Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
٣٢١٢ - وقال النبيُّ ﷺ : "الكَمْأَةُ منَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للعَيْن".
وفي روايةٍ: "مِنَ المَنِّ الذي أنزلَ الله تعالى على موسى ﵇".
قوله: "الكمأة من المن"، (الكمأة): شيء أبيض مثل شحم يَنْبُت من الأرض، يقال بلسان بعض الناس: شحم الأرض، ويقول لها بعض أهل فارس بلسانه: أكل.
وقالوا: معنى قوله ﷺ : "الكمأة من المن"؛ أي: الكمأة نعمةٌ أنبتها من الأرض للناس بلا تعب الناس، فهي كالمَنِّ الذي أنزله الله علي بني إسرائيل من غير تعب.
قوله: "وماؤها شفاء للعين"، قيل: يُخلط ماؤها بشيء من أدوية كحل العين ثم يجعل في العين فيحصل به الشفاء، وقيل: بل يجعل ماؤها مُفْردًا في العين.
قال أبو هريرة ﵁: أخذت ثلاثة أكماء أو خمسة أو سبعة فعصرْتُهنَّ فجعلتُ ماءهن في قارُورة كحَّلْتُ به جاريةً فبَرَأت.
وما قاله أبو هريرة أصحُّ؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "وماؤها شفاء العين"، ولم يذكر أنه يُخلط بشيء.
روى هذا الحديثَ سعيد بن زيد.
* * *
٣٢١٤ - عن جابرٍ ﵁ قال: كُنَّا معَ رسولِ الله ﷺ بمَرِّ الظَّهْرانِ نَجْني الكَباثَ، فقال ﷺ : "عليكُمْ بالأسودِ منهُ فإنَّهُ أطيبُ". فقيلَ: أكنتَ ترعَى الغنمَ؟ فقال: "نعمْ، وهلْ مِنْ نبيٍّ إلَّا رَعاها".
стр. 2102
قوله: "بمَرِّ الظَّهْران": هو اسم موضع قريب من المدينة.
"الكَبَاث": ثمر شجر الأراك.
"عليكم بالأسود"؛ أي: اقصدوا جَنْيَ ما كان أسود من الكَبَاث.
"فإنه أطيب"؛ أي: أكثر لذة.
"أكنت ترعى الغنم"؛ يعني: تعرف أطيبَ الكَبَاثِ من غير أطيبه من رعي الغنم - لأنه يكثر تردده تحت الأشجار -، فهل رعيتَ الغنم حتى تعرِفَ الأطيب من الكباث؟ قال: "نعم، وهل من نبيٍّ إلا رعاها"؛ أي: رَعَى الغنمَ، والعلة في رعي الغنم ليظهرَ صبرُهم وحِلْمهم وشفقتهم على الدواب حتى إذا أُوحي إليهم تكون أنفسُهم معتادةً مذلَّلة فيسهل عليهم الصبرُ في تربية الأمة مع اختلاف طباعهم، وسوء أدبهم، وقلَّة عقولهم.
* * *
٣٢١٥ - عن أنسٍ ﵁ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ مُقْعِيًا يأكُلُ تَمرًا.
وفي روايةٍ: يأكُلُ منهُ أكلًا ذَريعًا.
قوله: "مُقْعِيًا"، هذا اسم فاعل من (الإقعاء) وهو: أن يجلس على وَرِكَيه وينصِبَ ركبتيه وتكون تحت قدمِه على الأرض.
قوله: "أكلًا ذريعًا"؛ أي: سريعًا.
* * *
٣٢١٦ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يَقْرُنَ الرَّجلُ بينَ التَّمرتَيْنِ حتَّى يستأْذِنَ أصحابَهُ.
стр. 2103
قوله: "أن يَقْرِنَ بين التمرتين". قال الخطابي: إنما لا يجوز أن يأكل الرجل تمرتين بدفعة بغير إذن أصحابه إذا كان زمانَ قَحْطٍ، أو كان الطعامُ قليلًا والآكلون كثيرًا، فأما إذا كان الطعامُ كثيرًا بحيث يشبَعُ منه جميعُ الآكلين لم يكن بأس بأن أخذ أحدهم تمرتين في دفعة واحدة، أو يجعل لقمته كبيرة، هذا إذا أضافهم أحدٌ، فإن كانوا قد خَلَطوا طعامَهم هل يجوز أم لا؟
قال الأئمة: جاز أن يَخْلِط جماعةٌ طعامَهم ويأكلوا معًا، وحينئذ لا يقصد الرجل منهم أن يجعل لقمتَه أكبر من لقمة صاحبه، فإن اتفق أكلُ أحدِهم أكثرَ بلا قصدٍ جازَ.
* * *
٣٢١٨ - وقال: "يا عائشةُ! بيتٌ لا تمرَ فيهِ جِياعٌ أهلُهُ"، قالها مرَّتينِ أو ثلاثًا.
قوله: "بيت لا تمر فيه جياع أهله"، (الجياع): جمع جائع، هذا الحديث يدل على أن كل بيت لا تمر فيه يجوع أهلُه، وإن كان فيه الخبز وغيره من الأطعمة، وليس الأمرُ كذلك، بل مرادُ النبيِّ ﷺ من هذا الحديث أهلَ المدينة، ومَنْ كانت عادتُهم أن يكون التمرُ قوتَهم وليس لهم الخبز، أو يكون لهم الخبز ولكن اعتادوا أن لا يشبعوا بالخبز دون التمر، ويحتمل أن يريد ﷺ تعظيم شأن التمر كيلا يحتقرَ الناسُ التمرَ الذي هو نعمةٌ من نِعَمِ الله.
* * *
٣٢١٩ - وقال: "من تصبَّحَ بسبعِ تَمَراتٍ عَجْوَةً لمْ يضُرَّهُ في ذلكَ اليومِ سُمٌّ ولا سِحْرٌ".
стр. 2104
قوله: "من تَصَبَّح بسبع تَمَرات عجوةً لم يضرَّه ذلك اليوم سُمٌّ ولا سحر".
(تصبَّح)؛ أى: أكل في وقت الصباح قبل أن يطْعَمَ شيئًا آخر.
(العجوة): نوع من التمر، يحتمل أن يكون في ذلك النوعِ من التمر خاصيةٌ بدفع السمِّ والسحر، ويحتمل أن يكون رسولُ الله ﷺ قد دعا لذلك النوع من التمر بالبركة بأن يكون فيه الشفاء من الدَّاء.
روى هذا الحديثَ سعد بن أبي وقَّاص.
* * *
٣٢٢٠ - وقال: "إنَّ في عَجْوَةِ العالِيَةِ شِفاءً، أو إنَّها تِرْيَاقٌ أوَّلَ البُكْرَةِ".
قوله: "إن في عَجْوة العالية شفاءً"، (العالية): اسم موضعٍ قريبٍ من المدينة.
"وإنها تِرْياق أولَ البُكْرة"؛ يعني: أكلها في وقت الصباح يفيد كما يفيد التِّرْياق.
روى هذا الحديثَ عائشة.
* * *
٣٢٢١ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ يأتي علينا الشَّهرُ ما نُوقِدُ فيهِ نارًا، إنَّما هو التَّمرُ والماءُ، إلا أنْ نُؤتَى باللُّحَيْمِ.
قولها: "ما نُوقد فيه نارًا"؛ يعني: لا نطبخ شيئًا إلا أن يُؤتى باللحم؛ يعني: إلا أن يحصُل لنا لحم، فحينئذ نوقد النار ونطبخه، وباقي الشهر نأكلُ التمر بدل الخبز.
* * *
стр. 2105
٣٢٢٢ - وقالت: ما شَبعَ آلُ محمَّدٍ يَومَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إلا وأحدُهُما تَمرٌ.
قولها: "إلا وأحدهما تمر"؛ يعني: كنا نأكل يومًا خبزًا ويومًا تمرًا، ولا نأكل يومين متتابعين خبز بُرٍّ.
* * *
٣٢٢٤ - وقالت: تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ وما شَبعْنا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ.
قوله: "وما شبعْنا من الأسودين"، (الأسودان): التمر والماء؛ يعني: ما شبعنا من التمر والماء؛ من التورُّع والتقوى.
* * *
٣٢٢٥ - وقالَ أبو هريرةَ ﵁: خرجَ رسولُ الله ﷺ مِنَ الدُّنيا ولم يَشْبَعْ من خُبْزِ الشَّعيرِ.
قوله: "ولم يشبع من خبز الشعير"، معنى هذا: أن النبيَّ ﷺ ترك الدنيا ولذتَها وقَنَعَ بأدنى قوتٍ ولباسٍ مختصَر من غاية التضرُّع والتنزُّه عن الدنيا الدنيَّة.
* * *
٣٢٢٦ - وقال النُّعمانُ بن بشيرٍ: ألَسْتُمْ في طعامٍ وشرابٍ ما شِئتم؟ لقد رأيتُ نبيَّكُمْ رسول الله ﷺ وما يَجدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يملأَ بطنَهُ.
قوله: "من الدَّقَل"، (الدقل): تمر رديء.
* * *
٣٢٢٨ - وعن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أكلَ ثُومًا أو بَصَلًا فلْيَعْتزِلْنا"
стр. 2106
- أو قال: "فلْيعتزِلْ مسجِدَنا"، أوَ "ليقعُدْ في بيتِه" - وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بقِدْرٍ فيها خَضراتٌ منْ بُقولٍ، فوجدَ لها ريحًا فقال: قرِّبوها - إلى بعضِ أصحابه، قال: "كُلْ فإنِّي أُناجِي مَنْ لا تُناجي".
قوله: "فليعتزلنا"؛ أي: فليبعُدْ عنَّا.
"بقدر"؛ أي: بطبق.
