بالنسبةِ إلى عصيانِ الله عظيمةً كلها، ولكنْ بينهما تفاوتٌ كثيرٌ في الإثم، فسُمِّيَ بعضُها كبائرَ، وبعضُها صغائرَ، وقد ذكر الكبائر في أول الكتاب في (باب الكبائر).
* * *
٣٨٤٢ - عن أبي أُسَيْدٍ السَّاعدِيِّ قال: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ إذ جاءَه رَجُلٌ مِن بني سَلَمَةَ فقالَ: يا رسولَ الله! هل بقيَ مِن برِّ أَبَوَيَّ شيءٌ أَبَرُّهُما بهِ بعدَ مَوْتهِما؟ قال: "نعم، الصَّلاةُ عليهما، والاستِغْفارُ لهما، وإنفاذُ عَهْدِهِما مِن بَعدِهِما، وصِلَةُ الرَّحِم التي لا تُوصَلُ إلا بهما، وإكرامُ صَديقِهِما".
قوله: "وصلةُ الرَّحِم التي لا تُوْصَلُ إلا بهما"؛ يعني: صلة الأقارب التي تتعلَّقُ بالأب والأم؛ يعني: الإحسان إلى أقاربِ الأبِ والأمِّ.
* * *
١٥ - باب الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ على الخَلْقِ
(باب الشفقة والرحمة على الخلق)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أَتُقَبلونَ الصِّبيانَ؟ فما نُقبلهُم، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَوَ أَمْلِكُ لكَ أنْ نَزَعَ الله مِن قَلْبكَ الرَّحْمَةَ؟ ".
قوله: "أوَ أملِكُ لك أنْ نزعَ الله مِن قلبكِ الرحمةَ"؛ أي: أوَ أملك دفعَ نَزْعِ الله الرحمةَ من قلبك؛ يعني: تقبيلُ الأطفالِ شفقةٌ ورحمةٌ، فإذا لم يكن في قلبك
стр. 2347
هذه الشفقةُ والرحمة، فقد نزعَ الله الرحمةَ من قلبك، ولا أقدِرُ أن أضعَ في قلبك شيئًا نزَعَه الله من قلبك.
* * *
٣٨٤٦ - وعن عائِشَةَ قالت: جاءتني امرَأَةٌ مَعَها ابنتانِ تَسألُني، فلم تَجِدْ عندي غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها، فقَسَمَتْها بينَ ابنتَيْها، ثُمَّ خَرَجَتْ، فدخلَ النبيُّ ﷺ وحدَّثتُه، فقال: "مَن يَلي مِن هذه البناتِ شيئًا فأَحْسَنَ إليهِنَّ كُنَّ له سِتْرًا مِن النَّارِ".
قوله: "من بُلِيَ"؛ أي: من ابْتُلِيَ.
* * *
٣٨٤٨ - وقال: "السَّاعي على الأَرْمَلَةِ والمِسْكينِ كالسَّاعي في سبيلِ الله"، وأحسِبُه قالَ: "كالقائِم لا يَفْتُرُ، وكالصَّائمِ لا يُفطِرُ".
قوله: "الساعي على الأرملة"، (الأرملة): المرأةُ التي لا زوجَ لها؛ يعني: من أعانَ أرملةً وأحسنَ إليها يكونُ ثوابُه كثوابِ الغازي، وكثوابِ الذي يصومُ النهارَ ولا يُفْطِر، ويقومُ الليل ولا يَفْتُر؛ أي: ولا يتركُ العبادة.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٨٤٩ - وقال: "أنا وكافِلُ اليَتيمِ، لهُ ولغَيرِهِ، في الجَنَّةِ هكذا"، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ والوُسْطَى، وفرَّجَ بينَهما شيئًا.
قوله: "أنا وكافلُ اليتيم، له ولغيره"، أراد بكافل اليتيم: الذي يُرَبي يتيمًا ويُحْسِنُ إليه (له ولغيره)؛ يعني: سواءٌ كان اليتيمُ له كابن ابنهِ وإن سَفَلَ، أو ابن
стр. 2348
أخيه، أو كانت امرأة تربي ولدَها الذي مات أبوه، أو أحدٌ يربي ولدَ أجنبيِّ مات أبوه، كلُّ ذلك في الأجر سواءٌ.
روى هذا الحديثَ سهل بن سعد.
* * *
٣٨٥٠ - وقال: "تَرَى المُؤْمنينَ في تَراحُمِهِم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمثلِ الجَسَدِ، إذا اشتكَى عُضْوًا تداعَى لهُ سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى".
قوله: "تَدَاعى له سائرُ الجَسَد بالسَّهَر والحُمَّى"، التَّدَاعِي: أن يدعوَ بعضُ القوم بعضًا، ويتَّفِقُوا على فعلِ شيء.
(السَّهَرُ): مفارقةُ النوم؛ يعني: كما أن الرجلَ إذا تألَّمَ بعضُ جسده يَسْرِي ذلك الألمُ إلى جميعِ جَسَدِه، فكذلك المؤمنون؛ ليكونوا كَنْفسٍ واحدةٍ إذا أصابَ أحدًا مصيبةٌ ليغتمَّ بتلك المصيبة جميعُ المؤمنين، وليقْصِدُوا إزالتها عنه.
روى هذا الحديثَ والذي بعدَه النعمانُ بن بشير.
* * *
٣٨٥٢ - وعن أبي مُوسى، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كالبنيانِ يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضًا"، ثُمَّ شَبَّكَ بينَ أصابعِه.
قوله: "وشَبَّكَ بين أصابعه"، شَبَّكَ تَشْبيكًا: إذا أدخلَ أصابعَ أحدِ اليدين بين أصابعِ اليد الأخرى؛ أي: كما أن هذه الأصابعَ أُدْخِلتْ بعضُها بين البعض، فكذلك ليكنِ المؤمنون داخلِين بعضُهم في بعض؛ يعني: ليحتَسِبْ بعضُ المؤمنون بعضًا كنَفْس واحدة، وليتَّصِلْ بعضُهم ببعض، وليُعِنْ بعضُهم بعضًا.
* * *
стр. 2349
٣٨٥٣ - وعنه، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كانَ إذا أتاهُ السَّائِلُ أو صَاحِبُ الحاجَةِ قال: "اِشفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، ويقضي الله على لسانِ رسولِهِ ما شاءَ".
قوله: "اشفعُوا فلتؤجروا"؛ يعني: إذا عرضَ صاحبُ حاجةٍ حاجتَه عليَّ اشفعوا له إليَّ، فإنكم إذا شَفَعْتُم له إليَّ حصلَ لكم بتلك الشفاعة أجرٌ سواءٌ قَبلْتُ شفاعتَكم أو لم أقبل؟
قوله: "وإنما يقضي الله على لسان رسوله ما شاء"؛ أي: وإنما يُجْرِي الله على لساني ما شاء؛ يعني: إن قضيتُ حاجةَ مَنْ شَفَعْتُم له فهو بتقدير الله، وإن لم أقضِ فهو أيضًا بتقدير الله تعالى.
* * *
٣٨٥٤ - وقال: "اُنصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مَظْلومًا"، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أَنصُرُه مَظْلومًا، فيكفَ أنصُرُه ظالِمًا؟ قال: "تمنعُه مِن الظُّلمِ، فذلك نَصْرُكَ إيَّاهُ".
قوله: "فذلك نَصْرُك إياه"، (ذلك): إشارةٌ إلى المَنعْ؛ أي: مَنْعُكَ أخاك من أن يظلمَ أحدًا نَصْرُك إياه؛ لأنَّ النَّصْرَ دَفْعُ الضَّرَرِ عن أَحَدٍ، وإذا منعتَ أحدًا عن الظلم فقد دفعتَه عن الإثم الذي هو سببُ دخولِه النار، فكأنك دفعتَ النارَ عنه، وأيُّ نُصْرةٍ أكملُ مِنْ دفعِكَ النارَ عن أخيك.
روى هذا الحديثَ أنسٌ.
* * *
٣٨٥٥ - وقال: "المُسْلِمُ أخُو المُسْلِم، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ كانَ الله في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فرَّجَ الله عنه كُرْبةً
стр. 2350
مِن كُرُباتِ الآخِرَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَه الله يَوْمَ القِيامَةِ".
قوله: "ولا يُسْلِمُه"، بضم الياء وسكون السين؛ أي: ولا يَخْذُله عن النُّصْرة، ولا يَتركُه في أيدي الأعداء، بل يُخلِّصُه من أيديهم، والنفيُ هنا بمعنى النهي.
روى هذا الحديثَ سالمُ بن عبد الله بن عمرَ، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ .
* * *
٣٨٥٦ - وقال: "المُسْلِمُ أخو المُسْلِم، لا يَظلِمُه، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُه، التَّقْوَى ههنا"، ويُشيرُ إلى صَدْرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ، "بِحَسبِ امرِئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ يحقِرَ أخاهُ المُسْلِمِ، كلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ، دمُه، ومالُه، وعِرْضُه".
قوله: "التَّقْوى ها هنا، ويشيرُ إلى صدره"؛ يعني: لا يجوزُ تحقيرُ المُتَّقِي من الشِّرْك والمعاصي، والتقوى محلُّها القلبُ، وما كان محلُّه القلبَ يكونُ مخفيًا عن أعينِ الناس، وإذا كان مخفيًا، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يحكمَ بعدم تقوى مسلمٍ حتى يحتقره، بل لا يجوزُ تحقيرُ مسلم.
