الغِيْبَةُ؟ " قَالُوا: الله ورَسَولهُ أَعلَمُ، قَال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بَما يَكْرَهُ"، قِيْل: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ في أَخِيْ مَا أَقُولُ؟ قَال: إنْ كَانَ فيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغتبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ فَقَد بَهَتَّهُ".
ويُرْوَى: "إِذَا قُلْتَ لأَخيْكَ مَا فيهِ فَقْد اغْتبْتَهُ، وإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ".
قوله: "بَهَتَّه"، أصله: بَهَتْتَه؛ أي: قلتَ فيه بُهْتانًا؛ أي: كذبًا عظيمًا.
* * *
٣٧٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَجُلاً اسْتأذَنَ على النَّبيَّ ﷺ فَقَال: "ائْذَنُوا لَهُ، فبئسَ أَخُو العَشِيرَةِ هُوَ"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبيُّ ﷺ في وَجْهِهِ، وانْبَسَطَ إِليْه، فلمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَت عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ الله! قُلْتَ لهُ: كَذا وكَذا، ثُمَّ تَطلَّقتَ في وجْهِهِ، وانبسَطْتَ إليه! فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنَدَ الله مَنْزلةً يَومَ القِيَامةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتقَاءَ شَرِّه".
ويُرْوَى: "اتّقاءَ فُحْشِهِ".
قوله: "أخو العشيرة"، العشيرةُ: القبيلة؛ أي: بئس هو في قومه.
"تَطَلَّقَ"؛ أي: أظهرَ عن نفسه البشاشةَ والفرحَ في وجهه.
"وانبسطَ إليه": أي: تقرَّبَ منه وجعلَه قريبًا من نفسه، وتبسَّمَ في وجهه.
"متى عاهدتني"؛ أي: متى رأيتنَي.
"فحَّاشًا"؛ أي: سَبَّابًا؛ يعني: هو رجل سَوْء، ولكن لم أؤذِهِ؛ لأن إيذاءَ المسلمين ليس من خُلُقي.
"مَنْ تركَه الناسُ اتقاءَ شَرِّه"؛ يعني: تركتُ إيذاءه وتطَّلقْتُ في وجهه كي لا يؤذِيَني بلسانه.
стр. 2312
و"شر الناس"؛ من تواضعَ إليه الناسُ من خوفِ لسانهِ لا لصلاحِه، وهذا الحديث رخصةٌ منه ﷺ في التواضُعِ إلى أحدِ لدفع ضَرَرِه عن نفسِه.
* * *
٣٧٥٩ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا المُجاهِرِينَ، فإنَّ مِن المُجَاهَرةِ: أنْ يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصبحُ وقد سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلانُ! عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذا وكَذا، وقد بَاتَ يسْترُه رَبُّه، ويُصبحُ يكشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ".
قوله: "كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهِرُون"، (معافًى) يشتركُ فيه المصدَرُ والزَّمان والمكانُ، مِن (عافَى): إذا أعطى الله أحدًا العافية، والعافيةُ: السلامةُ من المكروه.
و (معافَىَ) هنا منصوبٌ على أنه مفعولٌ مطلق، وتقديرُه: كل أمتي عوفوا مُعَافًى؛ أي: رُزِقُوا العافية، (إلا المجاهرون)؛ يعني: الذين يُعْلِنُون الذنوبَ ويُظْهِرونها بين الناس. مَن أسرَّ ذنبَه سَلِمَ من ألسنة الناس وأيديهم، لا يعلمون حالَه حتى يغتابوه أو يقيموا عليه الحدود فلما أظهرَ ذنبَه وقعَ في ألسنة الناس وأيديهم.
قوله: "وإنَّ مِن المَجَانَةِ"، (المجانة): مثلُ المُجُون، وهو عَدَمُ المبالاة بالقول والفِعْل؛ يعني: من أظهرَ ذنبَه بين الناسِ فهو الذي لا يبالي بأن يغتابَه الناسُ ويذمُّوه وينسِبُوه إلى الفاحشة، وهذا غير مَرْضيٍّ عند الله وعند الناس.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٧٦٠ - قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن تَرَكَ الكَذِبَ وهُوَ بَاطِلٌ بنيَ لَهُ في رَبَضِ
стр. 2313
الجَنّةِ، ومَن تَرَكَ المِراءَ وهُوَ مُحِقٌّ بنيَ لَهُ في وَسَطِ الجنَّةِ، ومَن حَسَّنَ خُلُقَه بنيَ لَهُ في أَعْلَاهَا".
قوله: "من تركَ الكذبَ وهو باطلٌ"، الواو في (وهو) للحال؛ يعني: من تركَ الكذبَ في حال كونهِ باطلًا يستحقُّ الأجرَ وإن لم يكنِ الكذبُ كما ذكر في الإصلاح بينَ الخَصْمَين، فالإتيانُ بمثلِ ذلك الكذبِ يوجبُ الأَجْرَ، فلا يُستَحبُّ تركُه.
"رَبَض الجنة"، - بفتح الباء -: حوالَيها من داخِلها لا مِن خارجها.
"ومن تركَ المِرَاءَ وهو مُحِقٌّ", (المِرَاءُ): المجادلة، و (المُحِقُّ): الصادقُ والمتكلِّمُ بالحق؛ يعني: من ترك المجادلةَ مع أنَّ ما يقولُه حَقٌّ فقد استحقَّ أن يَسْكُنَ في وَسَطِ الجَنَّة؛ يعني: إذا تكلمتَ بكلامٍ فتكلَّمْ به عن اللُّطْفِ والرِّفْقِ لا عن العنف والمجادلة.
روى هذا الحديثَ أنس.
* * *
٣٧٦١ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَدْرُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ تَقْوَى الله وحُسنُ الخُلُقِ، أَتَدْرُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الأَجْوَفانِ: الفَمُ والفَرْجُ".
قوله: "الأَجْوفان"؛ يعني: الفَمُ والفَرْجُ يُوْقِعان الناسَ في الإِثْم؛ لأن الرجلَ ربما لا يَقْنَعُ بقليلٍ من الحلال، ويطلُبُ الكثيرَ من الحرام، وكذلك الفَرْجُ ربما يستعمِلُه الرجلُ في الحَرَام، فيدخلُ بسببه النار.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
стр. 2314
٣٧٦٢ - وقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الخَيْر مَا يَعْلمُ مَبْلَغَها، يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا رِضْوانَه إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مبلَغَها، يَكْتُبُ الله بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَه إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ".
قوله: "ما يعلمُ مَبْلَغَها"؛ يعني: لا يعلمُ قَدْرَ تلك الكلمةِ؛ يعني: رُبَّما يتكلَّمُ الرجلُ بكلمةٍ من الخيرِ وهو يظنُّها قليلًا، وهي عظيم عند الله، فيحصُلُ له بها رضوانُ الله إلى يومِ يَلْقَاه، وربما يَتَكلَّمُ بكلمةٍ من الشَّرِّ يَظُنُّها قليلًا ولا يبالي بها، فيحصُلُ له بها سُخْطُ الله "إلى يوم يلقاه"؛ أي: إلى يوم القيامة.
روى هذا الحديثَ بلالُ بن الحارث المُزَني.
* * *
٣٧٦٣ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ويْلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضحِكَ بهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وُيْلٌ له".
قوله: "ويلٌ لمن يحدِّثُ فيكذِبُ ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له"، هذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ مَن حَدَّثَ بحديثِ صِدْقٍ في المزاح فَيَضْحَك بذلك الحديثِ الحاضرون ليس عليه بأسٌ؛ لأنه قد ذُكِرَ في (باب المصافحة): أن أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ يُضْحِكُ القومَ بحضرة النبي ﷺ .
قوله: (ويلٌ له)؛ أي الهلاكُ حاصلٌ، وقيل (الويلُ) اسمُ وادٍ في جهنَّم.
روى هذا الحديثَ معاويةُ بن حَيْدَة القُشَيْري.
* * *
٣٧٦٤ - وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ لَيَقُولُ الكَلِمَةَ لَا يَقْولُها إِلَاّ ليُضحِكَ بِهَا النَّاسَ يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مَمَّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وإِنَّه لَيزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قدمِهِ".
стр. 2315
قوله: "يَهْوِي"؛ أي: يسقطُ "بها"؛ أي: بسبب تلك الكلمة الكاذبة؛ يعني: يبعُدُ عن الخير والرحمة بسبب تلك الكذبة بُعْدًا أبعدَ ما بين السماء والأرض.
"ليَزِلُّ"؛ أي: لَيْسُقُطُ؛ يعني: السقوطُ عن لسانه أشدُّ من السقوط عن رجلهِ.
يعني: صدورُ الكذب والفاحشة من لسانهِ أضرُّ له مما يحصُلُ له من ضررِ سقوطهِ على وجهه.
روى هذا الحديثَ معاويةُ المذكور.
* * *
٣٧٦٥ - وقَالَ: "كَفَى بالْمَرءَ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ".
قوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّثَ بكل ما سمع"؛ يعني: لو لم يكن للرجل كذبٌ سوى أن يتكلَّمَ بكلِّ ما سمعَ لكفاه من الذنب؛ يعني: لا يجوزُ التحدُّثُ بكلَّ ما يسمعُه الرجلُ، بل يجبُ عليه الاحتياطُ في التجسُّس عن حالِ الراوي أنه عَدْلٌ أم لا، كما ذكر في ديباجة هذا الكتاب.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٧٦٦ - وقَالَ: "مَن صَمَتَ نَجَا".