"فإني أناجي من لا تناجي"؛ يعني: فإني أكلِّم جبريل ﵇ وأنت لا تكلِّمه.
* * *
٣٢٢٩ - عن المِقدامِ بن مَعْد يَكرِبَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "كِيلُوا طَعامَكم يُبارَكْ لكُمْ فيهِ".
قوله: "كيلوا طعامَكم يبارَكْ لكم فيه"، والغرض من كيل الطعام: معرفة مقدار ما يصرِفُه الرجلُ على عياله وما يستقرِض وما يبيع ويشتريه، فإنه لو لم يَكِلِ الطعامَ لكان ما يبيعه ويشتريه ويُقْرِضه ويَستقرضه مجهولًا، ولا يجوز شيء من هذه الأشياء على الجهالة، وكذلك لو لم يكل ما ينفق على العيال ربما يكون ناقصًا عن قدر كِفايتهم فيكون النقصان ضررًا عليهم، وربما يكون زائدًا على كفايتهم فيكون إسرافًا، ويَفْنى ما ادَّخر لهم عن قريب، ولو لم يَكِلْ لم يعرف قدرَ كِفايتهم، ولم يعرف ما يدَّخر لتَمام السنة، فهذا كلُّه أغراض مَرْضيَّة، فأمر رسولُ الله ﷺ أمته بكيل الطعام ليكونوا على علم ويقين فيما يعملون، فَمَنْ راعى سنةَ رسولِ الله ﷺ يجدْ بركةً عظيمة في الدنيا، وأجرًا عظيمًا في الآخرة.
* * *
٣٢٣٠ - عن أبي أُمامة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رَفَعَ مائِدَتَه قال:
стр. 2107
"الحمدُ للَّه كثيرًا طَيبًا مُباركًا فيه، غيرَ مَكْفيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولا مُسْتَغْنًى عنهُ ربنا".
قوله: "حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غيرَ مَكْفي ولا مُوَدَّعٍ ولا مُسْتغنًى عنه ربنا". يحتمل إعراب (غير مكفي) وما بعده وجوهًا:
الأول: أن يكون (غيرَ مكفي) منصوبًا صفة (حمدًا)، وما بعده معطوف عليه؛ أي: حمدًا غيرَ مكفي.
(المكفي): مفعول مِنْ: كفى يكفي: إذا دفع شيئًا؛ أي: حمدًا غير مدفوع عنا؛ أي: لا نتركه بل نُلازِمه.
(ولا مُودَّع) - بفتح الدال -؛ أي: لا نودعه؛ يعني: لا نتركه ولا نُعْرِض عنه ولا نستغني عنه؛ أي: ليس ذلك الحمد شيئًا مفزوعًا عنه، ولسنا نستغني عنه بل نحتاج إليه. (ربنا) - بفتح الباء -؛ يعني: يا ربنا.
الوجه الثاني: أن يكون (ربنا) مرفوعًا على الابتداء، و (غير مكفي) خبره، (ولا مودع) (ولا مستغنى عنه) معطوفان على (مكفي).
الوجه الثالث: أن يكون (غير مكفي) صفة (حمدًا) كما ذكرنا، (ولا مودع) معطوف على (مكفي)، (ولا مستغنى) اسم مفعول، و (ربنا) مفعول أُقيم مقام الفاعل، و (عنه) مفعول ثانٍ؛ أي: ولا نَسْتغني ربنا عنه؛ يعني: لا يستغني شيءٌ من المخلوقات عن الرب.
* * *
٣٢٣٣ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أكلَ أحدُكُم فنَسيَ أنْ يذكرَ اسمَ الله عَلَى طعامِهِ فليَقُلْ: بسمِ الله أوّلَهُ وآخرَهُ".
قوله: "فليقل بسم الله أوله وآخره"؛ يعني: إذا تذكَّر فليقلْ: (بسم الله أولَه وآخرَه) بنصب اللام والراء، وهما منصوبان على الظرف؛ أي: في أوله
стр. 2108
وآخره؛ يعني: فإذا قال ذلك فقد تدارك ما مضى عليه من التقصير بترك ذكرِ الله تعالى.
* * *
٣٢٣٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كالصَّائِمِ الصَّابرِ".
قوله: "الطَّاعم الشاكر كالصائم الصَّابر"، هذا تشبيه في أصل استحقاق كلِّ واحد منهما الأجرَ لا في القَدْر، وهذا كما يقال: زيد كعَمرو، ومعناه: زيد يشبه عمروًا في بعض الخصال، ومعلوم أنهما ليسا مُماثِلين في جميع الخصال، فلذلك لا يلزم أن يكون أجرُ الصائم مثلَ أجرِ الطاعم الشاكر، بل أجرُ الصائمِ أكثرُ.
* * *
٣٢٣٧ - عن أبي أيُّوبَ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أكلَ وشربَ قال: "الحمدُ للَّه الذي أطعمَ وسقَى وسوَّغَهُ وجعلَ لهُ مَخْرجًا".
قوله: "الحمد لله الذي أَطْعم، وسَقَى، وسَوَّغه، وجعل له مَخْرجًا"، ذكر هنا أربعَ نِعَم؛ إحداها: قوله: (أطعم)؛ أي: رزق، والثانية: (سقى)، والثالثة: (سوغه)؛ أي: سهَّل دخولَ اللقمة والشَّرْبة في الحلق، فإنه خلق في الفم الأسنانَ ليَمْضَغ بها الطعام، وخلق ماء الفم ليلين به اللقمة، وخلق فيه اللسان ليدور فوق الطعام ليسهل مضغه، وجعل في الفم الذَّوق لتكمل النعم، ووسَّع الحلق بحيث يسهل فيه دخول الطعام والشراب.
النعمة الرابعة: قوله "وجعل له مخرجًا"؛ يعني: جعل الطعام - بالحكمة - في المعدة زمانًا لتنقسم منافعُه ومضارُّه فيبقى في الجسد ما يتعلق باللحم والقوة
стр. 2109
والدَّم، ويخرج ما هو المائية منه إلى المثانة، ثم يخرج من المثانة إلى رأس الذَّكَر في وقت الحاجة وهو البول، وجعله منقادًا للشخص بحيث إذا أراد إراقتَه يسهُل له، وإذا أراد إمساكه من وقت إلى وقت آخر يسهل له، ويخرج ما هو الثقل من الطعام إلى البطن، ثم يخرج من المَقْعد في وقت الحاجة، ويسهل له إمساكه من وقت إلى وقتٍ آخر، كلُّ ذلك فضلٌ من الله الكريم، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
* * *
٣٢٣٨ - عن سلمانَ قال: قرأتُ في التَّوراةِ أنَّ بَركةَ الطعامِ الوُضوءُ بعدَهُ، فذكرتُ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "بَركةُ الطَّعامِ الوُضوءُ قبلَهُ والوُضوءُ بعدَهُ".
قوله: "الوضوءُ قبلَه والوضوءُ بعدَه"؛ أراد بالوضوء: غَسل الكفين.
* * *
٣٢٣٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ مِنَ الخَلاءِ فقُدَّمَ إليهِ طعامٌ فقالوا: ألا نأتِيكَ بوَضُوءٍ؟ قال: "إنَّما أُمِرْتُ بالوُضوءِ إذا قُمتُ إلى الصَّلاةِ".
قوله: "إنما أُمرت بالوضوء"، أراد بالوضوء: الذي يُتوضَّأ للصلاة.
* * *
٣٢٤٠ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيَّ ﷺ : أنَّه أُتيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثريدٍ فقال: "كُلوا من جَوانِبها، ولا تأْكُلوا مِنْ وسطِها، فإنّ البَركةَ تنزِلُ في وسَطِها".
وفي روايةٍ: "إذا أكلَ أحدُكُمْ طعامًا فلا يأْكُلْ منْ أعلَى، ولكنْ يأكُلُ مِنْ
стр. 2110
أسفَلِها، فإن البَركةَ تنزِلُ مِنْ أعلاها".
قوله: "فلا يأكل من أعلى الصَّحفة"؛ أي: من وسط القَصْعة.
"ولكن يأكل من أسفلها"؛ أي: من جانبها.
* * *
٣٢٤١ - عن عبدِ الله بن عمرٍو ﵄: أنَّه قال: ما رُئي رسولُ الله ﷺ يأكلُ متَّكِئًا قطُّ، ولا يطأُ عَقِبَهُ رجُلان.
قوله: "لا يطأ عَقِبَه رجلان"؛ أي: ولا يمشي خلفه رجلان؛ يعني: من غاية التواضع يمشي في وسط الجمع أو في آخرهم ولا يمشي قدَّامهم.
* * *
٣٢٤٢ - عن عبدِ الله بن الحارثِ بن جَزْءٍ ﵁: أنَّه قال: أُتيَ رسولُ الله ﷺ بخُبْزٍ ولَحْمٍ وهو في المسجِدِ، فأكلَ وأكلنا مَعَهَ، ثمّ قام فصلَّى وصلَّيْنا معهُ، ولم نَزِدْ على أنْ مَسَحْنا أيْدِيَنا بالحَصْباءِ.
قوله: "ولم نَزِدْ على أن مسحنا أيدينا بالحَصْباء"، (الحصا): الحجارة الصغار؛ يعني: لم نتوضأ ولم نغسل أيدينا.
* * *
٣٢٤٣ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بلَحْمٍ فَرُفِعَ إليهِ الذِّراعُ، وكانتْ تُعجِبُهُ فنَهَسَ منها.
قوله: "فرفع إليه الذراع": ليأكل منها.
"وكانت تعجبه"؛ أي: وكانت الذراعُ تعجبُ رسولَ الله ﷺ ؛ أي: تطيب
стр. 2111
وتحسن في نظره، ومعناه: أنه ﷺ يحبُّ الذراعَ من الشاة المشوية.
