← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

(الحق) هنا: ضد الباطل وضد الكذب، يعني: مَن رآني في المنام فقد صَدَقَتْ رُؤياه، فإنه قد رآني؛ فإن الشيطانَ لا يتمثَّل بي. روى هذا الحديثَ أبو قتادة. * * * ٣٥٦٣ - وقال: "من رَآني في المنامِ فسَيراني في اليَقَظةِ، ولا يتمثَّلُ الشَّيطانُ بي". قوله: "مَن رآني في المنام فسيراني في اليقظة": فسيراني يومَ القيامة ويكون معي على الحوض والجنة، ويحتمل أن يكون معناه: فسيراني في الدنيا إذا كانت له حالةٌ؛ فإنه قد نُقل عن بعض الصالحين أنه رأى النبيَّ في حالة الشوق والذوق. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٦٤ - وقال: "الرُّؤيا الصَّالحةُ مِن الله، والحُلْمُ مِن الشَّيطانِ، فإذا رَأَى أحدُكم ما يُحِبُّ فلا يحدِّثْ بهِ إلا مَن يُحِبُّ، وإذا رَأَى ما يكرهُ فليتعوَّذْ بالله مِن شرِّها ومِن شرِّ الشَّيطانِ وليتفُلْ ثلاثًا، ولا يُحدِّثْ بها أحدًا فإنَّها لن تَضُرَّهُ". قوله: "الرُّؤيا الصالحةُ من الله، والحُلْمُ من الشيطان"، أراد بـ (الرُّؤيا الصالحة): أن يرى في المنام شيئًا فيه بشارةٌ له أو تنبيهٌ عن الغفلة، كما يأمره أحدٌ بخيرٍ أو يرى نفسَه مع الصالحين أو في الجنة، أو يرى أن أحدًا يعذِّبه ويقول له: فعلتَ الذنبَ الفلانية، وما أشبه ذلك. وأراد بـ (الحُلْم): ما كان من وساوس الشيطان، مثل أن يرى أنه يشرب الخمرَ، أو يزني، أو يقتل مسلمًا، أو يقول له أحدٌ: اجمَعِ المالَ لتكونَ من الأغنياء، أو يعذِّبه أحدٌ أو يقتله من غير جرمٍ.

стр. 2242

قوله: "وَلْيَتفلْ"، يعني: وَلْيَبزقْ، وعلَّة البزق: كراهية تلك الرُّؤيا وتحقيرُ الشيطان. روى هذا الحديثَ أبو قتادة. * * * ٣٥٦٥ - وقال: "إذا رَأَى أحدُكم الرُّؤيا يكرهُها فلَيَبْصُقْ عن يسارِه ثلاثًا، ولِيستَعِذْ بالله مِن الشَّيطانِ ثلاثًا، وليتحوَّلْ عن جنبه الذي كانَ عليهِ". قوله: "وَلْيَتحوَّلْ عن جنبه الذي كان عليه"؛ يعني: وَلْيَتقلَّبْ من ذلك الجنب إلى جنبه الآخر؛ يعني: يزول عن هيئة الضجعة الأولى لتزولَ عنه رؤيةُ حُلْم الشيطان. روى هذا الحديثَ جابرٌ. * * * ٣٥٦٦ - وقَال: "إِذَا اقتَربَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ تَكذِبُ رؤُيَا المُؤْمنِ، ورُؤيَا المُؤْمنِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزْءًا مِن النُّبوَّةِ، ومَا كَانَ مِن النُّبوَّةِ فإنَّه لا يَكْذِبُ"، رواهُ مُحمَّدُ بن سِيرِينَ، عَنْ أبي هُريْرةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَال مُحَمَّدٌ: وأَنا أَقُولُ: الرُّؤيا ثَلاثٌ: حَدِيْثُ النَّفسِ، وتَخْوْيفُ الشَّيطانِ، وبُشرَى مِن الله، فمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُه فلا يقُصَّه عَلى أَحَدٍ، ولْيقُمْ فليُصَلِّ، قَال: وكَانَ يَكرَهُ الغُلَّ في النَّومِ ويُعْجبُه القَيْدُ، ويُقالُ: القَيْدُ ثباتٌ في الدِّينِ. وأَدْرجَ بعضُهم الكُلَّ في الحَديثِ. قوله: "إذا اقترب الزمانُ لم تَكَدْ تكذب"، قال محيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة": اختلفوا في معناه؛ قيل: أراد به قربَ زمان القيامة ودنوَّ وقتها، كما صرَّح به في حديث آخر، وقيل: اقترابُ الزمانِ اعتدالُه حين يستوي الليل

стр. 2243

والنهار، والمعبرون يقولون: أصدقُ الرُّؤيا في وقت الربيع والخريف عند خروج الثمار وعند إدراكها، وهما وقتانِ يتقارب فيهما الزمانُ ويعتدل الليل والنهار. قالوا: ورُؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار، وأصدقُ الساعات الرُّؤيا وقتَ السَّحَر، رُوي عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، يرفعه، قال: "أصدقُ الرُّؤيا بالأسحار". قول محمد بن سيرين: "الرُّؤيا ثلاثٌ" فيه بيانُ أن ليس كلُّ ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا ويجوز تعبيرُه، إنما الصحيحُ منها ما كان من الله ، يأتيك به مَلَك الرُّؤيا من نسخة أم الكتاب؛ يعني: اللوح المحفوظ، وما سوى ذلك أضغاثُ أحلامٍ لا تأويلَ لها، وهي على أنواع؛ قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان أو يُريه ما يحزنه، وله مكائدُ يُحزن بها بني آدم كما أَخبرَ الله عنه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومِن لعبِ الشيطانِ به الاحتلامُ الذي يُوجب الغُسلَ، فلا يكون له تأويل. وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمَن يكون في أمرِ أو حرفةٍ يرى نفسَه في ذلك الأمر، والعاشقُ يرى معشوقَه ونحو ذلك، وقد يكون ذلك من مزاج الطبيعة، كمَن غلبَ عليه الدمُ يرى الفصدَ والحِجَامةَ والرُّعافَ والحُمرةَ والرياحينَ والمزاميرَ والنشاطَ ونحوها، ومَن غلبَ عليه الصفراءُ يرى النارَ والشمعَ والسِّراجَ والأشياءَ الصفراءَ والطيرانَ في الهواء ونحوها. ومَن غلب عليه السوداء يرى الظلمةَ والسوادَ والأشياءَ السُّودَ والصيدَ والوحوشَ والأهوالَ والأمواتَ والقبورَ والمواضعَ الخربةَ، وكونَه في مضيقٍ لا مَنفذَ له أو تحتَ ثقلٍ ونحو ذلك. ومَن غلب عليه البلغم يرى البياضَ والمياهَ والثلجَ والجمدَ والوحلَ ونحوها؛ فلا تأويلَ لشيءٍ منها.

стр. 2244

وقال عبد الوهاب الثقفي: عن أيوب السَّخْتِياني، عن محمد بن سيرين: إن الرُّؤيا ثلاثةُ ... إلى آخره، من جملة الحديث، لا من قول محمد بن سيرين. وقال أيوب: قوله: (أحبُّ القيدَ وأَكرهُ الغُلَّ، والقيدُ ثباتٌ في الدِّين" فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين، وجعلَه مَعمَر عن أيوب من قول أبي هريرة، فإذا عرفت هذا فاعرف أن قوله: (وقال: وكان يكره الغُل) الضمير في (قال) ضمير أيوب، والضمير في (كان) ضمير ابن سيرين، ويجوز أن يكون الضمير في (قال) ضمير ابن سيرين، وفي (كان) ضمير أبي هريرة. وإنما يُكرَه الغُلُّ في النوم؛ لأن الغُلَّ تقييدُ العنق، وتقييدُ العنق وتثقيلُه يكون بحمل الدَّين أو المظالم، أو كونه محكومًا ورقيقًا ومتعلقًا بشيء. * * * ٣٥٦٨ - وعَنْ أنسٍ ﵁ قَال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رَأَيْتُ ذاتَ ليلَةٍ فِيْمَا يرَى النَّائمُ كأنَّا في دَارِ عُقبةَ بن رافِعٍ، فأُتِيْنا برُطَبٍ مِن رُطَبِ ابن طَابٍ، فأَوَّلتُ أنَّ الرِّفعةَ لنا في الدُّنيا، والعَاقِبةَ في الآخِرَةِ، وأَنَّ دينَنَا قَدْ طَابَ". قوله: "كأنَّا في دار عقبة بن رافع"، الضمير في (كأنَّا) ضمير النبي ومَن معه مِن أصحابه، وتأويلُ النبيِّ ﷺ هذا الحديثَ دستورٌ في قياس التعبير بغير ما يرى في المنام، كما أوَّلَ ﷺ (عقبةَ) بأن العاقبةَ الحسنةَ لهم، وأوَّلَ (رافعًا) بأن الرِّفعةَ في الدنيا والآخرة لهم، وأوَّلَ (ابن طابٍ) - وهو نوعٌ من التمر - بأن دِينَهم قد طابَ؛ أي: كملَ وحسنَ. * * * ٣٥٧٠ - وعَنْ أبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "رأيتُ في المَنامِ أنِّي

