← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قوله: "يتجَلْجَلُ"؛ أي: ينزِلُ ويتحرَّكُ، وسببُ خَسْفِه تبختُرُه وإعجابهُ بنفسه، وإعجابُ النَّفْس عن أن يَرى الرجلُ نفسَه شريفةً خيرًا من غيره. مِنَ الحِسَانِ: ٣٦٥١ - عَنْ جَابرٍ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ. قوله: "رأيت النبي ﷺ مُتَّكِئًا على وسادةٍ على يساره"، والمرادُ بهذا الحديث: أن الاتكاءَ على الوسادة سُنَّةٌ، ووضعَ الوِسادةِ على الجانبِ الأيسرِ أيضًا سُنَّةٌ. * * * ٣٦٥٣ - وعَنْ قَيْلَةَ بنتِ مَخْرَمَة: أَنَّها رَأَتْ رَسُولَ الله ﷺ في المَسْجِدِ وهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، قَالَت: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ المتَخَشِّعَ أُرْعِدتُ مِنَ الفَرَقِ. قولها: "وهو قاعدٌ القُرْفُصَاءَ (١) "؛ أي: وهو جالسٌ جلوسًا قُرْفُصَاءَ. (القُرْفُصَاء): مِثْلُ الاحْتِباء، وقد ذُكِرَ قُبَيلَ هذا. "المُتَخَشِّعُ": المتواضع. "أُرْعِدْتُ"؛ أي: حَرَّكْتُ أعضائي "من الفَرَقِ"، وهو الخوف. * * *

стр. 2277

٣٦٥٤ - وعَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ، تَرَبَّع في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ. قوله: "تَرَبَّعَ"؛ أي: جلسَ مترِّبعًا، وهو أن يَقْعُدَ الرجلُ على وَرِكَيْه، ويَمُدَّ ركبتَه اليمنى إلى جانب يمينه، وقدمَه اليمنى إلى جانب يسارهِ، وركبتُه اليسرى يمدُّها إلى جانبِ يساره، وقدمُه اليسرى إلى جانب يمينه. قولها: "حسناءَ (١) ": وهو نعتُ مؤَّنثٍ، مُذَكَّرُها: أَحْسَن، وحسناء: منصوبةٌ على أنها حالٌ من الشمس؛ أي: حتى ترتفعَ الشمسُ كاملةً، والمراد بهذا الحديث: أن التربُّعَ في الجلوس سُنَّةٌ. * * * ٣٦٥٥ - عَنْ أَبيْ قَتَادَةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَع عَلَى شِقِّهِ الأَيْمن، وإذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِراعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ. قوله: "عَرَّسَ (٢) "؛ - بتشديد الراء -: إذا نزلَ في آخر الليل للاستراحة. والمرادُ بهذا الحديثِ: أنه ﷺ إذا نزل قبلَ الصبح بزمانٍ كثيرٍ اضطجعَ على جنبه الأيمن، ووضعَ رأسَه على وسادةٍ أو غيرِها لينامَ، وإن نزلَ قبلَ الصبحِ بزمانٍ قليلٍ وَضَعَ رأسَه على كَفِّه كي لا ينامَ نومًا طويلًا؛ لأنه لو نام نومًا طويلًا؛

стр. 2278

لفاتَ عنه صلاةُ الصبح. * * * ٣٦٥٦ - عَنْ بَعْضِ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّه قَالَ: كَانَ فِرَاشُ رَسُوْلِ الله ﷺ نَحْوًا مِمَّا يُوضَعُ في قَبْرِهِ، وكَانَ المَسْجِدُ عِنْدَ رَأْسِهِ. قوله: "كان فراشُ رسولِ الله ﷺ نحوًا مما وضع في قبره وكان المسجد عند رأسه (١) ". * * * ٣٦٥٨ - وعَنْ يَعِيْشَ بن طِخْفَةَ بن قَيسٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ أَبيْهِ، وكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ مِنَ السَّحَر عَلَى بَطْنِي إذَا رَجُلٌ يُحرِّكُنِيْ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: "إنَّ هذِهِ ضجْعَةٌ يُبغِضُها الله"، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ رَسُوْلُ الله ﷺ . قوله: "بينما أنا مضطجع من السَّحْر على بطني ... " إلى آخره. (السَّحْرُ): وَجَعُ الرَّئَة، ووجهُ النَّهْيِ عن الاضطجاع على البطن: أنَّ الاضطجاعَ على البطن مُضرٌّ في الطب، ووضع الصَّدْرِ والوجْهِ اللَّذان هما أشرفُ الأعضاءِ على الأرضِ إذلالٌ في غير السجود. * * * ٣٦٥٩ - عَنْ عَلِيِّ بن شَيْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَابٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ".

стр. 2279

قوله: "من باتَ على ظهر بيتٍ ليسَ عليه حِجًا فقد بَرِئَت منه الذِّمَّةُ"، رُوِيَ: (الحجا) بكسر الحاء وبفتحها، ومعناهما: الحِجَابُ، فالحِجا - بالكسر - هو العقلُ، سُمِّيَ الحجابُ حِجًا لأنه يمنَعُ الرجلَ عن الهلاك بسقوطه عن السَّطْح، كما أنَّ العَقْلَ يمنعُ الرجلَ عن الوقوع في الهلاك. و (الحَجا) - بالفتح -: الناحية، سُمَّيَ حَجًا - بفتح الحاء - لأنه ضَرَبَ في ناحية؛ يعني: من نام على سطحٍ ليس له حِجَابٌ؛ أي: ليس على حَوْلهِ جدار (فقد بَرِئَتْ منه الذَّمَّة)؛ أي: فقد خالفَ أمرَنا؛ لأنه يُهلِكُ نفسَه بوقوعه عن السطح، ومن خالفَ أمرَنا وقعتْ بيننا وبينه الذَّمَّة؛ أي: لم يبقَ بيننا وبينه عهدٌ، وهذا تهديد، كراهيةَ اضطجاع الرجل في موضعٍ مَخُوف، والدخولِ في موضعٍ مخوفٍ مُهْلِك. * * * ٣٦٦٠ - عَنْ جَابَرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُوْلُ الله ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمْحجُوْبٍ عَلَيْهِ. قوله: "ليس بمحجورٍ عليه"، (الحَجْرُ): المنعُ؛ يعني: ليس حولَه جِدارٌ. * * * ٣٦٦٣ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُوْلُ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ جُلوْسٌ فقال: "مَا لِيْ أَرَاكُم عِزِيْنَ؟ ". قوله: "ما لي أَرَاكم عِزِينَ": (عِزين): جمع عِزَة - بتخفيف الزاي - وهي الجماعة؛ يعني: لمَ جلستم متفرَّقين، وهلَاّ جلسْتُم متحلِّقين؛ يعني: اجلِسُوا في الحَلْقة أو في الصَّفَّ، وإنما أَمَرَهم بأن يجلسِوا بالحَلْقة والصفَّ كي لا يُدْبرَ بعضُهم بعضًا. * * *

стр. 2280

٣٦٦٥ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في الفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ، فَصَارَ بَعْضُهُ في الشَّمْسِ فَلْيَقُمُ، فإِنَّه مَجْلِسُ الشَّيطَانِ"، ويُروَى مَرْفُوعًا. قوله: "إذا كان أحدُكم في الفيء، فقلص عنه"، (الفيءُ): الظِّلُّ، (قَلَصَ)؛ أي: ذهبَ الظَّلُّ عنه، فبقيَ بعضُه في الشمس وبعضُه في الفيء. "فلَيقُمْ" من ذلك الموضع، فإنه مُضرٌّ في الطب. "فإنه مجلس الشيطان"؛ أي: فإن ذلك المجلسَ مجلسٌ يأمرُ الشيطان الرجلَ بالجلوسِ فيه؛ ليخالِفَ السُّنَّةَ. * * * ٣٦٦٦ - وعَنْ عليًّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إذَا مَشَىَ تَكَفَّأَ تكَفُّؤًا كَأَنَّما يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ. ويُرْوَى: كَانَ إذَا مَشَى تَقَلَّعَ. قوله: "إذا مشى تَكَفّأَ"، (تَكَفَّأَ) في المشي: إذا رفعَ رِجْلَه من الأرض ثم وَضَعها؛ يعني: كان رسول الله ﷺ يرفَعُ قدمَه من الأرض عند المشي، ولا يمسَحُ قدمَه على الأرضِ كمن يمشي عن التبختر والاختيال. "ينحطُّ"؛ أي: ينزِلُ "من صَبَبٍ"؛ أي: من موضع منخفِض؛ يعني: كما أنَّ من ينزِلُ من عُلُوًّ إلى سُفْلٍ يرفَعُ رِجْلَه عن قوة وجلادة، فكذلك النبيُّ يمشي على الأرض المستوية. * * * ٣٦٦٧ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِيْ مَشْيهِ مِنْ رَسُوْلِ الله ﷺ ، كَأنَّما الأَرْضُ تُطْوَى لَهْ، إنَّا لَنُجْهِدُ أنفُسَنَا وَإنَّه لَغيْرَ مُكْتَرِثٍ.