"فنهس"، (النَّهس): اللَّدغ، هذا هو اللغة، ومعناه: أنه ﷺ أكل منها بأسنانه.
* * *
٣٢٤٤ - ورُوِيَ عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بالسِّكِّينِ فإنَّهُ منْ صُنْعِ الأعاجِمِ، وانهَشُوهُ فإنَّهُ أهنأُ وأمرأُ"، غريب.
قوله: "لا تقطعوا اللحم بالسكين"؛ يعني: لا تقطعوه بالسكين عند الأكل.
"فإنه من صنع الأعاجم"؛ أي: فعلِ أهلِ فارس؛ لأن فيه تكبرًا.
"وانهشوه"؛ أي: كُلُوه بالأسنان.
* * *
٣٢٤٥ - عن أمِّ المُنْذِرِ قالت: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ ومعهُ عليٌّ ولنا دوالٍ مُعلَّقةٌ، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يأكُلُ وعليٌّ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ لعليٍّ: "مَهْ يا عليُّ! فإنَّكَ ناقِهٌ". قالت: فجعلتُ لهمْ سِلْقًا وشَعيرًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "يا عليُّ منْ هذا فأصِبْ فإنَّهُ أَوْفَقُ لكَ".
قوله: "ولنا دوالي"، (الدوالي): جمع دالية، وهي العنقود من الثمر.
قوله: "مه"؛ أي: اكفف؛ يعني: لا تأكل. قد نهى في هذا الحديث عن قطع اللحم بالسكين، وقد ذكر قبلَ هذا: أنه كان يقطع اللحم بالسكين ويأكله، وإنما قطع اللحم بالسكين ليعلِّم أمته أن نهيَه عن قطع اللحم بالسكين
стр. 2112
نهيَ تنزيه، لا نهيَ تحريم، فإنه لو نهى عن شيء ولم يفعل ولم يأمر بخلافه لا يدرى أنه نهي تنزيه، بل يحتمل على أنه نهي تحريم.
"ناقِهٌ" هو اسم فاعل من (نقه) - بفتح القاف وكسرها -: إذا برئ من المرض؛ يعني: يضرك أكل البُسر والثمر، فإنك قريب برء من المرض.
(السلق): بَقْلٌ يقال له بالفارسي: جفندر.
"أوفق"؛ أي: يكون أحسن وأنفع لك من البُسر.
* * *
٣٢٤٦ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعجبُهُ الثُّفْلُ.
قوله: "يعجبه الثفل"؛ أي: يحب الثفل، قيل: (الثفل) - بضم الثاء وكسرها، والضم أفصح - وهو: ما يَلْصُقْ من المطبوخ بأسفل القدر، يقال له القدرة، وسئل الحارث من الثُّفل قال: هو الثَّريد.
* * *
٣٢٤٧ - عن نُبَيْشَةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَنْ أكلَ في قَصْعَةٍ فلَحَسَها استغفرَتْ لهُ القَصْعَةُ"، غريب.
قوله: "فلحسها"؛ أي: فَلَعَقَها.
* * *
٣٢٤٨ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ باتَ وفي يدِهِ غَمَرٌ لمْ يَغْسِلْهُ فأصابَهُ شيءٌ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نفسَه".
قوله: "في يده غَمَر"؛ أي: وسَخٌ ودسم وزُهومة.
* * *
стр. 2113
٣٢٤٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانَ أحبَّ الطَّعامِ إلى رسُولِ الله ﷺ الثَّريدُ مِنَ الخُبزِ، والثَّريدُ مِنَ الحَيْسِ.
قوله: "والثريد من الحيس"، (الحيس)، قال في "الغيث": أصل الحيس: الخَلْط، وهو في الحديث الأَقِط والتمر يُخْلَطان بالسمن.
* * *
٣٢٥١ - عن أُمِّ هانئٍ قالت: دخلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ فقال: "أعِندَكِ شيءٌ؟ "، قلتُ: لا، إلا خُبْزٌ يابسٌ وخَلٌّ، فقال: "هاتي، ما أفْقَرَ بيتٌ مِنْ أُدُمٍ فيهِ خَلٌّ"، غريب.
قوله: "ما أفَقرَ بيتٌ من أُدُم فيه خَل"، (أفقر) إذا خَلَا، (الأدم): جمع إدام، وهو بالفارسي بان خورش؛ يعني: لم يكن بيتٌ بلا إدام ما دام فيه الخَلٌّ.
* * *
٣٢٥٣ - عن سعدٍ قال: مرضْتُ مَرَضًا فأتاني النَّبيُّ ﷺ يعُودُني، فوضعَ يدَهُ بينَ ثَدْيَيَّ حتَّى وجَدْتُ بردَها على فُؤادي، وقال: "إنَّكَ رجلٌ مَفْؤودٌ، وائتِ الحارثَ بن كَلَدَةَ أخا ثَقِيفٍ فإنَّهُ رجلٌ يتطبَّبُ فلْيَأخُذْ سبعَ تَمَراتٍ مِنْ عَجْوةِ المدينةِ فلْيَجَأْهُنَّ بنواهُن ثمَّ ليَلُدَّكَ بهِنَّ".
قوله: "إنك رجل مفؤود"؛ أي: أصاب فؤادَك مرضٌ.
"يتطبب"؛ أي: يعلم الطب.
قوله: "فليجَأْهنَّ"؛ أي: فَلْيَدُقَّهنَّ.
"ثم ليلُدَّك"؛ أي: ليضعْ ذلك في فمك.
* * *
стр. 2114
٣٢٥٤ - وعن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيُّ ﷺ كانَ يأكُلُ البطِّيخَ بالرُّطَبِ، ويقولُ: "يُكسرُ حَرُّ هذا ببردِ هذا، وبردُ هذا بحرِّ هذا"، غريب.
قوله: "يأكل البطيخ بالرطب، ويقول: يُكسر حرُّ هذا ببرد هذا، وبردُ هذا بحرِّ هذا"، الطَّبيخ والبطِّيخ واحد، ولعله أراد بالطبيخ هنا: قبل أن ينضُج ويصير حُلْوًا فإنه قبل نضجه يكون باردًا، وأما بعد نُضْجه فهو حار.
* * *
٣٢٥٥ - عن أنسٍ ﵁ قال: أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بتمرٍ عتِيقٍ فجعلَ يُفتِّشُهُ ويُخرِجُ السُّوسَ منهُ.
قوله: "بتمر عتيق"؛ أي: بتمر قديم وقع فيه السُّوس من غاية قِدَمِه.
(والسُّوس): دودٌ يظهر في التمر وغيره.
"فجعل"؛ أي: فطَفِقَ.
"يُفَتِّشه"؛ أي: يشُقُّ التمر ويطلُب فيه السّوسَ ويطرحُ السوسَ ويأكلُ التمرَ، وهذا دليلٌ بأن الطعام لا ينجُس بدودٍ يقع فيه، ولا يحرُم الطعامُ مع تلك الدود.
* * *
٣٢٥٦ - عن ابن عمرَ ﵁ قال: أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بجُبنةٍ في تَبْوكَ فدعا بالسِّكِّينٍ فسمَّى وقطَعَ.
قوله: "بجُبنة" - بضم الجيم والباء وتشديد النون - وهي الجُبن.
هذا الحديث يدل على طهارة الأَنْفِحة؛ لأنها لو كانت نجسة لكان الجبن نَجِسًا؛ لأن الجبن لا يحصل إلا بالأنفحة.
стр. 2115
قوله: "فسمى"؛ أي: سمَّى الله وقَطَعَ الجُبن.
* * *
٣٢٥٧ - وعن سلمانَ قال: سُئِلَ رسُولُ الله ﷺ عن السَّمْنِ والجُبن والفِراءِ؟ فقال: "الحَلالُ ما أحلَّ الله في كتابهِ، والحَرامُ ما حرَّمَ الله في كتابهِ، وما سكتَ عنهُ فهوَ ممَّا عفا عنهُ"، غريب وموقوفٌ على الأصَحِّ.
قوله: "سئل رسولُ الله ﷺ عن السَّمْن والجُبن والفِراء فقال: الحلالُ ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّمَ الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ممَّا عفا عنه".
(الفراء) - بكسر الفاء والمد - جمع فَرى - بفتح الفاء وبالقصر - وهو الحمار الوحشي؛ يعني: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء هل هنَّ حلالان؟
فأجاب بأن الحلالَ ما أحلَّ الله في كتابه، والحرامَ ما حرَّمَ الله في كتابه؛ يعني: هذه الأشياء ليست مما حرَّم الله.
قوله: (الحلال ما أحل الله في كتابه)؛ يعني ما بيَّنَ الله تحليلَه فهو حلال، وما بيَّنَ تحريمَه فهو حرام، وهذا لا يدل على أن ما ليس في كتاب الله من الحَلالات والحَرَامات فليس بحلال ولا حرام؛ لأن تخصيصَ الشيء بالذِّكْر لا يدلُّ على نفي غيره، بل ما بيَّنَ رسولُ الله تحليلَه أو تحريمَه فهو مِثْلُ ما بيَّنَه الله، فالضَّابط فيه: أن ما بيَّن الله أو بيَّن رسولُه تحليلَه فهو حلال، أو تحريمَه فهو حرام، وما لم يبينه الله ولا رسولُه اختلَف العلماءُ؛ فقال بعضهم: هو حلال، وقال بعضهم: هو حرام.
