← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

المُرْضعَة، فإنه ربما تحمل المرأة في تلك الحال فينقطع لبنها ويختلط لبنها باللِّبَأ فيضر الصبي المرتضع. "غيرَ مُحَرِّم"؛ يعني نهاهم عن إفساد الصبي، ولكن لم يحرَّم عليهم؛ يعني: نهاهم نهيَ تنزيه لا نهيَ تحريم. * * * ٣٣٩٢ - عن ابن الزُّبيرِ: أنَّ مولاةً لهم ذهبَتْ بابنةِ الزُّبيرِ إلى عمرَ بن الخَطَّابِ وفي رجلِها أجراسُ، فقَطَعَها عمرُ وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مع كلِّ جَرَسٍ شَيطانٌ". قوله: "مع كلِّ جَرسٍ شيطانُ"، ذُكر شرح هذا في (آداب السفر). * * * ٣٣٩٣ - ودُخِلَ على عائشةَ ﵂ بجاريةٍ عليها جَلاجِلُ يُصَوِّتنَ فقالت: لا تُدخِلْنَها عليَّ إلا أنْ تُقطَّعْنَ جَلاجِلَها، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ جرسٌ". قوله: "جلاجل" جمع جُلَجُل وهو الجرس الذي يُعلَّق برِجْل الصِّبيان. * * * ٣٣٩٤ - وعن عبدِ الرَّحمنِ بن طَرَفةَ: أنَّ جدَّه عَرفجَةَ بن أسعدَ قُطِعَ أنفُه يومَ الكُلابِ، فاتَّخذَ أنفًا مِن وَرِقٍ فأَنتنَ عليهِ، فأمرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يتخِذَ أنفًا مِن ذهبٍ. قوله: "يوم الكُلاب" - بضم الكاف - اسم حرب معروف للعرب. * * *

стр. 2172

٣٣٩٥ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أحبَّ أن يُحَلِّقَ حبيبَهُ حَلْقَةً مِن نارٍ فليُحلِّقْه حلْقةً مِن ذهبٍ، ومَن أحبَّ أنْ يُطوِّقَ حبيبَهُ طَوْقًا مِن نارٍ فليُطوَّقْه طَوْقًا مِن ذهبٍ، ومَن أحبَّ أنْ يُسَوِّر حبيبَهُ سِوَارًا مِن نارٍ فليُسوِّرْه سِوَارًا مِن ذهبٍ، ولكنْ عليكم بالفِضَّةِ فالعَبوا بها". قوله: "فالعَبُوا بها"، (اللعب): تقليب شيء والتصرف فيه كيف شاء الرجل؛ يعني: اجعلوا الفِضَّة في أيِّ أنواع الحليِّ إذا كان التحلِّي للنساء، ولا يحِلُّ للرجال إلا الخاتم وتَحْلية السيف وغيره من آلات الحرب. ٣٣٩٦ - عن أسماءَ بنتِ يزيدَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما امرأةٍ تقلَّدَتْ قِلادَةً مِن ذهبٍ قُلِّدَتْ في عُنُقِها مثلَه مِن النَّارِ يومَ القيامةِ، وأيُّما امرأةٍ جعلَتْ في أُذنِها خُرْصًا مِن ذهبٍ جَعَلَ الله في أُذنِها مثلَها مِن النَّارِ يومَ القيامةِ". قوله: "قلدت في عنقها مثله يوم القيامة" فسَّروا هذا الحديثَ فيمن لا يؤدِّي زكاتها، وقد صنعت تلك القلادة فِرارًا من الزكاة، وقد اختلف الأئمة في وجوب الزكاة في الحلي إذا لِبسته النساء: فأحدُ قولي الشافعي وجوبُ الزكاة فيه. * * * ٣ - باب النَّعَال (باب النعال) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٣٩٨ - قال ابن عمرَ ﵁: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَلبَسُ النِّعالَ التي ليسَ فيها شعرٌ.

стр. 2173

قوله: "يلبس النعال التي ليس فيها شعر"؛ يعني: تصنع النعال من جلود نُقِّيَتْ من الشعر، من جلود لم تنق من الشعر، وكان رسولُ الله ﷺ يلبس النِّعالَ المصنوعةَ من جلود نُقِّيت من الشعر. * * * ٣٣٩٩ - وقال أنسٌ ﵁: إنَّ نعلَ النبيَّ ﷺ كانَ لها قِبالانِ. قوله: "إن نعل النبي ﷺ كان لها قبالان (١) "؛ يعني: كان لكلِّ نَعل قِبَالان يُدْخِلُ الإصبعَ الوسطى والإبهامَ في قِبَال، والأصابعَ الأخرى في القِبَالِ الثاني. * * * ٣٤٠٠ - وعن جابرٍ ﵁ قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ في غزوةٍ غزَاها: "استكِثرُوا مِن النَّعالِ فإنَّ الرَّجلَ لا يزالُ راكِبًا ما انتعلَ". قوله: "استكثروا"؛ أي: أكَثِرُوا. "ما انتعل"؛ يعني: ما دام الرجلُ لابسًا النعل؛ يعني: لابسُ النعلِ كالراكب والحافي كالراجل، والحافي مَن ليس له نعلٌ. * * * ٣٤٠١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إذا انتعلَ أحدكم فليبدَأ باليُمنَى، وإذا نزعَ فليبدَأ بالشِّمالِ، لِتكنِ اليُمنَى أوَّلَهما تُنعَلُ وآخِرَهما تُنزَعُ". قوله: "فليبدأ باليمنى"؛ يعني: الابتداءُ باليمنى مستحبٌّ في لبس النعل

стр. 2174

وغيرها كما يأتي. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٤٠٢ - وقال: "لا يمشي أحدكم في نَعلٍ واحدةٍ، ليُحْفِهما جميعًا، أو ليُنعِلْهُما جَميعًا". قوله: "لا يمشي أحدُكم في نعلٍ واحدةٍ"، حقُّه: لا يمشِ، بحذف الياء؛ لأنه نهيٌ، ولعل كتابة الياء من النسَّاخين، ذكرُ علَّةِ هذا النهي في (كتاب اللباس). قوله: "ليُحفِهما": هذا أمر من (أَحفَى): إذا جعل الرِّجلَ حافيةً: أي: بلا نعلٍ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٤٠٣ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن انقطعَ شِسْعُ نَعْلِه فلا يَمشِيَنَّ في نَعلٍ واحدةٍ حَتَّى يُصلِحَ شِسْعَهُ، ولا يمشِ في خُفًّ واحدٍ، ولا يأكلْ بشِمالِه، ولا يَحْتَبِ بالثَّوبِ الواحدِ، ولا يلتحِف الصَّمَّاءَ". قوله: "من انقطع شِسْعُ نعلِه"، (الشَّسْع): قِدُّ النعل الذي من جانب اليمين وجانب اليسار. قوله: "ولا يحتبي بالثوب الواحد، ولا يلتحف الصمَّاءَ"، (التحاف الصمَّاء): هو اشتمال الصمَّاء، وقد ذُكر بحث الاحتباء واشتمال الصمَّاء في (كتاب اللباس)، والنهي عن الاحتباء بثوب واحد لأجل ألا تنكشفَ عورتُه؛ لأنه إذا كان عليه إزارٌ واحدٌ، ورفعَ طرفَ إزاره وأخذَه خلف ركبته للاحتباء - كما ذُكر - تنكشف عورتُه.

стр. 2175

روى هذا الحديثَ "جابر". * * * ٣٤٠٥ - عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أنْ يَنْتَعِلَ الرَّجلُ قائمًا. قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ أن ينتعلَ الرجلُ قائمًا": هذا النهي مختصُّ بما في لبسه تعبٌ عن القيام كلبُسِ الخُفَّ، فإن النعلَ تحتاج إلى شدِّ شراكها، فلبسُها جالسًا أسهلُ، فأما لبسُ القَفْش فليس في لبسِه قائمًا تعبٌ، فلا يدخل تحت النهي. * * * ٣٤٠٦ - عن القاسم بن محمَّدٍ، عن عائشةَ ﵂ قالت: رُبَّما مَشَى النبيُّ ﷺ في نَعلٍ واحدةٍ. والصَّحيح أنه عن عائشةَ ﵂: أنها مَشَتْ بنعلٍ واحدةٍ. قوله: "ربما مشى النبي ﷺ في نعلٍ واحدةٍ": قد ذُكر قبل هذا وفي (كتاب اللبس) النهيُ عن المشي بنعلٍ، وتأويل هذا الحديث: أنه ﷺ لبسَ نعلًا واحدةً ليعلمَ الناسُ أن نهيَه ﷺ عن المشي بنعلٍ واحدةِ نهيُ تنزيهٍ لا نهيُ تحريمٍ؛ لأنه لو كان نهيَ تحريمٍ لَمَا فعلَ ﷺ ما نَهَى عنه، ويحتمل أن النهيَ عن المشي بنعلٍ واحدةٍ في مسافةٍ يلحق الرِّجلَ الحافيةَ جروحٌ وتعبٌ، فأما المشيُ القليلُ نحو المشي من البيت إلى المسجد المتقاربين لم يكن في ذلك القَدْر حرجٌ في المشي بنعلٍ واحدةٍ، وقد جاء أن عائشةَ ﵂ مَشَتْ بنعلٍ واحدةٍ، وكذلك علي بن أبي طالب وابن عمر ﵃، وألحق بعضُ الأئمة إدخالَ إحدى اليدَين في الكم دون اليد الأخرى، وإلقاءَ ردائه على إحدى المنكبَين في النهي عن المشي بنعلٍ واحدةٍ. * * *

