← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

(القِرب): جمع قِربة، وهي السقاء. "وخمِّروا" - بتشديد الميم -؛ أي: استروا كيلا يقعَ في الأواني نجاسةٌ أو دُويبة مثلُ الفأرةِ وغيرها، ولا يقع فيها الوَباء. "ولو أن تعرِضوا عليه شيئًا"؛ يعني: ولو أن تضعوا على رأس الإناء عودًا أو شيئًا آخر يسترُ بعضه؛ يعني: إن لم تجدوا ما يستر جميعَ رأسِ الآنية ضعُوا على رأسها ما يستر بعضَه وقولوا: بسم الله، فإنكم إذا أطعتم رسولَ الله بقدر وُسْعِكم فإنَّ الله يدفع عنكم البلاءَ ببركة طاعتكِم لرسول الله ﷺ . و (عرض) - بفتح الراء في الماضي وكسرها وضمِّها في الغابر -: إذا وضع شيئًا عريضًا على رأس آنية، هذا هو الأصل، ويقال: وَضْعُ عود غيرِ عريضٍ على رأس آنية أيضًا عرض. * * * قوله: "وأطفئوا": الإطفاء في المِصْباح بمنزلة الإخماد في النار. ٣٣٠٩ - وفي روايةٍ: "خَمِّرُوا الآنيةَ، وأوْكُوا الأَسْقِيةَ، وأجِيفُوا الأبوابَ، وأكْفِتُوا صِبيانَكُمْ عندَ المساءِ، فإنَّ للجِنِّ انتشارًا وخَطْفَةً، وأطفِئُوا المصابيحَ عندَ الرُّقادِ، فإن الفُوَيْسِقةَ رُبَّما اجترَّتِ الفتيلةَ فأحرَقَتْ أهلَ البيتِ". "وأجيفوا الأبواب"؛ أي: أغلقوا الأبواب. "وأكفتوا صبيانكم"، (الكفت): الضم؛ يعني: ضُمُّوهم إلى أنفسهم وامنعوهم الخروج في أول الليل. (الرقاد): النوم، (الفويسقة): الفأرة. "اجترت"؛ أي: جَرَّت. * * *

стр. 2137

٣٣١٠ - وفي روايةٍ: "غَطُّوا الإِناءَ وأوْكُوا السِّقاءَ وأغلِقُوا البابَ وأطفئُوا السِّراجَ، فإن الشَّيطانَ لا يَحُلُّ سِقاءً ولا يفتَحُ بابًا ولا يكشِفُ إناءً، فإنْ لمْ يجِدْ أحدُكُمْ إلا أنْ يَعْرُضَ على إنائهِ عُودًا ويذكُرَ اسمَ الله عليه فليفعل؛ فإنَّ الفُويسِقَةَ تُضْرِمُ على أهلِ البيتِ بيتَهُمْ". قوله: "فإن الشيطان لا يحُلُّ سِقَاء"؛ أي: لا يفتح سقاء مشدودًا؛ يعني: الشيطان كما يأكل ويأخذ من طعامٍ لم يُذكر اسم الله عليه، فكذلك يشرب ويأخذ من ماء أو من شراب لم يُغَطَّ ولم يُشَدَّ ولم يُذكر اسم الله عليه. "ولا يكشف"؛ أي ولا يرفع السِّتر من إناء مستور. قوله: "فإن الفويسقة تَضْرِم على أهل البيت بيتَهم"، هذا متعلق بقوله: (أطفئوا السراج)، (أضرم): إذا أشعل النار؛ يعني: لو لم تطفئوا مصابيحَكم لجرَّت الفأرةُ الفتيلةَ، وتُلقيها إلى بعض الأقمشة، وتشعل النار، وتحرِق البيت. * * * ٣٣١١ - وقال: "لا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وصِبيانَكُمْ إذا غابتْ الشَّمسُ حتَّى تذهبَ فَحْمةُ العِشاءِ، فإنَّ الشَّيطانَ يُبعَثُ إذا غابت الشَّمسُ حتَّى تذهبَ فحْمَةُ العِشاءِ". قوله: "لا ترسلوا فَوَاشِيَكم"؛ أي: لا تحُلُّوا مواشيكم بل اربُطُوها. والفواشي والمواشي واحدٌ. "فحمة العشاء": أول ظلمة الليل، فإن الشيطان يَبْعثُ إذا غابت الشمس؛ أي: يُرسل جيشه في أول الليل ليختطفوا الصبيانَ والمواشي. روى هذا الحديثَ جابر. * * *

стр. 2138

٣٣١٢ - عن جابرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "غَطُّوا الإِناءَ وأوْكُوا السِّقاءَ، فإنَّ في السَّنةِ ليلةً ينزلُ فيها وباءٌ لا يمرُّ بإناءٍ ليسَ عليهِ غطاءٌ أو سِقاءٌ ليسَ عليهِ وِكاءٌ إلَّا نَزَلَ فيهِ مِنْ ذلكَ الوَباءِ". قوله: "فيها وَبَاء"؛ أي: هلاك، يعني: ينزل وباء في ليلة من ليالي السنة، ويقع في آنية مكشوفة الرأس، أو سِقاء مفتوح، فمن شَرِبَ من ذلك الطعام أو الشراب يَهْلَك. و (الوِكاء): ما يُشد به رأس السِّقاء. * * * ٣٣١٣ - وعن جابرٍ ﵁ قال: جاءَ أبو حُمَيْدٍ - رجلٌ مِنَ الأنصارِ - مِنْ النَّقيعِ بإناءٍ منْ لبن إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ألا خَمَّرْتَهُ ولوْ أنْ تَعْرُضَ عليهِ عودًا". قوله: "من النقيع"، (البقيع) - بالباء -: اسم مقبرة، وبالنون: اسم روضة حَمَاها رسولُ الله ﷺ ، كلاهما بالمدينة، وفي هذا الحديث (من النقيع) بالنون، ومَنْ قال الباء فقد صَحَّف؛ أي: قرأ تصحيفًا. * * * ٣٣١٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ هذه النَّارَ إنَّما هيَ عَدوٌّ لكُمْ، فإذا نِمتُمْ فأطْفِئوها عنكُمْ". قوله: "إن هذه النار إنما هي عدوٌّ لكم"؛ يعني النار تحرِق ما تَصِلُ إليه، فإذا نِمْتُم فاخمِدوا النار كيلا تحرِقَ شيئًا لكم.

стр. 2139

روى هذا الحديثَ أبو موسى. * * * مِنَ الحِسَانِ: ٣٣١٦ - عن جابرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا سمعتُمْ نُباحَ الكِلابِ ونهيقَ الحميرِ من اللَّيل فتعوَّذُوا بالله من الشَّيطانِ الرَّجيم، فإنهنَّ يَرَوْنَ ما لا ترَوْنَ، وأقِلُّوا الخُروجَ إذا هدأتِ الأرجُلُ فإنَّ الله يَبُثُّ مِنْ خَلْقِهِ في ليلته ما يشاءُ، وأجِيفُوا الأبوابَ واذكُرُوا اسمَ الله عليه، فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتحُ بابًا أذا أُجِيفَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه، وغطُّوا الجرارَ وأكْفِئوا الآنيةَ وأوْكُوا القِرَبَ". قوله: "فإنهن يَرَين ما لا ترون"؛ يعني: فإنهن يرينَ الشيطانَ فيصوتْنَ فتعوَّذوا من الشيطان الرجيم. قوله: "وأقلوا الخروج أذا هدأت الأرجل"، (هدأت)؛ أي: سَكَنت؛ يعني: إذا دخل الليل، وقَلَّ ترددُ الناس في الطرق والأسواق فأقِلُّوا الخروجَ من بيوتكم. "فإن الله يبُثُّ"؛ أي: يفرِّق من خلقه من الجنِّ والشياطين والحيوان المُضرَّةِ، فلا تخرجوا من بيوتكم كيلا يَصِلَ إليكم منهم ضررٌ. (الجِرار) جمع جَرَّة. * * * ٣٣١٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: جاءتْ فأرةٌ تَجُرُّ الفتيلةَ فألقَتْها بين يَدَيْ رسُولِ الله ﷺ على الخُمْرَةِ التي كانَ قاعِدًا عليها، فأحرقَتْ منها مِثلَ موضعِ

