمًا لكلِّ مئة سهمٌ، ويكون للفرسان ستةُ أسهم لكلِّ مئةٍ سهمان، فيكون المجموع ثمانية عشر سهمًا.
ومن قال: أعطى كل فارس ثلاثة أمثال نصيب راجل، فهذه لا تستقيم قسمتها على ثمانية عشر سهمًا؛ لأن الفرسان إذا كانوا ثلاثَ مئة يكون نصيبهم تسعة أسهم، ونصيب الرجالة اثني عشر سهمًا لكل مئة سهم، فيكون المجموع أحدًا وعشرين سهمًا لا ثمانية عشر سهمًا، وإن كان الفرسان مئتين يكون نصيبهم ستة أسهم، ويكون نصيب الرجالة ثلاثة عشر سهمًا لكل مئة سهم، فيكون المجموع تسعة عشر سهمًا لا ثمانية عشر، فهذه القسمة تحتاج إلى تأويلٍ على
стр. 2037
قولِ مَن قال: لكل فارس ثلاثة أمثال نصيب راجل.
قال العلماء: تأويله على قولِ مَن قال: الفرسان كانوا مئتين: أنه كان في ذلك الجيش مئة عبدٍ راجل، ولم يُقسم لهم؛ لأنه لا سهم للعبد بل يعطى رضخًا، وهو شيءٌ أقل من نصيبِ راجلٍ على ما رآه الإمام، فإذا خرج من الرجالة مئة يبقى ألف ومئتان فيكون نصيبهم اثني عشر سهمًا، ويكون نصيب مئتي فارس ستة أسهم، فيكون المجموع ثمانية عشر سهمًا، فعلى هذا التأويل صحت القسمة.
ومن قال: الفرسان ثلاث مئة لا تستقيم القسمة على ثمانية عشر سهمًا على قوله، إلا أن يقول: كان في الرجالة ثلاث مئة عبد، أو يقول: كان في الفرسان مئة، عبد فحينئذ تصح القسمة على ثمانية عشر سهمًا بعد خروج العبيد من بين الجيش.
* * *
٣٠٥٦ - عن حبيبِ بن مَسْلَمةَ الفِهريِّ قال: شهدتُ النبيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ في البَدْأَةِ، والثُلُثَ في الرَّجْعَةِ.
قوله: "نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة"؛ يعني: إذا أرسل من الجيش جماعة قبل الجيش إلى ديار الكفار ليخوِّفوهم ويُغيروا على قراهم وحواليهم، فما أصابوا من الغنيمة أعطاهم ربع تلك الغنيمة وقسم ثلاثة أرباعها بين جميع الجيش، فإذا دخل الجيش ديار الكفار وأغاروا عليهم وقاتلوهم، ثم خرجوا من ديار الكفار وأقبلوا على ديارهم وذهبوا منزلًا أو بعض منزل وأرسل من الجيش جماعة إلى ديار الكفار ليقتلوا من استتر منهم ويُغيروا على ما بقي من أموالهم، كان ﷺ يعطي أولئك الجماعة ثلث ما غنموا في رجعتهم، وقسم ثلثي تلك الغنيمة بين جميع الجيش.
стр. 2038
وإنما أعطى في الرجعة الثلث وفي البداءة الربع؛ لأن الخطر في الرجعة أكثر؛ لأن الجيش في البداءة يجيئون خلف أهل البداءة فيعينونهم ويهرب الكفار إذا سمعوا مجيء الجيش، فلم يكن لهم جرأةٌ إلى محاربة أهل البداءة، وأما في الرجعة قد رجع الجيش عن ديار الكفار وأمن الكفارُ، فيكون لهم جراءةٌ على مقاتلة أهل الرجعة.
* * *
٣٠٥٧ - وعن حبيبِ بن مَسْلَمَة الفِهْريِّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُنفِّلُ الرُّبُعَ بعدَ الخُمُسِ، والثُلُثَ بعدَ الخُمُسِ إذا قَفَلَ.
قوله: "ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل" هذا الحديث عينُ الحديث المتقدم، إلا أنه ما بيَّن في الحديث المتقدم أنه يعطي أهل البداءة ربع ما غنموا بعد إخراج خمسه أو قبله، وبيَّن ها هنا أنه ﷺ يعطيهم ربع ما غنموا بعد إخراج خمسه، وكذلك أهل الرجعة يعطيهم ثلث ما غنموا بعد إخراج خمسه، يخرج أولًا خمسه، ويصرف الخمس على أهل الخمس، وما بقي بعد الخمس يعطي أهل البداءة ربعه وأهل الرجعة ثلثه.
قوله: "إذا قفل"؛ أي: إذا رجع عن السفر.
* * *
٣٠٥٨ - عن أبي الجُوَيْريةِ الجَرْميِّ قال: أصبتُ بأرضِ الرُّومِ جرَّةً حمراءَ فيها دنانيرُ في إمْرَةِ مُعاويةَ، وعلينا رجلٌ مِنْ أصحابِ رسُولَ الله ﷺ يُقالُ لهُ: مَعْنُ بن يزيدَ، فأتَيْتُه بها فقَسَمها بينَ المُسلمينَ وأعطاني منها مِثلَ ما أعطَى رجُلًا منهم، ثمَّ قال: لولا أنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا نَفْلَ إلَّا بعدَ الخُمُسِ"، لأَعطَيْتُكَ.
стр. 2039
قوله: "في إمرة معاوية"؛ أي: في زمان كون معاوية أميرًا.
"وعلينا رجل"؛ أي: كان أميرنا في ذلك الجيش رجلًا اسمه معن بن يزيد.
قوله: "لا نَفَلَ إلا بعد الخمس لأعطيتك": ها هنا النفل (١).
* * *
٣٠٥٩ - عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قَدِمْنا فوافَقْنا رسولَ الله ﷺ حينَ افتتحَ خَيْبَرَ فأسهمَ لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قسمَ لأحَدٍ غابَ عنْ فتحِ خَيْبَرَ منها شيئًا إلّا لمنْ شَهِدَ معهُ إلَّا أصحابَ سفينَتِنا جَعْفَرًا وأصحابَهُ، أسهمَ لهمْ معهم.
قوله: "قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ ... " إلى آخره، قصةُ هذا: أن جعفر ابن أبي طالب مع جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا من مكة إلى حبشة حين كان رسول الله بمكة، فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وقوي دينه سمع جعفر وأصحابه أن رسول الله ﷺ هاجر إلى المدينة وقويَ دينه هاجروا من حبشة إلى المدينة، وكانوا جالسين في سفينة، فلما وصلوا إلى خيبر وافق وصولهم حين فتح رسول الله ﷺ خيبر، ففرح رسول الله بقدومهم وأعطاهم من غنيمة خيبر سهامهم.
* * *
٣٠٦٠ - عن زَيْدِ بن خالدٍ: أنَّ رجُلًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ تُوفَّيَ يومَ خيبرَ فذكرُوا لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "صَلُّوا على صاحِبكُمْ". فتغيَّرَتْ وُجوهُ
стр. 2040
النَّاسِ لذلك، فقال: "إنَّ صاحِبَكُمْ غَلَّ في سبيلِ الله". ففّتَّشْنا متاعَهُ فوجَدْنا خَرَزًا مِن خَرَزِ اليَهودِ لا يُساوي دِرهَمَيْنِ.
قوله: "فتغيَّرت وجوه الناس لذلك"؛ أي: لعدم صلاة رسول الله ﷺ .
"ففتشنا متاعه"؛ أي: فطلبنا من بين متاعه الشيء الذي غله، (التفتيش): مثل البحث، وهو قلب التراب ظهرًا لبطنٍ ليظهر ما فيه.
* * *
٣٠٦١ - عن عبدِ الله بن عَمروٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أصابَ غنيمةً أمرَ بلالًا فنادَى في الناسِ، فيَجيئُونَ بغنائِمِهِمْ، فيُخمِّسهُ ويقْسِمُهُ، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلكَ بزِمامٍ مِنْ شَعْرٍ فقال: هذا فيما كُنَّا أصبناهُ مِنَ الغَنيمَةِ، فقال: "أسمِعْتَ بلالًا يُنادِي ثلاثًا؟ "، قال: نعم، قال: "فما مَنَعَكَ أنْ تجيءَ بهِ؟ " فاعتذَرَ، قال: "كُنْ أنتَ تجيءُ بهِ يومَ القِيامةِ، فلنْ أقبلَهُ عنك".