стр. 2281

قوله: "إنا لنُجْهِدُ أنفُسَنَا، وإنه لغيرُ مُكْتَرِثٍ"، جَهدَ وأَجْهَد: إذا آذى أحدًا. (غيرُ مُكْترِثٍ)؛ أي: غيرُ مُجْهَدٍ؛ يعني: إنا إذا مَشَينا مع رسول الله ﷺ نُؤذِي أنفسَنا بكثرةِ السرعةِ في المَشْيِ، ورسولُ الله غير مُسْرِعٍ ولا نَلْحَقُه. * * * ٣٦٦٨ - عَنْ أَبيْ أُسَيْدٍ الأَنْصَارِي ﵁: أَنَّه سَمِعَ رَسُوَلَ الله ﷺ يَقُوْلُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسجِدِ، فاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النَّساءِ في الطَّرِيْقِ، فَقَالَ للنساءِ: "اسْتَأْخِرْنَ، فإنَّه لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحقُقْنَ الطَرِيْقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّريقِ"، فَكَانَتْ المَرْأةُ تَلْصَقُ بالجدارِ حَتَّى إنَّ ثَوْبَها لَيعْلَقُ بالجِدَارِ. قوله: "استَأْخِرْنَ"؛ أي: ابعدْنَ من وسطِ الطريق إلى جانبِ الطريق. "أن تَحْقُقْنَ" - بسكون الحاء وضم القاف الأولى -؛ يعني: أن تَدْخُلْنَ وتَذْهَبن في وَسَطِ الطريق. "الحافات"؛ جمعُ حافة، وهي الجانِبُ. * * * ٦ - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ (باب العطاس والتثاؤب) مِنَ الصَّحَاحِ: ٣٦٧١ - عَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ ويَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُم وَحَمِدَ الله كَانَ حَقًا علَى كُلِّ مُسلْمٍ سَمِعَه أَنْ

стр. 2282

يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِن الشَّيطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فإنَّ أحَدَكُم إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيطَانُ". وفي رِوَايةٍ: "فَإنَّ أَحَدَكُمْ إِذا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيطانُ". قوله: "إن الله يحبُّ العُطَاسَ ويَكْرَهُ التثاؤُبَ". قال الخطابي: معنى حُبَّ العطاسِ وحَمْدِه، وكراهيةِ التثاؤبِ وذمه: أنَّ العُطَاسَ إنما يكونُ مع انفتاحِ المَسَامِّ، وخِفَّةِ البدن، وتيسُّرِ الحركات، وسببُ هذه الأمور: تخفيفُ الغِذاء، والإقلالُ من المَطْعَم. والتثاؤُبُ: إنما يكونُ مع ثِقَلِ البَدَنِ وامتلائه، وعند استرخاءِ النوم، وميلهِ إلى الكَسَل، فصارَ العُطَاسُ محمودًا؛ لأنه يُعِينُ على الطاعات، والتثاؤُب مذمومٌ؛ لأنه منع من الخيرات. قوله: "إذا قال: بها ضحك الشيطان"؛ يعني: إذا انفتَح فمُه، وخَرَجَ منه صوتٌ من التثاؤب ضَحِكَ الشيطان؛ لأن التثاؤبَ يكونُ من الغفلة وغلبةِ النوم، والتكامل وامتلاءِ المَعِدَة، وكلُّ ذلك مما يَفْرَحُ الشيطانُ به من الإنسان. * * * ٣٦٧٢ - وقال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ، وليقُلْ لَهُ أَخُوْهُ أَوْ صَاحِبُه: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَليَقُلْ: يَهْدِيْكُم الله وَيُصْلِحُ بالَكَم". قوله: "فليقل: يهديكم الله، ويُصْلِحُ بالكم"؛ يعني: فليقل العاطِسُ في جواب من قال له: يرحمك الله: يهديكم الله ويُصْلِحُ بالَكم. (البال)؛ الحال إن كان القائلون جماعة فليقل لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم بلفظ الجمع، وإن كان واحدًا فليقلْ بلفظ الواحد، وإن كانا اثنين

стр. 2283

فليقلْ بلفظ التثنية. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٦٧٥ - عَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَع ﵁: أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ وعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَه فَقَالَ لَهُ: "يَرْحَمُكَ الله"، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ: "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ". ويُروَى أَنَّه قَالَ في الثَّالِثة: "إنَّه مَزْكُومُ". قوله: "مزكوم"؛ أي: أصابه زكام؛ يعني: قولوا للعاطس: يرحمك الله إذا حمدَ الله إلى ثلاثِ مِرارٍ، فإن عطسَ بعد ذلك إن شئتم فشمِّتوه، وإن شئتم فلا تشمِّتوه، والتشميت - بالشين والسين - أن تقول للعاطس: يرحمُك الله، إن حمدَ الله. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٦٧٧ - عَنْ أَبي هُريْرَة ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدهِ، أَوْ بثوبهِ، وغَضَّ بِها صَوْتَه. صحيح. قوله: "وغضَّ بها صوتَه"، (غَضَّ)؛ أي: نَقَصَ، (بها)؛ أي: بيده؛ يعني: وضع يدَه على فمه، كي لا يرتفعَ صوتُه، و"غَطَّى"؛ أي: سترَ وجهَه بثوبه كي لا يترشَّشَ مِن لعابهِ أو مُخَاطِه إلى أحد. * * * ٣٦٨٠ - عَنْ هِلَالِ بن يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بن عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ

стр. 2284

مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم، فقَالَ سَالِمٌ: عَلَيْكَ وعَلَى أُمِّكَ، فَكَأنَّ الرَّجُلَ وَجَدَ في نفْسِه، فَقَالَ: أَمَا إنِّي لَمْ أقلْ إلَاّ مَا قَالَ النَّبيَّ ﷺ ، عَطَسَ رَجُلٌ عِنَدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَال: السَّلامُ عَلَيْكُم، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "عَلَيْكَ وعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فليَقُل: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، ولْيَقُلْ لَهُ مَن يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرحَمُكَ الله، وليَقُلْ: يَغْفِرُ الله لِيْ ولَكُم". قوله: "السلام عليكم"؛ يعني: ظنَّ العاطسُ أنه يجوزُ أن يقول: (السلام عليكم) بدل: (الحمد لله). "فكأنَّ الرجل وَجَدَ في نفسه"؛ يعني: وجد في نفسه استخجالاً أو حُزْنًا أو غضبًا لمَّا قالَ له: السلام عليك وعلى أمك، إنما قال له هذا الكلام زَجْرًا له على تَرْك قول: الحمد لله. * * * ٧ - باب الضَّحِكِ (باب الضحك) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٦٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبيِّ ﷺ مُسْتَجمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَواتِه، إنَّما كَانَ يَتَبسَّمُ. قولها: "ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا". * * * ٣٦٨٥ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ أنُّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يَقُومُ مِنْ

стр. 2285

مُصَلَاّهُ الذِي يَصلِّي فيْهِ الصُّبحَ حَتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، فإِذَا طَلعَتِ الشَّمسُ قَامَ، وكَانُوا يتحدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ في أمرِ الجَاهِلِيَّةِ فيضحَكُونَ ويتبسَّمُ. ويروى: يتَنَاشَدُوْنَ الشِّعرَ. قوله: "يَتَنَاشَدُون"؛ أي: يقرؤون الشعر، هذا يدلُّ على جوازِ قراءةِ الشعرِ إذا لم يكنْ فيه من المناهي شيءٌ. * * * ٨ - باب الأَسَامِي (باب الأسامي) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٦٨٧ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ في السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا القَاسِمِ! فالْتفَتَ إِلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ ، فَقَال: إنَّمَا دَعَوْتُ هذَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "سَمُّوْا بِاسمي، ولا تَكَنَّوْا بِكُنَيتي". اعلم أن الأحاديثَ قد وردت في النهي عن أن يسمِّيَ أحدٌ ولدًا باسم النبي ﷺ ، ويكنِّيه بكنية النبي ﷺ ، وكنيته ﷺ : أبو القاسم. قال الشافعي: لا يجوزُ لأحدٍ أن يكني ابنه أبا القاسم سواءٌ كان اسمُ ذلك الابن محمدًا، أو غيرَ محمدٍ، وسواءٌ كان في زمن النبي أو بعده. وقال مالك: لا يجوزُ في زمن النبي ﷺ ، ويجوزُ بعدَه الجمعُ بين كُنية النبي واسمه. وقال بعضُ العلماء: لا يجوزُ الجمعُ بين كنيته ﷺ وبين اسمه، ويجوزُ أن يكنِّيَ بكنيته، ولا يسمِّيَ باسمه، وأن يسمِّيَ باسمه ولا يكنِّيَ بكنيته، سواءٌ في

стр. 2286

زمن النبي ﷺ أو بعدَه، ولكلِّ واحدٍ من القائلين دليلٌ من الحديث على ما قال. * * * ٣٦٨٨ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "سَمُّوْا باسْمِي، ولا تَكَتَنُوا بكُنيَتي، فإنَّي إنما جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُم". قوله: "إنما جُعِلْتُ قاسمًا أَقْسِمُ بينكم"؛ يعني: إنما كُنَّيتُ بأبي القاسم؛ لأني أَقْسِمُ بينكم الدِّينَ وأحكامَ الشَّرْع؛ أي: أُبَينُ لكم أحكامَ الشرع، فليس هذه الصفة لكم ولا لأحد بعدَكم، فإذا لم تكنْ هذه الصفةُ لأحدٍ منكم ولا ممَّن بعدَكم، فلا يجوزُ له أن يُكَنَّى بأبي القاسم. * * * ٣٦٩٠ - وقَالَ: "لا تُسَمَّيَنَّ غلَامَكَ يَسَارًا، ولَا رَباحًا، ولَا نجِيْحًا، ولَا أَفْلحَ، فَإِنَّكَ تقولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لا". وفي رِوَايَةٍ: "لَا تُسَمَّ غُلامَك رَبَاحًا، ولَا يَسَارًا، ولَا أفلحَ، ولَا نَافِعًا". قوله: "لا تُسَمِّين غلامَك يَسارًا، ولا رَبَاحًا"؛ يعني: لا تسمِّينَّ غلامَك باسمٍ من هذه الأسماء؛ لأنه لو قال أحدًا في البيت: (يسار) ولم يكنْ (يسارٌ) في البيت يقول في جوابه: لا؛ يعني: ليس في البيت، فقد نفيتَ اليُسْر، أو اليسار الذي هو الغنى، وسعة الحال عن بيتك، ولم يَحْسُنْ هذا التفاؤل، ولذلك ما أشبهَ هذه الأسماء، وعلى هذا القياس تسميةُ الأبناء والبنات. وينبغي أن يسمِّيَ الرجلُ أولادهَ وغلمانَه باسم لا يضرُّ في التفاؤل وجودُه في البيت وعدمُه، مثل: زيد، وعمرو، وعبد الله، وعبد الرحمن، وجعفر، وغير ذلك.