ويحتمل أن يكون معناه: محلُّ التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقِرْ مسلمًا؛ لأن المُتَّقِيَ لا يَحْقِرُ المُسْلِمَ.
"بحسْبِ امرئٍ"، الباء زائدة؛ يعني: حَسْبُ امرئ؛ أي: كفى للمؤمن من الشرِّ تحقيرُ المسلمين؛ يعني: إن لم يكن له مِن الشرَّ سوى تحقيرِ المسلمين يكفيه في دخوله النارَ.
روى هذا الحديثَ أنس.
* * *
стр. 2351
٣٨٥٧ - وقالَ: "أَهْلُ الجَنَّةِ ثلاثةٌ: ذو سُلْطانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، ورَجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القَلْبِ لكلَّ ذي قُربَى ومُسْلِمٍ، وعَفيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عيالٍ، وأهلُ النَّارِ خَمْسةٌ: الضَّعيفُ الذي لا زَبْرَ لهُ، الذينَ هم فيكم تَبَعٌ، لا يَبغُونَ أهلًا ولا مالًا، والخائِنُ الذي لا يَخْفَى له طَمَعٌ وإنْ دَقَّ إلا خانَهُ، ورَجُلٌ لا يُصْبحُ ولا يُمسي إلا وهو يُخادِعُكَ عن أهلِكَ ومالِكَ"، وذكرَ البُخْلَ والكذِبَ، "والشِّنْظيرُ الفَحَّاشُ".
قوله: "أهلُ الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مُقْسِط متصدِّق موفَّق"؛ يعني: أحدُ الثلاثة: (ذو سلطان)؛ أي: ذو حُكْمٍ وسَلْطنة، (مقسط)؛ أي: عادلٌ، (متصدِّق)؛ أي: مُحْسِن إلى الناس، (موفَّق) بفتح الفاء؛ أي: الذي رُزِقَ طاعةَ الله، والعَدْلَ في الحُكْم.
"ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكلِّ ذي قُربى ومسلم"؛ يعني: الثاني: مَن في قلبه رِقَّة؛ أي: شفقةٌ ورحمةٌ على الأقارب والأجانب.
"وعفيفٌ متعفَّفٌ ذو عِيالٍ"؛ يعني: الثالثُ من كان عفيفًا؛ أي: صالحًا، (متعفِّفًا)؛ أي: مانعًا نفسَه عمَّا لا يليقُ مع أنه ذو عِيال؛ يعني: يتركُ المال، ويتباعد عنه، وإن كان له عيال، ولا يحمِلُه حبُّ العيال على تحصيلِ المال الحرام، بل يختار حبَّ الله على حبِّ العيال.
(العفيف): الذي يمنعَ نفسه عن الحرام، و (المتعفِّف): له معنيان:
أحدهما: الذي يحمِلُ على نفسه بالكُرْه العِفَّةَ؛ أي: الامتناع من الحرام.
الثاني: الذي يُظْهِرُ عن نفسه العِفَّة مع أن العِفَّة موجودةٌ فيه، بأن يكون عفيفًا، ويُظْهِرُ العِفَّةَ عن نفسه، بلُبس لِباسِ الصالحين ليقتديَ به في الصلاح من رآه.
وبعضُ الناس فيه العِفَّةُ ولا يُظْهِرُها عن نفسه، بل يلبَسُ لباسَ غيرِ
стр. 2352
الصالحين، ويقال لمن له هذه الصفة: ملا ميتا، وهذه الصفة غير مرضيَّةٍ في الشرع، كي لا يغتابَه الناسُ بأن يقولوا فيه: إنه فاسقٌ، وكي لا يغترَّ به بعضُ الناس، ويقول: فإذا كان فلانٌ فاسقًا فأكونُ مثله.
"وأهل النار خمسة: الضعيفُ الذي لا زَبْرَ له"؛ أي: لا عَقْلَ.
"الذين هم فيكم تَبَعٌ لا يَبْغُون أهلًا ومالًا"؛ يعني: أحدُ الخمسة هذه الطائفة.
وأراد بـ (الضعيف): من كانت شهوتُه غالبةً عليه بحيث لا يقدِرُ على دَفْعِ نفسِه، بل يفعلُ ما أمرتْه نفسُه من المعاصي.
وأراد بـ (العقل) هنا: العقل الذي يمنعُ الرجلَ من المعاصي.
وأراد بـ "الذين هم فيكم تبع": الذين يدورون حول الأمراء والرئيس ويخدمونهم، ويأخذون الناس ويضربونهم، ولا يبالون بما يأكلُون ويشربون ويلبَسُون ويجامعون، أمن الحرام هو أم من الحلال؟
"لا يبغون"؛ أي: لا يطلبون "أهلًا"؛ أي: زوجةً، بل كلُّ امرأة يقدِرُون عليها يفعلُون بها ما يريدون، ولا يطلبون مالًا حلالًا، بل كل مال يقدِرون عليه يأخذونه.
ويقال لهؤلاء بالفارسي: سرهنك ويرده دار، وكذلك عادة الجواليق.
"والخائن الذي لا يَخْفَى له طمعٌ وإن دَقَّ إلا خانه"، روى هذا الحديثَ عياض بن حمار.
* * *
٣٨٥٨ - وقالَ: "والذي نَفْسي بيدِه، لا يؤمنُ عبدٌ حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لنَفْسِه".
стр. 2353
قوله: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدٌ حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه"، هذا نفيُ كمالِ الإيمان، لا نفيُ أصلِ الإيمان، ولأنَّ أحدَ العدوَّين لا يحبُّ خيرَ العدوِّ، بل يريد وصولَ الضَّرر إليه، ومع هذا لا يكون كافرًا بهذه العداوة.
روى هذا الحديثَ أنس.
* * *
٣٨٥٩ - وقالَ: "والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ"، قيلَ: مَن، يا رسولَ الله؟ قال: "الذي لا يَأْمَنُ جارُه بَوائِقَه".
قوله: "لا يأمن جارُه بوائِقَه"، (البَوائِقُ): جمع بائقة وهي الداهية، والمراد بها ها هنا الضَّرر والمشقة.
روى هذا الحديثَ أبو شُرَيح الكَعْبي، وأبو هريرة.
* * *
٣٨٦١ - وقالَ: "ما زالَ جِبْريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظَنَنْتُ أنه سَيُوَرِّثُه".
قوله: "لا يزال جبريلُ يوصيني بالجار"؛ يعني: يأمرني بحفظ حقِّ الجار، والإحسان ودفعِ الضَّرر عنه.
روت الحديثَ عائشة.
* * *
٣٨٦٢ - وقالَ: "إذا كُنْتم ثلاثةً فلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الآخرِ حتى يختلِطُوا بالنَّاسِ مِن أجْلِ أنْ يُحْزِنَه".
قوله: "إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دونَ الآخر"، لو حضرَ ثلاثةٌ موضعًا، ولم يكنْ معهم غيرُهم، فلا يجوز أن يتناجَى اثنان بحيث لا يسمعُ
стр. 2354
الثالثُ كلامَهما؛ لأن الثالثَ يظنُّ حينئذ أنهما يقولان فيه شيئًا قبيحًا، فيحزَنُ من قولهما.
"حتى يختَلِطُوا بالناس"؛ يعني: لا يجوز تناجي اثنين حتى يجتمعَ الناسُ أكثرَ من ثلاثة، فإذا كثر الناسُ فلا بأس بتناجي اثنين؛ لأن كلَّ واحدٍ لا يظنُّ أن المتناجِيَينِ يقولان فيه، بل يظنُّ أنهما يقولان في حقَّ شخصٍ آخرَ شيئًا لا في حقِّه.
روى هذا الحديثَ ابن مسعود.
* * *
٣٨٦٣ - وعن تَميمٍ الدَّارِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصيحَةُ"، ثلاثًا، قلنا: يا رسولَ الله! لِمَن؟ قال: "للهِ، ولِكِتابه، ولرَسُولِه، ولأئِمَّةِ المُسلِمينَ، وعامَّتِهم".
قوله: "الدِّين النصيحةُ"، تقدير هذا الكلام: عمادُ أمور الدين، أو أفضلُ أو أكملُ أعمال الدين: النصيحةُ، و (النصيحةُ): إرادة الخيرِ للمنصوحِ له.
أمر ﷺ بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، النصيحة لله: أن يريدَ الرجلُ ويحبُّ ما يتعلَّقُ بتعظيم الله بطاعته من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإرشادِ المسلمين إلى دينه.
والنصيحة لكتاب الله: أن يكرِمَ الرجلُ القرآنَ، ويأمر الناسَ بإكرامه وإتباعه.
والنصيحةُ لرسول الله: أن يفعلَ الرجلُ ويأمرَ الناسَ بما يتعلَّق بتعظيمه ويأمرهم باقتدائه.
والنصيحة لأئمة المسلمين: أن يطيعَ الرجلُ الخليفةَ ونُوَّابَه، ويأمرَ الناسَ
стр. 2355
بطاعتهم، ويدفع الأذيةَ عنهم.