قوله: "فاعتذر"؛ أي: أظهر عذرًا في تأخير مجيئه بذلك الزمام، وإنما لم يقبل النبي ﷺ ذلك الزمام منه؛ لأنه كان لجميع الغانمين فيه شركةٌ وقد تفرَّقوا، ولم يمكن (١) إيصال نصيب كلِّ واحدٍ منهم من ذلك الزمام، فترك في يده ليكون إثمه عليه لأنه هو الغاصب.
* * *
٣٠٦٢ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ حَرَّقُوا متاعَ الغالِّ وضربُوه.
стр. 2041
قوله: "أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه" قال أحمد: يحرق متاع الغالِّ إلا الحيوان والمصحف، ولا يحرق ما غلَّ لأنه مال الغانمين، وتحريق متاعه زجرٌ وعقوبة له.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: لا يحرق شيءٌ من متاعه، بل يعزَّر، وحملوا هذا الحديث على الوعيد والزجر.
* * *
٣٠٦٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ شِراءِ المغانِمِ حتَّى تُقْسَمَ.
قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن شري المغانم حتى تقسم"؛ يعني: لو باع أحد من المجاهدين نصيبه من الغنيمة لا يجوز؛ لأن نصيبه مجهول، ولأنه ملك ضعيف يسقط بالإعراض، فإن الملك المستقر لا يسقط بالإعراض؛ يعني: لو قال أحد: لا أريد هذا المتاع، أو: أعرضتُ عن هذا المتاع، أو: تركته، لا يخرج بذلك المتاعُ عن ملكه إلا أن يهبه من أحد، ولو قال أحد المجاهدين: إني أسقطت نصيبي من الغنيمة، أو: أعرضت عنه، سقط نصيبه، فهذا دليل على أن ملكه في الغنيمة قبل القسمة غير مستقر، وإذا كان غير مستقر لا يجوز بيعه.
* * *
٣٠٦٦ - عن خَوْلَة بنتِ قَيْسٍ قالت: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ المالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، فمنْ أصابَهُ بحقِّهِ بُورِكَ له فيهِ، ورُبَّ مُتخَوِّضٍ فيما شاءتْ بهِ نفسُهُ مِنْ مالِ الله ورسُولِهِ ليسَ لهُ يومَ القِيامَةِ إلَّا النَّارُ".
стр. 2042
قوله: "ورب متخوِّضٍ"؛ أي: شارعٍ متصرِّفٍ في الغنيمة والفيء والزكاة وغيرها.
* * *
٣٠٦٧ - عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ تنفَّلَ سَيْفَهُ ذا الفَقارِ يومَ بَدْرٍ، وهو الذي رأَى فيها الرُّؤْيا يومَ أُحُدٍ.
قوله: "أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد" (١).
* * *
٣٠٧١ - عن القاسم مَوْلى عبدِ الرَّحمنِ عن بعضِ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ قال: كُنَّا نأكُلُ الجَزورَ في الغزْوِ ولا نقسِمُهُ، حتَّى إنْ كنَّا لنرجِعُ إلى رِحالِنا وأخْرِجَتُنا منهُ مَمْلوءةٌ.
قوله: "وأَخْرِجَتُنا منه": جمع خُرْج، وهو نوع من الجُوالق.
* * *
٣٠٧٢ - عن عبادةَ بن الصَّامتِ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: "أدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ، وإيَّاكُمْ والغُلُولَ فإنَّهُ عارٌ على أهلِهِ يومَ القِيامَةِ".
قوله: "أدوا الخِيَاط والمِخْيَط"، الخياط: جمع خيط، و (المِخْيَط)، الإبرة؛
стр. 2043
يعني: اجمعوا جميع الغنائم حتى تُقسم بين الغانمين، ولا تأخذوا منها قبل القسمة شيئًا.
* * *
٣٠٧٣ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: دَنا النبيُّ ﷺ منْ بعيرٍ فأخذَ وَبَرَةً منْ سَنامِهِ ثمَّ قال: يا أيُّها الناسُ! إنَّهُ ليسَ لي منْ هذا الفَيْءِ شيءٌ ولا هذا - ورفعَ أُصبعَهُ - إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَردودٌ عليكُمْ، فأَدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ"، فقامَ رجُلٌ في يدِهِ كُبَّةٌ منْ شَعرٍ فقال: أخذتُ هذهِ لأُصلِحَ بها بَرْذعَةً، فقال النبيُّ ﷺ : "أمَّا ما كانَ لي ولبني عبدِ المطَّلِبِ فهوَ لَكَ". فقال: أمَّا إذْ بلَغَتْ ما أَرَى فلا أَرَبَ لي فيها، ونَبَذَها.
قوله: "والخمس مردود عليكم"؛ يعني: ما يحصل لي من الغنائم والفيء أصرفه في مصالحكم من السلاح والخيل وغيرهما.
"كبة من شعر"؛ أي: قطعة.
"ما كان لي ولبني عبد المطلب"؛ يعني: ما كان من هذا الشعر نصيبي ونصيب بني عبد المطلب أحللناه لك، وباقي نصيب الغانمين فاستَحِلَّ منهم.
"أما إذا بلغَتْ ما أرى"؛ يعني: إذا بلغَتْ هذه الكبة إلى ما أرى من المضايقة "فلا أرب"؛ أي: فلا حاجة "لي فيها" مع هذه المضايقة.
* * *
٣٠٧٤ - عن عمرِو بن عَبَسةَ قال: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ إلى بَعيرٍ منَ المغنمَ فلمَّا سلَّمَ أَخَذ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ البَعيرِ، ثمَّ قال: ولا يَحِلُّ لي منْ غنائِمِكُمْ مثلُ هذا إلَّا الخُمُس، والخُمُسُ مَردودٌ فيكُمْ".
стр. 2044
قوله: "صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير"؛ أي: استقبل في صلاته بعيرًا، وجعله بمنزلة الخشبة المغروزة ليظهر مصلَاّه.
* * *
٣٠٧٥ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ قال: لمَّا قَسَمَ رسُولُ الله ﷺ سهْمَ ذَوي القُرْبَى بينَ بني هاشِمٍ وبني المُطَّلب أتيتُهُ أنا وعُثمانُ بن عفَّانَ، فقلنا: يا رسُولَ الله! هؤلاِءِ إخوانُنا منْ بني هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فضلَهُمْ لمكانِكَ الذي وَضَعَكَ الله منهُم، أرأَيْتَ إخوانَنا منْ بني المطَّلِبِ أعطيتَهُمْ وترَكْتَنا، وإنَّما قرابَتُنا وقَرابَتُهم واحِدَةٌ. فقالَ رسُولُ الله ﷺ : أمَّا بنو هاشِمٍ وبنو المطَّلِبِ فشيءٌ واحدٌ هكذا وشبَّكَ بين أصابعِهِ".
وفي روايةٍ: "أنا وبنو المطَّلِبِ لا نفتَرِقُ في جاهِليَّةٍ ولا إسلامٍ، وإنَّما نحنُ وهُمْ شيءٌ واحِدٌ، وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ".
قوله: "لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم"؛ يعني: بنو هاشم أفضل منا لأنهم أقرب إليك منا؛ لأن جدهم وجدَّك واحد وهو هاشم، وأما بنو المطلب فقرابتُهم وقرابتنا منك سواءٌ؛ لأن أباهم أخو هاشم وأبانا كذلك أخو هاشم.
قوله: "وشبك بين أصابعه"، (التشبيك): إدخالُ شيءٍ في شيء؛ أي: أدخل أصابع إحدى يديه بين أصابع يده الأخرى؛ يعني: كما أن بعض هذه الأصابع داخلٌ في بعض، فكذلك بنو هاشم وبنو المطلب كانوا موافقين ومختلطين في الكفر والإسلام، فأما غيرهم من أقاربنا فلم يكن موافقًا لبني هاشم.