стр. 2287

(النَّجيح): فعيل، يجوزُ أن يكون بمعنى الفاعل من (نجح) إذا انقضت حاجتُه، أو من أنجح إذا قضى الحاجةَ، ويجوزُ أن يكون بمعنى مُفْعَل - بضم الميم وفتح العين - مِن (أَنْجَحَ) أيضًا. * * * ٣٦٩٢ - وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسمَّى: مَلِكَ الأَملَاكِ". قوله: "أخنى الأسماء"؛ يعني: أفحَشُ الأسماء. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٦٩٣ - وقَالَ: "أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ كَانَ يُسمَّى: مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إلَّا الله". قوله: "أغيظُ رجل"، هذا (أفعل) التفضيل من الغيظ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٦٩٥ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ جُوَيرِيَةُ اسْمُهَا: بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُوْلُ الله ﷺ اسْمَهَا: جُوَيرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ. عن ابن عباس قوله: "من عند برة"، (البَرَّةُ): المحسنة، يعني الخروج من عند بَرَّة لا يَحْسُنُ في التفاؤل. * * *

стр. 2288

٣٦٩٨ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَقُوْلَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِيْ، وأَمَتِي؛ كُلُّكُم عَبيْدُ الله، وكلُّ نِسَائِكُم إِمَاءُ الله، وَلَكنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وجَارِيَتي، وفَتَايَ، وفَتَاتِي، ولَا يَقُلِ العَبْدُ: رَبي، ولَكِنْ لِيَقُل: سَيدِي". ويُروَى: "لِيَقُلْ: سَيدِي، ومَوْلَايَ". ويُروَى: "لَا يَقُلْ العَبْدُ لِسَيدِه: مَوْلَايَ؛ فإنَّ مَوْلَاكُم الله". قوله: "فتاي وفتاتي"؛ (الفتى): الشاب، (الفتاة): الشابة، و (الفتى) أيضًا: الغلام، و (الفتاة): الجارية. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٦٩٩ - وَقَالَ: "لَا تَقُوْلُوا: الكَرْمُ؛ فإنَّ الكَرمَ قَلْبُ المُؤْمِنِ". ويُروَى: "لَا تَقُولُوا: الكَرْمُ، ولَكِنْ قُولُوا: العِنَبُ، والحَبَلَةُ". قوله: "لا تقولوا: الكَرْم"؛ يعني: لا تقولوا لشجر العِنَب الكَرْم؛ لأن العربَ يقولون لشجر العِنَبِ كَرْمًا؛ لأنه يُتَّخَذُ منه الخمرُ، فيشربونها، وتحمِلُهم الخمرُ على الجودِ والكَرَم، فسموا الشجر بالكَرْم الذي يحصُلُ فيهم من شرب الخمر المتخذة من العنب، فنهاهم النبي ﷺ عن تسمية العِنَبِ كَرْمًا تحقيرًا لشأن الخمر؛ كي لا يظنَّه الناس حسنةً لإظهار الكرم في أنفسهم، بل "الكرم قلبُ المؤمن" الذي يجتَنِبُ مِن شربِ الخمر. ولا يستحقُّ شجرٌ أن يوصَفَ بالكَرْم، بل يسمَّى شجر العنب: الحَبَلَة بفتح الحاء والباء، والعِنَب: اسم ثمرتها، وسمي الحَبَلَة (١) للعنب إطلاقًا لاسم الشجر

стр. 2289

على ثمره. روى هذا الحديثَ أبو هريرة (١). قوله: "لا تقولوا الكَرْم"؛ يعني: لا تقولوا لشجرِ العنب: الكَرْم، وعِلَّته ما ذكرناه. روى هذا الحديثَ وائل بن حُجْر (٢). * * * ٣٧٠٠ - وَقَالَ: "لَا تُسَمُّوا العِنَبَ: الكَرْمَ، ولَا تَقُوْلُوا: خَيْبَةَ الدَّهرِ؛ فإنَّ الله هُوَ الدَّهرُ". قوله: "لا تقولوا خيبةَ الدَّهر"، كانت العرب إذا أصابتهم مصيبةٌ أو حرمانٌ في سفر أو حربٍ يقولون: يا خيبةَ الدهر، (الخيبةُ): الحِرْمانُ، تقديرُه: يا خيبة الدهر أسبُّك أو أُبْغِضُك، فنهاهم النبي عن سبِّ الدهر فإن الله خالقُ الدهر ومُصَرِّفُه. قوله: "فإن الله هو الدهر"؛ أي: فإن الله خالقُ الدهر ومصرِّفُه، فمن سبَّ الدهر فقد سبَّ خالقَه. روى هذا الحديثَ، والذي بعدَه: أبو هريرة. * * * ٣٧٠٣ - وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يقُولَنَّ أَحَدُكُم: خَبُثَتْ نَفْسِي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".

стр. 2290

قوله: "لا يقولَنَّ أحدُكم خَبُثَتْ نفسي"، كانت عادةُ العرب إذا فسدَ مِزاجُهم، وحصلَ فيهم غَثَيانٌ أو هيْضَةٌ يقول أحدُهم: خَبُثَتْ نفسي؛ أي: فسدَ مزاجي، فنهاهم النبيُّ ﷺ عن نسبة الخُبْثِ إلى أنفسهم وقال: "لا يقولَنَّ أحدُكم خَبُثَتْ نفسي، ولكن ليقلْ: لَقِسَتْ نفسي"، ومعنى (لَقِسَ): فسدَ المزاج، وحصلَ غَثَيانٌ في أحد. روت هذا الحديثَ عائشةُ. * * * ٣٧١٧ - عَنِ المِقْدامِ بن شُرَيحٍ، عَنْ أَبيْهِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبيْهِ هانِئٍ: أنَّه وَفَدَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُم يُكَنُّونَه بِأَبي الحَكَم، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الله هُوَ الحَكمُ، وإِلَيْهِ الْحُكْمُ"، فَقَالَ: كَانَ قَوْمِي إِذَا اخَتَلفُوا في شَيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُم فَرَضيَ الفَرِيَقْانِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا أحْسَنَ هَذا! فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ " قَالَ: شُرَيْحٌ، ومُسْلِمٌ، وعَبْدُ الله، قَالَ: "فمَنْ أَكْبرُهُم؟ " قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: "فَأَنْتَ: أَبُو شُريْحٍ". قوله: "ما أحسنَ هذا"، (ما): للتعجب؛ يعني: الحكمُ بين الناس حسنٌ، ولكن هذه الكُنية غيرُ حَسنَة. * * * ٣٧١٦ - عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ امرَأَةٌ: يَا رَسُوَلَ الله! إنَّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيتُهُ: مُحمَّدًا وكنَّيتُهُ: أَبَا القاسِمِ، فذُكِرَ لِيْ أنَّكَ تَكْرَهُ ذَلَكَ، قَالَ: "مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ "، أَوْ: "مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنيتَي وأحَلَّ اسْمِي؟ "، غريب. قوله: "ما الذي أحلَّ اسمي وحَرَّم كنيتي"؛ يعني: لا فرقَ بين التسمية باسمي والتكنية بكنيتي، بل كلاهما جائزٌ، هذا في وجهٍ.