стр. 2140

الدِّرهَمِ، فقال: رسول الله ﷺ "إذا نِمتُمْ فأطفِئُوا سُرُجَكُمْ فإنَّ الشَّيطانَ يدُلُّ مِثلَ هذِهِ على هذا فتحرقَكُم". قوله: "على الخُمْرة"؛ أي: على السَّجَّادة. ° ° °

стр. 2141

المفاتيح في شرح المصابيح تأليف العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الخامس]

стр. 2142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2143

المَفَاتِيْحُ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ [٥]

стр. 2144

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

стр. 2145

٢٠ - كِتَابُ اللِّبَاسِ

стр. 2146

[٢٠] كِتَابُ اللِّبَاسِ (كتاب اللباس) ١ - باب مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٣١٨ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ أحبُّ الثِّيابِ إلى النَّبيِّ ﷺ أنْ يَلْبَسَها الحِبَرة. قوله: "الحبرة": المُخَطَّط من بُرد اليَمن. * * * ٣٣١٩ - وقالت عائشةُ ﵂: خرجَ النبيُّ ﷺ ذاتَ غَداةٍ وعليهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِن شعرٍ أَسودَ. قوله: "وعليه مِرط مُرَحَّل"، (المِرط): إزار طويل واسع يُتَّزر به، ويُلقى بعضُه على الكتفين، (المُرَحَّل): ما عليه صورٌ كصور الرَّحْل. * * * ٣٣٢١ - عن أبي بُرْدةَ قال: أخرجَتْ إلينا عائِشَةُ كِساءً مُلَبَّدًا وإزارًا غليظًا

стр. 2147

فقالت: قُبضَ روحُ رسولِ الله ﷺ في هذيْنِ. قوله: "كساء مُلبَّدًّا"؛ أي: مرقَّعًا، يقال للرقعة التي تخاط على صدر القميص: لِبْدَة، والرقعة التي تخاط على ظهر القميص: قَب وقَبيبة. * * * ٣٣٢٤ - وقالت عائشةُ: بينا نحنُ جُلوسٌ في بيتِنا في حَرِّ الظَّهيرةِ قالَ: قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسولُ الله ﷺ مُقْبلًا مُتَقَنِّعًا. قوله: "هذا رسول الله مُقبلًا متقنِّعًا"، (مقبلًا متقنعًا) منصوبان على الحال؛ يعني: قال قائل: قد جاء رسول الله في حال كونه مُقبلًا إلينا متقنِّعًا. (المتقنِّع): الذي ألقى على رأسه إزارًا لدفع الحَرِّ أو البرد. * * * ٣٣٢٥ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ لهُ: فِراشٌ للرَّجلِ، وفِراشٌ لامرأتهِ، والثالثُ للضَّيفِ، والرابعُ لِلشَّيطانِ. قوله: "الرابع للشيطان"؛ يعني: ما زاد على قدر الحاجة إسراف، والإسرافُ من فعل الشيطان. * * * ٣٣٢٦ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا ينظرُ الله يومَ القيامةِ إلى مَن جرَّ إزارَه بَطَرًا". قوله: "من جَرَّ إزارَه"؛ أي: من كان ذَيلُه أو إزاره طويلًا بحيث يجرُّه على الأرض من البَطَر وهو التكبُّر والتبخْتُر. * * *

стр. 2148

٣٣٢٨ - وقال: "بينَما رَجُلٌ يجرُّ إزارَه مِن الخُيَلاءِ، خُسِفَ بهِ فهو يَتجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يومِ القيامةِ". قوله: "خُسِفَ به"؛ أي: أدخل فيه. "يتجَلْجَلُ"؛ أي: يدخل في الأرض. روى هذا الحديثَ ابن عمر. * * * ٣٣٢٩ - وقال: "ما أسفلَ مِن الكعبينِ مِن الإزارِ في النَّارِ". قوله: "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار"؛ يعني: يجوز تطويلُ الذَّيلِ إلى الكعبين، فما أسفل من الكعبين فهو موجِبٌ لإدخال صاحبه النار. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٣٣٠ - وعن جابرٍ ﵁ قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يأكلَ الرَّجلُ بشِمالهِ، أو يمشيَ في نعلٍ واحدةٍ، وأنْ يشتملَ الصَّمَّاءَ أو يحتبيَ في ثوبٍ واحدٍ كاشِفًا عن فَرْجهِ. قوله: "أو يمشي في نعل واحدة"، سبب النهي عن المشي في نعل واحدة وجوه: أحدها: أن الرَّجُل إذا كانت إحدى رجليه حافيةً فتخرج تلك القدم فيعتمد على القدم المُتنعِّلة فيعسُر عليه المشيُ. الثاني: أنه إذا اعتمد على القدم المتنعلة تظهر قدمُه الحافية في نظر الناس كأنه أقصر من رجله المتنعلة، فيعِيبُه الناسُ وينسبونه إلى العَرَج، فيكون

стр. 2149

تغييرًا لخَلْقِ الله. الثالث: أن الناس ينسبونه إلى السَّفَه وقلَّة العقل؛ لأن هذا الفعل ليس من فعل العقلاء، وقد ذُكر شرح اشتمال الصَّمَّاء والاحتباء في (باب النهي عنها من البيوع). * * * ٣٣٣١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن لبسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخرةِ". قوله: "من لَبسَ الحريرَ في الدنيا لم يَلْبَسْه في الآخرة"، تأويله: من لبس الحرير في الدنيا معتقدًا تحليلَه فهو كافر فلم يدخلِ الجنة، فإذا لم يدخل الجنة لم يلبسْ من حريرها، وإن لبسَ الحرير في الدنيا معتقدًا تحريمَه فتأويلُ الحديث في حقه: أنه لا يدخل الجنة حتى يُطَهَّر من الذنوب؛ إما بالتوبة، أو بأن يعفو الله تعالى عنه بفضله، أو بأن يعذِّبه بقدْر ذنوبه ثم يدخل الجنة ويلبس الحرير. روى هذا الحديثَ ابن الزبير. * * * ٣٣٣٢ - وقال: "إنَّما يلبسُ الحريرَ في الدُّنيا مَن لا خَلاقَ لهُ في الآخرةِ". قوله: "من لا خلاق له"؛ أي: من لا نَصيبَ له، وتأويل هذا الحديث ما ذُكر. روى هذا الحديثَ عمر. * * *

стр. 2150

٣٣٣٤ - وقال عليُّ ﵁: أُهْدِيَتْ لرسولِ الله ﷺ حُلَّةُ سِيَراءَ فبعثَ بها إليَّ فلَبستُها، فعرفْتُ الغضبَ في وجههِ، فقالَ: "إنِّي لم أبعثْ بها إليكَ لِتَلبَسَها، إنما بعثتُ بها إليكَ لتُشَقِّقَها خُمُرًا بينَ النساءِ". قوله: "حُلَّة سِيَراء"؛ أي: ثوب مُخَطَّط، ووجهُ تحريمِها على الرجال: أنها كانت من إِبْرِيْسَم، أو كان أكثرُها إبرِيسَمًا. قوله: "لتشقِّقها خُمُرًا"، (الخُمُر): جمع خمار وهي المُقَنَّعة؛ يعني: لتقطعْها قطعة، وكلُّ قطعة قدر خِمار، وتعطي كلَّ امرأة واحدةً منها. * * * ٣٣٣٦ - ورُوِيَ عن عمرَ: أنَّه خطبَ بالجابيَةِ فقال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن لُبْسِ الحريرِ إلا في موضعِ إصْبَعَينِ، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ. قوله: "خطبَ بالجَابية"؛ أي: وعظ الناس بالجابية وهي اسمُ بلدٍ بالشام. قوله: "إلا موضعَ إصبعَينِ، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ"؛ يعني: يجوز أن يجعل قدر أربع أصابع مضمومة من الحرير علمًا أو فَراويز لثوب، وإنما قلنا: قدر أربع أصابع مضمومة من الحرير لا مُفَرَّجة؛ لأن ابن عمر ﵄ روى في هذا الحديث المتقدم: أن رسول الله ﷺ رفع إصبعيه وضَمَّهما. * * * ٣٣٣٧ - وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ: أنها أخرجَتْ جُبَّةَ طَيالِسَةٍ كِسْرَوانِيَّةٍ لها لِبنةُ ديباجٍ، وفرجَيْها مكفوفَيْنِ بالدِّيباجِ، وقالت: هذه جُبَّةُ رسولُ الله ﷺ ، كانَتْ عندَ عائشةَ ﵂، فلمَّا قُبضَتْ، قَبَضْتُها، وكانَ رسولُ الله ﷺ يلبَسُها، فنحنُ نغسِلُها للمَرْضَى نستَشْفي بها".