* * *
стр. 2045
٩ - باب الجِزْيَةِ
(باب الجِزْيَة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٧٧ - عن بَجالَةَ قال: كنتُ كاتِبًا لجَزْءِ بن مُعاويةَ عمِّ الأحنفِ، فأتانا كتابُ عُمرَ بن الخطَّابِ قبلَ موتِهِ بسنَةٍ أنْ فَرِّقُوا بينَ كُلِّ ذِى مَحرمٍ مِنْ المَجُوسِ، ولَمْ يكُنْ عُمرُ أخذَ الجِزْيَةَ مِنَ المَجوس حَتَّى شَهِدَ عبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ أنَّ رسُولَ الله ﷺ أخذَها منْ مَجوسِ هَجَرَ.
قوله: "أخذها من مجوس هجر"، (أخذها)؛ أي: أخذ الجزية، و (هجر): اسم قرية قريبةٍ من المدينة.
اعلم أنه لا يترك كافر في دار الإسلام بالجزية إلا اليهود والنصارى لأنهم أهل الكتاب، والمجوس لأنه كان لهم كتاب فرفع إلى السماء.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠٧٨ - عن مُعاذٍ ﵁ قال: بعثَني النَّبيُّ ﷺ إلى اليَمَنِ، فأمرَه أنْ يأخُذَ منْ كُلِّ حالِمٍ دينارًا أوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ.
قوله: "من كل حالم"؛ أي: من كل محتلمٍ، وهو البالغُ. "العدل": المِثْل، "المعافر" نوعٌ من الثياب يكون باليمن؛ يعني: يأخذ من كل بالغٍ إما دينارًا أو قيمةَ دينار من الثياب، وهذا القَدْرُ يجب على كل رجلٍ بالغٍ عاقلٍ في كلِّ سنة، هذا مذهبُ الشافعي فإنه قال: يجوز أن يؤخذ من الغني والفقير دينارٌ، ثم للإمام أن
стр. 2046
يضايقهم في أخذ أكثر من دينار؛ لأن هذه المعاملة معهم كإيجارِ رجلٍ دارَه من أحدٍ، فله أن يضايق بالأجرة بقَدْرِ ما يتيسر له.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ من كل غني أربعة دنانير، ومن كل متوسط ديناران، ومن كل فقير دينار.
* * *
٣٠٨٠ - عن أَنسٍ قال: بعثَ النبيُّ ﷺ خالدَ بن الوليدِ إلى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فأخذُوهُ فأتَوْهُ بهِ، فحقَنَ لهُ دمَهُ وصالَحَهُ على الجِزْيَةَ.
قوله: "إلى أكيدر دومة": هو رجلٌ من العرب من قبيلة غسان.
"فحقن له دمه"؛ أي: حفظه عن القتل.
* * *
٣٠٨١ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّما العُشُورُ على اليَهُودِ والنَّصارَى وليسَ على المُسلمِينَ عُشُورٌ".
قوله: "إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور".
قال الخطابي: الذي يلزم اليهودَ والنصارى من العشور هو ما صولحوا عليه وقتَ العهد (١)، فإن لم يصالَحوا عليه فلا عشورَ عليهم، ولا يلزمهم شيءٌ أكثر من الجزية، فأما عشور غلَّات أراضيهم فلا تؤخذ منهم، وهذا كلُّه على مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن أخذوا العشور منا في بلادهم إذا ذهب إليهم المسلمون في تجاراتهم أخذناها منهم، وإلا فلا.
стр. 2047
روى هذا الحديث حرب بن عبيد الله (١) عن جده أبي أمه.
* * *
٣٠٨٢ - عن عُقْبةَ بن عامِرٍ قال: قلتُ يا رسُولَ الله! إنَّما نمرُّ بقومٍ فلا هُمْ يُضَيفُوننا، ولا هُمْ يُؤَدُّونَ ما لنا عليهمْ مِنَ الحق، ولا نحنُ نأخُذُ منهمْ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "إنْ أَبَوْا إلَّا أنْ تأخُذُوا كَرْهًا فخُذُوا".
قوله: "فلا هم يضيفوننا ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق" قال أبو عيسى: معنى هذا الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقومٍ ولا يجدون من الطعام ما يشترون بثمن، فقال النبي ﷺ : "إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا"، هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا، وقد روي عن عمر ابن الخطاب أنه كان يأمر نحو هذا.
قال محيي السنة ﵀: وقد يكون مرورهم على جماعة من أهل الذمة، وقد شرط الإمام عليهم ضيافة مَن يمر بهم، فإن لم يفعلوا، أخذوا منهم حقهم كرهًا، وأما إذا لم يكن شرط عليهم والنازل غير مضطر، فلا يجوز أخذُ مال الغير بغير طِيْبةِ نفسٍ منه.
* * *
١٠ - باب الصُّلحِ
(باب الصلح)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٨٣ - عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة ومَرْوانَ بن الحَكَمِ قالا: خَرَجَ النبيُّ ﷺ
стр. 2048
عامَ الحُدَيْبيَةِ في بِضْعَ عَشْرَةَ مئةً منْ أصحابهِ، فلما أَتَى ذا الحُلَيْفةِ قلَّدَ الهَدْي وأَشْعَرَه وأحرمَ منها بعُمرةٍ، وسارَ حتَّى إذا كانَ بالثَّنيَّةِ التى يُهبَطُ عليهمْ مِنها بَرَكَتْ به راحلتُه، فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ خَلأَتِ القَصْواءُ خلأَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ﷺ : "ما خلأتِ القَصْواءُ وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفيلِ"، ثم قال: "والذى نَفْسي بيدِهِ لا يَسْألوني خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حُرُماتِ الله إلا أعْطَيْتُهم إيَّاها". ثمَّ زَجَرَها فوثَبتْ، فعَدَلَ عنهمْ حتَّى نَزَلَ بأقصَى الحُدَيْبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يتَبَرَّضه النَّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلَبثْهُ الناسُ حتَّى نزَحوهُ وشُكِيَ إلى رسولِ الله ﷺ العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهْمًا من كِنانتِهِ ثمّ أمرَهمْ أنْ يَجعلوهُ فِيهِ، فَوَالله ما زالَ يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَروا عنهُ، فبَيْنما هُمْ كذلك إِذْ جاءَ بُدَيْلُ ابن وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ مِنْ خُزاعةَ، ثم أتاه عُرْوةُ بن مسعودٍ وساقَ الحديثَ إلى أنْ قال: إذْ جاء سُهيلُ بن عَمْرٍو، فقال النبيُّ ﷺ : "اكتُبْ هذا ما قاضى عليهِ مُحمدٌ رسولُ الله ﷺ ". فقال سُهيلٌ: والله لو كنَّا نَعلمُ أنَّكَ رسولُ الله ما صَدَدْناكَ عن البيتِ ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ محمدُ بن عبْدِ الله، فقال النبيُّ ﷺ : "والله إنِّي لَرسولُ الله وإن كَذَّبتُموني، اكتُبْ محمدُ بن عبدِ الله". فقال: سُهيلٌ: وعلى أنْ لا يأْتِيكَ منَّا رجُلٌ وإنْ كانَ على دينِكَ إلَّا ردَدْتَهُ علينا. فلما فَرَغَ مِنْ قضيَّةِ الكِتابِ قال رسولُ الله ﷺ لأصْحابهِ: "قوموا فانحَرُوا ثمَّ احْلقُوا". ثم جاء نِسوةٌ مؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ...﴾ الآية. فنهاهُم الله أنْ يَردُّوهُنَّ وأَمَرهُم أَنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ. ثم رَجَعَ إلى المدينةِ فجاءَهُ أبو بَصيرٍ رجلٌ منْ قُرَيْشٍ وهو مُسلمٌ فأرسَلوا فى طَلَبهِ رَجُلَيْنِ، فدفعَهُ إلى الرَّجُلَين، فخَرجا بهِ حتَّى بَلَغا ذَا الحُلَيْفة نزلُوا يأكُلونَ منْ تمرٍ لهمْ، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرجُلَين: والله إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فُلانُ جيدًا، فَأَرِني أنظُرْ إليهِ، فأَمْكَنَهُ منهُ، فضَرَبَهُ حتَّى
стр. 2049
بَرَدَ، وفرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدخَلَ المَسجدَ يَعْدو، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لقد رأَى هذا ذُعْرًا". فقالَ: قُتِلَ والله صاحِبي وإنِّي لَمقتولٌ. فجاءَ أبو بَصيرٍ، فقال رسول الله ﷺ : "وَيلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَربٍ لو كانَ لهُ أحدٌ". فلمَّا سمعَ ذلكَ عَرَفَ أنَّهُ سيَرُدُّهُ إليهمْ، فخَرَجَ حتَّى أَتَى سِيْفَ البحرِ، قال: وتَفَلَّتَ أَبو جَنْدَلِ بن سُهيلٍ فلَحِقَ بأبى بَصيرٍ، فجعلَ لا يخرجُ من قُرَيشٍ رجلٌ قد أَسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بأَبى بَصيرٍ، حتَّى اجتمعَتْ منهُمْ عِصابةٌ، فوالله ما يَسْمعونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقُرَيْشٍ إلى الشّامِ إلَاّ اعترَضُوا لها، فقَتَلُوهم وأَخَذوا أموالَهم، فأرسلَتْ قُريشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشِدُهُ الله والرَّحِمَ لمَّا أرسلَ، فمنْ أتاهُ فهوَ آمِنٌ، فأرسلَ النبيُّ ﷺ إليهم.