والنصيحة لعامتهم؛ أي: لجميع المسلمين أن يريدَ خيرَ المسلمين، وما فيه صلاحُهم ونجاتُهم من مكروه الدنيا والآخرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٦٥ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ أبا القاسمِ الصَّادقَ المصدوقَ ﷺ يقولُ: "لا تُنزَعُ الرَّحْمَةُ إلا مِن شَقيٍّ".
قوله: "الصادق المصدوق"، (الصادق): من صدق فيما قال، و (المصدوق): من صدَّقَه المستمعُ في كلامه.
والمصدوق في حق النبي ﷺ : أن صدَّق الله فيما قال في كلامه القديم، فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
"لا تُنْزَعُ الرحمةُ إلا من شَقِيٍّ"؛ يعني: مَن ليس في قلبه شفقةٌ ورحمةٌ فهو شَقِيٌّ.
* * *
٣٨٦٦ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهم الرَّحمنُ، اِرحَمُوا مَن في الأرضِ يَرْحَمْكم مَن في السماءِ".
قوله: "الرَّاحمون يَرْحَمهم الرحمن"؛ يعني: مَن رَحِمَ عبادَ الله ﵀.
"ارحموا مَن في الأرضِ يَرْحَمْكم مَن في السماء"، ليس لله مكانٌ حتى يُنْسَبَ إليه.
стр. 2356
(من في السماء) له تأويلان:
أحدهما: من مُلْكُه وقدرته في السماء؛ يعني: السماء أعظمُ وأرفعُ من الأرض، ومع أنه أعظمُ وأرفع من الأرض قدرةُ الله غالبةٌ على السماء.
والثاني: أن يكونَ المرادُ بمن في السماء الملائكة؛ يعني: ارحموا مَن في الأرض من الناس يرحمْكم مَن في السماء من الملائكة، تحفظُكم الملائكةُ من الأعداء والمُؤْذِيات بأمر الله، ويستغفروا لكم، ويطلبوا لكم الرحمة من الله الكريم.
روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو.
* * *
٣٨٦٧ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "ليسَ منا مَن لم يَرْحَمْ صَغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا، ويَأْمُرْ بالمَعْروفِ، ويَنْهَ عن المُنْكَرِ"، غريب.
وقوله: "ليس منا مَن لم يَرْحَمْ صغيرَنا"؛ أي: ليس مِن متابعينا في هذا الفعل.
روى هذا الحديثَ ابن عباس.
* * *
٣٨٦٨ - وقال: "ما أكرمَ شابٌّ شَيْخًا مِن أجلِ سِنِّهِ إلا قَيَّضَ الله لهُ عندَ سِنِّهِ مَن يُكْرمُهِ".
قوله: "قَيَّضَ الله"؛ أي: وكَّلَ الله.
روى هذا الحديثَ أنسٌ.
* * *
стр. 2357
٣٨٧٠ - وقالَ: "خيرُ بيتٍ في المُسلِمينَ بيتٌ فيهِ يتيمٌ يُحسَنُ إليه، وشرُّ بيتٍ في المُسْلِمينَ بيتٌ فيهِ يتيمٌ يُسَاءُ إليهِ".
قوله: "يُساءُ إليه"؛ أي: يؤذيه بالباطل، فإن ضربَه كافلُه للتأديب وتعليمِ الدين لم يكن آثمًا.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
٣٨٧١ - وقال: "مَن مَسَحَ رَأْسَ يتيمٍ لم يَمْسَحْهُ إلا للهِ، كانَ لهُ بِكُلِّ شَعْرةٍ تَمُرُّ عليها يدُه حَسَنَاتٌ، ومَن أَحْسَنَ إلى يتيمةٍ أو يَتِيمٍ عندَهُ كنتُ أنا وهوَ في الجَنَّةِ كهاتينِ، وقَرَنَ بينَ أُصْبُعَيْهِ"، غريب.
قوله: "من مَسَحَ رأسَ يتيم"؛ يعني: من مسح يدَه على رأسِ يتيم للتلطُّفِ به والرحمة إليه، أو دَهَنَ رأسَه أو سترَ رأسَه لله يكون ثوابُه ما ذُكِر.
روى هذا الحديثَ أبو أمامة.
* * *
٣٨٧٢ - وقال: "مَن آوَى يتيمًا إلى طَعامِه وشَرابهِ أوجَبَ الله لهُ الجَنَّةَ البتَّةَ، إلا أنْ يَعْمَلَ ذنبًا لا يُغفَرُ، ومَن عالَ ثلاثَ بناتٍ أو مِثْلَهن مِن الأَخَواتِ، فأدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حتى يُغنِيَهُنَّ الله، أَوْجَبَ الله له الجَنَّةَ"، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أو اثنتَينِ؟ قال: "أو اثنتينِ"، حتى لو قالُوا: أو واحدةً، لقالَ: واحِدَةً، "ومَن أَذْهَبَ الله كريمتَيْهِ وجبَتْ له الجنةُ"، فقيلَ: يا رسولَ الله! وما كريمَتاهُ؟ قال: "عيناهُ".
قوله: "إلا أن يَعْمَلَ ذنبًا لا يُغْفَر"؛ يعني: إلا أن يُشْرِكَ بالله، فإن الذنبَ
стр. 2358
الذي لا يُغفَرُ هو الشِّركُ ومظالمُ الخَلْق، وإن مات على الشِّرْك لا يدخل الجنةَ أبدًا، وإن مات وعليه مَظْلَمَةُ أحدٍ يؤخذْ منه القصاصُ بأن يدفعَ من حسناته إلى المظلومِ بقدْرِ حقَّه، فإن لم يكن له حسنةٌ يؤخَذْ من سيئات المظلوم، وتوضع على الظالم، فلمَّا عُذِّبَ بقدْرِ مَظْلَمتهِ يدخل الجنة.
روى هذا الحديثَ ابن عباس.
* * *
٣٨٧٤ - ورُوِيَ: "ما نَحَلَ الوالِدُ وَلَدَهُ مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أدَبٍ حَسَنٍ"، مرسل.
قوله: "ما نَحَلَ الوالدُ"؛ أي: ما أعطى الأبُ.
"مِن نَحْلٍ"، هي جمع نِحْلَة، وهي ما يُعْطَى على سبيل التبرُّع.
* * *
٣٨٧٥ - عن عَوْفِ بن مالكٍ الأَشْجَعيِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أنا وامرَأةٌ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ كهاتينِ يومَ القيامةِ - وأَوْمَأَ الرَّاوِي بالسَّبابةِ والوُسْطى - امرأةٌ آمَتْ مِن زَوْجِها ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، حَبَسَتْ نفسَها على يتامَاهَا حتى بانُوا أو مَاتُوا".
قوله: "سَفْعَاء الخَدَّين"؛ أي: متغيرةُ الخَدَّين من غاية المشقَّة.
"أومأ"؛ أي: أشار.
"آمَتْ"؛ أي: صارتْ أَيمًا، وهي التي مات زوجُها.
"حَبَسَتْ نَفْسَها"؛ أي: تركت التزوجَ بزوجٍ آخر، واشتغلت بخدمة أولادها الذين من الزوج الذي مات.
стр. 2359
"حتى بانُوا"، وهذا مِن بانَ يبُونُ بونًا: إذا زاد على غيره في شيءٍ من العلم وغيره؛ أي: حتى زادوا على الأطفال بكثرةِ قوةٍ وعقلٍ ورشدٍ بحيث يقدِرُ كلُّ واحدٍ على خدمة نفسه، وتحصيل قوته.
* * *
٣٨٧٦ - وعن ابن عبَّاسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن كانت لهُ أُنثَى فلم يَئِدْها، ولم يُهِنْها، ولم يُؤْثِرْ ولدَه عَلَيها - يعني الذُّكورَ - أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ".
قوله: "فلم يَئْدِها"، وأَد يَئِدْ: إذا دَفَنَ حيًّا؛ أي ولم يقتلْها كما هو عادة أهل الجاهلية فإنهم كانوا يقتلون البناتِ؛ إما فرارًا من العار أو من الفقر.
"ولم يُهِنْها"؛ أي: ولم يُذِلَّها، "ولم يُؤْثِرْ"؛ أي: ولم يَخْتَرْ "ولدَه" على البنت.
* * *
٣٨٧٧ - عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَن اغتيبَ عندَه أخوهُ المُسْلِمُ وهوَ يقدِرُ على نَصْرِه فنَصَرَهُ نصرَهْ الله في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فإنْ لم يَنْصُرْه وهو يَقْدِرُ على نَصْرِه أدرَكَه الله بهِ في الدُّنيا والآخِرةِ".
قوله: "أَدْرَكَه الله"؛ أي: انتقمَ الله منه؛ يعني: يقول له: لم لم تنصرْ أخاك المغتاب مع قدرتك على أن تدفعَ المغتاب من أن يغتابَه.
* * *
٣٨٧٨ - وقال: "مَن ذَبَّ عَن لَحْمِ أخيهِ بالمغيبَةِ كانَ حَقًّا على الله أنْ يُعتِقَه مِن النَّارِ".
стр. 2360
قوله: "من ذبَّ عن لحمِ أخيه"، (الذَّبُّ): الدفعُ؛ يعني: من منعَ مغتابًا عن غيبة مسلم.