стр. 2245

أُهاجِرُ مِن مكَّةَ إلى أرضٍ بها نَخْلٌ، فذهبَ وَهَلي إلى أنَّها اليَمامةُ، أو هَجَر، فإذا هِيَ المَدِينةُ يَثْرِبُ، ورأيتُ في رُؤيَايَ هذه أنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فانقَطَعَ صَدْرُهُ، فإذا هُوَ ما أُصِيْبَ مِن المُؤْمِنينَ يَومَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزتُه أُخرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فإذا هُوَ مَا جاءَ الله بهِ مِن الفَتْحِ واجتِمَاعِ المُؤْمنينَ". قوله: "وَهَلي"؛ أي: ظنِّي. "اليمامة أو هَجَر": اسما بلدَين. "هَزَزتُ"؛ أي: حرَّكتُ. * * * ٣٥٧١ - وعَنْ أبي هُريْرةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتيْتُ بخزائِنِ الأَرْضِ، فوُضعَ في كَفِّي سِوارَانِ مِن ذَهَبٍ فكبُرا عَلَيَّ، فأُوحِيَ إِليَّ: أن انفُخْهُما، فَنَفَخْتُهُما فذَهَبا، فأَوَّلتُهُما الكذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بينَهمَا: صَاحِبَ صَنعاءَ، وصَاحِبَ اليَمامةِ". وفي رِوايةٍ: "يُقالُ لأَحدِهِما: مُسَيْلمةُ صَاحِبُ اليمامةِ، والعَنسيُّ صَاحِبُ صَنعاءَ". قوله: "أُتيت بخزائن الأرض" على بناء المجهول؛ أي: عُرِضَّ عليَّ الكنوزُ وأنواعُ المال، فوُضعَ منها سِوَارانِ في كفِّي، "فكَبُرَا"؛ أي: فَثُقلَا، ومقصود هذا الحديث: أن إسلامَ مُسيلِمة والعَنْسي كان عظيمًا عنده ﷺ ؛ لأن لهما أتباعًا كثيرةً، فقيل له في المنام: انفخ السِّوارَينِ، فنفخ فيهما، فذَهَبَا؛ يعني: ليس لإسلامهما إخلاصٌ، بل سيرتدَّانِ عن الدِّين، وكانا قد ارتدَّا قبل رؤية النبي ﷺ هذه الرُّؤيا. والرجلُ إذا رأى السِّوارَ في يده تعبيرُه صيرورته ضيقَ اليد؛ أي: قليلَ

стр. 2246

المال، والمرأة إذا رأت السِّوارَ في يدها يزيد جمالُها وقَدْرُها، وجميع الحُلِيِّ يكون حسنًا للنساء إذا رَأَيْنَه في المنام. * * * ٣٥٧٢ - وقالت أمُّ العَلاءِ الأنصاريَّةُ: رأيتُ لِعُثمانَ بن مَظْعُونٍ ﵁ في النَّومِ عَيْنًا تَجرِي، فقَصَصْتُها على رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: "ذاكَ عَمَلُه يُجْرَى لهُ". قولها: "رأيتُ لعثمانَ بن مَظعونٍ عَينًا تجري"، أرادت بهذه العَين: عينَ الماء، رأت هذا المنامَ بعد موت عثمان، فعبَّر رسولُ الله ﷺ هذه الرُّؤيا بأنه يَصِلُ إلى عثمانَ ثوابُ أعماله الصالحة. * * * ٣٥٧٣ - عن سَمُرَةَ بن جُنْدبٍ ﵁ قَال: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا صَلَّى أقبلَ علينا بوجْهِهِ فَقَال: "مَن رَأَى مِنْكُم اللَّيلةَ رؤيا؟ " قال: فإنْ رَأَى أحدٌ قَصَّها، فيقولُ: "ما شاءَ الله! "، فسأَلَنا يَوْمًا فقال: "هل رَأَى منكُم أَحَدٌ رؤيا؟ " قُلْنَا: لا، قال: "لكنِّي رأيتُ الليلةَ رَجُلَيْنِ أَتَياني، فأَخَذا بيدَيَّ فأَخْرجاني إلى أرْضٍ مُقدَّسةٍ، فإذا رَجُلٌ جَالِسٌ، ورَجُلٌ قائمٌ بيِدِهِ كَلُّوبٌ مِن حَديدٍ، يُدْخِلُه في شِدْقِه فيُشقَّه حتى يبلُغَ قَفاهُ، ثم يفعَلُ بشِدْقِه الآخرِ مِثلَ ذلكَ، ويَلتئمُ شِدْقُه هذا، فيعَودُ فيصْنَعُ مِثلَه، قُلْتُ: ما هذا؟ قالا: انطلِقْ، فانطلَقْنا حتَّى أتيْنا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ على قفَاهُ، ورَجُلٌ قائمٌ على رأسِهِ بِفِهْرٍ أو صَخْرةٍ يشْدَخُ بِهِ رأسَهُ، فإذا ضَرَبَه تَدَهْدَهَ الحَجرُ، فَانطَلقَ إليهِ لِيأْخُذَه، فلا يرجِعُ إلى هَذا حتَّى يلْتَئِمَ رأسُهُ، وعَادَ رأسُهُ كَمَا كَانَ، فعادَ إليهِ فضرَبَه، فقلْتُ: ما هذا؟ قالا: انطلِقْ، فانطلَقْنا حتَّى أتيْنا إِلَى نَقْبٍ مِثلِ التَّنُورِ، أَعْلاهُ ضَيقٌ وأسفَلُه واسِعٌ، تتوقَّدُ تحتَه نارٌ، فإذا اتَّقدَتْ ارتفعُوا حتَّى يَكادوا يَخرُجُونَ منها، فإذا خَمَدَتْ رجَعُوا فيها، وفيها

стр. 2247

رِجَالٌ ونِسَاءٌ عُراةٌ، فَقُلتُ: ما هذا؟ قَالا: انطلِقْ، فانْطَلَقْنا حتَّى أتيْنا على نَهرٍ مِن دَمٍ، فيهِ رَجُلٌ قائمٌ، وعلى شَطِّ النَّهرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيهِ حِجارَةٌ، فأقبلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهرِ، فإذا أرادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلَ بحَجَرٍ في فِيْهِ، فردَّه حيثُ كان، فجعَلَ كُلَّما جَاءَ ليخرُجَ رَمَى في فِيْهِ بحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَان، فَقُلتُ: مَا هذا؟ قَالا: انْطَلقْ، فانطلَقْنا حتَّى انتهَيْنا إلى رَوضةٍ خَضراءَ فيها شَجرةٌ عظيمةٌ، وفي أَصْلِها شَيْخٌ وصِبْيانٌ، وإذا رَجُلٌ قريبٌ مِن الشَّجَرةِ بَيْنَ يَدَيهِ نارٌ يوقِدُها، فصَعَدا بيَ الشَّجَرةَ فأَدخَلاني دَارًا أَوْسَطَ الشَّجرةِ لم أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ منها، فيها رِجَالٌ شُيوخٌ وشُبَّانٌ ونِساءٌ وصِبيَانٌ، ثم أخرَجاني منها فصَعَدا بيَ الشَّجرةَ، فأدخلاني دارًا هي أفضلُ وأحسنُ، فيها شُيوخٌ وشبَّانٌ، فقلتُ لهما: إنَّكما قد طَوَّفتُمانِي اللَّيلةَ فأخبراني عمَّا رأيتُ، قالا: نَعَم، أمَّا الّذي رأيتَه يُشَقُّ شِدقُه فكذَّابٌ يُحدِّث بالْكَذْبَةِ فتُحْمَلُ عَنْهُ حتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ، فيُصنَعُ بهِ ما تَرَى إلى يومِ القيامةِ، والَّذي رأيتَه يُشدَخُ رأسُه فرجلٌ علَّمَه الله القُرآنَ، فنامَ عنه بالليلِ ولم يعملْ بما فيه بالنَّهارِ، يُفعَلُ بهِ مَا رأيتَ إلى يومِ القيامةِ، والذي رأيتَه في النَّقْبِ فهم الزُّناةُ، والذي رأيتَهُ في النَّهرِ آكِلُ الرِّبا، والشَّيخُ الَّذي رأيتَه في أصلِ الشَّجرةِ إبراهيمُ ﵇ والصِّبيانُ حَوْلَه فأولادُ النَّاسِ، والَّذي يوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ، والدَّارُ الأُولَى التي دَخْلَتَ دارُ عامَّةِ المؤمنينَ، وأمَّا هذه الدَّارُ فدارُ الشُّهداءِ، وأَنَا جِبْريلُ، وهذا مِيْكائِيْلُ، فارفعْ رأسَكَ، فرفعْتُ رأسي فإذا فوقي مثلُ السَّحاب - وفي رِوَايةٍ: مثلُ الرَّبابةِ البَيْضَاءِ - قالا: ذاكَ منزلُكَ، قلتُ: دَعاني أَدْخُلْ منزِلِي، قالا: إنَّه بَقِيَ لكَ عُمُرٌ لَمْ تَستكمِلْهُ فلو استكمَلْتَهُ أتيتَ منْزِلَك". قوله: "إذا صلَّى"؛ يعني: إذا صلَّى الصبحَ. "قصَّها"؛ أي: أَخبرَ ذاك الرجلُ رسولَ الله ما رأى في منامه.

стр. 2248

"فيقول"؛ أي: فيقول رسولُ الله ﷺ في تعبيره "ما شاء الله"؛ أي: ما أجرى الله على لسانه. "مقدَّسة"؛ أي: مطهَّرة مطيَّبة. "كَلُّوب"؛ أي: حديدة معوجة الرأس. "في شِدْقِه"؛ أي: في طرف شَفَته من جانب أذنه. "ويلتئم"؛ أي: يَبْرَأ وتعود شَفَتُه المشقوقة كما كانت ليفعلَ به مرةً بعد أخرى. قوله: "انطلِقْ"؛ أي: اذهَبْ. "بفِهْر"، الفِهْر: الحَجَر ملء الكف، ومنهم مَن يُطلقه على أيِّ حَجَر كان. "تَدَهْدَهَ"؛ أي: تردَّى الحَجَر من علو إلى أسفل. "نَقَب": بفتح النون، أي: ثقبة. "خَمَدَتْ"؛ أي: طُفئت. "فصعدَا بي الشجرةَ"؛ أي: دَفَعَاني إلى الشجرة. "الشباب" جمع: شاب. "طوَّفتُماني"، (طوَّف): إذا أدارَ وأجالَ أحدًا. "فتُحمَل عنه"؛ أي: يُنقَل عنه ما يحدِّث به من الكذب حتى ينتشرَ منه ذلك الكذب. "يُشدَخ"؛ أي: يُكسَر. "فنام عنه بالليل"؛ أي: لم يكن يقرؤه بالليل. "الربابة": السَّحَاب. * * *