قوله: "بالثنية التي يُهبط عليهم منها"، (الثنية): الجبل الذي يكون عليه الطريق، (يُهبط)؛ أي: ينزل (عليهم)؛ أي: على قريش؛ أي: أهل مكة، (منها)؛ أي: من تلك الثنية.
"بركت به راحلته"؛ أي: استناخت؛ أي: اضطجعت به؛ أي: بالنبي ﷺ والباء للمصاحبة؛ أي: في الحال التي كان النبي ﷺ على ظهرها.
"حَلْ" بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وتنوينها: كلمةٌ يقولها الرجل ليقوم الجمل؛ أي: ليسير.
"خلأت القصواء"؛ أي: ساء خلقُ هذه الناقة وصارت حَرونًا؛ لأنها بركت ولا تسير.
"حبسها حابس الفيل"؛ أي: منعها من السير مَن منع فيلَ أصحاب الفيل وهو الله تعالى؛ يعني: إنما منع الله هذه الناقة عن السير كيلا تدخل مكة، وإنا لو دخلنا مكة لظهر بيننا وبين أهل مكة محاربةٌ، ويراق دماء في الحرم، وقد حرم الله إراقة الدماء في الحرم، فبروك القصواء إشارة إلى أن لا يدخل مكة.
стр. 2050
قوله: "لا يسألوني خطة"، (الخطة) بضم الخاء: الخصلة؛ يعني: لا يطلب أهل مكة مني شيئًا "إلا أعطيتهم" إلا شيئًا ليس فيه تعظيم الله.
"ثم زجرها"؛ أي: زجر رسول الله تلك الناقة. "فعدل عنهم"؛ أي: انحرف رسول الله ﷺ عن الصحابة وذهب إمامهم حتى نزل في آخر الحديبية "على ثَمَدٍ"، (الثمد): الماء القليل، والمراد به ها هنا البئر. "يتبرَّضُه الناس"؛ أي: يأخذون ذلك الماء قليلًا قليلًا، "فلم يُلْبثه الناس" بضم الياء وكسر الباء؛ أي: فلم يجعل الناس مكث ذلك الماء طويلًا في تلك البئر؛ أي: أفنوه عن قريب.
"نزحوه"؛ أي: نزعوه وأفنوه.
"يجيش لهم بالري"، (يجيش)؛ أي: يخرج ويكثر "لهم"؛ أي: للصحابة "بالرِّيِّ"؛ أي: بما هو سببُ ريهم، و (الري) في الماء بمنزلة الشبع في الطعام، "حتى صدروا عنه"؛ أي: حتى رجعوا عن ذلك الماء راضين.
"إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي" هذا الرجل ومن معه وسهيل بعثهم أهل مكة بالرسالة إلى رسول الله ﷺ .
قوله ﵊: "سهل الأمر" هذا تفاؤل منه، وكان النبي ﷺ إذا سمع اسمًا حسنًا فرح به وتفاءل به خيرًا؛ يعني: إذا كان اسم هذا الرجل سهيل يَسْهُلُ بسببه أمرنا هذا.
"ما قاضى"، (قاضى): إذا فَصَلَ بين الخصمين؛ أي: ما صالح عليه رسول الله؛ يعني: صالح به رسول الله مع أهل مكة.
"صددناك"؛ أي: منعناك عن زيارة الكعبة؛ يعني: أخرجناك من مكة ومنعناك الآن عن العمرة ودخول مكة؛ لأنا نكذِّب رسالتك.
"وعلى أن لا يأتيك منا رجل" هذا معطوف على لفظٍ ليس في هذه الرواية،
стр. 2051
وقد جاء في رواية أخرى وهو قوله: على أن تأتينا من العام المقبل؛ يعني: لا نخليك أن تدخل مكة في هذه السنة، لكن ارجع إلى المدينة على أنه تأتي في العام القابل؛ أي: في السنة التي تأتي بعد هذه السنة.
"من قضية"؛ أي: من حكم كتبه كتاب الصلح.
"قوموا فانحروا"؛ يعني: من أُحصر - أي: مُنع عن إتمام حجته أو عمرته بعد الإحرام - فعليه أن يذبح شاةً ويفرقَ لحمها على مساكين الموضع الذي أُحصر فيه، ثم يحلق ويتحلل من إحرامه.
"فنهاهم الله أن يردُّوهن" اختلفوا في أن النساء: هل دخلن في شرطهم مع رسول الله: (على أن لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته)؟
في قولٍ: أنهن لم يدخلن في ذلك الشرط، بل المراد من ذلك الشرط الرجال، فعلى هذا القول لا إشكال في عدم ردهن.
وفي القول الثاني: كن داخلات في الشرط؛ لأن قول سهيل: (على أن لا يأتيك منا أحد) لفظة (أحد) تتناول الرجال والنساء، فعلى هذا القول عدمُ ردِّهن لكون الآية ناسخةً لشرط ردِّ النساء، وأمرهم أن يردُّوا الصَّداق؛ يعني: إذا جاء أزواجهن في طلبهن لا يجوز ردُّهن عليهم، ولكن يجب ردُّ ما أعطَوْهنَّ من الصَّداق إن كانوا قد سلَّموا الصداق إليهن، وإن لم يسلِّموا الصداق إليهن لا يعطون شيئًا.
"ثم رجع إلى المدينة"؛ يعني: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة.
"فأرسلوا"؛ أي: فأرسل أهل مكة.
"فأمكنه منه"؛ أي: فدفع السيف إليه، "فضربه"؛ أي: ضرب أبو بصير ذلك الكافر "حتى بَرَد"؛ أي: حتى مات.
стр. 2052
"ذعرًا"؛ أي: خوفًا.
"وإني لمقتول"؛ أي: وإني لأخاف القتل، أو دنوت من أن يقتلني.
"مسعر حرب لو كان له أحد"، (مسعر) بكسر الميم وفتح العين: كثير السَّعْر، وهو إيقاد الحرب والنار؛ يعني: هو كثير الحرب إن كان له مددٌ وناصر.
"حتي أتى سيف البحر" بكسر السين؛ أي: ساحله.
"وينفلت"؛ أي: يفر.
"عصابة"؛ أي: جماعة.
"بعير"؛ أي: بسيارة.
"اعترضوا لها"؛ أي: أجمعوا واستقبلوا عليها بالمحاربة.
"تناشده الله والرحمَ"؛ أي: أحلفوه بالله وبحق القرابة التي بينهم وبينه ﷺ "لما أرسل"؛ أي: إلا أن يرسل على أبي بصير وأتباعه أحدًا، ويدعوهم إلى المدينة، وأجازوا أنَّ مَن أتاه ﷺ من المسلمين لا يرده إليهم.
* * *
٣٠٨٤ - عن البراءِ بن عازِبٍ قال: صالحَ النَّبيُّ ﷺ المُشْرِكينَ يومَ الحُدَيْبيةِ على ثلاثةِ أشياءَ: على أَنَّ مَنْ أتاهُ مِنَ المُشركينَ ردَّهُ إليهِمْ، ومَنْ أتاهُمْ مِنَ المُسلمينَ لم يَرُدُّوه. وعلى أنْ يدخُلَها مِنْ قابلٍ ويُقيمَ بها ثلاثةَ أَيَّامٍ، ولا يدخُلَها إلَّا بجُلُبَّانِ السِّلاحِ: السَّيْفِ والقَوسِ ونحوه. فجاءَ أبو جَندَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيودِهِ فردَّهُ إليهم.