* * *
стр. 2116
٣٢٥٨ - ورُوِيَ عن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "وَدِدتُ أنَّ عِندي خُبْزةً بيضاءَ مِنْ بُرَّةٍ سَمْراءَ مُلَبَّقَةً بِسمنٍ ولَبن". فقامَ رجلٌ منَ القومِ فاتَّخذَهُ فجاءَ بهِ، فقال: "في أيِّ شيءٍ كانَ هذا؟ " قال: في عُكَّةِ ضَبٍّ قال: "اِرفَعْهُ".
قوله: "من بُرَّةٍ سمراء"، (البرة): الحِنطة السمراء، حنطة في لونها سمرة، قيل: الخبزُ من هذه الحِنطة أطيبُ من خبزِ غيرِها من أنواع الحنطة.
قوله: "مُلَبَّقة"؛ أي: مُلَطَّخة.
"في أي شيء كان هذا"؛ أي: في أي ظَرف كان هذا السمن.
"في عُكَّة ضَبٍّ"؛ أي: في جلد ضب، (العكة): وعاءٌ صغير للسَّمن.
"ارفعه"؛ أي: ارفع هذا الخبزَ فإنِّي لا آكلُ الضبَّ ولا شيئًا يكون في جِلْده.
* * *
٣٢٦٠ - ورُوِيَ عن عائشةَ ﵂: أنَّها سُئِلتْ عَنِ البَصَلِ فقالت: إنَّ آخِرَ طَعامٍ أكلَهُ رسُولُ الله ﷺ طَعامٌ فيهِ بَصَلٌ.
قولها: "إنَّ آخرَ طعامٍ أكلَه رسولُ الله طعامٌ فيه بصل"، إنما أكل رسول الله ﷺ في آخر عمره طعامًا فيه بصل ليبينَ للناس أنه ليس بحرام، وأنَّ نهيَه عن الثوم والبصل نهيُ تنزيه لا نهيَ تحريم.
* * *
٣٢٦٢ - عن عِكْراشِ بن ذُؤَيْبٍ أنَّه قال: أُتِينا بجَفْنَةٍ كثيرةِ الثَّريدِ والوَذْرِ، فَخَبطْتُ بيدِي في نَواحِيها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "كُلْ مِنْ مَوْضعٍ واحِدٍ، فإنَّهُ طعامٌ
стр. 2117
واحِدٌ"، ثُمَّ أُتِينا بطَبَقٍ فيهِ ألوانُ التمرِ، فجعلتُ آكُلُ منْ بينِ يدَيَّ، وجالَتْ يدُ رسُولِ الله ﷺ في الطَبَقِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "يا عِكْراشُ كُلْ مِنْ حيثُ شِئْتَ فإنه غيرُ لَونٍ"، غريب.
قوله: "والوَذْر"، (الوذر): قِطَعُ اللحم.
"حَبَطْتُ بيدي"، هذا من الحبط؛ بمعنى التردُّد في كل جانب؛ يعني: جالَت ودَارَتْ يَدي في جوانب القَصْعة.
* * *
٣٢٦٣ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أخذَ أهلَهُ الوَعَكُ أمرَ بالحِساءِ فصُنِعَ، ثُمَّ أَمَرهُمْ فحَسَوْا منهُ، وكانَ يقولُ: "إنَّه لَيَرْتُو فُؤادَ الحزينِ وَيَسْرُو عنْ فُؤادِ السَّقيم كما تَسْرُو إحْداكُنَّ الوَسَخَ بالماء عنْ وجهِها"، صحيح.
"ليرتو"؛ أي: ليقْوَى ويُشَد.
"ويسرو"؛ أي: يُزيل التعب والسَّقَم.
* * *
٣٢٦٤ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "العَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ فيها شِفاءٌ مِنَ السَّمِّ، والكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ للعينِ".
قوله: "العجوة من الجنة"؛ أي: هذا النوع من التمر فيه لذة وشفاء من السُّمِّ والسحر كما ذُكر، فكأنه من الجنة؛ لأن طعامَ الجنة هو الذي يُزيل الأذى والتعب.
* * *
стр. 2118
٢ - باب الضيافَةِ
(باب الضيافة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٢٦٦ - عن أبي شُرَيْحٍ الكَعْبيِّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فليُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يومٌ وليلة، والضيافَةُ ثلاثةُ أيَّامٍ، فما بعدَ ذلكَ فهو صَدَقةٌ، ولا يَحِلُّ لهُ أنْ يَثْوِيَ عندَهُ حتَّى يُحْرِجَه".
قوله: "فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة"، (الجائزة): العطاء؛ يعني: فليكرم ضيفه عطاءه وتُحفته.
قوله: (يوم وليلة) بالرفع؛ أي: وذلك يوم وليلة، و (ذلك) مبتدأ و (يوم وليلة) خبره؛ يعني: إكرامه بتقديم طعامٍ حَسَنٍ إليه سنةٌ مؤكَّدة في اليوم الأول وليلَتِه، وفي اليوم الثاني والثالث يقدِّم إليه ما كان حاضرًا عنده من غير تكلُّف، وفي اليوم الرابع ذهب الأكثر: لا يستحقُّ الضيفُ شيئًا؛ لأن الضيافةَ ثلاثةُ أيام، فإنْ أعطاه في اليوم الرابع وما بعدَه فهو تبرُّعٌ من عنده.
* * *
٣٢٦٧ - وقال: "إنْ نَزَلْتُمْ بقَوْمٍ فأَمَرُوا لكمْ بما يَنْبغي للضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فإنْ لمْ يفعلُوا فخُذُوا منهمْ حقَّ الضَّيْفِ الَّذي يَنْبغي له".
قوله: "إن نزلتُم بقوم فأمَروا لكم ... " إلى آخره، قد ذكر شرح هذا الحديث وراويه في الحديث الآخر من (باب الجزية).
* * *
стр. 2119
٣٢٦٨ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريُّ ﵁ قال: كانَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ يُكنَّى: أبا شُعَيْبٍ، وكانَ لهُ غُلامٌ لحَّامٌ، فقال: اصنَعْ طعامًا يَكفي خَمسةً لَعلِّي أدعُو النَّبيَّ ﷺ خامِسَ خمسةٍ، فصنعَ طُعَيمًا ثمّ أتاهُ فدعاهُ فتبعَهُمْ رجلٌ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "يا أبا شُعيبٍ إنَّ رجُلًا تَبعَنا فإنْ شِئْتَ أذِنتَ لهُ وإنْ شِئْتَ تركتَهُ". قال: لا بلْ أذِنتُ لهُ.
قوله: "لحام"؛ أي: بَيَّاع اللحم.
"خامس خمسة"؛ أي: يكون عددُ المجموع مع النبيِّ ﷺ خمسةً.
هذا الحديث صريحٌ بأنه لا يجوز أن يدخُلَ أحدٌ في ضيافة قومٍ بغير دعوة، ولا يجوز أيضًا لِمَنْ دعاه المُضيف أن يستصحِبَ أحدًا بغير إذن المُضيف.
* * *
٣٢٦٩ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكرٍ وعُمرَ، فقال: "ما أخْرجَكُما مِنْ بُيُوتِكُما هذِهِ السَّاعَةَ؟ " قالا: الجُوعُ. قال: "أنا والذي نفسي بيدِهِ لأخرَجَني الذي أخرجَكُما، قُومُوا". فقامُوا معَهُ، فأتَى رجُلًا مِنَ الأنصارِ، فإذا هو ليسَ في بيتِهِ فلمَّا رأَتْهُ المرأَةُ قالتْ: مَرْحبًا وأهلًا، فقالَ لها رسُولُ الله ﷺ : "أينَ فُلانٌ؟ " قالت: ذهبَ يَسْتَعذِبُ لنا مِنَ الماءِ, إذْ جاءَ الأنصارِيُّ فنظرَ إلى رسُولِ الله ﷺ وصاحِبَيْهِ، ثُمَّ قال: "الحمدُ لله، ما أَحَدٌ اليومَ أكرمَ أَضْيافًا مِنِّي". قال: فانطلقَ فجاءَهُمْ بعِذْقٍ فيهِ بُسْرٌ وتَمرٌ ورُطَبٌ، فقال: كلوا مِنْ هذِهِ. وأخذَ المُدْيَةَ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "إيَّاكَ والحَلُوبَ". فذبحَ لهمْ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ ومِنْ ذلكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فلمَّا أَنْ شَبعُوا ورَوُوا قالَ رسُولُ الله ﷺ لأبي بَكْرٍ وعُمرَ: "والذي نفسي بيدِه لتُسْأَلُنَّ عنْ هذا النَّعيم يومَ القيامَةِ، أخرجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الجُوعُ ثمَّ لمْ تَرجِعُوا حتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعيمُ".
стр. 2120
قوله: "فإذا هو بأبي بكرٍ وعُمَرَ"؛ أي: فإذا هو حصل بأبي بكر وعمر؛ أي: اتفق خروجُهم من بيوتهم قاصدين ضيافةً.
قولها: "يستعذب"؛ أي يطلبُ لنا ماء عذبًا؛ أي: حُلْوًا.
"بعذق"؛ أي: بعُنقود.
"المدية": السكين.
"وإيَّاك والحَلُوب"؛ أي: احذِرْ مِنْ ذبح شاة ذاتِ حَلْب.
"لتسألن عن هذا النعيم"؛ يعني: ستُحاسبون يومَ القيامة عما أكلتُم وشربتم؛ لأنَّ من الحلال حسابًا ومن الحرام عذابًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٢٧٠ - عن المِقْدام بن مَعْدِ يَكرِبَ ﵁: أنه سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: "أيُّما مُسلمٍ ضافَ قومًا فأصبحَ الضَّيفُ مَحرومًا كانَ حقًّا على كُلِّ مُسلمٍ نصَرُهُ حتَّى يأْخُذ لهُ بقِراهُ مِنْ مالِهِ وزَرْعِهِ".