стр. 2151

قوله: "جُبَّة طَيالِسة"؛ أي: رَثَّة وهي الخَلَق. "فَرْجاها"؛ أي: شِقَّاها. "مكفوفان"؛ أي: مَخِيطان بالحرير؛ يعني: خِيط على طرف كلِّ شق قطعة ثوبِ حرير من الأعلى إلى الأسفل. * * * ٣٣٣٨ - عن أنسٍ ﵁ قال: رَخَّصَ رسولُ الله ﷺ للزُّبيرِ وعبدِ الرحمنِ ابن عوفٍ في لُبْسِ الحريرِ لحِكَّةٍ بهما. ورُوِيَ: أنهما شَكَوَا القَمْلَ فرخَّصَ لهما في قُمُصِ الحريرِ. قوله: "فرخص لهما في قمص الحرير"، (القُمُص): جمع قميص؛ يعني: يجوز لبس الحرير إذا دعت ضرورة إلى لبسه؛ كالحرِّ والبرد المُهْلِكَين، وكما إذا فاجأته الحربُ ولم يجدْ غيره، أو دعت إليه حاجةٌ بأن كان به جَرَبٌ أو حِكَّة، أو لَبسه لدفع القَمْل. * * * ٣٣٣٩ - عن عبدِ الله بن عمرِو بن العاصِ ﵁: أنَّه قال: رَأَى رسولُ الله ﷺ عليَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فقال: "إنَّ هذه مِن ثيابِ الكُفَّارِ فلا تلبسهما". وفي روايةٍ: "قلتُ: أَغسِلُهما؟ قال: "أَحرِقْهما". قوله: "رأى رسولُ الله ﷺ عليَّ ثوبينِ مُعَصْفَرينِ فقال: إنَّ هذه مِنْ ثيابِ الكُفَّار"، (المُعصفر): المصبوغ بالعُصْفر وهو شيء أحمر يقال له بالفارسي: خسك، كَرِهَ رسولُ الله ﷺ الثوبَ الذي جميعه (١) أحمر للرجال؛ لأن لبسه تشبيهٌ

стр. 2152

للرجال بالنساء، وقيل: النهي مختصٌّ بالمعصفر دون المصبوغ بحُمرة أخرى؛ لأن للمعصفر رائحةً لا تليق بالرجال، ويجوز المصبوغ بالحُمرة من المعصفر وغيره للنساء. قوله: "إن هذا من ثياب الكفار"؛ يعني: الكفار هم الذين لا يميزون الرجال من النساء في اللبس بخلاف المسلمين، فإن الرجالَ لا يلبسون ثياب النساء. قوله: "أحرقهما"، هذا مبالغة للزَّجر، وقد جاء في الصِّحاح برواية أخرى: أن عبد الله بن عمرو لمَّا عرف الكراهة في وجه النبيِّ ﷺ بلبسه الثياب المعصفر ألقى ذلك الثوبَ في تِنَّور وأحرقَه، فلما أتى إلى النبيَّ ﷺ قال النبي ﷺ : "ما فعلتَ بثوبك؟ " فقال: أحرقتُه، فقال النبيُّ ﷺ : "أفلا كَسَوتَها بعضَ أهلِك، فإنه لا بأسَ بها للنساء". * * * مِنَ الحِسَان: ٣٣٤٠ - عن أمِّ سَلَمةَ ﵂: أنَّها قالت: كانَ أحبُّ الثِّيابِ إلى رسولِ الله ﷺ القميصَ. فقولها: "كان أحبُّ الثيابِ إلى رسول الله ﷺ القميصَ"، (الثياب) جمع ثوب، وهو اسم لما يَسْتُر به الرجلُ نفسَه مَخِيطًا كان أو غيرَ مَخِيط. و (القميص): اسم لما يلبسه الرجل من المَخِيط الذي له كُمَّان وجَيب. * * * ٣٣٤١ - عن أسماءَ بنتِ يزيدَ ﵂ قالت: كانَ كُمُّ قميصِ رسولِ الله ﷺ إلى الرُّسْغِ. غريب.

стр. 2153

قولها: "إلى الرُّسْغ"؛ أي: إلى الكُوع. * * * ٣٣٤٢ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا لبسَ قميصًا بدأَ بميامِنِهِ. قوله: "بدأ بميامنه"؛ أي: أخرج يدَه اليمنى في الكُمِّ قبل اليسرى، وكذلك في السَّراويل. * * * ٣٣٤٣ - وعن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصافِ ساقَيْهِ، لا جُناحَ عليهِ فيما بينَهُ وبينَ الكعبينِ، ما أسفلَ مِن ذلكَ ففي النارِ"، قال ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، "ولا ينظرُ الله يوم القيامةِ إلى مَن جَرَّ إزارَهُ بَطَرًا". قوله: "إزرة المؤمن"، (الأُزرة): الإزار، (الأنصاف) جمع نِصْف. * * * ٣٣٤٥ - عن أبي كبشةَ ﵁ قال: "كانَ كِمامُ أصحابِ رسولِ الله ﷺ بُطْحًا". قوله: "كانت كمَامُ أصحابِ رسولِ الله ﷺ بُطْحًا"، (الكِمام) جمع كُمَّة وهي القَلَنْسُوة. (البطح): جمع أبطح وبَطْحاء، والأبطح: المُنْبسط، وقَلَنْسُوة بطحاء: التي تُلْصق على الرأسِ غير مرتفعةٍ عن الرأس. * * *

стр. 2154

٣٣٤٦ - عن أمِّ سلمَةَ قالت لرسولِ الله ﷺ حينَ ذَكَرَ الإِزارَ: فالمرأةُ يا رسولَ الله؟ قال: "تُرْخي شِبْرًا"، فقالت: إذًا ينكشفُ عنها - ويُروَى: تنكشفُ أقدامُهنَّ - قال: "فذراعًا، لا تَزيدُ عليهِ". قوله: "تُرخِي شِبْرًا"؛ أي: تُسْبل ذيلَها أو إزارها قَدْرَ شِبْر؛ يعني: يجوز للنساء إطالةُ أذيالهن بحيثَ يَصِلُ قدرُ ذراعٍ من أذيالهنَّ إلى الأرض لتكون أقدامُهنَّ مستورةً. * * * ٣٣٤٧ - عن معاويةَ بن قُرَّةَ، عن أبيه قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ في رَهْطٍ مِن مُزَيْنَةَ، فبايعوهُ وإنه لَمُطْلَقُ الإِزارِ، فأدخلتُ يدَيَّ في جيبِ قميصِهِ، فمَسَسْتُ الخاتمَ. قوله: "وإنه لَمُطْلَقُ الإزار"، (المطلق): المفتوح، و (الإزار) هنا بمعنى: القميص؛ يعني: كان قميصُه مفتوحًا واسعًا، ولم يكن مشدودَ الأزرار- الأزرار: جمع زِر: وهو ما تَعلَّق بالعُروة، والعُرْوة: حِلَق الجَيب، وكان عادة العرب أن تكون جُيوبُهم واسعةً فربما يشدُّونه وربما يتركونه مفتوحًا -. * * * ٣٣٤٨ - عن سَمُرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اِلبَسُوا الثيابَ البيضَ، فإنها أَطْهرُ وأطيبُ، وكفِّنوا فيها مَوْتاكم". قوله: "البسُوا الثيابَ البيضَ فإنَّها أطهرُ وأطيبُ"، إنما قال: (أطهر)؛ لأنه لم تصل إليه يدُ الصِّبَاغ، فإن الصِّبغ قد يكون نجسًا بتلطُّخه وملاقاته شيئًا نجسًا، فإن الثياب الكثيرة إذا أُلقيت في ظَرف الصِّبغ يمكن أن يكون بين تلك