стр. 2291

والصحيح: أنه لا يجوزُ الجمعُ بين التسمية باسم النبي ﷺ والتكنية، وهذا الحديثُ عند من لم يجوِّز الجمعَ بين التسمية باسمه، والتكنِّي بكنيته = منسوخٌ. * * * ٣٧١٥ - وَقَالَ: "وَلَا تَقُولُوا للمُنَافِقِ: سيدٌ، فإنَّه إِنْ يَكُ سَيدًا فَقَدْ أَسْخَطُتُم ربَّكُم". قوله: "إن يك سيدًا فقد أسخطتُم ربَّكم"؛ يعني: إن لم يكن سيدًا وقلتم له: يا سيد، فقد كذبتم، وإن كان سيدًا؛ أي: مالكَ عبيد وإماءٍ ودُوْرٍ وأموالٍ وقلتم له: يا سيد، (فقد أسخطتم ربَّكم)؛ أي: أغضبتم ربَّكم؛ لأنكم قد عظَّمْتم كافرًا، وتعظيمُ الكافر يخالفُ رضا الله وأمرَه. * * * ٣٧٠٤ - عَنْ أَبيْ الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "تُدْعَونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُم وأَسْمَاءِ آبَائِكُم، فأَحْسِنُوا أَسَمَاءَكُم". قوله: "تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم". * * * ٣٧٠٨ - وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: كَنَّانِي رَسُولُ الله ﷺ أَبَا حَمزَةَ ببقْلَةٍ كُنْتُ أَجتِنيْها. صحيح. قوله: "كنَّاني رسولُ الله ﷺ أبا حمزة ببقلةٍ كنتُ أَجْتنيها"؛ يعني: كنت أَقْلَعُ بقلةً اسمُها حمزة، فكنَّاني رسول الله: أبا حمزة. * * *

стр. 2292

٣٧١٠ - ورُوِيَ: أَنَّ رَجُلاً يُقالُ لَهُ: أَصْرَمُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: أَصْرمُ، قَالَ: "بَلْ أَنْتَ: زُرْعَةُ". قوله: "بل أنت زُرْعَة"؛ يعني: "الأصرمُ" مأخوذٌ من الصَّرْم، والقطعُ غير مستحسَنٍ في التفاؤل، والزُّرعةُ (مأخوذ) من الزَّرْع، والزَّرْع مُسْتَحْسنٌ، فلهذا غَيَّرَ أصرمَ إلى الزُّرْعة. روى هذا الحديث أسامة بن أَخْدَرِي. * * * ٣٧١١ - ورُوِيَ: أنَّه ﷺ غيَّرَ اسْمَ: العَاص، وعَزيْزٍ، وعَتَلَةَ، وشيطان، والحَكَمِ، وغُرَابٍ، وحُبَابٍ، وشِهابٍ. قوله: "غَيَّرَ اسمَ العاص"، وسببُ تغييره هذا الاسمَ: أنه من العِصْيان، وتغيير اسم العزيز؛ لأنه من أسماء الله، وتغيير (العَتَلةَ)؛ لأنها من العَتْل، وهو الجرُّ بالعنف، وتغيير (الحَكَم) قد ذُكِرَ سببُه في تغيير أبي الحَكَم إلى أبي شُرَيح. وتغيير اسم مَن يسمَّى بـ (غُراب)؛ لأنه لا يليقُ بعزَّةِ الإنسان أن يشارك طيرًا، أو لأنه مشتَقٌّ من الغروب، والغروب غير مستحسَن في التفاؤل. و (الحُبَاب): اسمُ شيطان، و (الشَّهَاب): قطعةُ نار. * * * ٣٧١٢ - وعَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَاريِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ في: زعموا: "بئسَ مَطيَّةُ الرَّجُل! ". قوله في: زعمُوا "بئس مطيةُ الرَّجُل"، (الزَّعْمُ): الادِّعاء، (المطية): المركوبة، كانت عادة جماعةٍ من الناس أنهم إذا تكلَّموا بكلامٍ سمعوه من غيرهم،

стр. 2293

ولم يعلموا صِحَّتَه، يقولون: زعموا أن القضية كيت وكيت، أو زعم فلانٌ أنه سمع كذا، أو رأى كذا، وما أشبهَ ذلك، فنهاهم النبي ﷺ أن يتكلَّمُوا بكلامٍ لم يَعلَمُوا صِحَّتَه. سُمِّيَ التكلُّم بـ (زعَمُوا) مطيةً؛ لأن الرجلَ يتوصَّلَ بهذا الكلام إلى مقصوده من إثبات شيءٍ، كما أنَّ الرجلَ يتوصَّلُ إلى بلدٍ بواسطة مطيتهِ. * * * ٣٧١٣ - وعَنْ حُذيْفَةَ عَنِ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقَوُلُوا: مَا شَاءَ الله وشَاءَ فُلَانٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ". قوله: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان"، وعلةُ النهي عن هذا الكلامِ أنه يلزم من هذا الكلامِ الاشتراكُ بين الله وبين العباد في المشيئَة؛ لأن الواوَ للجَمْعِ والاشتراك، ويجوزُ: ثم شاء الله؛ لأن (ثُمَّ) للتراخي؛ يعني: شاء الله، ثم بعد مشيئةِ الله يشاءُ فلانٌ. * * * ٩ - باب البَيانِ والشَّعرِ (باب البيان والشعر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧١٩ - عَنِ ابن عُمرَ ﵄ قَال: قَدِمَ رَجُلانِ مِنَ المَشْرقِ فخطَبا فعَجِبَ النَّاسُ لِبيَانِهِما، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا". قوله: "إن من البيان لسحرًا"، (البيانُ): الفصاحة، و (السحرُ): صَرْفُ

стр. 2294

الشيء من جهةٍ إلى جهة، أو حالٍ إلى حال. و (السحرُ): فعلُ الشيءِ يخيَّلُ للناظر أنه قد فعلَ الشيء الفلانيَّ وما فعلَه، ويخيَّلُ إليه أنه قتلَ فلانًا وما قتلَه، وما أشبهَ ذلك. يعني: قد يزينُ الرجلُ كلامَه بأنواعِ البلاغةِ بحيثُ يحسَبُه المستمعُ حقًا وصدقًا، ولم يكنْ كذلك، كما أنَّ الساحرَ يغيرُ الأشياءَ في نظر الناظر، ولم تكنْ في الحقيقة مغيَّرَةً؛ يعني: كما أنَّ السَّحْرَ حرامٌ، فكذلك تزيينُ الكلام حرامٌ. * * * ٣٧٢٠ - وقَالَ: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ حِكْمَةً". قوله: "إن مِنَ الشِّعْر لحكمةً"، الشِّعْرُ المَذْمُومُ هو الذي فيه كلامٌ قبيح، فأما الشعر الذي هو موعظةٌ وثناءٌ على الله وعلى رسوله، والنصيحةُ للمسلمين، وتحبيبُ الآخرة في قلوب المسلمين، وإهانةُ الدنيا في نظرهم، وما أشبهَ ذلك = فهو محمود. و (مِن) في هذين الحديثين: للتبعيض. روى هذا الحديثَ أُبَيُّ بن كعب. * * * ٣٧٢١ - وقَالَ: "هلَكَ المُتَنَطَّعُونَ"، قَالَهَا ثَلاثًا. قوله: "هلكَ المُتَنَطَّعُون"، (المُتنطَّعُ): الذي يُوْقع الكلامَ في نِطْعِ الفَم، وهو الغار الأعلى من الطبقةِ العُلْيا إلى أقصى الفم؛ يعني: لمن صوتُه من قَعْرِ حَلْقه، ويردَّدُه في فمه من الرُّعونة، وإنما هلكَ المتنطَّعُ؛ أي: فات عنه الثوابُ؛

стр. 2295

لأنه يتكلَّمُ رياءً وفخرًا، وإظهارًا لفصاحته، وفضلهِ على غيره، ومَنْ كانت هذه صفتُه لا يكونُ له إخلاصٌ. روى هذا الحديثَ ابن مسعود. * * * ٣٧٢٢ - وقَالَ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبيدٍ: أَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا الله باطِلٌ". قوله: "ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ"؛ يعني: ما سوى الله، وسوى ما يتعلَّقُ برضا الله، وما سوى أسمائه وصفاته وأوامرِه ونواهيه ما سوى هذه الأشياء باطلٌ. قوله: "وكلُّ نعيمٍ لا محالَة زائلُ"، (لا محالة)؛ أي: البتَّةَ؛ يعني: كلُّ نعيمٍ الدنيا زائلٌ إلا نعيمَ الآخرة، فإنه لا يزول. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٧٢٣ - وعَن عَمرِو بن الشَّريدِ، عَنْ أبيهِ، قال: رَدِفْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "هلْ مَعَكَ مِن شِعْرِ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلتِ شَيءٌ؟ " قُلتُ: نَعَم، قَال: "هِيْهِ"، فأَنشدْتُه بَيْتًا، فَقَال: "هيهِ"، ثُمَّ أنشدْتُهُ بيتًا، فَقَالَ: "هِيْهِ"، حتى أَنشدتُه مئةَ بيْتٍ. قوله: "هِيْهِ"، أصلُه (إيْهِ) بالهمزة، فقُلِبت الهمزة هاءً كما يقال: هَرَاق وأَرَاق: إذا صب الماء، ولفظُ (إيه) إذا كان بسكون الهاء أو بكسرها وتنوينها، معناها: زِدْ، وإن كان بفتح الهاء وتنوينها معناها: اكفف؛ أي: امنَعْ واتركْ.

стр. 2296

هذا الحديثُ يدلُّ على استحسان قراءة شعر فيه حكمةٌ وموعظة. * * * ٣٧٢٤ - وعَنْ جُنْدَبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ في بَعْضِ المَشَاهدِ وقَد دَمِيَتْ إِصبَعُه فَقَال: "هَلْ أنتِ إِلاّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وفي سَبيْلِ الله ما لَقِيتِ" قوله: "في بعض المشاهد"؛ أي: في بعض الغزوات. "وقد دَمِيَتْ"، الواو للحال، (دَمِيَتْ)؛ أي: تجرَّحَتْ. فإن قيلَ: لم يَجُزْ للنبيَّ ﷺ إنشاءُ الشعر، فكيف أنشأَ هذا البيتَ؟ قلنا: اختلف العلماء في أنه ﷺ هل كانَ يُحْسِنُ الشعرَ أم لا؟ فقال بعضهم: يحسنُ الشعر ولكن لا يقولُه، كي لا يقولَ الكفار: إنه شاعر. وقال بعضهم: إنه ﷺ لا يحسِنُ الشعرَ وهو الأصحُّ، فقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]. وأما إنشاؤه هذا الشعرَ وأشباهَه: فإن هذا رَجَزٌ، والرَّجَزُ ليس من الشعر في قول، وفي قول الرَّجَزُ شعرٌ، ولكن قال النبي ﷺ : "هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ" بكسر التاء، وكذلك: "ما لَقِيْتِ" بكسر التاء من غير مدِّها؛ ليخرجَ من نَظْم الشِعر، ولم يقصِدْ بتكلُّمه ﷺ بهذا أو أشباهه الشعرَ، ولكن خرَج من عامَّةِ فصاحته على نَظْمِ الشعر من غير قصدهِ الشِّعْرَ. * * * ٣٧٢٥ - وعَنِ البَراءِ بن عَازِبٍ ﵁ قَال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بن ثابتٍ: "اهْجُ المُشْرِكينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ".