وفي روايةٍ: "أيُّما رجُلٍ أضافَ قومًا فلمْ يَقْرُوهُ كانَ لهُ أنْ يُعقِبَهُمْ بمثلِ قِراهُ".
قوله: "ضَافَ قومًا"؛ أي: نَزَلَ على قوم وهو يحتاج إلى ضيافةٍ لكونه على غاية الجُوع.
"حتَّى يأخذَ له بِقِراهُ"؛ أي: حتى يأخذ كلُّ أحدٍ لذلك الضيف بقَدْر قِرى الضيف.
стр. 2121
(القِرى): الضيافة؛ أي: بقدر شبعه من مال المضيف، فمن كان مضطرًا إلى الطعام ونزل على أحد وجَبَتَ عليه ضيافةُ ذلك المضطر لحفظ رُوحه، وإن لم يُطْعِمه كان عاصيًا، ويجوز لذلك المضطر أن يأخذ قَدْرَ حاجته من مال المضيف سرًّا وعلانِيَة.
* * *
٣٢٧١ - عن أبي الأحُوَصِ الجُشَميِّ، عن أبيه قال: قلتُ يا رسُولَ الله! أرأيتَ إن مررتُ برجلٍ فلمْ يَقْرِني ولمْ يُضفْني؟ ثمّ مرَّ بي بعدَ ذلكَ أَقرِيه أمْ أجْزِيه؟ قال: "بلِ اقْره".
قوله: "أجزيه"؛ أي: أكافئه بما فَعَل بي؛ أي: أمنعُه الطعامَ كما منعَ الطعامَ منِّي.
* * *
٣٢٧٢ - عن أنسٍ ﵁، أو غيرِه: أنَّ رسولَ الله ﷺ استأْذَنَ على سعدِ بن عُبادَةَ فقال: "السَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ الله وبركاتُهُ"، فقال سَعدٌ: وعليكُمُ السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، ولم يُسمِعِ النَّبيَّ ﷺ ، حتَّى سلَّمَ ثلاثًا وردَّ عليهِ سَعدٌ ثلاثًا ولمْ يُسمِعْهُ، فرجَعَ النَّبيُّ ﷺ ، فاتَّبَعَهُ سَعدٌ فقال: يا رسُولَ الله! بأبي أنتَ وأُمِّي ما سلَّمْتَ تسليمَةً إلّا هيَ بأُذُني، ولقدْ ردَدْتُ عليكَ ولمْ أُسْمِعْكَ، أحببتُ أنْ أَسْتَكثِرَ من سلامِكَ ومنَ البَرَكَةِ. ثمَّ دخلُوا البيتَ فقرَّبَ لهُ زَبيبًا، فأكلَ منهُ نبيُّ الله ﷺ ، فلمَّا فَرَغَ قال: "أكلَ طعامَكُمُ الأبرارُ وصلَّتْ عليكُمُ المَلائِكةُ، وأفطَرَ عِندَكُمُ الصائِمُون".
قوله: "أكل طعامكم الأبرار"، يجوز أن يكون هذا دعاء منه ﵊ للمُضيف، ويجوز أن يكون إخبارًا عنه، وهذان الوصفانِ
стр. 2122
موجودان في حقِّ النبيِّ ﷺ , فإنَّه أبرُّ الأبرار، وأصحابُه الأبرار الأخيار، وأما إذا تلفَّظ غيرُه بهذه الألفاظ عند أكل طعام أحدٍ تكون هذه الألفاظ دعاءً منه للمُضيف، ولا يجوز أن يكون إخبارًا؛ لأنه لا يجوز لأحدٍ أن يخبر عن نفسه أنَّه بَرٌّ.
* * *
٣٢٧٣ - وعن أبي سعيدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مثلُ المؤمنِ ومثلُ الإِيمانِ كمثلِ الفَرَسِ في آخِيَّتِهِ يجُولُ ثُمَّ يرجِعُ إلى آخِيَّتِهِ، فإن المؤمِنَ يَسْهُو ثمَّ يرجعُ إلى الإِيمانِ، فأطعِمُوا طعامَكُم الأتقياءَ وأَوْلُوا مَعروفَكُم المؤمنِينَ".
قوله: "مَثَلُ المؤمنِ ومَثَلُ الإيمان كَمَثلِ الفَرَيسِ في آخِيَّته"، (الآخية) - بتشديد الياء -: ما يُشَدُّ به الفرس وغيره مِنْ وَتَد وغيره، والمراد بالإيمان هنا: شعب الإيمان؛ كالصلاة والزكاة والصوم وغيرها؛ يعني: كما أن الفرس يبعُد عن آخِيَّته ثم يعود، فكذلك المؤمن قد يترك بعضَ شعب الإيمان ثم يتدارك ما فات عنه ويَنْدَم على ما فعل من التقصير، ولا تحكموا بكُفْرِ واحدٍ بأَنْ تركَ شيئًا من شعب الإيمان، ولا تتركوا إطعامَ طعامِكم إيَّاه، بل أطعموا طعامَكم المؤمنين والمتَّقين الشِّركَ، ولا تطعموا الكفارَ.
و"أولوا" أصله: أوليوا، فنُقلت ضمةُ الياء إلى اللام ثم أسكنت، ومعناه: أطعموا. (المعروف): الإحسان والعَطِيَّة.
* * *
٣٢٧٤ - عن عبدِ الله بن بُسْرٍ قال: كانَ للنبيِّ ﷺ قَصْعةٌ يحمِلَها أربعةُ رجالٍ، يقال لها الغَرَّاءُ فلمَّا أضْحَوْا وسجَدُوا الضُّحَى أُتيَ بتلكَ القَصْعَةِ - يعني وقد ثُرِدَ فيها - فالتفُّوا عليها، فلمَّا كَثُروا جثَا رسُولُ الله ﷺ فقال
стр. 2123
أعرابيٌّ: ما هذه الجِلْسَةُ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله جَعَلَني عبدًا كريمًا، ولم يجعَلْني جبَّارًا عنيدًا"، ثمَّ قال: "كُلُوا مِنْ جوانِبها ودَعُوا ذِرْوَتها يُبارَكْ لكُمْ فيها".
قوله: "وسجدوا الضُّحى"؛ أي: صلُّوا صلاة الضحى.
"فالتفُّوا عليها"؛ أي: اجتمعوا حولها.
"جثا رسولُ الله"؛ أي: جلس على ركبتيه من ضيق المكان.
"إن الله جعلني عبدًا كريمًا"؛ يعني: هذه الجِلْسة أقربُ إلى التواضع، والتواضعُ أَلْيقُ بالعبيد وأنا عبد فتليقُني هذه الجِلسة.
"ودعوا ذروتها"؛ أي: اتركوا أعلاها.
* * *
فصل
مِنَ الحِسَانِ:
٣٢٧٦ - عن الفُجَيْعِ العامِريِّ: أنّهُ أَتَى النَّبيَّ ﷺ فقال: ما يحلُّ لنا مِنَ المَيْتَة؟ فقال: "ما طعامُكُمْ؟ " قلنا: نَغْتَبقُ ونَصْطَبحُ، قال: "ذلكَ - وأبي - الجُوعُ". فأحلَّ لهم المَيْتَةَ عَلَى هذا الحالِ. فسَّرُوا قولَهُ: نَغْتَبقُ ونَصْطَبحُ: أي قَدَحٌ غُدوةً وقَدَحٌ عَشِيَّةً.
قوله: "ما طعامكم"، (ما) للاستفهام.
"فَنَغْتَبق"؛ أي: نشرب في وقت العشاء قَدَحًا.
"ونَصْطَبح"؛ أي: نشرب في وقت الصباح قَدَحًا.
стр. 2124
"قال: ذلك وأبي الجُوعُ": (ذلك) المبتدأ، و (الجوع) خبره؛ يعني: ذلك الشرب الذي يقولون قليل تجوعون مع هذا الشرب.
قوله: "وأبي"، هذا قسم اعْتَرضَ بين المبتدأ والخبر، فإن قيل: لا يجوز القَسَم بغير اسم الله وصفاته، فَلِمَ أقسمَ النبيُّ بأبيه؟
قلنا: ليس هذا القسم على وجهِ تعظيم أبيه، بل هذا اللفظ جرى على لسانه ﷺ كما هو عادة العرب.
"فأحل لهم الميتة على هذه الحال"؛ يعني: إذا كان لهم طعام أو شراب ولا يكفيهم جاز لهم أكلُ الميتة بقَدْر الشبع عند مالك وأحدِ قولي الشافعي، ولا يجوز إلا بقدر سَدِّ الرَّمَق عند أبي حنيفةَ وأحدِ قولي الشافعي.
* * *
٣٢٧٧ - عن أبي واقِدٍ اللَّيْثيِّ: أنَّ رجُلًا قال: يا رسُولَ الله! إنَّا نكُونُ بالأرضِ فتُصيبنا بها المَخْمَصَةُ، فمتَى تحلُّ لنا المَيْتةُ؟ قال: "ما لمْ تصْطَبحُوا أو تَغْتَبقُوا أو تَحْتفِئُوا بها بَقْلًا فشأنُكُمْ بها" معناه: إذا لم تجدوا صَبُوحًا ولا غَبُوقًا ولم تجدوا بَقْلةً تأكلونها حلَّتْ لكم المَيْتَةُ".
قوله: "فتصيبنا بها المخمصة"؛ أي: الجوع.