روت هذا الحديثَ أسماء بنت يزيد.
* * *
٣٨٧٩ - وعن أبي الدَّرْداءِ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عن عِرْضِ أخيهِ، إلَاّ كان حَقًّا على الله أنْ يَرُدَّ عنهُ نارَ جَهَنَّمَ يومَ القيامةِ، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ".
قوله: "يردُّ عن عِرْض أخيه"؛ أي: يمنعُ مغتابًا من غِيبة مسلم.
* * *
٣٨٨١ - وقال: "مَن رَأَى عَوْرَةً فستَرها كانَ كمَن أحيا مَوْؤُودَةً".
"مَن رأى عورةً"، (العَوْرَةُ): الشيءُ القبيحُ؛ يعني: من رأى عيبًا أو فِعْلًا قبيحًا في مسلم، "فسَتَرَها" عليه كان ثوابُه كثوابِ "مَن أحيى موؤودةً"؛ أي: من رأى حيًا مدفونًا في قبر فأخرج ذلك المدفون من القبر كيلا يموت.
ووجه تشبيه الستر على عيوب الناس، بإحياء المَوْؤودة أنَّ من انهتك سترُه يكون من الخجالة كميت، ويحبُّ الموتَ من الخجالة، فإذا سترَ أحدٌ على عيبه فقد دفعَ عنه الخجالةَ التي هي عنده كالموت.
روى هذا الحديثَ عقبة بن عامر.
* * *
٣٨٨٦ - عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أحَدَكم مِرْآةُ أخيهِ، فإنْ رَأى به أَذًى فَلْيُمِطْ عنه"، ضعيف.
стр. 2361
وفي رِوايةٍ: "المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤمِنِ، والمُؤْمِن أخو المؤمنِ، يَكُفُّ عنهُ ضَيْعتَهُ، ويَحُوطُه مِن وَرائِهِ".
قوله: "إن أحدُكم مرآةُ أخيه"؛ يعني: كما أنَّ الرجلَ إذا نظرَ إلى المرآة فيرى صورتَه فيها، فإن كان في صورته عيبٌ، فأزال ذلك العيبَ عن نفسه إن قدرَ على إزالته، فكذلك إذا رأى عيبًا في أخيه المسلم.
"فليُمِطْ"؛ أي: فليُبْعِدْ ذلك العيبَ عنه، وليشتغلْ بإصلاح حالهِ بأي طريق أمكنَه، وليعلمْ نفسَه كنفسه.
قوله: "يَكُفُّ عنه ضيعتَه"، (الكَفُّ): المَنْعُ، (الضَّيعةُ): التَّلَفُ والخُسْران؛ يعني: ليدفع عنه ما فيه عليه ضَرَرٌ.
"ويحوطه من ورائه"؛ أي: ليحفظه في غيبته، وليدفع عنه مَن يغتابه ويلحقه ضررًا.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٨٨٨ - عن ابن مَسْعودٍ قال: قال رَجُلٌ للنَّبيِّ ﷺ : كيفَ لي أنْ أَعْلَمَ إذا أحسنتُ أو إذا أسَأْتُ؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إذا سَمِعتَ جيرانَك يقولونَ: قد أحسَنْتَ؛ فقد أحسَنْتَ، وإذا سَمِعتَهم يقولونَ: قد أسأتَ؛ فقد أَسَأْتَ".
قوله: "كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت" أراد بهذا الحديث: أن المُحْسِن مَن سلم الناس من يده ولسانه، والمسيء: مَن لم يسلم الناس من يده ولسانه.
* * *
٣٨٨٣ - عن عائِشَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "أنزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهم".
стр. 2362
قوله: "أنزلوا الناس منازلهم"؛ يعني: احفظوا حرمة كلِّ أحدٍ على قَدْرِه، فلا يجوز للإمام أن يساوي في الإعزاز بين الخادم والمخدوم، وبين سيد القوم وبين قومه.
* * *
١٦ - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله
(باب الحب في الله ومِن الله)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٨٩ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "الأَرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تعارَفَ منها ائتلفَ، وما تناكرَ منها اخَتَلفَ".
قوله: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، (المجندة)؛ أي: المجموعة، (التعارف): جريان المعرفة بين اثنين فصاعدًا، (ائتلف)؛ أي: اجتمع، (التناكر): ضد التعارف.
يعني: الأرواح قبل خلق الأجساد مخلوقةٌ مجموعةٌ في الأزل، ويجري بين جماعة من الأرواح تعارفٌ، وبين جماعة تناكرٌ؛ أي: عدم المعرفة، فمن جرى بينهم تعارف قبل خلق الأجساد يحصل بينهم تعارف أيضًا بعد دخول الأجساد، ومن لم يجر بينهم تعارف قبل خلق الأجساد لم يحصل بينهم تعارف بعد دخول الأرواح في الأجساد.
قال محيي السنة: في هذا الحديث بيانُ أن الأرواح خلقت قبل الأجساد، وأنها مخلوقة على الائتلاف والاختلاف كالجنود المجندة إذا تقابلت وتواجهت، وذلك على ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة.
стр. 2363
ثم الأجساد التي فيها الأرواح في الدنيا تتآلف وتختلف على حسب ما جُعلت عليه من التشاكُل والتنافر في بدء الخلق، فيُرى البَرُّ الخير يحب مثلَه، والفاجر يألف شِكْله وينفر عن ضدِّه.
وفيه دليل على أن الأرواح ليست بأعراض، وأنها قد كانت موجودةً قبل الأجساد، وأنها تبقى بعد فناء الأجساد كما أخبر النبي ﷺ عن الشهداء: "أن أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ تسرح من الجنة حيث شاءت".
قال المعتزلة: الروح عرض.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٨٩٠ - وقالَ: "إنَّ الله إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْريلَ فقال: إنَّي أُحِبُّ فلانًا فأَحِبَّهُ"، قالَ: "فيُحِبُّه جِبْريلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيقولُ: إنَّ الله يُحِبُّ فلانًا فأَحبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ، وإذا أبغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْريلَ فيقول: إنَّي أُبغِضُ فُلانًا فأَبْغِضْهُ"، قال: "فيُبْغِضُه جبريلُ، ثُمَّ ينادِي في أهلِ السَّماءِ: إن الله يُبغِضُ فلانًا فأبغِضُوه"، قال: "فيُبغِضُونَه، ثُمَّ تُوضَعُ لهُ البَغْضَاءُ في الأَرْضِ".
قوله: "ثم يوضع له القبول في الأرض"؛ يعني: ثم يوضع حبه في قلوب الناس.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٨٩١ - وقالَ: "إنَّ الله يقولُ يومَ القِيامةِ: أينَ المُتَحابُّونَ بجلالي؟ اليَوْمَ
стр. 2364
أُظِلُّهم في ظِلِّي يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلِّي".
قوله: "أين المتحابون بجلالي"؛ يعني: الذين يحب بعضهم بعضًا بعظمتي؛ يعني: كان في الدنيا سببُ حب بعض الناس بعضًا المالَ والجاه، أو توقُّعَ النصرة، أو غير ذلك، وكان هؤلاء سببُ حب بعضهم بعضًا رضائي، ورجاؤهم ثوابي ولقائي.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٨٩٢ - عن أبي هُرَيْرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "أنَّ رَجُلاً زارَ أخًا له في قَرْيةٍ أُخرَى، فأَرصدَ الله لهُ على مَدْرَجتِهِ مَلَكًا قال: أينَ تريدُ؟ قال: أريدُ أخًا لي في هذه القَرْيةِ، قال: هل لكَ عليهِ مِن نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قال: لا، غيرَ أنِّي أَحْبَبتُه في الله، قال: فإنِّي رسولُ الله إليكَ بأنَّ الله قد أحَبَّكَ كما أحبَبْتَهُ فيه".
قوله: "فأرصد الله على مدرجته ملكًا"؛ أي: فأرسل الله على طريقه، (الإرصاد): أن يوقف أحد في الطريق لينتظر أحدًا، (المدرجة): الطريق.
"هل لك عليه من نعمة تربها"، (تربُّها)؛ أي: تقوم بإصلاحها؛ يعني: هل هو مملوكك أو ولدك أو غيرهما ممن هو في نفقتك وفي شفقتك، تجيء إليه لتُحسِن إليه.
* * *
٣٨٩٥ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَثَلُ الجليسِ الصَّالحِ والسُّوءِ، كحَامِلِ المِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ، فحامِلُ المِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وأما أنْ تَبْتَاعَ منه، وإمَّا أنْ تَجِدَ منهُ رِيحًا طيبةً، ونافخُ الكِيرِ إما أنْ يَحْرِقَ ثيابَكَ، وإمَّا أنْ تجدَ منه رِيحًا خَبيثةً".
стр. 2365
قوله: "ونافخ الكير"؛ أي: الذي ينفخ في الكير، وهو شيءٌ ينفخ فيه الحداد لتشتعل النار. "يحذيك"؛ أي: يعطيك. "تبتاع"؛ أي: تشتري.