قوله: "بجلبان السلاح"، (الجلبان) بضم الجيم واللام وتشديد الباء: جرابٌ من أَدَمٍ يُلقي الراكب فيه سيفه مغمودًا ثم يعلقه من الرحل، وأراد بقوله: (جلبان السلاح) أنهم لا يسلُّوا سيوفهم من الغمد، بل تكون سيوفهم وقسيُّهم مستورةً. "يحجل في قيوده"، (يحجل)؛ أي: يمشي كمشي الأعرج لقيدٍ في رجليه.
стр. 2053
يعني: أسلم أبو جندل بمكة، فأخذه أهل مكة وقيدوه، فانفلت مع قيده وجاء إلى النبي، فردَّه النبي ﷺ إلى مكة وفاءً بشرطه، ثم انفلت مرةً أخرى وجاء سيف البحر ولحق أبا بصير كما ذكر قبيل هذا.
* * *
٣٠٨٥ - وعن أنسٍ: أنَّ قُرَيْشًا صالَحُوا النَّبيَّ ﷺ ، فاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ جاءَنا منكُمْ لم نَرُدَّهُ عليكُمْ، ومَنْ جاءكُمْ منَّا رَدَدْتُمُوهُ علينا، فقالوا يا رسُولَ الله! أَنكتُبُ هذا؟ قالَ: "نَعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إليهمْ فَاَبْعَدَهُ الله، ومَنْ جاءَنا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ الله لهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا".
قوله: "فقالوا يا رسول الله"؛ أي: قالت الصحابة.
"مَن ذهب منا إليهم"؛ يعني: مَن ذهب منا إلى الكفار واختار دينهم فهو مرتدٌ "فأبعده الله، ومَن جاءنا منهم"؛ يعني: من أسلم من أهل مكة وجاءنا ثم رددناه إلى مكة وفاز بالعهد "فسوف يجعل الله له مخرجًا"؛ أي: سوف يخلصه الله من أيدي الكفار.
* * *
٣٠٨٧ - عن المِسْوَرِ ومروانَ: أنَّهم اصْطَلَحُوا على وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سنين يأمَنُ فيهِنَّ النَّاسُ، وعلى أنَّ بَيْننا عَيْبةً مَكفوفةً، وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغلالَ.
قوله: "أنهم اصطلحوا على وضع الحرب"؛ يعني صالح أهل مكة مع رسول الله ﷺ على أن يتركوا حرب رسول الله ويتركَ رسول الله حربهم عشر سنين، فصالحوا على ترك الحرب عشر سنين، فلما مضى بعد هذا الصلح ثلاثُ سنين أعان أهل مكة بني بكر على حرب خزاعة، وكان خزاعة حلفاءَ رسول الله ﷺ ، فنقض أهل مكة العهد الذي بينهم وبين رسول الله بإعانتهم أعداء خزاعة، ومَن حارب
стр. 2054
حليف أحد فكأنما حارب ذلك الأحد.
قوله: "وعلى أن بيننا عيبةً مكفوفةً"، (مكفوفة)؛ أي: ممنوعة مشدودًا رأسها؛ يعني: يحفظ العهد والشرط ولا ينقضه كما يُحفظ ما في العَيْبةِ بشدِّ رأسها؛ يعني: لا نذكر العداوة التي كانت بيننا قبل هذا ولا ينتقم بعضنا بعضًا.
"لا إسلال ولا إغلال"، (الإسلال): السرقة، والإغلال: الخيانة؛ أي: لا يأخذ بعضنا مالَ بعضٍ لا في السر ولا في العلانية.
وقيل: (الإسلال) مِنْ سَلَّ السيف، و (الإغلال): لبس الدروع؛ أي: لا يحارب بعضنا بعضًا.
* * *
٣٠٨٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ألا مَنْ ظَلَمَ مُعاهدًا أو انتقَصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نَفْسٍ، فأنا حَجِيجُهُ يومَ القِيامَةِ".
قوله: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته"، (الانتقاص): نقصُ حقِّ أحدٍ، قوله: (كلفه فوق طاقته)؛ يعني: إن كان ذميًا لا يؤخذ منه الجزيةُ أكثر مما يطيق أداءها، وإن كان حربيًا وجرى بيننا وبينه عهدٌ لا يؤذيه أحد، ولا يجوز أن يؤخذ منه شيء إلا عُشْرُ ماله إن جاء لتجارةٍ وبَحْثُ أخذِ العشر من الكفار ذُكر في (باب الجزية).
روى هذا الحديث [صفوان بن سليم عن عدَّةٍ من أبناء الصحابة].
* * *
٣٠٨٩ - عن أُمَيْمةَ بنتِ رُقَيقةَ قالت: بايعتُ النبيَّ ﷺ في نِسْوَةٍ، فقال
стр. 2055
لنا: فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ. قلتُ: الله ورسُولُهُ أرحَمُ بنا مِنَّا بأنفُسِنا، قلتُ: يا رسُولَ الله! بايعْنا، تعني: صافِحْنا، قال: "إِنَّما قَوْلي لمئةِ امرأَةٍ كقَوْلي لامرأةٍ واحِدةً".
قوله: "في نسوة"؛ أي: مع نسوة.
"صافِحْنا"؛ أي: ضع يدك في يد كلِّ واحدةٍ منَّا.
* * *
١١ - باب الجلاء: إخراجِ اليهودِ من جزيرةِ العَرَبِ
(باب إخراج اليهود من جزيرة العرب)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٩٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: بَيْنا نحنُ في المسْجِدِ، خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ فقال: اِنطلِقُوا إلى يَهُودَ فَخَرَجْنا معهُ حتَّى جَئْنا بَيْتَ المدراسِ، فقامَ النَّبيُّ ﷺ فقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ! أسْلِمُوا تَسْلَمُوا، واعْلَمُوا أنَّ الأَرضَ للَّهِ ولرسُولِهِ، وإنِّي أُريدُ أَنْ أُجْلِيَكُم مِنْ هذِهِ الأرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ منكُمْ بمالِهِ شيئًا فلْيَبعْه".
قوله: "بيت المدراس"؛ أي: الموضع الذي يقرأ اليهود فيه التوراةَ.
"تسلَموا"؛ أي: تنجوا من الذلِّ في الدنيا ومن العذاب في الآخرة.
"أن أُجْليكم"؛ أي: أخرجكم من هذه الأرض؛ أي: من جزيرة العرب.
"فمن وجد منكم بماله شيئًا"؛ أي: فمن وجد منكم شيئًا من ماله مما
стр. 2056
لا يتيسَّر له نقلُه فليبعه، مثل الأرض والأشجار.
* * *
٣٠٩١ - عن ابن عمرَ قالَ: قامَ عمرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ عامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ على أموالِهم وقال: نُقِرُّكمْ ما أَقَرَّكُمُ الله. وقد رأَيْتُ إجلاءَهُم، فلمَّا أَجْمَعَ عُمرُ على ذلِكَ أتاهُ أحدُ بني أبي الحُقَيقِ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ! أتُخْرِجُنا وقد أَقَرَّنا محمدٌ وعامَلَنا على الأموالِ؟ فقالَ عمرُ: أَظَنَنْتَ أنِّي نسيتُ قولَ رسولِ الله ﷺ : كيفَ بكَ إذا أُخْرِجْتَ من خَيْبَرَ تَعْدُو بكَ قَلُوصُكَ ليْلةً بعدَ لَيْلةٍ. فقال: هذِهِ كانتْ هُزَيْلةً من أبي القاسمِ. قالَ: كذبتَ يا عدوَّ الله. فأجلاهم عمرُ، وأَعْطاهم قِيمةَ ما كانَ لهمْ مِنَ الثَّمَرِ مالًا وإبلًا وعُروضًا من أقتابٍ وحِبالٍ وغيرِ ذلك.