стр. 2297

قوله: "اهْجُ المشركين"؛ أي: اذكر عيوبَهم ومساوِئهم وقِلَّةِ عقولِهم في عبادتهم للأصنام. وهجوُ الكفار جائزٌ. * * * ٣٧٢٦ - وكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يقُولُ لِحَسَّانَ: "أَجِبْ عنِّي، اللهمَّ! أَيدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ". "أَجِبْ عني"؛ أي: اهْجُهم، فإني لا أُحْسِنُ الشعرَ حتى أهجوَهم. * * * ٣٧٢٧ - وعَنْ عَائِشةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا، فإنَّه أَشَدُّ عَليْهِم مِن رَشْقِ النَّبلِ". وقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقولُ لِحَسَّانَ: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يُؤَيدُكَ ما نافَختَ عَنِ الله ورَسُولِه". وقالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقولُ: "هَجاهُم حَسَّانُ فَشَفَى واشْتَفَى". قوله: "من رَشْق النَّبْل"؛ أي: من رمي النبل. قوله: "إن رُوح القُدُس"؛ أي: إن جبريل ﵇ "لا يزالَ"؛ أي: أبدًا، "يؤيدك"؛ أي: يقوَّيكَ ويعينك "ما نافَحْتَ"؛ أي: ما دُمْتَ تدفعُ المشركين عن عباد الله ورسوله بأن تهجوَهم وتذكر مساوئهم. قوله: "فشفى"؛ أي: شَفى المسلمين، "واشتفى"؛ أي: وجدَ هو الشفاءَ بأن هجا المشركين. * * * ٣٧٢٨ - عَنِ البَراءِ قَال: كانَ رَسُولُ الله ﷺ ينقُلُ التُّرابَ يومَ الخَنْدقِ حتَّى اغبَرَّ بطْنُهُ ويَقُولُ:

стр. 2298

"والله لَوْلا الله ما اهتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا فأَنْزِلَنْ سَكِيَنةً عَلَيْنَا ... وَثَبت الأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِها صَوْتَه: أَبَيْنا، أَبَيْنا". قوله: "ينقُلُ الترابَ يومَ الخندقِ"، يوم اتفقَ قبائلُ العربِ على محاربةِ النبي ﷺ ، وجاؤوا حتى نَزَلُوا حولَ المدينة ليحارِبُوا، فقيل للنبي: طريقُ دَفْعِهم بأن يحفِرُوا حولَ المدينة خندقًا كي لا يقدِرُوا أن يتجاوزوا الخندقَ، فلا يَصِلُون إلينا، فإنهم أكثرُ من أن نَقْدِرَ على مقاومتهم، فاشتغلَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه بحفْرِ الخندقِ حتى فاتت عنهم صلاةُ العَصْر، فأرسلَ الله على الكُفَّارِ ريحًا شديدًا، وهي ريح الصَّبَا، فقَلَعَتْ خيامَهم، وكسرتْ قدورَهم، ورمتِ الترابَ على وجوههم، وأُلْقِيَ في قلوبهم الخوفُ فهربوا، وسَلَّمَ الله نبيَّه والمؤمنين مِن شرِّ الكفار. قوله: "حتى اغبرَّ بطنُه"؛ أي: حتى صار ذا غبارٍ؛ أي: وقعَ عليه الغبارُ حتى سَتَرَ الغبارُ لونَ بشرته. "لولا الله"؛ أي: لولا فضلُ الله علينا بأن هدانا إلى الإسلام. "إن لاقينا"؛ يعني: إن لاقينا الكفارَ ثَبَّتَنا على محاربتهم. "إن الأُولَى"؛ أي: إن هؤلاءِ الكُفَّار. "بَغَوا"، أصلُه: بَغَيُوا، فقُلِبت الياءُ ألفًا، وحُذفت لسكونها وسكون الواو، ومعناه: ظلموا. "إذا أرادوا فِتنةً أَبَيْنا"؛ يعني: إذا أرادُوا أن يُوْقِعُونا في الكفر والضلالة امتنعنا عن قَبُوله. * * *

стр. 2299

٣٧٢٩ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: جَعَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُون الخَنْدقَ وينقُلُونَ التُّرابَ وهُم يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدًا ... على الجِهَادِ ما بَقِيْنا أَبَدًا ويَقُولُ النَّبيُّ ﷺ وهوَ يُجيْبُهُم: "اللهمَّ! لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرهْ ... فاغْفِرْ للأَنْصَارِ والمُهاجِره" قوله: "والمهاجرة"، التاء هنا للجَمْع، يريد المهاجرين. * * * ٣٧٣٠ - وقَال رَسُول الله ﷺ : "لأن يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيْهِ خَيْرٌ مِن أَن يَمْتَلِئَ شِعْرًا". قوله: "لأَنْ يمتلئَ جوفُ رجلٍ قَيْحًا يَرِيْهِ"، و (يُري): إذا ثقبَ القَيْحُ باطنَ الجرح ووسَّعَه، والمراد بالشِّعْرِ هنا: شِعْرٌ به هَجْوٌ لمسلم، أو كذبٌ، أو غيرُهما من المنهيَّات. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٧٣١ - عَنْ كَعْبِ بن مَالكٍ ﵁: أنَّه قَال للنَّبيَّ ﷺ : إنَّ الله تعالى قَدْ أَنْزلَ في الشِّعرِ مَا أَنْزلَ، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ المُؤْمنَ يُجاهِدُ بسيفِه ولِسانِه، والذي نفسي بيدِه، لَكَأنَّما ترمُونَهم بِهِ نَضْحُ النَّبلِ". قوله: "إن الله تعالى قد أنزلَ في الشِّعر ما أنزلَ"، يريد كعب بن مالك

стр. 2300

بهذا الكلام: أن الله ذمَّ الشاعرين بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فهل يجوزُ لنا أن نقول الشعرَ في هجو الكفار أم لا؟ فقال النبي ﷺ : "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه"، يعني: هَجْوُ المؤمنِ الكفَّارَ جهادُه وكأنما ترمونهم به. "نَضْح النَّبْل"؛ يعني: إذا هجوتم الكفارَ يشقُّ عليهم هجْوُكم كما يشقُّ عليهم رَمْيُكم إياهم بالنَّبْل. (النَّضْحُ): الرميُ، تقدير هذا الكلام: لكأنَّما ترمونهم به؛ أي: بالهَجْوِ نَضْحًا مثلَ نَضْحِ النَّبْل؛ أي: رميًا مثلَ رَمْيِ النَّبْل. * * * ٣٧٣٢ - عن أَبي أُمامَةَ ﵁، عَنِ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "الحَيَاءُ والعِيُّ شُعبَتانِ مِن الإِيْمانِ، والبَذاءُ والبَيَانُ شُعبَتانِ مِن النِّفاقِ". قوله: "الحياءُ والعِيُّ شعبتان من الإيمان، والبَذَاءُ والبَيَانُ شعبتان من النفاق". (العِيُّ): التحيُّر والاحتباسُ في الكلام، وأراد بالعِيِّ هنا: السكوتَ عما فيه إثمٌ من الكلام والشعر، و (البَذَاءُ) خلافُ (الحياء)، و (البيانُ): الفصاحة، أراد بالبيان هنا: ما فيه إثمٌ من الفصاحة، كهَجْوِ أحدٍ أو مَدْحِه بما لا يليقُ بالبشر. * * * ٣٧٣٣ - عَنْ أَبي ثَعلبَةَ الخُشَنيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إنَّ أَحَبَّكم إِليَّ وأَقْرَبَكم مِنَّي يَوْمَ القَيامةِ أحاسِنُكُم أَخَلَاقًا، وإِنَّ أَبْغضَكُم إليَّ وأَبْعَدَكم مِنَّي مَسَاوِئُكم أخلَاقًا، الثَّرثَارُونَ المُتشدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ". قوله: "أحاسنُكم"، جمع الأَحْسَن، قوله: (المساوئ): جمع سُوْء،

стр. 2301

وهو ضد الحُسْن، وهذا جمعٌ نادرٌ كالمَحَاسن جمع الحَسَن. "الثَّرْثَارون"؛ يعني: المُكْثِرُون الكلامَ من غير فائدة دينية. "المتشدِّقُ": المستهزئُ بالناس الذي يَلْوِي شِدْقَه - أي: جانب فمه - استهزاءً بالناس. "المُتَفَيْهِق": الواسعُ الكلامِ من غاية التكلُّف والرعونة، يتوسَّعُ في الكلام ولا يبالي أخَيرٌ يقول أم شرٌ؟ وقيل: (المُتَفَيْهِقُ): المتكبر. وقد جاء في "الصحاح": أن النبيَّ ﷺ لمَّا تحدَّثَ بهذا الحديث قال الحاضرون من الصحابة: عَلِمنا الثَّرْثَارين والمُتَشَدِّقِين، فما المُتَفَيْهِقُ؟ فقال النبي ﷺ : "هو المُتَكَبر". * * * ٣٧٣٤ - عَنْ سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يخرُجَ قَوْمٌ يأكُلُونَ بألسِنَتِهِم كمَا تأكُلُ البَقَرُ بِأَلِسنَتِها". قوله: "كما تأكلُ البقرة"؛ يعني: كما أنَّ البقرةَ تأكل الحشيشَ من كلِّ نوعٍ، ولا تُمَيزُ بين النافعِ والضَّارِّ، فكذلك هؤلاء لا يُبالُون بما يقولون من كلامهم، ويقرؤون من شعرهم أنه حسنٌ أم قبيحٌ؟ فيه ثوابٌ أم إثمٌ؟ * * * ٣٧٣٥ - عَنْ عَبدِ الله بن عَمرٍو: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إنَّ الله يُبغِضُ البَليغَ مِن الرِّجالِ، الَّذي يتَخَلَّلُ بلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَاقِرَةُ بِلِسانِها"، غريب. قوله: "البَلِيغ"؛ أي: الفصيح.