والمراد من هذا الحديث: أن مجالسة الصلحاء تنفع في الدنيا والآخرة؛ لأنك تجد منهم التربية وتعليم الخير، وتصل إليك بركتهم، ويَحسن صيتك بين الناس بأن يقال: فلان يجالس الصلحاء، ومجالسة الفسَّاق تكون بعكس هذا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٩٦ - عن مُعاذِ بن جَبَلٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "قالَ الله تعالى: وَجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابينَ فِيَّ، والمُتَجَالِسينَ فِيَّ، والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، والمُتَباذِلينَ فِيَّ".
وفي رِوايةٍ قال: "يقولُ الله تعالى: المُتَحابُّون في جلالي لهم منابرُ مِن نورٍ، يغبطُهم النَّبيُّونَ والشُّهداءُ".
قوله: "للمتحابين في"؛ يعني: الذين يحب بعضهم بعضًا لمرضاتي ولأجلي، لا لغرضٍ دنيوي.
"والمتزاورين في"؛ أي: الذين يزور بعضهم بعضًا لأجلي.
"والمتباذلين في"؛ أي: الذين يبذل؛ أي: يعطي بعضهم بعضًا شيئًا.
* * *
٣٨٩٧ - عن أبي مالكٍ الأَشْعرِيَّ قال: كنتُ عندَ النَّبيِّ ﷺ إذ قالَ: "إنَّ للهِ عِبَادًا لَيْسُوا بأنبياءَ ولا شُهَداءَ, يغبطُهم النَّبيُّونَ والشُّهداءُ بقُرْبهم ومَقعَدِهم مِن الله يومَ القِيامةِ"، فقال أَعْرابيٌّ: حدِّثْنَا يا رسولَ الله! مَن هُم؟ فقال: "هُم عِبادٌ مِن عِبادِ الله مِن بُلدانٍ شَتَّى وقبائلَ شتَّى، لم يَكنْ بينَهم أَرْحامٌ يَتَواصَلُون
стр. 2366
بها, ولا دُنيا يتباذَلُون بها، يتحابُّون برُوحِ الله، يَجْعَلُ الله وُجوهَهُم نورًا، وتُجْعَلُ لهم منابرُ مِن نورٍ قُدَّامَ عَرْشِ الرَّحمنِ، يَفْزَعُ النَّاسُ ولا يَفْزَعُون، ويخافُ النَّاسُ ولا يخافُونَ".
قوله: "يغبطهم النبيون والشهداء", (الغبطة): أن يتمنى الرجل شيئًا؛ يعني: يتمنى النبيون والشهداء أن يكون لهم تلك المنازل لحسنها وطيبها وعظم قدرها.
وليس تمنَّي النبيين والشهداء تلك المنازل لأَجْلِ أن تكون تلك المنازل خيرًا من منازلهم، بل منازل النبيين خير، ولكن عادة الإنسان أن يتمنى ما رآه حسنًا، وإن كان له مثل ذلك الشيء، أو خيرًا منه.
قوله: "من بلدان شتى"؛ أي: من بلاد متفرقة يزور بعضهم بعضًا، ويحب بعضهم بعضًا لأجل الله تعالى لا لغرضٍ دنيوي.
"برُوح الله" بضم الراء، (الروح): ما به الحياة، والروح هنا: القرآن وأحاديث النبي؛ لأن بهما حياةَ القلوب، والحياةَ التي لا فناء بعدها؛ يعني: يتحابون بما في القرآن والأحاديث من الفوائد؛ يعني: يحب بعضهم بعضًا لمَّا وجدوا أن محبة الصلحاء وخدمتهم ونصرتهم مَرْضيَّة لله تعالى، ومُوجبةٌ للثواب.
"قدام الرحمن" هذا عبارة عن قرب المنزلة من الله تعالى.
"يفزع الناس ولا يفزعون"؛ أي: يخاف الناس ولا يخافون، (الفزع): الخوف، إلا أن الفزع أشدُّ أنواع الخوف.
* * *
٣٨٩٨ - عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رَسولُ الله ﷺ لأبي ذرٍّ: "يا أبا ذرًّ! أيُّ عُرَا الإيمانِ أَوْثَقُ؟ " قال: الله ورَسولهُ أعْلَمُ! قال: "المُوالاةُ في الله، والحُبُّ في الله، والبُغْضُ في الله".
стр. 2367
قوله: "أيُّ عرى الإيمان أوثق؟ " (العرى): جمع عروة، وهي ما يتمسك به الأوثق الأحكم، و"الموالاة": جريان المحبة بين اثنين.
* * *
٣٨٩٩ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا عادَ المُسْلِمُ أخاهُ، أو زارَه، قال الله ﵎: طِبْتَ وطابَ مَمْشاكَ، وتَبَوأتَ مِن الجَنَّةِ منزِلاً", غريب.
قوله: "إذا عاد" عاد وزار متماثلان في المعنى، إلا أن العيادة تكون في المرض، والزيارة تكون في الصحة.
"طبت"؛ أي: حصل لك طيبُ العيش في الآخرة.
"وطاب ممشاك"؛ أي: صار مشيك سببَ طيب عيشك في الآخرة؛ لحصول الأجر لك.
"وتبوأت"؛ أي: وهيَّأت.
* * *
٣٩٠١ - عن أنسٍ قال: مرَّ رَجُلٌ بالنَّبيِّ ﷺ وعندَه ناسٌ، فقالَ رَجُلٌ مِمَّن عندَه: إنِّي لأُحِبُّ هذا للهِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَعْلَمْتَهُ؟ " قال: لا، قالَ: "قُمْ إليه فأَعْلِمْهُ"، فقامَ إليه فأَعْلَمَه فقالَ: أحبَّكَ الذي أَحْببتَني له، قال: ثُمَّ رَجَعَ، فسألَهُ النبيُّ ﷺ فأخبَرَه بما قالَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "أنتَ مَع مَن أحبَبْتَ، ولكَ ما احتَسَبْتَ".
وفي رِوايةٍ: "المَرْءُ معَ مَن أحبَّ، ولهُ ما اكتَسَبَ".
قوله: "ما احتسبت"؛ أي: ما أمِلْتَ وطمعت من الأجر.
* * *
стр. 2368
٣٩٠٣ - عن أبي هُرَيرةَ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "المَرْءُ على دينِ خليلِه، فلْيَنظرْ أحدُكم مَن يُخَالِلْ" غريب.
قوله: "من يخالل"؛ أي: مَن يجري بينه وبينك خلةٌ؛ أي: محبةٌ، إن اتخذ صالحًا خليلًا يكون هو صالحًا، وإن اتخذ فاسقًا يكون هو فاسقًا، فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يتخذ الرجل فاسقًا خليلاً؛ كي لا يصير بسببه فاسقًا.
* * *
٣٩٠٤ - عن يزيدَ بن نَعَامَةَ أنه قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "إذا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فلْيَسأَلْهُ عن اسمِه واسمِ أبيهِ وممَن هوَ، فإنَّه أَوْصَلُ للمَوَدَّةِ".
قوله: "إذا آخى الرجل"؛ أي: اتخذ الرجلُ أخًا.
"فليسأل عن اسمه واسم أبيه وممن هو"؛ أي: ومن أيِّ قبيلة؟ أو: من أيِّ قرية وبلد هو؟
"فإنه أوصل"؛ أي: فإنه أشدُّ وأكثر صلةً في المودة، والله اعلم.
* * *
١٧ - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ
(باب ما يُنهَى من التهاجُرِ والتقاطُعِ واتباعِ العوراتِ) (١)
قوله: (واتباع العورات)، (العورات): جمع عورة، وهي ما في الرجل من عيب وخلل؛ يعني: لا يجوز أن يطلب الرجل عيوب الناس حتى يطَّلع على عيوبهم فيعيبَهم.
стр. 2369
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٠٥ - قالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، يلتقيانِ فيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا، وخَيْرُهما الذي يبدَأُ بالسَّلامِ".
قوله: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" وقال الخطابي في شرح هذا الحديث: رخَّص لمسلم أن يغضب على أخيه ثلاثة أيام؛ لقلة الثلاثة، ولا يجوز فوق ثلاثٍ لكثرته.
ويجوز للوالد أن يغضب على ولده، وللزوج أن يغضب على زوجته، ومَن كان في معناهما كالوالدة وجميعِ الأصول والسيد، فوق ثلاثة أيام للتأديب؛ لأن النبي ﷺ غضب على زوجاته وتركهن شهرًا، واعتكف في المسجد.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٩٠٦ - وقالَ: "إيَّاكم والظَّنَّ! فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا, ولا تَنَاجَشُوا, ولا تَحَاسدُوا, ولا تَبَاغضوا, ولا تَدَابروا، وكونوا عبادَ الله إِخْوانًا".
ويُروَى: "ولا تَنَافَسُوا".
قوله: "إياكم والظن"؛ يعني: احذروا من أن تظنوا بأحد ظنَّ سوء، فإن ظن السوء في حق المسلم إثمٌ كالحديث الكاذب، بل هو أشد.
وإنما قال: "أكذب الحديث" لأن الظن حديث النفس، كما أن التكلُّم حديث الإنسان، وحديث النفس أكذبُ من حديث الإنسان؛ لأن حديث النفس يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان.
"التحسس" بالحاء المهملة: طلبك أن تطَّلع على خيرِ أحدٍ، و"التجسس"
стр. 2370
بالجيم: طلبك أن تطلع على شر أحد، وكلاهما منهيٌّ؛ لأنك لو اطلعت على خيره ربما يحصل لك حسد بأن لا يكون فيك ذلك الخير، وإن اطلعت على شره تُعيبه وتفضحه.