قوله: "نقركم على ما أقركم الله"؛ يعني: لمَّا أقر رسول الله يهود خيبر على الجزية قال هذا اللفظ؛ يعني: نترككم على ما ترككم الله؛ أي: ما لم يأمرنا الله بإخراجكم عن جزيرة العرب، فلما قال رسول الله ﷺ : "أريد أن أجليكم" لا بد وأن يكون إجلاؤهم بأمر الله.
قوله: "رأيت إجلاءهم"؛ أي: قال عمر: رأيت المصلحة في إجلائهم؛ أي: في إخراجهم من جزيرة العرب.
"أجمع"؛ أي عزم على ذلك؛ أي: على إجلائهم.
"وعامَلَنا على الأموال"؛ أي: جعلَنا عاملين على أرض خيبر.
"كيف بك"؛ يعني: قال رسول الله ﷺ لهذا اليهودي: (كيف بك)؛ أي: كيف يكون حالك "إذا أخرجت" من جزيرة العرب "تعدو بك"؛ أي: تسرعك "قلوصك"؛ أي: جملك.
стр. 2057
"هذه كانت هزيلة"؛ أي: هذا الكلام منه مزاحٌ ولعب.
"الأقتاب": جمع قتب، وهو الرحل. "الحبال": جمع حبل.
* * *
٣٠٩٢ - عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَوْصى بثَلاثةٍ قال: أخْرِجُوا المُشْرِكينَ مِنْ جَزيرَةِ العَرَبِ، وأَجِيزوا الوَفْدَ بنحْوِ ما كُنتُ أُجيزُهُم. قال ابن عبَّاسٍ: وسكتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أو قال: فأُنْسِيتُها.
قوله: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" أراد بالمشركين اليهود والنصارى، "وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم"، (أجاز): إذا أعطى صلةً، و (الوفد): الرسول ومَن أتى لحاجةٍ؛ يعني: إذا أتاكم رسولُ قوم أو جماعةٍ لحاجةٍ فأعطوهم من النفقة وما يحتاجون إليه كما كنت أعطيهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠٩٤ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تكونُ قِبلتانِ في بلدٍ واحِدٍ".
قوله: "لا تكون قبلتان في بلدة واحدة"؛ يعني: لا يجوز أن يكون المسلم وغير المسلم في بلدةٍ واحدةٍ، وهذا مختصٌّ بجزيرة العرب، فإن النبي ﷺ أمر بإخراج المسلمين المشركين من جزيرة العرب، وقال: "لأُخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا".
* * *
стр. 2058
١٢ - باب الفَيْءِ
(باب الفَيْءِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٩٥ - عن مالِكِ بن أَوْسِ بن الحَدَثان قال: قال عمرُ ﵁: إنَّ الله قَدْ خَصَّ رسولَهُ في هذا الفَيءِ بشيءٍ لمِ يُعْطِهِ أَحَدًا غيْرَه، ثم قرأ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَدِيرٌ﴾، فكانتْ هذهِ خالِصَةً لرسولِ الله ﷺ ، يُنْفِقُ على أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهم مِنْ هذا المالِ، ثم يأْخُذُ ما بَقيَ فيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مالِ الله.
قوله: "قد خص رسول في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره"، (الفيء): ما أخذ المسلمون من مال الكفار من غير حربٍ، مثل الجزية، وما أُخذ منهم من خَراجٍ وعُشْرِ تجارةٍ، ومَن مات منهم ولم يترك وارثًا فمالُه فيءٌ، وما تركه الكفار وهربوا فزعًا من المسلمين، فكلُّ ذلك فيءٌ يخمَّس، فأربعةُ أخماسه كان لرسول الله ﷺ خاصةً ينفق منها على عياله ويجهِّز الجيش ويطعم الأضياف ومَن جاءه لرسالة أو لحاجة، ويقسم خمسه على خمسة أسهم: سهم له ﵊، وسهم لأقربائه من بني هاشم وبني المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
فما كان لرسول الله ﷺ بعد وفاته فإنه للأئمة في قول بعض أهل العلم، ويُصرف في مصالح المسلمين في قول الشافعي، وفي قولٍ آخَرَ: يُصرف في جنود الإسلام، وقولُ مالك كالقول الأول للشافعي وقول أبو حنيفة.
قوله: "لم يعطه أحدًا غيره"؛ يعني: لم يعط الله أربعة أخماس الفيء أحدًا غير رسول الله في حياته.
стр. 2059
قوله تعالى: " ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ "؛ أي: وما دفع الله [إلى] رسوله من أموال الكفار، قيل: هذا أموال بني النضير، وقيل: جميع أموال الكفار التي حصلت للمسلمين من غير قتال.
" ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ "؛ أي: فما أسرعتم إلى الكفار لا بخيلٍ ولا بإبلٍ.
قوله: "فيجعله مجعل مال الله"؛ يعني: يصرفه في مصالح المسلمين.
* * *
٣٠٩٦ - عن مالِكِ بن أَوْسِ بن الحَدَثان، عن عُمَرَ قالَ: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممَّا أفاءَ الله على رسولِهِ ممَّا لم يُوجِفِ المسلمونَ عليهِ بخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فكانتْ لِرسُولِ الله ﷺ خاصَّةً، يُنْفِقُ على أهلِهِ منها نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقيَ فى السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبيلِ الله .
قوله: "عدة"؛ أي: أهبة وجهازًا للغزاة.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٣٠٩٨ - وقال ابن عمرَ: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ أوَّلَ ما جاءَهُ شيءٌ بدأَ بالمُحَرَّرينَ.
قوله: "أول ما جاءه شيء بدأ بالمحررين"؛ يعني: أول ما جاء شيء من الفيء بدأ بإعطاء نصيب المُعْتَقين، وكان يعطيهم الكفاف.
* * *
٣٠٩٩ - وعن عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بظَبْيةٍ فيها خَرَزٌ فقسَمها للحُرَّةِ والأمَةِ. وقالت عائشةُ: كانَ أبي يَقسِمُ للحُرِّ والعَبْدِ.
стр. 2060
قولها: "بظبية"؛ أي: بجرابٍ صغير.
قولها: "يقسم للحر والعبد"؛ يعني: الفيء بين الحر والعبد، يعطي كلَّ واحد بقَدْرِ حاجته.
* * *
٣١٠٠ - عن مالِكِ بن أَوْسِ بن الحَدَثان قال: ذكرَ عمرُ بن الخطَّابِ يومًا الفَيْءَ فقال: ما أنا أحقُّ بهذا الْفَيْءِ منكمْ، وما أحدٌ مِنَّا بأحقَّ بهِ منْ أحَدٍ، إلَّا أنا على منازِلِنا منْ كتابِ الله ، وقَسْمِ رسُولِ الله ﷺ ، والرَّجُلُ وقِدَمُهُ، والرَّجُلُ وبلاؤُهُ، والرَّجُلُ وعِيالُهُ، والرَّجُلُ وحاجَتُهُ.
قول عمر ﵁: "ما أنا أحق بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منا بأحق به من أحد، إلا أنَّا على منازلنا من كتاب الله وقَسْمِ رسوله، والرَّجُل وقِدَمه".
قوله: "والرجل وبلاؤه"؛ أي: شجاعته؛ يعني: مَن كانت شجاعته أكثر يُعْطَى من الفيء أكثر.
"والرجل وحاجته"؛ يعني: من كانت حاجته وعياله أكثر يُعْطَى من الفيء أكثر.
* * *
٣١٠١ - وقالَ: قرأ عمرُ بن الخطَّابِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتَّى بلغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: هذِهِ لهؤلاءِ, ثمَّ قرأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ حتَّى بلغَ ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، ثم قال: هذهِ لهؤلاءِ، ثم قرأَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتَّى بلغَ ﴿لِلْفُقَرَاء﴾ , ثم قرأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثمّ قال: هذِهِ استَوْعَبَتِ المُسلمينَ عامَّةً، فلئِنْ عِشْتُ فلَيأْتيَنَّ الرَّاعيَ وهو بِسَرْوِ حِمْيَرَ نصيبُه منها، لمْ يَعْرَقْ فيها جَبينُهُ.
стр. 2061
قوله تعالى: " ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ": هذه الآية تبين أهل الزكاة.
وقوله تعالى: " ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ " فهذه الآية تبين أهل خمس الغنيمة، ونصيبُ الله تعالى ونصيبُ الرسول واحد، وذُكر اسم الله للتبرك.
قوله " ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ " فهذه الآية تبين أهل الفيء.
وقوله: "فلئن عشت"؛ يعني: إن حييتُ لأفتح بلاد الكفار وأكثر الفيء وأُوصل جميع المحتاجين حقوقَهم، حتى أعطي "الراعي وهو بسرو حمير" وهو اسم موضعٍ من بلاد اليمن.
"لم يعرق فيها جبينه"؛ أي: لم يصل إليه تعبٌ في تحصيلها، والضمير المؤنث يرجع إلى شيء مقدَّر، وهو أموال الفيء.
* * *
٣١٠٢ - عن مالِكِ بن أَوْسٍ، عن عمرَ قال: كانَ لرسُولِ الله ﷺ ثلاثُ صَفايا: بنو النَّضيرِ وخَيْبَرُ وفَدَكُ، فأمَّا بنو النَّضيرِ فكانتْ حُبْسًا لنوائِبهِ، وأمَّا فدَكُ فكانتْ حُبسًا لأبناءِ السَّبيلِ، وأمَّا خيبرُ فجَزَّأَها رسُولُ الله ﷺ ثلاثةَ أجزاءٍ: جُزءَيْنِ بينَ المُسلِمِينَ، وجُزءًا نَفَقَةً لأهلِهِ، فما فَضَلَ عنْ نفقةِ أهلِهِ جعلَهُ بينَ فُقراءِ المُهاجِرينَ.
قوله: "ثلاث صفايا"، (الصفايا): جمع صفية، وهي ما يصطفيه الإمام؛ أي: يختاره لنفسه من بين الغنيمة؛ كان لرسول الله ﷺ أن يختار من بين الغنيمة لنفسه ما شاء، فاصطفى لنفسه هذه المواضع الثلاثة، وحَفِظَها ليصرف عليها في حوائجه.
стр. 2062
"الحُبس" بضم الحاء؛ يعني: المحبوس والمحفوظ.
"لنوائبه"؛ أي لحوادثه؛ أي: للأضياف ولمَن يأتيه من الأطراف لرسالةٍ أو لحاجةٍ، وللسلاح والخيل في سبيل الله.
° ° °
стр. 2063
١٨ - كِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِ
стр. 2064
[١٨]
كِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِ
(كتاب الصيد والذبائح)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣١٠٣ - عن عَدِيِّ بن حاتِمٍ ﵁ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "إذا أَرسلْتَ كلبَكَ المعلَّمَ فاذكُرِ اسمَ الله تعالى، فإنْ أَمْسكَ عليكَ فأدْرَكْتَهُ حيًّا فاذبَحْهُ، وإنْ أدْركْتَهُ قد قَتَلَه ولم يأْكُلْ منهُ فكُلْهُ، وإنْ كان أكلَ فلا تأكلْ فإنَّما أَمْسكَ على نفسِه، وإنْ وَجَدْتَ مع كَلْبكَ كلبًا غيرَهُ وقد قَتلَ فلا تأكلْ فإنَّكَ لا تدري أَيُّهُما قَتَلَهُ، وإذا رمَيْتَ بسهمِكَ فاذْكُر اسمَ الله، فإنْ غابَ عنك يومًا فلمْ تَجِدْ فيه إلاّ أثرَ سهمِكَ فكُلْ إنْ شئتَ، وإنْ وجدْتَهُ غريقًا في الماءِ فلا تأكُلْ".
قوله: "فاذكر اسم الله"؛ يعني: فقل: بسم الله عند إرسالك الكلب إلى الصيد، فإنه سنةٌ، "فإن أمسك عليك"؛ يعني: فإذا أمسك الكلب "فأدركته حيًا فاذبحه"؛ يعني: فإن وصلت إلى الصيد الذي أخذه كلبك فإن كان الصيد حيًا لزم ذبحُه، وإن لم تذبحه حتى مات فهو حرام، "وإن أدركته قد قتل"؛ يعني: إن أدركت الصيد وقد قتله الكلب قبل وصولك إليه، فإن لم يأكل منه الكلب فذاك الحَلب معلَّمٌ وذلك الصيد حلال، وإن أكل منه الكلب فلم يكن ذلك الكلب معلمًا، فهو حرام.
стр. 2065
لتحليل الصيد المأخوذ بالكلب شرطان:
أحدهما: أن يكون الكلب معلَّمًا.
والثاني: أن يرسله مَن تحلُّ ذبيحتُه.
فإن لم يكن الكلب معلَّمًا، أو كان معلَّمًا ولكن أخذ الصيد لا بإرسالِ أحدٍ، أو كان بإرسالِ أحدٍ ولكن كان ذلك الأحد ممن لم تحلَّ ذبيحته، فذلك الصيد حرام، ومَن حل ذبيحته هو المسلم واليهود والنصارى.
واعلم أن التسمية عند الرمي إلى الصيد وإرسالِ الكلب، وعند ذبح شاة أو غيرها، سنةٌ، فإنْ تَرَكَ التسمية عامدًا أو ناسيًا فلا بأس عند الشافعي ومالك وأحمد، وهو حرام عند أبي ثور وداود سواءٌ ترك التسمية عامدًا أو ناسيًا.
وقال أبو حنيفة: إن تركها عامدًا لم يحل، وإن تركها ناسيًا حل.
وأما كونُ الكلب معلَّمًا فهو شرطٌ عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، فإن أكل الصيدَ فهو حرام عندهم، وقال مالك: لا بأس به.
وللتعليم ثلاث شرائط: أن يذهب إلى الصيد إذا أرسله مالكُه، وأن لا يأكل إذا أخذ، وأن يرجع إذا دعاه مرسله، وفي هذا خلافٌ فإن الكلب إذا رأى الصيد قلما يرجع.
قوله: "فإنما أمسك على نفسه"؛ يعني: أمسك الكلبُ الصيد لنفسه لا لك، "وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره"؛ يعني: إذا وجدت صيدًا أخذه كلبك وكلبُ غيرك، فإن كان كلب غيرك لم يرسله أحد بل أتى الصيد بنفسه، أو أرسله مَنْ لم تحلَّ ذبيحته، فذلك الصيد حرام، وإن شككت أن هذا الصيد أخذه كلبك منفردًا أو مع كلبٍ آخر لم يرسله أحد، أو أرسله مَن لم تحلَّ ذبيحته، فهو حرام للشك.
стр. 2066
قوله: "فلم تر فيه إلا أثر سهمك" شرطُ هذا أن يعلم يقينًا أن سهمه أصاب الصيد، ثم غاب عنه ووجده بعد يوم أو يومين ولم يكن غريقًا في الماء ولا ساقطًا من علو، ولا أثر عليه من حجر أو سهم آخر، فإذا كان كذلك حلَّ أكلُه، فأما إذا لم يعلم يقينًا أن سهمه أصابه، أو علم إصابة سهمه ولكن وجده غريقًا في ماء، أو ساقطًا من علو، أو وجد عليه أثر حجر أو سهم آخر، فلم يحل أكله.
* * *
٣١٠٣/ م - ورُوِيَ عن عَدِيٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّا نُرْسلُ الكِلابَ المُعَلَّمةَ، قال: "كُلْ ما أَمْسكْنَ عليكَ"، قلتُ: وإنْ قَتَلْن؟ قال: "وإن قَتَلْنَ"، قلتُ: إنا نَرْمي بالمِعْراضِ، قال: "كُلْ ما خَزَقَ، وما أصابَ بِعَرْضهِ فقتلَ فإنَّه وَقيذٌ فلا تأْكُلْ".
قوله: "بالمعراض"، (المعراض): سهمٌ نصلُه عريض.
و"خزق": بالزاي المعجمة؛ أي: شقَّ وجرح الصيد.
"وما أصاب بعرضه"؛ يعني: إن لم يُصِبِ الصيدَ نصلُ سهمه بل وسطه "فإنه وقيذ"، و (الوقيذ): الموقوذ، وهو المقتول بضرب الخشب، وهو حرام.
* * *
٣١٠٤ - عن أبي ثَعْلَبةَ الخُشَنيِّ: أنَّه قال: قلتُ: يا نبيَّ الله! إنَّا بأرضِ قَوْمٍ منْ أهلِ الكتابِ أفنَأْكُلُ في آنِيَتِهم؟ وبأرضِ صيدٍ أَصِيدُ بقَوْسي وبكلبي الذي ليسَ بِمُعلَّمٍ، وبكلبي المُعلَّم، فما يَصْلحُ لي؟ قال: "أمَّا ما ذكَرْتَ منْ آنية أهلِ الكتابِ، فإنْ وَجَدْتُم غيرَها فلا تأْكُلُوا فيها، فإنْ لم تَجِدوا فاغْسِلُوها وكُلُوا فيها، وما صِدْتَ بقَوْسِكَ فذَكرْتَ اسمَ الله فكُلْ، وما صِدْتَ بكلْبكَ
стр. 2067
المُعَلَّمِ فذكرتَ اسمَ الله فكُلْ، وما صِدْتَ بكلبكَ غيرَ مُعَلَّمٍ فأَدْرَكْتَ ذَكاتَه فَكُلْ".
قوله: "فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها": هذا على طريق الاستحباب؛ لأن طعامهم حلال بنص القرآن، فإذا كان طعامهم حلالًا فكيف تكون آنيتهم نجسةً؟!
"وما صدت بكلبك غير معلَّمٍ فأدركت ذكاته فكُلْ"، (الذكاة): الذبح؛ يعني: فإن أدركته حيًا وذبحته حَلَّ، وإن أدركته ميتًا لم يحلَّ؛ لأن الكلب غير معلَّمٍ.
* * *
٣١٠٥ - وقال: "إذا رَمَيْتَ بسَهْمِكَ فغابَ عنكَ فأَدْركْتَهُ فكُلْ ما لم يُنْتِنْ".
٣١٠٦ - عن أبي ثَعْلَبةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ في الذي يُدْرِكُ صَيدَهُ بعدَ ثلاثٍ: "فكُلْهُ ما لم يُنْتِنْ".
قوله: "إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكُلْ ما لم يُنْتِنْ"؛ يعني: إذا جرحت الصيد فغاب عنك، ثم أدركته ميتًا ولم تر فيه غير سهمك كما ذكر فهو حلال.
وقوله: "ما لم ينتن" هذا على طريق الاستحباب؛ لأن صيرورة اللحم منتنًا لا تحرِّمُه، وقد روي أن رسول الله ﷺ أكل إهالةً سَنِخةً؛ أي: وَدَكًا متغير الريح وهو المنتن، فلو كان اللحم المنتن حرامًا لكان الودك المنتن أيضًا حرامًا، ولو كان حرامًا لم يأكله النبي ﷺ .
* * *
стр. 2068
٣١٠٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالوا: يا رسولَ الله! إنَّ ها هنا أقوامًا حَديثٌ عهدُهم بشِرْكٍ، يأْتُوننا بلُحْمانٍ لا ندري يذكرونَ اسمَ الله عليها أَمْ لا؟ قال: "اذْكُروا أنتُم اسمَ الله وكُلُوا".
قولها: "إن هنا أقوامًا حديثٌ عهدُهم بشركٍ يأتوننا بلُحْمانٍ لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا (١) ".
* * *
٣١٠٨ - وسُئِلَ عليٌّ ﵁: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ الله ﷺ بشئٍ؟ فقال: ما خصَّنا بشيءٍ لم يَعُمَّ بهِ الناسَ إلَّا ما في قِرابِ سيَفْي هذا، فأخرجَ صحيفةً فيها: لعنَ الله مَنْ ذَبَحَ لغيرِ الله، ولعنَ الله مَنْ سَرَقَ مَنارَ الأرضِ - ويُرْوى: مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرضِ - ولعنَ الله مَنْ لعنَ والدَيْهِ، ولعنَ الله مَنْ آوَى مُحْدِثًا.
قوله: "أخصكم رسول الله ﷺ بشيء فقال: ما خصنا بشيء لم يعم به الناس".
قوله: "القراب": الغمد.
"من ذبح لغير الله"؛ يعني: مَن ذبح بغير (٢) اسم الله، كقول الكفار عند الذبح: باسم الصنم.
"ومن سرق منار الأرض"، (مَنَار الأرض): العلامة التي يمشي الناس بها على الأرض وهي الطريق؛ يعني: لعن مَن غصب الطريق وجعله في ملكه؛ يعني: مَن أبطل طريق الناس.
стр. 2069
"من آوى محدثًا"؛ أي: من ترك مبتدعًا في بيته أو بلده وأعانه.
* * *
٣١٠٩ - عن رافعِ بن خَدِيجٍ ﵁ أنّه قال: قلتُ: يا رسُولَ الله! إنَّا لاقُو العَدُوِّ غدًا وليْسَتْ معَنا مُدًى، أفنذبحُ بالقَصَبِ؟ قال: "ما أَنهَرَ الدمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلْ، ليسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأُحَدِّثُكُ عنه: أمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظُّفُرُ فمُدَى الحُبْشِ". وأصَبنا نَهْبَ إبلٍ وغنَمٍ فندَّ منها بعيرٌ فرماهُ رجلٌ بسَهْمٍ فحبَسَهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لهذِهِ الإِبلِ أوابدَ كأوابدِ الوَحْشِ، فإذا غَلَبَكُمْ منها شيءٌ فافعلُوا بهِ هكذا".
قوله: "لاقو العدو غدًا وليست معنا مدى"، (المُدى): جمع مدية، وهي السكين.
"أنهر"؛ أي: أَجْرَى؛ يعني: كلُّ شيء له حدٌّ يجوز الذبح به إذا أُمِرَّ على حلق الذبيح، فلو ضرب به ولم يمر لم يجز، ولا يحلُّ الذبح بالظفر والعظم سواءٌ كان العظم والظفر منفصلين عن الحيوان أو متصلين به، وسواءٌ كانا من مأكولٍ أو غيرِ مأكولٍ عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان العظم والظفر منفصلين عن الحيوان حل الذبح بهما.
وقال مالك: حل الذبح بالعظم إذا قطع بإمراره.
وقال بعض أصحاب الشافعي: حل الذبح بعظمِ مأكولِ اللحم.
قوله: "أما السن فعظم"؛ يعني: السن عظمٌ ولا يجوز الذبح بالعظم.
"وأما الظفر فمُدَى الحبش"؛ يعني: لا يجوز الذبح بالظفر؛ لأن أهل الحبشة يذبحون بالظفر وهم كفار، ولا يجوز موافقة الكفار.
стр. 2070
"نهب إبل وغنم"؛ يعني: أكرنا على قوم من الكفار فوجدنا إبلًا وغنمًا، "فند"؛ أي: فر.
"الأوابد": جمع آبدة، وهي التي تفر وتنفر؛ يعني: إذا صار إبلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ وحشيًا، وفرَّ ولم تقدروا على أخذه، جاز رميه وقتلُه بالسهم كالصيد.
* * *
٣١١٠ - عن كعبِ بن مالكٍ ﵁: أنَّه كانتْ لهُ غنمٌ ترعَى بسَلْع فأبصرَتْ جاريةٌ لنا بشاةٍ مِنْ غَنمِنا مَوْتًا، فكسَرتْ حَجَرًا فَذَبَحتْها بهِ، فسألَ النبيَّ ﷺ فأمرَهُ بأكْلِها.
قوله: "بسَلْعٍ" بسكون اللام: وهو اسم جبل بالمدينة.
قوله: "موتًا"؛ أي: رأت أثر الموت في شاةٍ "فكسرت حجرًا" محدَّدًا كسكين "فذبحتها به" فأمره النبي بأكلها.
* * *
٣١١١ - عن شدَّادِ بن أوْسٍ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَانَ على كلِّ شيءٍ, فإذا قتلتُمْ فأحْسِنوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أحدُكُمْ شفرتَهُ ولْيُرِحْ ذبيحَتَه".
قوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، (على) بمعنى (في)؛ يعني: كتب الله عليكم أن تحسنوا في كل شيء: في ذبح الحيوان، وفي قتل إنسان إذا وجب قتله بالقصاص، وفي غيرهما.
"القتلة" بكسر القاف: حالة القتل وكيفيتُه؛ يعني: لا تعذِّبوا خلقَ الله، بل حدِّدوا الشفرة - وهي السكين - ليسهل الذبح.
* * *