стр. 2302

"الذي يتخلَّلُ"؛ أي: يأكل. "الباقرة"، بمعنى البقرة، ومعنى هذا الحديث كمعنى الحديث المتقدِّم. * * * ٣٧٣٦ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي بِقَومٍ تُقْرَضُ شِفاهُهم بمقارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يا جبريلُ! مَن هؤُلاءِ؟ قَال: هَؤلاءِ خُطباءُ أُمَّتِكَ الَّذينَ يقولونَ ما لا يعلَمونَ"، غريب. قوله: "ليلةَ أُسْرِيَ"؛ أي: ليلة المعراج. "تقرِضُ"؛ أي: تَقْطَعَ "شِفَاهَهم"، (الشِّفاهُ): جمع الشَّفَة. "بمقاريضَ"، هي جمعُ المِقْرَاض، وهو ما يُقْطَعُ به الظُّفرُ والشَّعْر وغيرهما، والمراد بهذا: القومُ الذين يأمُرون الناس بالبرَّ، ويَفْعَلُون خلافَ ما يقولون. * * * ٣٧٣٧ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : "مَن تَعَلَّم صَرْفَ الكَلامِ ليَسبيَ به قُلوبَ الرِّجَالِ - أَوِ: النَّاس - لَمْ يقبلِ الله مَنْهُ يومَ القِيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلاً". قوله: "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكلام"؛ أي: مَنْ تَعَلَّمَ الفصاحةَ وأنواعَ البلاغةِ من الشعرِ وغيرِه من العلومِ، لا لله، بل "ليَسْبيَ به"؛ أي: ليجعلَ قلوبَ الناسِ إليه مائلةً ومُريدةً له. "لم يقبلِ الله منه يوم القيامة صَرْفًا ولا عَدْلاً"، (الصَّرْفُ): الحيلة، و (العَدلُ): الفِدَاء. وقيل: (الصَّرْفُ): الفريضة، و (العدلُ): النافلة، وقيل: (الصَّرْفُ): التوبة،

стр. 2303

و (العَدْلُ): القُرْبَة. * * * ٣٧٣٨ - عَنْ عَمرِو بن العَاصِ: أنَّه قَال يَوْمًا - وقَامَ رَجُلٌ فأكثرَ القَولَ - قَالَ عمرٌو: لو قَصَدَ في قولِهِ لَكَانَ خَيْرًا لهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَقْد رَأَيتُ - أو: أُمِرتُ - أنْ أتجوَّزَ في القَولِ، فإنَّ الجَوازَ هُوَ خيرٌ". قوله: "لو قَصَدَ في قوله"؛ يعني: لو قال كلامًا غير مُطَوَّل. "أن أَتَجَوَّزَ"؛ يعني: أن أقْتَصِرَ؛ يعني: أنْ أقولَ كلامًا قليلَ الألفاظ كثيرَ المعاني. "فإن الجَوَاز"؛ أي: فإن الاقتصارَ. * * * ٣٧٣٩ - عن صَخْرِ بن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيْهِ، عَنْ جَدَّه ﵃، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "إنَّ مِن البَيانِ سِحْرًا، وإنَّ مِن العِلْمِ جَهْلاً، وإنَّ مِن الشَّعرِ حُكْمًا، وإنَّ مِنَ القَولِ عِيَالاً". قوله: "وإنَّ من العِلْمِ جهلاً"؛ يعني: قد يكون من العلوم ما يكونُ كالجَهْل، بل الجهلُ خيرٌ منه؛ لكونه عِلْمًا مذمومًا. "وإن من القول عيالاً"؛ يعني: قد يكونُ من أقوالِ الرجالِ ما يكونُ عليه منه إثمٌ؛ لكونه من مناهِي الشرع، وباقي هذا الحديثِ قد ذُكِرَ في أول هذا الباب. * * *

стр. 2304

١٠ - باب حِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ (باب حفظ اللسان من الغيبة والشتم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧٤٠ - قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخِرِ فلْيقُلْ خَيْرًا، أو لِيَسْكُتْ". قوله: "فليَقُلْ خيرًا أو ليسْكُتْ"؛ يعني: إن تكلَّمَ فليتكلَّمْ بما له منه ثوابٌ، وإنْ لم يتكلَّمْ خيرًا فليَسْكُتْ؛ لأنَّ السكوتَ خيرٌ من كلامٍ فيه إثمٌ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٧٤١ - وقَال ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ومَا بينَ رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ". قوله: "من يَضْمَنْ لي ما بين لَحْييه وما بين رِجْلَيه أَضْمَنْ له الجنة"، (لحييه): أصلُه: (لَحْيَينهِ) فسقطت النونُ للإضافة، وهي تثنيةُ لَحْية. واللَّحْيَةُ - بفتح اللام -: العَظْمُ الذي نبتَ عليه الأسنانُ من السُّفْل والعُلُوِّ؛ يعني: مَن حَفِظَ لسانَه وفَرْجَه فأنا ضامنٌ له الجَنَّةَ. روى هذا الحديثَ سهلُ بن سَعْدٍ. * * * ٣٧٤٢ - وَقَال ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضْوانِ الله لا يُلْقي لَهَا

стр. 2305

بَالاً يَرْفعُهُ الله بِها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ الله لا يُلْقِي لَهَا بالاً يَهوي بِهَا في جَهَنَم". ويُروى: "يَهْوِي بِهَا في النَّارِ أَبْعدَ مَا بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْربِ". قوله: "لا يُلْقِي بها بالاً"، (لا يُلْقِي)؛ أي: لا يَرَى، (بها)؛ أي: بتلك الكلمة، (بالاً)؛ أي: بأسًا، هذا لغتهُ، ومعناه: إنه ليتكلَّمُ بكلمةٍ حقًّ وخيرٍ لا يعرِفُ قَدْرَه؛ يعني: يظنُّها قليلاً، وهو عند الله عظيمُ القَدْر، فيحصلُ بها رضوانُ الله. وكذلك ربما يتكلَّمُ بشرًّ وهو لا يظنه ذنبًا، وهو عند الله ذنبٌ عظيم، فيحصُلُ له سُخْطُ الله؛ يعني: لا يجوزُ أن يظنَّ الخيرَ حقيرًا، بل ليعملِ الرجلُ بكلِّ خيرٍ، وليتكلَّمْ كلَّ خيرٍ. وكذلك لا يجوزُ أن يَعُدَّ الشرَّ حقيرًا، بل ليتركِ الرجلُ كلَّ شَرًّ كي لا يصدُرَ منه شَرٌّ، فيحصل له به سُخْطُ الله. "يهوي"؛ أي: يَسْقُطُ. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٧٤٣ - وقَالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتَالُه كُفْرٌ". قوله: "سِبابُ المسلم"؛ أي: شَتْمُ المُسْلِم. "وقتالهُ"؛ أي: مجادَلَتُه ومحاربَتُه بالباطل. "كُفْرٌ"، وذِكْرُ الكفرِ هنا تهديدٌ ووعيدٌ إن اعتقدَ قتالَ المُسْلِمِ حرامًا، وإن اعتقدَه حلالاً فقد كَفَر. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن مسعود. * * *

стр. 2306

٣٧٤٤ - وقَالَ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافرٌ، فَقَد باءَ بِهَا أَحَدُهُمَا". قوله: "أيُّما رجلٍ قالَ لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدُهما"؛ أي: رَجَعَ، "بها"؛ أي: بتلك الكلمة؛ يعني: إذا قال زيد مثلاً لعمرو: يا كافر، أو أنت كافرٌ فقد باءَ بالكفر أحدُهما؛ يعني: إن كان عمرٌو كافرًا فقد صدقَ زيدٌ فيما قال، وإلا صارَ زيدٌ كافرًا إن اعتقدَ كونَ عمرٍو كافرًا بسبب حصولِ ذنب منه، لأن المسلمَ لا يصيرُ بالذنب كافرًا ومن اعتقد صيرورةَ مسلمٍ بذنْبٍ كافرًا فقد اعتقدَ تحريم حلالٍ، ومن اعتقد تحريم حلالٍ فقد كَفَر. روى هذا الحديث ابن عمر. * * * ٣٧٤٥ - وقَالَ ﷺ : "لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بالفُسُوقِ، ولا يَرْمِيْهِ بالكُفْرِ، إِلَّا ارتَدَّتْ عَلَيْه إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلَك". قوله: "لا ارتدَّتْ عليه"؛ أي: إلا ارتدَّتْ تلكَ الكلمةُ إلى قائلها، إن كانتْ تلك الكلمةُ فِسْقًا صار قائلُها فاسقًا، وإن كانت كفرًا صار كافرًا، إنْ لم يكنِ المَقُولُ له فاسقًا وكافرًا. وتأويل هذا الحديث ما ذُكِرَ قُبيل هذا. روى هذا الحديثَ أبو ذَرًّ. * * * ٣٧٤٧ - وقَالَ: "المُسْتَبَّانِ مَا قَالا، فعلى البَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ". قوله: "المستَبَّانِ"؛ أي: اللَّذان يشتُمُ كلُّ واحد منهما صاحبَه. قوله: "ما قالا، فعلى البادئ"؛ يعني: إثمُ ما قالا يحصلُ للبادئ أكثرَ مما