"ولا تناجشوا"، (التناجش): أن يطلب رفعةً وعلوًا على أحد؛ يعني: لا يجوز لأحد أن يرى نفسه أشرف من غيره.
"ولا تدابروا" أصله: ولا تتدابروا، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا، ومعناه: لا تقاطعوا، (التدابر): التقاطع، و (المُدابرة): المعاداة.
"التنافس": مثل التناجُش.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٩٠٧ - وقالَ: "تُفتَحُ أبوابُ الجَنَّةِ يومَ الاثنينِ ويومَ الخَميسِ، فيُغفَرُ لكلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا، إلا رَجُلاً كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شَحْناءُ, فيقالُ: أَنْظِروا هذَينِ حتَّى يَصْطَلِحا".
قوله: "شحناء"؛ أي: عداوة.
"أنظروا هذين"؛ أي: انتظروا في مغفرة هذين اصطلاحَهما؛ أي: أُخِّرت مغفرتُهما إلى أن يصطلحا.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٩٠٨ - وقالَ: "تُعرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ في كلِّ جُمُعَةٍ مرَّتينِ، يومَ الاثنينِ
ويومَ الخَميسِ، فيُغفَرُ لكُلَّ عبدٍ مؤمنٍ، إلا عَبْدًا بينَه وبينَ أخيهِ شَحْناءُ، فيقال:
стр. 2371
اُترُكُوا هذَينِ حتَّى يَفيئَا".
قوله: "حتى يفيئا"؛ أي: حتى يرجعا عن الغضب إلى الصلح.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٩٠٩ - وقالَ: "إنَّ الشَّيطانَ قد أَيسَ أنْ يَعبُدَه المُصَلُّونَ في جَزيرةِ العَرَبِ، ولكنْ في التَّحريشِ بينَهم".
قوله: "إن الشيطان قد أيس" ذُكر هذا الحديث في (باب الكبائر وعلامات النفاق).
* * *
٣٩١٠ - وعن أُمِّ كلثومَ بنتِ عُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ قالت: سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "ليسَ الكذَّابُ الذي يُصلِحُ بينَ الناسِ ويقولُ خيرًا وَينْمِي خيرًا"، قالت: ولَمْ أَسمَعْهُ - تَعني النَّبيَّ ﷺ يُرَخَّصُ في شَيءٍ مِمَا يقولُ النَّاسُ كَذِبًا، إلا في ثلاثٍ: "الحَرْبُ، والإصلاحُ بينَ النَّاسِ، وحَديثُ الرَّجُلِ امرأتَه وحَديثُ المَرْأةِ زَوْجَها".
قوله: "وينمي"؛ أي: يُوصل حديثَ خيرٍ من أحد العدوَّين إلى الآخر ليوقع بينهما صلحًا, ولا إثم في الكذب فيما يقول بين العدوين مما يوقع بينهما محبةً وصلحًا.
قوله: "والحرب"؛ يعني: يجوز الكذب في الحرب، بأن يقول المسلم للكافر الذي يحاربه: جيش الإِسلام كثير لا طاقة لكم به، لا إثم في هذا وإن لم يكن جيش الإِسلام كثيرًا، أو مثل أن يقول: قد جاءنا مددٌ كثير، أو يقول له: انظر إلى خلفك فإن جيشًا قد أتاك من خلفك، وأراد المسلم بهذا القول أن
стр. 2372
يلتفت الكافر إلى خلفه؛ ليضرب هذا المسلمُ عنقه.
قوله: "وحديث الرجل امرأته"؛ يعني: يجوز أن يكذب الرجل فيما يحدِّث به امرأته مما يتعلق بإيقاع الألفة بينهما، مثل أن يقول لها: لا أحدَ أحبُّ إليَّ منك، وكذلك يجوز للمرأة أن تقول لزوجها مثل ذلك.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩١٢ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يكونُ لِمُسْلِمٍ أنْ يهجُرَ مُسْلِمًا فوقَ ثلاثةٍ، فإذا لقِيَهُ سَلَّمَ عليهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ لا يَرُدُّ عليهِ فقد باءَ بإثمِهِ".
قوله: "فقد باء بإثمه": باء، أي: رجع، يعني إذا سلَّم أحد المهاجِرَيْنِ على الآخر ثلاث مرات ولم يرد فقد خرج المسلِّم من إثم المهاجَرة ورجع الإثم على الذي لم يرد على المسلِّم السلام.
* * *
٣٩١٤ - عن أبي خِراشٍ السُّلَمِيَّ: سَمِعَ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ هَجَرَ أخاهُ سَنَةً فهوَ كسَفْكِ دمِهِ".
قوله: "فهو كسفك دمه", (السفك): الإراقة والصب؛ يعني: إذا كان بين زيد وعمرو مثلًا غضب، فسلَّم زيد على عمرو ولم يردَّ عمرو على زيد السلام، خرج زيد من الإثم وبقي عمرو في الإثم، فإن لم يردَّ عمرو على زيد السلام، فكأنما سفك عمرو دم زيد.
يعني: المُهاجَرة عن الأخ المسلم حرامٌ كسفك دمه، وليس معناه: أن إثم سفك الدم وإثم المهاجرة سواء، بل إثمُ سفك الدم أعظم من جميع الكبائر بعد
стр. 2373
الشرك، بل المراد اشتراكهما في حصول الإثم لا في قَدْرِ الإثم، ولا يلزم مساواة المشبَّه والمشبَّه به في جميع الأشياء، بل يكفي المساواةُ بينهما في شيء واحد.
* * *
٣٩١٦ - عن أبي الدَّرْداءِ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَلَا أُخبرُكم بأفضلَ مِن دَرَجةِ الصِّيامِ والصَّدَقةِ والصَّلاةِ؟ "، قال: قُلنا: بلى، قال: "إِصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وإفْسادُ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ", صحيح.
قوله: "وفساد ذات البين هي الحالقة" أراد بـ (ذات البين): المخاصمةَ والمهاجَرةَ بين اثنين بحيث يحصل بينهما بينٌ، و (البين): الفُرقة؛ يعني: إيقاع الفُرقة والعداوة بين المسلمين، (حالقة)؛ أي: ماحية ومزيلة للثواب والخيرات؛ يعني: يمنعه شؤم هذا الفعل عن تحصيل الثواب والطاعات.
* * *
٣٩١٧ - وقالَ: "دَبَّ إليكُم داءُ الأممِ قبلَكم: الحَسَدُ والبغضاءُ، هي الحالِقَةُ، لا أقولُ: تحلِقُ الشَّعرَ، ولكنْ تحلِقُ الدَّينَ".
قوله: "دب إليكم داء الأمم"؛ أي: صار فيكم عادة الأمم الماضية، وتلك العادة هي الحسد والبغضاء. وضمير المؤنَّث في "هي الحالقة" ضمير البغضاء؛ لأنها مؤنث.
"ولكن تحلق الدين" والمراد بحلق الدين أنها تمنع الإنسان من فعل الخيرات، والحضورِ في الصلوات، والمحبة الكاملة في الله تعالى؛ لأن مَن امتلأ صدره بالحسد والبغضاء لا يكون له محبةٌ كاملة في الله، وذوقٌ من الطاعات.
و"الحسد" في الحقيقة: مُضادَّة الله؛ لأن الحسود لا يرضى بقضاء الله، فإن الله تعالى هو الذي رزق المحسود الرفعةَ والزيادة على الحاسد، والحاسد
стр. 2374
لا يرضى بما رزق الله المحسود.
روى هذا الحديث الزبير بن العوام.
* * *
٣٩١٨ - عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إيَّاكُم والحَسَدَ! فإنَّ الحَسَدَ يأكلُ الحَسَناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحَطَبَ".
قوله: "فإن الحسد يأكل الحسنات" يحتمل هذا أمرين:
أحدهما: أن يكفر الحاسد بسبب حسده، فإن الحاسد لا يرضى بحكم الله، فربما يغلب عليه حقد وعداوة المحسود بحيث يتكلم بكلمة كفر، أو يغضب على ربه لأجل أنه يعطي المحسود المال والمنصب ولا يعطي الحاسد، فإذا كفر بطلت حسناته.
والأمر الثاني: أن يكون قوله: "يأكل الحسنات" معناه: يمنع الحسد الرجل عن فعل الحسنات، كما ذكر قبيل هذا.
* * *
٣٩٢٠ - عن أبي صِرْمَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن ضَارَّ ضارَّ الله بهِ، ومَن شاقَّ شَقَّ الله عليهِ".
قوله: "من ضار"؛ أي: من أوصل ضررًا إلى مسلم أوصل الله إليه الضرر، والضرر والمشقة متقاربان، إلا أن الضرر يستعمل في إتلاف مال أحد، والمشقة تستعمل في إيصال أذية إلى بدن أحد من تكليفه عملًا شاقًا.