قوله: "ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفوا"، و (تحتفوا) - بالحاء المهملة -: أصله: تحتفيوا، فقلبت حركة الياء إلى الفاء وحذفت الياء، ومعناه: تحتفوا هذا هو الرواية، ويجوز (تختفوا) بالخاء المعجمة، ويجوز أيضًا (تحتفئوا) بالحاء المهملة وبالهمز بعد الفاء، معنى جميعِها واحدٌ؛ يعني: إنما يحل لكم أكل الميتة إذا لم تجدوا شيئًا تأكلونه في الصباح أو في المساء، ولا تجدون بَقْلًا تقلعونه وتأكلونه فحينئذ يحِلُّ لكم أكل الميتة، فإن وجدتم
стр. 2125
ما تأكلونه في الغَداة أو في المساء أو تجدون بقلًا = لا تحل لكم الميتة.
* * *
٣ - باب الأشرِبةِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٢٧٨ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ يتنفَّسُ في الشَّرابِ ثلاثًا، ويقولُ: إنَّهُ أرْوَأُ وأبْرَأُ وأمْرَأُ.
قوله: "كان رسول الله يتنفس في الشراب ثلاثًا"؛ يعني يشرب ثلاث مرات، يقطع الآنيةَ مِنْ فِيه كلَّ مرة.
"ويقول: إنه أروأ"؛ أي: أكثر رِيًّا.
"وأبرأ"؛ أي: أكثر بُرْءًا؛ أي: صحةً للبدن.
"وأمرأ"؛ أي: أكثر مَرَاءة.
* * *
٣٢٧٩ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنِ الشُّربِ مِنْ فِي السِّقاءِ.
قوله: "نهى النبي ﷺ عن الشرب من فيِّ السقاء"؛ أي: من فمِ القِربة، وإنما نهى النبي ﷺ عن الشرب من فم القربة كيلا يدخل جوفَه شيءٌ مؤذي يكون في القِربة وهو لا يعلم به، وقد روي: أن أحدًا شَرِبَ من فمِ سقاءٍ فدخلت حيةٌ جوفَه.
ويجوز أن تكون علة النهي لأجل أن لا ينصَبَّ عليه من فم السقاء، ولأجل أن
стр. 2126
لا ينصب الماءُ في حلقه، فإن جريان الماء وانصبابَهُ في الحلق مضرٌّ بالمعدة، وقد أمر النبي ﷺ بمصِّ الماء عند شربه، ولا يقدر الرجل على المص من فم السقاء بخلاف فَمِ القَدَح والكُوز.
* * *
٣٢٨١ - عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى أنْ يشرب الرَّجُلُ قائمًا.
قوله: "ونهى أن يشرب الرجل قائمًا"، هذا نهي تنزيه وتأديب؛ لأن الرجل في حال قيامه ليست أعضاؤه ساكنةً مطمئنة، والشرب في هذه الحالة يضرُّه؛ لأن الماء يتحرك في أعضائه وربما لا يدخل في الموضع المعلوم من المعدة، بل ينحرف إلى جانبٍ آخرَ فيحصل منه أذى.
* * *
٣٢٨٢ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَشرَبن أحدٌ منكُمْ قائمًا فمنْ نسَيَ فلْيَسْتقِئْ".
قوله: "فليستقئ": (الاستقاء) أو (القيء) بمعنى واحد، وإنما أمره بالقيء للمبالغة في الزجر عن الشرب قائمًا، ولأنه لا ينبغي للمتقين أن يَصِلَ طعامٌ أو شرابٌ إلى جوفهم على وجهٍ مخالفٍ لأمر النبي ﷺ .
* * *
٣٢٨٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ بدَلوٍ مِنْ ماءِ زمزمَ فشرِبَ وهو قائِمٌ.
قوله: "أتيت النبي ﷺ بدَلْوٍ من ماء زمزم، فَشَرِبَ وهو قائم".
стр. 2127
قال الخطابي: إنما شرب هذا قائمًا؛ لأن الجلوس متعذِّرٌ عند زمزم لضيق المكان بازدحام الناس وغيره من الأعذار؛ يعني: الشرب قائمًا منهيٌّ إلا لعذر، وأجاز الشربَ قائمًا لغير عذر أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب وجماعة من الصحابة، ورخَّص الحسنُ البصريُّ الأكل ماشيًا للمسافر، وكان حذيفةُ يأكل راكبًا، والمختار عند الأئمة: أنه لا يأكل ماشيًا ولا راكبًا ولا قائمًا.
* * *
٣٢٨٤ - وعن عليٍّ ﵁: أنَّهُ صلَّى الظُّهرَ ثمَّ قعدَ في حَوائِجِ النَّاسِ في رَحبةِ الكُوفةِ حتَّى حَضَرَتْ صلاةُ العصرِ، ثمَّ أُتيَ بماءٍ فشرِبَ وغسلَ وجهَهُ ويدَيْهِ، وذكرَ رأسَهُ ورِجلَيْه، ثمَّ قامَ فشرِبَ فضلَهُ وهو قائمٌ، ثمَّ قال: إنَّ ناسًا يكرَهونَ الشُّرْبَ قائمًا، وإنَّ النَّبيَّ ﷺ صنعَ مثلَ ما صنعتُ.
قوله: "ثم قعد في حوائج الناس في رَحْبة الكوفة"؛ يعني: جلس للقضاء وفَصْلِ الخصومات.
"في رَحْبة الكوفة"؛ أي: في فَضَاءِ وفُسْحةٍ بالكوفة.
* * *
٣٢٨٥ - عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على رجُلٍ مِنَ الأنصارِ ومعَهُ صَاحِبٌ لهُ، فسلَّمَ، فردَّ الرجُلُ، وهو يُحوِّلُ الماءَ في حائطٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنْ كانَ عِندَكَ ماءٌ باتَ في شَنَّةٍ وإلَّا كَرَعْنا". فقال: عِندِي ماءٌ باتَ في شَنٍّ. فانطلقَ إلى العَريشِ فسكبَ في قَدَحٍ ماءً، ثمَّ حَلَبَ عليهِ مِنْ داجِنٍ، فشرِبَ النَّبيُّ ﷺ ، ثمّ أعاد فشرِبَ الرجُلُ الذي جاءَ مَعَهُ.
قوله: "وهو يحول الماء"؛ أي: يجري الماء من جانب إلى جانب.
стр. 2128
"في الحائط"؛ أي: في البستان.
"بات في شَنَّة"؛ أي: في قِرْبة قديمة، والماء إذا كان في قربة قديمة يكون أبردَ.
"وإلا كَرَعْنا"؛ يعني: وإن لم يكن عندك ماء بات في قربة قديمةٍ كرعنا؛ أي: شَرِبنا من السَّاقية وهي النهر الصغير، (الكرع): وضع الفم في الماء عند الشرب.
"فانطلق"؛ أي: فذهب إلى العَريش وهو خشباتٌ تُجعل تحتَ أغصانِ الكَرم.
"فسكب"؛ أي: صَبَّ
"من دَاجِنٍ"؛ أي: مِنْ شاةٍ مُسْتَأْنِسٍ.
* * *
٣٢٨٦ - وعن أُمّ سَلَمةَ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الذي يشْرَبُ في إناءِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّمَ".
وفي روايةٍ: "إنَّ الذي يأكُلُ ويشرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهبِ".
قوله: "يجرجر"؛ أي: بصوت آنية الذهب والفضة محرمة على الرجال والنساء في جميع أنواع الاستعمالات، فمَنْ شَرِبَ منها فكأنَّما يُدْخِلُ النارَ في جوفه.
* * *
٣٢٨٧ - وعن حذيفةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "لا تلبَسُوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تشرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ولا تأْكُلوا في صِحافِها
стр. 2129
فإنَّها لهمْ في الدُّنيا وهي لكُمْ في الآخِرةِ".
قوله: "ولا تأكلوا في صِحَافها"، (الصَّحاف): جمع صَحْفة، وهي القَصْعة.
"فإنَّها لهم"؛ أي: فإنَّ صِحافَ الذهب والفضة للكفار في الدنيا وهي للمؤمنين في الآخرة.
* * *
٣٢٨٨ - عن أَنَسٍ ﵁ قال: حُلِبَتْ لرسُولِ الله ﷺ شاةٌ داجِنٌ، وشِيبَ لبنها بماءٍ مِنَ البئرِ التي في دارِ أنَسٍ، فأُعْطِي رسُولُ الله ﷺ القَدَحَ فشربَ، وعلى يَسارِهِ أبو بكرٍ وعنْ يمينِهِ أعرابيٌّ، فقال عمرُ: أعطِ أبا بكرٍ يا رسولَ الله، فأعطَى الأعرابيَّ الَّذي على يمينِهِ ثمّ قال: "الأَيمنُ فالأَيمنُ".
وفي روايةٍ: "الأَيْمَنونَ الأَيْمَنونَ، ألا فيَمِّنوا".
قوله: "وشِيب"؛ أي: وخُلِط.
"الأيمن" يجوز نصبه على أنه مفعول؛ أي: قدِّموا الأيمن، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ؛ يعني: الأيمن خير.
"فيمِّنوا"؛ أي: فابتدءوا بالأيمن، وهو اليمين.
* * *
٣٢٨٩ - عن سَهْلِ بن سَعدٍ قال: أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بقَدَحٍ فشَرِبَ منهُ، وعنْ يمينِهِ غُلامٌ أصغرُ القومِ، والأشياخُ عن يَسارِهِ، فقال: "يا غُلامُ أتأْذَنُ لي أنْ أُعْطِيَهُ الأشياخَ؟ " قال: ما كنتُ لِأوثِرَ بفضلٍ منكَ أحدًا يا رسولَ الله. فأعطاهُ إيَّاه.
стр. 2130
قوله: "ما كنت لأوثرَ بفضلٍ منك"، (الإيثار): الاختيار؛ يعني: لا أختار أحدًا على نفسي بفضلِ ماءك، بل أختار نفسي على غيري.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٢٩٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أنْ يُتنفَّسَ في الإِناءِ أو يُنفخَ فيهِ.