стр. 2307

يحصلُ للمظلوم؛ لأنه كان سببًا لتلك المُخَاصَمة؛ لأنه مَن سَنَّ سنةً سيئةً فله وِزْرُها ووِزْرُ من عَمِلَ بها من غير أن يَنْقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ. قوله: "ما لم يَعْتَدِ المظلومُ"؛ يعني: إنما يكونُ وِزْرُ البادئ أكثرَ إذا لم يتجاوزِ المظلومُ حَدَّه، فإن تجاوزَ؛ أي: أكثرَ المظلومُ شَتْمَ البادي وإيذاءَه صار إثمُ المظلوم أكثرَ من إثم البادئ. روى هذا الحديثَ والذي بعدَه أبو هريرة. * * * ٣٧٤٩ - وقَالَ: "إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهدَاءَ ولَا شُفَعَاءَ يومَ القِيَامةِ". وله: "إن اللَّعَّانِينَ لا يكونون شهداءَ ولا شُفَعاءَ"؛ يعني: مَنْ يَلْعَنُ الناسَ في الدُّنْيا فهو فاسقٌ، والفاسِقُ لا تُقبَلُ شهادتُه وشفاعتُه يومَ القيامة؛ يعني: تُكَذِّبُ الأممُ الماضية أنبياءَهم ويقولون: ما بَلَّغُونا رسالَتك يا ربنا، فيقول الله للأنبياء: هل لكم شاهدٌ على أنْ بلَّغتُم رسالتي؟ فيقول الأنبياء: أمةُ محمدٍ ﷺ شهداؤنا، فيُجاءُ بأمة محمد ﷺ ، فيشهدُون أن الأنبياء بَلَّغوا رسالةَ الله أمتهم. والمراد بهذا الحديث: أن اللَّعَّانينَ ليس لهم منزلةٌ عند الله تعالى حتى تُقبلَ شهادتُهم في جملة مَن يَشْهدُ للأنبياء. روى هذا الحديثَ أبو الدرداء. * * * ٣٧٥٠ - وقَالَ: "إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم". قوله: "إذا قالَ الرجلُ هلكَ الناسُ فهو أَهْلَكُهُم"، (أَهْلَكُهُم): أفعل التفضيل؛ يعني: مَنْ عابَ الناسَ وقال: فَسدَ الناس، أو فَسَقُوا، أو هلَكُوا، وما

стр. 2308

أشبهَ ذلك، فقد حصلَ ذلك العيبُ له أكثرَ مما حصلَ لهم؛ لأن الغِيبةَ وإيذاءَ الناسِ أشدُّ من ذنبٍ لا يَتَعلَّقُ بحقوق الآدَمِيين. ويُرْوى: (فهو أَهْلَكَهم) - بفتح الكاف - على أنه فِعْلٌ ماضٍ، قيل: معناه: أنَّ مَنْ جَعَلَ المسلمينَ قانِطين من رحمةِ الله فقد جعلَهم كافِرين خالدين في النار، فإذا كان فهو الذي جَعلَهم كافرين فقد أهلَكَهم. وقال مالك: إذا قال أحد: فسدَ الناس حزنًا وتأسُّفًا لما يَرَى في الناس؛ يعني: في أمرِ دينهم، فلا أرى به بأسًا. وإذا قال ذلك عُجْبًا بنفسه وتَصَاغُرًا للناس، فهو المَكْرُوه الذي نَهَى عنه. روى هذا الحديثَ والذي بَعْدَه: أبو هريرة. * * * ٣٧٥٢ - وقال ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ". ويروى: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ". قوله: "لا يدخلُ الجَنَّةَ قَتَاتٌ"، (القَتَّاتُ): النَّمَّامُ. روى هذا الحديثَ حُذَيفةُ. * * * ٣٧٥٣ - وقَالَ ﷺ : "عَلَيْكُم بالصَّدْقِ، فإنَّ الصَّدْقَ يَهدِي إِلَى البرِّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إِلَى الجَّنةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ ويَتَحَرَّى الصَّدْقَ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدَّيقًا، وإِيَّاكُمْ والكَذِبَ، فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويتحَرَّى الكَذِبَ حتَى يُكْتَبَ عِندَ الله كَذَّابًا".

стр. 2309

وفي رِوَايَةٍ: "إنَّ الصِّدقَ بِرٌ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الكَذِبَ فُجُورٌ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ". قوله: "عليكم بالصَّدْقِ"؛ يعني: الزموا الصِّدْقَ. "يَهْدِي"؛ أي: يَدُلُّ ويحصل. "ويتحرَّى"؛ أي: ويطلبُ ويجتهدُ في الطلب. روى هذا الحديث ابن مسعود. * * * ٣٧٥٤ - وقَالَ: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، ويَقُولُ خَيْرًا، ويَنْمِي خَيْرًا". قوله: "ليس الكذَّابُ الذي يُصْلِحُ بين الناس"؛ يعني: مَنْ كذبَ لأجل أن يُصْلِحَ بين عَدُوَّين لم يكنْ عليه بذلك الكذبِ إثمٌ، بل ثبتَ له فيه أجرٌ. مثاله: أراد زيدٌ أن يُصلِحَ بين عمروٍ وبَكْرٍ، يجيء زيدٌ إلى عمر ويقول: يسلِّمُ عليك بَكْرٌ ويمدحك، ويقول: أنا مُحِبُّه، وهكذا يجيءُ إلى بَكْرٍ ويبلغُه من عمرو السلامَ، فلا إثمَ على زيدٍ فيما يقول بين عمرو وبَكْرٍ مع أنه يسمَعُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهما شَتْمَ الآخر. نَمَى يَنْمِي نميًا: إذا بَلَّغَ أحدٌ حديثَ أحدٍ على وجْهِ الإصلاح، ونَمَّى تنميةً: إذا بلَّغه على وجه الإفساد. روى هذا الحديثَ أمُّ كلثوم بنت عقبة. * * * ٣٧٥٥ - وقَالَ: "إِذَا رَأيْتُم المَدَّاحينَ فاحثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ".

стр. 2310

قوله: "إذا رأيتم المَدَّاحِين فاحثُوا في وجوههم الترابَ"، (الحَثْوُ) في التراب بمنزلة الصَّبَّ في الماء؛ يعني: إذا رأيتم مَن يمدحُكم اجعلوهم محرومين عن العطاء، وامنعُوهم عن المدح، فإن مَن مَدَحَ أحدًا فهو عَدُوُّه؛ لأنه يجعلُه مغرورًا متكبرًا، ومن جعلَ أحدًا مغرورًا متكبرًا فلا يستحقُّ الإعزاز. وقيل: معنى هذا الحديث الأمرُ بدفع المالِ إليهم؛ يعني: المالُ حقيرٌ كالتراب، فاقطَعُوا به ألسنةَ المَدَّاحين كي لا يهْجُوكم ويذمُّوكم إن لم تُعْطُوهم. روى هذا الحديثَ مقدادُ بن الأسود. * * * ٣٧٥٦ - وعَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁ قَال: أَثْنى رَجُلٌ على رَجُلٍ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَال: "وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيْكَ - ثَلاثًا - مَن كَانَ مِنْكُم مَادِحًا لا مَحالَةَ فليَقُلْ: أَحْسِبُ فُلانًا والله حَسِيْبُه، إِنْ كَانَ يَرَى أنَّه كَذَلِكَ، ولَا يُزَكِّي على الله أَحَدًا". قوله: "أحسبُ فلانًا"؛ يعني: لا يقلْ جَزْمًا: إنَّ فلانًا رجلٌ صالح، بل ليقلْ: أحسَبُه؛ أي: أظنُّه صالحًا، وإنما نهاهم عن أن يمدَحُوا أحدًا كيلا يغترَّ الممدوحُ فيصيرَ متكبرًا، وحينئذٍ يرى نفسَه أفضلَ من غيره، والله تعالى يغضَبُ على مَن هذه صفتُه. قوله: "والله حسيبُه"؛ أي: محاسِبُه؛ أي: حسابُ كلَّ شخصٍ إلى الله تعالى يعلمُ كونَه صالحًا أو غيرَه، فإذا كان الله عالمًا بجميعِ الأشياء، فلا يحتاجُ إلى أن يُزَكِّيَ عندَه أحدٌ أحدًا. * * * ٣٧٥٧ - عن أَبي هُريْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُوْنَ مَا