* * *
٣٩٢٢ - عن ابن عُمَرَ قال: صَعِدَ رسولُ الله ﷺ المِنْبرَ فنادَى بصَوتٍ
стр. 2375
رفيعٍ فقال: "يا مَعْشرَ مَن أَسْلَمَ بلِسانِه ولم يُفْضِ الإِيمانُ إلى قلبهِ! لا تُؤْذُوا المُسلمينَ ولا تُعَيروهم، ولا تَتَّبعُوا عَوْراتِهم، فإنَّه مَن يَتَّبعْ عَوْرَة أخيهِ المُسلمِ يتَّبعِ الله عَوْرتَه، ومَن يتبع الله عورتَهُ يفضَحْهُ ولو في جَوْفِ رَحْلِهِ".
قوله: "ولم يفض الإيمان إلى قلبه", (أَفْضَى يُفضي): إذا وصل.
* * *
٣٩٢٣ - عن سعيدِ بن زَيدٍ، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ مِن أربَى الرِّبَا الاستِطالةَ في عِرْضِ المُسلِمِ بغيرِ حَقًّ".
قوله: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"، (أربى): أفعل التفضيل من الربا، و (الاستطالة): إطالة اللسان في غيبةِ أحدٍ أو قذفه أو شتمه؛ يعني: غيبة الناس وقذفهم أشد من أكل الربا وأخذه وإعطائه؛ لأن نفس المسلم أشرف من ماله، فإيذاءٌ يتعلق بنفسه أشدُّ من ضررٍ يتعلق بماله.
* * *
٣٩٢٤ - وعن أنسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لمَّا عَرَجَ بي ربي مرَرْتُ بقومٍ لهم أَظْفارٌ مِن نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وجُوهَهم وصُدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جِبْريلُ؟ قال: هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لحومَ النَّاسِ ويَقَعُونَ في أَعْراضهم".
قوله: "يأكلون لحوم الناس"؛ أي: يغتابونهم.
* * *
٣٩٢٥ - وعن أنسٍ، عن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَن حَمَى مُؤْمِنًا مِن مُنافِقٍ يعيبُه، بعثَ الله مَلَكًا يَحْمي لَحْمَهُ يومَ القيامةِ مِن نارِ جَهَنَّمَ، ومَن قَفا مُسْلِمًا بشيءٍ يريدُ شَيْنَهُ بهِ حَبَسَهُ الله على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتى يَخْرُجَ ممَّا قالَ".
стр. 2376
قوله: "من قفا مسلمًا"؛ أي: من تبع مسلمًا؛ يعني: مَن تجسَّس عن حال مسلم ليُظهر عيبه وليعيره حبسه الله على الصراط حتى ينقى من ذلك الذنب بإرضاء خصمه أو بالتعذيب.
* * *
٣٩٢٧ - عن المُستَوْرِدِ بن شدَّادٍ: أنَّ رَسولَ الله ﷺ قال: "مَن أَكَلَ برجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فإنَّ الله يُطعِمُه مِثلَها مِن جَهَنَّمَ، ومَن كُسِيَ ثَوْبًا برجُلٍ مُسلِمٍ فإنَّ الله يكسوهُ مثلَه مِن جَهَنَّمَ، ومَن قامَ برجُلٍ مَقامَ سُمعةٍ ورِياءٍ فإنَّ الله يُقيمُهُ مَقامَ سُمْعَةٍ ورِياءٍ يومَ القيامةِ".
قوله: "من أكل برجل مسلم أكلة"؛ يعني: مَن ذم وعيَّر عدوًا عند عدوه لرضا العدو المستمع؛ ليطعمه شيئًا، وليقول هذا العدو: إن هذا القائل صديقه = أطعمه الله من غسلين جهنم، ومثله: "من كسا ثوبًا برجل مسلم"؛ أي: بسبب غيبة رجل مسلم وقذفه.
"ومن قام برجل مقام سمعة ورياء" الباء في (برجل) يحتمل أن تكون للتعدية، وأن تكون الباء للسببية:
فإن كانت للتعدية يكون معنى الحديث: مَن أقام رجلًا مقام سمعة ورياء؛ يعني: من أظهر رجلًا بالصلاح والتقوى ليعتقد الناس فيه اعتقادًا حسنًا؛ ليعطوه المال وليحصل له منهم جاء، وعلم الذي يظهره بالصلاح أنه ليس بصالح، "فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء يوم القيامة"؛ يعني: يأمر الله تعالى ملائكته بأن ينادوا: إن هذا الرجل كذاب قد أظهر في الدنيا رجلًا بالصلاح مع علمه بأنه غير صالح؛ ليشترك فيما حصل له من المال.
وإن كانت الباء باء السببية يكون معنى الحديث: أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجلٌ عظيمُ القَدْرِ كثيرُ المال الصلاحَ والتقوى؛
стр. 2377
ليحصل له منه مالٌ وجاه، كما يقول الناس في العرف: هذا زاهد الأمير.
* * *
٣٩٢٨ - وقال: "حُسْنُ الظَّنِّ مِن حُسْنِ العِبادةِ".
قوله: "حسن الظن من حسن العبادة"؛ يعني: اعتقاد الخير والصلاح في حق المسلمين عبادة.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٩٢٦ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: اعتَلَّ بعيرٌ لِصَفِيَّةَ وعندَ زينبَ فَضْلُ ظَهرٍ، فقالَ رسولُ الله ﷺ لزينبَ: "أَعْطيها بَعيرًا"، فقالت: أنا أُعطي تلكَ اليهوديةَ! فغضبَ رسولُ الله ﷺ ، فهَجَرَها ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ وبعضَ صَفَرَ.
قوله: "اعتل بعير"؛ أي: مرض جمل.
"فضلُ ظهر"؛ أي: دابةٌ زائدةٌ على قَدْرِ حاجتها.
"فهجرها"؛ أي: تركها, ولم يدخل بيتها حتى مضى شهر ذي الحجة والمحرم وبعض الصفر.
* * *
١٨ - باب الحذَرِ والتَّأَنَّي في الأُمورِ
(باب الحذر والتأني في الأمور)
قوله: (التأني): ضد العجلة.
стр. 2378
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٢٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُلْدَغُ المُؤمنُ مِن جُحْرٍ واحدٍ مرَّتينِ".
قوله: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، يروى (ولا يلدغ) برفع الغين على أنه خبر، وبكسر الغين، وأصله السكون لأنه نهيٌ، فحُركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
ومعنى الحديث: أنه لا يجوز لمؤمن أن يُخدع في أمر الدين مرةً بعد مرة، مثل أن يجلس مع أحد فظنه صالحًا، فإذا جرَّبه يقينًا تبيَّن له أنه مبتدعٌ أو فاسق لا يقبل النصيحة، فإذا علم حاله لا يجوز له أن يجالسه بعد ذلك إلا أن يرجع إلى الصلاح، وعلى هذا فقس جميع الأمثلة.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
٣٩٣٠ - وقال لأَشَجِّ عبدِ القَيْسِ: "إنَّ فيكَ لخَصْلَتينِ يُحِبُّهما الله: الحِلْمُ والأَناةُ".
قوله: "الحلم والأناة"، (الحلم): تأخير مكافأة مَن ظلمك، هذا هو الأصل، ويستعمل في العفو عن الذنب.
و (الأناة): ضد العجلة، والأناة أيضًا: الثبات في الأمر؛ يعني: الثباتُ في الطاعات وأمور الخير محمود، والسكونُ وتركُ العجلة في الأمور الدنيوية محمودٌ أيضًا، والتعجيل في الأمور الأخروية مرضيٌّ كي لا يمنعه الشيطان عما قصد من الخير.
روى هذا الحديث ابن عباس.
اسم "الأشج": المنذر بن عبيد، روي أن الأشج قال لرسول الله ﷺ : أنا
стр. 2379
أتخلَّقُهما أم الله جبلني عليهما؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل الله جبلك عليهما"، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلَّتين يحبهما الله.
معنى أتخلقهما: أفعلهما بالتكلُّف، ومعنى جبلَ: خلقَ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٣٢ - عن أبي سعيدٍ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا حليمَ إلا ذو عَثرةٍ، ولا حَكيمَ إلا ذو تَجربةٍ"، غريب.
قوله: "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة"؛ أي: لا حليم كاملًا إلا ذو عثرة، ولا حكيم كاملًا إلا ذو تجربة.
(العثرة): الزلة.
يعني: لا حليم كاملًا إلا مَن وقع في زلةٍ وحصل منه خطأ، فإنه إذا وقع في زلة وحصل منه خطأ استخجل وأحبَّ غاية الحب أن يستر مَن رآه على عيبه، وأن يعفو عنه زلته، فإذا أحب أن يعفو عنه مَن رآه، عَلم أن العفو عن الناس والسترَ على عيوبهم محبوبٌ للناس، ومرضيٌّ لله تعالى.
وكذلك مَن جرب الأمور علم نفعها وضرها، والمصالح والمفاسد، فإذا علم مصالح الأمور ومفاسدها لا يفعل ما يفعل إلا عن الحكمة، و (الحكمة): إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل.
* * *
٣٩٣٣ - عن أنسٍ: أنَّ رَجُلًا قالَ للنبيَّ ﷺ : أَوْصِني، فقالَ: "خُذِ الأَمرَ بالتَّدبيرِ، فإنْ رأيتَ في عاقبتِه خَيْرًا فأمْضهِ، وإنْ خِفْتَ غَيًّا فأَمْسِكْ".
قوله: "خذ الأمر بالتدبير"، (التدبير): التفكُّر في الأمر، وطلبُ مصالحه
стр. 2380
ومفاسده، والنظرُ في عاقبته.
"فأمضه"؛ أي: فافعله.
"وإن خفت غيًا فأمسك"؛ يعني: إن خفت أن تكون عاقبته ضلالًا وخسارًا فاتركه.
* * *
٣٩٣٤ - عن مُصْعَبِ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ - قالَ الأَعْمَشُ: لا أعلَمُه إلا عن النبيِّ ﷺ قال: "التُّؤَدَةُ في كلِّ شَيءٍ خيرٌ إلا في عَمَلِ الآخِرةِ".
قوله: "التؤدة في كل شيء", (التُّؤَدة) بضم التاء وفتح الهمزة بمعنى التأني.
* * *
٣٩٣٦ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "إنَّ الهَدْيَ الصَّالحَ، والسَّمْتَ الصَّالحَ، والاقتِصادَ، جُزْءٌ مِن خَمْسةٍ وعِشرينَ جُزْءًا مِن النُّبوَّةِ".
قوله: "إن الهدي الصالح والسَّمْتَ الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة", (هدي الرجل): حالُه ومذهبه.
وقال أبو عبيد: (السمت) يكون على معنيين:
أحدهما: حسن الهيئة والمنظر في الدين، وليس من الجمال، ولكن هيئةُ أهل الخير ومنظرهم.
والوجه الآخر: أن السمت: الطريق.
و (الاقتصاد): سلوك القصد، والقصد: الوسط بحيث لا إفراط ولا تفريط؛ أي: لا إسراف ولا تقصير؛ يعني: لو بالغ في الطاعات لا يقدر أن يكون فيها على
стр. 2381
الدوام؛ لأنه يعجز.
قال الخطابي: يريد النبي ﷺ بهذا الحديث: أن هذه الخصال من خصال النبيين، فاقتدوهم فيها, وليس معناه: أن من اجتمعت فيه هذه الخصال يكون فيه جزءٌ من النبوة، بل النبوة مختصةٌ بالأنبياء؛ لأن النبوة عطاءٌ من الله، وليست بمكتسبة.
وقيل: معنى هذا الحديث: أن هذه الخصال مما جاء به النبيون، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فقد حصل فيه جزء من خمسة وعشرين جزءًا مما جاء به النبيون.
* * *
٣٩٣٧ - وعن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا حَدَّثَ الرَّجلُ بالحديثِ ثُمَّ التفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ".
قوله: "إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة" الضمير في (هي) ضمير الحكاية؛ لأن (الحديث) بمعنى الحكاية؛ يعني: إذا حدث أحدٌ عندك حديثًا ثم غاب، صار حديثه أمانةً عندك لا يجوز إضاعتها؛ أي: لا يجوز إفشاءُ تلك الحكاية.
* * *
٣٩٣٨ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأبي الهَيْثَمِ بن التَّيهانِ: "هلْ لكَ خَادِمٌ؟ " قال: لا، فقالَ: "فإذا أتَانَا سَبْيٌ فائتنا"، فأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ برَأسَينِ، فأتاهُ أبو الهَيْثمِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اختَرْ مِنْهُما", فقالَ: يا نَبيَّ الله اختَرْ لي، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ المُسْتَشارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هذا فإنَّي رأيتُه يُصلي، واستَوْصِ بهِ مَعْروفًا".
قوله: "إن المستشار مؤتمن"، (المستشار): هو الذي شاورته، و (شاور
стр. 2382
واستشار): إذا طلب رأي أحدٍ فيما يريد فعلَه من الأمور؛ أي: يسأله: هل لي مصلحة في هذا الفعل أم لا؟
(المؤتمن): من ائتمنته؛ أي: جعلْتَه أمينًا في حفظ سرك أو مالك؛ يعني: يجب على المستشار أن يخبر المستشير بما هو المصلحة.
"واستوص به معروفًا"؛ أي: مُرْه بالمعروف، وانصح له بالمعروف.
* * *
٣٩٣٩ - وقال: "المَجالِسُ بالأَمانةِ إلا ثلاثةَ مَجالسٍ: سَفْكُ دَمٍ حَرامٍ، أو فَرْجٌ حَرامٌ، أو اقتطاعُ مالٍ بغَيرِ حَقًّ".
قوله: "المجالس بالأمانة"؛ يعني: يجب على أهل المجلس أن يحفظوا سر أهل المجلس، لا يفشون ما جرى في المجلس من الأحاديث، وهذا إذا كان ذلك الحديث حديثًا يكره صاحبُه إفشاءَه.
أما مثل الزنا، وأخذ مال الغير، وسفك دمٍ: حرام: لا يجوز حفظ السر في هذه الثلاثة؛ يعني: من قال في مجلس: إني أريد قتل فلان، أو الزنا بفلانة، أو أخذ مال فلان؛ لا يجوز على المستمعين حفظ هذا السر، بل يجب عليهم إفشاؤه؛ ليفر مَن يريد قتله، أو الزنا بها، أو أخذ ماله.
روى هذا الحديث جابر.
* * *
٣٩٤٠ - وقال: "إنَّ مِن أعظَمِ الأَمانةِ عندَ الله تعالى يومَ القِيامةِ: الرَّجُلُ يُفْضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه ثم يُفشي سِرَّها".
قوله: "إن من أعظم الأمانة"؛ يعني: أولى سرًّ بأن يُحفظ هو السر الجاري بين الزوجين، لا يجوز لكل واحد منهما إفشاءَ سر صاحبه.
стр. 2383
"يفضي"؛ أي: يصل؛ يعني: رأى الزوج الزوجة وجامعها؛ ورأى كل واحد منهما صاحبه عريانًا، واطلع على ما فيه مما يُحمد أو يذم.
روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري ﵁.
* * *
١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق
(باب الرفق)
(الرفق): المداراة مع الناس، الرفيق: المُلاطف، والمداري: الراحم بصاحبه.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٤٤ - وقال: "إنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ".
قوله: "إن الحياء من الإيمان" قد ذُكر في أول الكتاب في قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" شرحُ هذا الحديث والذي بعده.
روى هذا الحديث أبو بكرة، والذي بعده عمران بن حصين.
* * *
٣٩٤٥ - وقال: "الحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ".
ويُروَى: "الحياءُ خيرٌ كلُّه".
قوله: "الحياء خير كله": هذا عام، والمراد به الخاص؛ أي: الحياء فيما لا يرضاه الله خيرٌ كله.
стр. 2384
روى هذا الحديث عمران بن حصين.
* * *
٣٩٤٦ - وقال: "إنَّ مِمَّا أدركَ النَّاسُ مِن كلامِ النُّبوَّةِ الأولى: إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شئتَ".
قوله: "من كلام النبوة (١) الأولى" قال الخطابي: معنى هذا الكلام: أن الحياء لم يزل أمرًا ثابتًا واستعمالُه واجبًا منذ زمان النبوة الأولى، فإنه ما من نبي إلا وقد ندب إلى الحياء، وبعث عليه، وإنه لم يُنسخ فيما نُسخ من شرائعهم ولم يبدَّل فيما بدِّل منها، وذلك أنه أمر قد عُلم صوابه، وبدا فضلُه، واتفقت العقول (٢) على حسنه، وما كان هذا صفته لم يَجْرِ عليه النسخُ والتبديل.
"فافعل ما شئت" هذا أمرٌ ومعناه الخبر؛ أي: إذا لم تستح فعلتَ ما شئت مما تدعوك إليه نفسك.
وقيل: هذا أمرُ وعيد؛ أي: فافعل ما شئت فإنك تُجازى بما فعلت.
روى هذا الحديث ابن مسعود.
* * *
٣٩٤٧ - عن النَّواسِ بن سَمْعانَ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإِثمِ، فقال: "البرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهتَ أنْ يطَّلِعَ عليهِ الناسُ".
стр. 2385
قوله: "ما حاك في صدرك", (حاك يَحيك حيكًا): إذا أثَّر كلام في القلب لكونه قبيحًا، أو (حاك): إذا تردَّد شيء في القلب؛ يعني: الإثم ما تردَّد في قلبك ولم تُرِدْ أن تُظهره لكونه قبيحًا.
* * *
٣٩٤٨ - وقال: "إنَّ مِن أحبكم إليَّ أَحْسنَكم أَخْلاقًا".
قوله: "إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا"، (حسن الخلق) معناه: العفو عن الذنوب، ومداراة الناس وتحمُّل أذاهم.
روى هذا الحديث ابن عمرو ﵄.
٣٩٤٩ - وقال: "إنَّ مِن خِيارِكم أَحْسَنَكم أَخْلَاقًا".
قوله: "إن من خياركم"، (الخيار): المختار من كل شيء.
روى هذا الحديث ابن عمرو ﵄.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٥١ - عن أبي هُريرَةَ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "الحياءُ مِن الإِيمانِ، والإيمانُ في الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِن الجَفاءِ, والجَفاءُ في النَّارِ".
قوله: "والإيمان في الجنة"؛ يعني: أهل الإيمان في الجنة.
"والبذاء من الجفاء", (البذاء): ضد الحياء.
"والجفاء في النار"؛ يعني: أهل الجفاء في النار، و (الجفاء) خلاف البر.
* * *