стр. 2249

مِنَ الحِسَانِ: ٣٥٧٤ - عن أبي رَزيْنٍ العُقَيْلِيِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "رُؤيا المؤمن جُزءٌ مِن سِتةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزءًا مِن النَّبوُّةِ، وهي على رِجْلِ طائرٍ ما لم يُحدَّثْ بها، فإذا حدَّثَ بها وقعَتْ - وأَحْسِبُه قال: - لا يُحدِّثُ إلا حَبيبًا أو لَبيْبًا". وفي رِوَايةٍ: "الرُّؤيا على رِجْلِ طَائرٍ ما لم تُعَبَّرْ، فإذا عُبرت وقعَتْ، - أَحْسِبُه قال: - ولا تَقُصَّها إلَّا على وادٍّ أو ذيْ رَأْيٍ". قوله: "وهي على رِجلِ طائرٍ ما لم يحدث بها": هذا مَثَلٌ؛ يعني: الطائرُ إذا كان يطير في الهواء لا قرارَ له؛ يعني: الرُّؤيا قبلَ التعبير لا يثبت شيءٌ من تعبيرها على الرائي، ولا يلحقه منها ضررٌ، بل تحتمل تلك الرُّؤيا أشياءَ كثيرةً، فإذا عُبرَتْ ثبتَ للرائي حكمُ تعبيرها خيرًا كان أو شرًّا، وهذا تصريحٌ منه ﷺ بأن التعبيرَ لا ينبغي لكل أحد، بل ينبغي لعالِمٍ بالتعبير؛ لأنه إذا عبَّر يلحق الرائي حكمُ تعبيره، فإن كان جاهلًا ربما يُعبر على وجهٍ قبيحٍ، فيلحق مِن تعبيره ضررٌ بالرائي. قوله: "وقعت"؛ أي: وقعت تلك الرُّؤيا على الرائي؛ يعني: يلحقه حكمُها. "لا يحدِّث إلا حبيبًا أو لبيبًا"، (اللبيب): العاقل؛ يعني: إن كان مَن حدَّثته برؤياك حبيبًا لك يعبرها كما يعبر الحبيبُ للحبيب، يعني: يعبرها على وجهٍ حسنٍ، وإن لم يكن مَن حدَّثته بها حبيبًا لك، ولكنه لبيبٌ يعبرها من غاية عقله وعلمه على وجهٍ ينفعك ولا يضرُّك ولا يغمُّك. قوله: "إلا على وادٍّ": هذا اسم فاعل، أصله: وادِد، فأُسكنت الدال الأولى وأُدغمت في الثانية، ومعناها: الحبيب، وأراد بـ (ذي الرأي): العالِم، كذا قاله الزجَّاج. * * *

стр. 2250

٣٥٧٥ - عن عائشةَ ﵂ قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن وَرَقَةَ، فقالَت لهُ خَدِيْجةُ: إنَّه كَانَ صَدَّقَكَ، ولكنْ مَاتَ قبلَ أنْ تظهرَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُرِيتُهُ في المَنامِ وعَلَيْهِ ثيابٌ بيضٌ، ولو كَانَ مِن أهلِ النَّارِ لكانَ عليهِ لِباسٌ غيرُ ذلكَ". قوله: "عن وَرَقَةَ"؛ أي: عن حال وَرَقَةَ بن نَوفل: أنه من أهل النار أم لا؟ "قبل أن تظهرَ"؛ يعني: قبل أن يظهر بالنبوة، وسيأتي بحث ورقة في (باب المبعث). قوله: "عليه ثيابٌ بِيضٌ": هذا الحديثُ تصريحٌ بأن ثياب البيض من لباس أهل الجنة وأهل الخير. * * * ٣٥٧٦ - عن أبي بَكْرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال ذاتَ يَوْمٍ: "مَن رَأَى مِنْكُم رُؤيا؟ " فقال رَجُلٌ: أنا رَأَيْتُ كأنَّ ميْزَانًا نزلَ مِن السَّماءِ، فوُزِنْتَ أَنْتَ وأبو بَكْرٍ فرجَحْتَ أَنْتَ بأبي بَكرٍ، ووُزِنَ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ فرجَحَ أبو بَكْرٍ، ووُزِنَ عُمرُ وعُثْمَانُ فرجَحَ عُمرُ، ثم رُفِعَ الميزانُ، فرأيتُ الكَراهيةَ في وَجْهِ رَسُولِ الله ﷺ . ورُويَ: أنَّ خُزيمةَ بن ثابتٍ رَأَى فيما يَرَى النَّائمُ أنَّه سَجدَ على جَبْهةِ النَّبيِّ ﷺ فأخبرَهُ، فاضطَجَعَ له وقَال: "صَدِّقْ رؤُياكَ"، فسَجدَ على جبهتِهِ. قوله: "فرأيتُ الكراهيةَ في وجه رسول الله ﷺ "، علة ظهور الكراهية في وجه رسول الله ﷺ : أنه علمَ ﷺ أن استقرارَ الإسلام في حياته ﷺ وبعد وفاته إلى زمان عثمان، ثم تظهر الفتن والاختلاف بين أصحابه، ومعنى ترجيح كل واحد من الذين وُزِنُوا: أن مَن رجح في الميزان هو أفضلُ من المرجوح؛ يعني: النبي أفضلُ من أبي بكر، بل من أهل السماء والأرض، ثم بعده أبو بكر أفضلُ من

стр. 2251

عمر، ثم عمرُ أفضلُ من عثمان، وإنما رُفع الميزانُ ولم يُوزَن عثمانُ وعليٌّ ﵃؛ لأن خلافةَ عليٍّ تكون مع افتراق الصحابة فرقتَين: فرقة معه وفرقة مع معاوية، فلا تكون خلافتُه مستقرةً متفقًا عليها. قوله: "صدِّقْ رؤياك": هذا تصريحٌ منه ﷺ بأن مَن رأى رُؤيا يُستحَبُّ أن يعملَ بها في اليقظة إن كانت تلك الرُّؤيا شيئًا فيه طاعةٌ، مثل أن يرى أحدٌ أن يصلِّي أو يصوم، أو يتصدَّق بشيءٍ من ماله، أو يزور صالحًا وما أشبه ذلك، وإنما أمر النبيُّ ﷺ ذلك الرجلَ أن يسجدَ على جبهته ﷺ ؛ لأن السجودَ على جبهته طاعةٌ؛ لأن في هذا السجود تعظيمًا للنبي ﷺ ، كما أن السجودَ نحو الكعبة تعظيمُ الكعبة، وتعظيمُ النبي ﷺ أفضلُ القُرَبِ، وفيه تشريفٌ لذلك الرجل؛ لأنه تشرَّف وتبرَّك بوصول جبهتِه جبهةَ النبي ﵊ والتحيةُ. ° ° °

стр. 2252

٢٣ - كِتَابُ الآدَابِ

стр. 2253

[٢٣] كِتَابُ الآدَابِ (كتاب الآداب) ١ - باب السَّلامِ (باب السلام) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٥٧٨ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "خَلَقَ الله آدمَ على صُورتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، فلمَّا خلقَه قالَ: اذهبْ فَسَلِّمْ على أولئكَ النَّفَرِ، وهم نفرٌ مِن الملائكةِ جُلوسٌ، فاستمِعْ ما يُحيُّونَكَ فإنَّها تحيَّتُكَ وتحيّةُ ذُريَّتِكَ، فذهبَ فقالَ: السَّلامُ عليكم، فقالوا: السلامُ عليكَ ورحمةُ الله"، قَال: فزادُوهُ: "وَرَحْمَةُ الله"، قَال: "فَكُلُّ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ على صُوْرَةِ آدمَ، وطولُهُ سِتُّونَ ذراعًا، فَلَمْ يَزَلْ الخَلْقُ ينقُصُ بعَدَهُ حتَّى الآن". "خلقَ الله آدمَ على صورته"، قال الخطابي: الضمير يعود إلى آدم، يعني: ذُرِّيَّةُ آدمَ، نطفةٌ ثم كان علقةً، وهكذا صارت حالًا بعد حالٍ إلى أن يكمل، ولم يكن خلقُ آدمَ كذلك، بل خُلِقَ أولَ ما خُلِقَ تامَّ الصورةِ طولُه ستون ذراعًا.

стр. 2254

ويحتمل أن يكون المراد من هذا الكلام: أن الله خلقَ آدمَ على صورةِ آدمَ؛ بحيث لا يشبه أحدًا؛ لأنه لم يكن في السماء والأرض في ذلك الوقت إلا الملائكةُ والجنُّ، ولم يشبه آدمُ واحدًا من هؤلاء. "النَّفَر": الجماعة. "جلوس" جمع: جالس. "فإنها تحيتُك وتحيةُ ذُرِّيَّتِك"؛ يعني: فاحفظْ ما سمعتَ منهم واجعَلْه تحيتَك؛ يعني: إذا أتيتَ أحدًا فَقُلْ ما سمعتَ منهم، وهو: السلام عليك، وإذا لقي بعضُ أولادك بعضًا فَلْيَقُلْ أيضًا: السلام عليك، فقولُ الملائكة: السلام عليك، في جواب آدم دليلٌ على جواز جواب التحية مثل التحية؛ يعني: لو قال زيدٌ لعمرٍو: السلام عليك، وقال عمرٌو في جواب زيدٍ: السلام عليك؛ حصل الجواب. "ينقص"؛ أي: ينقص طولُهم. * * * ٣٥٨٠ - وقَال: "لِلْمُؤْمنِ على المُؤْمنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إذَا مَرِضَ، ويَشهدُهُ إِذَا مَاتَ، ويُجيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، ويُسَلِّمُ عليه إذَا لَقِيَه، وَيُشمِّتُه إذَا عَطَسَ، وينصَحُ لَهُ إذَا غابَ أو شَهِدَ". قوله: "ويُشمِّته"؛ أي: يقول له: يرحمُك الله. "وينصح له"؛ أي: ويريد خيرَه، ويرشده إلى الخير. "أو شهدَ"؛ يعني: أو حضرَ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٨١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تدخُلونَ الجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنونَ

стр. 2255

حتَّى تحابُّوا، أَوَلا أدُلُّكُم على شَيءٍ إذا فَعْلتُمُوهُ تحابَبْتُم؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَينَكم". قوله: "ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا": هذا نفي كمال الإيمان، لا نفي أصل الإيمان. (التحابُّ) أصله: التحابب، فحُذفت ضمة الباء الأولى وأُدغمت في الباء الثانية، ومعناه: جريان المحبة بين اثنين أو أكثر. "أَفْشُوا (١) " أصله: أَفْشِيُوا، فأُسكنت الشين ونُقلت ضمة الياء إلى الشين وحُذفت الياء، معناه: أَظهِرُوا. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٥٨٢ - وقال: "يُسلِّم الرَّاكِبُ على المَاشِيْ، والمَاشِي على القَاعِدِ، والقَليلُ على الكَثيرِ". قوله: "يسلِّم الراكبُ على الماشي"؛ يعني: إذا التقى راكبٌ وراجلٌ في الطريق لِيُسلِّمِ الراكبُ على الراجل؛ لأن السلامَ معناه سلامةُ مَن تُسلِّم عليه مِن شرِّك، وكان الشخصان إذا التقيا ربما يخاف كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ، وربما يخاف أحدهما فقط، فَلْيُسلِّمْ غيرُ الخائف على الخائف، والظاهر أن الراكبَ لا يخاف من الراجل، بل الراجلُ يخاف من الراكب، فإذا كان كذلك فَلْيُسلِّمِ الراكبُ على الراجل؛ ليُزيلَ الخوفَ من قلب الراجل، فيحتمل أن يأمر النبي ﷺ الراكبَ بابتداء السلام على الماشي، والماشيَ بابتداء السلام على القاعد؛ لإزالة الخوف. ويحتمل أن يأمرَهما بابتداء السلام للتواضع، فإن تسليمَ الراكبِ على

стр. 2256

الماشي، والماشي على القاعد أقربُ إلى التواضع من العكس. وأما أمرُه ﷺ الجمعَ القليلَ بابتداء السلام على الجمع الكثير فسببه: تعليم الأُمة أن يُعظِّمَ القليلُ الكثيرَ. وسبب بداية التسليم: إما إزالة الخوف، أو التواضع، أو تعظيم الصغيرِ الكبيرَ والقليلِ الكثيرَ. روى هذا الحديثَ والحديثَ الذي بعده أبو هريرة. * * * ٣٥٨٤ - وقال أَنَسٌ: إنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ على غِلْمَانٍ فَسَلَّم عَلَيْهِم. قوله: "إن رسولَ الله ﷺ مرَّ على غلمانٍ، فسلَّم عليهم"، تسليمُه ﷺ عليهم للتواضع. * * * ٣٥٨٥ - وقال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَبدؤوا اليَهُودَ والنَّصَارَى بالسَّلامِ، فإذا لَقِيتُمْ أحدَهُم في طَرِيقٍ فاضطرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ". قوله: "لا تبدؤوا اليهودَ بالسلام"، سبب هذا النهي: أن السلامَ إعزازٌ، ولا يجوز إعزازُ الكفار. "فاضطروه إلى أضيقه"؛ أي: مُرُوه لِيَعدِلْ عن وسط الطريق إلى جانبه، بحيث لو كان في الطريق جدارٌ يلتصق بالجدار في المرور. روى هذا الحديثَ ابن عمرَ. * * * ٣٥٨٦ - وقال: "إذا سلَّم عليْكُم اليَهُودُ فإنَّما يقولُ أَحَدُهُم: السَّامُ عَلَيْكَ، فقُلْ: عَلَيْكَ".

стр. 2257

قوله: "إنما يقول: السَّامُ عليك، فَقُلْ: عليك"، (السام): الموت؛ يعني: تقول اليهودُ عِوَضَ (السلام): السام عليكم، فلا تقولوا: وعليك السامُ، بل قولوا: (عليك) بغير واو، يعني: السام عليك لا عليَّ. روى هذا الحديثَ [ابن عمرَ ﵄]. * * * ٣٥٨٨ - وعن عَائِشةَ ﵂ قالَتْ: اسْتَأذَنَ رَهْطٌ مِنَ اليَهوُدِ على النَّبيِّ ﷺ فقالوا: السَّامُ عَلَيْكُم، فقلتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ واللَّعْنَةُ، فقال: "يا عَائِشَةُ! إنّ الله رَفِيْقٌ يُحبُّ الرِّفقَ في الأَمرِ كُلِّه"، قُلْتُ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ ما قالوا؟ قال: "قَدْ قُلتُ: وعليكم". وفي رواية قال: "مَهْلًا، يا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بالرِّفقِ، وإِياكِ والعُنفَ والفُحْشَ، فإِنَّ الله لا يُحبُّ الفُحْشَ والتَّفحُّشَ". وفي رِوَايَةٍ: "لا تكوني فاحِشَةً"، قالت: أَوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالوا؟ قالَ: "رَدَدتُ عَلَيْهِم فيُستَجَابُ لِي فِيْهِم، ولا يُستَجابُ لَهُمْ فِيَّ". قوله: "إن الله رفيقٌ"؛ أي: رحيم، و (الرفيق): نعت من الرِّفق، وهو ضد العنف. "مهلًا"؛ أي: كُونِي سهلةً غيرَ شديدةٍ، المَهل: السكون والتأنِّي في الأمور. "الفُحش (١) ": الكلام القبيح، "والتفحُّش": التلفُّظ بالفُحش. * * *

стр. 2258

٣٥٨٩ - عن أُسَامةَ بن زيدٍ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بمجلِسٍ فِيْهِ أَخْلَاطٌ مِن المُسْلِمِينَ والمُشرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثَانِ واليَهودِ، فَسَلَّم عليهم. قوله: "أن رسولَ الله ﷺ مرَّ بمجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان [واليهود]، فسلَّم عليهم"، (الأخلاط) جمع: خلط، وهو ما يُخلَط. (عَبَدة الأوثان): بدل (المشركين) أو عطف البيان لهم، فسلَّم النبيُّ ﷺ على المسلمين الحاضرين في ذلك المجلس، لا على المشركين، فيجوز لكل أحدٍ أن يُسلِّمَ على جمعٍ من الكفار إذا كان فيهم مسلمٌ على نية التسليم على المسلم. * * * ٣٥٩٠ - عن أبي سَعِيْدٍ الخُدرِيِّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إيَّاكُم والجُلُوسَ في الطُّرقَاتِ"، فَقَالُوا: يا رسولَ الله! ما لَنا مِنْ مَجَالِسِنا بُدٌ، نَتَحدَّثُ فيها، قالَ: "فإذا أَبَيْتُم إلَّا المَجْلِسَ فأَعطُوا الطَّريْقَ حقَّهُ"، قالوا: وما حَقُّ الطَّرِيْقِ يا رسولَ الله؟ قالَ: "غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأَذَىَ، ورَدُّ السَّلَامِ، والأَمرُ بالمَعْرُوْفِ، والنَّهيُ عن المُنكرِ". ورَوَى أبو هُريْرَةَ ﵁ في هذه القِصَّة: "وإِرْشَادُ السَّبيلِ". ورَوَاهُ عُمَرُ ﵁، وفيه: "وتُغيثْوُا المَلهُوفَ، وتَهدُوا الضَّالَ". قوله: "إياكم والجلوسَ بالطرقات": الباء هنا بمعنى (في)؛ يعني: احذروا عن الجلوس في الطرقات. "ما لنا من مجالسنا بُدٌّ"؛ أي: لا بد لنا من الجلوس في الطرقات. "فإذا أبيتُم إلا المجلسَ"؛ يعني: فإن لم تتركوا الجلوسَ في الطرق. "غضُّ البصر"؛ أي: حفظ البصر عن النظر إلى امرأة تمرُّ بالطريق.

стр. 2259

"وكفُّ الأذى"؛ أي: ومنع إيذاء مَن مرَّ بالطريق. "وفيه"؛ أي: وفي حديث عمرَ: "وتُغيثوا الملهوف"؛ أي تُعِينوا المتحير في أمره؛ يعني: إذا احتاج أحدٌ في الطريق أن تُعينَه فأَعِنْه. * * * مِنَ الحِسَانِ: ٣٥٩٢ - وعن عِمْرَانَ بن حُصيْنٍ ﵁: أنَّ رَجُلًا جَاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم، فردَّ عليه ثُمَّ جَلَسَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "عشْرٌ"، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فقال: السَّلامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ الله، فردَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فقال: "عِشْرُون"، ثُمَّ جاء آخرُ فقال: السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ الله وبَرَكَاتُه، فردَّ عَلَيْه فَجَلَسَ، فَقَال: "ثلاثون". "عشر"؛ أي: ثبت له عشرُ حسنات بكل لفظ؛ يعني: (السلام عليكم) لفظ، و (رحمة الله) لفظ، و (بركاته) لفظ. * * * ٣٥٩٣ - ورُوِيَ عن مُعاذِ بن أَنَسٍ ﵄، عن أبيْهِ، عن النَّبيِّ ﷺ بمعناهُ وزَادَ: ثم أَتَى آخرُ فَقَال: السَّلَامُ عَليْكُم ورَحْمَةُ الله وبَرَكَاتُه ومَغْفِرَتُه، فقال: "أَربعونُ، هكذا تكونُ الفَضائلُ". قوله: "هكذا تكون الفضائل"؛ يعني: يزيد الفضلُ والثوابُ بكل لفظٍ يزيده المسلم. * * * ٣٥٩٤ - عَنْ أَبي أُمَامَة ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أوْلَى النَّاسِ بالله مَنْ بَدَأَ بالسَّلامِ".

стр. 2260

"أَولى الناس"؛ أي: أقربُ الناس. * * * ٣٥٩٥ - عَنْ أَبيْ جُرَيٍّ الهُجَيْمِيِّ ﵁ قَال: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يا رسولَ الله! فقال: "لا تقُلْ عليكَ السَّلامُ؛ فإنَّ عليكَ السَّلامُ، تحيَّةُ الموتى". قوله: "لا تقل: عليك السلام؛ [فإن] عليك السلام تحيةُ الموتى"، وعلَّةُ النهي عن هذا اللفظ: أن هذا اللفظَ جوابُ السلام، فإذا تلفَّظ به المسلم لم يبقَ لفظٌ يجيب به المسلم عليه، بخلاف السلام على الميت؛ فإن الجوابَ مِن الميت لا يصدر حتى يحتاجَ إلى لفظين: لفظٍ يقوله المُسلِّم، ولفظٍ يقوله المُسلِّم عليه. ويحتمل أن تكون علَّةُ النهي: أنك إذا قلت: عليك السلام، لا يحصل أمنُ المُسلَّم عليه بقولك: عليك، حتى تقول: السلام، فينبغي أن تقولَ: السلام عليك؛ حتى يحصل أمنُ المُسلَّم عليه بأول جزء من كلامك؛ لأن الغرضَ من السلام: تحصيلُ الأمن، والإخبارُ بأنه لا محاربةَ ولا إيذاءَ بيننا في هذه الساعة. * * * ٣٥٩٦ - وعَنْ جَرِيرٍ ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ مرَّ على نِسْوةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ. قوله: "أن النبي ﷺ مرَّ على نسوةٍ، فسلَّم عليهنَّ": النسوة والنساء: واحد، هذا مختصٌّ بالنبي ﷺ ، فإنه كان آمنًا من الوقوع في الفتنة، وأما غيره فيُكرَه أن يُسلِّم الرجلُ الأجنبيُّ على المرأة الأجنبية، وكذا العكس؛ كيلا يحصل بينهما معرفةٌ وانبساطٌ، فيحدث من تلك المعرفة فتنةٌ، وكثيرٌ من العلماء لم يكرهوا تسليمَ كلِّ من الرجل والمرأة الأجنبيين على الآخر. * * *

стр. 2261

٣٥٩٧ - وعَنْ عَليِّ بن أبي طَالِبٍ ﵁، رَفَعَه: "يُجزِئُ عن الجَمَاعةِ إذا مرُّوا أنْ يُسلِّم أحَدُهُم، ويُجزئُ عن الجُلوْسِ أنْ يَرُدَّ أَحَدُهم". قوله: "يُجزِئ عن الجماعة إذا مرُّوا أن يُسلِّم أحدُهم"؛ يعني: التسليمُ سُنَّةٌ على الكفاية، وجوابُ التسليمِ فرضٌ على الكفاية، فإذا سلَّم واحدٌ من جماعةٍ فقد أدَّوا سُنَّةَ التسليم، فإذا أجاب واحدٌ من جماعةٍ فقد أدَّوا ما عليهم من فرض جواب التسليم. * * * ٣٥٩٨ - عَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أَبيْهِ عن جَدِّهِ: أنَّ رَسُوَلَ الله ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَن تَشبَّه بِغَيْرِنَا، لا تَشبَّهوا باليَهُودِ ولا بالنَّصَارَى، فإنَّ تسليمَ اليَهُودِ الإِشارةُ بالأَصَابعِ، وتَسْلِيْمَ النَّصَارَى الإشارَةُ بالأكُفِّ"، ضعيف. قوله: "ليس منَّا مَن تشبَّه بغيرنا"؛ يعني: مَن تشبَّه باليهود والنصارى في الإشارة بالكف أو الإصبع عند التسليم. * * * ٣٦٠٢ - ويُرْوَى عَنْ جَابرٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَال: "السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ"، وهذا مُنكر. قوله: "السلامُ قبل الكلامِ"؛ يعني: إذا أتى رجلٌ إلى رجلٍ لِيُسلِّمْ عليه قبلَ أن يتكلَّمَ معه بكلامٍ. * * * ٣٦٠٤ - ورُويَ: أنَّ رَجُلًا قال لِرَسُولِ الله ﷺ : إنَّ أَبي يُقرِئُك السَّلامَ، فَقَالَ: "عَلَيْكَ وعَلَى أَبيْكَ السَّلامُ".

стр. 2262

قوله: "إن أبي يُقرئك السلامَ، فقال: عليكَ وعلى أبيكَ السلامُ". * * * ٣٦٠٥ - عَن ابن العَلَاءِ الحَضْرَميِّ: أنَّ العَلَاءَ الحَضْرَمِيَّ كَانَ عَامِلَ النَّبيِّ ﷺ ، وكان إذا كَتَبَ إِلَيْهِ بَدَأَ بنفْسِهِ. قوله: "بدأ بنفسه"، كان يكتب: هذا من العلاء الحَضْرَمي إلى رسول الله ﷺ ، وهكذا أمرَ النبيُّ ﷺ أن يكتبوا عن لسانه: هذا من محمَّدٍ رسولِ الله إلى عظيم البحرين وغيره من الملوك. * * * ٣٦٠٦ - ورُوِيَ عَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا كَتَبَ أَحَدُكُم كِتابًا فَلْيُتَرِّبْهُ، فإنه أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ"، هذا مُنكَر. قوله: "إذا كتب أحدُكم كتابًا فَلْيُترِّبْه"، قيل: معناه: فَلْيُخاطِبِ الكاتب خطابًا على غاية التواضع، والمراد بالتتريب: المبالغة في التواضع في الخطاب، وقيل: المراد به: ذَرُّ التراب على المكتوب. * * * ٣٦٠٧ - عَنْ زَيْدِ بن ثَابتٍ ﵁ قَال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ، فسَمِعْتُه يَقُولُ: "ضَع القَلَمَ على أُذُنِكَ، فإنه أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي"، ضعيف. قوله: "فإنه أذكرُ للمآل"، (أذكر): أفعل التفضيل، و (المآل): العاقبة؛ يعني: أسرعُ تذكُّرًا فيما يريد إنشاءَه من العبارات والمقاصد. * * * ٣٦٠٨ - عن زيدِ بن ثَابتٍ ﵁ أنَّه قَال: أَمَرني رسولُ الله ﷺ أنْ أَتَعلَّمَ

стр. 2263

السُّرْيانِيَّةَ - ويَرْوَى: - أنَّه أَمَرني أنْ أَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ وقال: "إنَّي ما آمَنُ يَهُودَ على كِتَابٍ"، قال: فَمَا مرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حتَّى تعلَّمْتُ، فَكَان إذا كَتَبَ إلى يَهُوَدَ كَتَبْتُّ، وإذا كَتَبُوا إلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُم". قوله: "ما آمَنْ يهودَ على كتابٍ"؛ يعني: أخافُ إن أمرتُ يهوديًا بأن يكتبَ من لساني كتابًا إلى قومٍ من بني إسرائيلَ أن يكتبَ فيه شيئًا ما قلتُ له، وأخافُ أن يكتبوا إليَّ كتابًا، وأعطيتُه يهوديًا أن يقرأَه على أن يزيدَ فيه أو ينقصَ منه شيئًا. * * * ٣٦٠٩ - عَنْ أَبيْ هُرَيْرةَ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا انْتَهَى أَحَدُكم إلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسلِّمْ، فإنْ بَدا لَهُ أنْ يَجْلِسَ فَلْيجلِسْ، ثُمَّ إذا قَامَ فليُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بأحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ". قوله: "فليستِ الأُولى بأحقَّ من الآخرة"؛ يعني: ليستِ التسليمةُ الأولى باحقَّ من التسليمة الآخرة، بل كلتاهما حقٌّ وسُنَّةٌ. * * * ٣٦١٠ - وقال: "لَا خيرَ في جُلُوسٍ في الطُّرُقَاتِ إلا لِمَن هدَى السَّبيْلَ، وَرَدَّ التَّحيةَ، وغَضَّ البَصَرَ، وأَعَانَ على الحَمُولَةِ". قوله: "على الحُمُولة"، (الحُمُولة) بضم الحاء جمع: حِمْل بكسر الحاء، وهو ما يُحمَل على الظهر. * * *

стр. 2264

٢ - باب الاسْتِئْذَانِ (باب الاستئذان) مِنَ الصِّحَاح: ٣٦١١ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدريَّ ﵁ أنَّه قال: أَتَانَا أبو مُوْسَى، قال: إنَّ عُمَرَ أرْسَلَ إِليَّ أَنْ آتِيَهُ، فأَتيتُ بَابَه، فسَلَّمتُ ثَلاثًا فَلَم يَرُدَّ عليَّ فَرَجعْتُ، فقال: ما مَنَعَكَ أنْ تأْتِيَنا؟ فَقُلتُ: إنَّي أَتيْتُ، فسَلَّمْتُ على بابكَ ثَلَاثًا فلَمْ تَرُدُّوا عَليَّ فَرَجَعْتُ، وقَد قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا اسْتَأذَنَ أَحَدُكُم ثَلَاثًا فلم يُؤذَنْ له فلْيرجِعْ"، فقَالَ عُمرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ البَينَةَ، قال أبو سَعيْدٍ: فقُمتُ مَعَه فَذَهَبْتُ إلى عُمرَ فشهِدْتُ. "أَقِمْ عليه البينةَ"؛ يعني: فَلْيَشهَدْ لك مَن سمع هذا الحديثَ عن رسول الله ﷺ كما سمعتَه. * * * ٣٦١٢ - وقال عبدُ الله بن مَسْعُودٍ ﵁: قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : "إذْنُكَ عليَّ أنْ تَرْفَعَ الحِجَابَ وأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حتى أَنْهَاكَ". قوله: "إذنُك عليَّ أن ترفعَ الحجابَ"؛ يعني: إذا أردتَ الدخولَ عليَّ فلا حاجةَ لك إلى الاستئذان، بل أذنتُ لك أن تدخلَ عليَّ، وأن ترفعَ حجابي وتأتيَ إليَّ. "حتى أنهاك"؛ يعني: إن لم يكن عندي مَن يحتجب منك فلم أَنْهَكَ عن الإتيان، فإن كان عندي مَن يحتجب منك، أو أتكلم كلامًا لا أريدُ أن تسمعَه أنهاك حينَئذٍ عن الدخول عليَّ.

стр. 2265

"السِّرار" هنا: السَّرُّ والكلامُ الخَفِيُّ؛ يعني: أذنتُ لك أن تسمعَ سرَّي إلا أن أنهاك، وهذا دليلٌ على تشريف ابن مسعود وانبساطه إلى رسول الله ﷺ . * * * ٣٦١٣ - وقال جَابرٌ: أتيْتُ النَّبيَّ ﷺ في دَيْنٍ كَانَ عَلى أَبيْ، فدَقَقْتُ البَابَ فقال: "مَنْ ذَا؟ " فقُلْتُ: أَنَا، فَقَال: "أَنَا، أَنَا! " كأنَّه كَرِهَها. قوله: "أنا أنا"؛ يعني: لم يرضَ من جابرٍ التكلُّمُ بهذا اللفظ؛ لأن النبيَّ ﷺ إنما قال: "مَن ذا؟ " ليخبرَ جابرٌ بلفظٍ يحصل للنبي تعريفُه، ولا يحصل التعريفُ بلفظ: أنا؛ لأن هذا اللفظَ مشتركٌ بين جميع المتكلِّمين. ويحتمل أن يكون وجه كراهيته ﷺ هذا اللفظَ من جابر: أن في هذا اللفظ تعظيمًا وتكبُّرًا، فلم يرضَ النبي ﷺ منه التكلمَ بلفظٍ ليس فيه تواضعٌ. * * * ٣٦١٤ - وقَالَ أَبُو هُرْيرَةَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فوجَدَ لَبنًا في قَدحٍ فقالَ: "أَبَا هِرٍّ! الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فادْعُهُم إِليَّ"، فأَتيتُهُم فدَعَوتُهُم فأَقْبَلُوا، فاسْتَأذَنوُا فأُذِنَ لَهُم فَدَخَلُوا. قوله: "فاستأذَنُوا، فأذِنَ لهم"، معنى هذا الحديث مخالفٌ لحديثٍ يأتي بعدَ هذا، وهو قوله ﷺ : "إذا دُعِيَ أحدُكم فجاء مع الرسول، فإن ذلك إذنٌ" هذا الحديثُ صريحٌ بأن المَدعوَّ إذا جاء مع الرسول لا حاجةَ له إلى إذنٍ، بل إرسالُ الرسولِ إذنٌ في الدخول، وحديثُ أهل الصُّفَّة صريحٌ بأنهم استأذنوا. والتوفيق بين الحديثين: أن مجيءَ أهل الصُّفَّة لم يكن مع الداعي، بل أتوه بعدَه، فلهذا احتاجوا إلى الاستئذان. ويحتمل أنه مضى زمانٌ كثيرٌ بين دعائهم وبين إتيانهم، فإذا مضى زمانٌ

стр. 2266

كثيرٌ بين دعائهم وبين إتيانهم فقد بطلَ الإذنُ الأولُ، ويحتاج إلى استئذانٍ آخرَ، وإنما لا يحتاج إلى استئذانٍ آخرَ إذا جاء المَدعوُّ مع الداعي من غير تأخيرٍ؛ ليبقى حكمُ الإذن الأول. * * * مِنَ الحِسَانِ: ٣٦١٥ - قَالَ أَنَسٌ: أتَى رَسُولُ الله ﷺ على سَعْدِ بن عُبَادةَ فَقَال: "السَّلَامُ عَلَيْكُم ورحمَةُ الله"، فَقَال سَعْدٌ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ الله، ولَم يُسْمِع النبيَّ ﷺ ، حتى سَلَّمَ ثَلَاثًا ورَدَّ عليه سَعْدٌ ثَلَاثًا، ولَمْ يُسْمِعْه، فَرَجَعَ النَّبيُّ ﷺ فاتَّبعَهُ سعدٌ. قوله: "أتى رسولُ الله ﷺ على سعدِ بن عُبادةَ، فقال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله": هذا الحديث تصريحٌ بأن الاستئذانَ لِيَكُنْ بالسلام؛ يعني: يقف على جانب من الباب بحيث لا يقع بصرُه على داخل البيت، ويُسلِّم؛ ليسمعَ أهلُ البيت تسليمَه ويَأذَنُوا له. قوله: "ولم يُسمِعِ النبيَّ"، أسمع يُسمع، وهو يستمع، تقول: سمعتُ كلامَ زيدٍ، وأسمعتُ عمر كلامي وكلامَ زيدٍ؛ يعني: لم يَردَّ سعدٌ تسليمَ النبي بحيث يسمع النبيُّ صوتَ سعدٍ، بل ردَّ تسليمَه بصوتٍ خفيَّ؛ ليُسلِّمَ النبيُّ ﷺ مرةً أخرى؛ ليصلَ إلى سعدٍ وإلى بيتِه وأهلِ بيته بركةُ تسليمِ النبي ﷺ ، فلما لم يَسمَعِ النبيُّ ﷺ صوتَ سعدِ في رد السلام رجعَ النبيُّ، وتبعَه سعدٌ واعتذرَ إليه وقال: رددتُ عليك السلامَ في كل مرة، إلا أني لم أُسمِعْك صوتي؛ ليصلَ إلى بيتي بركةُ تسليمك. * * * ٣٦١٦ - وعن كَلَدَة بن حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوانَ بن أُميَّةَ بَعَثَ بِلَبن وجَدَايةٍ

стр. 2267

وضَغَابيسَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، والنَّبيُّ ﷺ بِأَعْلَى الوَادِي، قال: فَدَخَلْت عَلَيهِ ولَمْ أُسَلَّم ولَم أَسْتأْذِنْ، فقالَ النَّبي ﷺ : "ارجِع فقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُم، أَأَدْخلُ؟ ". قوله: "بعث بلَبن وجَدَايةٍ وضَغَابيسَ"، (الجداية): ولد الظبي، (الضغابيس) جمع: ضُغْبُوس، وهو القثَّاء الصغير جدًا. * * * ٣ - باب المُصافحَةِ والمُعانَقَةِ (باب المصافحة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٦٢٠ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁ قال: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حَتَى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: "أَثَمَّ لُكَعُ؟ " - يَعنِيْ حَسَنًا-، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جَاءَ يَسْعَى حتَّى اعتَنَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما صاحِبَه. "جناب فاطمة"؛ يعني: فناء دارها؛ أي: باب دارها. "اللُّكَع" هنا: الصغير. "حتى اعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه"؛ أي: اعتنقَ النبيُّ ﷺ حسنًا، وحسنٌ النبيَّ ﷺ ، وهذا دليلُ كونِ المعانقة سُنَّةً. قال محيي السُّنَّة في "شرح السُّنَّة": قد جاء عن النبي ﷺ : أنه نَهَى عن المعانقة والتقبيل. وجاء: أنه عانَقَ جعفرَ بن أبي طالب وقبَّله عند قدومه من أرض الحبشة، وأمكن من يده حتى قبَّلها، وفعل ذلك أصحابُ النبي ﷺ ، وليس ذلك

стр. 2268

بمختلفٍ، ولكلٍّ وجهٌ عندنا: أما المكروهُ من المعانقة والتقبيل: ما كان على وجه التملُّق والتعظيم في الحضر. فأما المأذون منه: فعند التوديع، وعند القدوم من السفر، وطول العهد بالصاحب، وشدة الحُبِّ في الله. ومَن قبَّلَ فلا يُقبلِ الفمَ، ولكن اليدَ والرأسَ والجبهةَ. وإنما كُرِه ذلك في الحضر فيما يُرى؛ لأنه يَكثُر ولا يَسترحبُه كلُّ أحدٍ، فإنْ فعلَ الرجلُ ببعض الناس دون بعض تأذَّى الذين تركَهم، وظنُّوا أنه قصَّر بحقوقهم. * * * ٣٦٢١ - وقَالَتْ أُمِّ هانِئٍ: ذَهَبْتُ إلى رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الفَتْحِ فقال: "مرْحَبًا بأُمِّ هانِئً". قوله: "مرحبًا بأمِّ هانئ"؛ يعني: التكلُّم بهذه الكلمة سُنَّةٌ، وهي كلمةُ إكرام يريد العربُ بهذا اللفظ إذا قالوه لأحدٍ: إنك جئتَ مَوضعًا رحْبًا؛ أي: واسعًا؛ أي: لا ضيقَ عليك. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٦٢٤ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَالَ رجل: يا رسولَ الله! الرَّجُلُ مِنّا يَلْقَى أَخَاهُ أو صَدِيقَهُ، أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: "لا"، قَالَ: أفَيلْتزَمُه ويُقَبله؟ قَالَ: "لا"، قال: أَفَيَأخُذُ بِيَدِهِ ويُصَافِحُهُ؟ قال: "نعم". قوله: "أَيَنْحَنِي له؟ " أي؛ أيميل رأسَه وظهرَه للخدمة. "فيَلتزِمُه"؛ أي: فيعتنقه؟ فقد نهى ﷺ في هذا الحديث [عن] المعانقة

стр. 2269

والتقبيل، وقد ذكرنا تأويلَه. * * * ٣٦٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: قَدِمَ زَيْدُ بن حَارِثَةَ ﵁ المَدِيْنَةَ ورَسُولُ الله ﷺ في بَيْتي، فأتَاهُ فقَرَعَ البَابَ، فقامَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ عُرْيانًا يَجُرُّ ثَوْبَه، والله مَا رَأَيتُه عُرْيانًا قَبْلَهُ ولا بَعْدَه، فاعتْنَقَه وقبَّلَه. قولها: "فقام إليه رسولُ الله ﷺ عُريانًا": يريد أنه ﷺ كان ساترًا ما بين سُرَّته ورُكبته، ولكن سقط رداؤُه من عاتقه وكان ما فوقَ سُرَّته عُريانًا. * * * ٣٦٢٧ - وسُئِلَ أبَو ذَرٍّ ﵁: هلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَافِحُكُم إذا لَقِيتُمُوهُ؟ قال: مَا لَقِيتُه قَطُّ إِلَاّ صَافَحَني، وبَعَثَ إليَّ ذاتَ يومٍ ولَم أَكُنْ في أَهْلِي، فلمَّا جِئْتُ أُخْبرْتُ، فأتَيْتُه وهُوَ عَلَى سَرِيْرٍ فالتَزَمَني، فكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وأَجْوَدَ. قوله: "فكانت تلك أجودَ وأجودَ"؛ يعني: وكانت تلك أجودَ من المصافحة. * * * ٣٦٢٩ - عَنْ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قال: بَيْنَما هُوَ يُحَدِّثُ القَومَ وكَانَ فيْهِ مُزاحٌ، بَيْنَما يُضْحِكُهم فَطَعَنَهُ النَّبيُّ ﷺ في خَاصِرَتِه بِعُودٍ، فَقَال: أَصْبرْني، فَقَال: "اصْطَبر"، قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ قَمِيْصًا ولَيْسَ عليَّ قَمِيْصٌ، فَرَفَعَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ، فاحْتَضَنَهُ وجَعَلَ يُقَبلُ كَشْحَهُ، قال: إنَّما أرًدتُ هذَا يا رَسُولَ الله!. قوله: "أَصبرْني" بفتح الهمزة وكسر الباء؛ أي: أَعطِني القصاصَ.

стр. 2270

"اصطَبرْ"؛ أي: خُذِ القصاصَ مني. "وجعل"؛ أي: طَفِقَ. "كَشْحَه"؛ أي: جَنْبَه. * * * ٣٦٣٠ - وعن البَيَاضيِّ: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بن أَبي طَالِبٍ فالتَزَمَه وقبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ". قوله: "تَلَقَّى جعفرًا"؛ أي: استقبلَه حين قدومه من السفر. ٣٦٣٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّها قَالَت: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وهَدْيًا ودَلاًّ - وفي رِوَايةٍ - حَدِيْثًا وكَلامًا بِرَسُوْلِ الله ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ، كَانَتْ إذَا دَخَلتْ عَلَيْهِ قَامَ إِليْها فأخَذَ بِيَدها فقبَّلَها وأَجْلَسَها في مَجلِسِه، وكانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْها قَامَتْ إِليْهِ فأَخَذَتْ بِيَدِه فَقَبَّلَتْهَا وأَجْلَسَتْهُ في مجلِسِها. قولها: "سَمْتًا وهَدْيًا ودَلاًّ"، (السَّمْتُ): القَصْدُ؛ أي: في كيفية المَشْي، و (الهديُ): السِّيرةُ والطريقة؛ أي: في أفعاله، (الدَّلُّ): الهيئة؛ أي: في الصورة والقيام والقعود. * * * ٣٦٣٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبيٍّ فَقَبَّلَهُ فَقَال: "أَمَا إنَّهُم مَبْخَلَةٌ مَجْبنةٌ مَخزَنَةٌ، وإنَّهم لَمِنْ رَيْحَانِ الله تَعَالَى". قوله: "أَمَا"؛ أي: أَعْلَم، "إنهم"؛ أي: أن الأولاد "مَبْخَلَةٌ"؛ أي: سببٌ ومحصَّلٌ للبخل. "مَجْبنة"؛ أي: سببٌ ومحصَّلٌ للجبن، وهو ضدُّ الشجاعة؛ يعني: يَجعلُ الولدُ أباه بخيلاً وجبانًا يحفظ المال له، ولا يدخلُ في الحرب كي لا يُقتَلَ

стр. 2271

ويصيرَ ولدُه يتيمًا. "وإنهم لمن رَيْحَان الله"، (الرَّيْحَانُ): الرِّزْقُ، و (الريحانُ) أيضًا: نبتٌ طيبُ الرِّيح؛ يعني: الأولادُ مِن رِزْقِ الله، أو من الطَّيْب الذي طَيَّبَ الله به قلوبَ الآباء. * * * ٤ - باب القِيَام (باب القيام) مِنَ الصَّحَاحِ: ٣٦٣٦ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّه قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ بنو قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سعدٍ بَعَثَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ وكَانَ قَرِيْبًا مَنْهُ، فَجَاءَ على حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنَ المَسْجدِ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ للأنْصَارِ: "قُومُوا إلى سَيدِكُم". "لما نَزَلتْ بنو قُرَيظةَ"؛ يعني: على حُكْمِ سعد، "بعثَ رسولُ الله ﷺ ". (بنو قريظة): كانُوا يهودًا، فحاصرهم النبي ﷺ فنادَوا من القلعة: إنا رَضينا بما يَحْكُمُ علينا سعدُ بن معاذ، وكان سعدٌ نازلاً في موضعٍ قريب من النبي ﷺ ، فأرسلَ إليه النبيُّ، فدعاه ليَحْكَمَ على بني قُرَيظة بما يقتضي اجتهادُه مِن قَتْلِهم وأخذِ الفِداء منهم أو أسرهم، فحكم سعدٌ بَقْتلِ مَنْ كان بالغًا من رجالِهم، وسَبْيِ نِسائِهم وصِبْيانهم. والغَرَضُ من هذا الحديث: أنَّ سعدًا لما جاء قال النبي ﷺ لأصحابه: "قوموا إلى سَيدِكم". قال محيي السنة: القيامُ إلى أحدِ للاحترام غيرُ مكروهٍ بدليلِ هذا الحديث. * * *

стр. 2272

٣٦٣٧ - وعَنْ ابن عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا يُقيْمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مجلِسِه ثُمَّ يَجْلِسُ فِيْهِ، ولَكنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا". قوله: "ولكن تَفَسَّحُوا"؛ يعني: ولكن ليقُلْ: تَفَسَّحُوا؛ أي: ليبعُدْ بعضُ القوم إلى آخر المجلس، وليقرُبْ بعضُهم من بعضٍ ليتفسَّحَ المجلِسُ. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٦٣٩ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: لَم يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِليْهِم مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعلَمُوْن مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ. صحيح. قوله: "لم يقوموا لمَا يعلمون من كراهيته لذلك"؛ أي: للقيام، يقال: كرهتُ شيئًا وكرهْتُه لشيء، وهذا الحديثُ لا يدلُّ على كونِ القيامِ مَكْرُوهًا، بل إنما كَرِهَ النبيُّ ﷺ أن يقوموا إليه للتواضع. * * * ٣٦٤٠ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أنْ يتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ". قوله: "من سَرَّه أن يتَمَثَّلَ له الرجالُ"، التمثيل هنا: أن يقفَ أحدٌ قائمًا على رأسِ أحدٍ، أو بينَ يديه للخدمة؛ يعني: من أحبَّ أن يقومَ على رأسه وبين يديه أحدٌ لتعظيمه فليتبوَّأْ منزِلَه في النار، هذا إذا طلبَ من أحدٍ أن يقومَ بين يديه، أو على رأسه. فأمَّا لو لم يطلبْ ولم يتوقَّعْ أن يقومَ أحدٌ له، ووقفَ أحدٌ من تلقاء نفسه طلبًا للثواب، فلم يكنْ عليه بأس؛ لأن المُغِيرةَ بن شعبةَ قام على رأس النبي ﷺ ،

стр. 2273

وبيده سيفٌ يومَ الحُدَيبية، وكان يَزْجُرُ من يَصْدُرُ عنه سوءُ أدبٍ عند النبيِّ ممن جاء بالرسالة من أهل مكة، حتى كان يضربُ بنعْلِ غِمْد سيفه يدَ كافرٍ يُحَرَّكُ يدَه على وجه النبي ﷺ . روى هذا الحديثَ - أعني حديثَ: "من سره" - معاويةُ. * * * ٣٦٤١ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَكَّئًا عَلَى عَصَاهُ، فقُمْنَا له، فَقَالَ: "لا تَقُومُوا كَمَا تَقُوْمُ الأَعَاجِمُ يُعظَّمُ بَعْضُهُم بعْضًا". قوله: "متوكِّئًا"؛ أي: مُتَّكِئًا مُعْتَمِدًا بعصًا من مرضٍ كان عليه. "يُعَظَّمُ بعضُها بعضًا"؛ يعني: الأَولى والأقربُ إلى التقوى: أن لا يُعَظِّمْ أحدًا لأجل ماله ومنصبه، بل ليُعَظَّمْه لأجل عِلْمِه وصلاحِه، فإذا كان القيامُ والتواضعُ لله فحَسَنٌ، وإذا كان للرياء ولأجل المالِ والمنصِب فهو منهيٌّ. * * * ٣٦٤٢ - عَنْ سَعِيْدِ بن أَبي الحَسَنِ قَالَ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ فِيْ شَهادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِن مجلِسهِ فأَبَى أنْ يَجْلِسَ فَيْهِ وقَالَ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَا، ونَهَى النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ. قوله: "في شهادة"؛ أي: لأداء شهادةٍ كانت عنده لأحد. "عن ذا"؛ أي: عن هذا؛ يعني: عن أن يُقيم أحدٌ أحدًا، ويجلِسَ مجلِسَه. "أن يمسحَ الرجلُ يده بثوبِ مَنْ لم يَكْسُه"؛ يعني: إذا كانتْ يدكَ ملطَّخةً بطعامٍ فلا تمسحْ يدَك بثوبٍ أجنَبيًّ، ولكن بإزارِ غلامِك أو ابنكِ أو غيرِهما ممن أَلْبَسْتَه ثوبَه. * * *

стр. 2274

٣٦٤٣ - عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ أنَّه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا جَلَسَ وجَلَسْنَا حَوْلَه، فَقَامَ فَأَرَادَ الرُّجُوْعَ نَزَعَ نعْلَهُ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُوْنُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ". قوله: "فيعرِفُ ذلك أصحابُه"؛ أي: فيعرِفُون أنه يريد الرجوع، فيَثْبُتُون ولا يتفرَّقُون. * * * ٣٦٤٤ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَمرٍو عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "لا يَحِلُّ لرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْن اثْنَيْنِ إِلاّ بإذْنِهِمَا". قوله: "لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يفرِّقَ بين اثنين"؛ يعني: إذا جلسَ اثنان متقاربين لا يجوزُ لأحدٍ أن يفرَّقَهما ويجلسَ بينهما؛ لأنه قد يكونُ بينهما محبةٌ وجَريان سِرًّ وكلام، فيشقُّ عليهما التفرُّقُ. ٥ - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ (باب الجلوس والنوم والمشي) مِنَ الصَّحَاحِ: ٣٦٤٦ - عَنْ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ بفِنَاءِ الكَعْبَةِ مُحتَبيًا بِيَدِهِ". قوله: "بفناء الكعبة"، (الفِنَاءُ): الموضعُ المُتَّسِعُ المُحَاذِي لباب الدار. "محتبيًا بيدِه"؛ أي: جالسًا بحيث تكون ركبتاه منصوبتين، وبطنا قدميه

стр. 2275

موضوعين على الأرض، ويداه موضوعتين على ساقيه، والمراد بهذا الحديث: أن الاحتباءَ سُنَّةٌ. * * * ٣٦٤٧ - عَنْ عَبَّادِ بن تميمٍ، عَنْ عمَّهِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ في المَسْجِدِ، مُسْتَلْقِيًا واضعًا إحْدَى قَدَمَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. قوله: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المسجدِ مستلقِيًا واضعًا إحدى قدميه على الأخرى". (الاستلقاءُ): الاضطجاعُ على الظهر، هذا الحديثُ تصريحٌ بأن الاستلقاءَ ووضْعَ أحدِ الرجلين على الأخرى قد يكونُ على نوعين: أحدُهما: أن تكون رجلاه ممدودتين أحدها فوق الأخرى، ولا بأس بهذا، فإنه لا ينكشِفُ شيءٌ من العورة بهذه الهيئة. والنوع الثاني: أن يَنْصِبَ ركبةَ إحدى الرِّجْلَين ويضعَ الرِّجْلَ الأخرى على الركبة المنصوبة، وهذا النوعُ جائزٌ في بعض الصور، ومنهيٌّ في بعضها، أما الذي هو جائزٌ، فأن يَأْمَنَ من انكشاف العَوْرَة بأن يكونَ عليه سراويلُ، ويكونُ إزارُه أو ذيلُه طويلين، وأما المنهيُّ فهو فيما إذا انكشفت عورتُه بقِصَرِ إزاره أو ذيلِه وعَدَمِ السراويل. * * * ٣٦٥٠ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِيْ بُرْدَيْنِ وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، خُسِفَ بِهِ الأَرْضُ، فَهُوَ يتجَلْجَلُ فِيْها إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". قوله: "خُسِفَ به الأرض"، (به) جارٌّ ومجرورٌ أقيم مُقامَ الفاعل، و (الأرض) منصوبة.

стр. 2276

قوله: "يتجَلْجَلُ"؛ أي: ينزِلُ ويتحرَّكُ، وسببُ خَسْفِه تبختُرُه وإعجابهُ بنفسه، وإعجابُ النَّفْس عن أن يَرى الرجلُ نفسَه شريفةً خيرًا من غيره. مِنَ الحِسَانِ: ٣٦٥١ - عَنْ جَابرٍ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ. قوله: "رأيت النبي ﷺ مُتَّكِئًا على وسادةٍ على يساره"، والمرادُ بهذا الحديث: أن الاتكاءَ على الوسادة سُنَّةٌ، ووضعَ الوِسادةِ على الجانبِ الأيسرِ أيضًا سُنَّةٌ. * * * ٣٦٥٣ - وعَنْ قَيْلَةَ بنتِ مَخْرَمَة: أَنَّها رَأَتْ رَسُولَ الله ﷺ في المَسْجِدِ وهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، قَالَت: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ المتَخَشِّعَ أُرْعِدتُ مِنَ الفَرَقِ. قولها: "وهو قاعدٌ القُرْفُصَاءَ (١) "؛ أي: وهو جالسٌ جلوسًا قُرْفُصَاءَ. (القُرْفُصَاء): مِثْلُ الاحْتِباء، وقد ذُكِرَ قُبَيلَ هذا. "المُتَخَشِّعُ": المتواضع. "أُرْعِدْتُ"؛ أي: حَرَّكْتُ أعضائي "من الفَرَقِ"، وهو الخوف. * * *

стр. 2277

٣٦٥٤ - وعَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ، تَرَبَّع في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ. قوله: "تَرَبَّعَ"؛ أي: جلسَ مترِّبعًا، وهو أن يَقْعُدَ الرجلُ على وَرِكَيْه، ويَمُدَّ ركبتَه اليمنى إلى جانب يمينه، وقدمَه اليمنى إلى جانب يسارهِ، وركبتُه اليسرى يمدُّها إلى جانبِ يساره، وقدمُه اليسرى إلى جانب يمينه. قولها: "حسناءَ (١) ": وهو نعتُ مؤَّنثٍ، مُذَكَّرُها: أَحْسَن، وحسناء: منصوبةٌ على أنها حالٌ من الشمس؛ أي: حتى ترتفعَ الشمسُ كاملةً، والمراد بهذا الحديث: أن التربُّعَ في الجلوس سُنَّةٌ. * * * ٣٦٥٥ - عَنْ أَبيْ قَتَادَةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَع عَلَى شِقِّهِ الأَيْمن، وإذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِراعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ. قوله: "عَرَّسَ (٢) "؛ - بتشديد الراء -: إذا نزلَ في آخر الليل للاستراحة. والمرادُ بهذا الحديثِ: أنه ﷺ إذا نزل قبلَ الصبح بزمانٍ كثيرٍ اضطجعَ على جنبه الأيمن، ووضعَ رأسَه على وسادةٍ أو غيرِها لينامَ، وإن نزلَ قبلَ الصبحِ بزمانٍ قليلٍ وَضَعَ رأسَه على كَفِّه كي لا ينامَ نومًا طويلًا؛ لأنه لو نام نومًا طويلًا؛

стр. 2278

لفاتَ عنه صلاةُ الصبح. * * * ٣٦٥٦ - عَنْ بَعْضِ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّه قَالَ: كَانَ فِرَاشُ رَسُوْلِ الله ﷺ نَحْوًا مِمَّا يُوضَعُ في قَبْرِهِ، وكَانَ المَسْجِدُ عِنْدَ رَأْسِهِ. قوله: "كان فراشُ رسولِ الله ﷺ نحوًا مما وضع في قبره وكان المسجد عند رأسه (١) ". * * * ٣٦٥٨ - وعَنْ يَعِيْشَ بن طِخْفَةَ بن قَيسٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ أَبيْهِ، وكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ مِنَ السَّحَر عَلَى بَطْنِي إذَا رَجُلٌ يُحرِّكُنِيْ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: "إنَّ هذِهِ ضجْعَةٌ يُبغِضُها الله"، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ رَسُوْلُ الله ﷺ . قوله: "بينما أنا مضطجع من السَّحْر على بطني ... " إلى آخره. (السَّحْرُ): وَجَعُ الرَّئَة، ووجهُ النَّهْيِ عن الاضطجاع على البطن: أنَّ الاضطجاعَ على البطن مُضرٌّ في الطب، ووضع الصَّدْرِ والوجْهِ اللَّذان هما أشرفُ الأعضاءِ على الأرضِ إذلالٌ في غير السجود. * * * ٣٦٥٩ - عَنْ عَلِيِّ بن شَيْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَابٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ".

стр. 2279

قوله: "من باتَ على ظهر بيتٍ ليسَ عليه حِجًا فقد بَرِئَت منه الذِّمَّةُ"، رُوِيَ: (الحجا) بكسر الحاء وبفتحها، ومعناهما: الحِجَابُ، فالحِجا - بالكسر - هو العقلُ، سُمِّيَ الحجابُ حِجًا لأنه يمنَعُ الرجلَ عن الهلاك بسقوطه عن السَّطْح، كما أنَّ العَقْلَ يمنعُ الرجلَ عن الوقوع في الهلاك. و (الحَجا) - بالفتح -: الناحية، سُمَّيَ حَجًا - بفتح الحاء - لأنه ضَرَبَ في ناحية؛ يعني: من نام على سطحٍ ليس له حِجَابٌ؛ أي: ليس على حَوْلهِ جدار (فقد بَرِئَتْ منه الذَّمَّة)؛ أي: فقد خالفَ أمرَنا؛ لأنه يُهلِكُ نفسَه بوقوعه عن السطح، ومن خالفَ أمرَنا وقعتْ بيننا وبينه الذَّمَّة؛ أي: لم يبقَ بيننا وبينه عهدٌ، وهذا تهديد، كراهيةَ اضطجاع الرجل في موضعٍ مَخُوف، والدخولِ في موضعٍ مخوفٍ مُهْلِك. * * * ٣٦٦٠ - عَنْ جَابَرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُوْلُ الله ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمْحجُوْبٍ عَلَيْهِ. قوله: "ليس بمحجورٍ عليه"، (الحَجْرُ): المنعُ؛ يعني: ليس حولَه جِدارٌ. * * * ٣٦٦٣ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُوْلُ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ جُلوْسٌ فقال: "مَا لِيْ أَرَاكُم عِزِيْنَ؟ ". قوله: "ما لي أَرَاكم عِزِينَ": (عِزين): جمع عِزَة - بتخفيف الزاي - وهي الجماعة؛ يعني: لمَ جلستم متفرَّقين، وهلَاّ جلسْتُم متحلِّقين؛ يعني: اجلِسُوا في الحَلْقة أو في الصَّفَّ، وإنما أَمَرَهم بأن يجلسِوا بالحَلْقة والصفَّ كي لا يُدْبرَ بعضُهم بعضًا. * * *

стр. 2280

٣٦٦٥ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في الفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ، فَصَارَ بَعْضُهُ في الشَّمْسِ فَلْيَقُمُ، فإِنَّه مَجْلِسُ الشَّيطَانِ"، ويُروَى مَرْفُوعًا. قوله: "إذا كان أحدُكم في الفيء، فقلص عنه"، (الفيءُ): الظِّلُّ، (قَلَصَ)؛ أي: ذهبَ الظَّلُّ عنه، فبقيَ بعضُه في الشمس وبعضُه في الفيء. "فلَيقُمْ" من ذلك الموضع، فإنه مُضرٌّ في الطب. "فإنه مجلس الشيطان"؛ أي: فإن ذلك المجلسَ مجلسٌ يأمرُ الشيطان الرجلَ بالجلوسِ فيه؛ ليخالِفَ السُّنَّةَ. * * * ٣٦٦٦ - وعَنْ عليًّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إذَا مَشَىَ تَكَفَّأَ تكَفُّؤًا كَأَنَّما يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ. ويُرْوَى: كَانَ إذَا مَشَى تَقَلَّعَ. قوله: "إذا مشى تَكَفّأَ"، (تَكَفَّأَ) في المشي: إذا رفعَ رِجْلَه من الأرض ثم وَضَعها؛ يعني: كان رسول الله ﷺ يرفَعُ قدمَه من الأرض عند المشي، ولا يمسَحُ قدمَه على الأرضِ كمن يمشي عن التبختر والاختيال. "ينحطُّ"؛ أي: ينزِلُ "من صَبَبٍ"؛ أي: من موضع منخفِض؛ يعني: كما أنَّ من ينزِلُ من عُلُوًّ إلى سُفْلٍ يرفَعُ رِجْلَه عن قوة وجلادة، فكذلك النبيُّ يمشي على الأرض المستوية. * * * ٣٦٦٧ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِيْ مَشْيهِ مِنْ رَسُوْلِ الله ﷺ ، كَأنَّما الأَرْضُ تُطْوَى لَهْ، إنَّا لَنُجْهِدُ أنفُسَنَا وَإنَّه لَغيْرَ مُكْتَرِثٍ.
следующие страницы →