стр. 2155

الثياب ثوبٌ نجس فينجُسُ الصِّبغ، فالاحتياط أن لا يصبغ الثوب، ولأن المصبوغ إذا وقعت عليه نجاسة لا تظهر مثل ظهورها إذا وقعت في ثوب أبيض، فإذا كانت النجاسة أظهرَ في ثوب الأبيض يغسِلُه صاحبه فقد عُلِمَ أن الثوبَ الأبيض أطهرُ من غيره. قوله: "وأطيب"؛ أي: أحسن؛ لأن الثوب الأبيض بقي على اللون الذي خلقه الله عليه، وتركُ تغييرِ خلق الله أحسن وأحبُّ، إلا إذا جاء نصٌّ باستحباب تغييره كخِضاب المرأة يدَها بالحِنَّاء وخِضاب الشَّعر. * * * ٣٣٤٩ - عن ابن عمرَ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا اعْتَمَّ سَدَلَ عمامَتَهُ بينَ كتفيْهِ. غريب. قوله: "سَدَلَ عِمامَته"؛ أي: أسبلَ جُزْءَ عِمامته خلفَ ظهره. * * * ٣٣٥٠ - وعن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ ﵁: أنه قال: عمَّمَني رسولُ الله ﷺ فسدَلَها بينَ يديَّ ومِن خلفي". قوله: "فَسدَلها"؛ أي فأسبلَ لعِمَامتي جزأين؛ أحدَهما خلفَ ظهري، والآخرَ على صدري. * * * ٣٣٥١ - وعن رُكانةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "فَرْقُ ما بَينَنا وبينَ المُشركينَ، العَمائمُ على القَلانِسِ"، صحيح. قوله: "فَرْقُ ما بينَنا وبينَ المشركين العمائمُ على القَلانس"؛ يعني: كان

стр. 2156

المشركون يعمِّمون على رؤوسهم من غير أن يكون تحت العمامة قَلَنْسُوة، ونحن نعمِّمُ على القَلَنْسُوة. * * * ٣٣٥٢ - عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ للإِناثِ مِن أمَّتي، وحُرِّمَ عن ذكورِها"، صحيح. قوله: "أُحِلَّ الذهبُ والحريرُ للإناث من أمَّتي، وحُرِّم على ذكورها"، أراد بتحليل الذهب والفضة على النساء الحلي دون الأواني، فإنَّ الأواني من الذهب والفضة حرامٌ على الإناث كالذُّكور. * * * ٣٣٥٣ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا استَجَدَّ ثوبًا سمَّاهُ باسمهِ، عمامةً، أو قميصًا، أو رداءً"، ثم يقولُ: "اللهمَّ لكَ الحمدُ كما كَسَوْتَنِيهِ، أسألُكَ خيرَه وخيرَ ما صُنِعَ لهُ، وأعوذُ بكَ مِن شرِّه وشرِّ ما صُنِعَ لهُ". قوله: "استَجَدَّ"؛ أي: إذا لبس ثوبًا جديدًا سمَّاه باسمه؛ مثل أن يقول: رزقني الله هذه العمامةَ، أو هذا القميصَ، أو يقول: كَساني الله هذه العمامةَ، وما أشبه ذلك، ثم يدعو، ويحتمل أن يسمِّي ذلك الثوب عند قوله: (كما كسوتني) بأن يقول: اللهمَّ لك الحمدُ كما كسوتني هذا الثوبَ أو هذه العمامةَ وغيرهما. * * * ٣٣٥٥ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا عائشةُ! إنْ أردتِ اللُّحوقَ بي فليكفِكِ مِن الدُّنيا كزادِ الرَّاكبِ، وإيَّاكِ

стр. 2157

ومجالسةَ الأغنياءِ، ولا تستخلقي ثوبًا حتَّى ترقعيهِ"، غريب. قوله: "ولا تَسْتَخْلِقي ثوبًا"؛ أي: ولا تتركي ثوبًا ولا تُلقيه حتَّى تَخِيطي عليه رُقْعة، ثم تَلبسيه مرةً أخرى، أراد ﷺ بهذا الحديث: تحريضَ عائشةَ على ترك الدنيا واختيارِ القَناعة. * * * ٣٣٥٦ - وقال: "إنَّ البَذاذَةَ مِن الإيمانِ". قوله: "إن البَذَاذةَ من الإيمان"، (البذاذة): خُلُوقة الثوب؛ يعني: ترك الزينة واختيار الفقر بلبس الخَلَقِ من الثياب من كمال الإيمان. روى هذا الحديثَ إياس بن ثعلبة. * * * ٣٣٥٧ - وقال: "مَن لبسَ ثوبَ شُهْرةٍ في الدُّنيا، ألبسَهُ الله ثوبَ مَذَلَّةٍ يومَ القيامةِ". قوله: "مَنْ لَبسَ ثوبَ شُهْرة"؛ يعني: من لبس ثوبًا مُزيَّنًا للتفاخر والتكبُّر ألبسه الله ثوبَ مَذَلَّة يوم القيامة. * * * ٣٣٥٨ - عن ابن عمرَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن تَشبَّهَ بقومٍ فهو منهم". قوله: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم"؛ يعني: من شَبَّه نفسَه بالكفار في اللباس وغيره من المحرَّمات، فإن اعتقد تحليلَه فهو كافر، وإن اعتقد تحريمَه فقد أَثِمَ،

стр. 2158

وكذلك من شَبَّه نفسه بالفُسَّاق، ومن شبَّه نفسَه بالنساء في اللباس وغيره فقد أَثِم. * * * ٣٣٥٩ - وقال: "مَن تركَ لُبْسَ ثوبِ جَمالٍ وهو يقدرُ عليهِ - ويُروَى: تَواضعًا - كساهُ الله حُلَّةَ الكرامةِ". وقال: "مَن زَوَّجَ للهِ توَّجَهُ الله تاجَ الملكِ". قوله: "كسَاه الله حُلَّة الكَرامة"؛ يعني: من ترك ثوبَ زينة مع القدرة عليه أكرمه الله وألبسَه من ثياب الجنة. روى هذا الحديث معاذ بن أنس. * * * ٣٣٦٠ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله يُحِبُّ أن يَرى أثرَ نِعمَتِهِ على عبدِه". قوله: "أن يرى أثرَ نعمتِه على عَبْدِه"؛ يعني: إذا آتى الله عبدًا من عباده نعمةً من نِعَم الدنيا فليُظْهِرْها من نفسه بلبس لباسٍ يليق بحاله إذا لم يكن ذلك اللباسُ محرَّمًا، ولتكنْ نيتُه في لبس ذلك اللباس إظهارَ نِعَمِ الله ليقصِدَه المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات، ولا يجوز أن يكتُم نِعَمَ الله بحيث لا يعرفُه المحتاجون، ولا يَصِلُ منه خيرٌ إلى الناس، وكذلك العلماء لِيُظْهروا علمَهم ليعرفَهم الناسُ ليستفيدوا من علمهم. * * * ٣٣٦١ - عن جابرٍ ﵁ قال: أتانا رسولُ الله ﷺ زائِرًا، فرأَى رجلًا شَعِثًا قد تفرَّقَ شَعرُهُ فقال: "أَما كانَ يجدُ هذا ما يُسَكِّنُ بهِ رأسَهُ"، ورأَى رَجُلًا عليهِ ثيابٌ وَسِخةٌ فقال: "أَما كانَ يجدُ هذا ما يغسلُ بهِ ثوبَهُ".

стр. 2159

قوله: "رأى رجلًا شَعِثًا"؛ أي: متفرقَ شعرِ الرأس، أراد بهذا الحديث: أنه لا ينبغي للرجل أن يشبه نفسَه بالحيوان غيرِ الآدمي، بل ليتطَهَّر وليتطيَّب وليتزيَّن، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىَ آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِرينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. * * * ٣٣٦٢ - عن أبي الأَحْوَصِ الجُشَميِّ ﵁، عن أبيهِ قال: رآني النبيُّ ﷺ وعليَّ أَطمارٌ فقال: "هل لكَ مِنْ مالٍ؟ " قلتُ: نعم، قال: "مِن أيِّ المالِ؟ " قلتُ: مِن كلٍّ قد آتاني الله، مِن الشَّاءِ والإِبلِ، قال: "إذا آتاكَ الله مالًا فلتُرَ أثرُ نعمةِ الله وكرامتِهِ عليكَ". قوله: "وعليَّ أَطْمار"، الواو للحال، (أطمار): جمع طُمر، وهو الثوب الخَلَق. "فلتر نعمة الله وكرامته عليك"؛ يعني: البس ثوبًا يليق بحالك ليعرف الناس أنك غني، وأن الله قد أنعم عليك بأنواع النعم. * * * ٣٣٦٣ - وعن عبدِ الله بن عَمرٍو ﵁ قال: مَرَّ رجلٌ وعليهِ ثَوْبانِ أحمرانِ، فسلَّم على النبيِّ ﷺ فلَمْ يَرُدَّ عليهِ. قوله: "مرَّ رجلٌ وعليه ثوبانِ أحمرانِ فسلَّم على النبيِّ ﷺ فلم يَرُدَّ عليه"، هذا الحديث يدل على أن مَنْ كان مشغولًا بمَنْهيٍّ في وقت تسليمه لا يستحقُّ جوابَ السلام، ويستحب أن يقول المُسلَّم عليه: إنما لم أردَّ عليك السلامَ لأنكَ مشغولٌ بالمنهي. * * *