قوله: "من صَمَتَ نجا"؛ يعني: مَن سَكَتَ عن الشَّرِّ فقد خَلُصَ من جَهَنَّم، ومن شَرِّ لسانه، فإن الرجلَ ربما يتكلَّمُ بكلام يلحقُه ضررٌ عظيمٌ في الدنيا والآخرة.
стр. 2316
روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو.
٣٧٦٧ - وقَالَ عُقْبَةُ بن عَامِر: لَقِيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: "املِكْ عَلَيكَ لِسَانَكَ، ولْيَسَعْكَ بيتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيْئَتِكَ".
قوله: "أَمْلِكْ عليك لسانَك"؛ يعني: احفظْ لسانك عما ليس فيه خيرٌ.
قوله: "وليَسَعْكَ بيتُك"؛ يعني: اسكن في بيتك ولا تخرجْ منه إلا إلى أمرٍ ضروري، ولا تجالسِ الناسَ، فإنَّ في مجالسةِ أكثرِ الناس ضَرَرًا.
* * *
٣٧٦٨ - عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ رَفَعَهُ، قَالَ: "إِذَا أَصْبَحَ ابن آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسانَ فتَقُولُ: اتَّقِ الله فيْنَا، فإنَّما نَحْنُ بِكَ، فإنْ استَقَمْتَ استَقَمْنا، وإنْ اعْوَجَجْتَ اعْوجَجْنَا".
قوله: "تُكَفِّرُ اللسانَ"؛ أي: تخضَعُ له.
"فتقولُ"؛ أي: فتقولُ الأعضاءُ لِلَّسان: "اتقِ فينا"؛ أي: اتق الله في حِفْظ حقوقنا.
"فإنَّا نحن بك"؛ أي: فإنَّا نتعلَّقُ بك، فإن كنتَ صالحًا تكون صالحة، وإن كنت فاسدًا تكون فاسدة.
"اعوَّج"، ضد استقام.
* * *
٣٧٦٩ - وقَالَ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلام المَرءِ تَرْكُه مَا لا يَعْنيهِ".
стр. 2317
قوله: "من حُسْنِ اسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه"؛ أي: ما لا ضرورةَ له فيه ولا ينفعُه؛ يعني: إسلامُ الرجل يحسُنُ ويكمُلُ بأن يتركَ من الأفعال والأقوال ما لا ينفعُه، ولا ضرورةَ له فيه.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٧٧٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: تُوفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابةِ فَقَال رَجُلٌ: أبشِرْ بالجنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَلا تَدْرِي، فلعَلَّه تكلَّمَ فيْمَا لا يَعْنِيهِ، أو بَخِلَ بِمَا لا يُنقِصُهُ".
قوله: "أَبْشِرْ بالجَنَّة"؛ يعني: افرح بحصولِ الجَنَّةِ لك بأن صَحِبْتَ النبيَّ ﷺ .
"أوْلا تدري"، بسكون الواو؛ يعني: أتدري أنه من أهلِ الجَنَّةِ؟ أو لا تدري بأيِّ شيءٍ علمتُ أنه مِن أهل الجنة؟
"فلعلَّه تكلَّمَ فيما لا يعنيه"؛ أي: تكلَّمَ بكلامٍ يضُّره في الآخرة.
"أو بَخِلَ بما لا يَنْقُصُه"؛ أي: بالتكلُّم في الخير، فإنه لا ينقصُ من لسانه شيءٌ بأن يُعَلِّمَ الناسَ ما يحتاجون إليه، ويُرْشِدَهم وينصحَهم، ويتلطَّفَ بهم باللسان، ويعينَهم بيديه، ويمشيَ برجليه في حاجةٍ لهم.
* * *
٣٧٧٢ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذا كَذَبَ العَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ مِيْلًا مِن نَتْنِ مَا جَاءَ بهِ".
قوله: "مِيلًا"؛ أي: ثُلُثَ فَرْسَخٍ.
стр. 2318
"مِن نَتْنِ" أي: من خُبْثِ "ما جاء به"؛ أي: من الكذب الذي تكلَّم به.
روى هذا الحديثَ ابن عمر.
* * *
٣٧٧٣ - وقَالَ: "كَبُرَتْ خِيَانةً أنْ تُحدِّثَ أَخَاكَ حَدِيْثًا، هُوَ لَكَ بهِ مُصَدِّقٌ، وأَنْتَ بهِ كَاذِبٌ".
قوله: "كَبُرَ خيانةً"؛ يعني: إذا تُحَدِّثُ أخاك بحديثِ كذبٍ وهو يظنُّ أنك صادقٌ في كلامك، ويغترُّ بكلامك فهذا خيانةٌ عظيمة.
روى هذا الحديث سفيان بن أُسَيد الحَضْرمي.
* * *
٣٧٧٤ - وقَالَ: "مَن كَانَ ذا وَجْهَينِ في الدُّنيا، كَانَ لَهُ يَومَ القِيامةِ لِسَانَانِ مِن نَارٍ".
قوله: "من كانَ ذا وجهين"؛ يعني: من كانَ مع كلَّ واحدٍ من العَدُوَّين كأنه صديقُه، ويذمُّ عند هذا ذلك، وعند ذلك يذمُّ هذا؛ لتزدادَ بينهما العداوةُ، وليحسِنَ إليه كلُّ واحدٍ منهما بأن يظنَّه ناصرًا له.
روى هذا الحديثَ عمار بن ياسر.
* * *
٣٧٧٥ - وقَالَ: "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، ولا باللَّعَّانِ، ولا الفَاحِشِ، ولا البَذِيء"، غريب.
قوله: "ليس المؤمنُ بالطَّعَّان"؛ أي: ليس المؤمنُ الكاملُ طَعَّانًا، وهو الذي
стр. 2319
يعيبُ الناس، "اللَّعَّان": من يُكْثِرُ اللَّعْنَ، "الفاحش": الشاتم، "البذيء": الذي ليس له حياءٌ.
روى هذا الحديثَ ابن مسعود.
* * *
٣٧٧٦ - وقَالَ: "لا يَكُونُ المُؤْمِنُ لَعَّانًا".
وفي رِوَايةٍ: "لا يَنْبَغِي للمُؤْمنِ أنْ يَكُونَ لعَّانًا".
قوله: "لا يكون المؤمنُ لَعَّانًا"؛ أي: ليس من صفة المؤمنِ الكاملِ أن يَلْعَنَ أحدًا.
روى هذا الحديثَ ابن عمر.
* * *
٣٧٧٧ - وقَالَ: "لا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ الله، ولا بِغَضَبِ الله، ولا بِجَهَنَّم".
وفي رِوَايَةٍ: "ولا بالنَّارِ".
قوله: "لا تلاعَنُوا بلعنة الله"، (لا تلاعَنُوا): أصلُه: لا تتلاعَنُوا، فحذَفَ إحدى التاءين للتخفيف؛ يعني: لا تقولُوا لمسلم: عليكَ لعنةُ الله، ولا تقولوا: عليك غضبُ الله، ولا تقولوا: لك جهنمُ، أو لك النارُ، أو أدخلكَ الله جهنَّمَ، وما أشبَه ذلك؛ لأن التكلُّمَ بهذه الألفاظ لأحدٍ، فإن أراد المتكلِّم الإخبارَ - يعني: حصولَ هذه الأشياء له - فقد أخبرنا عن الغيب، ولا يعلمُ الغيبَ أحدٌ إلا الله، وإن قال هذا الكلام له على طريق الدعاءِ عليه، فقد ضادَّ الله ورسوله؛ لأنه لا يحصل له لعنةُ الله وغضبُه إلا أن يصيرَ كافرًا، أو يفعلَ كبيرةً من الذنوب، وكأنه أرادَ الكفر، أو فعلَ كبيرة لأحد، وإرادةُ الكفرِ وفعلُ الكبيرة مضادَّةٌ الله ورسوله.
стр. 2320
روى هذا الحديثَ سُمُرَةُ بن جُنْدُب.
* * *
٣٧٧٨ - وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ إذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ اللَّعنةُ إلى السَّماءِ، فتُغلَقُ أبْوَابُ السَّماءَ دُوْنَها، ثُمَّ تَهْبطُ إلى الأَرضِ فَتُغْلَقُ أبوابُها دونَها، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمْيَنًا وشِمَالًا فإذا لَمْ تَجِدْ مَساغًا رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإنْ كَانَ لِذَلكَ أَهَلًا، وإلَاّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها".
قوله: "أخذ يمينًا وشمالًا"؛ أي: طَفِقَ يتردَّد يمينًا وشمالاً.
"مَسَاغًا"؛ أي: مَدْخَلاً وطريقًا.
"إلى الذي لُعِن"، بضم اللام وكسر العين؛ أي: إلى الملعون إن كانتْ اللعنةُ عليه بالحقَّ، فإن كان مظلومًا.
"رجعت" اللعنة "إلى قائلها".
روى هذا الحديثَ أبو الدَّرْدَاء.
* * *
٣٧٨٠ - وقَالَ: "لا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إليْكُمْ وأَنَا سَلْيمُ الصَّدرِ".
قوله: "لا يُبَلِّغُني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا"؛ يعني: لا يبلِّغُني أحدٌ عن أصحابي أنه شَتَمَ أحدًا أو آذى، أو فيه خَصْلَةُ سوءٍ؛ لئلَاّ أغضبَ عليه، فإني أريد أن أكونَ معكم صادقَ النية، وليس في قلبي غضبٌ وحقدٌ لأحد، وهذا تعليمٌ للأمة؛ يعني: لا يجوزُ لأحدٍ أن ينقُلَ من أحدٍ إلى أحد شَتْمًا أو لَعْنًا وغيرَها؛ لئلَاّ يقعَ بينهما عداوةٌ، وهذا هو النَّميمة.
стр. 2321
روى هذا الحديثَ ابن مسعود.
* * *
٣٧٨١ - وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قلتُ للنَّبيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِن صَفِيَّةَ كَذَا وكَذَا، تَعِنْي: قَصِيْرةً، فَقَال: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا البَحْرُ لَمَزَجَتْهُ"، صَحَّ (١).
قوله: "حَسْبُك من صَفِيَّةَ كذا وكذا"؛ يعني: قِصَرُها.
"لمَزَجَتْه"؛ أي: لغلبَتْ كلمتُكِ على البَحْر، وكَدَّرَتْ ماءَه من غاية قُبْحِها.
* * *
٣٧٨٢ - وقَالَ: "مَا كَانَ الفُحْشُ في شَيْءٍ إلَاّ شَانَهُ، ومَا كَانَ الحَيَاءُ في شَيْءٍ إلَاّ زَانَهُ".
قوله: "إلا شانَه"؛ يعني: إلا كدَّرَه وجعلَه قبيحًا.
روى هذا الحديثَ أنسٌ.
* * *
٣٧٨٣ - وقَالَ: "مَن عيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يعمَلَهُ"، منقطع.
قوله: "من عَيَّرَ أخاه"، (التَّعْييرُ) - بالعين المهملة -: اللَّوْمُ.
روى هذا الحديثَ معاذٌ.
* * *
стр. 2322
٣٧٨٤ - وقَالَ: "لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخيك، فَيَرْحَمُهُ الله ويَبْتَلِيْكَ"، غريب.
قوله: "لا تظهرِ الشَّماتَةَ"؛ يعني: لا تفرحْ بذنبٍ صدَرَ من عدوِّك أو غيرِه، فلعلَّك تقعُ في مثلِ ذلك الذنبِ.
روى هذا الحديثَ واثلةُ بن الأَسْقَع.
* * *
٣٧٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا وأَنَّ لِيْ كَذا وكَذا"، صَحِيْح.
قوله: "ما أُحِبُّ أني حكيتُ أحدًا وأنَّ لي كذا وكذا"؛ يعني: ما أحبُّ أنْ أتحدثَ بعيبِ أحدٍ، ولو أُعْطيتُ كذا وكذا من الدنيا بسببِ ذلك الحديث.
* * *
٣٧٨٦ - عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ فأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ عَقَلَها، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ ، فلَمَّا سَلَّم أَتَى راحِلَتَهُ فأَطْلَقَها، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى: اللهمَّ! ارْحَمْني ومُحَمَّدًا، ولا تُشْرِكْ في رَحْمَتِنا أَحدًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَتَقُولُونَ: هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيْرُهُ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى مَا قَالَ؟! قَالُوا: بَلَى".
قوله: "فأَطْلَقَها"، (الإطلاقُ): ضدُّ التقييد؛ يعني: بعثَ راحلتَه وساقَها.
* * *
١١ - باب الوَعْدِ
(باب الوعد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧٨٧ - عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ الله ﷺ ، وجَاءَ أَبا بَكْرٍ مَالٌ
стр. 2323
مِنْ قِبَلِ العَلاءِ بن الحَضْرَميِّ، فقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِنْ كَانَ لهُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ دَيْنٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأتِنَا، قَالَ جَابرٌ ﵁: فَقُلْتُ: وَعَدَني رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُعْطِيَني هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، قَالَ جَابرُ ﵁: فَحَثا لِي حَثْيةً فَعَدَدْتُها فإِذَا هي خَمْسُ مئةٍ، قَالَ: خُذْ مِثْلَيْها.
قوله: "من قِبَلِ العلاءِ بن الحَضْرَمي"؛ يعني: من جهته، ومن عند العلاء، وهو كان عاملَ رسول الله ﷺ .
"قِبَلَه عِدَةٌ"؛ أي: عندَه وعدٌ، والعِدَةُ والوَعْدُ واحدٌ، كان أبو بكر خليفةُ رسول الله ﷺ يقضي دينَ رسولِ الله ﷺ ، ويفي عنه بما وعدَ أحدًا أن يعطيَه شيئًا.
"فحثا لي حَثْيَةً"؛ أي: ملأَ كفيه من الدراهم وصبَّه في ذيلي، وقال: خذ كَفَّينِ آخرين.
* * *
٣٧٨٨ - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، وكَانَ الحَسَنُ بن عَلِيٍّ ﵁ يُشْبهُهُ، وأَمَرَ لَنَا بثلاثةَ عَشَرَ قَلُوْصًا، فذَهَبنا نَقْبضُها فَأَتَانا مَوْتُهُ، فَلَمّا قَامَ أبو بَكْرٍ قَالَ: مَنْ كانَتْ لهُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ عِدَةٌ فَلْيَجئْ، فَقُمْتُ إلَيْهِ فأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَ لَنَا بِهَا.
قوله: "بثلاثَة عشرَ قَلُوصًا"، القَلُوصُ: الناقةُ الشَّابَّة.
* * *
٣٧٨٩ - عَنْ عَبدِ الله بن أَبِي الحَسْمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: بايَعْتُ النَّبيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أنْ آتيَهُ بهَا في مَكَانِهِ فَنَسِيتُ، فذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلاثٍ، فإِذَا هُوَ في مَكَانِهِ، فَقَالَ: "لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَا هُنا مُنْذُ ثَلاثٍ أَنْتَظِرُكَ".
стр. 2324
قوله: "بايعتُ النبيَّ ﷺ "؛ أي: اشتريتُ منه شيئًا.
"قبل أن يُبْعَثَ"؛ أي: قبل أن يُوْحَى إليه.
"وبَقِيَتْ له بَقِيَّةٌ"؛ أي: بقيَ له من ثمنِ ذلك المبيعِ شيءٌ.
"فإذا هو في مكانُه"؛ أي: جئتُ إلى ذلك المكانِ فإذا هو ﷺ ينتظرني بذلك المكان، ولم يخرجْ من ذلك المكان وفاءً بما وعدَ من لزوم ذلك المكانِ حتى أجيئَه بما بقيَ من الثمن، وذلك الانتظار منه ﷺ كان للوفاء بما وعدَ، لا لحرصِ قَبْضِ باقي الثمن.
* * *
٣٧٩٠ - عَنْ زيدِ بن أَرْقَمَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، ومِنْ نِيَّتِهِ أنْ يَفيَ، فَلَمْ يَفِ وَلَمْ يَجيءْ للمِيعادِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ".
قوله: "إذا وعدَ الرجلُ أخاه ومن نِيَّتهِ أن يفيَ فلم يفِ، ولم يَجئْ للميعادِ فلا إثمَ عليه"، الضمائر في هذا الحديث للرجلِ؛ يعني: إذا كان نيةُ الرجلِ أن يفعل فعلاً، أو يفيَ بما وعد، فاعترضَه مانعٌ، ومنعَه عن الوفاء بما وعدَ فلا إثمَ عليه.
* * *
٣٧٩١ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَامرٍ قَالَ: دَعَتْني أُمِّي يَوْمًا ورَسُولُ الله ﷺ قاعِدٌ في بَيْتِنا فقالَتْ: تَعَالَ أُعْطِيْكَ، فقالَ لَهَا رَسُوْلُ الله ﷺ : "أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيْهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ".
قوله: "كُتِبَتْ عليكَ كِذْبَة"؛ أي: كُتِبَتْ هذه الكلمةُ عليكَ كِذْبةً، لا شكَّ أنَّ من قال: أفعلُ كذا، ولم يفعلْ ذلك الشيءَ مع القُدْرة = تكونُ مخالفتُه ما قال مع
стр. 2325
القُدْرة كذبًا، هذا هو الحقيقة، وأما من قال لأحد: أعطيكَ شيئًا، لم يجبْ عليه الوفاءُ بما وعد، بل الوفاءُ بما وعدَ تبرُّعٌ وإحسان.
* * *
١٢ - باب المُزَاحِ
(باب المزاح)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧٩٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبيُّ ﷺ لَيُخالِطُنَا حتَّى يَقُولَ لأِخٍ لِي صَغيرٍ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " كَانَ لَهُ نُغَيرٌ يَلْعَبُ بهِ فَمَاتَ.
قوله: "إنْ كان النبيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنا"، (إن) ها هنا مخففةٌ بمعنى المشدَّدة؛ أي: إنه ﷺ كان يجالِسُنا ويمزَحُ.
"ما فعل النُّغَير"، نُغَير تصغير نَغْر، وهو اسمُ نوعٍ من الطير.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٧٩٣ - عَنْ أَبيْ هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إنَّكَ تُداعِبنا. قال: "إِنِّي لَا أقَوُلُ إلَاّ حَقًّا".
قوله: "تُدَاعِبنا"؛ أي: تَمْزَحُنا.
* * *
٣٧٩٤ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا استَحْمَلَ رَسُوْلَ الله ﷺ ، فَقَالَ: "إنِّي
стр. 2326
حَامِلُكَ على وَلَدِ نَاقةٍ"، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وهَلْ تَلِدُ الإبلَ إِلَاّ النُّوقُ؟ ".
قوله: "اسْتَحْمَلَ"؛ أي: طلبَ منه ﷺ أن يحملَه على دابةٍ.
"ما أَصنعُ بولدِ ناقة"، إنما قال الرجلُ هذا الكلامَ؛ لأنه ظنَّ أن رسولَ الله ﷺ يحملُه على ولدٍ صغيرٍ لا يطيقُه، فقال الرجل: ما أصنَعُ بولدِ ناقة؛ يعني: ولدٌ لا يطيقُ أن يَحمِلَني، فقال رسول الله ﷺ :
"وهل تَلِدُ الإبلَ إلا النُّوقُ"؛ يعني: جميع الإبل تَلِدُه النوقُ.
(النوقُ): جمع ناقة، وهي الأنثى من الإبل؛ يعني: جميعُ الإبلِ ولدُ الناقة صغيرًا كان أو كبيرًا؛ يعني: قوله: أحملك على ولد الناقة، أريدُ ولدًا كبيرًا يُطيقَ حملَك، هذا من جملةِ مُزاحهِ ﷺ .
* * *
٣٧٩٦ - ورُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِعَجوزٍ: "إنَّ الجنَّةَ لا يَدْخُلُهَا العُجَّزُ"، فَوَلَّتْ تَبْكِي. قَالَ: "أَخْبرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وَّهَيَ عَجُوزٌ، إنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارً﴾ ".
قوله: "لا يَدْخُلُها العُجُز"، (العُجُزُ) - بضم العين والجيم - جمعُ عجوز.
"فولَّتْ تبكي"؛ أي: أعرضَتْ تبكي؛ لأنها ظَنَّتْ أن العجوزَ لا تدخُلُ الجنَّةَ قَطُّ، فقال رسول الله ﷺ : أخبروها بأنها لا تدخلُ الجنةَ في حال كونِها عجوزًا، بل صيَّرَها الله شابةً بِكْرًا، وكذلك جميعُ الإنسان يكونون على سِنِّ مَن له ثلاثون سنة.
قوله تعالى: " ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ "؛ أي: إنا خَلَقْنا وصَيَّرْنا النساءَ يومَ القيامة
стр. 2327
أبكارًا شوابَّ.
* * *
٣٧٩٧ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَجُلًا مِنَ البَادِيَةِ اسمُهُ: زاهِرُ بن حَرَامٍ كان يَهدِي للنَّبيِّ ﷺ مِنَ البَاديَةِ فيُجَهِّزُهُ رَسُولُ الله ﷺ إِذا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ زاهرًا بادِيتُنا، ونَحْنُ حَاضروُهُ"، وكَانَ النَّبي ﷺ يُحِبُّهُ، وكَانَ دَميْمًا، فَأَتَى النَّبيُّ ﷺ يَوْمًا وهُوَ يَبيعُ مَتاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لا يُبْصِرُهُ، فقال: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبيَّ ﷺ ، فَجَعَلَ لا يَأْلُو مَا ألْزَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبيِّ ﷺ حِينَ عَرَفَهُ، وجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ يَقولُ: "مَنْ يَشْتَري العَبْدَ؟ "، فقالَ: يا رسولَ الله! إذًا والله تَجِدُني كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَكِنْ عِنْدَ الله لَسْتَ بِكَاسِدٍ".
قوله: "يُهْدِي"؛ أي: يرسلُ إلى النبي ﷺ من متاع البادية من الرَّياحين والأَدوية.
"فيُجَهِّزُه"؛ أي: يهيئُ أسبابَه؛ أي: يعطيه العِوَضَ من أمتعة البَلَد.
"إنَّ زاهِرًا بادِيَتُنا، ونحن حاضروه"؛ يعني: إن هذا الرجلَ يأتينا من أمتعة البادية بما نُريد، فكأنه بادِيَتُنا، ونحن نُهْدِي ما يريدُ من أمتعة البَلَدِ فكأنَّا بلدٌ له.
"وكان دَميمًا"؛ أي: قبيحَ الوجه.
"فاحتضَنَه"؛ أي: أخذَه "من خَلْفِه".
"فقال"؛ أي: فقال زاهر: "أرْسِلْني"؛ أي: اتْرُكْني.
"لا يألو"؛ أي: لا يُقَصِّرُ، و (لا يألو) معناه: ولا يزال، (ما) في "ما ألْزَقَ": زائدة، (أَلْزَقَ) معناه: أَلْصَقَ.
* * *
стр. 2328
٣٧٩٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بن بشيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكرٍ ﵁ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشةَ ﵂ عالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَناوَلَها لِيَلْطِمَهَا، وقَالَ: لَا أَراكِ تَرْفَعينَ صَوْتَكِ على رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَحْجِزُهُ، وَخَرَجَ أَبو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ حِيْنَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: "كَيْفَ رأَيْتَنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟ "، قَالَتْ: فمكَثَ أَبُو بكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأذَنَ فَوَجَدَهُمَا قَدْ اضْطَجَعَا، فَقَالَ لَهُما: أَدْخِلَانِي في سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي في حَرْبكُمَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : قَدْ فَعَلْنَا، قد فَعَلْنا".
قوله: "فتناوَلَها"؛ أي: أَخَذَها "لِيَلْطِمَها"؛ أي: ليضربَها.
"فجعلَ"؛ أي: فطَفِقَ "يَحْجِزُه"؛ أي: يمنعُه كي لا يضربَها.
"أَنْقَذْتُكِ"؛ أي: خَلَّصْتُكِ "مِنَ الرَّجُل"؛ أي: مِن أبيك.
"في سِلْمِكما"؛ أي: في صُلْحِكما.
"قد فَعَلْنا"؛ أي: قد أدخلْناك في صُلْحِنا.
* * *
٣٨٠٠ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "لا تُمارِ أَخاكَ، ولا تُمازِحْهُ، ولا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ".
قوله: "لا تُمَارِ أَخَاك"، هذا نهيُ مخاطَب، من المماراة وهي المخاصَمة.
"ولا تمازِحْه"، هذا مخالف للحديث المتقدِّم، ومعناه: لا تمازِحْه بما يتأذَّى منه.
* * *
стр. 2329
١٣ - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ
(باب المفاخرة والعصبية)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٠١ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قالَ: "أكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أَتْقاهُمْ"، قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قالَ: "فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبيُّ الله، ابن نبَيِّ الله، ابن نبَيِّ الله، ابن خَليلِ الله"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُوني؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قالَ: "فَخِيارُكُم في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُم في الإسْلامِ إِذا فَقُهُوا".
قوله: "فأكرَمُ الناسِ يوسُفُ نبيُّ الله ... " إلى آخره.
"فعن مَعَادِنِ العَرَبِ"، (المعادِنُ): جمع مَعْدِن، وهو موضعٌ يخرُجُ منه الجواهر، ذُكِرَ شرحُ هذا في الحديث الرابع من (كتاب العلم).
* * *
٣٨٠٢ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الكَريمُ، ابن الكَريْمِ، ابن الكَريْمِ، ابن الكَريْمِ: يُوسُفُ بن يَعْقُوبَ بن إسْحَاقَ بن إبْراهِيْمَ صلَّى الله عليْهِم".
قوله: "الكريمُ ابن الكريم ... " إلى آخره.
يعني: ما أحدٌ هو نبيٌّ، وثلاثةٌ من آبائه أنبياءُ غير يوسفَ صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء.
روى هذا الحديثَ ابن عمر ﵄.
* * *
стр. 2330
٣٨٠٣ - عَنِ البَرَاءِ بن عَازِبٍ: أَنَّه قَالَ في يَوْمِ حُنَيْنٍ: كَانَ أبو سُفْيانَ بن الحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ - يَعْنِي: بَغْلَةَ رَسُولِ الله ﷺ فلمَّا غَشِيَهُ المُشْرِكونَ نَزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ:
"أَنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ"
قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ.
قوله: "غَشِيَه المشركون"؛ أي: غلبَه المشركون، وجاؤوا من كل جانب.
"أَشَدُّ منه"؛ أي: أشجع منه ﵊.
* * *
٣٨٠٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذاكَ إِبراهِيمُ".
قوله: "ذاك إبراهيمُ"، هذا القول منه تواضعٌ، فإنه ﷺ خيرُ المخلوقات أجمعين.
* * *
٣٨٠٥ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تُطْرُوني كما أَطْرَتْ النَّصَارَى ابن مَرْيَمَ، فإنَّما أنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله ورَسُولُهُ".
قوله: "لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النَّصَارى"، (لا تُطْروني) أصلُه: لا تُطْرِيُوني، فأُسْكِنَت الراءُ، ونُقِلَت ضمةُ الياء إليها، فحُذِفت الياءُ لسكونها وسكون الواو.
(الإطراء): الغلوَّ في المدح؛ يعني: لا تبالِغُوا في مَدْحِي كما بالغت النَّصارى في مَدْحِ عيسى فاتَّخَذُوه إلهًا.
* * *
стр. 2331
٣٨٠٦ - عَنْ عِياضِ بن حِمارِ المُجاشِعيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إنَّ الله أَوْحىَ إلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ".
قوله: "لا يَبْغِي أحدٌ على أحد"؛ أي: لا يظلِمُ أحدٌ على أحدٍ.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٣٨٠٧ - عَنْ أَبِي هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبائِهِمْ الَّذينَ مَاتُوا، إنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله من الجُعَلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأَنْفِهِ، إنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وفَخْرَهَا بِالآباءِ، إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقيٌّ، أَوْ فاجِرٌ شَقيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بنو آدمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ".
قوله: "أهون"؛ أي: أذلُّ.
"الجُعَل"، - بضم الجيم وفتح العين - دُوَيبَّةٌ تديرُ الغائط.
"يُدَهْدِه"؛ أي: يردِّد، يدير الخراء والغائط.
(العُبيَّة) - بضم العين وكسر الباء وتشديد الياء -: الكِبْرُ والنخوة؛ يعني: لا يجوزُ في الإسلام لأحدٍ أن يتكبَّر على أحد.
"إنما هو مؤمنٌ تقِيٌّ"؛ يعني: انقسمَ الخلق على طائفتين: مؤمنٌ تَقِيٌّ، وفاجرٌ شَقِيٌّ، فإن كان مؤمنًا فلا ينبغي للمؤمن أن يتكبَّر، وإن كان فاجرًا فهو ذليلٌ عند الله، والذليلُ لا يستحقُّ التكبر، فقد علم أن التكبُّر منفيٌّ بكل حال.
* * *
стр. 2332
٣٨١٦ - وعن مُطَرِّفٍ قَالَ: انطَلَقْتُ في وَفْدِ بنيْ عَامِرٍ إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْنَا: أنتَ سَيدنا، فَقَال: "السَّيدُ الله"، فَقُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَال: "قُولُوا قَوْلَكُم، أَوْ بَعْضَ قَولِكُمْ، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشَّيْطَان".
قوله: "قولوا قولَكم أو بعضَ قولكم"؛ يعني: قولُوا هذا القولَ أو أقلَّ منه، ولا تبالِغُوا في مدحي بحيثُ تمدحونني بشيء يليقُ بالخالق، ولا يَليقُ بالمخلوق.
"ولا يَسْتَجْرِينَّكم الشيطان"، (الجَرِيُّ) - غير مهموز -: الوكيلُ؛ يعني: لا يجعلنَّكَمُ الشيطانُ ولا يتخذنَّكم وُكلاءَ نفسِه في الإضلال والتكلُّمِ بكلماتِ الكفرِ والبدَع والفِسْق.
والجريء - مهموزٌ -: الشجاع، فعلى هذا معناه: لا يجعلنَّكم أصحابَ جُرْأَة؛ أي: شجاعة على التكلُّم بما لا يجوز.
ذكر هنا: "أن مُطَرِّفًا قال: انطلقتُ في وَفْدِ بني عامرٍ إلى النبيِّ ﷺ "، هذا سهوٌ، بل الصوابُ أن يقال: مُطَرِّفًا قال: إني انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ .
* * *
٣٨٠٨ - عَنِ الحَسَنِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الحَسَبُ المَالُ، والكَرَمُ التَّقْوَى".
قوله: "الحسبُ المالُ، والكرمُ التقوى"، (الحسب): ما يفتخِرُ به الرجل، وما به عزتُه من خصالٍ حميدةٍ توجَدُ فيه، أو في آبائه، و (الكرم): ضد اللُّؤمِ، بضم اللام؛ يعني: الشيءُ الذي يكون الرجلُ به عظيمَ القَدْر عند الناس هو المالُ، والشيءُ الذي يكونُ الشخصُ به عظيمَ القَدْر عند الله هو التقوى.
стр. 2333
قال عمر بن الخطاب: حَسَبُ الرجلِ مالُه، وكرمُه دينُه، وأصلُه عَقْلُه، ومروءَتُه خُلُقه.
* * *
٣٨٠٩ - وعَنْ أُبَيِّ بن كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزاءِ الجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوْهُ بِهَنِ أَبيْهِ ولا تَكْنُوا".
قوله: "من تَعَزَّى بعزاء الجاهلية": (تَعَزَّى) إلى أحد؛ أي: انتسبَ إليه، والاسمُ: العَزاء، بفتح العين وبالمد؛ يعني: من افتخَر بآبائه وقبائلهِ الكُفَّار.
"فأعِضُّوه"؛ أي: قولوا له: اعضضْ بهنِ أبيك، (العَضُّ): أخذُ شيءٍ بالأسنان، "والهَنُ": القبيح من الفعل والقول؛ يعني: قولوا: اذكرْ قبائح آبائك من عبادةِ الصَّنَم والزِّنا وشربِ الخمر وغيرها من القبائح.
ويجوز أن يكون معناه: عُدُّوا أنتم المسلمون قبائحَ آبائه؛ يعني: فمن كان له الكُفْرُ والأفعالُ والأقوالُ القبيحة، فكيف يَليقُ به الافتخارُ بآبائه.
"ولا تَكْنُوا"؛ أي: ولا تَذْكُرُوا قبائحَه وقبائحَ آبائه، عن الكناية، بل صَرِّحوا بقبائحه، فلعلَّه يَسْتَحِي من الافتخار بآبائه.
* * *
٣٨١٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي عُقَبةَ، عْن أَبِي عُقْبَةَ ﵄، وكَانَ مَوْلَى مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ معَ رَسُولِ الله ﷺ أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكينَ، فَقُلْتُ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الفَارِسيُّ، فَالْتَفَتَ إلَيَّ فقالَ: "هَلَاّ قُلْتَ: خُذْها مِنّي وأَنا الغُلامُ الأَنْصَارِيُّ؟ ".
قوله: "خُذْها مِنِّي"، عادةُ المحاربين إذا جَرَّحُوا أحدًا أن يخبرَ الجارحُ
стр. 2334
المجروحَ باسمه؛ لإظهارِ الشجاعةِ بأن يقول: أنا الذي جَرَحْتُكَ، وأنا فلانُ ابن فلان، من القوم الفلاني، فلمَّا انتسبَ هذا الراوي إلى أهل فارسَ، فنهاه رسول الله ﷺ عن الانتسابِ إلى الكفار؛ لأن أهلَ فارس كانوا كفارًا في ذلك الوقت.
الضمير في (خذها) ضميرُ الضربة؛ أي: خذ هذه الضَّرْبةَ أو الطَّعْنةَ مني.
* * *
٣٨١١ - عنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فَهُوَ كَالبَعيْرِ الَّذي ترَدَّى، فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنَبهِ".
قوله: "من نصَر قومَه على غير الحَقِّ فهو كالبعير الذي رَدَى، فهو يَنْزِعُ بذَنبه"، (رَدَى)؛ أي: هَلَك.
قال الخَطَّابي: معنى هذا: أنه وقعَ في الإثم وهلكَ وصار كبعيرٍ وقعَ على رأسه في بئر، فينزِعُ بذنبَهِ؛ أي: ينزِعُ الناسُ ذَنَبَه ليخرجوا من البئر.
* * *
٣٨١٣ - وعَنْ سُراقَةَ بن مالِكِ بن جُعْشُمٍ قَالَ: خَطَبنا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "خَيْرُكُمْ المُدافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ".
قوله: "خَيْرُكم المُدَافِعُ عن عشيرته ما لم يَأْثَم"؛ يعني: خيرُكم مَنْ يَدْفَعُ الظُّلْمَ عن أقاربه ما لم يظلِمْ على المدفوع؛ يعني: لو قدرَ أن يدفع الظالم بكلام أو ضرب لم يجز له أن يقتله.
* * *
٣٨١٤ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعا
قوله: "بحسن صحابتي"؛ أي: بحسن صُحْبتي؛ يعني: من الأَولى بأن أُحْسِنَ إليه.
* * *
٣٨١٩ - وقَالَ ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ"، قِيْلَ: مَنْ يا رسولَ الله! قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُما أَوْ كِلَيْهِما، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ".
قوله: "من أَدْرَكَ والديه عند الكِبَر: أحدُهما أو كلاهما"، (عند الكِبَر): ظرفٌ في موضع الحال، والظرفُ إذا كان في موضع الحال يرفعُ ما بعدَه، فأحدُهما مرفوعٌ بالظرفَ، و (كلاهما) معطوفٌ على (أحدهما)؛ يعني: من لم يخدمْ أبويه أو أحدَهما بقدرِ ما يدخلُه الله به الجنة صارَ ذليلاً.
وإنما خصَّ حالَ الكِبَر بالخدمة مع أن خدمة الأبوين محمودةٌ في جميع الأحوال؛ لأن أبويه عنده الكِبَر أحوجُ إلى الخدمة، فالثوابُ في الخدمة عند شِدَّةِ الحاجةَ أكثرُ.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٨٢٠ - وعَنْ أَسْمَاءَ بنتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّها قَالَت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وهيَ راغِبةٌ، أفَأَصِلُها؟ قالَ: "نَعَمْ، صِليْهَا".
قوله: "وهي راغبة"؛ أي: طالبةٌ لعطائي، ويُرْوَى: (وهي راغمة)، وعلى هذه الرواية معناه: وهي ذليلةٌ محتاجَةٌ لعطائي.
стр. 2337
"أفأَصِلُها"؛ يعني: أفأعطيها شيئًا.
"صِلِيها"؛ أي: أَعْطِيها؛ يعني: الإحسان إلى الكفار.
* * *
٣٨٢٠/ م - وعَنْ عَمْرِو بن العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيِّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ آلَ أَبِي فُلانٍ لَيْسوا لي بأَوْلِياءَ، إنَّما وَلييَ الله وصَالِحُ المُؤْمِنينَ، ولكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّها ببَلالِها".
قوله: "أَبُلُّها"؛ أي: أصِلُ تلك الرحم.
"ببلالها"، و (البلالُ) - بكسر الباء -: السببُ الذي يوصَلُ الرَّحِمُ به، وهو الإحسان إلى الأقارب، ومعاونتُهم، وخدمتُهم.
* * *
٣٨٢١ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله حَرَّمَ عَلَيكُم عُقُوقَ الأُمَّهاتِ، وَوَأْدَ البناتِ، ومَنْعًا وَهَاتِ، وكَرِهَ لَكُم قِيلَ وقَالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ".
قوله: "عقوقُ الأُمَّهات"؛ أي: عصيانَ الأُمَّهات، ذَكَرَ الأمهات والمراد: الآباء والأُمَّهات وإن عَلَوا.
"ووَأْد البنات"، (الوَأْدُ): دَفْنُ البنتِ حية؛ يعني: قتل البنات كما هو عادة أهل الجاهلية.
"ومنع وهات"؛ يعني: حرم عليكم أخذ ما لا يجوز لكم أخذه.
"وكَرِهَ لكم قيل وقال"، (قيل): ماضٍ مجهول، (وقال): ماضٍ معروف، وكَرِهَ الله لكم التحدُّثَ بالحكايات التي ليس فيها ثوابٌ ولا ضرورةَ لكم فيها؛ لأن كثرةَ الكلام قسوةٌ للقلوب.
стр. 2338
"وكثرة السؤال"؛ يعني: كثرة السؤال من العلماء فيما لا حاجةَ لكم فيه من المعاندة والمعارَضة، فأما إذا سألتم ما تحتاجون إليه، وما في تعلُّمهِ خيرٌ وثوابٌ، فلا يُكْرَه كثرةُ السؤال من هذا العلم، بل يُستحَبُّ.
"وإضاعة المال"؛ يعني: صَرْفُ المال فيما ليس في صَرْفهِ خيرٌ لكم.
روى هذا الحديثَ مغيرةُ.
* * *
٣٨٢٢ - وقَالَ: "مِنَ الكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ والِدَيْهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! وهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قال: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَباهُ، وَيسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ".
قوله: "من الكبائر شَتْمُ الرجل والديه"؛ يعني: إذا شتمتَ أبا أحدٍ فيشتمُ ذاك الأحدُ أباك، وكأنكَ شتمْتَ أباك، وهل هذا من الكبائر أم لا؟
فانظر، فإنْ كان الشتمُ بنسبة الزِّنا إلى أحد، أو بكفْرٍ، أو بهتانٍ، فهو من الكبائر، وإن كان بلفظ: يا أحمقُ، أو أبوك أحمقُ، أو طويلٌ، أو قصيرٌ، وما أشبه ذلك، فليس من الكبائر الثمانيةَ عشرةَ المعروفة، وقد اختلف في الكبائر اختلافًا كثيرًا، وقد ذكر في أول الكتاب في (باب الكبائر).
روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمر.
* * *
٣٨٢٣ - وقَالَ: "إنَّ مِنْ أَبَرِّ البرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أهْلَ وُدِّ أَبيهِ، بَعْدَ أَنْ يُوَلِّي الأَبُ".
قوله: "إن من أبرِّ البرِّ صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه بعد أن يُوَلِّيَ"؛ يعني: أفضلُ البرِّ أن يُحْسِنَ الرجل إلى أحباءِ أبيه بعد أن يُولِّيَ أبوه.
стр. 2339
(وَلَّى يُوَلِّي): إذا أدبر؛ يعني: بعد موت أبيه، هذا إشارةٌ إلى تأكيد حقِّ الأب، فإنه إذا كان الإحسانُ إلى أحباءِ الأب لحرمة الأبِ أفضلَ البرِّ، فالإحسان إلى الأب بطريق الأَولى أن يكون أفضلَ القُرُبات.
روى هذا الحديثَ ابن عمر.
* * *
٣٨٢٤ - وقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
قوله: "ويُنْسَأَ له في أَثَرِه"؛ أي: يؤخَّر في أجله، النَّسْءُ: التأخير، و (الأَثَر): الأجل.
روى هذا الحديثَ أنس.
* * *
٣٨٢٥ - وقَالَ: "خَلَقَ الله الخَلْقَ، فَلمَّا فَرَغَ مِنْهُ قامَتْ الرَّحِمُ فأَخَذَتْ بِحِقْوَي الرَّحمَنِ، فقالَ: مَهْ؟ قَالَتْ: هَذَا مَقامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطيعَةِ، قَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، يَا رَبُّ! قَالَ: فَذَاكَ لَكِ".
قوله: "بحِقْوَي الرحمن"، الحِقْو: الإِزارُ، (بِحِقْوَيِ الرَّحْمن)؛ أيما: بإزارَي الرحمن، والمراد بالإزارين هنا: ما أراد بقوله: "الكبرياءُ رِدَائي، والعظمةُ إزاري".
يعني: التجأتِ الرَّحِمُ وعاذت بعزة الله وعظمتِه من أن يَقطعَ أحدٌ الرَّحِم.
"مه"؛ أي: اكففْ وامتنعْ عن هذا الفعل؛ أي: التجأ؛ يعني: مالك ولأي سببٍ عُذْتِ بي.
"هذا مقام العائذ بك"؛ يعني: من التجأ إلى أحدٍ وتمسَّكَ بحِقْوهِ؛
стр. 2340
يعني: سبب عياذي بحِقْوِكَ تعالى: خشيةُ أن يقطعَني أحدٌ.
"فذاك"؛ أي: أفعلُ ما قلتُ مِن وصْلي مَن وصلَكِ، وقَطْعي مَن قَطَعكِ.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٨٢٦ - وقَالَ: "الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، قالَ الله تَعَالَى: مَنْ وَصَلكِ وَصَلْتُهُ، ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ".
قوله: "شجْنةٌ"، بضم الشين وكسرها وبالجيم؛ أي: قرابةٌ متَّصِلة؛ أي: الرَّحِمُ مُشتقَّةٌ من الرحمن؛ أي: الرَّحِمُ موجودةٌ في حروف الرحمن، وكلا اسمين من الرحمة؛ يعني: صلةُ الرَّحِم رحمةٌ من الله الكريم على عباده؛ لأنه يحصلُ لواصل الرَّحِم رحمةٌ من الله الكريم على عباده، ويصل إلى بعض الأقارب مِن بعضهم شفقةٌ ورحمةٌ ونُصْرةٌ.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٨٢٧ - وقَالَ: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تَقوْلُ: مَنْ وَصَلَني وَصَلَهُ الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَه الله".
قوله: "الرَّحِمُ معلَّقةٌ بالعَرْش"؛ أي: متمسِّكَةٌ بالعرش، نعوذُ بالله مِن قَطْعِ الرَّحِم.
روت هذا الحديث عائشةُ.
* * *
٣٨٢٨ - وقَالَ: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ".
стр. 2341
قوله: "لا يدخلُ الجنَّةَ قاطعُ الرحم"، إنْ قَطَعَ الرَّحِمَ عن اعتقادِ جَوَازِ قَطْعِها؛ لأنه كافرٌ باستحلاله الحرامَ، وإن لم يستحِلَّ قَطْعَ الرَّحِم، فمعنى هذا الحديث: أنه لا يدخلُ الجنةَ حتى يَطْهُرَ من ذنبِ قَطْعِ الرَّحمِ، إما بأن يعفوَ الله عنه، أو يعذِّبَه بقَدْر ذنبه.
روى هذا الحديثَ جُبير بن مُطْعِم.
* * *
٣٨٢٩ - وقَالَ: "لَيْسَ الوَاصِلُ بالمُكَافِئِ، ولَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها".
قوله: "ليس الواصلُ بالمكافِئ"؛ يعني: ليس واصِلُ الرَّحِمِ من يفعلُ بأقاربه ما فعلُوه به؛ أي: إذا وصلوه وصَلَهم، وإذا قَطَعُوه قَطَعَهم، بل الواصلُ من إذا وصَلُوه وصَلَهم، وإذا قَطَعُوه وَصَلَهم.
روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمر.
* * *
٣٨٣٠ - وعَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁: أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِن لِيْ قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيقْطَعُوني، وأُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويُسيؤونَ إلَيَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فقالَ: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّما تُسِفُّهمُ المَلَّ، ولا يَزالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِك".
قوله: "فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ"، (سفَّ وأَسَفَّ): إذا ألقى الدَّقيقَ في الفم، وفَرَّقَ الترابَ على وجهٍ شيء، (المَلُّ): الجَمْر والرَّمَاد.
يعني: إذا لم يشكُروا إحسانَك إليهم، فكأنما تلقي إليهم النار؛ لأنَّ
стр. 2342
عطاءك عليهم حرامٌ، فيحصلُ لهم النارُ بسببِ تركِ شُكْرِهم نِعَمَك.
* * *
مِنَ الحِسَانِ:
٣٨٣١ - عَنْ ثَوبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَرُدُّ القَدَرَ إلَاّ الدُّعاءُ، ولا يَزيدُ في العُمُرِ إلَاّ البرُّ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ يُصِيبُهُ".
قوله: "وإنَّ الرجل لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذنب يصيبُه"؛ يعني: وإن الرجلَ ليصيرُ محرومًا من الرزق بشؤمِ اكتسابهِ ذنبًا.
وهذا يؤوَّل على تأويلين:
أحدهما: أن يرادَ بالرزق هنا الثوابُ ودرجة الأُخْروية، ولا شكَّ أن الرجلَ متى ما يقِلُّ ذنبُه تكثرُ درجته الأخروية، ومتى ما يكثرُ ذنبه تَقِلُّ درجتُه الأُخْرَوية.
والتأويل الثاني: أن يرادَ بالرزق الرزقُ الدنيوي من المال والصحة والعافية، وعلى هذا التأويل يُشْكِلُ الحديثُ، وإنما ترى الكفارَ والفُسَّاقَ أكثر مالًا وصحةً من الصُّلَحَاء.
ورُفِعَ هذا الإشكالُ بأن يقول: هذا الحديثُ ليس بعامٍّ، بل هو خاصٌّ في حقِّ بعض الناس، فإن الله تعالى إذا أراد أن يحفظَ مسلمًا عن الذنب، وأن يريدَ دخولَه الجنةَ بلا تعذيبٍ يُصفِّيه من الذنوب في الدنيا، بأن يعاقبَه في الدنيا بسبب ذنبٍ يفعلُه، فإذا أذنبَ ذلك المسلمُ ذنبًا أصابَه عَقِيبَ ذلك الذنب فقرٌ وضيقُ قلبٍ ومرضٌ وجراحةٌ وغيرُ ذلك، وأَلهمَه أن هذا الفقرَ وضيقَ القلب وغيرَها بسبب شؤم ذلك الذنب؛ لينتبَه ذلك المسلمُ، ويتوبَ عن الذنب.
فهذا المسلم هو المرادُ بهذا الحديث لا الكُفَّارُ وبعضُ الفُسَّاق، فإنَّ الله
стр. 2343
قال في كلامه القديم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
الإملاءُ: الإمهالُ والتأخيْر في الأجل؛ يعني: نطوِّل أعمارَهم، ونكثَّرُ أرزاقهم، ونُطَيب معايشَهم في الدنيا؛ لتكثيرِ عذابهم في الآخرة، وكذلك في حقٍّ بعضِ الفُسَّاق.
* * *
٣٨٣٣ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رِضا الرَّبِّ في رِضَا الوَالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوَالِدِ".
قوله: "رضا الرب في رضا الوالد"؛ يعني: إذا رضيَ الوالدُ رضيَ الرَّبُّ عنه، وكذلك السُّخْطُ، وذَكَرَ الوالدَ، والمرادُ منه: الوالدةُ أيضًا، بل حقُّ الوالدة آكَدُ، وكذلك جميعُ الآباء والأمهات وإن عَلَوا داخلون في هذا الحديث، إلا أنَّ مَن هو أقربُ حَقُّه آكَدُ.
روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمر.
* * *
٣٨٣٤ - عَنْ أَبيْ الدَّرْدَاءَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيِّ ﷺ يَقُولُ: "الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى البَابِ أَوْ ضَيعْ".
قوله: "أَوْسَطُ أبواب الجَنَّة"؛ يعني: للجنَّةِ أبوابٌ أَحْسَنُها دخولاً: أَوْسَطُها، وسببُ دخول ذلك الباب المتوسَّط: حقوقُ الوالدين، فمن حَفِظَ حقوقَهما يسهلْ عليه دخولُ ذلك الباب، ومن ضَيَّعَ - أي: تركَ - حقوقَهما لم يدخل ذلك الباب، وهذا الحديث تحريضٌ على محافظة حقوق الوالدين.
* * *
стр. 2344
٣٨٣٦ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "قالَ الله ﵎: أنا الله، وأنا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وشَقَقْتُ لها من اسمي، وَمَنْ وَصَلَها وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعها بَتَتُّهُ".
قوله: "شققَتُ لها من اسمي"؛ ذكر هذا في قوله: "الرَّحِمُ شَجْنَةٌ من الرحمن".
"بَتَتُّه"؛ أي: قَطَعْتُه؛ أي: جعلْتُه محرومًا من رحمتي.
* * *
٣٨٣٨ - وقال ﷺ : "ما مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ الله لِصاحِبهِ العُقوبَةَ في الدُّنْيا مَعَ ما يَدَّخِرُ لهُ في الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وقَطيعَةِ الرَّحِمِ".
قوله: "أَحْرَى"؛ أي: أَجْدَرُ وأقرب.
"مع ما يَدَّخِرُ"؛ أي: مع ما يُعِدُّ ويهيئُ من عذاب الآخرة.
(والبغيُ): الظلمُ والتكبر.
* * *
٣٨٣٩ - وقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنَّانٌ، ولا عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ".
قوله: "مَنَّانٌ"؛ أي: الذي يَمُنُّ على الناس بما يُعْطِيهم.
"العاقُّ": الذي يعصِي والديه.
"المُدْمِنُ": المداوم.
* * *
٣٨٤٠ - وقال: "تَعَلَّمُوا من أَنْسابكَمْ ما تَصِلُونَ بِهِ أَرْحامَكُمْ، فإنَّ صِلَةَ
стр. 2345
الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ في الأَهْلِ، مَثْراةٌ في المالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ"، غريب.
قوله: "تعلَّموا من أنسابكم ما تَصِلُون به أرحامَكم"؛ يعني: تعلَّموا أسماء آبائكم وأجدادِكم وأعمامِكم وأخوالِكم وجميعِ آبائكم؛ لتعرِفُوا أقاربكم؛ ليمكنكم صلةُ الرَّحِم، فإنَّ معنى صلةِ الرَّحِم معاونةُ الأقاربِ والإحسانُ إليهم والتلطُّفُ بهم، ومجالسَتُهم ومكالمَتُهم ومداخلَتُهم وما أشبهَ ذلك مما يتعلَّق بالتقرب إليهم والشفقةِ عليهم، وما لم يَعْرِفِ الرَّجُلُ أقاربَه لم يُمْكِنْه صلةُ الرَّحِم.
"محبةٌ في الأهل"؛ يعني: إذا كان بين الآباء تواصلٌ وتعارفٌ تكون بين الأولاد محبةٌ مثوبات في المال.
* * *
٣٨٤١ - عن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! إِنِّي أَصَبْتُ ذَنبًا عَظيمًا، فهل لي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قالَ: "هل لكَ مِنْ أُمًّ"؟ قالَ: لا، قالَ: "وهَلْ لكَ مِنْ خالَةٍ"؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: "فَبرَّها".
قوله: "فبرَّها"، هذا أمر مخاطب من (بَّر يَبَرُّ) بوزن (عَلِمَ يَعْلَم): إذا أحسنَ إلى أحدٍ، كان ذلك الذنب ذنبًا.
عَلِمَ النبي ﷺ أن صِلَةَ الرَّحِم تكون كفارةً لها، وكان ذلك الذنبُ من الصغائر لا من الكبائر، وإن كان من الكبائر كان مخصوصًا بذلك الرجل.
فإن قيل: قال الرجل: أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فلم قُلْتم إنه ليس من الكبائر؟
قلنا: ظنَّ ذلك الرجلُ ذلك الذنبَ عظيمًا، وإن كان من الصغائر وهكذا؛ ليعتقدَ كلُّ مسلمٍ، فإنه لا يجوزُ أن يَحْتَقِرَ المسلمُ الذنبَ وإن كان صغيرًا، فإنَّ عصيانَ الله تعالى ليس بصغيرٍ، وإن كان ذنبًا يسيرًا، ولكنَّ الذنوبَ وإن كانتْ
стр. 2346
بالنسبةِ إلى عصيانِ الله عظيمةً كلها، ولكنْ بينهما تفاوتٌ كثيرٌ في الإثم، فسُمِّيَ بعضُها كبائرَ، وبعضُها صغائرَ، وقد ذكر الكبائر في أول الكتاب في (باب الكبائر).
* * *
٣٨٤٢ - عن أبي أُسَيْدٍ السَّاعدِيِّ قال: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ إذ جاءَه رَجُلٌ مِن بني سَلَمَةَ فقالَ: يا رسولَ الله! هل بقيَ مِن برِّ أَبَوَيَّ شيءٌ أَبَرُّهُما بهِ بعدَ مَوْتهِما؟ قال: "نعم، الصَّلاةُ عليهما، والاستِغْفارُ لهما، وإنفاذُ عَهْدِهِما مِن بَعدِهِما، وصِلَةُ الرَّحِم التي لا تُوصَلُ إلا بهما، وإكرامُ صَديقِهِما".
قوله: "وصلةُ الرَّحِم التي لا تُوْصَلُ إلا بهما"؛ يعني: صلة الأقارب التي تتعلَّقُ بالأب والأم؛ يعني: الإحسان إلى أقاربِ الأبِ والأمِّ.
* * *
١٥ - باب الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ على الخَلْقِ
(باب الشفقة والرحمة على الخلق)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أَتُقَبلونَ الصِّبيانَ؟ فما نُقبلهُم، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَوَ أَمْلِكُ لكَ أنْ نَزَعَ الله مِن قَلْبكَ الرَّحْمَةَ؟ ".
قوله: "أوَ أملِكُ لك أنْ نزعَ الله مِن قلبكِ الرحمةَ"؛ أي: أوَ أملك دفعَ نَزْعِ الله الرحمةَ من قلبك؛ يعني: تقبيلُ الأطفالِ شفقةٌ ورحمةٌ، فإذا لم يكن في قلبك
стр. 2347
هذه الشفقةُ والرحمة، فقد نزعَ الله الرحمةَ من قلبك، ولا أقدِرُ أن أضعَ في قلبك شيئًا نزَعَه الله من قلبك.
* * *
٣٨٤٦ - وعن عائِشَةَ قالت: جاءتني امرَأَةٌ مَعَها ابنتانِ تَسألُني، فلم تَجِدْ عندي غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها، فقَسَمَتْها بينَ ابنتَيْها، ثُمَّ خَرَجَتْ، فدخلَ النبيُّ ﷺ وحدَّثتُه، فقال: "مَن يَلي مِن هذه البناتِ شيئًا فأَحْسَنَ إليهِنَّ كُنَّ له سِتْرًا مِن النَّارِ".
قوله: "من بُلِيَ"؛ أي: من ابْتُلِيَ.
* * *
٣٨٤٨ - وقال: "السَّاعي على الأَرْمَلَةِ والمِسْكينِ كالسَّاعي في سبيلِ الله"، وأحسِبُه قالَ: "كالقائِم لا يَفْتُرُ، وكالصَّائمِ لا يُفطِرُ".
قوله: "الساعي على الأرملة"، (الأرملة): المرأةُ التي لا زوجَ لها؛ يعني: من أعانَ أرملةً وأحسنَ إليها يكونُ ثوابُه كثوابِ الغازي، وكثوابِ الذي يصومُ النهارَ ولا يُفْطِر، ويقومُ الليل ولا يَفْتُر؛ أي: ولا يتركُ العبادة.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٨٤٩ - وقال: "أنا وكافِلُ اليَتيمِ، لهُ ولغَيرِهِ، في الجَنَّةِ هكذا"، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ والوُسْطَى، وفرَّجَ بينَهما شيئًا.
قوله: "أنا وكافلُ اليتيم، له ولغيره"، أراد بكافل اليتيم: الذي يُرَبي يتيمًا ويُحْسِنُ إليه (له ولغيره)؛ يعني: سواءٌ كان اليتيمُ له كابن ابنهِ وإن سَفَلَ، أو ابن
стр. 2348
أخيه، أو كانت امرأة تربي ولدَها الذي مات أبوه، أو أحدٌ يربي ولدَ أجنبيِّ مات أبوه، كلُّ ذلك في الأجر سواءٌ.
روى هذا الحديثَ سهل بن سعد.
* * *
٣٨٥٠ - وقال: "تَرَى المُؤْمنينَ في تَراحُمِهِم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمثلِ الجَسَدِ، إذا اشتكَى عُضْوًا تداعَى لهُ سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى".
قوله: "تَدَاعى له سائرُ الجَسَد بالسَّهَر والحُمَّى"، التَّدَاعِي: أن يدعوَ بعضُ القوم بعضًا، ويتَّفِقُوا على فعلِ شيء.
(السَّهَرُ): مفارقةُ النوم؛ يعني: كما أن الرجلَ إذا تألَّمَ بعضُ جسده يَسْرِي ذلك الألمُ إلى جميعِ جَسَدِه، فكذلك المؤمنون؛ ليكونوا كَنْفسٍ واحدةٍ إذا أصابَ أحدًا مصيبةٌ ليغتمَّ بتلك المصيبة جميعُ المؤمنين، وليقْصِدُوا إزالتها عنه.
روى هذا الحديثَ والذي بعدَه النعمانُ بن بشير.
* * *
٣٨٥٢ - وعن أبي مُوسى، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كالبنيانِ يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضًا"، ثُمَّ شَبَّكَ بينَ أصابعِه.
قوله: "وشَبَّكَ بين أصابعه"، شَبَّكَ تَشْبيكًا: إذا أدخلَ أصابعَ أحدِ اليدين بين أصابعِ اليد الأخرى؛ أي: كما أن هذه الأصابعَ أُدْخِلتْ بعضُها بين البعض، فكذلك ليكنِ المؤمنون داخلِين بعضُهم في بعض؛ يعني: ليحتَسِبْ بعضُ المؤمنون بعضًا كنَفْس واحدة، وليتَّصِلْ بعضُهم ببعض، وليُعِنْ بعضُهم بعضًا.
* * *
стр. 2349
٣٨٥٣ - وعنه، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كانَ إذا أتاهُ السَّائِلُ أو صَاحِبُ الحاجَةِ قال: "اِشفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، ويقضي الله على لسانِ رسولِهِ ما شاءَ".
قوله: "اشفعُوا فلتؤجروا"؛ يعني: إذا عرضَ صاحبُ حاجةٍ حاجتَه عليَّ اشفعوا له إليَّ، فإنكم إذا شَفَعْتُم له إليَّ حصلَ لكم بتلك الشفاعة أجرٌ سواءٌ قَبلْتُ شفاعتَكم أو لم أقبل؟
قوله: "وإنما يقضي الله على لسان رسوله ما شاء"؛ أي: وإنما يُجْرِي الله على لساني ما شاء؛ يعني: إن قضيتُ حاجةَ مَنْ شَفَعْتُم له فهو بتقدير الله، وإن لم أقضِ فهو أيضًا بتقدير الله تعالى.
* * *
٣٨٥٤ - وقال: "اُنصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مَظْلومًا"، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أَنصُرُه مَظْلومًا، فيكفَ أنصُرُه ظالِمًا؟ قال: "تمنعُه مِن الظُّلمِ، فذلك نَصْرُكَ إيَّاهُ".
قوله: "فذلك نَصْرُك إياه"، (ذلك): إشارةٌ إلى المَنعْ؛ أي: مَنْعُكَ أخاك من أن يظلمَ أحدًا نَصْرُك إياه؛ لأنَّ النَّصْرَ دَفْعُ الضَّرَرِ عن أَحَدٍ، وإذا منعتَ أحدًا عن الظلم فقد دفعتَه عن الإثم الذي هو سببُ دخولِه النار، فكأنك دفعتَ النارَ عنه، وأيُّ نُصْرةٍ أكملُ مِنْ دفعِكَ النارَ عن أخيك.
روى هذا الحديثَ أنسٌ.
* * *
٣٨٥٥ - وقال: "المُسْلِمُ أخُو المُسْلِم، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ كانَ الله في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فرَّجَ الله عنه كُرْبةً
стр. 2350
مِن كُرُباتِ الآخِرَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَه الله يَوْمَ القِيامَةِ".
قوله: "ولا يُسْلِمُه"، بضم الياء وسكون السين؛ أي: ولا يَخْذُله عن النُّصْرة، ولا يَتركُه في أيدي الأعداء، بل يُخلِّصُه من أيديهم، والنفيُ هنا بمعنى النهي.
روى هذا الحديثَ سالمُ بن عبد الله بن عمرَ، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ .
* * *
٣٨٥٦ - وقال: "المُسْلِمُ أخو المُسْلِم، لا يَظلِمُه، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُه، التَّقْوَى ههنا"، ويُشيرُ إلى صَدْرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ، "بِحَسبِ امرِئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ يحقِرَ أخاهُ المُسْلِمِ، كلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ، دمُه، ومالُه، وعِرْضُه".
قوله: "التَّقْوى ها هنا، ويشيرُ إلى صدره"؛ يعني: لا يجوزُ تحقيرُ المُتَّقِي من الشِّرْك والمعاصي، والتقوى محلُّها القلبُ، وما كان محلُّه القلبَ يكونُ مخفيًا عن أعينِ الناس، وإذا كان مخفيًا، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يحكمَ بعدم تقوى مسلمٍ حتى يحتقره، بل لا يجوزُ تحقيرُ مسلم.
ويحتمل أن يكون معناه: محلُّ التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقِرْ مسلمًا؛ لأن المُتَّقِيَ لا يَحْقِرُ المُسْلِمَ.
"بحسْبِ امرئٍ"، الباء زائدة؛ يعني: حَسْبُ امرئ؛ أي: كفى للمؤمن من الشرِّ تحقيرُ المسلمين؛ يعني: إن لم يكن له مِن الشرَّ سوى تحقيرِ المسلمين يكفيه في دخوله النارَ.
روى هذا الحديثَ أنس.
* * *