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ أن يُتنفَّس في الإناء أو يُنْفَخَ فيه"، وإنما نهى أن يتنفس في الإناء وينفخ فيه؛ لأنه ربَّما يقع من بُزاقه شيء في الإناء أو يتغيَّر الماءُ برائحة فمِه، فيحصل للناس تقزُّزٌ من ذلك، فالأدب أن لا يفعل شيئًا يحصل للناس منه تقزُّز.
* * *
٣٢٩٥ - عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن النَّفْخِ في الشَّرابِ، فقال رجلٌ: القَذاةُ أراها في الإِناءِ؟ قال: "أهرِقْها". قال: فإنِّي لا أرْوَى مِنْ نَفَسٍ واحِدٍ؟ قال: "فَأَبن القدَحَ عنْ فِيكَ ثمَّ تنفَّسْ".
قوله: "أهرقها"؛ أي: اصْبُب بعض ماءِ الإناء لتَخْرُجَ معه تلك القَذَاة بإصبعك، ولا بفمك كيلا يحصُلَ للناس تقزُّزُ منه.
* * *
٣٢٩٦ - وعنه قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ القَدَحِ، وأنْ يُنفخَ في الشَّرابِ.
стр. 2131
قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن الشُّرب مِنْ ثُلْمةِ القدح"، (الثُّلمة): الموضع المنكسر من طرف الإناء، قال الخطابي: إنما نهى عن الشرب من ثُلمة القدح؛ لأنه ينصبُّ الماء عليه من الثُّلمة؛ لأن الشَّفَة لا تستوي على ذلك الموضع، وقد قيل: إن الثُّلمةَ مَقْعَدُ الشيطان، قال: سببه أنَّه لا تنغسل الثلمةُ عند غَسل القَدَح، فلا يكون ذلك الموضع نظيفًا، وذلك من فعل الشيطان، ولذلك إذا خرج الماءُ فسال من الثلمة فأصاب وجهَه وثوبَه فإنما هو من إعناتِ الشيطان وإيذائه إياه.
* * *
٣٢٩٧ - عن كَبْشةَ أنها قالت: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ فشربَ منْ في قِرْبَةٍ مُعلَّقَةٍ قائمًا، فقُمْتُ إلى فِيها فقطعْتُهُ، واتخذته سقاءً نتبرَّكُ به.
قوله: "فشرب من فيِّ قِربة معلَّقة"؛ أي: من فمِ قربة، قد ذكر قبيل هذا النهي عن الشرب من فم السقاء، وذَكَر هنا أنه ﷺ قد شرب من فم القِربة: يحتمل أن يكون سبب شربه ﷺ هنا من فم السِّقاء بيان كون نهيه عن الشرب من فم السقاء نهي تنزيه لا نهي تحريم، ويحتمل أن يكون نهيه عن الشرب من فم السقاء الاحتراز عن تغيُّر فم السِّقاء برائحة الفم، وتغيُّر فم السقاء إنما يكون بكثرة الشرب منه لا بالشرب حينًا بعد حين.
قوله: "فقمتُ إلى فيها"؛ أي: إلى فمِ القِربة.
"فقطعتُه"؛ أي: فقطعت فمَ القِربة وحفظْتُه في بيتي للتبرُّك به لوصول فمِ النبيِّ ﷺ .
* * *
٣٢٩٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أكلَ أحدُكُمْ طعامًا فلْيقُل: اللهمَّ بارِكْ لنا فيهِ، وأطعِمْنا خيرًا منهُ، وإذا سُقيَ لَبنًا فلْيقُل: اللهمَّ
стр. 2132
بارِكْ لنا فيهِ، وزِدْنا منهُ، فإنَّهُ ليسَ شيءٌ يُجزئُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَّا اللَّبن".
قوله: "يجزئ"؛ أي: يكفي؛ يعني: لا يدفع الجوعَ والعطشَ كليهما معًا شيء واحد إلا اللبن.
* * *
٣٣٠٠ - عن عائشةَ ﵂ قالت: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُستَعذَبُ له الماءُ مِنَ السُّقْيا. قيل: هيَ عَيْنٌ بينَها وبينَ المدينةِ يومانِ.
قوله: "يستعذب له"؛ أي: يُجاء بالماء العذب؛ أي: الحلو؛ لأن ماء المدينة كان مالحًا أو مُرًّا.
* * *
٤ - باب النَّقيعِ والأنبذةِ
(باب النقيع والأنبذة)
(النقيع): الأنبذة، والأنبذة: جمع نبيذ، وهو: ما يُنبذ في الماء من تمر وغيره.
و (النبيذ) أيضًا: الماء الذي يُنبذ فيه شيء حلو ليحلو الماء؛ كتمر وغيره.
* * *
٣٣٠٢ - عن عائشةَ ﵂ قالت: كُنَّا نَنْبذُ لرسولِ الله ﷺ في سِقاءٍ يوكأُ أعلاهُ، ولهُ عَزْلاءُ، نَنْبذُهُ غُدْوَةً فيشرَبُهُ عِشاءً، وَنَنْبذُهُ عِشاءً فيشرَبُهُ غُدْوَةً.
стр. 2133
قولها: "ننبذ"؛ أي: يطرح تمرًا أو زَبيبًا أو عسلًا في الماء ليحلو الماء.
"يُوكأ أعلاه"؛ أي: يشدُّ فمُ السِّقاء؛ أي: فم الذي يصب فيه الماء.
"وله عزلاء"، (العزلاء): فم القربة؛ يعني: له ثقبة يشرب منها الماء.
* * *
٣٣٠٣ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُنْتَبَذُ لهُ أوَّلَ الليلِ فيشرَبُهُ إذا أصبحَ يومَهُ ذلكَ والليلةَ التي تجيءُ والغدَ والليلةَ الأُخرى والغدَ إلى العصرِ، فإنْ بقيَ شيءٌ سقاهُ الخادِمَ أوْ أمر به فصُبَّ.
قوله: "فإن بقي شيء سقاه الخادم"، إنما لم يشربه ﷺ ؛ لأنه كان دَرْدِيًّا، هذا يدل على جواز شرب ماء نُبذ فيه تمرًا وغيره ما لم يكن مُسْكِرًا، فإذا صار مسكرًا صار حرامًا، وهذا يدل أيضًا على جواز أن يُطْعِمَ السيدُ مملوكَه طعامًا أسفلَ، ويَطْعَمُ هو طعامًا أعلى.
* * *
٣٣٠٤ - عن جابرٍ ﵁ قال: كانَ يُنْبَذُ لرسولِ الله ﷺ في سِقاءٍ، فإذا لمْ يجدُوا سقاءً يُنبذُ لهُ في تَوْرٍ مِنْ حِجارةٍ.
قوله: "في تور"؛ أي في ظَرف.
* * *
٣٣٠٥ - عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ والنَّقِيرِ، وأمرَ أنْ يُنْبَذَ في أسْقِيَةِ الأَدَمِ.
قوله: "نهى عن الدُّبَّاء"، ذُكر شرح هذا الحديث في أول الكتاب، في
стр. 2134
حديث وفد عبد القيس.
قوله: "في أسقية"، (الأسقية): جمع سقاء.
و"الأدم" - بفتح الهمزة والدال -: يعني الأديم، والأديم: الجلد.
* * *
٣٣٠٦ - عن بُرَيْدةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "نَهَيْتُكُمْ عن الظُّروفِ، فإنَّ ظَرْفًا لا يُحِلُّ شيئًا ولا يُحرِّمُهُ، وكُلُّ مُسكِرٍ حرامٌ".
وفي روايةٍ قال: "نَهَيْتُكُمْ عن الأشربةِ إلا في ظُروفِ الأَدَمِ، فاشربُوا في كُلِّ وِعاءٍ غيرَ أنْ لا تشربُوا مُسْكِرًا".
قوله: "نهيتُكم عن الظُّروف"؛ يعني: قد نهيتكم عن نَبْذِ التمر وغيره في الماء في ظرف الدُّبَّاء والحَنْتم والمُزَفَّت والنَّقير، وقد أجزتُ لكم الآن أن تنبذوا في كل ظَرف وتشربوا من كل ظرف ما لم يكن مُسْكِرًا.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٣٣٠٧ - عن أبي مالكٍ الأشعَريِّ: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لَيَشْرَبن ناسٌ منْ أُمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسْمِها".
قوله: "ليشربن ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغيرِ اسمها"؛ يعني: يشربون المسكر من نبيذ التمر أو العنب أو الذرة أو غيرها، وكل ذلك حرام؛ لأنها مسكرة ويقولون: ما نشربه ليس بخمر لأنه ليس من العنب، وهم في هذا الكلام كاذبون؛ لأن كل ما يسكر فحكمُه حكم الخمر في التحريم.
* * *
стр. 2135
٥ - باب تغطيةِ الأواني وغيرِها
(باب تغطية الأواني وغيرها)
(التغطية): مصدر غَطَّى - بتشديد الطاء -: إذا سَتَر.
(الأواني): جمع آنية، وهي ظَرف الماء.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٣٠٨ - عن جابرٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كانَ جُنحُ اللَّيلِ أوْ أمسيتُمْ فكُفُّوا صِبيانَكُمْ، فإنَّ الشَّياطينَ تنتَشِرُ حِينَئذٍ، فإذا ذهبَ ساعةٌ مِنَ الليلِ فحلُّوهُمْ، وأغلِقُوا الأبوابَ واذكُرُوا اسمَ الله، فإن الشَّيطانَ لا يَفتحُ بابًا مُغلقًا، وأوْكُوا قِربَكُمْ واذكُرُوا اسمَ الله، وخمِّرُوا آنِيَتَكُمْ واذكُرُوا اسمَ الله، ولوْ أنْ تَعْرُضُوا عليهِ شيئًا وأطْفِئُوا مصابيحَكُم".
قوله: "إذا كان جُنح الليل"، (جنح الليل)؛ أي: قطعتُه، والمراد به ها هنا: أول الليل.
قوله: "أو أمسيتم"، هذا شكٌّ من الراوي في أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا كان جُنح الليل، أو قال: إذا أمسيتُم".
"فكفُّوا"؛ أي: فامنعُوا الصبيان - جمع صبي -؛ يعني: امنعوا صبيانَكم في أول الليل عن الخروج من بيوتكم.
"فإن الشياطين"؛ أي: فإن الجنَّ تنتشر في أولِ الليل وتتردَّد على أبواب البيوت لتختطفَ الصبيان.
"وأَوكُوا": هذا أمر مخاطب مِنْ أوكأ: إذا شدَّ فمَ السِّقاء.
стр. 2136
(القِرب): جمع قِربة، وهي السقاء.
"وخمِّروا" - بتشديد الميم -؛ أي: استروا كيلا يقعَ في الأواني نجاسةٌ أو دُويبة مثلُ الفأرةِ وغيرها، ولا يقع فيها الوَباء.
"ولو أن تعرِضوا عليه شيئًا"؛ يعني: ولو أن تضعوا على رأس الإناء عودًا أو شيئًا آخر يسترُ بعضه؛ يعني: إن لم تجدوا ما يستر جميعَ رأسِ الآنية ضعُوا على رأسها ما يستر بعضَه وقولوا: بسم الله، فإنكم إذا أطعتم رسولَ الله بقدر وُسْعِكم فإنَّ الله يدفع عنكم البلاءَ ببركة طاعتكِم لرسول الله ﷺ .
و (عرض) - بفتح الراء في الماضي وكسرها وضمِّها في الغابر -: إذا وضع شيئًا عريضًا على رأس آنية، هذا هو الأصل، ويقال: وَضْعُ عود غيرِ عريضٍ على رأس آنية أيضًا عرض.
* * *
قوله: "وأطفئوا": الإطفاء في المِصْباح بمنزلة الإخماد في النار.
٣٣٠٩ - وفي روايةٍ: "خَمِّرُوا الآنيةَ، وأوْكُوا الأَسْقِيةَ، وأجِيفُوا الأبوابَ، وأكْفِتُوا صِبيانَكُمْ عندَ المساءِ، فإنَّ للجِنِّ انتشارًا وخَطْفَةً، وأطفِئُوا المصابيحَ عندَ الرُّقادِ، فإن الفُوَيْسِقةَ رُبَّما اجترَّتِ الفتيلةَ فأحرَقَتْ أهلَ البيتِ".
"وأجيفوا الأبواب"؛ أي: أغلقوا الأبواب.
"وأكفتوا صبيانكم"، (الكفت): الضم؛ يعني: ضُمُّوهم إلى أنفسهم وامنعوهم الخروج في أول الليل.
(الرقاد): النوم، (الفويسقة): الفأرة.
"اجترت"؛ أي: جَرَّت.
* * *
стр. 2137
٣٣١٠ - وفي روايةٍ: "غَطُّوا الإِناءَ وأوْكُوا السِّقاءَ وأغلِقُوا البابَ وأطفئُوا السِّراجَ، فإن الشَّيطانَ لا يَحُلُّ سِقاءً ولا يفتَحُ بابًا ولا يكشِفُ إناءً، فإنْ لمْ يجِدْ أحدُكُمْ إلا أنْ يَعْرُضَ على إنائهِ عُودًا ويذكُرَ اسمَ الله عليه فليفعل؛ فإنَّ الفُويسِقَةَ تُضْرِمُ على أهلِ البيتِ بيتَهُمْ".
قوله: "فإن الشيطان لا يحُلُّ سِقَاء"؛ أي: لا يفتح سقاء مشدودًا؛ يعني: الشيطان كما يأكل ويأخذ من طعامٍ لم يُذكر اسم الله عليه، فكذلك يشرب ويأخذ من ماء أو من شراب لم يُغَطَّ ولم يُشَدَّ ولم يُذكر اسم الله عليه.
"ولا يكشف"؛ أي ولا يرفع السِّتر من إناء مستور.
قوله: "فإن الفويسقة تَضْرِم على أهل البيت بيتَهم"، هذا متعلق بقوله: (أطفئوا السراج)، (أضرم): إذا أشعل النار؛ يعني: لو لم تطفئوا مصابيحَكم لجرَّت الفأرةُ الفتيلةَ، وتُلقيها إلى بعض الأقمشة، وتشعل النار، وتحرِق البيت.
* * *
٣٣١١ - وقال: "لا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وصِبيانَكُمْ إذا غابتْ الشَّمسُ حتَّى تذهبَ فَحْمةُ العِشاءِ، فإنَّ الشَّيطانَ يُبعَثُ إذا غابت الشَّمسُ حتَّى تذهبَ فحْمَةُ العِشاءِ".
قوله: "لا ترسلوا فَوَاشِيَكم"؛ أي: لا تحُلُّوا مواشيكم بل اربُطُوها.
والفواشي والمواشي واحدٌ.
"فحمة العشاء": أول ظلمة الليل، فإن الشيطان يَبْعثُ إذا غابت الشمس؛ أي: يُرسل جيشه في أول الليل ليختطفوا الصبيانَ والمواشي.
روى هذا الحديثَ جابر.
* * *
стр. 2138
٣٣١٢ - عن جابرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "غَطُّوا الإِناءَ وأوْكُوا السِّقاءَ، فإنَّ في السَّنةِ ليلةً ينزلُ فيها وباءٌ لا يمرُّ بإناءٍ ليسَ عليهِ غطاءٌ أو سِقاءٌ ليسَ عليهِ وِكاءٌ إلَّا نَزَلَ فيهِ مِنْ ذلكَ الوَباءِ".
قوله: "فيها وَبَاء"؛ أي: هلاك، يعني: ينزل وباء في ليلة من ليالي السنة، ويقع في آنية مكشوفة الرأس، أو سِقاء مفتوح، فمن شَرِبَ من ذلك الطعام أو الشراب يَهْلَك.
و (الوِكاء): ما يُشد به رأس السِّقاء.
* * *
٣٣١٣ - وعن جابرٍ ﵁ قال: جاءَ أبو حُمَيْدٍ - رجلٌ مِنَ الأنصارِ - مِنْ النَّقيعِ بإناءٍ منْ لبن إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ألا خَمَّرْتَهُ ولوْ أنْ تَعْرُضَ عليهِ عودًا".
قوله: "من النقيع"، (البقيع) - بالباء -: اسم مقبرة، وبالنون: اسم روضة حَمَاها رسولُ الله ﷺ ، كلاهما بالمدينة، وفي هذا الحديث (من النقيع) بالنون، ومَنْ قال الباء فقد صَحَّف؛ أي: قرأ تصحيفًا.
* * *
٣٣١٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ هذه النَّارَ إنَّما هيَ عَدوٌّ لكُمْ، فإذا نِمتُمْ فأطْفِئوها عنكُمْ".
قوله: "إن هذه النار إنما هي عدوٌّ لكم"؛ يعني النار تحرِق ما تَصِلُ إليه، فإذا نِمْتُم فاخمِدوا النار كيلا تحرِقَ شيئًا لكم.
стр. 2139
روى هذا الحديثَ أبو موسى.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٣٣١٦ - عن جابرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا سمعتُمْ نُباحَ الكِلابِ ونهيقَ الحميرِ من اللَّيل فتعوَّذُوا بالله من الشَّيطانِ الرَّجيم، فإنهنَّ يَرَوْنَ ما لا ترَوْنَ، وأقِلُّوا الخُروجَ إذا هدأتِ الأرجُلُ فإنَّ الله يَبُثُّ مِنْ خَلْقِهِ في ليلته ما يشاءُ، وأجِيفُوا الأبوابَ واذكُرُوا اسمَ الله عليه، فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتحُ بابًا أذا أُجِيفَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه، وغطُّوا الجرارَ وأكْفِئوا الآنيةَ وأوْكُوا القِرَبَ".
قوله: "فإنهن يَرَين ما لا ترون"؛ يعني: فإنهن يرينَ الشيطانَ فيصوتْنَ فتعوَّذوا من الشيطان الرجيم.
قوله: "وأقلوا الخروج أذا هدأت الأرجل"، (هدأت)؛ أي: سَكَنت؛ يعني: إذا دخل الليل، وقَلَّ ترددُ الناس في الطرق والأسواق فأقِلُّوا الخروجَ من بيوتكم.
"فإن الله يبُثُّ"؛ أي: يفرِّق من خلقه من الجنِّ والشياطين والحيوان المُضرَّةِ، فلا تخرجوا من بيوتكم كيلا يَصِلَ إليكم منهم ضررٌ.
(الجِرار) جمع جَرَّة.
* * *
٣٣١٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: جاءتْ فأرةٌ تَجُرُّ الفتيلةَ فألقَتْها بين يَدَيْ رسُولِ الله ﷺ على الخُمْرَةِ التي كانَ قاعِدًا عليها، فأحرقَتْ منها مِثلَ موضعِ
стр. 2140
الدِّرهَمِ، فقال: رسول الله ﷺ "إذا نِمتُمْ فأطفِئُوا سُرُجَكُمْ فإنَّ الشَّيطانَ يدُلُّ مِثلَ هذِهِ على هذا فتحرقَكُم".
قوله: "على الخُمْرة"؛ أي: على السَّجَّادة.
° ° °
следующие страницы →