стр. 2160

٣٣٦٤ - عن عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁: أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "لا أركبُ الأُرْجُوانَ، ولا أَلبَسُ المُعَصْفَر، ولا أَلبسُ القميصَ المكفَّفَ بالحريرِ"، وقال: "ألا وَطِيبُ الرِّجالِ ريحٌ لا لونَ لهُ، وطيبُ النِّساءِ لونٌ لا ريحَ لهُ". قوله: "لا أركبُ الأرْجُوان"، (الأرجوان): ورد أحمر؛ يعني: لا أجلس على ثوب أحمر، ولا أركب دابة على سَرْجِها مِيثرة حمراء، والمِيثرة: وسادة صغيرة توضع في السَّرج. قوله: "ولا ألبسُ القميصَ المكُفَّفَ بالحرير"، هذا الحديث يناقض حديث أسماء بنت أبي بكر فإنها أخرجت جُبَّة طَيالِسَة كِسْرَوانيَّة فَرْجَاها مَكْفُوفان بالدِّيباج، وتأويل هذا الحديث: أن ما كُفِّف بالحرير من الثوب أكثر من قَدْرِ ما رُخِّص وهو قدر أربع أصابع، أو يُتأول هذا الحديث على الوَرَع وذلك الحديث على الرُّخصة. قوله: "وطِيبُ الرجالِ ريحٌ لا لونَ له، وطِيبُ النساءِ لونٌ لا ريحَ له"، (الطِّيب): اسمٌ لِمَا يَجِدُ الرجلُ منه تلذُّذًا؛ إما بالفَمِ كالأطعمة اللذيذة، أو بالعين كالألوان المُسْتَمْلَحة، أو بالأنف كالرائحة الطَّيبة؛ يعني: ليكن طيبُ الرجال رائحةً دون اللون كرائحة ماء الورد والعود وغيرها من الروائح الطيبة، وليكن طيبُ النساء لونًا دون رائحة كخِضاب اليد والرِّجل بالحِنَّاء، ولا يجوز لهنَّ التطيُّبُ بما له رائحة طيبة عند الخروج من بيوتهنَّ إلى صلاة أو عبادة أو غيرها، فيجوز لهنَّ التطيبُ عند أزواجهنَّ إذا لم يخرجْنَ من بيوتهنَّ. روى هذا الحديثَ عِمْران بن حُصَين. * * * ٣٣٦٥ - وعن أبي ريحانةَ ﵁ قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن عشرٍ: عن

стр. 2161

الوَشْرِ، والوَشْمِ، والنَّتْفِ، وعن مُكامَعةِ الرَّجُلِ الرَّجلَ بغيرِ شِعارٍ، ومُكامعةِ المَرأةِ المَرأةَ بغيرِ شِعارٍ، وأنْ يَجعَلَ الرَّجلُ في أسفلِ ثيابهِ حريرًا مثلَ الأعاجِمِ، أو يَجعلَ على مَنْكِبَيْهِ حريرًا مثلَ الأعاجمِ، وعن النُّهْبَى، ورُكوبِ النُّمورِ، ولُبوسِ الخاتم إلا لِذِي سُلطانٍ. قوله: "عن الوَشْر": وهو ترقيق السِّنان بحَديدة. و (الوشم): وهو أن يَغْرِز إبرة على ظهر الكف أو غيره ويجعل فيه شيئًا ليبقى نقشُه. و (النتف) أراد بهذا النتفِ نتفَ الشعر من الوجه كعادة النساء، ونتف الشعر الأبيض من اللحية كيلا يظن الرجل أنه صار أشيب، ونتف الشعر عند المصيبة من الرأس. "ومُكامَعة الرجلِ الرجلَ بغير شِعَار"، (المكامعة): المضاجعة، الشعار: اللباس؛ يعني: لا يجوز أن يضطجع رجل عند رجل عارِيَين، وكذلك المرأتان. "وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا"؛ يعني: لبس الحرير حرام على الرجال سواء كان تحت الثياب أو فوقها، وعادةُ جُهَّال العَجَم أن يلبسوا تحت الثياب ثوبًا قصيرًا من الحرير لتَلْيين أعضاءهم. "أو يجعل على منكبه حريرًا مثل الأعاجم"؛ يعني: نهى أن يجعل الرجل علم حرير على قميصه، وتأويل هذا النهي: أنه يكون أكثر من قدر ما رُخِّص فيه كما ذكر قبل هذا. "وعن النُهبى"؛ يعني: عن إغارة أموال المسلمين. وعن "ركوب النمور"، (النمور): جمع نمر؛ يعني: عن الجلوس على جلد النمر، ووجه النهي: أنه نجس إن لم يكن مدبوغًا، وإن كان مدبوغًا فطاهر، إلا أن الجلوس عليه رُعُونة وتكبر.

стр. 2162

"ولبس الخاتم إلا لذي سلطان"؛ يعني: لا يجوز لبس الخاتم من الفضة إلا لسلطان فإنه يحتاج إليه لختم الكتاب وغيره، وهذا النهي منسوخٌ، بل يجوز لجميع الرجال التختُّمُ بالفضة، كما يأتي في بابه. * * * ٣٣٦٦ - عن عليٍّ ﵁ قال: نهاني رسولُ الله ﷺ عن خاتمِ الذَّهَبِ، وعن لُبْسِ القَسِّيِّ والمياثِر". وفي روايةٍ: عن مَياثِر الأُرْجُوان. قوله: "وعن لُبْسِ القَسِّيِّ"، (القسي): ثوب من حرير. قوله: "المياثر" جمع مِيْثَرة، وهي وسادة صغيرة توضع في السَّرج، وإنما سمِّيت مِيثرة لوَثَارتها كما ذُكر. * * * ٣٣٦٧ - وعن معاويةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَركبُوا الخَزَّ ولا النِّمارَ". قوله: "لا تركبوا الخَزَّ"، (الخز): ثوب من إِبْرِيْسَم وصُوف، وقد يُستعمل في الثوب من الإبريسَم والقُطْن والكَتَّان، والمراد به ها هنا: الثوب الَّذي كلُّه من إبريسَم، أو أكثرُه من إبريسَم. و"النمار": جمع نمر، وقد ذُكر. * * * ٣٣٦٩ - عن أبي رِمْثَةَ التَّيمِيِّ ﵁ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وعليهِ ثَوْبانِ أخضرانِ، ولهُ شعرٌ قد علاهُ الشَّيبُ وشَيبُهُ أحمرُ.

стр. 2163

وفي روايةٍ: وهو ذو وَفْرَةٍ، وبها رَدْعٌ من حِنَّاءٍ. قوله: "قد علاه الشَّيبُ"؛ أي: صار أشيبَ وشيبُه أحمر؛ يعني: كان قد خَضَّب شعره الأبيض بالحِنَّاء. "ذو وَفْرة"، (الوفرة): شعر الرأس الذي وصل إلى شَحْمة الأذن. "وبها"؛ أي: وبالوفرة "رَدْغ"؛ أي: أَثَرٌ من الحِنَّاء. * * * ٣٣٧٠ - وعن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ شاكِيًا، فخرج يَتَوكَّأُ على أسامةَ، وعليهِ ثوبٌ قِطْريٌّ قد تَوَشَّحَ به، فصَلَّى بهم. قوله: "كانَ شَاكيًا"؛ أي: مريضًا. "يتوكأ"؛ أي: يتكأ. "ثوب قطر"، (القطر) - بفتح القاف وكسرها -: نوع من البُرود فيه حُمرة، القطر موضع بين عمان وسَيف البحر، وسيف الساحل: القِطر؛ أي: من الثوب المنسوب إليه. "توشَّحَ به"؛ أي ألقى ذلك الثوبَ على عاتقيه؛ لأنه كان شِبْهَ رداء. * * * ٣٣٧١ - عن عائشةَ ﵂ قالت: كانَ على النبيِّ ﷺ ثوبانِ قِطْرِيَّانِ غَليظانِ، فكانَ إذا قعدَ فعرِقَ ثَقُلا عليهِ، فقدِمَ بَزٌّ مِن الشَّامِ لفلانٍ اليهوديِّ، فقلتُ: لو بعثتَ إليه فاشتريتَ منهُ ثَوْبينِ إلى المَيْسَرَةِ، فأَرسلَ إليه فقالَ: قد علمتُ ما يريدُ، إنما يريدُ أنْ يذهبَ بمالي، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "كذبَ؟ قد علمَ أنِّي من أتقاهُم وآدَاهُمْ للأَمانةِ".