стр. 2311

الغِيْبَةُ؟ " قَالُوا: الله ورَسَولهُ أَعلَمُ، قَال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بَما يَكْرَهُ"، قِيْل: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ في أَخِيْ مَا أَقُولُ؟ قَال: إنْ كَانَ فيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغتبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ فَقَد بَهَتَّهُ". ويُرْوَى: "إِذَا قُلْتَ لأَخيْكَ مَا فيهِ فَقْد اغْتبْتَهُ، وإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ". قوله: "بَهَتَّه"، أصله: بَهَتْتَه؛ أي: قلتَ فيه بُهْتانًا؛ أي: كذبًا عظيمًا. * * * ٣٧٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَجُلاً اسْتأذَنَ على النَّبيَّ ﷺ فَقَال: "ائْذَنُوا لَهُ، فبئسَ أَخُو العَشِيرَةِ هُوَ"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبيُّ ﷺ في وَجْهِهِ، وانْبَسَطَ إِليْه، فلمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَت عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ الله! قُلْتَ لهُ: كَذا وكَذا، ثُمَّ تَطلَّقتَ في وجْهِهِ، وانبسَطْتَ إليه! فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنَدَ الله مَنْزلةً يَومَ القِيَامةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتقَاءَ شَرِّه". ويُرْوَى: "اتّقاءَ فُحْشِهِ". قوله: "أخو العشيرة"، العشيرةُ: القبيلة؛ أي: بئس هو في قومه. "تَطَلَّقَ"؛ أي: أظهرَ عن نفسه البشاشةَ والفرحَ في وجهه. "وانبسطَ إليه": أي: تقرَّبَ منه وجعلَه قريبًا من نفسه، وتبسَّمَ في وجهه. "متى عاهدتني"؛ أي: متى رأيتنَي. "فحَّاشًا"؛ أي: سَبَّابًا؛ يعني: هو رجل سَوْء، ولكن لم أؤذِهِ؛ لأن إيذاءَ المسلمين ليس من خُلُقي. "مَنْ تركَه الناسُ اتقاءَ شَرِّه"؛ يعني: تركتُ إيذاءه وتطَّلقْتُ في وجهه كي لا يؤذِيَني بلسانه.

стр. 2312

و"شر الناس"؛ من تواضعَ إليه الناسُ من خوفِ لسانهِ لا لصلاحِه، وهذا الحديث رخصةٌ منه ﷺ في التواضُعِ إلى أحدِ لدفع ضَرَرِه عن نفسِه. * * * ٣٧٥٩ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا المُجاهِرِينَ، فإنَّ مِن المُجَاهَرةِ: أنْ يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصبحُ وقد سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلانُ! عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذا وكَذا، وقد بَاتَ يسْترُه رَبُّه، ويُصبحُ يكشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ". قوله: "كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهِرُون"، (معافًى) يشتركُ فيه المصدَرُ والزَّمان والمكانُ، مِن (عافَى): إذا أعطى الله أحدًا العافية، والعافيةُ: السلامةُ من المكروه. و (معافَىَ) هنا منصوبٌ على أنه مفعولٌ مطلق، وتقديرُه: كل أمتي عوفوا مُعَافًى؛ أي: رُزِقُوا العافية، (إلا المجاهرون)؛ يعني: الذين يُعْلِنُون الذنوبَ ويُظْهِرونها بين الناس. مَن أسرَّ ذنبَه سَلِمَ من ألسنة الناس وأيديهم، لا يعلمون حالَه حتى يغتابوه أو يقيموا عليه الحدود فلما أظهرَ ذنبَه وقعَ في ألسنة الناس وأيديهم. قوله: "وإنَّ مِن المَجَانَةِ"، (المجانة): مثلُ المُجُون، وهو عَدَمُ المبالاة بالقول والفِعْل؛ يعني: من أظهرَ ذنبَه بين الناسِ فهو الذي لا يبالي بأن يغتابَه الناسُ ويذمُّوه وينسِبُوه إلى الفاحشة، وهذا غير مَرْضيٍّ عند الله وعند الناس. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٧٦٠ - قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن تَرَكَ الكَذِبَ وهُوَ بَاطِلٌ بنيَ لَهُ في رَبَضِ

стр. 2313

الجَنّةِ، ومَن تَرَكَ المِراءَ وهُوَ مُحِقٌّ بنيَ لَهُ في وَسَطِ الجنَّةِ، ومَن حَسَّنَ خُلُقَه بنيَ لَهُ في أَعْلَاهَا". قوله: "من تركَ الكذبَ وهو باطلٌ"، الواو في (وهو) للحال؛ يعني: من تركَ الكذبَ في حال كونهِ باطلًا يستحقُّ الأجرَ وإن لم يكنِ الكذبُ كما ذكر في الإصلاح بينَ الخَصْمَين، فالإتيانُ بمثلِ ذلك الكذبِ يوجبُ الأَجْرَ، فلا يُستَحبُّ تركُه. "رَبَض الجنة"، - بفتح الباء -: حوالَيها من داخِلها لا مِن خارجها. "ومن تركَ المِرَاءَ وهو مُحِقٌّ", (المِرَاءُ): المجادلة، و (المُحِقُّ): الصادقُ والمتكلِّمُ بالحق؛ يعني: من ترك المجادلةَ مع أنَّ ما يقولُه حَقٌّ فقد استحقَّ أن يَسْكُنَ في وَسَطِ الجَنَّة؛ يعني: إذا تكلمتَ بكلامٍ فتكلَّمْ به عن اللُّطْفِ والرِّفْقِ لا عن العنف والمجادلة. روى هذا الحديثَ أنس. * * * ٣٧٦١ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَدْرُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ تَقْوَى الله وحُسنُ الخُلُقِ، أَتَدْرُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الأَجْوَفانِ: الفَمُ والفَرْجُ". قوله: "الأَجْوفان"؛ يعني: الفَمُ والفَرْجُ يُوْقِعان الناسَ في الإِثْم؛ لأن الرجلَ ربما لا يَقْنَعُ بقليلٍ من الحلال، ويطلُبُ الكثيرَ من الحرام، وكذلك الفَرْجُ ربما يستعمِلُه الرجلُ في الحَرَام، فيدخلُ بسببه النار. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 2314

٣٧٦٢ - وقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الخَيْر مَا يَعْلمُ مَبْلَغَها، يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا رِضْوانَه إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مبلَغَها، يَكْتُبُ الله بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَه إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". قوله: "ما يعلمُ مَبْلَغَها"؛ يعني: لا يعلمُ قَدْرَ تلك الكلمةِ؛ يعني: رُبَّما يتكلَّمُ الرجلُ بكلمةٍ من الخيرِ وهو يظنُّها قليلًا، وهي عظيم عند الله، فيحصُلُ له بها رضوانُ الله إلى يومِ يَلْقَاه، وربما يَتَكلَّمُ بكلمةٍ من الشَّرِّ يَظُنُّها قليلًا ولا يبالي بها، فيحصُلُ له بها سُخْطُ الله "إلى يوم يلقاه"؛ أي: إلى يوم القيامة. روى هذا الحديثَ بلالُ بن الحارث المُزَني. * * * ٣٧٦٣ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ويْلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضحِكَ بهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وُيْلٌ له". قوله: "ويلٌ لمن يحدِّثُ فيكذِبُ ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له"، هذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ مَن حَدَّثَ بحديثِ صِدْقٍ في المزاح فَيَضْحَك بذلك الحديثِ الحاضرون ليس عليه بأسٌ؛ لأنه قد ذُكِرَ في (باب المصافحة): أن أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ يُضْحِكُ القومَ بحضرة النبي ﷺ . قوله: (ويلٌ له)؛ أي الهلاكُ حاصلٌ، وقيل (الويلُ) اسمُ وادٍ في جهنَّم. روى هذا الحديثَ معاويةُ بن حَيْدَة القُشَيْري. * * * ٣٧٦٤ - وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ لَيَقُولُ الكَلِمَةَ لَا يَقْولُها إِلَاّ ليُضحِكَ بِهَا النَّاسَ يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مَمَّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وإِنَّه لَيزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قدمِهِ".

стр. 2315

قوله: "يَهْوِي"؛ أي: يسقطُ "بها"؛ أي: بسبب تلك الكلمة الكاذبة؛ يعني: يبعُدُ عن الخير والرحمة بسبب تلك الكذبة بُعْدًا أبعدَ ما بين السماء والأرض. "ليَزِلُّ"؛ أي: لَيْسُقُطُ؛ يعني: السقوطُ عن لسانه أشدُّ من السقوط عن رجلهِ. يعني: صدورُ الكذب والفاحشة من لسانهِ أضرُّ له مما يحصُلُ له من ضررِ سقوطهِ على وجهه. روى هذا الحديثَ معاويةُ المذكور. * * * ٣٧٦٥ - وقَالَ: "كَفَى بالْمَرءَ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ". قوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّثَ بكل ما سمع"؛ يعني: لو لم يكن للرجل كذبٌ سوى أن يتكلَّمَ بكلِّ ما سمعَ لكفاه من الذنب؛ يعني: لا يجوزُ التحدُّثُ بكلَّ ما يسمعُه الرجلُ، بل يجبُ عليه الاحتياطُ في التجسُّس عن حالِ الراوي أنه عَدْلٌ أم لا، كما ذكر في ديباجة هذا الكتاب. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٣٧٦٦ - وقَالَ: "مَن صَمَتَ نَجَا". قوله: "من صَمَتَ نجا"؛ يعني: مَن سَكَتَ عن الشَّرِّ فقد خَلُصَ من جَهَنَّم، ومن شَرِّ لسانه، فإن الرجلَ ربما يتكلَّمُ بكلام يلحقُه ضررٌ عظيمٌ في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →