← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

بيان الخمر، وأما الكُوبة فقد حرَّمها الله على لسان النبي، وما حرَّمه النبي فقد حرَّمه الله، والكُوبة: طبل المخنَّثين. * * * ٣٤٨٥ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ رَأَى رجلاً يتبعُ حمامةً فقال: "شيطانٌ يتبعُ شيطانةً". قوله: "شيطانٌ يتبع شيطانًا"، سمَّى الحمامة ومَن لعب بها شيطانًا؛ لأن مَن حمل أحدًا على معصيةٍ أو شغلَه عن الطاعة فهو شيطانٌ، ومَن يطيعه فهو أيضًا شيطانٌ، واللعبُ بالحَمَام يشغل الرجلَ عن أوقات الصلاة لحرصه بها، ويقلَّل مروءتَه؛ لأن اللعبَ لا يليق بأهل المروءة، وربما يصعد موضعًا عاليًا ويطَّلع على عورات المسلمين، واللعبُ بالحَمَام مكروهٌ. ° ° °

стр. 2207

٢١ - كِتابُ الطَّبَّ وَالرُّقى

стр. 2208

[٢١] كِتابُ الطَّبَّ وَالرُّقى (كتاب الطب والرُّقى) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٤٨٦ - قال رسولُ الله ﷺ : "ما أنزلَ الله داءً إلَاّ أنزلَ لهُ شفاءً". قوله: "ما أنزل الله داءً إلا أَنزلَ له شفاءً"، أراد بـ (الشفاء) هنا: الدواء. هذا الحديثُ رخصةٌ للأُمة في التداوي واستعمال الطب؛ يعني: ما خلقَ الله علةً إلا خلقَ لها دواءً، وهدى طائفةً من الناس إليه، وألهمَهم كيفيةَ التداوي به. وحصولُ البُرْءِ ليس من الدواء، بل من الله؛ إنْ قدَّر فيه الشفاءَ يحصل الشفاءُ به، وإن لم يُقدِّر لم يحصل، وهذا كما جعل الله الماءَ دافعًا للعطش والطعام دافعًا للجوع؛ فإنْ قدَّر قطعَ العطش والجوع يحصل الدفع، وإن لم يُقدِّر لم يحصل، فإنه كم من جائعٍ يأكل الطعامَ ولم يشبع، ويشربُ الماءَ ولم يَرْوَ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. ٣٤٨٧ - وقال: "لكلِّ داءٍ دواءٌ فإذا أُصيبَ دواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذنِ الله". قوله: "بَرَأَ بإذن الله"؛ أي: حصل له الشفاءُ بأمر الله إن قدَّر الشفاءَ، وإن لم يُقدِّر لم يحصل. روى هذا الحديثَ جابر. * * *

стр. 2209

٣٤٨٨ - وقال: "الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أو شَرْبةِ عَسَلٍ، أو كَيَّةٍ بنارٍ، وأنا أَنْهَى أُمَّتي عن الكيِّ". قوله: "الشفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرطة مِحْجَم، أو شَربةِ عسلٍ، أو كَيَّةٍ بنارٍ؛ وأنا أَنْهَى أُمتي عن الكَيَّ". (الشَّرطة): المشرط، وهو ما يُضرَب على موضع الحِجامة ليخرجَ منه الدمُ بالمِحْجَم. والمِحْجَمة: قارورة الحجَّام التي يمصُّها، وقيل: الموضع الذي يُحجَم. (الكَيُّ): أن يُحمَى حديدٌ ويُوضَع على عضوٍ معلولٍ ليحترقَ ويحتبسَ دمُه، ولا يخرج الدم، أو لينقطعَ العِرقُ الذي تنتشر منه العلَّة. وقد جاء النهي عن الكَيِّ، وقد جاءت الرخصة أيضًا، والرخصةُ لبيان جوازه حيث لا يَقدِر الرجلُ على أن يداويَ تلك العلةَ بدواءٍ آخرَ، والنهي حيث يَقدِر الرجلُ على أن يداويَ العلةَ بدواءٍ آخرَ، وإنما ورد النهيُ حيث يَقدِر الرجلُ على أن يداويَ العلةَ بدواءٍ آخرَ؛ لأن الكَيَّ فيه تعذيبٌ بالنار، ولا يجوز أن يعذِّبَ بالنار إلا ربُّ النار، وهو الله تعالى، ولأنه يبقى من الكَيِّ أثرٌ فاحشٌ، ولأن أهلَ الجاهلية كانوا قد اعتقدوا أن الشفاءَ يحصل من الكَيِّ البتةَ، فنهاهم النبيُّ ﷺ عن الكَيِّ كي لا يعتقدوا الشفاءَ منه، بل الشافي هو الله. روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * ٣٤٨٩ - عن جابرٍ قال: رُميَ أُبَيٌّ يومَ الأحزابِ على أَكْحَلِه فكَواهُ رسولُ الله ﷺ . قوله: "على أَكْحَلِه"، (الأكحل): عِرق معروف يُفصَد منه. * * *

стр. 2210

٣٤٩٠ - وقال: رُميَ سعدُ بن معاذٍ في أَكْحَلِه فحَسَمَهُ النبيُّ ﷺ بيدهُ بمِشْقَصٍ، ثم وَرِمَتْ فحسمَهُ الثانيةَ. قوله: "رُمي في أَكْحَلِه"؛ أي: أصاب سهمٌ أكحلَه، وهو العرقُ المذكور. "فحسمَه"؛ أي: فكَوَاهُ "بمِشْقَص": وهو نصلٌ عريضٌ. روى هذا الحديثَ والذي بعده "جابر" أيضًا. * * * ٣٤٩٣ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ أخي استَطْلَقَ بطنُهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اسقِهِ عسلاً" فسقاهُ، ثم جاءَهُ فقال: سقَيْتُه عَسَلاً فلم يزِدْهُ إلا استطْلاقًا!؟ فقال له ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم جاءَ الرَّابعةَ فقال: "اسقِهِ عَسَلاً" فقال: لقد سقيْتُه فلم يزدْهُ إلا استِطْلاقًا!؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "صدقَ الله وكذبَ بطنُ أخيكَ"، فسقاهُ فبَرَأَ. قوله: "استَطلَق"؛ أي: أَسْهَلَ بطنُه؛ يعني: جرى غائطُه. "صَدَقَ الله"؛ يعني: صدقَ الله في قوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. "وكذَبَ بطنُ أخيك"؛ يعني: عدمُ حصول شفاء بطن أخيك ليس لعدم الشفاء في العسل، بل ما أخبر الله عنه لا يجوز الخُلفُ فيه، وإنما لم يحصل شفاءُ بطن أخيك؛ لأن النيةَ في شربه غيرُ صادقةٍ وغيرُ مخلصةٍ، أو لأنه لم تنقضِ مدةُ المرض؛ فإن الله جعل لكل شيءٍ وقتًا، كما جعل للحيوانات مدةً معلومةً عند الله، فلا يموت حيوانٌ قبل انقضاء أجله، فكذلك لا يُزال مرضٌ قبل انقضاء أجله. * * *

стр. 2211

٣٤٩٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أَمْثَلَ ما تَداويتُم بهِ الحِجامَةُ، والقُسْطُ البَحرىُّ". قوله: "إن أَمثلَ ما تداويتُم به الحِجامةُ والقُسْطُ البحري". (الأمثل): الأَصلَح والأَولَى. (القُسط البحري) (١) بضم القاف: هو عُود هندي يصلح. روى هذا الحديثَ أنس. * * * ٣٤٩٥ - وقال: "لا تُعذِّبُوا صِبيانَكم بالغَمْزِ مِن العُذْرةِ، وعليكم بالقُسْطِ". قوله: "الغَمز": العَصر. "العُذرة": وجعٌ في الحلق يهيج من الدم، وقيل: قرحة، وقيل: اجتماع الدم في قَعر الحَنَك الأعلى بحيث يظهر انتفاخُ ذلك الموضع، وعادة النساء أن يَعصْرنَ بالإصبع ذلك الموضعَ، فنهاهنَّ رسولُ الله ﷺ عن عصره، وأمرَهنَّ بأن يُداوِينَها بالقُسط. روى هذا الحديثَ أنس. * * * ٣٤٩٦ - وقال: "عَلَامَ تَدْغَرْنَ أولادَكُنَّ بهذا العِلاقِ؟ عليكُنَّ بهذا العودِ الهِنديِّ، فإنَّ فيهِ سبعةَ أَشفِيَةٍ، منها ذاتُ الجَنْبِ، يُسعَطُ مِن العُذْرَةِ ويُلَدُّ مِن ذاتِ الجَنْبِ".

стр. 2212

قوله: "على ما تَدْغَرْنُ"؛ أي: لِمَ تَعصرْنَ أحناكَ أولادِكن من العُذرة؟! بل لا تَعصرْنَها وداوِينَها بالقُسط. (الدَّغْر): العَصْر. (الأحناك) جمع: حنك. قوله: "بهذا العِلاق". (العلاق) بكسر العين: الداهية؛ يعني: لِمَ تَعصرْنَ عُذرةَ الأولاد بالشدة وتُعذِّبنهم؟! و (العُلاق) بضم العين: ما تُعصَر به العُذرة من إصبع وغيرها، فعلى هذا يكون معناه: لِمَ تَعصْرنَ عُذرةَ أولادكن بالإصبع وغيره؟! "عليكن بهذا العُود الهندي"؛ أي: الزَمْنَ استعمالَ العود الهندي في عُذرة الأولاد. "ذات الجَنب": هي الدُّبَيْلة، وهي قرحة قبيحة تنقب البطنَ؛ أي: تثقبُه. رَوَتْ هذا الحديثَ أم قيس بنت مِحْصَن. * * * ٣٤٩٧ - وقال: "الحُمَّى مِن فيحِ جَهنَّمَ فأبرِدُوها بالماءِ". قوله: "الحُمَّى من فَيح جهنم؛ فأَبرِدُوها بالماء"، (من فيح جهنم)؛ أي: من نفح حرارة جهنم، وهذا مثل قوله ﷺ : "السفرُ قطعةٌ من العذاب"؛ يعني هذا: أن الحُمَّى اشتعالُ حرارةِ الطبيعةِ، فهذه الحرارةُ تشبه نارَ جهنم في كونها معذِّبًا للجسد ومُذِيبًا له، فكما أن النارَ تُزال بالماء، فكذلك حرارةُ الحُمَّى تُزال بالماء البارد، وكيفية استعمال الماء ما جاء في الحديث، وهو ما رُوي أن رسولَ الله ﷺ -

стр. 2213

قال في مرضه: "هَرِيقُوا عليَّ من سبعِ قِرَبٍ لم تُحلَلْ أَوكيتُهنَّ". (هَرِيقوا)؛ أي: صُبُّوا، (القِرَب) جمع: قِرْبة، (لم تُحْلَلْ)؛ أي: لم تُفتَح، (الأوكية) جمع: الوِكَاء، وهو ما يُشدُّ به رأسُ الشيء؛ يعني: صُبُّوا عليَّ الماءَ من سبعِ قِرَبٍ لم تُفتَح رؤوسُهن في ذلك اليوم. روت هذا الحديثَ عائشةُ وأختها أسماء. * * * ٣٤٩٨ - وعن أنسٍ ﵁ قال: رخَّصَ رسولُ الله ﷺ في الرُّقيَةِ مِن العَيْنِ، والحُمَةِ والنَّملةِ. قوله: "رخَّص رسول الله ﷺ في الرُّقية من العين والحُمَةِ والنَّملة". (الحُمَة) بالتخفيف: سمُّ ما يَلدَغ من العقرب وغيرها. و (النملة): قُرُوح، يقال لها بالفارسي: اتش يارسي. قد جاءت الرخصةُ في الرُّقية من هذه الأشياء، ويُقاس عليها جميع الأمراض والأعلال إذا كانت الرُّقيةُ باسم الله تعالى وصفاته، ولم يكن فيها لفظٌ مَنهيٌّ، مثل: أن يكون اسمَ صنمٍ، أو اسمَ جنيًّ، أو اسمًا من أسماء الله تعالى ولم يكن ذلك اسمًا منقولاً في الأحاديث الصِّحاح والقرآن. * * * ٣٥٠٠ - وعن أمِّ سلَمَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى في بيتِها جاريةً في وجهِها سَفْعَةٌ، تعني صُفرةً، فقالَ: "استرقُوا لها، فإنَّ بها النَّظْرَةَ مِن الجِنَّ". قوله: "فإن بها النَّظرة". (النَّظرة): العين؛ يعني: فإنَّ بها إصابةَ عينٍ من الجن.

стр. 2214

و"الاسترقاء": طلب الرُّقية، فهذا تصريحٌ بأن مَن أصابته عينٌ من الإنس أو الجن يُستحَبُّ أن يُرقَى عليه. * * * ٣٥٠٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيَّ ﷺ قال: "العينُ حقٌّ، ولو كانَ شيءٌ سابقَ القَدَرَ سبقَتْهُ العينُ، فإذا استُغْسِلتُم فاغْسِلُوا". قوله: "لو كان شيءٌ سابقَ القَدَرِ سبقتْه العينُ"؛ يعني: لو كان شيءٌ مهلكًا أو مُضرًّا بغير قضاء الله وقَدَره لكان الشيءُ هو العينَ، ولكن لم يكن شيءٌ نافعًا ولا مُضرًّا بغير قضاء الله وقَدَره، وإنما تلفَّظ رسول الله بهذا الحديث تعظيمًا لشأن تأثير العين، والمبالغة في أن يحفظ الناسُ أعينَهم من أن يصيبوا أحدًا بأعينهم، وإذا اتفق لأحدٍ أن يصيبَ شخصًا بعينه فَلْيقُلْ: بارَكَ الله عليك وبسمِ الله عليك، وَلْيَغسِلْ أعضاءَه له، كما يأتي كيفيته. * * * ٣٥٠٥ - عن عُقْبةَ بن عامرٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُكْرِهُوا مَرْضاكُم على الطَّعامِ والشَّرابِ، فإنَّ الله يُطعِمُهم ويَسقيهم"، غريب. قوله: "لا تُكرِهوا مَرْضَاكم على الطعام"؛ يعني: لا تُطعموا مرضاكم كرهًا إن لم يَطْعَموا عن طوعٍ ورغبةٍ، فإن إكراهَ المرضى على الطعام يضرُّهم ولا ينفعهم، ولا تقولوا: إنهم لو لم يَطْعَموا لَضعفُوا وزالتْ قوتُهم. "فإن الله يُطعمهم ويَسقيهم"؛ يعني: فإن الله يرزقُهم صبرًا عن الطعام ويرزقُهم قوةً؛ فإن الصبرَ والقوةَ والحياةَ من الله، لا من الطعام والشراب، فإن الله قد يقوِّي الأجسادَ بواسطة الطعام والشراب، وقد يقوِّيها بلا واسطةِ طعامٍ وشرابٍ زمانًا مديدًا.

стр. 2215

ألا ترى أن المريضَ ربما لا يَطْعَم ولا يَشْرَب شهرًا أو أكثرَ ولا يموت، وقد يُمنَع صحيحٌ من الطعام زمانًا قريبًا فيموت؟! فموتُ مَن يموت وحياةُ مَن يحيا بأمر الله لا بالطبيعة، فإن الطبيعةَ معزولةٌ عن التأثير بغير أمر الله تعالى. * * * ٣٥٠٦ - عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كَوَى أسعدَ بن زُرارةَ مِن الشَّوكةِ. غريب. قوله: "من الشَّوكة": هي علَّة تحمرُّ منها الأعضاء، يقال بالفارسي: إي ريا بكسر الهمزة. * * * ٣٥٠٨ - وعنه قال: كانَ النبيُّ ﷺ ينعتُ الزِّيتَ والوَرْسَ مِن ذاتِ الجَنْبِ. قوله: "يَنْعَتُ الزيتَ والوَرْسَ من ذات الجَنب". (النعت): وصف الشيء بما فيه من الحسن، ولا يقال: النعت في وصف الشيء بما فيه من الذم، هكذا قال أهل اللغة. ومعنى الحديث: أن رسولَ الله ﷺ كان يقول: الزيتُ والوَرْسُ - وهي شيءٌ يشبه الزعفرانَ - يحسن في مداواة داء ذات الجَنب. * * * ٣٥٠٩ - عن أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ سألَها: "بِمَ تَستمشِينَ؟ " قالت: بالشُبْرُمِ، قال: "إنَّه حارٌّ حارٌّ"، قالت: ثُمَّ استمشَيْتُ بالسَّنا، فقال النبيُّ ﷺ : "لو أنَّ شيئًا كانَ فيهِ الشِّفاءُ مِن الموتِ لكانَ في السَّنا".

стр. 2216

قوله: "بما تَسْتَمْشِينَ"، أصله: تستمشيين، فأُسكنت الياء الأولى لثقل الكسرة عليها، وحُذفت لسكونها وسكون ما بعدها؛ يعني: بأي شيءٍ تطلبينَ إسهالَ البطن. "الشُّبْرُم": نبت يُسهِّل البطنَ. "حارٌّ"، وفي بعض الروايات: "حارٌّ حارٌّ"؛ يعني: كرَّر رسولُ الله ﷺ لفظ (الحار) للتأكيد، وفي بعض الروايات: "حارٌّ يارٌّ" بالياء المنقوطة من تحتها بنقطتين، و (اليارّ): إتباع (الحارّ)؛ يعني: قال لها رسول الله ﷺ : هذا الدواء حارٌّ لا يليق بإسهال البطن، فإن إسهالَ البطن ينبغي أن يكون بشيءٍ باردٍ. * * * ٣٥١٣ - وقالت: ما كانَ يكونُ برسولِ الله ﷺ قَرْحَةٌ ولا نَكْبَةٌ إلا أمرني أنْ أَضَعَ عليها الحِنَّاءَ. قوله: "قَرحة أو نَكبة"، (القَرحة): الجِرَاحة التي أصابت الإنسانَ بسيفٍ وغيره من الأسلحة. و (النَّكبة): الجِرَاحة التي أصابته بحَجَرٍ أو شَوكٍ وغيرهما. * * * ٣٥١٤ - وعن أبي كَبْشَةَ الأَنْمَاريِّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يحتجمُ على هامَتِه وبينَ كَتِفَيْهِ وهو يقولُ: "مَن أَهْراقَ مِن هذهِ الدِّماءِ فلا يَضُرُّهُ أنْ لا يَتَداوى بشيءٍ". قوله: "على هامَتِه"؛ أي: على وسط رأسه. * * *

стр. 2217

٣٥١٥ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ احتجمَ على وِرْكِهِ مِن وَثْءٍ كانَ بهِ". قوله: "أن رسول الله ﷺ احتجم على وِركه من وَثْءٍ كان به". (الوِرك): جانب الفخذ من طرف الألْية. (الوَثْء): اندقاق عضو من سقطةٍ بلا كسرةٍ، والوِرك من العورة، وكشفُه عند الحجَّام إنما كان لعذر المداواة. * * * ٣٥١٨ - عن أنسٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يحتَجِمُ في الأَخْدَعَينِ والكاهِلِ، وكانَ يحتجمُ لسبعَ عشرةَ، وتسعَ عشرةَ، وإحدَى وعشرينَ. قوله: "في الأخدعين". (الأخدعين) تثنية: الأخدع، وهو عِرق في خلف العنق يُحتجَم منه. * * * ٣٥٢١ - وقال ﷺ : "مَن احتجمَ يومَ الثُّلاثاءِ لسبعَ عشرةَ خَلَتْ مِن الشَّهرِ أخرجَ الله منهُ داءَ سنةٍ". ٣٥٢٢ - وعن كبسة بنتِ أبي بكرة: "أنَّ أباها كانَ يَنْهَى أهلَه عن الحجامةِ يومَ الثلاثاءِ، ويزعمُ عن رسولِ الله ﷺ أنَّ يومَ الثلاثاءِ يومُ الدمِ، وفيهِ ساعةٌ لا يرقَأُ". قوله: "يوم الثلاثاء يوم الدم"؛ يعني: يومٌ يكثر فيه الدم. "وفيه ساعةٌ لا يَرقَأ فيها الدم"؛ أي: لا ينقطع فيه إذا احتُجم أو فُصِد فيه، وربما يهلك الإنسان بعدم انقطاع الدم. * * *

стр. 2218

٣٥٢٣ - ورُوِيَ عن الزُّهرِيِّ مُرْسلًا، عن النبي ﷺ قال: "مَن احتجمَ يومَ الأَربعاءِ ويومَ السَّبتِ فأصابَهُ وَضَحٌ فلا يلومَنَّ إلا نفسَه". وقد أُسنِدَ ولا يصحُّ. قوله: "وَضَحٌ"؛ أي: بَرَصٌ. * * * ٣٥٢٤ - ويُروَى: "مَن احتَجَمَ أو اطَّلَى يومَ السَّبتِ أو الأربعاءِ فلا يلومنَّ إلا نفسَه في الوَضَحِ". قوله: "اطَّلى"، أصله: اطتلى، قُلبت التاءُ طاءً وأُدغمت التاء في الطاء، ومعنى (اطَّلى)؛ أي: لطخَ عضوًا بدواءٍ. * * * ٣٥٢٦ - عن زينبَ امرأةِ عبدِ الله بن مسعودٍ: أنَّ عبدَ الله رأَى في عُنُقي خيطًا فقال: ما هذا؟ فقلتُ: خيطٌ رُقِيَ لي فيهِ، قالت: فأخذه فقَطَعَه ثم قال: أنتم آلَ عبدِ الله لأغنياءُ عن الشِّرْكِ! سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ الرُّقَى والتَّمائمَ والتِّوَلَةَ شِرْكٌ"، فقلتُ: لِمَ تقولُ هكذا؟ لقد كانَت عيني تُقْذَفُ، فكنتُ أَختلِفُ إلى فلانٍ اليهوديِّ فإذا رَقاها سكنَت! فقالَ عبدُ الله: إنَّما ذلكَ عملُ الشيطانِ، كانَ ينخَسُها بيدِه، فإذا رُقي كَفَّ عنها، إنَّما كانَ يَكفيكِ أنْ تقولي كما كانَ رسولُ الله ﷺ يقول: "أَذهِبِ البأسَ ربَّ الناسِ واشفِ أنتَ الشافي لا شفاءَ إلا شفاؤُكَ، شفاءً لا يغادِرُ سَقَمًا". قوله: "إن الرُّقَى" هي جمع: رقية، يريد بها: رقية فيها اسمُ صنمٍ أو شيطانٍ أو غيرهما مما لا يجوز في الشرع. "التمائم" جمع: تميمة، وهي خَرَزات تعلِّقها النساءُ بعنق أولادهن يَزعمْنَ أنها تدفع العينَ.

стр. 2219

"التِّوَلَة": خيطٌ يُقرَأ فيه من السحر والنيرنجات، أو قرطاسٌ يُكتَب فيه شيءٌ من السحر والنيرنجات لتحبيب النساء بقلوب الرجال أو تحبيب الرجال بقلوب النساء، فأَبطلَ الشرعُ هذه الأشياءَ. قوله: "تُقذَف"؛ أي: كانت عيني وجعةً تُلقي الرَّمَصَ، وهو ما تُخرجه العين من الوسخِ عند رَمَدِها. "أَختلِفُ"؛ أي: أتردَّد. "يَنْخَسُها"؛ أي: يضربُها بيده ويوسوسها لتجيءَ إلى ذلك اليهودي، فلما رَقَى اليهوديُّ عينَك كفَّ الشيطانُ؛ أي: تركَ ضربَ عينِك بيده؛ لتعتقدي أن تلك الرُّقيةَ من اليهودي حقٌّ. * * * ٣٥٢٧ - عن جابرٍ قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عن النُّشْرَةِ، فقال: "هو مِن عملِ الشَّيطانِ". قوله: "سُئل رسولُ الله ﷺ عن النُّشرة". (النُّشرة) بضم النون: رُقية تُقرَأ على مَن أصابه مَسُّ الجن، كرهها غيرُ واحدٍ من الأئمة. وقال سعيد بن المسيب: لا بأسَ بها، والمَنهيُّ من الرُّقى: ما كان فيه شركٌ أو يُذكَر فيه مَرَدَةُ الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب ولا يُدْرَى ما هو، ولعل يَدخله سحرٌ أو كفرٌ، فأما ما كان بالقرآن وذِكر الله فإنه جائزٌ. * * * ٣٥٢٨ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما أُبالي ما أَتيتُ إنْ أنا شربتُ تِرْياقًا، أو تعلَّقتُ تَميمةً، أو قلتُ الشِّعرَ مِن قِبَلِ نفسي".

стр. 2220

قوله: "ما أُبالي إنْ أنا شربتُ ترياقًا، أو تعلَّقتُ تميمةً، أو قلتُ الشِّعرَ مِن قِبَلِ نفسي": ذُكر شرح (التميمة) قُبيلَ هذا، وكان إنشاءُ الشِّعر حرامًا على رسول الله ﷺ ؛ يعني: كما أن إنشاءَ الشِّعر حرامٌ عليَّ، فكذلك شربُ التِّرياق وتعليقُ التمائم حَرَامانِ عليَّ؛ هذا في حقَّه، وأما في حقِّ الأُمة: التمائمُ حرامٌ، وإنشاءُ الشِّعر غيرُ حرامٍ عليهم إذا لم يكن فيه كذبٌ أو هجوُ مسلمٍ وغيرهما من المعاصي، وأما الترياق فيُجوِّز بعضُ العلماء شربَه للمداواة، ومنعَه بعضُهم؛ لأنها نجسٌ, لأن التِّرياقَ إن اتُّخذ من الحية أو من العقرب أو غيرهما مما لا يحلُّ لحمُه حرامٌ، وإن اتُّخذ من شيءٍ طاهرٍ فلا بأسَ بشربه. * * * ٣٥٢٩ - عن المغيرةِ بن شُعبةَ قال: قال النبيُّ ﷺ : "مَن اكتوَى أو استرقَى فقد بَرِئَ مِن التَّوَكُّلِ". ويُروَى: "مَن تَعلَّقَ شيئًا وُكِلَ إليه". قوله: "مَنِ اكتَوى أو استَرقَى فقد بَرِئ من التوكُّل". (اكتَوى) بمعنى: كَوَى. و (استَرْقَى)؛ أي: طلبَ أن يُقرَأ عليه الرُّقية؛ يعني: الكَيُّ والرُّقيةُ جائزانِ لمَن لم يكن من أهل التوكُّل، وأما مَن كان من أهل التوكُّل لو فعل شيئًا من المداواة بطلَ توكُّلُه؛ لأن التوكُّلَ عبارةٌ عن تفويض الرجل أمورَه مما ينزل عليه من البلاء والأمراض والفقر وغيرها إلى الله، لا يشتغل هو بدفعها، بل فوَّض دفعَها إلى الله تعالى، ورسولُه ﷺ داوَى وأمرَ بالمداواة؛ ليكون فعلُه رخصةً للضعفاء، مع أنه قدوةُ الأنبياء والأولياء، وتوكُّلُ جميعِ أهل التوكُّل بالنسبة إلى توكُّله عليه كإِبرةٍ تدخل في البحر.

стр. 2221

قوله: "مَن تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه"؛ يعني: مَن تمسَّك بشيءٍ من المداواة واعتقد أن الشفاءَ منه لا من الله تعالى لم يَشفِه الله، بل وُكِلَ شفاؤُه إلى ذلك الشيء، وحينَئذٍ لا يحصل شفاؤُه؛ لأن الأشياءَ لا تنفعُ ولا تضرُّ بغير أمر الله تعالى، ولذلك مَن اعتقد حصولَ الرزق أو دفعَ البلاء أو تحصيلَ مطلوبٍ من شيءٍ بغير أمر الله تعالى فهو داخلٌ في هذا الحديث. * * * ٣٥٣٠ - عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا رُقيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ". قوله: "لا رُقيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ". (الحُمَة): السمُّ؛ معناه: لا رقيةَ أنفعُ من رقية تُقرَأ على مَن أصابته عينٌ أو حُمَةٌ، وليس معنى هذا الحديث نفي جواز الرُّقية عن داء غير العين والحُمَة، بل يجوز في جميع الأمراض إذا كانت الرُّقية بالقرآن واسم الله. * * * ٣٥٣٢ - عن أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ قالت: يا رسولَ الله! إنَّ وَلَدَ جعفرٍ تسرعُ إليهم العينُ، أَفاسترقي لهم؟ قال: "نعم، فإنَّه لو كانَ شيءٌ سابَقَ القَدَرَ لسبَقَتْهُ العينُ". ورُوِيَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال للشِّفاءِ بنتِ عبدِ الله، وهي عندَ حَفْصَةَ: "أَلا تُعَلِّمينَ هذهِ رُقيةَ النَّمْلَةِ كما علَّمتِيها الكتابةَ". قولها: "تُسرع إليهم العينُ"؛ أي: تُؤثِّر فيهم العينُ عن قريبٍ. قوله: "ألا تُعلِّمين هذه"، (هذه): إشارة إلى حفصة.

стр. 2222

"رُقية النَّملة"، (النَّمْلة): قُروح تُرقَى وتَبْرَأ بإذن الله. "كما علَّمتِيها الكتابة"، الياء في (علمتيها) زائدة، تولدت من إشباع كسرة التاء. قال الخطابي: هذا الحديث يدل على أن تعلُّمَ النساءِ الكتابةَ غيرُ مكروهٍ؛ لأن حفصةَ تعلَّمت الكتابةَ من الشفاء بنت عبد الله، ولم يَمنعْها النبيُّ ﷺ . * * * ٣٥٣٣ - عن أبي أُمامةَ بن سَهْلٍ بن حُنيفٍ قال: رأَى عامرُ بن ربيعة سهلَ ابن حُنيفٍ يغتسلُ فقالَ: والله ما رأيتُ كاليومِ، ولا جِلْدَ مخبَّأَةٍ! قال: فلُبطَ سَهْلٌ، فأُتِيَ رسولُ الله ﷺ فقيلَ له: يا رسولَ الله! هل لكَ في سَهْلِ بن حُنَيفٍ، والله ما يرفَعُ رأسَه! فقالَ: "هل تَتَّهمونَ لهُ أحدًا؟ "، قالوا: نتَّهمُ عامرَ بن ربيعةَ، قال فدَعا رسولُ الله ﷺ عامرًا فتَغَلَّظَ عليهِ وقال: "عَلامَ يقتلُ أحدُكم أخاهُ، أَلا بَرَّكْتَ؟ اغتسِلْ لهُ"، فغَسلَ عامرٌ وجهَهُ ويدَيهِ ومِرفَقيهِ ورُكْبَتيه وأطرافَ رِجلَيهِ وداخِلةَ إزارِه في قدَح ثم صُبَّ عليه، فراحَ مع النَّاس ليسَ بهِ بأسٌ. قوله: "ما رأيتُ كاليوم، ولا جلدَ مُخبَّأة"، تقدير هذا الكلام: ما رأيتُ جِلدَ رجلٍ ولا جِلدَ مخبَّأةٍ مثلَ الجلد الذي رأيتُه اليومَ؛ يعني: جِلدَ سهل بن حُنيف، فإن جِلدَه كان لطيفًا. (المخبَّأة): المرأة المخدَّرة، وهي التي تجلس في البيت خلف السِّتر. "فلُبطَ سهلٌ"؛ أي: سقط على الأرض من تأثير عين عامر. "هل لك في سهل بن حُنيف؟ "؛ أي: هل لك خبرٌ في شأن سهل بن حُنيف؟ أو هل خِلْتَ مداواةً فيه؟ "هل تتهمون"؛ أي: هل تظنُّون مَن أصابَه بالعين؟

стр. 2223

"علامَ"؛ أي: لِمَ، وأصله: علاما، سقطت الألف لأن (ما) للاستفهام إذا دخلت على حروف الجر جازَ إسقاطُ ألفِها. "ألا برَّكت؟ "؛ يعني: هلَّا قلتَ: بارَكَ الله عليك؛ يعني: مَن رأى شيئًا يحسن في نظره فليقل: بارَكَ الله عليك؛ كي لا تؤثَّر فيه. "فراحَ مع الناس"؛ أي: فلمَّا صُبَّ على سهلٍ ذلك الماءُ شُفِيَ وذهبَ مع الناس. وهذا الحديثُ يدل على أن مَن أصاب أحدًا بعينه فالسُّنَّةُ فيه: أن يغسلَ هذه الأعضاءَ المذكورةَ ويصبَّ الماءَ المغسولَ به أعضاءَه على الذي أصابته العينُ ليَبْرَأ بإذن الله تعالى. واختُلف في داخلة الإزار؛ قيل: المراد منه: الذَّكَر، وقيل: المراد منه: الفخذ. قال أبو عبيد: المراد منه الجانب الذي يلي الجسدَ من الإزار، يُغسَل منه الطرفُ الأيمنُ. * * * ٣٥٣٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يتعوَّذُ من الجانِّ وعينِ الإِنسانِ حتى نزلَتْ المُعَوِّذتانِ، فلمَّا نزلَتا أخذَ بهما وتركَ ما سِواهما. غريب. قوله: "يتعوَّذ من الجانِّ وعين الإنسان"؛ يعني: كان يقول: أعوذ بالله من الجانِّ وعين الإنسان، قبل أن تنزل عليه المعوِّذتان، فلمَّا نزلَتَا كان يقرؤهما على نفسه وعلى كل مَن احتاج إلى رقية، وتركَ قراءةَ التعوُّذ من الجانِّ وعين الإنسان وما أشبه ذلك. * * *

стр. 2224

٣٥٣٥ - قالت عائشةُ ﵂: قالَ لي رسولُ الله ﷺ : "هل رُئيَ فيكم المُغَرَّبُونَ؟ " قلت: وما المُغرِّبونَ؟ قال: "الذينَ يشتركُ فيهم الجِنُّ"، غريب. قوله: "هل رُئِيَ فيكم المُغرِّبون؟ قيل: وما المُغرِّبون؟ قال: الذي يشترك فيهم الجنُ". قد جاء في الحديث أن مَن لم يذكر اسمَ الله عند الجماع يُجامِعُ معه الجنُّ والشياطينُ، وذُكر في التفاسير هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، يقول النبي ﷺ لعائشة: "هل تحسُّ فيكنَّ امرأةٌ أن الجنَّ يُجامِعُها كما يُجامِعُها زوجُها؟ ". هذا ظاهر الحديث، ولعل المراد ما هو المعروف عند الناس: أن بعضَ النساء يعشق بها بعضُ الجن ويُجامعها ويَظهر لها، وربما يذهب بها مِن بين قومها إلى حيث شاء. * * * ٢ - باب الفَأْلِ والطِّيرَةِ (باب الفأل والطِّيَرة) قال الخطابي: اعلم أن النبي ﷺ قال: "إن الفألَ إنما هو أن يسمعَ الإنسانُ الكلمةَ الحسنةَ فيتفاءلَ بها"؛ أي: يتبرَّك بها ويتأوَّلها على المعنى الذي يوافق اسمها. قال الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل، قال: هو أن يكون مريضًا فتسمع: يا سالم! أو تكون طالبًا فتسمع: يا واجد! و"الطِّيَرة" ماخوذة من زجرهم بالطير، وهو أن عادةَ العرب أن الواحدَ

стр. 2225

منهم إذا ذهب في حاجة؛ فإن طارَ طيرٌ أو جاء صيدٌ بحيث يكون جانب يسار ذلك الطير أو الصيد إليه يعدُّ ذلك السفر مشؤومًا، وإن كان جانب يمين ذلك الطير أو الصيد إليه يعدُّ ذلك السفرَ مباركًا؛ فنهاهم النبي ﷺ عن الطِّيَرة، ورخَّص في الفَأل. يعني: لو رأى الشخصُ شيئًا يظنُّه حسنًا ويحرِّضه على طلب حاجته وإتمامه فَلْيقبَلْ ذلك، وإن رأى ما يعدُّه شؤمًا ويمنعُه عن المضي بحاجته فلا يجوز قَبولُه، ولا يرجع عن إتمام شغله، بل لِيَمضِ لشغله ولا يلتفتْ إلى ذلك. * * * مِنَ الصِحَاحِ: ٣٥٣٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا طِيَرَةَ، وخيرُها الفألُ"، قالوا: وما الفألُ؟ قال: "الكلِمةُ الصَّالحةُ يسمعُها أحدُكم". قوله: "لا طِيَرةَ"؛ يعني: لا يجوز العملُ بالطِّيَرة، وقد ذُكر شرح (الطِّيَرة). "وخيرُها الفَأل"؛ يعني: الفألُ خير من الطِّيَرة، وليس معنى هذا الكلام: أن الطِّيَرةَ فيها خيرٌ، والفألَ خيرٌ منها، بل لا خيرَ في الطِّيَرة أصلًا، وهذا مثل قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]؛ يعني: أصحاب الجنة خيرٌ من أصحاب النار، ومعلومٌ أنه لا خيرَ في أصحاب النار أصلًا. قوله: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدُكم"؛ يعني: الفألُ أن يقصدَ أحدُكم، فيسمعَ كلمةً صالحةً يفرح بها وتحرِّضه على ذلك الأمر، كما ذُكر قُبيلَ هذا. * * * ٣٥٣٧ - وقال: "لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، ولا هامَةَ، ولا صَفَرَ، وفِرَّ مِن

стр. 2226

المجذومِ كما تَفِرُّ مِن الأسدِ". قوله: "لا عدوى": في زعم العرب أنه تَسرِي علةٌ من شخصٍ إلى شخصٍ، مثل: أن يَقرُبَ جَمَلٌ ليس عليه جَرَبٌ من جَمَلٍ عليه جَرَبٌ، فيجرب الجَمَلُ الذي ليس عليه جربٌ، فيعتقد صاحبه أن الجَمَلَ الصحيحَ جربَ بمقاربته الجَمَلَ الأجربَ، فقال النبي ﷺ : إن هذا الاعتقادَ باطلٌ، لا تأثيرَ لشيءٍ بغير أمر الله تعالى. قوله: "ولا هامَةَ": اسم طير، يقال له بالفارسي: كوف ديوف، ويَتشاءم به الناسُ. وكانت العربُ تزعم أن عظامَ الميت إذا بَليت تصير هامَةً، تخرج من القبر وتتردد في بلد ذلك الميت، وتأتي الميتَ بخبر أهله، فأَبطلَ النبيُّ ﷺ هذا الاعتقادَ، ونفى صيرورةَ عظام الميت هامَةً أو غيرها من الحيوانات. قوله: "ولا صَفَرَ": كانت العرب تزعم أن الصَّفَرَ حيةٌ تكون في البطن تصيب الإنسانَ أو الماشيةَ؛ أي: تلدغُه، وقيل: الصَّفَرُ هو الشهر المعروف، وكانت العرب يعتقدون شهر الصَّفَر مشؤومًا. وقيل: الصَّفَر هو تأخير تحريم المحرَّم إلى الصَّفَر، كانوا يعتقدون تحريم القتال في رجب وذي القعدة وذي الحجة والمُحرَّم، فإذا حدثت لهم حرب مع قوم في المحرَّم كانوا يقولون: لم يُجعَل المُحرَّمُ شهرَ التحريم، بل نقلنا التحريم إلى شهر الصَّفَر؛ لنحاربَ أعداءنا ثم نترك الحرب في شهر الصَّفَر بدْلًا من شهر المُحرَّم، فأَبطلَ النبيُّ ﷺ هذه الأشياءَ؛ يعني: كذَب مَن قال: كان في البطن حية، ومن قال: الصَّفَر مشؤوم، وكَذَبُوا أنَّ نقلَ التحريم من المُحرَّم إلى الصَّفَر يجوز. قوله: "وفِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد"، قال محيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة": قيل: هو رخصةٌ لمَن أراد أن يجتنب عنه؛ لقوله ﷺ في الطاعون: "مَن

стр. 2227

لم يحترز عنه متوكلًا فحسنٌ"، بدليل أنه ﷺ أخذ بيدِ مجذومٍ فأكلَ معه. روى هذا الحديثَ - أعني حديث: "لا عدوى" - أبو هريرة. * * * ٣٥٣٨ - وقالَ: "لا عَدوَى، ولا هامةَ، ولا صفَرَ"، فقالَ أعرابيٌّ: يا رسولَ الله! فمَا بالُ الإِبلِ يكونُ في الرَّملِ كأنَّها الظِّباءُ، فيخالطُها البعيرُ الأجربُ فيُجربُها؟ فقالَ ﷺ : "فمَن أَعدَى الأَوَّلَ". قوله: "فمَن أَعْدَى الأولَ"، (أعدى): إذا أَوصلَ شيئًا إلى شيءٍ فأَحدثَ شيئًا في شيءٍ؛ يعني: إن كان البعيرُ الأجربُ أَجربَ الإبلَ الصِّحَاحَ فمَن أَجربَ ذلك البعيرَ؟ يعني: كما أن الله تعالى أَجربَ ذلك البعيرَ، فكذلك هو تعالى أَجربَ الإبلَ الصِّحاحَ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٣٩ - وقال: "لا عَدْوَى، ولا هامَةَ، ولا نَوْءَ، ولا صَفَرَ". قوله: "ولا نوَءَ"، قال أبو عبيد: هي ثمانيةٌ وعشرون نجمًا معروفةَ المَطَالعِ في أزمنة السَّنة، يسقط منها في ثلاثَ عشرةَ ليلةً نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخرُ مقابله من ساعته، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين مع انقضاء سَنَةٍ، وكانت العربُ في الجاهلية إذا سقط منها نجمٌ وطلعَ آخرُ قالوا: لا بدَّ مِن أن يكون عند ذلك مطرٌ، فينسبون كلَّ غيثٍ عند ذلك إلى النجم، فيقولون عند ذلك: مُطِرْنا بنوءِ كذا، فأَبطلَ النبيُّ ﷺ هذا الحكمَ ومنعَ الأُمةَ أن ينسبوا نزولَ المطر لحدوث نجم؛ فإنه لا يكون شيءٌ إلا بأمر الله تعالى.

стр. 2228

روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٤٠ - وعن جابرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا عَدوَى، ولا صَفَرَ، ولا غُوْلَ". قوله: "ولا غُولَ". (الغُول) بضم الغين: الجن الذي يسخِّر الناس، وجمعه: غِيلان، وليس معنى الحديث نفي الغُول، بل الغُولُ موجودٌ، قد يوجد في الفَلَوات والصحارى، وإنما نفى الشارعُ أن الغِيلان لا يقدرون على إضلالِ أحدٍ ولا إهلاكهِ ولا خطفِه ولا سرقتِه إلا بأمر الله، وكانت العرب تزعم أن الغِيلانَ تُضلُّ الناسَ عن طرقهم وتخطفُهم، وكانت العربُ يخافون من المسافرة وطلب حوائجهم، فنفى الشرعُ هذا الاعتقادَ. وقد جاء في الحديث: "إذا تغوَّلَتِ الغِيلانُ فبادِرُوا بالأذان"؛ يعني: إذا ظهرت لكم الغِيلانُ فأذِّنوا بالأذان في وجوههم؛ فإنهم يفرُّون من الأذان. * * * ٣٥٤١ - عن عَمْرِو بن الشَّريدِ، عن أبيه قال: كانَ في وفدِ ثَقيفٍ رجلٌ مجذومٌ فأرسلَ إليهِ النبيُّ ﷺ : "إنَّا قد بايعناكَ فارجعْ". قوله: "إنا قد بايعناك فارجِعْ"، أراد ذلك الرجلُ أن يأتيَ رسولَ الله ﷺ ويبايعَه، فأرسلَ إليه رسولُ الله ﷺ : أن لا تأتينا؛ فإنه لا حاجةَ إلى إتيانك، فإنَّا قد بايعناك، وهذا رخصةٌ من النبي لمَن لم يكن له توكُّلٌ من أُمته في الاحتراز عن المجذوم. * * *

стр. 2229

مِنَ الحِسَانِ: ٣٥٤٣ - عن قَطِن بن قَبيصَةَ، عن أبيه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "العِيَافةُ والطَّرْقُ والطِّيرَةُ مِن الجِبْتِ". قوله: "العِيَافةُ والطَّرْقُ والطِّيَرةُ من الجِبْتِ". (العِيافة): هي الطِّيَرة، إلا أن العِيافةَ تختص بزجر الطير، مثل أن يطيرَ طائرٌ فيعتقد الرجلُ أن سفرَه أو شغلَه مباركٌ إنْ طارَ وجانبُ يمين الطير إليه، ومشؤومٌ إن كان جانبُ يساره إليه، فلذلك يتشاءمون بأصوات بعض الطير ويتيمَّنون بأصوات بعضها. والطِّيَرة: كلُّ ما يعدُّ الرجلُ مشؤومًا من رؤية طيرٍ أو حيوانٍ غيرِ الطيرِ أو شجرٍ أو غيره. و (الطَّرق): الضرب بالحصا، كما هو عادة الكَهَنة. (الجِبْت) ها هنا: السِّحر؛ يعني: هذه الأشياءُ مُحرَّمةٌ كالسِّحر. * * * ٣٥٤٤ - عن عبدِ الله بن مسعودٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "الطِّيرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، قاله ثلاثًا - ما مِنَّا إلا - ولكنَّ الله يُذهِبُه بالتوكُّلِ" قيل: قوله: "وما مِنا" قولُ ابن مسعودٍ. قوله: "الطِّيَرةُ شِرْك"؛ يعني: النافعُ والضارُّ والمُيسِّر والمُعسِّر هو الله تعالى، فمَن اعتقد أن أحدًا أو شيئًا سوى الله تعالى ينفع أو يضرُّ أو ييسِّر أو يعسِّر فقد اتخذ لله شريكًا. قوله: "وما منا إلا"، قال البخاري: إن سليمان بن حرب قال: هذا ليس من كلام النبي ﷺ ، بل هو كلامُ ابن مسعود؛ يعني: ليس منَّا إلا كان في قلبه

стр. 2230

الطِّيَرة؛ يعني: نفوسُنا كانت كنفوس أهل الجاهلية في اعتقاد الطِّيَرةِ مثيرةً، ولكن لمَّا توكَّلنا على الله وقَبلْنا حديثَ رسوله واعتقدنا صدقَه أَذهَبَ الله عنا اعتقادَ أهل الجاهلية، وأقرَّ في قلوبنا السُّنَّةَ واتِّباعَ الحقِّ. * * * ٣٥٤٥ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أخذَ بيدِ مَجذومٍ فوضعَها معَهُ في القَصْعَةِ وقال: "كُلْ ثِقَةً بالله وتَوَكُّلًا عليهِ". قوله: "كُلْ ثقةً بالله"، (ثقة): منصوبة على الحال، والثقة: الاعتماد؛ يعني: كُلْ معي من قصعةٍ واحدةٍ؛ فإني توكَّلتُ على الله ألا يصيبني إلا ما قضى الله لي، وهذا درجةُ المتوكلين، فإن لم تحترز من المجذوم فهو متوكِّل، وإن احترزتَ فقد جاءت الرخصةُ فيه. * * * ٣٥٤٦ - وعن سعدِ بن مالكٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا هامَةَ، ولا عَدْوَى، ولا طِيَرَة، وإنْ تَكُن الطِّيَرةُ في شيءٍ ففي الدَّارِ والفَرَسِ والمرأةِ". قوله: "وإن تَكُنِ الطِّيَرةُ في شيءٍ ففي الدار والفَرَس والمرأة"، قيل: الطِّيَرةُ هنا بمعنى: الكراهية، لا بمعنى: التشاؤم؛ يعني: كراهيتكم شغلًا قصدتُمُوه بسبب رؤيةِ طيرٍ أو صيدٍ لا يجوز، ولكن يجوز في الدار والفَرَس والمرأة؛ يعني: إذا كرهتُم دارًا لضيق مكانها أو لسببٍ آخرَ فاتركوها، وكذلك إذا كرهتُم فَرَسًا أو امرأةً لسوء خلقها أو لسببٍ آخرَ فاتركوهما؛ يعني: كراهيةُ شيءٍ للحوقِ ضررٍ منه إلى صاحبه - لا للتشاؤم - جائزٌ، وأما للتشاؤم فلا يجوز. * * *

стр. 2231

٣٥٤٧ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُعجبُه إذا خرجَ لحاجةٍ أنْ يسمعَ: يا راشدُ، يا نجيحُ. قوله: "يا راشد"؛ أي: يا واجد الطريق المستقيم. "النجيح": الذي قضيت حاجته يعني إذا سمع أحدًا يقول لأحد: يا راشد أو يا نجيح فقال ﷺ بسماع هذين اللفظين وما أشبههما يعني ستحصل وستقضى حاجتنا إذا سمعنا هذين اللفظين. * * * ٣٥٤٨ - وعن بُرَيْدَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ لا يتطيرُ مِن شيءٍ، فإذا بعثَ عامِلًا سألَ عن اسمِهِ؟ فإذا أعجبَهُ اسمُه فَرِحَ به ورُئيَ بِشْرُ ذلكَ في وجهِهِ، وإنْ كَرِهَ اسمَهُ رُئيَ كراهيةُ ذلكَ في وجهِهِ، وإذا دخلَ قريةً سألَ عن اسمِها؟ فإنْ أعجبَهُ اسمُها فَرِحَ بها ورُئيَ بِشْرُ ذلكَ في وجهِهِ، وإنْ كَرِهَ اسمَها رُئيَ كراهيةُ ذلكَ في وجهِهِ. قوله: "أن النبي ﷺ كان لا يتطيَّر في شيءٍ، فإذا بعثَ عاملًا سأل عن اسمه؛ فإذا أعجبَه اسمُه فرحَ به ... " إلى آخره، قال محيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة" في شرح هذا الحديث: ينبغي للإنسان أن يختارَ لولدِه وخَدَمِه الأسماءَ الحسنةَ، فإن الأسماءَ المكروهةَ قد تُوافق القَدَرَ؛ يعني: لو سمَّى أحدٌ ابنه بـ (خَسَار) فربما جرى قضاء الله بأن يلحق خَسَار ذلك المسمى بـ (خَسَار)، فلما لحقه ذلك الخَسَار المقدَّر يعتقد بعضُ الناس أن لحوقَ ذلك الخَسَار بسبب اسمه، فيتشاءم الناس به، فيحترزون مجالستَه ومواصلتَه، ويصير معروفًا بالشؤم؛ فلا ينبغي لأحدٍ أن يُسمِّيَ ابنه أو غيرَه باسمٍ يصير بسبب ذلك الاسم مبغوضًا مشؤومًا بين الناس، وكراهيةُ رسولِ الله الاسمَ القبيحَ لأجل هذا، فإن الاسمَ الحسنَ محبوبٌ في طباع الناس، والاسمَ المكروهَ مبغوضٌ في طباع

стр. 2232

الناس، فاختيارُ المحبوبِ على المبغوضِ من غاية كمال عقل الإنسان. ورُوي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمُك؟ قال: جَمْرَة، قال: ابن مَن؟ قال: ابن شهاب، قال: ممَّن؟ قال: مِنَ الحُرَقة، قال؛ أين مسكنُك؟ قال: بحَرَّةِ النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لَظًى، فقال عمر: أَدرِكْ أهلَك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر. * * * ٣٥٤٩ - عن أنسٍ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّا كنا في دارٍ كثيرٌ فيها عَدَدُنا وأموالُنا فتحوَّلنا إلى دارٍ قلَّ فيها عددُنا وأموالُنا؟ فقالَ رسول الله ﷺ : "ذَرُوها ذَمِيمَةً". قوله: "إنَّا كنَّا في دارٍ كثيرٍ فيها عددُنا وأموالُنا ... " إلى آخره، هذا ليس من العدوى ولا من الطِّيَرة، بل من الطِّبِّ؛ فإن الماءَ الهواءَ والنباتَ مختلفةٌ، فبعضُها يُوافق الطباعَ وبعضُها يُخالفها، فالأرضُ الأولى كان هواؤُها وماؤُها ونباتُها موافقةً لهم، والأرضُ الثانيةُ التي انتقلوا إليها وقلَّ عددُهم وأموالُهم فيها كان هواؤُها وماؤُها ونباتُها مخالفةً لهم، فأمرهم النبي ﷺ بأن يتركوا الأرضَ التي لم يوافقهم هواؤُها وماؤُها ونباتُها. قوله: "فتحوَّلنا"؛ أي: انتقلنا. "ذَرُوها"؛ أي: اتركوها. "ذميمةً": فعيلة بمعنى مفعولة، وهي منصوبة على الحال؛ أي: في حال كونها مذمومةً؛ يعني: اتركوها فإنها مذمومةٌ؛ لأن هواءَها غيرُ موافقٍ لكم. * * * ٣٥٥٠ - ورُوِيَ عن فَرْوَةَ بن مُسَيْكٍ أنَّه قال: يا رسولَ الله! أرضٌ عندَنا

стр. 2233

هي أرضُ رَيْعِنا ومِيرتِنا، وإنَّ وباءها شديدٌ؟ فقالَ: "دَعْها عنكَ فإنَّ مِن القَرَفِ التَّلَفَ". قوله: "أرضٌ عندنا هي أرضُ رَيْعِنا": هذا الحديث مثل الحديث المتقدم. (الرَّيع): الزيادة؛ يعني: يحصل لنا فيها الثمار والنبات. و (المِيْرَة): الطعام. "دَعْها"؛ أي: اتركْها. "فإن من القَرَفِ التلفَ". (القَرَف) بفتح القاف والراء: مداناة الوباء، والوباء: البلاء والمكروه الذي يعمُّ؛ يعني: من قارَبَ متلفًا يَتلَفُ؛ يعني: إذا لم يكن هواءُ تلك الأرض موافقًا لكم فاتركوها. * * * ٣ - باب الكهَانَةِ (باب الكهانة) قوله: "الكهانة": الإخبار عن علم الغيب؛ يعني: عما كان مستورًا عن الناس، والذين يخبرون عن الغيب أنواع: كاهن، وعرَّاف، ومنجِّم. فالكاهن: مَن يدَّعي أن له أصحابًا من الجن يخبرونه عما سيكون في الزمان المستقبل، ومِن الكهَّان مَن يقول: أعرفُ الغيبَ بفهمٍ أُعطيته. والعرَّاف: مَن يقول: إني أعرف المسروقَ ومكانَ الضالَّة. والمنجِّم: مَن يُخبر عن المستقبل بطلوع النجم وغروبه وسيره، كلُّ ذلك

стр. 2234

مذمومٌ في الشرع، فإن الغيبَ لا يعلمه إلا الله، ويجوز تعلُّم علم النجوم بقَدْر ما يُعرَف به الأيام والليالي، والسَّنة والشهور والساعات، ومواقيت الصلاة واستقبال القِبْلَة. مِنَ الصِحَاحِ: ٣٥٥١ - عن مُعاويةَ بن الحَكَمِ ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أمورًا كنا نصنعُها في الجاهليةِ، كنَّا نأتي الكُهَّانَ؟ قال: "فلا تَأتُوا الكُهَّانَ" قال: قلتُ: كُنَّا نتطيَّرُ؟ قال: "ذلكَ شيءٌ يجدُه أحدُكم في نفسِهِ فلا يَصُدَّنَّكم"، قال: قلتُ: وما مِنَّا رِجالٌ يَخُطُّونَ؟ قال: "كانَ نبيٌّ من الأنبياءِ يَخُطُّ فمَنْ وافقَ خطَّهُ فذاكَ". قوله: "كنَّا نأتي الكهَّان": قد ذُكر هذا الحديث في باب (ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه). * * * ٣٥٥٢ - عن عائشةَ ﵂ قالت: سألَ أُناسٌ رسولَ الله ﷺ عن الْكُهَّانِ؟ فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ : "ليسوا بشيءٍ"، قالوا: يا رسولَ الله! فإنَّهم يُحَدِّثونَ أحيانًا بالشَّيءِ يكونُ حَقًّا؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "تلكَ الكلِمةُ مِن الحقِّ يخطَفُها الجِنِّيُّ فيَقُرُّها في أُذُنِ وَلِيهِ قَرَّ الدَّجاجةِ، فيخلِطونَ فيها أكثرَ مِن مِئَةِ كَذْبةٍ". قوله: "ليسوا بشيءٍ"؛ يعني: ليس قولُهم صدقًا. "يكون حقًّا"؛ أي: صدقًا؛ أي: يظهر مثلَ ما أخبروا به. "تلك الكلمة من الحق يخطفها"؛ يعني: تلك الكلمةُ من الصدق يخطفُها الجن أي: يسلبها ويسرقها؛ يعني: يصعد الجني إلى أن يَقرُبَ من السماء ويستمع ما تقول الملائكة مما أمر الله تعالى به من الوقائع، مثل أن يقولوا: يكون في

стр. 2235

الناحية الفلانية في هذه السَّنة قحطٌ أو مطرٌ أو زلزلةٌ وما أشبه ذلك، فيستمع ذلك الجني تلك الكلمةَ من الملائكة، ويجيء أولياءَه من كهَّان الإنس ويقول لهم تلك الكلمةَ، ويخبر الكهَّانُ الناسَ بتلك الواقعة، فلمَّا يسمع ناسٌ من الكهَّان تلك الواقعةَ ويَظهر صدقُ ما أخبر به الكهَّان، فيعتقدون صدقَ جميع ما أخبر به الكهَّان، فيترددون إلى الكهَّان، ويسألون عما سيكون من الوقائع، ويخبرهم الكهَّان بجميع ما سألوهم، وربما يظهر صدقُ خبرٍ وكذبُ مئة خبرٍ أو أكثر. فالذي ظهر صدقُه هو الذي سمع من الجني الذي سمع ذلك الخبرَ من الملائكة، والذي ظهر كذبُه هو ما قاله الكهَّان من تلقاء أنفسهم. واعلم أن الجنَّ كانوا يصعدون ويسمعون ما قالت الملائكة بعضهم مع بعض، ولا يمنعهم أحدٌ قبلَ ولادة نبينا محمد ﷺ ، فلمَّا وُلد نبيُّنا ﷺ كانت الجنُّ يصعدون السماءَ فيُرجَمُون بكواكبَ أمثالِ النار، فيُحرقون. قوله: "قَرَّ الدجاجة"؛ يعني: قرًّا مثل قَرِّ الدجاجة. (القَرُّ): صبُّ الماء البارد على أحدٍ، وتقريرُ الكلام وتثبيتُه في أذن المستمع؛ يعني: يقول الجني ما سمعَه من الملائكة لوليه من الكهَّان. (قَرَّ الدجاجة)؛ يعني: كما يُصوِّت الدجاج بصوتٍ لا يُفهَم، فكذلك الجني يَقَرُّ في أذن الكهَّان بحيث لا يطَّلع عليه غيره، وقيل: معنى (قَرَّ الدجاجة): إنزاء الدِّيك على الدجاج؛ يعني: كما يلاصق الديك بالدجاجة، وَيصبُّ مَنِيَّه عليها ويتولَّد من مَنِيه بيضاتٌ كثيرةٌ، فكذلك الجنيُّ يُلاصِقُ فمَه على أذن الكاهن ويصبُّ كلامَه في فمه، ويتولَّد منه كلماتٌ، فيَصدُق في بعضها ويَكذِب في أكثرها. ويُروى: "قَزَّ الدجاج" بالزاي المعجمة، فعلى هذه الرواية معناه: كما يُصَبُّ الماءُ في قارورةٍ من قارورةٍ أخرى، فكذلك الجنيُّ يصبُّ كلامَه في الكاهن. * * *

стр. 2236

٣٥٥٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أَتَى عَرَّافًا فسألَه عن شيءٍ لم تُقبَلْ له صلاةٌ أربعينَ ليلةً". قوله: "مَن أتى عرَّافًا، فسأله عن شيء لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً": قد ذُكر شرح (العرَّاف) قُبيلَ هذا، فإن أتى أحدٌ عرَّافًا، فسأله شيئًا، فأخبره عن عيبٍ، فإن صدَّقه في ذلك الخبر فهو كافرٌ حتى يجدِّد الإيمانَ، ولا تُقبَل له صلاةٌ ولا غيرُها من الطاعات قبل أن يجدِّدَ الإيمانَ. وإن لم يُصدِّقه فلم يكفر، ولكن لا تُقبَل كمالُ صلاتِه وغيرِها من الطاعة أربعين يومًا كما ذكر النبي ﷺ . رَوَتْ هذا الحديثَ صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ . * * * ٣٥٥٥ - عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيَّ قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبحِ بالحُديبيةِ على إثرِ سماءٍ كانت من اللَّيلِ، فلمَّا انصرفَ أقبلَ على النَّاسِ فقال: "هلْ تدرونَ ماذا قالَ ربُّكم؟ " قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، قالَ: "أصبحَ مِن عبادِي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأمَّا من قال: مُطِرنا بفضلِ الله وبرحمتِه فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكواكبِ، وأمَّا مَن قالَ: مُطِرنا بنوْءِ كذا وكذا فذلكَ كافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكواكبِ". قوله: "على إثر السماء"؛ أي: بعد نزول مطرٍ، كان قد نزل ذلك المطر في الليل. "أصبح مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ"، (مِن) هنا: للتبعيض؛ أي: أصبح بعضُ عبادي مؤمنًا بي وكافرًا بالكواكب، وبعضُهم كافرًا بي ومؤمنًا بالكواكب بسبب نزول المطر. * * *

стр. 2237

٣٥٥٦ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "ما أنزل الله مِن السَّماءِ من بركةٍ إلا أصبحَ فريقٌ مِن النَّاسِ بها كافرينَ، يُنَزِلُ الله الغيثَ فيقولونَ: بكوكبِ كذا وكذا". قوله: "من بركة"؛ أي: من مطر. * * * مِنَ الحِسَانِ: ٣٥٥٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالَ النبيُّ ﷺ : "مَن اقتبسَ عِلْمًا مِن النُّجومِ؛ اقتبسَ شُعبَةً مِن السَّحْرِ، زادَ ما زادَ". قوله: "مَنِ اقتبسَ علمًا من النجوم اقتبسَ شُعبةً من السِّحر". (اقتبس)؛ أي: تعلَّم، (الشُّعبة): البعض، والمراد بها ها هنا: القطعة والبعض؛ يعني: كما أن تعلُّمَ السِّحر والعملَ به حرامٌ، فكذلك تعلُّم علم النجوم والتكلُّم به حرامٌ، وقد ذُكر ما يجوز تعلُّمه من علوم النجوم. * * * ٣٥٥٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أَتَى كاهِنًا فصدَّقه بما يقولُ، أو أَتَى امرأتَه حائِضًا، أو أتى امرأتَه في دُبُرِها فقد بَرِئَ مما أُنزِلَ على محمَّدٍ ﷺ ". قوله: "مَن أتى كاهنًا": ذكر شرح هذا الحديث في (باب الحيض). ° ° °

стр. 2238

٢٢ - كِتَابُ الرُّؤيَا

стр. 2239

[٢٢] كِتَابُ الرُّؤيَا (كتاب الرُّؤيا) (الرُّؤيا): ما يُرَى في المنام. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٥٥٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "لم يَبْقَ مِن النُّبوَّةِ إلا المُبشَّراتِ"، قالوا: وما المُبشِّراتُ؟ قال: "الرُّؤيا الصَّالحةُ يَراها المسلمُ، أو تُرَى لهُ". قوله: "أو تُرَى له"؛ يعني: أو يَرى تلك الرُّؤيا أحدٌ لأحدٍ، سُميت الرؤية الصالحة: مبشِّرةً؛ لأنها تحصل للشخص منها بشارةٌ وفرحٌ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٦٠ - وقال: "الرُّؤيا الصَّالحةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأربعينَ جُزْءًا مِن النُّبوَّةِ". قوله: "الرُّؤيا الصالحةُ جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة": هذا في حق الأنبياء؛ لأن الرُّؤيا لا تكون نبوةً في غير الأنبياء؛ لأنه يلزم حينَئذٍ أن يكون جميعُ الناس أنبياء؛ لأنه لا يخلو أحدٌ عن رؤية رؤيا، بل الرُّؤيا نبوةٌ في حق الأنبياء ﵈. قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحيٌ، وقيل: معناه: الرُّؤيا الصالحةُ

стр. 2240

من علم النبوة؛ أي: كعلم الأنبياء في الصحة والصدق، ويحتمل أن يكون معناه: تعبيرُ الرُّؤيا من النبوة؛ لأن تعبيرَ الرُّؤيا هو الذي قال يوسف نبي الله ﷺ فيه: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾؛ أي: تعبيرُ الرُّؤيا مما علَّمَنِيه الله. وقالوا في تأويل قوله ﷺ : (جزء من ستة وأربعين جزءًا): إنَّ النبي ﷺ كان يَرَى الرُّؤيا ستةَ أشهرٍ في بَدْء نبوته، وكان زمانُ نبوته ثلاثةً وعشرين سنةً، فكان زمانُ رؤيته الرُّؤيا بالنسبة إلى جميع زمان وحيه جزءًا من ستةٍ وأربعين جزءًا. روى هذا الحديثَ أنسٌ. * * * ٣٥٦١ - وقال: "مَن رآني في المنامِ فقد رآني فإنَّ الشَّيطانَ لا يتمثَّلُ في صورتي". قوله: "مَن رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطانَ لا يتمثَّل في صورتي"، قال محيي السُّنَّة: رؤية النبي ﷺ في المنام حقٌّ، ولا يتمثَّل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة ﵈، وكذلك الشمس والقمر والنجوم والسحاب الذي فيه الغيث؛ لا يتمثَّل الشيطانُ بشيءٍ منها، ومَن رأى نزولَ الملائكة بمكانٍ فهو نصرةٌ لأهل ذلك المكان، وفرجٌ إن كانوا في كربٍ، وخصبٌ إن كانوا في ضيقٍ وقحطٍ، وكذلك رؤيةُ الأنبياء ﵈. روى هذا الحديثَ أنسٌ. * * * ٣٥٦٢ - وقال: "مَن رآني فقد رأى الحَقَّ". قوله: "مَن رآني فقد رأى الحقَّ".

стр. 2241

(الحق) هنا: ضد الباطل وضد الكذب، يعني: مَن رآني في المنام فقد صَدَقَتْ رُؤياه، فإنه قد رآني؛ فإن الشيطانَ لا يتمثَّل بي. روى هذا الحديثَ أبو قتادة. * * * ٣٥٦٣ - وقال: "من رَآني في المنامِ فسَيراني في اليَقَظةِ، ولا يتمثَّلُ الشَّيطانُ بي". قوله: "مَن رآني في المنام فسيراني في اليقظة": فسيراني يومَ القيامة ويكون معي على الحوض والجنة، ويحتمل أن يكون معناه: فسيراني في الدنيا إذا كانت له حالةٌ؛ فإنه قد نُقل عن بعض الصالحين أنه رأى النبيَّ في حالة الشوق والذوق. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٦٤ - وقال: "الرُّؤيا الصَّالحةُ مِن الله، والحُلْمُ مِن الشَّيطانِ، فإذا رَأَى أحدُكم ما يُحِبُّ فلا يحدِّثْ بهِ إلا مَن يُحِبُّ، وإذا رَأَى ما يكرهُ فليتعوَّذْ بالله مِن شرِّها ومِن شرِّ الشَّيطانِ وليتفُلْ ثلاثًا، ولا يُحدِّثْ بها أحدًا فإنَّها لن تَضُرَّهُ". قوله: "الرُّؤيا الصالحةُ من الله، والحُلْمُ من الشيطان"، أراد بـ (الرُّؤيا الصالحة): أن يرى في المنام شيئًا فيه بشارةٌ له أو تنبيهٌ عن الغفلة، كما يأمره أحدٌ بخيرٍ أو يرى نفسَه مع الصالحين أو في الجنة، أو يرى أن أحدًا يعذِّبه ويقول له: فعلتَ الذنبَ الفلانية، وما أشبه ذلك. وأراد بـ (الحُلْم): ما كان من وساوس الشيطان، مثل أن يرى أنه يشرب الخمرَ، أو يزني، أو يقتل مسلمًا، أو يقول له أحدٌ: اجمَعِ المالَ لتكونَ من الأغنياء، أو يعذِّبه أحدٌ أو يقتله من غير جرمٍ.

стр. 2242

قوله: "وَلْيَتفلْ"، يعني: وَلْيَبزقْ، وعلَّة البزق: كراهية تلك الرُّؤيا وتحقيرُ الشيطان. روى هذا الحديثَ أبو قتادة. * * * ٣٥٦٥ - وقال: "إذا رَأَى أحدُكم الرُّؤيا يكرهُها فلَيَبْصُقْ عن يسارِه ثلاثًا، ولِيستَعِذْ بالله مِن الشَّيطانِ ثلاثًا، وليتحوَّلْ عن جنبه الذي كانَ عليهِ". قوله: "وَلْيَتحوَّلْ عن جنبه الذي كان عليه"؛ يعني: وَلْيَتقلَّبْ من ذلك الجنب إلى جنبه الآخر؛ يعني: يزول عن هيئة الضجعة الأولى لتزولَ عنه رؤيةُ حُلْم الشيطان. روى هذا الحديثَ جابرٌ. * * * ٣٥٦٦ - وقَال: "إِذَا اقتَربَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ تَكذِبُ رؤُيَا المُؤْمنِ، ورُؤيَا المُؤْمنِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزْءًا مِن النُّبوَّةِ، ومَا كَانَ مِن النُّبوَّةِ فإنَّه لا يَكْذِبُ"، رواهُ مُحمَّدُ بن سِيرِينَ، عَنْ أبي هُريْرةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَال مُحَمَّدٌ: وأَنا أَقُولُ: الرُّؤيا ثَلاثٌ: حَدِيْثُ النَّفسِ، وتَخْوْيفُ الشَّيطانِ، وبُشرَى مِن الله، فمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُه فلا يقُصَّه عَلى أَحَدٍ، ولْيقُمْ فليُصَلِّ، قَال: وكَانَ يَكرَهُ الغُلَّ في النَّومِ ويُعْجبُه القَيْدُ، ويُقالُ: القَيْدُ ثباتٌ في الدِّينِ. وأَدْرجَ بعضُهم الكُلَّ في الحَديثِ. قوله: "إذا اقترب الزمانُ لم تَكَدْ تكذب"، قال محيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة": اختلفوا في معناه؛ قيل: أراد به قربَ زمان القيامة ودنوَّ وقتها، كما صرَّح به في حديث آخر، وقيل: اقترابُ الزمانِ اعتدالُه حين يستوي الليل

стр. 2243

والنهار، والمعبرون يقولون: أصدقُ الرُّؤيا في وقت الربيع والخريف عند خروج الثمار وعند إدراكها، وهما وقتانِ يتقارب فيهما الزمانُ ويعتدل الليل والنهار. قالوا: ورُؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار، وأصدقُ الساعات الرُّؤيا وقتَ السَّحَر، رُوي عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، يرفعه، قال: "أصدقُ الرُّؤيا بالأسحار". قول محمد بن سيرين: "الرُّؤيا ثلاثٌ" فيه بيانُ أن ليس كلُّ ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا ويجوز تعبيرُه، إنما الصحيحُ منها ما كان من الله ، يأتيك به مَلَك الرُّؤيا من نسخة أم الكتاب؛ يعني: اللوح المحفوظ، وما سوى ذلك أضغاثُ أحلامٍ لا تأويلَ لها، وهي على أنواع؛ قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان أو يُريه ما يحزنه، وله مكائدُ يُحزن بها بني آدم كما أَخبرَ الله عنه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومِن لعبِ الشيطانِ به الاحتلامُ الذي يُوجب الغُسلَ، فلا يكون له تأويل. وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمَن يكون في أمرِ أو حرفةٍ يرى نفسَه في ذلك الأمر، والعاشقُ يرى معشوقَه ونحو ذلك، وقد يكون ذلك من مزاج الطبيعة، كمَن غلبَ عليه الدمُ يرى الفصدَ والحِجَامةَ والرُّعافَ والحُمرةَ والرياحينَ والمزاميرَ والنشاطَ ونحوها، ومَن غلبَ عليه الصفراءُ يرى النارَ والشمعَ والسِّراجَ والأشياءَ الصفراءَ والطيرانَ في الهواء ونحوها. ومَن غلب عليه السوداء يرى الظلمةَ والسوادَ والأشياءَ السُّودَ والصيدَ والوحوشَ والأهوالَ والأمواتَ والقبورَ والمواضعَ الخربةَ، وكونَه في مضيقٍ لا مَنفذَ له أو تحتَ ثقلٍ ونحو ذلك. ومَن غلب عليه البلغم يرى البياضَ والمياهَ والثلجَ والجمدَ والوحلَ ونحوها؛ فلا تأويلَ لشيءٍ منها.

стр. 2244

وقال عبد الوهاب الثقفي: عن أيوب السَّخْتِياني، عن محمد بن سيرين: إن الرُّؤيا ثلاثةُ ... إلى آخره، من جملة الحديث، لا من قول محمد بن سيرين. وقال أيوب: قوله: (أحبُّ القيدَ وأَكرهُ الغُلَّ، والقيدُ ثباتٌ في الدِّين" فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين، وجعلَه مَعمَر عن أيوب من قول أبي هريرة، فإذا عرفت هذا فاعرف أن قوله: (وقال: وكان يكره الغُل) الضمير في (قال) ضمير أيوب، والضمير في (كان) ضمير ابن سيرين، ويجوز أن يكون الضمير في (قال) ضمير ابن سيرين، وفي (كان) ضمير أبي هريرة. وإنما يُكرَه الغُلُّ في النوم؛ لأن الغُلَّ تقييدُ العنق، وتقييدُ العنق وتثقيلُه يكون بحمل الدَّين أو المظالم، أو كونه محكومًا ورقيقًا ومتعلقًا بشيء. * * * ٣٥٦٨ - وعَنْ أنسٍ ﵁ قَال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رَأَيْتُ ذاتَ ليلَةٍ فِيْمَا يرَى النَّائمُ كأنَّا في دَارِ عُقبةَ بن رافِعٍ، فأُتِيْنا برُطَبٍ مِن رُطَبِ ابن طَابٍ، فأَوَّلتُ أنَّ الرِّفعةَ لنا في الدُّنيا، والعَاقِبةَ في الآخِرَةِ، وأَنَّ دينَنَا قَدْ طَابَ". قوله: "كأنَّا في دار عقبة بن رافع"، الضمير في (كأنَّا) ضمير النبي ومَن معه مِن أصحابه، وتأويلُ النبيِّ ﷺ هذا الحديثَ دستورٌ في قياس التعبير بغير ما يرى في المنام، كما أوَّلَ ﷺ (عقبةَ) بأن العاقبةَ الحسنةَ لهم، وأوَّلَ (رافعًا) بأن الرِّفعةَ في الدنيا والآخرة لهم، وأوَّلَ (ابن طابٍ) - وهو نوعٌ من التمر - بأن دِينَهم قد طابَ؛ أي: كملَ وحسنَ. * * * ٣٥٧٠ - وعَنْ أبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "رأيتُ في المَنامِ أنِّي

стр. 2245

أُهاجِرُ مِن مكَّةَ إلى أرضٍ بها نَخْلٌ، فذهبَ وَهَلي إلى أنَّها اليَمامةُ، أو هَجَر، فإذا هِيَ المَدِينةُ يَثْرِبُ، ورأيتُ في رُؤيَايَ هذه أنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فانقَطَعَ صَدْرُهُ، فإذا هُوَ ما أُصِيْبَ مِن المُؤْمِنينَ يَومَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزتُه أُخرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فإذا هُوَ مَا جاءَ الله بهِ مِن الفَتْحِ واجتِمَاعِ المُؤْمنينَ". قوله: "وَهَلي"؛ أي: ظنِّي. "اليمامة أو هَجَر": اسما بلدَين. "هَزَزتُ"؛ أي: حرَّكتُ. * * * ٣٥٧١ - وعَنْ أبي هُريْرةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتيْتُ بخزائِنِ الأَرْضِ، فوُضعَ في كَفِّي سِوارَانِ مِن ذَهَبٍ فكبُرا عَلَيَّ، فأُوحِيَ إِليَّ: أن انفُخْهُما، فَنَفَخْتُهُما فذَهَبا، فأَوَّلتُهُما الكذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بينَهمَا: صَاحِبَ صَنعاءَ، وصَاحِبَ اليَمامةِ". وفي رِوايةٍ: "يُقالُ لأَحدِهِما: مُسَيْلمةُ صَاحِبُ اليمامةِ، والعَنسيُّ صَاحِبُ صَنعاءَ". قوله: "أُتيت بخزائن الأرض" على بناء المجهول؛ أي: عُرِضَّ عليَّ الكنوزُ وأنواعُ المال، فوُضعَ منها سِوَارانِ في كفِّي، "فكَبُرَا"؛ أي: فَثُقلَا، ومقصود هذا الحديث: أن إسلامَ مُسيلِمة والعَنْسي كان عظيمًا عنده ﷺ ؛ لأن لهما أتباعًا كثيرةً، فقيل له في المنام: انفخ السِّوارَينِ، فنفخ فيهما، فذَهَبَا؛ يعني: ليس لإسلامهما إخلاصٌ، بل سيرتدَّانِ عن الدِّين، وكانا قد ارتدَّا قبل رؤية النبي ﷺ هذه الرُّؤيا. والرجلُ إذا رأى السِّوارَ في يده تعبيرُه صيرورته ضيقَ اليد؛ أي: قليلَ
следующие страницы →