стр. 2164

قولها: "قَدِمَ بَزٌّ من الشام"، (البز): الثوب؛ يعني: أتى تاجرٌ بثوب من الشام. قولها: "لو بعثتَ إليه فاشتريتَ منه ثوبينِ إلى المَيْسرة"، (الميسرة)؛ أي: الغِنَى، جواب (لو) محذوف؛ يعني: لو أرسلت إلى ذلك اليهودي واشتريتَ ثوبين بثمن مؤجَّل إلى أن يحصل لك شيء من المال لَكانَ حسنًا حتى لا يتأذى بهذين الثوبين القِطْريين، وكان القِطْريان من الصُّوف، وهذا البَزُّ كان من القُطْن، فاستحسنت عائشةُ هذا البَزَّ لرسول الله ﷺ دون القِطْر. قوله: "قد علمتُ ما يريدُ"؛ يعني: قال ذلك اليهوديُّ لرسولِ الله ﷺ : علمتُ ما تريد، إنما تريد أن تأخذ مني الثوبَ ولا تؤدي ثمنه إليَّ. قوله: "قد عَلِمَ"؛ يعني: علم ذلك اليهوديُّ أنِّي أتقى الناسِ وأحسنِهم وفاءً بالعهد والأمانة؛ لأنه قد قرأ في التوراة صفتي، ولكن إنما يقول: (يريد أن يذهبَ بمالي) مِنَ الحسد. * * * ٣٣٧٢ - عن عبدِ الله بن عمرِو بن العاصِ ﵁ قال: "رآني رسولُ الله ﷺ وعليَّ ثوبٌ مَصْبوغٌ بعُصْفُرٍ مُوَرَّدًا فقال: "ما هذا؟ " فعَرَفْتُ ما كرِهَ، فانطلقتُ فأحرقْتُه، فقالَ النبيُّ ﷺ : "ما صنعتَ بثوبكَ؟ " فقلتُ: أحرقتُه، قال: "أَفَلَا كَسَوْتَهُ بعضَ أهلِكَ، فإنه لا بأسَ بهِ للنِّساءِ". قوله: "مُوَرَّدًا"؛ أي: أحمر كلون الورد. * * * ٣٣٧٣ - عن هلالِ بن عامرٍ ﵁، عن أبيه قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ بمِنَى يخطُبُ على بغلةٍ وعليهِ بُرْدٌ أحمرُ وعليٌّ يُعَبرُ عنه.

стр. 2165

قوله: "وعليه بُرْدٌ أحمر"، تأويل هذا: أن ذلك البُرد لم يكن أحمر كلَّه، بل كان عليه خُطوط حُمْر. قوله: "وعليٌّ يعبرُ عنه"؛ يعني: علي بن أبي طالب ﵁ كان قائمًا يفسِّر ويُوصل كلامَ النبيِّ ﷺ إلى الناس؛ لأنه من كَثْرةِ الخَلْق لا يَصِلُ صوتُ النبيِّ ﷺ إلى جميعهم. * * * ٣٣٧٤ - عن عائشةَ ﵂ قالت: صُنِعَتْ للنبيِّ ﷺ بُرْدَةٌ سوداءُ فلَبسَها، فلمَّا عَرِقَ فيها وجدَ ريحَ الصُّوفِ فقَذَفَها. قولها: "فقذفها"؛ أي: ألقاها. * * * ٣٣٧٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: أَتيتُ النبيَّ ﷺ وهو مُحْتَبٍ بشَمْلَةٍ قد وقع هُدْبُهَا على قدمَيْهِ. قوله: "وهو يحتبي". (الاحتباء): أن يجلس الرجل على وَرِكَيه وينصِبَ ركبتيه بحيث يكون بَطْنا قدميه موضوعَين على الأرض. قوله: "ويحتبي بشَمْلَة"، يحتمل أن يكون معناه: كان جالسًا على هيئة الاحتباء، وألقى شملة خلفَ ركبتيه، وأخذ بكلِّ يدٍ طرفًا من تلك الشَّملةِ ليكون كالمتَّكئ على شيء، وهكذا تكون عادةُ العرب إذا لم يتكئوا على شيء أخذوا رُكَبَهم بأيديهم، وألقوا حبلًا أو مِنْطَقة أو غيرهما خلفَ ركبهم، ويشدُّونه خلف ظهرهم. ويحتمل أن يكون معناه: أنه كان جالسًا على هيئة الاحتباء وعليه شملة قد ائتزرَ بها.

стр. 2166

قوله: "قد وقع هدبها على قدميه"، (الهدب): حاشية الإزار، وهذا يدل على أنَّ إطالة الذَّيل والإزارِ أسفل من الكعبين في الجلوس جائزٌ، والمنهي في إطالة الذيل أسفل من الكعبين إنما كان عند المشي والقيامِ دون القعود. * * * ٣٣٧٦ - عن دِحْيَةَ بن خليفةَ ﵁ قال: أُتيَ النبيُّ ﷺ بقَباطيَّ فأعطاني منها قُبطِيَّةً فقال: "اصدَعْها صَدْعَينِ، فاقطعْ أحدَهما قميصًا وأعطِ الآخرَ امرأتَكَ تختمرُ بهِ"، فلما أدبرَ قال: "وأْمُرِ امرأتَكَ أنْ تجعلَ تَحْتَهُ ثوبًا لا يصِفُها". قوله: "بقُبَاطي": هي جمع قُبْطِيَّة وهي الثوب الأبيض المصري. "اصْدَعْها"؛ أي: اقطَعْها. "صَدْعين"؛ أي: قطعتين. قوله: "تختَمِرُ به"؛ أي: تجعله خِمارًا. قوله: "لا يصِفُها"؛ يعني: كان ذلك القُبْطي رقيقًا بحيث يظهر منه لونُ البشرة، فأمرها رسولُ الله ﷺ أن يجعل تحته مقنعة أخرى كيلا يظهر لون شعرها وجسدها، وكان ذلك القُبطي من الكَتَّان ولم يكن من الإِبْرِيْسَم؛ لأنه لو كان من الإبريسَم لم يجوِّزْ لدِحْية أن يلبَسَه. * * * ٣٣٧٧ - عن أمِّ سلَمَةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ عليها وهي تختمِرُ فقال: "لَيَّةٌ لا لَيَّتَيْنِ". قوله: "لَيَّةٌ لا لَيَّتين"؛ أي: أَدِيري خِمَارَك على رأسك دَورة واحدة لا دورتين كيلا يشتبه اختمارك بلَيَّ عمامة الرجال، فإنه لا يجوز للنساء تشبيهُ أنفسهنَّ بالرجال ولا الرجال بالنساء. * * *

стр. 2167

٢ - باب الخاتَمِ (باب الخاتم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٣٧٨ - عن ابن عمرَ ﵁ قال: اتَّخَذَ النبيُّ ﷺ خاتمًا مِن ذَهَبٍ - وفي روايةٍ: وجعلَهُ في يدِه اليُمنَى - ثم أَلْقاهُ، ثم اتَّخذَ خاتَمًا مِن وَرِقٍ نُقِشَ فيهِ: محمدٌ رسولُ الله، وقال: "لا ينقشْ أحدٌ على نقشِ خاتَمي هذا"، وكانَ إذا لَبسَه جعلَ فَصَّهُ مما يلي بطنَ كفِّهِ. قوله: "اتَّخذَ النبيُّ ﷺ خاتمًا من ذهب"، هذا كان قبل تحريم الذهب على الرجال. قوله: "لا ينقُشْ أحدٌ على نقَشِ خاتمي هذا"، (على) هنا بمعنى: المِثْل؛ أي: لا يجوزُ لأحد أن ينقُشَ على خاتمه مثل نقش خاتمي؛ يعني: نقشُ خاتمي: محمدٌ رسول الله، وليس أحدٌ رسول الله بعدي حتى ينقشَ على خاتمه رسولَ الله. * * * ٣٣٨٠ - وعن عبدِ الله بن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهبٍ في يَدِ رجلٍ، فنزعَهُ فطرحَه، فقال: "يَعْمِدُ أحدكم إلى جَمْرٍ من نارٍ فيجعلُه في يدِه". قوله: "يعمِدُ أحدُكم إلى جَمْرٍ من نار"، (يعمِد)؛ أي: يقصد، (الجمر): قطعة خشب محترق قبل أن تَخْبُوَ نارُه؛ يعني: لبس الذهب للرجال سببُ حصولِ نارِ جهنَّمَ لهم. * * *