стр. 2176

٣٤٠٨ - عن ابن بُرَيْدةَ، عن أبيه: أنَّ النَّجاشيَّ أهدَى إِلى النَّبيِّ ﷺ خُفَّينِ أسودَيْنِ ساذَجَيْنِ، فلبسَهما ثم توضَّأَ ومسحَ عليهما. قوله: "ساذجين"؛ أي: غير منقوشَين. * * * ٤ - باب التَّرجيلِ (باب الترجل) مِنَ الصَّحَاحِ: ٣٤٠٩ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كنتُ أُرَجِّلُ رأسَ رسولِ الله ﷺ وأنا حائِضٌ. "الترجُّل": التزيُّن والتطهُّر، والترجيل: تسريح الشَّعر بالمشط؛ أي: استعمال المشط في الشَّعر. * * * ٣٤١٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الفِطْرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستِحدادُ، وقَصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونَتْفُ الآباطِ". "الفِطرة خمس"؛ أي: هذه الخمسُ من السُّنَّة. "الاستحداد": حلق العانة. "النتف": القلع، "الآباط" جمع: إبط؛ أي: قلع شَعر الإبط. * * *

стр. 2177

٣٤١١ - وقال: "خالِفُوا المُشركينَ: أَوفِروا اللِّحَى، وأَحفُوا الشَّواربَ". ويُروَى: "أَنهِكوا الشَّواربَ، وأَعفُوا اللحىَ". قوله: "خالفوا المشركين"؛ يعني: المشركون يقصُّون اللَّحى ويتركون الشواربَ حتى تطولَ، فخالفوهم بأن تتركوا اللَّحى حتى تطولَ ولا تقصُّوها، وقُصُّوا الشواربَ. "أَوفِرُوا" أمر مخاطبين من (أَوفَر): إذا أتمَّ، و"أَحفُوا" أيضًا أمر مخاطبين من (أَحفَى): إذا قصَّ الشاربَ. "أَنهِكُوا": أمر مخاطبين من (أَنْهَكَ): إذا نقصَ شيئًا، ومعنى (انهكوا): أَنقِصُوا، ومعنى (أعفوا): أتمُّوا وأكثِروا، من (أعفى): إذا أتمَّ. "اللِّحى" جمع: لِحْيَة. * * * ٣٤١٢ - وقال أنسٌ ﵁: وُقِّتَ لنا في قصِّ الشَّاربِ، وتقليم الأظفارِ؛ ونَتْفِ الإِبْطِ، وحَلْقِ العانةِ، أنْ لا نتَرُكَ أكثرَ مِن أربعينَ ليلةً. قوله: "وُقَّتَ لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة؛ أن لا تترك أكثرَ من أربعين ليلةً"، وقد جاء في توقيت هذه الأشياء أحاديثُ ليست في "المصابيح"، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ كان يأخذ أظفارَه وشاربَه كلَّ جمعة، وعن أبي عبد الله الأغرَّ: أن النبي ﷺ كان يقصُّ شاربَه ويأخذ من أظفاره قبلَ أن يخرجَ إلى صلاة الجمعة، وقد ورد أكثرُ مِن هذه الأحاديث في أن النبي ﷺ يقصُّ شاربَه ويُقلَّم أظفارَه في كل جمعة، وقيل: يحلق العانةَ في كل عشرين يومًا، وينتف الإبطَ في كل أربعين يومًا، وقيل: في كل شهر.

стр. 2178

وذكر في كتاب "إحياء علوم الدين": أن الأدبَ في قلم الأظفار كل اليد أن يبدأَ بمُسبحتها ويختم بإبهامها، وفي أصابع الرَّجلين يبتدئ بِخِنْصِر الرَّجل اليمنى، ويختم بخِنْصِر الرِّجل اليسرى. * * * ٣٤١٣ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اليهودَ والنَّصارَى لا يَصبُغُونَ فخالِفوهم". قوله: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالِفُوهم"؛ يعني: لا يصبغون شَعرهم الأبيضَ؛ فاصبغُوه أنتم. * * * ٣٤١٤ - وعن جَابرٍ ﵁ قال: أُتيَ بِأَبي قُحَافةَ يومَ فتحِ مَكَّةَ، ورأسُه ولحيَتُه كالثُّغامَةِ بَيَاضًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "غَيروا هذا بشيءٍ, واجتنِبُوا السَّوادَ". قوله: "أُتي بأبي قحافة": عثمان بن عامر. "الثغَامة": نبتٌ أبيضُ يشبه بياض الشَّيب، ويقال بلسان بعض الفرس: سبيدخار (١)، وبلسان بعضهم: جاوزد. "غيروا هذا"؛ أي: اخضبوه بخضابٍ سوى السواد. * * * ٣٤١٥ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانَ النبيُّ ﷺ يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ

стр. 2179

فيما لم يُؤمرْ فيهِ، وكانَ أهلُ الكتابِ يَسدِلُون أشعارَهم، وكانَ المشركونَ يَفرُقون رؤوسَهم فسَدَلَ النبيُّ ﷺ ناصيتَه ثم فَرَقَ بعدُ. قوله: "يحب موافقةَ أهل الكتاب فيما لم يُؤمَر فيه"؛ أي: فيما لم يُنزل فيه إليه ﷺ ؛ يعني: موافقةُ أهل الكتاب أَولى من موافقة المشركين الذين لا كتابَ لهم؛ لأن أهلَ الكتاب احتمل أن يعملوا بما ذُكر في كتابهم، ولا يُحتمل هذا في المشركين. قوله: "وكان أهلُ الكتاب يَسدِلون أشعارَهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسَهم": أراد بـ (السَّدل) هنا: إرسال الشَّعر حول الرأس من غير أن يقسمَه نصفَين، وأراد بـ (الفَرق): أن يقسمَه نصفَين ويرسلَ نصفًا من جانب يمينه على الصدر ونصفًا من جانب يساره على الصدر. أورد عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده في كتابه المسمى بـ "إكرام الشَّعر": أن ابن عباس ﵄ قال: إن رسولَ الله ﷺ قدم المدينةَ، فرأى اليهودَ يسدلون أشعارَهم، وكان إذا لم يُؤمَر به أحبَّ موافقةَ أهل الكتاب، فسدلَ وسدلَ المسلمون، ثم أتاه جبريل ﷺ فأخبره بالفَرق، ففرقَ وفرقوا رؤوسَهم، وكان أئمةُ الهدى يأمرون بالفَرق. قد روت أمُّ هانئ: أن النبي ﷺ قدم مكةَ، وله أربعُ غدائر؛ أي: ذوائب، وكان ﷺ يُرسل شَعره وقتًا غيرَ مفتولٍ، ووقتًا مفتولًا؛ فاختلافُ الروايات هذا وجهُه. * * * ٣٤١٦ - عن نافعٍ، عن ابن عمرَ ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ ينهي عن القَزَعِ. قيلَ لنافعٍ: ما القَزَعُ؟ قال: يُحْلَقُ بعضُ رأسِ الصَّبي ويُتْرَكُ البعضُ، وأَلحقَ بعضُهم التفسيرَ بالحديثِ.

стр. 2180

قوله: "نَهَى عن القَزَع": بفتح القاف والزاي المعجمة، جمع: قَزعة، وهي قطعة من السحاب، شبَّه كلَّ قطعةٍ من شَعر المحلوق ما حولَه بقطعةٍ من السحاب، وجه كراهية القَزَع: تقبيحُ الصورة؛ فإن في القزع تقبيحًا للصورة؛ لأن القزعَ من عادة الكَفَرة. * * * ٣٤١٧ - ورُوِيَ عن ابن عمرَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى صبيًّا قد حُلِقَ بعضُ رأسِه وتُرِكَ بعضُه، فَنَهاهُمْ عن ذلكَ وقال: "اِحلِقُوا كلَّه أو اتُركُوا كلَّه". قوله: "احلقوا كلَّه أو اتركوا كلَّه": هذا تصريح منه ﷺ بأن الحلقَ في غير الحج والعمرة جائزٌ، وتصريحٌ بأن الرجلَ مخيَّر بين الحلق وتركه. * * * ٣٤١٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: "لعنَ النبيُّ ﷺ المُخَنَّثينَ مِن الرِّجالِ، والمُترجَّلاتِ من النِّساءِ, وقال: "أَخرِجُوهم مِن بيوتِكم". قوله: "لعن النبي ﷺ المخنَّثين من الرجال"، (خَنِثَ يَخْنَثُ) على وزن (عَلِمَ يَعْلَمُ): إذا انكسرَ الشيءُ ولانَ وفَتَرَ، والمُخنَّث: كلُّ رجلٍ شبَّه نفسَه بالنساء في اللباس وخضاب اليدَين والرَّجلَين، وفي الصوت والتكلم والحركات والسكنات، وهذا الفعلُ منهيٌّ عنه؛ لأنه تغييرٌ لخلق الله، وتغييرُ خلق الله مُضادَّةُ الله، ومَن ليس له شهوةٌ من الرجال ولم يُشبه نفسَه بالنساء فهو عِنِّين، وليس عليه حرجٌ؛ لأن انتفاءَ الشهوة عنه ليس بفعله، وانتفاء الشهوة ليس بعيبٍ مَنهيًّ، بل المَنهيُّ أن يُشبه الرجلُ نفسَه بالنساء. قوله: "والمترجَّلات من النساء"، (الترجُّل): تشبيه الشخص نفسَه بالرجل،

стр. 2181

وكل امرأة شبَّهت نفسَها بالرجال في اللباس واستعمال السلاح فهي ملعونةٌ، ولا يجوز دخولُ المخنَّثين على النساء؛ لأن النبي ﷺ دخل يومًا بيته ورأى مخنَّثا جالسًا عند بعض نسائه، فقال ﷺ : "لا يَدخلَنَّ هذا عليكم"، فحجبوه. هذا خطابٌ للرجال، أمرَهم ألا يتركوا المخنَّثين أن يدخلوا بيوتَهم، وأخرج رسولُ الله مخنَّثًا من المدينة، وكذلك أَخرجَ عمرُ ﵁ مخنَّثًا من المدينة. * * * ٣٤٢٠ - عن ابن عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَعنَ الله الواصِلةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والواشِمَةَ والمسْتَوْشِمَةَ". قوله: "لعن الله الواصلة والمستوصلة". (الواصلة): المرأة التي تَصِل شَعرًا أجنبيًا بشَعر امرأةٍ. (المستوصلة): المرأة التي تطلب هذا الفعلَ، ووجهُ النهي: أن هذا الفعلَ غرورٌ وكذبٌ؛ لأن المرأةَ تُظهر أن شَعرَها طويلٌ، وليس بطويلٍ، وهذا غرورٌ، وقد رخَّص أهل العلم في القرامل وهو ما يقال له بالفارسي: موى بند. قوله: "الواشمة": التي تغرز إبرةً على ظهر كفَّها أو ساعدها ليخرجَ منه الدمُ، وتجعل فيه كحلًا ليخضرَّ لونُه ويبقى فيه نقوشٌ، أو يكتب به أسماء. "والمستوشمة": المرأة التي تطلب أن يُفعَل بها الوَشْمُ. * * * ٣٤٢١ - عن عبدِ الله بن مسعودٍ قال: لعنَ الله الواشِمَاتِ والمُستَوشِماتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيراتِ خلقَ الله، فجاءتهُ امرأة فقالت: إنَّه بلغَني أنكَ لعنتَ كيتَ وكيتَ؟ فقالَ: ما لي لا ألعنُ مَن لَعَنَ رسولُ الله ﷺ ،

стр. 2182

ومَن هو في كتابِ الله! فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللَّوحَينِ، فما وجدتُ فيهِ ما تقولُ؟ قال: لئنْ كنتِ قرأتِهِ لقد وجدْتِه، أَمَا قرأتِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نَهَى عنه. "المتنمِّصة": التي تطلب أن يُنمصَ شَعرُ وجهها؛ أي: يُنتَف. "المتفلَّجة": التي تُرقِّق أسنانَها وتُزينها، ووجه النهي في هذه الأشياء: تغيير خلق الله. قوله: "فجاءته": ضمير المذكر الغائب ضمير ابن مسعود. "أنك لعنت كَيتَ وكَيتَ"؛ أي: سمعتُ أنك لعنتَ الواشماتِ والمُستوشِماتِ والمُتنمِّصاتِ والمُتفلِّجات، فقال ابن مسعود: كيف لا أَلعنُ مَن لعنَه رسولُ الله؟! أي: لعنَ رسولُ الله هؤلاء. قولها: "لقد قرأتُ ما بين اللَّوحَين": أرادت بـ (اللَّوحَين): جلد أول المصحف وجلد آخره؛ يعني: قرأتُ جميعَ القرآن. قوله: "قرأتِيه": الياء زائدة، حصلت من إشباع كسرة التاء، وكذلك في "وجدتِيه" (١). قوله: "أما قرأتِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟! " يعني: إذا كان العبادُ مأمورين بانتهاء ما نهاهم الرسول عنه، وقد نهاهم رسولُ الله عن الأشياء المذكورة في هذا الحديث وغيره من المَنهيات، فكأن جميعَ منهيات الرسول نهيٌ مذكورٌ في القرآن. * * *

стр. 2183

٣٤٢٢ - عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "العَينُ حَقٌّ"، ونَهَى عن الوَشْمِ. قوله: "العينُ حقٌّ، ونهى عن الوَشْمِ"؛ يعني: ذكرَ رسولُ الله ﷺ أشياءَ كثيرةً في حديثٍ، منها قوله: العينُ حقٌّ، والوَشْمُ مَنهيٌّ، بهذه العبارة أو بعبارة أخرى بهذا المعنى، ومعنى قوله: (العينُ حقٌّ): أن تأثيرَ العين في الأشياء صدقٌ، وإنما قال ﷺ هذا الكلام؛ لأن الصحابةَ اختلفوا في تأثيرها؛ فقال بعضهم: العينُ مؤثِّرةٌ، وقال بعضهم: لا تؤثَّر العينُ، فبيَّن رسولُ الله ﷺ أن العينَ مؤثِّرةٌ، ويأتي شرحه في (كتاب الطب والرُّقَى). * * * ٣٤٢٣ - وقال ابن عمرَ: لقد رأيتُ النبيَّ ﷺ مُلَبدًا. قوله: "لقد رأيت رسولَ الله ﷺ مُلبدًا". التلبيد: إلصاق شَعر الرأس بعضها من بعض، بأن يجعل فيه صمغًا ليدفعَ القَمْلَ، ولئلا يتفرَّق الشَّعرُ، وهذا يُصنعَ في الإحرام، وأراد بإيراد هذا الحديث في هذا الباب: بيان جواز التلبيد في غير الإحرام أيضًا. * * * ٣٤٢٤ - عن أنسٍ ﵁ قال: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يتزعفرَ الرَّجلُ. قوله: "نهى النبيُّ أن يتَزَعْفَرَ الرجلُ"؛ يعني: أن يستعملَ الرجلُ الزعفرانَ في ثوبه وبدنه، وعلةُ النهي: أن استعمالَ الزعفران عادةُ النساء، فلا يليق بالرجال تشبيهُ أنفسهم بالنساء. * * *

стр. 2184

٣٤٢٥ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: كنتُ أُطَيبُ النبيَّ ﷺ بأطيبِ ما نجدُ، حتى أجدَ وبيصَ الطَّيبِ في رأسِه ولحيتِه. قولها: "حتى أجد وبيص الطَّيب". (الوبيص): اللمعان، في هذا الحديث إشكالٌ، بيانُه: أنه قد ذكر أن طِيبَ الرجال ما ظهرت ريحُه وخفي لونُه، وفي هذا الحديث كان طِيبُ النبي ﷺ ما ظهر لونُه، والتوفيق بين الحديثين بأن يقول: كل طِيبٍ له لونٌ، وفي ذلك اللون تشبيهٌ بالنساء، يكون ذلك اللونُ حسنًا مستطابًا مزينًا للجمال كالصُّفرة والحُمرة؛ فذلك الطَّيبُ غيرُ جائزٍ للرجال، وكلُّ طِيبٍ له لونٌ ولم يكن لذلك اللون حُسنٌ واستطابةٌ وتزيينُ الجمال فذلك جائزٌ للرجال، كالمِسك والعَنبر وغيرهما. * * * ٣٤٢٦ - وقالَ نافعٌ: كانَ ابن عمرَ إذا استجمرَ استجمرَ بأُلُوَّةٍ غيرِ مُطَرَّاةٍ، وبكَافُورٍ يطرحُه مع الأُلُوَّةِ ثم قال: هكذا كان يَستجمِرُ رسولُ الله ﷺ . قوله: "استَجْمَر"؛ أي: تعطَّر وتبخَّر. "الأُلُوَّة": العُود المطرَّاة التي طُليت بأنواع الطَّيب؛ يعني: ألقى في المجمَرة عودًا غيرَ ملطخةٍ وغيرَ معجونةٍ بطيبٍ آخرَ. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٤٢٨ - عن زيدِ بن أرقمَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن لم يأخذْ مِن شاربه فليس منا".

стр. 2185

قوله: "مَن لم يأخذ مِن شاربه فليس منَّا": هذا تهديدٌ لمَن تركَ هذه السُّنَّةَ؛ يعني: فليس مِن موافقينا في هذا الفعل، وليس منا في وجدان ثواب هذه السُّنة. * * * ٣٤٣١ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يأخذُ مِن لِحيتِه، مِن عرضها وطولِها. غريب. قوله: "يأخذ من لحيته من عَرضها وطولها"؛ يعني: تسويةُ شَعرِ اللِّحية وتزيينُها سُنَّةٌ، وهي أن يقصَّ كلَّ شعرةٍ أطولَ من غيرها؛ لتستويَ جميعُها. * * * ٣٤٣٢ - عن يَعْلَى بن مُرَّةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى عليهِ خَلُوقًا فقال: "أَلَكَ امرأةٌ؟ " قال: لا، قال: "فاغسِلْه، ثم اغسِلْه، ثم اغسِلْهُ، ثم لا تَعُدْ". قوله: "رأى عليه خَلُوقًا، فقال: ألك امرأة؟ " يعني: إن كان لك امرأةٌ وأصابك الخَلُوق من ثوبها أو بدنها ولم تقصد أنت استعمالَ الخلوق فلا حرجَ عليك، وإن استعملتَ الخلوقَ فاغسِلْه. "ولا تعد"؛ أي: ولا تَعُدْ إلى استعمال الخَلُوق وتُبْ عنه؛ فإنه لا يليق بالرجال، و (لا تَعُدْ): نهي مخاطب من: العَود. * * * ٣٤٣٣ - عن أبي موسى قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يقبلُ الله صلاةَ رجلٍ في جَسَدِه شيءٌ مِن خَلُوق". قوله: "لا يَقبَل الله صلاةَ رجلٍ في جسده شيءٌ من خَلُوق": هذا وعيدٌ وزجرٌ عن استعمال الرجال الخَلُوق؛ يعني: لا كمال لصلاةِ رجلٍ شبَّه نفسَه بالنساء. * * *

стр. 2186

٣٤٣٤ - عن عمَّارِ بن ياسرٍ قال: "قدِمْتُ على أهلي وقد تَشَقَّقتْ يَدَاي فخَلَّقوني بزعفرانَ، فغدوْتُ على النبيِّ ﷺ فسلَّمتُ عليهِ فلم يردَّ عليَّ، وقال: "اذهبْ فاغسلْ هذا عنك". قوله: "فخلَّقوني"؛ أي: اجعلوا شيئًا من الزعفران في شقوق يدي للمداواة. * * * ٣٤٣٦ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ لرسولِ الله ﷺ سُكَّةٌ يتطَّيبُ منها. قوله: "سُكَّة". و (السُّكَّة) (١): معجون من أنواع الطَّيب. * * * ٣٤٣٧ - وعن أنسٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُكثِرُ دَهْنَ رأسِه وتسريحَ لحيتِه، ويُكثِرُ القِناعَ، كأنَّ ثوبَه ثوبُ زيَّاتٍ. قوله: "وتسريح لحيته". و (التسريح): الترجيل، وقد ذكر في أول هذا الباب. "القناع": خِرقة تُلقَى على الرأس لتتوقَّى العِمامة من الدُّهن. "الزيَّات": بائع الزيت، وهو دُهن معروف. * * * ٣٤٣٨ - عن أمِّ هانئٍ قالت: قدِمَ رسولُ الله ﷺ علينا بمكَّةَ قَدْمةً

стр. 2187

ولهُ أربعُ غَدَائر. "قَدْمةً" بفتح القاف وسكون الدال: مصدر بمعنى مَرَّة؛ أي: قدم مرةً. "وله أربع غدائر". (الغدائر) جمع: غديرة، وهي الضَّفيرة والذُّؤابة. * * * ٣٤٣٩ - وقالت عائشةُ ﵂: كنتُ إذا فَرقتُ لرسولِ الله ﷺ رأسَه صَدَعْتُ فرقَهُ عن يَافُوخِهِ، وأرسلتُ ناصيتَهُ بينَ عينيهِ. قولها: "فرقتُ"؛ أي: قسمتُ شَعره ﷺ قسمَين: أحدهما من جانب يمينه، والآخر من جانب يساره. "صَدَعتُ"؛ أي: فرقتُ فرقةً؛ أي: الخط الذي يظهر بين شَعر الرأس إذا قُسِمَ قسمَين، وذلك الخط هو بياضُ بشرةِ الرأس الذي يكون بين الشَّعر. "اليافوخ": مؤخَّر الرأس عند القفا؛ يعني: كان أحدُ طرفَي ذلك الخط عند اليافوخ، والطرفُ الآخرُ عند جبهته محاذيًا لِمَا بينَ عينَيه. قولها: "وأرسلتُ ناصيتَه بين عينَيه"؛ أي: جعلتُ رأسَ فرقةٍ محاذيًا لِمَا بين عينَيه، بحيث يكون نصفُ شَعر ناصيته من جانب يمين ذلك الفرق، ونصفُه الآخر من جانب يسار ذلك الفرق. * * * ٣٤٤٠ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: نهىَ رسولُ الله ﷺ عن التَّرجُّلِ إلا غِبًّا. قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن الترجُّل إلا غِبًّا"؛ يعني: نَهَى عن دوام

стр. 2188

تسريح الشَّعر وتدهينه. "إلَاّ غِبًّا"، والغِبُّ: أن يفعلَ فعلًا حينًا بعد حينٍ. * * * ٣٤٤١ - قال رجلٌ لفُضالةَ بن عُبَيْد: مالي أراكَ شَعِثًا؟ قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ ينهانَا عن كثيرٍ مِن الإِرْفَاهِ، قال: مالي لا أَرَى عليكَ حِذَاءً؟ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يأمُرنا أنْ نَحتَفِي أحيانًا. قوله: "شَعِثًا"؛ أي: متفرِّق الشَّعر. "الإرفاه": تسريح الشَّعر وتدهينه. و (الإرفاه) أيضًا: التنعُّم وطِيب العيش؛ يعني: نهانا عن كثرة التنعُّم؛ لأن كثرةَ التنعُّم تجعل النفسَ متكبرةً غافلةً، ولأن الرجلَ لو اعتاد دوامَ التنعُّم فربما ينزل عليه فقرٌ وسوءُ عيشٍ فيشقُّ عليه ذلك الفقر؛ لأنه لم يكن معتادًا به، ولهذا أمَرهم رسولُ الله ﷺ بالاحتفاء؛ أي: بالمشي بغير النعلَين؛ لتتصلَّب أقدامُهم وتعتاد المشيَ بغير النعلَين، حتى لو اتفق لهم انعدامُ النعلَين يمكنهم المشيُ بغير النعلَين. * * * ٣٤٤٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن كانَ له شعرٌ فليُكْرِمْهُ". قوله: "مَن كان له شَعرٌ فَلْيُكرِمْه"؛ يعني: فَلْيُزينْه وَلْيُنظِّفْه بالغسل والتدهين، ولا يتركه متفرقًا متَّسخًا؛ لأن النظافةَ وحسنَ المنظرِ محبوبٌ. * * *

стр. 2189

٣٤٤٣ - وعن أبي ذرٍّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أحسنَ ما غُيرَ بهِ الشَّيْبُ: الحِنَّاءُ والكَتَمُ". قوله: "إن أحسنَ ما غُيرَ به الشيبُ: الحِنَّاءُ والكَتَمُ"؛ يعني: الشَّعرُ الأبيضُ يُخضَب بالحِنَّاء تارةً فيكون لونُه أحمرَ، وبالكَتَم أخرى فيكون لونُه أخضرَ. و (الكَتَم) بفتح التاء وتخفيفها: هو الوَسْمَة، وهي ورقُ نبتٍ يُجعَل منه شيءٌ يقال له بالفارسي: نِيلة. قال الخطابي في قوله ﷺ : "إن أحسنَ ما غُيرَ به الشيبُ: الحِنَّاءُ والكَتَمُ": إنَّ كلَّ واحدٍ من الحِنَّاء والكَتَم يُستعمل مفردًا؛ لأنه إذا خُلِطَ الحِنَّاء بالكَتَم، أو خُضبَ بالحِنَّاء ثم بالكَتَم يكون لونُه أسودَ، واللون الأسود مَنهيٌّ في تغيير الشيب. * * * ٣٤٤٤ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "يكونُ قومٌ في آخرِ الزَّمانِ يخضبُونَ بهذا السَّوَادِ، كحَوَاصِلِ الحَمَامِ، لا يَجدُون رائحةَ الجنَّةِ". قوله: "يخضبون بهذا السواد"؛ أي: يخضبون الشَّعرَ الأبيضَ باللون الأسود. "حواصل الحمام"، (الحواصل) جمع: حَوْصَلة، وهي مَعِدَته، والمراد بـ (الحوصلة) هنا: صدره، وليس جميع الحمائم حواصلها سوداء، بل بعض الحمائم. "لا يجدون رائحةَ الجَنَّة": هذا تهديدٌ وتشديدٌ لإنكار خضاب الشَّعر الأبيض بالسواد. * * *

стр. 2190

٣٤٤٥ - عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يلبَسُ النِّعالَ السِّبْتيَّة، ويُصَفِّرُ لحيتَهُ بالوَرْسِ والزَّعفرانِ. وكانَ ابن عمَر ﵁ يفعلُ ذلكَ. قوله: "النِّعال السِّبْتِيَّة"؛ أي: النِّعال من الجلود السِّبْتِية، والجلد السَّبْتِي: ما نُقِّيَ من الشَّعر، مأخوذ من (سَبَتَ الشَّعرَ): حَلَقَه. والسِّبتي أيضًا: المدبوغ بالقَرَظ، وهو ورق شجر يقال له: السَّلَم. * * * ٣٤٤٧ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "غَيرُوا الشَّيْبَ، ولا تَشَبَّهوا باليهودِ". قوله: "غيروا الشيبَ، ولا تشبَّهوا باليهود"، (ولا تشبهوا) أصله: ولا تتشبهوا، فحُذفت تاء الاستقبال؛ يعني: تركُ خضابِ الشَّعر الأبيض عادةُ اليهود، فاخضبوا الشَّعرَ الأبيضَ حتى لا تكونوا متشبهين باليهود في ترك الخضاب. * * * ٣٤٤٨ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَنتِفُوا الشَّيْبَ فإنه نورُ المسلمِ، مَن شابَ شيبةً في الإِسلامِ كتبَ الله لهُ بها حسنةً، وكفَّر عنه بها خطيئةً، ورفَعهُ بها درجةً". قوله: "لا تنتفوا الشيبَ؛ فإنه نورُ المسلم": كان بعضُ الناس يكره ابيضاض شَعره؛ لأنه علامةُ انتقاص الشباب ودخول الشيخوخة ودخول الضعف ونقصان القوة، وبعضُ الناس يكره هذا كي لا يُنسَب إلى الضعف، فينتف الشَّعرَ الأبيضَ من رأسه ولحيته؛ كي لا يَظَنَّ الناسُ زوالَ شبابه، فنَهَى النبي ﷺ أُمتَه عن نتف الشيب؛ لأن في الشيب وقارًا، وأولُ مَن شابَ من بني آدم كان إبراهيم خليل الله ﷺ ، فلما رأى الشيبَ في لحيته قال: ما هذا يا ربِّ؟ فقال الله له: هذا

стр. 2191

الوقار، فقال إبراهيم ﷺ : يا ربِّ! زِدْني وقارًا؛ فالرضا بالشيب موافقةٌ لخليل الرحمن ﷺ ، ولأنه وقارٌ، والوقارُ مَرْضيٌّ عند الله وعند الناس، ولأنه يمنع الشخصَ عن الغرور والتكبُّر والطرب والنشاط، ويميل إلى الطاعة والتوبة، وتنكسر نفسُه عن الشهوات، وكل ذلك مُوجِبٌ للثواب، ومُقرِّبٌ للعبد عند الله، فلهذا يكون الشيبُ في الإسلام نورًا؛ أي: ضياءً ومُخلِّصًا للرجل عن شدة القيامة. * * * ٣٤٥٠ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: كنتُ أَغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِن إناءٍ واحدٍ، وكانَ لهُ شعرٌ فوقَ الجُمَّةِ ودونَ الوَفْرةِ. قولها: "فوق الجُمَّة ودونَ الوَفْرَة"، (الجُمَّة): الشَّعر الذي يكون أطولَ من الوَفْر؛ أي: قَرُبَ من الكتف، و (الوَفرة): إلى شحمة الأذن، وكان شَعرُ رسولِ الله ﷺ كلَّ زمانٍ على نوعٍ من الطول والقصر؛ وذلك لأنه كان قصَّر شَعرَه في العمرة، وحلقَه في الحج، وكان شَعرُه في هذا الحديث أطولَ من الوَفْرَة وأقصرَ من الجُمَّة. * * * ٣٤٥١ - وقال ابن الحَنْظَلِيَّةِ - رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ قال النبيُّ ﷺ : "نِعْمَ الرَّجلُ خُزَيْم الأَسْديُّ لَوْلَا طولُ جُمَّتِه واسبالُ إزارِه"، فبلغَ ذلكَ خُرَيْمًا فأخذَ شَفْرَةً فقطعَ بها جُمَّتَه إلى أُذُنَيْهِ، ورفعَ إزاره إلى أنصافِ ساقَيْهِ. قوله: "طول جُمَّته"؛ أي: طول شَعر رأسه، وطولُ شَعر الرأس غيرُ مذمومٍ، ولعل النبي ﷺ رأى في ذلك الرجل تبخترًا بطول جُمَّته، فذكر هذا الحديثَ؛ ليحرِّضَه على تقصير شَعره.

стр. 2192

قوله: "وإسبال إزاره"؛ أي: وإطالة ذَيله. "فأخذ شفرةً"؛ أي: سكِّينًا. * * * ٣٤٥٢ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانت لي ذُؤابَةٌ فقالَت لي أمِّي: لا أَجُزُّهَا، كانَ رسولُ الله ﷺ يمدُّها ويأخذُها. قوله: "لي ذُؤابة"؛ أي: شَعر. "لا أجزُّها"؛ أي: لا أقطعها. "كان رسول الله ﷺ يمدُّها ويأخذها"؛ أي: يلعب بها؛ يعني: قد وصلَتْ إليها بركةُ يد رسول الله ﷺ ، لا أقطعها؛ كيلا تزولَ تلك البركة. * * * ٣٤٥٣ - عن عبدِ الله بن جَعْفَرٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ أمهلَ آلَ جعفرٍ ثلاثًا، ثم أَتاهم فقالَ: "لا تَبْكُوا على أخي بعدَ اليوم"، ثم قال: "ادْعُوا لي بني أخي"، فجيءَ بنا كأننا أفرُخٌ، فقال: "ادْعُوا لي الحلاقَ"، فأمَرَهُ فحلقَ رؤوسَنَا. قوله: "أمهلَ آلَ جعفر ثلاثًا"؛ يعني: فلمَّا قُتِلَ جعفرُ بن أبي طالب ﵁ تركَ رسولُ الله آلَ جعفر يبكون عليه ثلاثةَ أيامٍ، هذا يدل على أن البكاءَ على الميت من غير ندبٍ ونياحةٍ جائزٌ ثلاثةَ أيامٍ؛ لأنه ﷺ قال بعد ثلاثة أيام: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم"، ولم يقل قبل مضي ثلاثة أيام: لا تبكوا. "كأنَّا أَفْرُخٌ". (الأَفْرُخ) جمع: فرخ، وهو ولد الطير؛ أي: كنَّا صغارًا، وهذا الحديث يدل على جواز حلق شَعر الرأس. * * *

стр. 2193

٣٤٥٤ - عن أمِّ عطَّيةَ الأنصاريةَ: أنَّ امرأةً كانت تختِنُ بالمدينةِ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : "لا تُنْهِكِي، فإنَّ ذلِكَ أَحْظَى للمرأةِ وأحبَّ إلى البعلِ". قوله: "لا تُنْهِكِي"؛ أي: لا تقطعي موضعَ الختان قطعًا تامًا، بل اتركي ذلك الموضعَ. "فإن ذلك"؛ أي: فإن تركَ بعض ذلك الموضع "أحظى"؛ أي: أنفعُ لها. "البَعْل": الزوج. * * * ٣٤٥٦ - عن عائشةَ ﵂: أنَّ هندًا بنتَ عتبةَ قالت: يا نَبيَّ الله بايعْني؟ فقالَ: "لا أُبايُعكِ حتى تُغَيري كفَّيْكِ، فكأنَّهُما كَفَّا سَبُعٍ". قولها: "حتى تُغيري كفَّيك"؛ أي: حتى تخضبي كفَّيك بالحِنَّاء، وهذا دليلٌ على شدة استحباب الخضاب بالحِنَّاء للنساء. * * * ٣٤٥٧ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: أَوْمَأَتْ امرأةٌ مِن وراءِ سِتْرٍ، في يدها كتابٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقبضَ النبيُّ ﷺ يدَه! فقال: "ما أَدري أَيَدُ رَجُلٍ؛ أَمْ يدُ امرأةٍ؟ " قالت: بل يدُ امرأةٍ، قال: "لو كنتِ امرأة لغيَّرتِ أظفاركِ" يعني بالحِنَّاء. قوله: "أَوْمَت"، أصله: أومأت بالهمز بعد الميم، فخُففت الهمزة، فصارت ألفًا، ثم حُذفت الألف لسكونها وسكون التاء، ومعناه: أشارت. * * * ٣٤٥٨ - عن ابن عبَّاسٍ قال: لُعِنَتْ الواصِلةُ والمُستَوْصِلَةُ، والنَّامِصةُ والمُتنمِّصةُ، والواشِمةُ والمُستَوْشمةُ، مِن غيرِ داءٍ.

стр. 2194

قوله: "من غير داء"؛ أي: من غير علَّة؛ يعني: إن كانت بها علةٌ؛ فاحتاجت إلى أن تكويَ يدَها للمداواة جازَ، ولم يكن هذا من الوشمِ المَنهيِّ عنه، وإن بقي منه أثرٌ. * * * ٣٤٦٠ - وقيلَ لعائشةَ ﵂: إنَّ إمرأة تلبَسُ النَّعلَ! قالت: لعنَ رسولُ الله ﷺ الرَّجلَة مِن النِّساءِ. قولها: "الرَّجلَة من النساء"؛ أي: المرأة التي تشبه نفسَها بالرجال في اللباس. * * * ٣٤٦١ - عن ثوبانَ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا سافرَ كان آخرُ عهدِه بإنسانٍ مِن أهلِه فاطمةَ، وأولُ مَن يدخلُ عليها فاطمةَ، فقَدِمَ مِن غزَاةٍ وقد عَلَّقتْ مِسْحًا أو سِتْرًا على بابها، وحَلَّتِ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ قُلْبَينِ مِن فِضَّةٍ، فقَدِمَ فلم يدخلْ، فظنَّت أنَّما منعَه أنْ يدخلَ ما رَأَى، فَهتكَتْ السِّترَ وفكَّتِ القُلْبينِ عن الصَّبيَّيْنِ وقطعَتهُ منهما، فانطلقَا إلى رسولِ الله ﷺ يبكيانِ، فأخذه منهما وقال: "يا ثوبانُ! اذهبْ بهذا إلى آلِ فلانٍ، إنَّ هؤلاء أهلي أَكْرَهُ أنْ يأكلوا طيباتِهم في حياتِهم الدُّنيا، يا ثوبانُ اشترِ لفاطمةَ قِلادَةً مِن عَصَبٍ وسِوَارَيْنِ من عاجٍ". قولها: "من غزَاةٍ"، أصلها: من غزوة، فنُقلت فتحة الواو إلى الزاي وقُلبت الواو ألفًا؛ لأن سكونَها عارضٌ، والسكون العارض كالمتحرك، فكأنها متحركةٌ وما قبلها مفتوح. "علَّقت مِسْحًا".

стр. 2195

(المِسح): كساء معروف، يقال له بالفارسي: بِلاس، وإنما هتكت السترَ؛ لأنها ظنَّتْ أن رسولَ الله ﷺ تأذَّى منه لكونه منقَّشًا بصُوَرٍ، أو لأن فيها جملاً وزينةً. "حلَّتْ"، أصله: حلَّيَتْ، فقُلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، فحُذفت الألف لسكونها وسكون التاء، ومعناه: جَعلَتْ حُلِيًّا على الحسن والحسين. "قُلْبَين" تثنية: قُلْب، وهو سِوَارٌ بلا نقشٍ. "فكَّت"؛ أي: فَصَلَتْ. "أكرهُ أن يأكلوا طيباتهم"؛ يعني: أن يتلذَّذُوا ويتطيَّبُوا عيشَهم بأكل الأطعمة اللذيذة ولبس الملابس النفيسة، بل أختار لهم الفقرَ والرياضة في الدنيا. "قلادة من عَصْب". (القلادة): شيء من الذهب أو الفضة تعلِّقه النساء برقابهن، قال الحافظ أبو موسى: يحتمل عندي أن الرواية إنما هو (العَصَب) بفتح الصاد، وهو أطناب مفاصل الحيوانات، وهو شيء مدوَّر، ويحتمل أنهم كانوا يأخذون عَصَبَ بعض الحيوانات فيقطعونه ويجعلونه شبه الخَرَز إذا يبس، فيتخذون منه القلائد، فإذا أمكنَ أن يُتخذ من عظام السلحفاة وغيرها السوارَ أمكنَ أن يكون من عَصَب أشباهها خَرَزٌ يُنظَم منها قلائدُ، ثم ذَكر لي بعضُ أهل اليمن أن العَصَب سِنُّ دابةٍ بحريةٍ يُسمى: فرس فرعون، يُتخذ منها الخَرَزُ يكون أبيضَ، ويُتخذ منها غيرُ الخَرَز، هذا كلام أبي موسى. وقال الخطابي: في هذا الحديث شيءٌ حاصله: أني لا ندري (العَصْب) بسكون الصاد غير البُرد اليمني، وأما العاج فعظم ظهر السلحفاة البحرية، ويقال له: الذيل أيضًا، ويجوز استعماله؛ لأنه طاهرٌ، لأنه حيوانٌ بحريٌّ. والعاج أيضًا: عظم الفيل، وهو نَجِسٌ عند الشافعي، وفيه قولٌ للشافعي أنه

стр. 2196

طاهرٌ، ومذهب أبي حنيفة: أنه طاهرٌ، وكذلك البحث في عظمِ ما لا يُؤكَل لحمُه [وفي عظم ما يُؤكَل لحمُه إذا مات، فأما ما يُؤكل لحمُه] إذا ذُبح حلَّ لحمُه وطهر جلدُه وعظمُه وشَعرُه بلا خلافٍ. * * * ٣٤٦٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اكتحِلُوا بالإِثمدِ فإنه يَجْلُو البَصرَ، ويُنْبتُ الشَّعرَ" وزعم: أنَّ النبيَّ ﷺ كانتْ لهُ مُكْحُلَةٌ يكتحلُ بها كلَّ ليلةٍ ثلاثةً في هذه، وثلاثةً في هذه. قوله: "يَجْلُو البصرَ"؛ يعني يزيد نورَ العين. "ويُنبت الشَّعر"؛ يعني: يُنبت أهدابَ العين، والأهدابُ زينةٌ للإنسان. * * * ٣٤٦٣ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانَ نبيُّ الله ﷺ يكتحلُ قبلَ أنْ ينامَ بالإِثمدِ ثلاثًا في كلِّ عينٍ، قال: وقال: "إنَّ خيرَ ما تَدَاوَيْتُم به اللَّدُودُ، والسَّعُوطُ، والحِجَامَةُ، والمَشِيُّ، وخيرَ ما اكتحَلْتُم بهِ الإِثمدُ، فإنه يجلُو البصرَ ويُنْبتُ الشعرَ، وإنَّ خيرَ ما تَحتجِمونَ فيهِ يومُ سبعَ عشرةَ، ويومُ تسعَ عشرةَ، ويومُ إحدى وعشرينَ"، وإنَّ رسولَ الله ﷺ حيثُ عُرِجَ بهِ ما مَرَّ على ملأٍ مِن الملائكةِ إلا قالوا: عليكَ بالحِجَامةِ. غريب. قوله: "إن خير ما تداويتم به اللَّدُود والسَّعُوط". و (اللَّدُود): ما يلقي الإنسانُ في أحد شقَّي الفم للمداواة. و (السَّعُوط): ما يُلقَى في الأنف للتداوي. "المَشِيُّ" بكسر الشين وتشديد الياء، ويجوز فتح الميم وضمُّها وكسرها: وهو ما يُشرَب أو يُؤكَل لإطلاق البطن أو إسهاله.

стр. 2197

قوله: "حيث عُرِجَ به"؛ أي: حين عُرِجَ به إلى السماء ليلةَ المعراج. "على ملأ"؛ أي: جماعة. "عليك بالحِجَامة"؛ أي: الزَمِ الحجامةَ. * * * ٣٤٦٤ - عن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى الرِّجالَ والنَّساءَ عن دخولِ الحَمَّاماتِ، ثم رخَّصَ للرِّجالِ أنْ يدخلُوا بالميازرِ. قولها: "أن النبي ﷺ نهى الرجالَ والنساءَ عن دخول الحمَّامات، ثم رخَّص للرجال أن يدخلوها بالمَيَازر". (الميازر) جمع: مِئزر، وهو الإزار، وانما لم يرخَّص للنساء في دخول الحمَّام؛ لأن النساءَ جميعُ أعضائهن عورةٌ، وكشفُ العورة غيرُ جائزٍ إلا عند الضرورة، كغُسل الجنابة وقضاء الحاجة، ولا ضرورةَ لهن في دخول الحمَّام؛ لأن الغُسلَ ممكنٌ في بيتها. ألا ترى أن صلاةَ المرأة في بيتها أفضلُ من صلاتها في المسجد، بخلاف الرجال، فإذا اقتضت حاجةُ النساء إلى دخول الحمَّام، مثل: أن تكون مريضةً؛ تدخل الحمَّام للتداوي، أو يكون قد انقطع نفاسها؛ تدخل الحمَّام للتنظيف، أو تكون قد انقطع حيضُها، أو تكون جنبًا، والبردُ شديدُ، ولا تَقدِر أن تُسخَّنَ الماءَ، فتخاف استعمالَ الماء البارد ضررًا؛ ففي هذه الأعذار جازَ لهن دخول الحمَّام. ولا يجوز للرجال دخول الحمَّام ودخول الماء بغير إزارٍ ساترٍ ما بين سُرَّته ورُكبته. يُحكَى عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أنه قال: كنتُ يومًا مع جماعةٍ يتجرَّدون ويدخلون الماء، فاستعملتُ خبرَ النبي ﷺ : "مَن كان يؤمن بالله واليوم

стр. 2198

الآخر فلا يدخل الحمَّامَ إلا بمِئزرٍ"، ولم أتجرَّد، فرأيت تلك الليلةَ في المنام كأن قائلاً يقول لي: أبشِرْ يا أحمدُ؛ فإن الله تعالى قد غفرَ لك باستعمال السُّنَّة، فقلت: مَن أنت؟ فقال: أنا جبريلُ، فقد جعلك إمامًا يُقتدَى بك. * * * ٣٤٦٥ - عن أبي المَليحِ قال: قَدِمَ على عائشَةَ ﵂ نِسوةٌ مِن أهلِ حمْصَ فقالت: مِن أينَ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِن الشامِ، قالت: فلعلَّكُنَّ مِن الكُورَةِ التي تدخلُ نِسَاؤها الحمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: بلى، قالت: فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تخلعُ امرأةٌ ثيابَها في غيرِ بيتِ زوجِها إلا هَتَكَتْ السِّترَ بينَها وبينَ ربها". وفي روايةٍ: "في غيرِ بيتِها إلا هتكَتْ سِترَها فيما بينَها وبينَ الله ". قوله: "من أهل حِمْص": وهو بلد من الشام. "من الكُورة"؛ أي: من البلد والناحية. "إلا هَتَكَتِ السِّترَ بينها وبين ربها "؛ يعني: جعل الله سِترًا على النساء؛ أي: حفظَهنَّ من أن يَرَهنَّ أجنبيٌّ، وأمرَهن بسِتر أنفسهن، حتى لا يجوز لهن كشفُ عورتهن في الخلوة أيضًا إلا عند أزواجهن، فإنه جازَ لهن كشفُ جميع أعضائهن عند الأزواج، ويجوز لهن كشفُ ما ظهر منهن عند العمل، كاليدَين إلى العضد والرَّجلَين إلى الساق عند محارمهن، فإذا كشفتِ المرأةُ أعضاءَها في الحمَّام من غير ضرورةٍ فقد هتكت السترَ الذي أمرها الله تعالى به، وصارت عاصيةً بهتك سِترها. * * * ٣٤٦٧ - عن جابرٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يدخل الحَمَّامَ بغيرِ إزارٍ، ومَن كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يُدْخِلْ

стр. 2199

حَلِيلَتَهُ الحَمَّامَ، ومَن كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يجلسْ على مائدةٍ تُدَارُ عليها الخَمْرُ". قوله: "حليلته"؛ أي: زوجته. "على مائدة"؛ أي: على خِوَانٍ يُشرَب فيها الخمر؛ أي: لا يجلس مجلسًا تُشرب فيه الخمر، والحمد لله رب العالمين. * * * ٥ - باب التَّصاويرِ (باب التصاوير) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٤٦٨ - عن أبي طلحةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ كلبٌ ولا تصاويرُ". قوله: "ولا تصاوير". و (التصاوير) جمع: تصوير، وهو جعلُ صورةٍ على فراش وغيره، والمراد بـ (التصاوير) هنا: جمع التصوير الذي هو بمعنى الصورة، والمراد بها صورة الحيوانات التي تكون على حائط أو ستر، فأما صورُ الحيوان فيما يُجلَس عليه كفراشٍ فليس فيه بأسٌ، وكذلك صور غير الحيوان ليس فيه بأسٌ في أي موضع كان. * * * ٣٤٦٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن مَيْمونةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أصبحَ يومًا وَاجِمًا وقال: إنَّ جبريلَ كانَ وَعَدَني أنْ يلقَاني الليلةَ فلَمْ يَلْقَني! أَمَا والله ما أَخْلَفَنيِ"، ثم وقعَ في نفسِه جَرْوُ كلبٍ تحتَ فُسْطَاطٍ، فأَمرَ بهِ فأُخرِجَ ثم أخذَ

стр. 2200

بيدِه ماءً فنضحَ مَكَانَهُ، فلمَّا أَمسَى لقيَهُ جبريلُ، فقالَ لهُ: "قد كنتَ وعدتَني أنْ تَلقَاني البارحةَ؟ " فقال: أَجَلْ، ولكِنَّا لا ندخُل بيتًا فيهِ كلبٌ ولا صورةٌ، فأَصبحَ رسولُ الله ﷺ يومئذٍ فأمرَ بقتلِ الكلابِ، حتى إنَّه يأمرُ بقتلِ كلبِ الحائطِ الصَّغيرِ، ويتركُ كلبَ الحائطِ الكبيرِ. قولها: "واجمًا"؛ أي: حزينًا. "أم والله"، أصله: أما والله، فحُذف الألفُ للتخفيف، ومعناه: اعلم، يستوي فيه الواحد والكثير والمذكر والمؤنث. "ثم وقع في نفسه جَرْوُ كلبٍ"؛ أي: ولد كلب. "تحت فسطاط"؛ أي: تحت خيمة، رأى ولدَ كلبٍ تحت خيمته، فوقع في خاطره ﷺ أن جبريل ﷺ إنما لم يدخل الليلَ عليَّ لأجل وجود هذا الجَرْو. "فأمر بقتل كلب الحائط الصغير". (الحائط): البستان؛ يعني: الحائط الصغير لا يحتاج إلى حراسة الكلب لصغره، فأمر بقتل كلب الحائط الصغير، وأما الحائط الكبير فيحتاج إلى حراسة الكلب، فلم يأمر بقتل ذلك الكلب؛ لاحتياج الناس إليه. * * * ٣٤٧٠ - عن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يتركُ في بيتِه شيئًا فيهِ تَصَاليبُ إلَاّ نَقَضَه. قولها: "فيه تصاليب": كل صورةٍ تكون على صورة الصليب، والصليب: شيء يكون للنصارى يعظَّمونه، والتصاليب هنا: كل صورة تكون من صور الحيوانات. "نقضَه"؛ أي: أزالَه. * * *

стр. 2201

٣٤٧١ - وقالت قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يُعَذَّبونَ يومَ القيامةِ ويقالُ لهم: أَحْيوا ما خَلَقتُم". وقال: "إنَّ البيتَ الذي فيه الصُّورةُ لا تدخُلُه الملائكةُ". قوله: "أَحْيُوا ما خلقتُم"؛ أي: انفخوا الروحَ في الصور التي عملتُمُوها، ولن تقدروا أن تنفخوا فيها الروح، فتعذَّبون إلى ما شاء الله. روى هذا الحديثَ ابن عمر. قوله: "وإن البيتَ الذي فيه الصورة"، أراد بهذه الصورة: صور الحيوانات. روى هذا الحديثَ "أبو طلحة". * * * ٣٤٧٢ - وعن عائشةَ ﵂: أنها كانَتْ قد اتخذَتْ على سَهْوَةٍ لها سِترًا فيهِ تَماثيلُ، فهتكَهُ النبيُّ ﷺ فاتخذْتُ منهِ نُمْرُقَتَيْنِ، فكانتا في البيتِ يجلِسُ عليهِما. قولها: "على سَهْوَة"؛ أي: على بيتٍ صغيرٍ فيه تماثيلُ. "التماثيل" جمع: تمثال، وهو هنا صورة الحيوان. "فهتكَه"؛ أي: خرقَه. "فاتخذت"؛ أي: فاتخذت عائشةُ "منه"؛ أي: من ذلك السِّتر المُخرَّق. "نمرقتين" تثنية: نمرقة، وهي وسادة يجلس عليها؛ يعني: لا بأسَ بكون الصورة فيما يجلس عليه، لأنه يُذَلُّ، يعني: ما خلَقَه الله يُكرَّم، وما عملَه الإنسان يُذَلُّ. * * *

стр. 2202

٣٤٧٣ - ورُوِيَ عن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ في غزاةٍ، فأخذتُ نَمَطًا فسترتُه على البابِ، فلمَّا قدِمَ فرَأَى النَّمطَ فجذبَهُ حتى هتكَهُ، ثمَّ قال: "إنَّ الله لم يأمرْنَا أنْ نكسُوَ الحِجارةَ والطَّين". قولها: "اتخذت نَمَطًا"؛ أي: سِتْرًا. "فسترتُه على الباب"؛ أي: كسوت البابَ وما حولَه من الجدار بذلك النَمط. "جذبه"؛ أي: جرَّه. "أن نكسوَ الحجارةَ والطينَ"؛ يعني: كسوةُ الجدار مثلُ حجلة النساء؛ مِن فعل المتجبرين والمتكبرين والمسرفين، ونحن براءٌ مِن فعلِ هؤلاء. * * * ٣٤٧٤ - عن عائشةَ ﵂، عن رسولِ الله ﷺ قال: "أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُضاهونَ بخلقِ الله". قوله: "يضاهون بخلق الله". (يضاهون) أصله: يُضاهِيُون، فنُقلت ضمة الياء إلى الهاء وحُذفت الياء، لسكونها وسكون الواو؛ أي: يُشابهون بالله في عمل الصور؛ يعني: التصوير لا ينبغي لأحدٍ سوى الله تعالى، فمَن صوَّر صورةً فقد ظلمَ نفسَه واستحقَّ العذابَ. * * * ٣٤٧٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "قال الله: ومن أظلمُ ممن ذهبَ يخلق كخلقي، فليخلقوا ذَرَّةً أو ليخلقوا حَبَّةً أو شعيرةً". قوله: "ذهب يخلق كخلقي"؛ أي: طَفِقَ يُصوِّر صورةً يشبه صورةً خلقتُها؛

стр. 2203

يعني: لا يقدر أحدٌ أن يخلقَ مثلَ ما أَخلقُ، فإن الخلقَ ليس بتصويرِ صورةٍ مجردةٍ عن الرُّوح، بل الخلق أن يصوِّر صورةً وينفخ فيها الرُّوح، فلا يقدر أحدٌ على نفخ الرُّوح في الصورة إلا الله. * * * ٣٤٧٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن تَحَلَّمَ بحُلمٍ لم يَرَهُ، كُلِّفَ أنْ يعقِدَ بينَ شعيرتينِ ولن يفعلَ، ومَن استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم له كارِهونَ، أو يَفِرُّونَ منهُ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ، ومَن صَوَّرَ صورةً عُذِّبَ وكلِّفَ أنْ ينفخَ فيها وليسَ بنافخٍ". قوله: "مَن تحلَّم"؛ أي: مَن تكذَّب "بحُلمٍ". (الحُلم) بضم الحاء: الرؤيا؛ يعني: من قال: رأيتُ رؤيا ولم يكن رآها فقد كذبَ، ويُعذب يومَ القيامة بهذا الكذب، ويقال له: اعقد بين شَعيرتَين، ولم يقدر أن يعقدَ بينهما؛ يعني: يعذَّب بفعل ما لم يكن قادرًا على فعله كما، أظهر برؤيته رؤيا لم يكن رآها. وهذا التغليظ فيمن أظهرَ رؤيا كاذبًا إذا كان كذبًا عظيمًا، مثل أن يقول: رأيتُ في المنام أن الله أمرني أن أكون نبيًّا، أو أمرني بأن فلانًا مغفورٌ أو وَلِيٌّ، أو فلانٌ ملعونٌ، أو أخرِجُوه من البلد، أو أمرَني الله بأن أقول: اعملوا بدين موسى أو غيره من الأنبياء الماضية، أو اقرؤوا التوراة وما أشبه ذلك، وكذلك لو قال: أمرني رسولُ الله في المنام بشيءٍ من هذه الأشياء. وأما لو لم يكن كذبُه عظيمًا لم يكن عذابُه مثل هذا العذاب، مثل أن يقول واعظ: أمرني الله بأن أعظَ الناسَ، فهذا كذب، ولكن وعظَ الناس طاعةٌ، فلم يكن إثمُ هذا الكذب مثلَ إثمِ مَن قال: أمرني الله بقراءة التوراة؛ لأنها منسوخةٌ. قوله: "صُبَّ في أذنيَه الآنُكُ": وهو الأُسْرُبُّ؛ يعني: استراقُ السمعِ خيانةٌ

стр. 2204

تستحق العذابَ يومَ القيامة؛ لأنه يريد إظهارَ سرِّهم وهم يكرهون إظهارَه. قوله: "وليس بنافخٍ"؛ أي: لا يقدر أن ينفخَ فيها الرُّوحَ. * * * ٣٤٧٩ - وعن بُريدةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن لعبَ بالنَّردَشِيرِ فكأنَّما صبغَ يدَهُ في لحم خنزيرٍ ودمِهِ". قوله: "مَن لعبَ بالنَّردشير فكأنما صبغَ يدَه في لحم الخنزير ودمه". (النَّردشير): النَّرْد المعروف، وهو حرامٌ لعبُه بالاتفاق؛ يعني: ذبحُ الخنزيرِ والأكلُ حرامٌ، وأخذُ لحمِه واستعمالُ دمِه وأكلُ شيءٍ منه؛ أي: شيء كان كل ذلك حرام، فكما أن هذه الأشياء حرام فكذلك اللعب بالنردشير حرام. وقيل: المراد بالنَّردشير: الشِّطْرنج، واللعب بالشِّطْرنج عند الشافعي مكروهٌ غيرُ حرامٍ، وعند أبي حنيفة: حرامٌ، وإنما لم يكن الشَّطْرنج عند الشافعي حرامًا بشرط ألا يكون اللعبُ بمالٍ. قال ابن عباس: كلُّ شيءٍ فيها قِمارٌ؛ أي: كلُّ لعبٍ أُخذ به مالٌ فهو من المَيسر، حتى لعب الصبيان بالجَوز والكِعاب، و (الكِعَاب) جمع: كَعب، وهو كَعب الغنم. * * * مِنَ الحَسَان: ٣٤٨٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أتاني جبريلُ ﵇ فقالَ: أتيتُكَ البارحةَ فلم يَمنعْني أنْ أكونَ دخلتُ إلا أنه كانَ على البابِ تماثيلُ، وكانَ في البيتِ قِرامُ سِترٍ فيهِ تماثيلُ، وكانَ في البيتِ كلبٌ فمُرْ

стр. 2205

برأسِ التمثالِ الذي على بابِ البيتِ فيُقطَع، فيصير كهيئةِ الشَّجرةِ، ومُرْ بالسِّتْرِ فليقطعْ فليُجعَلْ وسادتينِ منبوذتَيْنِ ثُوطَآن، ومُرْ بالكلبِ فليُخرَجْ، ففعلَ رسولُ الله ﷺ ". قوله: "فيصير كهيئة الشجرة"؛ يعني: إذا قُطِعَ ولم تبقَ صورتُه كصورة حيوان لم يكن فيه بأسٌ. "القِرَام": سِتْرٌ رقيقٌ. "تُوطَأ"؛ أي: يُجلَس عليها، وأصل الوطء: الضرب بالرِّجل. * * * ٣٤٨١ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يخرجُ عنقٌ مِن النارِ يومَ القيامةِ لها عينانِ تُبصِرانِ، وأُذُنانِ تَسمعانِ، ولسانٌ يَنطقُ تقولُ: إني وُكِّلتُ بثلاثٍ: بكلِّ جَبَّارٍ عنيدٍ، وكلَّ مَن دَعا معَ الله إِلهًا آخرَ، والمصوِّرينَ". قوله: "يخرج عنقٌ من النار"؛ أي: يخرج شخصٌ من النار ويقول: وكَّلَني الله بأن أُدخلَ هؤلاء الأصنافَ الثلاثةَ النارَ وأُعذِّبَهم. قوله: "بكل جبَّار عنيد". (العنيد): المواظب والمداوم على الباطل. * * * ٣٤٨٢ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إنَّ الله حرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسرَ والكُوبَة"، وقال: "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ" قيلَ: الكُوبَةُ، الطَّبْلُ. قوله: "إن الله حرَّم الخمرَ والمَيسرَ والكُوبةَ"؛ يعني: حرَّم الله هذه الأشياءَ، أما الخمرُ والمَيسرُ فتحريمُهما مذكورٌ في القرآن، ولقد ذكرناهما في

стр. 2206

بيان الخمر، وأما الكُوبة فقد حرَّمها الله على لسان النبي، وما حرَّمه النبي فقد حرَّمه الله، والكُوبة: طبل المخنَّثين. * * * ٣٤٨٥ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ رَأَى رجلاً يتبعُ حمامةً فقال: "شيطانٌ يتبعُ شيطانةً". قوله: "شيطانٌ يتبع شيطانًا"، سمَّى الحمامة ومَن لعب بها شيطانًا؛ لأن مَن حمل أحدًا على معصيةٍ أو شغلَه عن الطاعة فهو شيطانٌ، ومَن يطيعه فهو أيضًا شيطانٌ، واللعبُ بالحَمَام يشغل الرجلَ عن أوقات الصلاة لحرصه بها، ويقلَّل مروءتَه؛ لأن اللعبَ لا يليق بأهل المروءة، وربما يصعد موضعًا عاليًا ويطَّلع على عورات المسلمين، واللعبُ بالحَمَام مكروهٌ. ° ° °

стр. 2207

٢١ - كِتابُ الطَّبَّ وَالرُّقى

стр. 2208

[٢١] كِتابُ الطَّبَّ وَالرُّقى (كتاب الطب والرُّقى) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٤٨٦ - قال رسولُ الله ﷺ : "ما أنزلَ الله داءً إلَاّ أنزلَ لهُ شفاءً". قوله: "ما أنزل الله داءً إلا أَنزلَ له شفاءً"، أراد بـ (الشفاء) هنا: الدواء. هذا الحديثُ رخصةٌ للأُمة في التداوي واستعمال الطب؛ يعني: ما خلقَ الله علةً إلا خلقَ لها دواءً، وهدى طائفةً من الناس إليه، وألهمَهم كيفيةَ التداوي به. وحصولُ البُرْءِ ليس من الدواء، بل من الله؛ إنْ قدَّر فيه الشفاءَ يحصل الشفاءُ به، وإن لم يُقدِّر لم يحصل، وهذا كما جعل الله الماءَ دافعًا للعطش والطعام دافعًا للجوع؛ فإنْ قدَّر قطعَ العطش والجوع يحصل الدفع، وإن لم يُقدِّر لم يحصل، فإنه كم من جائعٍ يأكل الطعامَ ولم يشبع، ويشربُ الماءَ ولم يَرْوَ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. ٣٤٨٧ - وقال: "لكلِّ داءٍ دواءٌ فإذا أُصيبَ دواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذنِ الله". قوله: "بَرَأَ بإذن الله"؛ أي: حصل له الشفاءُ بأمر الله إن قدَّر الشفاءَ، وإن لم يُقدِّر لم يحصل. روى هذا الحديثَ جابر. * * *

стр. 2209

٣٤٨٨ - وقال: "الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أو شَرْبةِ عَسَلٍ، أو كَيَّةٍ بنارٍ، وأنا أَنْهَى أُمَّتي عن الكيِّ". قوله: "الشفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرطة مِحْجَم، أو شَربةِ عسلٍ، أو كَيَّةٍ بنارٍ؛ وأنا أَنْهَى أُمتي عن الكَيَّ". (الشَّرطة): المشرط، وهو ما يُضرَب على موضع الحِجامة ليخرجَ منه الدمُ بالمِحْجَم. والمِحْجَمة: قارورة الحجَّام التي يمصُّها، وقيل: الموضع الذي يُحجَم. (الكَيُّ): أن يُحمَى حديدٌ ويُوضَع على عضوٍ معلولٍ ليحترقَ ويحتبسَ دمُه، ولا يخرج الدم، أو لينقطعَ العِرقُ الذي تنتشر منه العلَّة. وقد جاء النهي عن الكَيِّ، وقد جاءت الرخصة أيضًا، والرخصةُ لبيان جوازه حيث لا يَقدِر الرجلُ على أن يداويَ تلك العلةَ بدواءٍ آخرَ، والنهي حيث يَقدِر الرجلُ على أن يداويَ العلةَ بدواءٍ آخرَ، وإنما ورد النهيُ حيث يَقدِر الرجلُ على أن يداويَ العلةَ بدواءٍ آخرَ؛ لأن الكَيَّ فيه تعذيبٌ بالنار، ولا يجوز أن يعذِّبَ بالنار إلا ربُّ النار، وهو الله تعالى، ولأنه يبقى من الكَيِّ أثرٌ فاحشٌ، ولأن أهلَ الجاهلية كانوا قد اعتقدوا أن الشفاءَ يحصل من الكَيِّ البتةَ، فنهاهم النبيُّ ﷺ عن الكَيِّ كي لا يعتقدوا الشفاءَ منه، بل الشافي هو الله. روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * ٣٤٨٩ - عن جابرٍ قال: رُميَ أُبَيٌّ يومَ الأحزابِ على أَكْحَلِه فكَواهُ رسولُ الله ﷺ . قوله: "على أَكْحَلِه"، (الأكحل): عِرق معروف يُفصَد منه. * * *

стр. 2210

٣٤٩٠ - وقال: رُميَ سعدُ بن معاذٍ في أَكْحَلِه فحَسَمَهُ النبيُّ ﷺ بيدهُ بمِشْقَصٍ، ثم وَرِمَتْ فحسمَهُ الثانيةَ. قوله: "رُمي في أَكْحَلِه"؛ أي: أصاب سهمٌ أكحلَه، وهو العرقُ المذكور. "فحسمَه"؛ أي: فكَوَاهُ "بمِشْقَص": وهو نصلٌ عريضٌ. روى هذا الحديثَ والذي بعده "جابر" أيضًا. * * * ٣٤٩٣ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ أخي استَطْلَقَ بطنُهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اسقِهِ عسلاً" فسقاهُ، ثم جاءَهُ فقال: سقَيْتُه عَسَلاً فلم يزِدْهُ إلا استطْلاقًا!؟ فقال له ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم جاءَ الرَّابعةَ فقال: "اسقِهِ عَسَلاً" فقال: لقد سقيْتُه فلم يزدْهُ إلا استِطْلاقًا!؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "صدقَ الله وكذبَ بطنُ أخيكَ"، فسقاهُ فبَرَأَ. قوله: "استَطلَق"؛ أي: أَسْهَلَ بطنُه؛ يعني: جرى غائطُه. "صَدَقَ الله"؛ يعني: صدقَ الله في قوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. "وكذَبَ بطنُ أخيك"؛ يعني: عدمُ حصول شفاء بطن أخيك ليس لعدم الشفاء في العسل، بل ما أخبر الله عنه لا يجوز الخُلفُ فيه، وإنما لم يحصل شفاءُ بطن أخيك؛ لأن النيةَ في شربه غيرُ صادقةٍ وغيرُ مخلصةٍ، أو لأنه لم تنقضِ مدةُ المرض؛ فإن الله جعل لكل شيءٍ وقتًا، كما جعل للحيوانات مدةً معلومةً عند الله، فلا يموت حيوانٌ قبل انقضاء أجله، فكذلك لا يُزال مرضٌ قبل انقضاء أجله. * * *
следующие страницы →