стр. 2168

٣٣٨١ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ أنْ يكتبَ إلى كِسرَى وقيصرَ والنجاشِيِّ فقيلَ: إنَّهم لا يقبلونَ كتابًا إلا بخاتَمٍ، فصاغَ رسولُ الله ﷺ خاتَمًا حَلْقَةً فضةً، نقشَ فيهِ: "مُحمَّدٌ رسولُ الله". قوله: "صاغَ رسولُ الله ﷺ خَاتَمًا", (صاغ)؛ أي: صنع؛ يعني: أمر رسولُ الله ﷺ بصنعِ خاتَمٍ له. * * * ٣٣٨٥ - وعن عليًّ ﵁ قال: نهاني رسولُ الله ﷺ أنْ أَتَخَتَّمَ في أُصبَعي هذه أو هذه، قال: فأَوْمَأَ إلى الوُسْطَى والتي تليها. قوله: "والتي تليها" أراد بها السَّبَّابة. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٣٨٩ - وعن معاويةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن ركوبِ النُّمورِ، وعن لُبْسِ الذَّهبِ إلا مُقَطَّعًا". قوله: "نهى عن رُكوب النُّمور، وعن لُبْسِ الذهب إلا مُقَطَّعًا"، مَرَّ بحثُ النمور في الباب المتقدم. قوله: "إلا مُقَطَّعًا"، قال الخطابي ﵀: يريد بالمقطَّع: الشيء اليسير؛ نحو شَدِّ سِنًّ وأنف مقطوعة بالذهب، كما يأتي في حديث كُلاب (١). * * *

стр. 2169

٣٣٩٠ - وعن بُرَيدَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ عليهِ خاتمٌ مِن شَبَهٍ: "ما لي أجدُ منكَ ريح الأصنامِ؟ " فطرحَهُ ثم جاءَ وعليهِ خاتمٌ مِن حديدٍ، فقالَ: "ما لي أَرَى عليكَ حِليةَ أهلِ النارِ؟ " فطرحَهُ فقال: "اتَّخِذْهُ مِن وَرِق ولا تُتِمَّهُ مِثْقالاً". قوله ﷺ لرجل عليه خاتم من شَبَهٍ: "ما لي أجدُ منك ريحَ الأصنام"، فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: "ما لي أرى عليك حِلْيةَ أهلِ النار"، فطرحه. قال الخطابي رحمة الله عليه: إنما قال في خاتم الشَّبَه: "أجد منك ريح الأصنام"؛ لأن الأصنام كانت تُتَّخذ من الشبه، وأما الحديد فقد قيل: إنما كَرِه ذلك من أجل سُهوكة ريحه - السُّهوكة: الرائحة الكريهة -. ويقال: معنى قوله: "حِلْية أهل النار": أنه زِيُّ بعض الكفار وهم أهل النار. (الشَّبه)؛ يعني: يشبه الصُّفر، يقال له بالفارسي: بربخ. قوله: "ولا تتمَّه مثقالاً"، هذا نهي إرشاد على الورع، فإن الأَولى أن يكون الخاتم أقلَّ من مثقال؛ لأنه من السَّرَف أبعد، وإلى التواضع أقرب، فإنْ أتمَّه مثقالاً أو زاد على مثقال جاز، والمِثْقال هو الدِّينار. قول محيي السنة: "وقد صحَّ عن سهل بن سعد في الصَّداق: أن النبيَّ ﷺ قال لرجل: "التمسْ ولو خاتَمًا من حديد"؛ يعني: أن نهيه ﷺ عن خاتم الحديد ليس نهيَ تحريم؛ لأنه لو كان نهي تحريم لما جَوَّز لذلك الرجل أن يلتمسَ خاتمًا من حديد ويجعَله صَدَاقًا. * * * ٣٣٩١ - عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: "كانَ النبيُّ ﷺ يكرهُ عشرَ خلالٍ: الصُّفْرةَ، يعني الخَلُوقَ، وتَغْييرَ الشَّيبِ، وجَرَّ الإِزارِ، والتختُّمَ بالذَّهبِ، والتبرُّجَ بالزينةِ لغيرِ مَحَلَّهَا، والضَّربَ بالكِعابِ، والرُّقَى إلا بالمعوِّذاتِ، وعقدَ

стр. 2170

التمائمِ، وعزلَ الماء لغير مَحَلِّه، وفسادَ الصَّبيِّ غيرَ مُحَرِّمِه". قوله: "الخَلُوق"، الخَلُوق مكروه في حق الرجال لِمَا ذُكر أن طِيبَ الرِّجال ريحٌ لا لونَ له. "وتغيير الشيب"؛ يعني: خِضاب الشعر الأبيض بالسواد مكروه؛ لأنه كِتمان الشيب وتخييل الناس أنه شابٌ. "والتبرج بالزينة لغير محلِّها"، يعني بهذا الكلام: تزيين المرأة نفسَها لغير زوجها. "والضرب بالكِعاب"؛ يعني: اللعب بالنَّرد. "والرُّقى إلا بالمعوِّذات"، الرُّقى جمع رُقْية. قوله: "إلا بالمعوِّذات"، أراد بها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، عَبَّر بلفظ الجمع وأراد بها التثنية؛ لأن الجمع عبارة عن ضَمِّ شيء إلى شيء، فإذا كان معنى الجمع ضم أحد الشيئين إلى الآخر جاز أن يعبر بلفظ الجمع عن التثنية، ويحتمل أن يريد بالمعوَّذات كلَّ آية دعاء يقرأها الرجل ليعيذه الله من الشيطان، أو من فتنةٍ، أو شرِّ عدو، وغيرها. قوله: "وعقد التمائم"، (التمائم): جمع تَميمة وهي ما يُعلَّق بأعناق الصبيان من خَرَزات وعِظَام لدفع العين أو الريح وغيرها، وهذا منهيٌّ؛ لأنه لا يدفع شيئًا إلا الله، ولا يُطلب دفعُ المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته. "وعزل الماء لغيرِ محلِّه"، اللام في (لغير محله) بمعنى (من)؛ يعني: إبعاد المني عن الفرج؛ أي: إراقة المني خارجَ الفرج، ووجه النهي كراهة قَطْعِ النسل، ويحتمل أن يكون معنى (لغير محله) لغير الإماء؛ يعني: محل العزل الإماء دون الحرائر؛ يعني: يجوز العزل عن الإماء دون الحرائر، ويجوز في الحرائر باذنهنَّ وفي الإماء يجوز بإذنهن وغير إذنهن. "وفساد الصبي"؛ يعني: إفساد الصبي منهي، وهو أن يطأ الرجل المرأةَ

стр. 2171

المُرْضعَة، فإنه ربما تحمل المرأة في تلك الحال فينقطع لبنها ويختلط لبنها باللِّبَأ فيضر الصبي المرتضع. "غيرَ مُحَرِّم"؛ يعني نهاهم عن إفساد الصبي، ولكن لم يحرَّم عليهم؛ يعني: نهاهم نهيَ تنزيه لا نهيَ تحريم. * * * ٣٣٩٢ - عن ابن الزُّبيرِ: أنَّ مولاةً لهم ذهبَتْ بابنةِ الزُّبيرِ إلى عمرَ بن الخَطَّابِ وفي رجلِها أجراسُ، فقَطَعَها عمرُ وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مع كلِّ جَرَسٍ شَيطانٌ". قوله: "مع كلِّ جَرسٍ شيطانُ"، ذُكر شرح هذا في (آداب السفر). * * * ٣٣٩٣ - ودُخِلَ على عائشةَ ﵂ بجاريةٍ عليها جَلاجِلُ يُصَوِّتنَ فقالت: لا تُدخِلْنَها عليَّ إلا أنْ تُقطَّعْنَ جَلاجِلَها، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ جرسٌ". قوله: "جلاجل" جمع جُلَجُل وهو الجرس الذي يُعلَّق برِجْل الصِّبيان. * * * ٣٣٩٤ - وعن عبدِ الرَّحمنِ بن طَرَفةَ: أنَّ جدَّه عَرفجَةَ بن أسعدَ قُطِعَ أنفُه يومَ الكُلابِ، فاتَّخذَ أنفًا مِن وَرِقٍ فأَنتنَ عليهِ، فأمرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يتخِذَ أنفًا مِن ذهبٍ. قوله: "يوم الكُلاب" - بضم الكاف - اسم حرب معروف للعرب. * * *

стр. 2172

٣٣٩٥ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أحبَّ أن يُحَلِّقَ حبيبَهُ حَلْقَةً مِن نارٍ فليُحلِّقْه حلْقةً مِن ذهبٍ، ومَن أحبَّ أنْ يُطوِّقَ حبيبَهُ طَوْقًا مِن نارٍ فليُطوَّقْه طَوْقًا مِن ذهبٍ، ومَن أحبَّ أنْ يُسَوِّر حبيبَهُ سِوَارًا مِن نارٍ فليُسوِّرْه سِوَارًا مِن ذهبٍ، ولكنْ عليكم بالفِضَّةِ فالعَبوا بها". قوله: "فالعَبُوا بها"، (اللعب): تقليب شيء والتصرف فيه كيف شاء الرجل؛ يعني: اجعلوا الفِضَّة في أيِّ أنواع الحليِّ إذا كان التحلِّي للنساء، ولا يحِلُّ للرجال إلا الخاتم وتَحْلية السيف وغيره من آلات الحرب. ٣٣٩٦ - عن أسماءَ بنتِ يزيدَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما امرأةٍ تقلَّدَتْ قِلادَةً مِن ذهبٍ قُلِّدَتْ في عُنُقِها مثلَه مِن النَّارِ يومَ القيامةِ، وأيُّما امرأةٍ جعلَتْ في أُذنِها خُرْصًا مِن ذهبٍ جَعَلَ الله في أُذنِها مثلَها مِن النَّارِ يومَ القيامةِ". قوله: "قلدت في عنقها مثله يوم القيامة" فسَّروا هذا الحديثَ فيمن لا يؤدِّي زكاتها، وقد صنعت تلك القلادة فِرارًا من الزكاة، وقد اختلف الأئمة في وجوب الزكاة في الحلي إذا لِبسته النساء: فأحدُ قولي الشافعي وجوبُ الزكاة فيه. * * * ٣ - باب النَّعَال (باب النعال) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٣٩٨ - قال ابن عمرَ ﵁: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَلبَسُ النِّعالَ التي ليسَ فيها شعرٌ.

стр. 2173

قوله: "يلبس النعال التي ليس فيها شعر"؛ يعني: تصنع النعال من جلود نُقِّيَتْ من الشعر، من جلود لم تنق من الشعر، وكان رسولُ الله ﷺ يلبس النِّعالَ المصنوعةَ من جلود نُقِّيت من الشعر. * * * ٣٣٩٩ - وقال أنسٌ ﵁: إنَّ نعلَ النبيَّ ﷺ كانَ لها قِبالانِ. قوله: "إن نعل النبي ﷺ كان لها قبالان (١) "؛ يعني: كان لكلِّ نَعل قِبَالان يُدْخِلُ الإصبعَ الوسطى والإبهامَ في قِبَال، والأصابعَ الأخرى في القِبَالِ الثاني. * * * ٣٤٠٠ - وعن جابرٍ ﵁ قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ في غزوةٍ غزَاها: "استكِثرُوا مِن النَّعالِ فإنَّ الرَّجلَ لا يزالُ راكِبًا ما انتعلَ". قوله: "استكثروا"؛ أي: أكَثِرُوا. "ما انتعل"؛ يعني: ما دام الرجلُ لابسًا النعل؛ يعني: لابسُ النعلِ كالراكب والحافي كالراجل، والحافي مَن ليس له نعلٌ. * * * ٣٤٠١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا انتعلَ أحدكم فليبدَأ باليُمنَى، وإذا نزعَ فليبدَأ بالشِّمالِ، لِتكنِ اليُمنَى أوَّلَهما تُنعَلُ وآخِرَهما تُنزَعُ". قوله: "فليبدأ باليمنى"؛ يعني: الابتداءُ باليمنى مستحبٌّ في لبس النعل

стр. 2174

وغيرها كما يأتي. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٤٠٢ - وقال: "لا يمشي أحدكم في نَعلٍ واحدةٍ، ليُحْفِهما جميعًا، أو ليُنعِلْهُما جَميعًا". قوله: "لا يمشي أحدُكم في نعلٍ واحدةٍ"، حقُّه: لا يمشِ، بحذف الياء؛ لأنه نهيٌ، ولعل كتابة الياء من النسَّاخين، ذكرُ علَّةِ هذا النهي في (كتاب اللباس). قوله: "ليُحفِهما": هذا أمر من (أَحفَى): إذا جعل الرِّجلَ حافيةً: أي: بلا نعلٍ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٤٠٣ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن انقطعَ شِسْعُ نَعْلِه فلا يَمشِيَنَّ في نَعلٍ واحدةٍ حَتَّى يُصلِحَ شِسْعَهُ، ولا يمشِ في خُفًّ واحدٍ، ولا يأكلْ بشِمالِه، ولا يَحْتَبِ بالثَّوبِ الواحدِ، ولا يلتحِف الصَّمَّاءَ". قوله: "من انقطع شِسْعُ نعلِه"، (الشَّسْع): قِدُّ النعل الذي من جانب اليمين وجانب اليسار. قوله: "ولا يحتبي بالثوب الواحد، ولا يلتحف الصمَّاءَ"، (التحاف الصمَّاء): هو اشتمال الصمَّاء، وقد ذُكر بحث الاحتباء واشتمال الصمَّاء في (كتاب اللباس)، والنهي عن الاحتباء بثوب واحد لأجل ألا تنكشفَ عورتُه؛ لأنه إذا كان عليه إزارٌ واحدٌ، ورفعَ طرفَ إزاره وأخذَه خلف ركبته للاحتباء - كما ذُكر - تنكشف عورتُه.

стр. 2175

روى هذا الحديثَ "جابر". * * * ٣٤٠٥ - عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أنْ يَنْتَعِلَ الرَّجلُ قائمًا. قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ أن ينتعلَ الرجلُ قائمًا": هذا النهي مختصُّ بما في لبسه تعبٌ عن القيام كلبُسِ الخُفَّ، فإن النعلَ تحتاج إلى شدِّ شراكها، فلبسُها جالسًا أسهلُ، فأما لبسُ القَفْش فليس في لبسِه قائمًا تعبٌ، فلا يدخل تحت النهي. * * * ٣٤٠٦ - عن القاسم بن محمَّدٍ، عن عائشةَ ﵂ قالت: رُبَّما مَشَى النبيُّ ﷺ في نَعلٍ واحدةٍ. والصَّحيح أنه عن عائشةَ ﵂: أنها مَشَتْ بنعلٍ واحدةٍ. قوله: "ربما مشى النبي ﷺ في نعلٍ واحدةٍ": قد ذُكر قبل هذا وفي (كتاب اللبس) النهيُ عن المشي بنعلٍ، وتأويل هذا الحديث: أنه ﷺ لبسَ نعلًا واحدةً ليعلمَ الناسُ أن نهيَه ﷺ عن المشي بنعلٍ واحدةِ نهيُ تنزيهٍ لا نهيُ تحريمٍ؛ لأنه لو كان نهيَ تحريمٍ لَمَا فعلَ ﷺ ما نَهَى عنه، ويحتمل أن النهيَ عن المشي بنعلٍ واحدةٍ في مسافةٍ يلحق الرِّجلَ الحافيةَ جروحٌ وتعبٌ، فأما المشيُ القليلُ نحو المشي من البيت إلى المسجد المتقاربين لم يكن في ذلك القَدْر حرجٌ في المشي بنعلٍ واحدةٍ، وقد جاء أن عائشةَ ﵂ مَشَتْ بنعلٍ واحدةٍ، وكذلك علي بن أبي طالب وابن عمر ﵃، وألحق بعضُ الأئمة إدخالَ إحدى اليدَين في الكم دون اليد الأخرى، وإلقاءَ ردائه على إحدى المنكبَين في النهي عن المشي بنعلٍ واحدةٍ. * * *
следующие страницы →